John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Hud

Tafsir al-Tabari · Hud · 123 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب لشعيب: ﴿يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول﴾ ، أي: ما نعلم حقيقة كثير مما تقول وتخبرنا به [[انظر تفسير " الفقه " فيما سلف ١٤: ٥٨٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وأنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ .

* *

ذُكِر أنه كان ضريرًا، فلذلك قالوا له: ﴿إنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ .

* *

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٠٧- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا أسد بن زيد الجصاص قال، أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ ، قال: كان أعمى. [[الأثر: ١٨٥٠٧ - " أسد بن زيد الجصاص "، لم أجد له ذكرا. وإنما يذكرون: " أسيد بن زيد بن نجيح الجمال "، وهو الذي يروي عن شريك، ويروي عنه أبو كريب وطبقته من شيوخ أبي جعفر الطبري، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ١٦ وأبي حاتم ١ / ١ / ٣١٨، وميزان الاعتدال ١: ١١٩. ولكن هذا " الجمال "، وذاك " الجصاص "، فلا أدري من يكون هذا الذي ذكره أبو جعفر.]]

١٨٥٠٨- حدثنا عباس بن أبي طالب قال، حدثني إبراهيم بن مهدي المصيصي قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن سفيان، عن سعيد، مثله.

١٨٥٠٩- حدثنا أحمد بن الوليد الرملي قال، حدثنا إبراهيم بن زياد وإسحاق بن المنذر، وعبد الملك بن زيد قالوا، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله. [[الأثر: ١٨٥٠٩ - " عبد الملك بن يزيد "، هكذا هو في المخطوطة، كما أثبته، وفي المطبوعة: " عبد الملك بن زيد "، غير ما في المخطوطة. ولم أعرف من يكون " عبد الملك بن يزيد " أو " ابن زيد "، الذي يروي عن شريك؟]]

١٨٥١٠-. . . . قال، حدثنا عمرو بن عون ومحمد بن الصباح قالا سمعنا شريكًا يقول في قوله: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ ، قال: أعمى.

١٨٥١١- حدثنا سعدويه قال، حدثنا عباد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، مثله. [[الأثر: ١٨٥١١ - " سعدويه، الضبي الواسطي "، هو " سعيد بن سليمان "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٦١١، ٢١٦٨، ١١٩٩٦، ١٣٨٠٩ (ج ١٢: ٥٨٥، تعليق: ١) . " وسعدويه "، يروي عن شريك، ولكنه يروي أيضًا عن عباد بن العوام، فروى عن شريك هنا بالواسطة.]]

١٨٥١٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان قوله: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ ، قال: كان ضعيف البصر = قال سفيان: وكان يقال له: "خطيب الأنبياء"

١٨٥١٣-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عباد، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿وإنا لنراك فينا ضعيفًا﴾ ، قال: كان ضرير البصر.

* *

= وقوله: ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ ، يقول: يقولون: ولولا أنك في عشيرتك وقومك = ﴿لرجمناك﴾ ، يعنون: لسببناك. [[في المطبوعة والمخطوطة: " لولا أنت في عشيرتك "، وأرجح أن الصواب ما أثبت.]]

* *

وقال بعضهم: معناه لقتلناك.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾ ، قال: قالوا: لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك.

* *

وقوله: ﴿وما أنت علينا بعزيز﴾ ، يعنون: ما أنت ممن يكرَّم علينا، فيعظمُ علينا إذلاله وهوانه، بل ذلك علينا هيّن. [[انظر تفسير " عزيز " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم، أعزّزتم قومكم، فكانوا أعزّ عليكم من الله، واستخففتم بربكم، فجعلتموه خلف ظهوركم، لا تأتمرون لأمره ولا تخافون عقابه، ولا تعظِّمونه حق عظَمته؟

* *

يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: "نَبَذ حاجته وراء ظهره"، [[انظر تفسير " نبذه وراء ظهره " فيما سلف ١: ٤٠٣، ٤٠٤ / ٧: ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٣.]] أي: تركها لا يلتفت إليها. وإذا قضاها قيل: "جعلها أمامه، ونُصْب عينيه "، ويقال: "ظَهَرتَ بحاجتي " و"جعلتها ظِهْرِيَّة"، أي: خلف ظهرك، كما قال الشاعر: [[هو أرطاة بن سهية المري.]]

وَجَدْنَا بَنِي البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ* [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٨، واللسان (ظهر) ، وكان أرطاة يهاجي شبيب بن البرصاء، وهما جميعًا من بني مرة بن سعد بن ذبيان، والهجاء بينهما كثير، وهذا منه. انظر الأغاني ١٣: ٢٩ - ٤٤ (دار الكتب) ترجمة أرطاة بن سهية = والأغاني ١٢: ٢٧١ - ٢٨١ (ساسي) ترجمة شبيب بن البرصاء. وصدر البيت: * فَمَنْ مُبْلِغٌ أبْنَاءَ مُرَّة أنَّنَا *]]

بمعنى: أنهم يَظْهَرون بحوائجِ النّاس فلا يلتفتون إليها.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥١٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعز عليهم من الله، وصَغُر شأن الله عندهم، عزَّ ربُّنا وجلَّ.

١٨٥١٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: قَفًا. [[هكذا في المطبوعة، ولها معنى، ولكن الذي في المخطوطة: " قصي "، وكأنه أراد " قصيا "، وهذا عندي أحب.]]

١٨٥١٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، يقول: عززتم قومكم، وأظهرْتم بربكم.

١٨٥١٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ ، قال: لم تراقبوه في شيء إنما تراقبون قومي ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ ، يقول: عززتم قومكم وأظهرتم بربكم.

١٨٥١٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: لم تراقبوه في شيء، إنما تراقبون قومي = ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، لا تخافونه

١٨٥٢٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أرهطي أعز عليكم من الله﴾ ، قال: أعززتم قومكم، واغتررتم بربكم، سمعت إسحاق بن أبي إسرائيل قال: قال سفيان: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، كما يقول الرجل للرجل: "خلَّفتَ حاجتي خلفَ ظهرك"، ﴿فاتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، استخففتم بأمره. فإذا أراد الرجل قضاء حاجةِ صاحبه جعلها أمامه بين يديه، ولم يستخفَّ بها.

١٨٥٢١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: "الظهْريّ"، الفَضْل، مثل الجمّال يخرج معه بإبل ظَهَارَّية، [[هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة: " ظهارية "، ولكن اللغة على أن جمع " ظهري "، " ظهاري "، فزيادة التاء هنا ضعيفة الوجه.]] فضل، لا يحمل عليها شيئًا، إلا أن يحتاج إليها. قال: فيقول: إنما ربكم عندكم مثل هذا، إن احتجتم إليه. وإن لم تحتاجوا إليه فليس بشيء.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: واتخذتم ما جاء به شعيبٌ وراءكم ظهريًّا = فالهاء في قوله: ﴿واتخذتموه﴾ ، على هذا من ذكر ما جاء به شعيب.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: تركتم ما جاء به شعيب

١٨٥٢٣-. . . . قال، حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: نبذوا أمره.

١٨٥٢٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ ، قال: نبذتم أمره.

١٨٥٢٥- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: همَّ رهط شعيب بتركهم ما جاء به وراء ظهورهم ظهريًّا.

١٨٥٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال=

١٨٥٢٧-. . . . وحدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، قال: استثناؤهم رهط شعيب، وتركهم ما جاءَ به شعيب وراء ظهورهم ظهريًّا.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك، لقرب قوله: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريًّا﴾ ، من قوله: ﴿أرهطي أعز عليكم من الله﴾ = فكانت الهاء في قوله: ﴿واتخذتموه﴾ ، بأن تكون من ذكر الله، لقرب جوارها منه، أشبهَ وأولى.

* *

وقوله: ﴿إن ربي بما تعملون محيط﴾ ، يقول: إن ربي محيط علمه بعملكم، [[انظر تفسير " محيط " فيما سلف ص: ٤٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فلا يخفى عليه منه شيء، وهو مجازيكم على جميعه عاجلا وآجلا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ٩٣ مَن﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل شعيب لقومه: ﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم﴾ ، يقول: على تمكنكم.

* *

يقال منه: "الرجل يعمل على مَكينته، ومَكِنته"، أي: على اتئاده، = "ومَكُن الرجل يمكُنُ مَكْنًا ومَكانةً ومَكانًا". [[انظر تفسير " المكانة " فيما سلف ص ١٢: ١٢٨، ١٢٩، وهنا زيادة في مصادره لا تجدها في كتب اللغة.]]

* *

وكان بعض أهل التأويل يقول في معنى قوله: ﴿على مكانتكم﴾ ، على منازلكم.

* *

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: ويا قوم اعملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه، إنّي عامل على تؤدةٍ من العمل الذي أعمله = ﴿سوف تعلمون﴾ ، أينا الجاني على نفسه، والمخطئ عليها، والمصيب في فعله المحسنُ إلى نفسه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل نبيّه شعيب لقومه: الذي يأتيه منّا ومنكم، أيها القوم = ﴿عذاب يخزيه﴾ ، يقول: يذله ويهينه [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف من فهارس اللغة (خزي) .]] ﴿ومن هو كاذب﴾ ، يقول: ويُخزي أيضًا الذي هو كاذب في قيله وخبره منا ومنكم = ﴿وارتقبوا﴾ ، أي: انتظروا وتفقدوا من الرقبة.

* *

يقال منه: "رقبت فلانًا أرْقُبه رِقْبَةً". [[انظر تفسير " الترقب " و " الرقيب " فيما سلف ٧: ٥٢٣، ٥٢٤ / ١١: ٢٣٩.]]

* *

وقوله: ﴿إني معكم رقيب﴾ ، يقول: إني أيضًا ذو رقبة لذلك العذاب معكم، وناظر إليه بمن هو نازل منا ومنكم؟ [[انظر تفسير " الترقب " و " الرقيب " فيما سلف ٧: ٥٢٣، ٥٢٤ / ١١: ٢٣٩.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء قضاؤنا في قوم شعيب، بعذابنا "نجينا شعيبًا" رسولنا، والذين آمنوا به فصدقوه على ما جاءهم به من عند ربهم مع شعيب، من عذابنا الذي بعثنا على قومه = ﴿برحمة منا﴾ ، له ولمن آمن به وأتبعه على ما جاءهم به من عند ربهم = وأخذت الذين ظلموا صيحة من السماء أخمدتهم، فأهلكتهم بكفرهم بربهم. [[انظر تفسير " الصيحة " فيما سلف ص: ٣٨٠.]] وقيل: إن جبريل عليه السلام، صاح بهم صَيحةً أخرجت أرواحهم من أجسامهم = ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، على ركبهم، وصرعى بأفنيتهم. [[انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف ص: ٣٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كأن لم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم الله بعذابه، حين أصبحوا جاثمين في ديارهم قبل ذلك. ولم يغنوا.

* *

= من قولهم: "غنيت بمكان كذا"، إذا أقمت به، [[انظر تفسير " غني بكذا " فيما سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠ / ١٥: ٥٦، ٣٨١.]] ومنه قول النابغة:

* *

غَنِيَتْ بِذَلِكَ إِذْ هُمُ لِي جِيرَةٌ ... مِنْهَا بِعَطْفِ رِسَالِةٍ وتَوَدُّدِ [[مضى البيت وشرحه فيما سلف ص: ٥٦.]]

وكما:-

١٨٥٢٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح، قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، قال يقول: كأن لم يعيشوا فيها.

١٨٥٢٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

١٨٥٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.

* *

= وقوله: ﴿ألا بعدًا لمدين كما بعدت ثمود﴾ ، يقول تعالى ذكره: ألا أبعد الله مدين من رحمته، بإحلال نقمته بهم [[انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص: ٣٣٤، ٣٦٧، ٣٨١.]] ="كما بعدت ثمود"، يقول: "كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته، بإنزال سخطه بهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء قضاؤنا في قوم شعيب، بعذابنا "نجينا شعيبًا" رسولنا، والذين آمنوا به فصدقوه على ما جاءهم به من عند ربهم مع شعيب، من عذابنا الذي بعثنا على قومه = ﴿برحمة منا﴾ ، له ولمن آمن به وأتبعه على ما جاءهم به من عند ربهم = وأخذت الذين ظلموا صيحة من السماء أخمدتهم، فأهلكتهم بكفرهم بربهم. [[انظر تفسير " الصيحة " فيما سلف ص: ٣٨٠.]] وقيل: إن جبريل عليه السلام، صاح بهم صَيحةً أخرجت أرواحهم من أجسامهم = ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، على ركبهم، وصرعى بأفنيتهم. [[انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف ص: ٣٨٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كأن لم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم الله بعذابه، حين أصبحوا جاثمين في ديارهم قبل ذلك. ولم يغنوا.

* *

= من قولهم: "غنيت بمكان كذا"، إذا أقمت به، [[انظر تفسير " غني بكذا " فيما سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠ / ١٥: ٥٦، ٣٨١.]] ومنه قول النابغة:

* *

غَنِيَتْ بِذَلِكَ إِذْ هُمُ لِي جِيرَةٌ ... مِنْهَا بِعَطْفِ رِسَالِةٍ وتَوَدُّدِ [[مضى البيت وشرحه فيما سلف ص: ٥٦.]]

وكما:-

١٨٥٢٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح، قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، قال يقول: كأن لم يعيشوا فيها.

١٨٥٢٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

١٨٥٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.

* *

= وقوله: ﴿ألا بعدًا لمدين كما بعدت ثمود﴾ ، يقول تعالى ذكره: ألا أبعد الله مدين من رحمته، بإحلال نقمته بهم [[انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص: ٣٣٤، ٣٦٧، ٣٨١.]] ="كما بعدت ثمود"، يقول: "كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته، بإنزال سخطه بهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا على توحيدنا، وحجةً تُبين لمن عاينها وتأملها بقلب صحيحٍ. [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

= وتفسير " مبين " فيمل سلف من فهارس اللغة (بين) .]] أنها تدل على توحيد الله، وكذب كل من ادّعى الربوبية دونه، وبُطُول قول من أشرك معه في الألوهية غيره = ﴿إلى فرعون وملئه﴾ ، يعني إلى أشراف جنده وتُبَّاعه [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فاتبعوا أمر فرعون﴾ ، يقول: فكذب فرعون وملأه موسى، وجحدوا وحدانية الله، وأبوا قبول ما أتاهم به موسى من عند الله، واتبع ملأ فرعون أمرَ فرعون دون أمر الله، وأطاعوه في تكذيب موسى، وردّ ما جاءهم به من عند الله عليه = يقول تعالى ذكره: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ يعني: أنه لا يُرشد أمر فرعون من قَبِله منه، في تكذيب موسى، إلى خير، [[في المطبوعة حذف قوله: " منه "، فأفسد الكلام إفسادًا.]] ولا يهديه إلا صلاح، بل يورده نار جهنم. [[انظر تفسير " رشيد " فيما سلف ص: ٤٥٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا على توحيدنا، وحجةً تُبين لمن عاينها وتأملها بقلب صحيحٍ. [[انظر تفسير " السلطان " فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

= وتفسير " مبين " فيمل سلف من فهارس اللغة (بين) .]] أنها تدل على توحيد الله، وكذب كل من ادّعى الربوبية دونه، وبُطُول قول من أشرك معه في الألوهية غيره = ﴿إلى فرعون وملئه﴾ ، يعني إلى أشراف جنده وتُبَّاعه [[انظر تفسير " الملأ " فيما سلف ص: ٣١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فاتبعوا أمر فرعون﴾ ، يقول: فكذب فرعون وملأه موسى، وجحدوا وحدانية الله، وأبوا قبول ما أتاهم به موسى من عند الله، واتبع ملأ فرعون أمرَ فرعون دون أمر الله، وأطاعوه في تكذيب موسى، وردّ ما جاءهم به من عند الله عليه = يقول تعالى ذكره: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ يعني: أنه لا يُرشد أمر فرعون من قَبِله منه، في تكذيب موسى، إلى خير، [[في المطبوعة حذف قوله: " منه "، فأفسد الكلام إفسادًا.]] ولا يهديه إلا صلاح، بل يورده نار جهنم. [[انظر تفسير " رشيد " فيما سلف ص: ٤٥٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿يقدم﴾ ، فرعون = ﴿قومه يوم القيامة﴾ ، يقودهم، فيمضي بهم إلى النار، حتى يوردهموها، ويصليهم سعيرها، ﴿وبئس الورد﴾ ، يقول: وبئس الورد الذي يردونه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٣١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ ، قال: فرعون يقدم قومه يوم القيامة، يمضى بين أيديهم حتى يهجم بهم على النار.

١٨٥٣٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ يقول: يقود قومه = "فأوردهم النار".

١٨٥٣٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: ﴿يقدم قومه يوم القيامة﴾ ، يقول: أضلهم فأوردهم النار.

١٨٥٣٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عمن سمع ابن عباس يقول في قوله: ﴿فأوردهم النار﴾ ، قال: "الورد"، الدُّخول.

١٨٥٣٥- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فأوردهم النار﴾ ، كان ابن عباس يقول: "الورد " في القرآن أربعةُ أوراد: في هود قوله: ﴿وبئس الورد المورود﴾ = وفي مريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [سورة مريم: ٧١] ، وورد في "الأنبياء": ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ، [سورة الأنبياء: ٩٨] ، وورد في "مريم" أيضًا: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [سورة مريم: ٧٢] كان ابن عباس يقول: كل هذا الدخول، والله ليردن جهنم كل برٍّ وفاجر: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ، [سورة مريم: ٨٦] .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وأتبعهم الله في هذه = يعني في هذه الدنيا = مع العذاب الذي عجله لهم فيها من الغرق في البحر، لعنتَه [[انظر تفسير " اللعنة " فيما سلف ١٢: ٤٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = (ويوم القيامة) ، يقول: وفي يوم القيامة أيضًا يلعنون لعنةً أخرى، كما:-

١٨٥٣٦- حدثنا بن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسه عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: لعنةً أخرى.

١٨٥٣٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: زِيدوا بلعنته لعنةً أخرى، فتلك لعنتان.

١٨٥٣٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ ، اللعنةُ في إثر اللعنة.

١٨٥٣٩-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة﴾ ، قال: زيدوا لعنة أخرى، فتلك لعنتان.

١٨٥٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿في هذه﴾ ، قال: في الدنيا = ﴿ويوم القيامة﴾ ، أردفوا بلعنة أخرى، زيدوها، فتلك لعنتان.

* *

وقوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، يقول: بئس العَوْن المُعان، اللعنةُ المزيدة فيها أخرى مثلها. [[في المخطوطة والمطبوعة: " أخرى منها "، وكأن الصواب ما أثبت.]]

* *

وأصل "الرفد"، العون، يقال منه: "رفَد فلانٌ فلانًا عند الأمير يَرفِده رِفْدًا " بكسر الراء = وإذا فتحت، فهو السَّقي في القدح العظيم، و"الرَّفد": القدحُ الضخم، ومنه قول الأعشى:

رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذَلِكَ الْيَوْ ... مَ وَأسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْتَالِ [[ديوانه: ١٣، من قصيدة طويلة من جياد شعره، يمدح فيها الأسود بن المنذر اللخمي أخا النعمان بن المنذر، الملك. وكان الأسود غزا الحليفين أسدًا وذبيان، ثم أغار على الطف، فأصاب نعمًا وأسرى وسبيًا من سعد بن ضبيعة (رهط الأعشى) ، وكان الأعشى غائبًا، فلما قدم وجد الحي مباحًا، فأتاه فأنشده، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم، ففعل. يقول: رب رجل كانت له إبل يحلبها في قدح له ولعياله، فاستقت الإبل، وذهب ما كان يحلبه الرفد، فكذلك هرقت ما حلب. " والأقتال " جمع " قتل " (بكسر فسكون) . و " القتل "، القرن من الأعداء، وهو أيضًا: المثل والنظير، وقال الأصمعي في شرح البيت وقد نقلت ما سلف من شرح ديوانه: " أقتال "، أشباه غير أعداء. وكان في المطبوعة والمخطوطة: " أقيال "، وهو هنا خطأ.]]

ويقال: "رَفد فلان حائطه"، وذلك إذا أسنده بخشبة، لئلا يسقط. و"الرَّفد"، بفتح الراء المصدر. يقال منه: "رَفَده يَرفِده رَفْدًا"، و"الرِّفْد"، اسم الشيء الذي يعطاه الإنسان، وهو "المَرْفَد".

* *

وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٤١- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنة الدنيا والآخرة.

١٨٥٤٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنهم الله في الدنيا، وزيد لهم فيها اللعنة في الآخرة.

١٨٥٤٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ ، قال: لعنة في الدنيا، وزيدوا فيها لعنةً في الآخرة.

١٨٥٤٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأتبعوا في هذه لعنه ويوم القمامة بئس الرفد المرفود﴾ ، يقول: ترادفت عليهم اللعنتان من الله، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.

١٨٥٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أصابتهم لعنتان في الدنيا، رفدت إحداهما الأخرى، وهو قوله: ﴿ويوم القيامة بئس الرفد المرفود﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: هذا القصص الذي ذكرناه لكَ في هذه السورة،، والنبأ الذي أنبأناكه فيها، من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم بالله، [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] وتكذيبهم رسله = ﴿نقصه عليك﴾ فنخبرك به [[انظر تفسير " القصص " فيما سلف ٩: ٤٠٢ / ١١: ٣٩٩ / ١٢: ١٢٠، ٣٠٧، ٤٠٦ / ١٣: ٧، ٢٧٤.]] = ﴿منها قائم﴾ ، يقول: منها قائم بنيانه، بائدٌ أهله هالك، [[في المطبوعة " بائد بأهله "، والصواب من المخطوطة، وزدت " قائم " قبل قوله: " بنيانه "، وبذلك تستقيم الجملة وتساوي التي تليها.]] ومنها قائم بنيانه عامر، ومنها حصيدٌ بنيانه، خرابٌ متداعٍ، قد تعفى أثرُه دارسٌ.

* *

من قولهم: "زرع حصيد"، إذا كان قد استؤصل قطعه، وإنما هو محصود، ولكنه صرف إلى "فعيل"، [[انظر تفسير " حصيد " فيما سلف ص: ٥٦.]] كما قد بينا في نظائره. [[انظر ما سلف من فهارس اللغة مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٤٦- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ ، يعني ب"القائم" قُرًى عامرة. و"الحصيد" قرى خامدة.

١٨٥٤٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿قائم وحصيد﴾ ، قال: "قائم " على عروشها = و"حصيد" مستأصَلة.

١٨٥٤٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿منها قائم﴾ ، يرى مكانه، ﴿وحصيد﴾ لا يرى له أثر.

١٨٥٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿منها قائم﴾ ، قال: خاوٍ على عروشه= ﴿وحصيد﴾ ، ملزقٌ بالأرض.

١٨٥٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن الأعمش: ﴿منها قائم وحصيد﴾ ، قال: خرَّ بنيانه.

١٨٥٥١- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿منها قائم وحصيد﴾ ، قال: "الحصيد"، ما قد خرَّ بنيانه.

١٨٥٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿منها قائم وحصيد﴾ ، منها قائم يرى أثره، وحصيدٌ بَادَ لا يرى أثره.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القرى التي اقتصَصنا نبأها عليك، يا محمد، بغير استحقاق منهم عقوبتنا، فنكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا هُمْ في غير موضعها = ﴿ولكن ظلموا أنفسهم﴾ ، يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبتَه وعذابه، فأحلوا بها ما لم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لم يكن لهم أن يوجبوه لها = ﴿فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء﴾ ، يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التي يدعونها من دون الله، [[انظر تفسير " أغني عنه " فيما سلف ص: ٢١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويدعونها أربابًا من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربُّهم من شيء، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه = ﴿لما جاء أمر ربك﴾ ، يا محمد، يقول: لما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ عليهم عقابه، ونزل بهم سَخَطه = ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مجيء أمر ربك هؤلاء المشركين بعقاب الله غير تخسيرٍ وتدميرٍ وإهلاك.

* *

يقال منه: "تبَّبْتُه أتبِّبُه تَتْبيبًا"، ومنه قولهم للرجل: "تبًّا لك"، قال جرير:

عَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ... أَلا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا تَبَابًا [[ديوانه: ٧٢، من قصيدته المشهورة في هجاء الراعي النميري، وكان سببها أن " عرادة النميري "، وهو رواية الراعي كان نديمًا للفرزدق، فقدم الراعي البصرة، فدعاه عرادة فأطعمه وسقاه وقال: فضل الفرزدق على جرير! فأبى. فلما أخذ فيه الشراب، لم يزل به حتى قال: يا صَاحِبَيَّ دَنا الرَّواحُ فَسِيرَا ... غَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهِجَاءِ جريرَا

فهاج الهجاء بينهما، فكان مما ذكر به عرادة قوله: أتَانِي عَنْ عَرَادَةَ قَوْلُ سُوءٍ ... فَلاَ وَأَبِي عُرَادَةَ مَا أَصَابَا

وَكَمْ لَكَ يَا عُرَادَةُ مِنْ أُمِّ سُوءٍ ... بَأَرْضِ الطَّلْحِ تَحْتَبِلُ الزَّبابَا

لَبِئْسَ الْكَسْبُ تَكْسِبُهُ نُمَيْرٌ ... إِذَا اسْتَأْنَوْكَ وانْتَظَروا الإِيابَا

وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عرابة "، وهو خطأ صرف.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٥٣- حدثني المثني قال، حدثنا سعيد بن سلام أبو الحسن البصري قال، حدثنا سفيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر في قوله: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، قال: غير تخسير. [[الأثر: ١٨٥٥٣ - " سعيد بن سلام، أبو الحسن البصري العطار الثوري الأعور "، منكر الحديث، كذاب يحدث عن الثوري، لا يكتب حديثه، مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٤٤١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣١، ولسان الميزان ٣: ٣١، وميزان الاعتدال ١: ٣٨٢. " ونسير بن ذعلوق الثوري "، ثقة، مضى برقم: ٥٤٩١، ١٣٤٨٨.]]

١٨٥٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿غير تتبيب﴾ ، قال: تخسير.

١٨٥٥٥- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٥٥٦-حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾ ، يقول: غير تخسير.

١٨٥٥٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿غير تتبيب﴾ ، قال: غير تخسير.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله تعالى ذكره، وإن كان خبرًا عمَّن مَضَى من الأمم قبلنا، فإنه وعيدٌ من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة، أنا إن سلكنا سبيلَ الأمم قبلَنا في الخلاف عليه وعلى رسوله، سلك بنا سبيلهم في العُقوبة = وإعلام منه لما أنه لا يظلم أحدًا من خلقه، وأن العباد هم الذين يظلمون أنفسهم، كما:-

١٨٥٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قال، اعتذر = يعني ربنا جل ثناؤه = إلى خلقه فقال: ﴿وما ظلمناهم﴾ ، مما ذكرنا لك من عذاب من عذبنا من الأمم، ﴿ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم﴾ ، حتى بلغ: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾ ، قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبيب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما أخذت، أيها الناس، أهلَ هذه القرى التي اقتصصت عليك نبأ أهلها بما أخذتُهم به من العذاب، على خلافهم أمري، وتكذيبهم رسلي، وجحودهم آياتي، فكذلك أخذي القرَى وأهلها إذا أخذتهم بعقابي، وهم ظلمة لأنفسهم بكفرهم بالله، وإشراكهم به غيره، وتكذيبهم رسله = ﴿إنَّ أخذه أليم﴾ ، يقول: إن أخذ ربكم بالعقاب من أخذه = ﴿أليم﴾ ، يقول: موجع = ﴿شديد﴾ الإيجاع.

* *

وهذا من الله تحذيرٌ لهذه الأمة، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وهذا أمر من الله تحذير. . . "، والصواب حذف " أمر "، كذلك فعلت.]] أن يسلكوا في معصيته طريق من قبلهم من الأمم الفاجرة، فيحل بهم ما حلَّ بهم من المثُلات، كما:-

١٨٥٥٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية، عن بريد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال، قال رسول الله ﷺ: إن الله يُمْلي= ورُبَّما، قال: يمهل = الظالمَ، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتُه. ثم قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ . [[الأثر: ١٨٥٥٩ - " بريد بن بردة "، هو " بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري "، يروي جده " أبي بردة "، ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ١٤٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٢٦.وقوله ": عن أبيه "، يعني عن " أبي بردة بن أبي موسى الأشعري "، وهو جده. وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٦٧) ، ومسلم في صحيحه ١٥: ١٣٧، وابن ماجة في سننه ص: ١٣٣٢، رقم: ٤٠١٨، والترمذي في كتاب التفسير. وإسناد البخاري ومسلم: " بريدة بن أبي بردة، عن أبيه "، وإسناد ابن ماجة " بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة " وعند الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية أيضًا، وهو إسناد الطبري: بريد بن عبد الله، عن أبي بردة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ذلك فقال: " كذا وقع لأبي ذر، ووقع لغيره: " عن أبي بردة " بدل: " عن أبيه "، وهو صواب، لأن بريدًا، هو ابن عبد الله بن أبي بردة، فأبو بردة جده لا أبوه، ولكن يجوز إطلاق الأب عليه مجازًا " (الفتح ٨: ٢٦٧) . وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح غريب، وقد روى أبو أسامة عن بريد، نحوه وقال: يعلى. حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، نحوه، وقال: يملى، ولم يشك فيه ".

وكان هنا في المخطوطة والمطبوعة: " إن الله يملي = وربما أمهل، قال يمهل "، زاد " أمهل "، فحذفتها، لأنها زيادة لا شك في خطئها.

" أملي له " أخره وأطال مدته. من " الملاوة "، وهي المدة من الزمن.]]

١٨٥٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: إن الله حذّر هذه الأمة سطوتَه بقوله: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ .

* *

وكان عاصم الجحدريّ يقرأ ذلك: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ ، [[كان في المطبوعة: " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى " وفي المخطوطة: " وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى "، والذي في المخطوطة، هو نفس التلاوة، ولذلك جعل الناشر " إذ " مكان " إذا ". ولكني لما رأيت أبا جعفر ذكر خلافه لمصاحف المسلمين وكان في المخطوطة: " إذا " قدرت أنه الذي أثبت، وهي قراءة شاذة، رويت عن عاصم الجحدري، وعن نافع (انظر القراءات الشاذة، لابن خالويه: ٦١) . وقرأ عاصم وطلحة بن مصرف: (وكَذَلِكَ أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ أَخَذَ القُرَى) وقرأ عاصم أيضا: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّك إِذْ أَخَذَ الْقُرَى) . فهي ثلاث قراءات عن عاصم الجحدري، أثبت أشدها خلافا لمصاحف المسلمين، وما عليه قرأة الأمصار.]] وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها مصاحف المسلمين، وما عليه قراء الأمصار.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن في أخذنا من أخذنا من أهل القرى التي اقتصصنا خبرَها عليكم أيها الناس لآية، يقول: لعبرة وعظة [[انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = لمن خاف عقاب الله وعذابه في الآخرة من عباده، وحجةً عليه لربه، وزاجرًا يزجره عن أن يعصي الله ويخالفه فيما أمره ونهاه.

* *

وقيل: بل معنى ذلك: إن فيه عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، بأن الله سيفي له بوَعْده.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن في ذلك لآيه لمن خاف عذاب الآخرة﴾ ، إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة، كما وفينا للأنبياء: أنا ننصرهم.

* *

وقوله: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس﴾ ، يقول تعالى ذكره: هذا اليوم = يعني يوم القيامة = ﴿يوم مجموع له الناس﴾ ، يقول: يحشر الله له الناس من قبورهم، فيجمعهم فيه للجزاء والثواب والعقاب = ﴿وذلك يوم مشهود﴾ ، يقول: وهو يوم تَشهده الخلائق، لا يتخلَّف منهم أحدٌ، فينتقم حينئذ ممن عصى الله وخالف أمره وكذَّب رُسُلَه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن مجاهد في قوله: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ ، قال: يوم القيامة.

١٨٥٦٣- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن عكرمة، مثله.

١٨٥٦٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف المكي، عن ابن عباس قال، "الشاهد"، محمد، و"المشهود"، يوم القيامة. ثم قرأ: ﴿ذلك يوم مجموعٌ له الناس وذلك يوم مشهود﴾ .

١٨٥٦٥- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن ابن عباس قال: "الشاهد"، محمد = و"المشهود"، يوم القيامة. ثم تلا هذه الآية: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ .

١٨٥٦٦- حدثت عن المسيب، عن جويبر، عن الضحاك قوله: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ ، قال: ذلك يوم القيامة، يجتمع فيه الخلق كلهم، ويشهدُه أهل السماء وأهل الأرض.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .

فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .

وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.

* *

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]

* *

وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.

* *

وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .

* *

يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:

حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ

و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.

١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.

١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.

١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق

١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]

* *

وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]

* *

وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.

١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

* *

ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]

وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.

١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".

١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]

١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.

١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]

* *

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.

١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

* *

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

* *

ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .

* *

وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .

فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .

وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.

* *

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]

* *

وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.

* *

وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .

* *

يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:

حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ

و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.

١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.

١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.

١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق

١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]

* *

وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]

* *

وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.

١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

* *

ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]

وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.

١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".

١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]

١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.

١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]

* *

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.

١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

* *

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

* *

ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .

* *

وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .

فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .

وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.

* *

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]

* *

وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.

* *

وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .

* *

يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:

حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ

و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.

١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.

١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.

١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق

١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]

* *

وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]

* *

وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.

١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

* *

ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]

وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.

١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".

١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]

١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.

١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]

* *

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.

١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

* *

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

* *

ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .

* *

وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نؤخّر يوم القيامة عنكم أن نجيئكم به إلا لأن يُقْضَى، فقضى له أجلا فعدّه وأحصَاه، فلا يأتي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يوم يأتي يوم القيامة، أيها الناس، وتقوم الساعة، لا تكلم نفس إلا بإذن رَبّها.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿يوم يأتي﴾ .

فقرأ ذلك عامّة قراء أهل المدينة بإثبات الياء فيها ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ .

وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة وبعض الكوفيين بإثبات الياء فيها في الوصل وحذفها في الوقف.

* *

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الياء في الوصل والوقف: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ، بحذف الياء في الوصل والوقف اتباعًا لخط المصحف، وأنها لغة معروفة لهذيل، تقول: "مَا أدْرِ مَا تَقول"، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا ... جُودًا وأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، اللسان (ليق) ، يقال: " ما يليق بكفه درهم " (بفتح الياء) أي: ما يحتبس = و " ما يلقيه القراء وهو "، أي: ما يحبسه.]]

* *

وقيل: ﴿لا تكلم﴾ ، وإنما هي "لا تتكلم"، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة الباقية منهما عليها.

* *

وقوله: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، يقول: فمن هذه النفوس التي لا تكلم يوم القيامة إلا بإذن ربها، شقيٌّ وسعيد = وعاد على "النفس"، وهي في اللفظ واحدة، بذكر الجميع في قوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ .

* *

يقول: تعالى ذكره: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير﴾ = وهو أوّل نُهاق الحمار وشبهه = ﴿وشهيق﴾ ، وهو آخر نهيقه إذا ردده في الجوف عند فراغه من نُهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:

حَشْرَجَ فِي الجَوْفِ سَحِيلا أَوْ شَهَقْ ... حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ [[ديوانه: ١٠٦، واللسان (حشرج) ، وسيأتي في التفسير ٢٩، ٤ (بولاق) ، من طويلته المشهوره، يصف فيها حمار الوحش، وبعده: كَأَنَّهُ مُسْتَنْشِقٌ مِن الشَّرَقْ ... خُرًّا من الخَرْدَلِ مَكْرُوهَ النَّشَقْ

و" حشرج " ردد الصوت في حلقه ولم يخرجه. و " السحيل "، الصوت الذي يدور في صدر الحمار في نهيقه.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، يقول: صوت شديدٌ وصوت ضعيف.

١٨٥٦٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية في قوله: ﴿لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، قال: "الزفير" في الحلق، و"الشهيق" في الصدر.

١٨٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، بنحوه.

١٨٥٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: صوت الكافر في النار صوت الحمار، أوّله زفير وآخره شهيق

١٨٥٧١- حدثنا أبو هشام الرفاعي، ومحمد بن معمر البحراني، ومحمد بن المثني، ومحمد بن بشار قالوا، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سليمان بن سفيان قال، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر قال، لما نزلت هذه الآية: ﴿فمنهم شقيّ وسعيد﴾ ، سألت النبي ﷺ فقلت: يا نبيّ الله، فعلام عَمَلُنا؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: على شيء قد فُرِغ منه، يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. [[الأثر: ١٥٨٧١ " سليمان بن سفيان التميمي "، ضعيف، منكر الحديث، يروي عن الثقات أحاديث مناكير. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٩، وميزان الاعتدال ١: ٤١٥. وهذا خبر ضعيف الإسناد، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٩٥، عن مسند أبي يعلي، وذكره الحافظ الذهبي في الميزان، بإسناده، عن أبي عامر العقدي. لكن معنى الخبر له شواهد في الصحيح.]]

* *

وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ويعني بقوله: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ ، أبدًا. [[انظر تفسير " ما دام " ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.]]

* *

وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، بمعنى أنه دائم أبدًا، وكذلك يقولون: "هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار". و"ما سمر ابنا سَمِير"، و"ما لألأت العُفْرُ بأذنابها " يعنون بذلك كله "أبدا". فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم فقال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك بنحو ما قلنا فيه.

١٨٥٧٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، قال: ما دامت الأرض أرضًا، والسماءُ سماءً.

* *

ثم قال: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، واختلف أهل العلم والتأويل في معنى ذلك فقال بعضهم: هذا استثناءٌ استثناه الله في بأهل التوحيد، أنه يخرجهم من النار إذا شاء، بعد أن أدخلهم النار.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: الله أعلم بثُنَياه. [[" الثنيا " (بضمك فسكون) و " الثنية "، على وزن (فعيلة) ، و " المثنوية "، كله الاستثناء.]]

وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، [[" سفعته النار والشمس سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته.]] ثم يدخلهم الجنة.

١٨٥٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، والله أعلم بثَنيَّته. [[انظر التعليق رقم: ١.]] ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: "الجهنَّميُّون".

١٨٥٧٥- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ، إلى قوله: ﴿لما يريد﴾ ، فقال عند ذلك: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يَخْرج قومٌ من النار = قال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُوراء. [[" أهل حروراء "، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد في النار، لأنهم يكفرون أهل الكبائر.]]

١٨٥٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان في قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناء في أهل التوحيد.

١٨٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ ، إلى قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة، فهم الذين استثنى لهم.

١٨٥٧٨- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، ثني معاوية، عن عامر بن جشيب، عن خالد بن معدان في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ، [سورة النبأ: ٢٣] ، وقوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، أنهما في أهل التوحيد. [[الأثر: ١٨٥٧٨ - " عامر بن جشيب الحمصي "، روى عن أبي أمامة، وخالد بن معدان، وغيرهما. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان في المطبوعة: " جشب "، وهو خطأ، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة. وهذا الخبر سيأتي في التفسير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) في تفسير سورة " النبأ ".]]

* *

وقال آخرون: الاستثناء في هذه الآية في أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ﴿فأما الذين شقوا ففي النار﴾ = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، لا من "الخلود".

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا ابن التيمي، عن أبيه، عن أبي نضرة، عن جابر أو: أبي سعيد = يعني الخدري = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ= في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ، قال: هذه الآية تأتي على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن ﴿خالدين فيها﴾ ، تأتي عليه = قال: وسمعت أبا مجلز يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تجاوَزَ عن عذابه.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٠- حدثت عن المسيب عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ ، لا يموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السموات والأرض، ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: استثناءُ الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين على جهنَّم زمان تخفِقُ أبوابُها، ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا.

١٨٥٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمرانًا وأسرعهما خرابًا.

* *

وقال آخرون: أخبرنا الله بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى ثُنْياه بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، أنها في الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض.قال: ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار. وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة، وجائز أن تكون في النقصان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: وأخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر أنه يدخلهم النار، خالدين فيها أبدًا إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة، كما قد بينا في غير هذا الموضع، [[في المطبوعة: " كذا قد بينا "، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.]] بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني مكانه، فمن وجده فليثبته.]]

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ، فغير جائز أن يكون استثناءً في أهل الشرك= وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله ﷺ أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دُخُولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناء في ذلك، كنا قد دخلنا في قول من يقول: "لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن"، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ. فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلا الثالث.

* *

ولأهل العربية في ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ، ونبينه إن شاء الله. [[انظر ما سيأتي ص: ٤٨٧ - ٤٨٩.]] .

* *

وقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك، يا محمد، لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره، من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء فعلَه، فيمضي فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضي فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله وقضاؤه "، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم " فعله " الأولى.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾

قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا﴾ ، بفتح السين.

* *

وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ ، بضم السين، بمعنى: رُزِقوا السعادة.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿سُعِدُوا﴾ ، فيما لم يسمَّ فاعله، ولم يقل: "أسعدوا"، وأنت لا تقول في الخبر فيما سُمِّى فاعله: "سعده الله"، بل إنما تقول: "أسعده الله"؟

قيل ذلك نظير قولهم: "هو مجنون " و"محبوب"، [[في المطبوعة والمخطوطة: " هو مجنون، محبوب "، والأجود الفصل بالواو.]] فيما لم يسمَّ فاعله، فإذا سموا فاعله قيل: "أجنه الله "، و"أحبه"، والعرب تفعل ذلك كثيرًا. وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا. [[غاب أيضًا عني مكانه، فمن وجده فليقيده.]]

* *

وتأويل ذلك: وأما الذين سعدوا برحمة الله، فهم في الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، يقول: أبدًا = ﴿إلا ما شاء ربك﴾ .

* *

فاختلف أهل التاويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، من قدر ما مكثوا في النار قبل دخُولهم الجنة. قالوا: وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك في قوله: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: هو أيضًا في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة. يقول: خالدين في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك. يقول: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ ، من الزيادة على قدر مُدّة دوام السموات والأرض، قالوا: وذلك هو الخلود فيها أبدًا.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبي مالك، يعني ثعلبة، عن أبي سنان: ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، قال: ومشيئته خلودهم فيها، ثم أتبعها فقال: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ .

* *

واختلف أهل العربية في وجه الاستثناء في هذا الموضع.

فقال بعضهم في ذلك معنيان:

أحدهما: أن تجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: "والله لأضربنَّك إلا أن أرى غير ذلك"، وعزمُك على ضربه. [[في معاني القرآن للفراء: " وعزيمتك على ضربه "، وهذا نص كلام الفراء.]] قال: فكذلك قال: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، ولا يشاؤه، [وهو أعلم] . [[الزيادة بين القوسين من معاني القرآن للفراء.]]

قال: والقول الآخر: أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله، ومع ما هو أكثر منه، [[في المطبوعة والمخطوطة: " ومع ما هو أكثر منه "، والصواب من معاني القرآن: " أو مع. . ".]] كان معنى "إلا " ومعنى "الواو" سواء. فمن كان قوله: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض﴾ = سوى ما شاء الله من زيادة الخلود، فيجعل "إلا" مكان "سوى" فيصلح، وكأنه قال: "خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد". ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلا ألفين اللذين [مِنْ قِبَل فلان"، أفلا ترى أنه في المعنى: لي عليك ألفٌ سِوَى الألفين] ؟ [[كان في المطبوعة والمخطوطة: " إلا الألفين اللذين قبلهما "، وليس فيهما بقية ما أثبت، وهو كلام مبهم، نقلت سائره، وزدته بين القوسين من معاني القرآن للفراء، فهذا نص كلامه.]] قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليّ، لأنّ الله لا خُلْفَ لوعده. [[في المطبوعة: " لا خلف لوعده "، وفي المخطوطة؛ " لا مخلف لوعده "، والصواب من معاني القرآن.]] وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، فدلَّ على أن الاستثناء لهم بقوله في الخلود غير منقطعٍ عنهم.

* *

وقال آخر منهم بنحو هذا القول. وقالوا: جائز فيه وجه ثالثٌ: وهو أن يكون استثنى من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ، إلى أن يصيُروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد. يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرْزَخ.

* *

وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السموات والأرض، بمعنى: الأبد، على ما تعرف العرب وتستعمل، وتستثنى المشيئة من داومها، لأنَّ أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقاتِ دوام السموات والأرض في الدنيا، لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة، وخالدين في النار، دوامَ السماء، والأرض، إلا ما شاء ربُّك من تعميرهم في الدنيا قبلَ ذلك.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القولُ الذي ذكرته عن الضحاك، وهو ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ ، من قدر مُكْثِهم في النار، من لدن دخلوها إلى أن ادخلوا الجنة، وتكون الآية معناها الخصوص، لأن الأشهر من كلام العرب في "إلا" توجيهها إلى معنى الاستثناء، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها، إلا أن يكون معها دلالةٌ تدلُّ على خلاف ذلك. ولا دلالة في الكلام = أعني في قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ = تدلُّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم في الكلام، فيُوَجَّه إليه.

* *

وأما قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، فإنه يعني: عطاءً من الله غيرَ مقطوع عنهم.

* *

من قولهم: "جذذت الشيء أجذّه جذًّا"، إذا قطعته، كما قال النابغة: [[في المخطوطة: " كما قال الشاعر النابغة "، وهي زيادة لا تجدي.]]

تَجذُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَيوقِدْنَ بِالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ [[ديوانه: ٤٤، واللسان (حبحب) ، (سلق) ، (صفح) ، من قصيدته المشهورة، يقول فيه قبله، في صفة سيوف الغسانيين، وذلك في مدحه عمرو بن الحراث الأعرج: وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

تُوُرِّثْن مِنْ أَزْمَانِ يَوْمِ حَلِيمةٍ ... إلى اليَوْمِ قَدْ جُرِّبنَ كُلَّ التَّجَارِبِ

تَقُدُّ السُّلُوقيّ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهذه رواية الديوان. و " السلوقي "، الدروع، منسوبة إلى " سلوق "، وهي مدينة. و " الصفاح " حجارة عراض. و " نار الحباحب "، الشرر الذي يسقط من الزناد. ورواية الديوان: " وتوقد بالصفاح "، وهما سواء.]] يعني بقوله: "تجذ": تقطع.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٥٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: غير مقطوع.

١٨٥٨٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، يقول: غير منقطع.

١٨٥٨٧- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، يقول: عطاء غير مقطوع.

١٨٥٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مجذوذ﴾ ، قال: مقطوع.

١٨٥٨٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: غير مقطوع.

١٨٥٩٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٥٩١-.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.

١٨٥٩٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج. عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٥٩٣-. . . . قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، قال: أما هذه فقد أمضَاها. يقول: عطاء غير منقطع.

١٨٥٩٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ ، غير منزوع منهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فلا تَك في شك، يا محمد، مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الآلهة والأصنام، [[انظر تفسير " المرية " فيما سلف من فهارس اللغة (مري) .]] أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه بالله شركٌ = ﴿ما يعبد هؤلاء إلا كما يعبد آباؤهم من قبل﴾ ، يقول: إلا كعبادة آبائهم، من قبل عبادتهم لها. يُخبر تعالى ذكره أنهم لم يعبدُوا ما عبدوا من الأوثان إلا اتباعًا منهم منهاج آبائهم، واقتفاءً منهم آثارهم في عبادتهموها، لا عن أمر الله إياهم بذلك، ولا بحجة تبيَّنوها توجب عليهم عبادتها.

ثم أخبر جل ثناؤه نبيَّه ما هو فاعل بهم لعبادتهم ذلك، فقال جل ثناؤه: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، يعني: حظهم مما وعدتهم أن أوفّيهموه من خير أو شر [[انظر تفسير " وفي " فيما سلف ١٤: ٣٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

= وتفسير " النصيب " فيما سلف ١٢: ٤٠٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿غير منقوص﴾ ، يقول: لا أنقصهم مما وعدتهم، بل أتمّم ذلك لهم على التمام والكمال، [[انظر تفسير " النقص " فيما سلف ١٤: ١٣٢.]] كما:-

١٨٥٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وإنا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.

١٨٥٩٦- حدثنا أبو كريب ومحمد بن بشار قالا حدثنا وكيع، عن سفيان عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله= إلا أن أبا كريب قال في حديثه: من خيرٍ أو شرّ.

١٨٥٩٧- حدثني المثني قال، أخبرنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما قُدِّر لهم من الخير والشر.

١٨٥٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وإنا لموفّوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: ما يصيبهم من خير أو شر.

١٨٥٩٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ ، قال: نصيبهم من العذاب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مسليًا نبيه في تكذيب مشركي قومه إياه فيما أتاهم به من عند الله، بفعل بني إسرائيل بموسى فيما أتاهم به من عند الله. يقول له تعالى ذكره: ولا يحزنك، يا محمد، تكذيب هؤلاء المشركين لك، وامض لما أمرك به ربُّك من تبليغ رسالته، فإن الذي يفعل بك هؤلاء من ردِّ ما جئتهم به عليك من النصيحة من فعل ضُربائهم من الأمم قبلهم وسنَّةٌ من سُنتهم.

ثم أخبره جل ثناؤه بما فعل قوم موسى به فقال: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ ، يعني: التوراة، كما آتيناك الفرقان، فاختلف في ذلك الكتاب قومُ موسى، فكذّب به بعضُهم وصدّق به بعضهم، كما قد فعل قومك بالفرقان من تصديق بعض به، وتكذيب بعض = ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولولا كلمة سبقت، يا محمد، من ربك بأنه لا يعجل على خلقه العذاب، ولكن يتأنى حتى يبلغ الكتاب أجله = ﴿لقضي بينهم﴾ ، يقول: لقضي بين المكذب منهم به والمصدِّق، بإهلاك الله المكذب به منهم، وإنجائه المصدق به = ﴿وإنهم لفي شك منه مريب﴾ ، يقول: وإن المكذبين به منهم لفي شك من حقيقته أنه من عند الله = ﴿مريب﴾ ، يقول: يريبهم، فلا يدرون أحقٌّ هو أم باطلٌ؟ ولكنهم فيه ممترون. [[انظر تفسير " مريب " فيما سلف ص: ٣٧٠، تعليق: ١.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قراء أهل المدينة والكوفة: ﴿وَإنَّ﴾ مشددة ﴿كُلا لَمَّا﴾ مشددة.

* *

واختلف أهل العربية في معنى ذلك:

فقال بعض نحويي الكوفيين: معناه إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا لممَّا ليوفينهم ربك أعمالهم = ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة، فبقيت ثنتان، فأدغمت واحدة في الأخرى، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

وَإِنِّي لَمِمَّا أُصْدِرُ الأَمْرَ وَجْهَهُ ... إِذَا هُوَ أَعْيى بالسَّبِيلِ مَصَادِرُهُ [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية. في المطبوعة: " لما " و " أعيى بالنبيل "، وكلاهما خطأ، صوابه من المخطوطة ومعاني القرآن. وقوله " لمما " هنا، ليست من باب " لما " التي يذكرها، إلا في اجتماع الميمات. وذلك أن قوله: " وإن كلا لمما ليوفينهم "، أصلها: " لمن ما "، " من " بفتح فسكون، اسم. وأما التي في البيت فهي " لمن ما "، " من " حرف جر، ومعناها معنى " ربما " للتكثير، وشاهدهم عليه قول أبي حية النميري (سيبويه ١: ٤٧٧) : وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَم.]]

ثم تخفف، كما قرأ بعض القراء: ﴿وَالْبَغْيْ يَعِظُكُمْ﴾ ، [سورة النحل: ٩٠] ، تخفُّ الياء مع الياء. [[هكذا في المخطوطة: " تخف "، وفي المطبوعة: " يخفف "، وأما الذي في معاني القرآن للفراء، وهذا نص كلامه: " بحذف الياء "، وهو الصواب الجيد.]] وذكر أن الكسائي أنشده: [[لم أعرف قائله.]]

وَأشْمَتَّ العُدَاةَ بِنَا فَأضْحَوْا ... لدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِينَا [[معاني القرآن للفراء في تفسير الآية، وفي المطبوعة والمخطوطة: " وأشمت الأعداء "، وهو خطأ، صوابه من معاني القرآن.]]

وقال: يريد "لديَّ يتباشرون بما لقينا"، فحذف ياء، لحركتهن واجتماعهن، قال: ومثله: [[لم أعرف قائله.]]

كأنَّ مِنْ آخِرِها الْقادِمِ ... مَخْرِمُ نَجْدٍ فارعِ المَخَارِمِ [[معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية. وكان في المطبوعة: " من أحرها "، و " محرم " و " المحارم "، وهو خطأ. و " المخرم "، (بفتح فسكون فكسر) ، الطريق في الجبل، وجمعه " مخارم ".]]

وقال: أراد: إلى القادم، فحذف اللام عند اللام.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإن كلا شديدًا وحقًّا، ليوفينهم ربك أعمالهم. قال: وإنما يراد إذا قرئ ذلك كذلك: ﴿وإنّ كلا لمَّا﴾ بالتشديد والتنوين، [[هذه قراءة الزهري، كما سيأتي ص: ٤٩٨.]] ولكن قارئ ذلك كذلك حذف منه التنوين، فأخرجه على لفظ فعل "لمَّا"، كما فعل ذلك في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ ، [سورة المؤمنون: ٤٤] ، فقرأ "تترى"، بعضهم بالتنوين، كما قرأ من قرأ: "لمَّا" بالتنوين، وقرأ آخرون بغير تنوين، كما قرأ ﴿لمَّا﴾ بغير تنوين من قرأه. وقالوا: أصله من "اللَّمِّ" من قول الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا﴾ ، يعني: أكلا شديدًا.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا إلا ليوفينهم، كما يقول القائل: " بالله لمَّا قمتَ عنا، وبالله إلا قمت عنا". [[في المطبوعة والمخطوطة: " لقد قمت عنا، وبالله إلا قمت عنا "، وذلك خطأ، ولا شاهد فيه، وصوابه من معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية.]]

* *

قال أبو جعفر: ووجدت عامة أهل العلم بالعربية ينكرون هذا القول، ويأبون أن يكون جائزًا توجيه "لمَّا" إلى معنى "إلا"، في اليمين خاصة. [[في المطبوعة، أسقط " إلا " الثانية، فأفسد الكلام.]] وقالوا: لو جاز أن يكون ذلك بمعنى إلا جاز أن يقال: "قام القوم لمَّا أخاك" بمعنى: إلا أخاك، ودخولها في كل موضع صلح دخول "إلا" فيه.

قال أبو جعفر: وأنا أرى أنّ ذلك فاسد من وجه هو أبين مما قاله الذين حكينا قولهم من أهل العربية، في فساده، وهو أنّ "إنّ" إثبات للشيء وتحقيق له، و"إلا"، تحقيق أيضًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وإلا أيضًا تحقق أيضًا "، حذفت أولاهما، لأنه تكرار ولا ريب.]] وإنما تدخل نقضًا لجحد قد تقدَّمها. فإذا كان ذلك معناها، فواجب أن تكون عندَ متأولها التأويلَ الذي ذكرنا عنه، أن تكون "إنّ" بمعنى الجحد عنده، حتى تكون "إلا نقضًا" لها. وذلك إن قاله قائل، قولٌ لا يخفى جهلُ قائله، اللهم إلا أن يخفف قارئ "إن" فيجعلها بمعنى "إن" التي تكون بمعنى الجحد. وإن فعل ذلك، فسدت قراءته ذلك كذلك أيضًا من وجه آخر، وهو أنه يصير حينئذ ناصبًا "لكل" بقوله: ليوفينهم، وليس في العربية أن ينصب ما بعد "إلا" من الفعل، الاسم الذي قبلها. لا تقول العرب: "ما زيدًا إلا ضربت"، فيفسد ذلك إذا قرئ كذلك من هذا الوجه، إلا أن يرفع رافع "الكل"، فيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القراء وخط مصاحف المسلمين، ولا يخرج بذلك من العيب لخروجه من معروف كلام العرب. [[في المطبوعة: " بخروجه "، والصواب من المخطوطة.]]

* *

وقد قرأ ذلك بعض قراء الكوفيين: ﴿وَإنْ كُلا﴾ بتخفيف "إن" ونصب ﴿كُلا لمَّا﴾ مشدّدة.

* *

وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك، أراد "إنّ" الثقيلة فخففها، وذكر عن أبي زيد البصري أنه سمع: "كأنْ ثَديَيْه حُقَّان"، فنصب ب "كأن"، والنون مخففة من "كأنّ"، ومنه قول الشاعر: [[من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها.]]

وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ [[سيبويه ١: ٢٨١، رفعًا " كأن ثدياه، وابن الشجري في أماليه ١: ٢٣٧ رفعًا ٢: ٣، نصبا، والخزانة ٤: ٣٥٨، والعيني (هامش الخزانة) ٢: ٣٠٥.]]

* *

وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف: ﴿إنْ﴾ ونصب ﴿كُلا﴾ ، وتخفيف ﴿لَمَا﴾ .

* *

وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك كذلك، قصدَ المعنى الذي حكيناه عن قارئ الكوفة من تخفيفه نون "إن" وهو يريد تشديدها، ويريد ب"ما" التي في "لما" التي تدخل في الكلام صلة، [[" صلة "، أي: زيادة، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.]] وأن يكون قَصَد إلى تحميل الكلام معنى: وإنّ كلا ليوفينهم.

ويجوز أن يكون معناه كان في قراءته ذلك كذلك: وإنّ كُلا ليوفينهم، أي: ليوفين كُلا = فيكون نيته في نصب "كل" كانت بقوله: "ليوفينهم"، فإن كان ذلك أراد، ففيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب. وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين اسمًا قبلَها.

* *

وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة: ﴿وَإنَّ﴾ مشددة ﴿كُلا لَمَا﴾ مخففة ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ . ولهذه القراءة وجهان من المعنى:

أحدهما: أن يكون قارئها أراد: وإن كلا لمَنَ ليوفينهم ربك أعمالهم، فيوجه "ما" التي في "لما" إلى معنى "من" كما قال جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، [سورة النساء: ٣] ، وإن كان أكثر استعمال العرب لها في غير بني آدم = وينوي باللام التي في "لما" اللام التي تُتَلقَّى بها "إنْ" جوابًا لها، وباللام التي في قوله: ﴿ليوفينهم﴾ ، لام اليمين، دخلت فيما بين ما وصلتها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [سورة النساء: ٧٢] ، وكما يقال: "هذا ما لَغَيرُه أفضلُ منه".

والوجه الآخر: أن يجعل "ما" التي في "لما" بمعنى "ما" التي تدخل صلة في الكلام، واللام التي فيها هي اللام التي يجاب بها، واللام التي في: ﴿ليوفينهم﴾ ، هي أيضًا اللام التي يجاب بها "إنّ" كررت وأعيدت، إذا كان ذلك موضعها، وكانت الأولى مما تدخلها العرب في غير موضعها، ثم تعيدها بعدُ في موضعها، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّةً ... لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعَا [[معاني القرآن للفراء، في تفسير الآية. وكان في المخطوطة والمطبوعة: " مصرعي "، وأثبت ما في معاني القرآن.]]

وقرأ ذلك الزهري فيما ذكر عنه: ﴿وإنَّ كُلا﴾ بتشديد "إنَّ"، و ﴿لمَّا﴾ بتنوينها، بمعنى: شديدًا وحقًا وجميعًا.

* *

قال أبو جعفر: وأصح هذه القراءات مخرجًا على كلام العرب المستفيض فيهم، قراءة من قرأ: "وَإنَّ" بتشديد نونها، "كُلا لَمَا" بتخفيف "ما" ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ ، بمعنى: وإن كل هؤلاء الذين قصَصَنا عليك، يا محمد، قصصهم في هذه السورة، لمن ليوفينهم ربك أعمالهم، بالصالح منها بالجزيل من الثواب، وبالطالح منها بالشديد من العقاب = فتكون "ما" بمعنى "مَن" واللام التي فيها جوابًا ل"إنّ"، واللام في قوله: ﴿ليوفيننم﴾ ، لام قسم.

* *

وقوله: ﴿إنه بما يعملون خبير﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن ربك بما يعمل هؤلاء المشركون بالله من قومك، يا محمد، "خبير"، لا يخفى عليه شيء من عملهم، بل يخبرُ ذلك كله ويعلمه ويحيط به، حتى يجازيهم على جميع ذلك جزاءهم. [[لنظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فاستقم أنت، يا محمد، على أمر ربك، والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه، كما أمرك ربك [[لنظر تفسير " الاستقامة " فيما سلف ص: ١٨٧.]] = ﴿ومن تاب معك﴾ ، يقول: ومن رجع معك إلى طاعة الله والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره = ﴿ولا تطغوا﴾ ، يقول: ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه. [[لنظر تفسير " طغى " فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ ، يقول: إن ربكم، أيها الناس، بما تعملون من الأعمال كلِّها، طاعتها ومعصيتها= "بصير"، ذو علم بها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو لجميعها مبصرٌ. [[لنظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة (بصر) .]] يقول تعالى ذكره: فاتقوا الله، أيها الناس، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علم بما تعلمون، وهو لكم بالمرصاد.

* *

وكان ابن عيينة يقول في معنى قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، ما:-

١٨٦٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن سفيان في قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ ، قال: استقم على القرآن.

١٨٦٠١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تطغوا﴾ ، قال: الطغيان: خلاف الله، وركوب معصيته. ذلك "الطغيان".

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا تميلوا، أيها الناس، إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم = ﴿فتمسكم النار﴾ ، بفعلكم ذلك [[لنظر تفسير " المس " فيما سلف ص: ٣٥٣، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] = وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم ووليّ يليكم [[لنظر تفسير " الأولياء " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿ثم لا تنصرون﴾ ، يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك لم ينصركم الله، بل يخلِّيكم من نصرته ويسلط عليكم عدوّكم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٠٢- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، يعني: الركون إلى الشرك.

١٨٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، يقول: لا ترضوا أعمالهم.

١٨٦٠٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، يقول: لا ترضوا أعمالهم. يقول: "الركون"، الرضى.

١٨٦٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، قال: لا ترضوا أعمالهم = ﴿فتمسكم النار﴾ .

١٨٦٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا﴾ ، قال: قال ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.

١٨٦٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، يقول: لا تلحقوا بالشرك، وهو الذي خرجتم منه.

١٨٦٠٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ ، قال: "الركون"، الإدهان. وقرأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ، [سورة القلم: ٩] ، قال: تركنُ إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ من كفرهم بالله وكتابه ورسله. قال: وإنما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك وليس لأهل الإسلام. أما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فالله أعلم بذنوبهم وأعمالهم. ما ينبغي لأحد أن يُصَالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وأقم الصلاة﴾ ، يا محمد، يعني: صَلِّ = ﴿طرفي النهار﴾ ، يعني الغداةَ والعشيَّ.

* *

واختلف أهل التأويل في التي عُنِيت بهذه الآية من صَلوات العشيّ، بعد إجماع جميعهم على أن التي عُنيت من صَلاة الغداة، الفجرُ.

فقال بعضهم: عُنيت بذلك صلاة الظهر والعصر. قالوا: وهما من صلاة العشيّ.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٠٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر، وصلاتي العشي = يعني الظهر والعصر.

١٨٦١٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

١٨٦١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الفجر، وصلاة العشي.

١٨٦١٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: فطرفا النهار: الفجرُ والظهرُ والعصرُ.

١٨٦١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: ﴿طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر والظهر والعصر.

١٨٦١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الفجر والظهر والعصر.

* *

وقال آخرون: بل عنى بها صلاة المغرب.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦١٥- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، يقول: صلاة الغداة وصلاة المغرب.

١٨٦١٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال. صلاة الغداة والمغرب.

١٨٦١٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الصبح، والمغرب.

* *

وقال آخرون: عني بها: صلاة العصر.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الفجر والعصر.

١٨٦١٩-. . . . قال: حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد القبائي، عن محمد بن كعب ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الفجر والعصر.

١٨٦٢٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: صلاة الصبح وصلاة العصر.

١٨٦٢١- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا مبارك، عن الحسن قال، قال الله لنبيه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: ﴿طرفي النهار﴾ ، الغداة والعصر.

١٨٦٢٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، يعني صلاة العصر والصبح.

١٨٦٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الغداة والعصر.

١٨٦٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن زيد، عن محمد بن كعب: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الفجر والعصر.

١٨٦٢٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن الحسن: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، قال: الغداة والعصر.

* *

وقال بعضهم: بل عنى بطرفي النهار: الظهر، والعصر، وبقوله: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، المغر ب، والعشاء، والصبح.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: "هي صلاة المغرب"، كما ذكرنا عن ابن عباس.

وإنما قلنا هو أولى بالصواب لإجماع الجميع على أن صلاة أحد الطرفين من ذلك صلاة الفجر، وهي تصلى قبل طلُوع الشمس. فالواجب إذ كان ذلك من جميعهم إجماعًا، أن تكون صلاةُ الطرف الآخر المغرب، لأنها تصلى بعد غُروب الشمس. ولو كان واجبًا أن يكون مرادًا بصلاة أحد الطرفين قبل غروب الشمس، وجب أن يكون مرادًا بصلاة الطرف الآخر بعدَ طلوعها، وذلك ما لا نعلم قائلا قاله، إلا من قال: "عنى بذلك صلاة الظهر والعصر". وذلك قول لا يُخِيلُ فساده، [[في المطبوعة: " لا نحيل فساده "، وهو كلام فاسد، وفي المخطوطة غير منقوطة. يقال: " أخال الشيء "، اشتبه. يقال " هذا الأمر لا يخيل على أحد "، أي لا يشكل. و " شيء مخيل "، مشكل. وقد مضى مثله وعلقت عليه في أوائل الكتاب، في مواضع.]] لأنهما إلى أن يكونا جميعًا من صلاة أحد الطرفين، أقربُ منهما إلى أن يكونا من صلاة طرفي النهار. وذلك أن "الظهر" لا شك أنها تصلَّى بعد مضي نصف النهار في النصف الثاني منه، فمحالٌ أن تكون من طرف النهار الأول، وهي في طرفه الآخر.

فإذا كان لا قائلَ من أهل العلم يقول: "عنى بصلاة طرف النهار الأول صلاةً بعد طلوع الشمس"، وجب أن يكون غير جائز أن يقال: "عنى بصلاة طرف النهار الآخر صلاةً قبل غروبها".

وإذا كان ذلك كذلك، صح ما قلنا في ذلك من القول، وفسدَ ما خالفه.

* *

وأما قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، فإنه يعني: ساعاتٍ من الليل.

* *

وهي جمع "زُلْفة"، و"الزلفة"، الساعة، والمنزلة، والقربة، وقيل: إنما سميت "المزدلفة " و"جمع " من ذلك، لأنها منزلٌ بعد عرفة = وقيل سميت بذلك، لازدلاف آدم من عَرَفة إلى حواء وهي بها، ومنه قول العجاج في صفة بعير:

ناجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ مِمَّا وجَفا ... طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفَا [[ديوانه: ٨٤، مجاز القرآن ١: ٣٠٠، وسيبويه ١: ١٨٠، واللسان (زلف) ، (حقف) ، (سما) ، (وجف) وغيرها كثير، وسيأتي في التفسير ١٩: ٥١ (بولاق) . وبعده هناك: سَمَاوَةَ الهِلاَلِ حَتَّى احْقَوْقَفَا

" الأين "، التعب. " وجف " من " الوجيف "، وهو سرعة السير. و " سماوة الهلال " شخصه، إذا ارتفع في الأفق شيئًا. و " احقوقف " اعوج.]]

* *

واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: ﴿وَزُلَفًا﴾ ، بضم الزاي وفتح اللام.

* *

وقرأه بعض أهل المدينة بضم الزاي واللام = كأنه وجَّهه إلى أنه واحدٌ، وأنه بمنزلة "الحُلُم".

* *

وقرأ بعض المكيين: ﴿وَزُلْفًا﴾ ، ضم الزاي وتسكين اللام.

* *

قال أبو جعفر: وأعجب القراءات في ذلك إليّ أن أقرأها: ﴿وزُلَفًا﴾ ، بضم الزاي وفتح اللام، على معنى جمع "زُلْفة"، كما تجمع "غُرْفَة غُرف"، و"حُجْرة حُجر".

وإنما اخترت قراءة ذلك كذلك، لان صلاة العشاء الآخرة إنما تصلى بعد مضيّ زُلَفٍ من الليل، وهي التي عُنِيت عندي بقوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: الساعات من الليل صلاة العتمة.

١٨٦٢٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٦٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٦٢٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿زلفًا من الليل﴾ يقول: صلاة العتمة.

١٨٦٣٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن عوف، عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: العشاء.

١٨٦٣١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس يعجبه التأخير بالعشاء ويقرأ: ﴿وزلفًا من الليل﴾ .

١٨٦٣٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: ساعة من الليل، صلاة العتمة.

١٨٦٣٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: العتمة، وما سمعت أحدًا من فقهائنا ومشايخنا، يقول "العشاء"، ما يقولون إلا "العتمة"

* *

وقال قوم: الصلاة التي أمر النبي ﷺ بإقامتها زُلَفًا من الليل، صلاة المغرب والعشاء.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٣٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع، واللفظ ليعقوب قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو رجاء عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: هما زُلفتان من الليل: صلاة المغرب، وصلاة العشاء.

١٨٦٣٥- حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب، والعشاء.

١٨٦٣٦- حدثني الحسن بن علي، قال ثنا أبي قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال الله لنبيه ﷺ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، قال: ﴿زلفًا من الليل﴾ : المغرب، والعشاء، قال رسول الله ﷺ هما زُلْفَتا الليل، المغرب والعشاء."

١٨٦٣٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب، والعشاء.

١٨٦٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

١٨٦٣٩- حدثني المثنى قال حدثنا أبو نعيم قال:، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

١٨٦٤٠-. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قد بيّن اللهُ مواقيتَ الصلاة في القرآن، قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [سورة الإسراء: ٧٨] ، قال: "دلوكها": إذا زالت عن بطن السماء، وكان لها في الأرض فيءٌ. وقال: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ ، الغداة، والعصر = ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، المغرب، والعشاء. قال: فقال رسول الله ﷺ: هُما زلفتا الليل، المغرب والعشاء.

١٨٦٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: يعني صلاة المغرب وصلاة العشاء.

١٨٦٤٢- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح بن سعيد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، المغرب والعشاء.

١٨٦٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، مثله.

١٨٦٤٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، المغرب والعشاء.

١٨٦٤٥- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عاصم بن سليمان، عن الحسن قال: زلفتا الليل، المغرب والعشاء.

١٨٦٤٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.

١٨٦٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عاصم، عن الحسن: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.

١٨٦٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وزلفًا من الليل﴾ ، قال: المغرب والعشاء.

١٨٦٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم، عن الحسن: ﴿زلفًا من الليل﴾ ، صلاة المغرب والعشاء.

* *

وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، يقول تعالى ذكره: إنّ الإنابة إلى طاعة الله والعمل بما يرضيه، يذهب آثام معصية الله، ويكفّر الذنوب. [[" الأثام "، عقوبة الإثم وجزاؤه. وأما " الآثام " فجمع " إثم "، وهو الذئب.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في الحسنات التي عنى الله في هذا الموضع، اللاتي يذهبن السيئات، فقال بعضهم: هنّ الصلوات الخمس المكتوبات.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٥٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي الورد بن ثمامة، عن أبي محمد ابن الحضرمي قال، حدثنا كعب في هذا المسجد، قال: والذي نفس كعب بيده، إن الصلوات الخمس لهُنّ الحسنات التي يذهبن السيئات، كما يغسل الماءُ الدَّرَنَ. [[الأثر: ١٨٦٥٠ - " الجريري "، هو " سعيد بن إياس الجريري "، سلف مرارًا. و " أبو الورد بن ثمامة بن حزن القشيري "، ويقال هو: " ثمامة بن حزن "، تابعي ثقة، لم يدرك غير واحد من الصحابة، وكان قليل الحديث. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧ / ١ / ١٦٤، والكنى للبخاري: ٧٩، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٥١ في الكنى، وفي " ثمامة بن حزن القشيري " ١ / ١ / ٤٦٥، ولم يقل هو " أبو الورد "، فكأنهما عنده رجلان. " وأبو محمد بن الحضرمي "، هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، والذي في كتب الرجال: " أبو محمد الحضرمي "، غلام أبي أيوب الأنصاري، مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري: ٦٦، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٣٢، ولم يذكروا له رواية عن كعب، ولكن هذا الخبر يدل على أنه رآه، وسمع منه، وروى عنه.]]

١٨٦٥١- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أفلح قال: سمعت محمد بن كعب القرظى يقول في قوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: هن الصلوات الخمس.

١٨٦٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.

١٨٦٥٣-. . . . قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إن الحسنات﴾ الصلوات.

١٨٦٥٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة جميعا، عن عوف، عن الحسن: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.

١٨٦٥٥- حدثني زريق بن السَّخت قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ، قال: الصلوات الخمس. [[الأثر: ١٨٦٥٥ - " رزيق بن السخت "، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٠٠٥١. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا ". . بن الشخب "، وهو خطأ.]]

١٨٦٥٦- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون، قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.

١٨٦٥٧- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن قال، الصلوات الخمس.

١٨٦٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.

١٨٦٥٩-. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سعيد الجريري قال، حدثني أبو عثمان، عن سلمان قال: والذي نفسي بيده، إن الحسنات التي يمحو الله بهن السيئات كما يغسل الماء الدَّرَن: الصلواتُ الخمس.

١٨٦٦٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس.

١٨٦٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مزيدة بن زيد، عن مسروق: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: الصلوات الخمس. [[الأثر: ١٨٦٦١ - " مزيدة بن زيد "، هكذا في المطبوعة، وفي المخطوطة غير منقوط، ولم أجد له ذكرًا في شيء من كتب الرجال، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لم أعرفه.]]

١٨٦٦٢- حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد القطواني قالا حدثنا عبد الله بن يزيد قال، أخبرنا حيوة قال، أخبرنا أبو عقيل زهرة بن معبد القرشي من بني تيم من رهط أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رحمة الله عليه يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاء المؤذن، فدعا عثمان بماءٍ في إناء، أظنه سيكون فيه قدر مُدٍّ، [[" المد " (بضم الميم) ، ضرب من المكاييل، قيل إنه مقدر بأن يمد الرجل يديه، فيملأ كفيه طعامًا.]] فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ وُضوئي هذا ثم قام فصلَّى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صَلَّى العصر، غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثمَّ صلَّى المغرب، غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلّى العشاء، غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثمَّ لعله يبيت ليلته يَتَمَرّغ، [[" التمرغ "، أصله التقلب في التراب. وأراد هنا أنه يبيت يتقلب في فراشه مطمئنًا رخي البال.]] ثم إن قام فتوضأ وصلَّى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهُنَّ الحسنات يذهبن السيئات. [[الأثر: ١٨٦٦٢ - " حيوة "، هو " حيوة بن شريح " المصري، الفقيه الزاهد، ثقة، مضر مرارًا. " وزهرة بن معبد القرشي التيمي "، " أبو عقيل "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٤٥١، ٥٤٥٧. " والحارث " هو: " الحارث بن عبيد "، " أبو صالح "، مولى عثمان، ثقة، مترجم في تعجيل المنفعة: ٧٨، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٩٥. وهذا الخبر صحيح الإسناد، رواه أحمد في مسنده مطولا رقم: ٥١٣، واستوفى أخي رحمه الله الكلام عليه هناك. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٩٧، وابن كثير في تفسيره ٤: ٤٠١ / ٥: ٢٨٩.

= والزيادة التي في المسند وغيره:

" قالوا: هذه الحسَنَات، فما الباقياتُ يا عُثمان؟ قال: هن: لا إلَه إلا الله، وسُبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله ". وستأتي هذه الزيادة منفردة بهذه الأسانيد في تفسير سورة الكهف الآية: ٤٦ / ج ١٥: ١٦٥، ١٦٦.]]

١٨٦٦٣- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة قال، حدثنا حيوة قال، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: جلس عثمان بن عفان يومًا على المقاعد = فذكر نحوه عن رسول الله ﷺ، إلا أنه قال: "وهن الحسنات إن الحسنات يذهبن السيئات". [[الأثر: ١٨٦٦٣ - مكرر الأثر السالف. " وأبو زرعة "، هو " وهب الله بن راشد المصري "، مضى مرارًا كثيرة. " والمقاعد "، بالمدينة، عند باب الأقبر، وقيل: هي مساقف حولها. وقيل: هي دكاكين عند دار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذكرها ياقوت في معجمه، ورأيت ذكر " المقاعد " أيضًا في مسند أحمد، في مسند عثمان: ٥٠٥.]]

١٨٦٦٤- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن يزيد، ورشدين بن سعد قالا حدثنا زهرة بن معبد قال: سمعت الحارث مولى عثمان بن عفان يقول، جلس عثمان بن عفان يوما على المقاعد، ثم ذكر نحو ذلك عن رسول الله ﷺ = إلا أنه قال: وهن الحسنات: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ . [[الأثر: ١٨٦٦٤ - مكرر الأثرين السالفين.

" رشدين بن سعد "، ضعيف، مضى مرارًا منها رقم: ١٩، ١٩٣٨، ٢١٧٦، ٢١٩٥، وغيرها. ولكن لهذا الخبر شاهد مما سلف في الصحاح، يقويه على ضعف رشدين.]]

١٨٦٦٥- حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا محمد بن إسماعيل قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: جعلت الصلوات كفارات لما بينهن، فإن الله قال: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ . [[الأثر: ١٨٦٦٥ - " محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي "، شيخ الطبري، مضى مرارًا. " ومحمد بن إسماعيل بن عياش الحمصي "، ضعيف، يحدث عن أبيه، ولم يسمع منه شيئًا، مضى برقم: ٥٤٤٥. وأبوه: " إسماعيل بن عياش الحمصي "، ثقة، متكلم فيه، مضى مرارًا كثيرة آخرها رقم: ١٤٢١٢. " وضمضم بن زرعة بن ثوب الحضرمي "، ثقة، وضعفه أبو حاتم، مضى برقم: ٥٤٤٥، ١٤٢١٢. " وشريح بن عبيد بن شريح الحضرمي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٤٤٥، ١٢١٩٤، ١٤٢١٢.وهذا خبر ضعيف الإسناد، من آفة " محمد بن إسماعيل عن أبيه "، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد مختصرًا ١: ٢٩٩، وقال: " وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا، قلت: وهذا من روايته عن أبيه. وبقية رجاله موثقون ".]]

١٨٦٦٦- حدثنا ابن سيار القزاز قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال، كنت مع سلمان تحت شجرة، فأخذ غصنا من أغصانها يابسًا فهزَّه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ، كنت معه تحت شجرة، فأخذ غصنًا من أغصانها يابسًا فهزه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان؟ فقلت: ولم تفعله؟ فقال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلَّى الصلوات الخمس، تحاتّت خطاياه كما تحاتَّ هذا الورق. ثم تلا هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٨٦٦٦ - " حماد "، هو " حماد بن سلمة ". " وعلي بن يزيد بن جدعان "، مضى مرارا كلام الأئمة فيه وأنه سيء الحفظ، ومضى أيضًا توثيق أخي السيد أحمد رحمه الله روايته. " وأبو عثمان النهدي "، هو " عبد الرحمن بن مل "، تابعي ثقة. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ٤٣٧، ٤٣٨، من طريق عفان عن حماد بنحو لفظ أبي جعفر في روايته، ومن طريق يزيد عن حماد بلفظ آخر. وسيرويه أبو جعفر بعد، من طريق قبيصة عن حماد، برقم: ١٨٦٧٧. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢٩٧، ٢٩٨، وقال: " رواه أحمد، والطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسناد أحمد: علي بن زيد، وهو مختلف في الاحتجاج به. وبقية رجاله رجال الصحيح ".]]

* *

وقال آخرون: هو قول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٦٧- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، قال: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، قولُ من قال في ذلك: "هن الصلوات الخمس"، لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ وتواترها عنه أنه قال: "مَثَلُ الصلوات الخمس مَثَلُ نَهْرٍ جَارٍ عَلَى بابِ أحَدِكم، ينغمس فيه كل يومٍ خمس مرات، فماذا يُبقينَ من دَرَنه؟ "، [[هذا الخبر رواه أبو جعفر بغير إسناد، رواه بنحو هذا اللفظ مالك في الموطأ ص: ١٧٤، من حديث سعد بن أبي وقاص، وروى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة (الفتح: ٢: ٩) ومسلم في صحيحه ٥: ١٦٩، ١٧٠.]] وأن ذلك في سياق أمر الله بإقامة الصلوات، والوعدُ على إقامتها الجزيلَ من الثواب عَقيبها، أولى من الوعد على ما لم يجر له ذكر من صالحات سائر الأعمال، إذا خُصّ بالقصد بذلك بعضٌ دون بعض.

* *

وقوله: ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، يقول تعالى ذكره: هذا الذي أوعدت عليه من الركون إلى الظلم، وتهددت فيه، والذي وعدت فيه من إقامة الصلوات اللواتي يُذهبن السيئات، تذكرة ذكّرت بها قومًا يذكُرون وعد الله، فيرجُون ثوابه ووعيده، فيخافون عقابه، لا من قد طبع على قلبه، فلا يجيب داعيًا، ولا يسمع زاجرًا.

* *

وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب رجل نالَ من غير زوجته ولا ملك يمينه بعضَ ما يحرم عليه، فتاب من ذنبه ذلك.

ذكر الرواية بذلك:

١٨٦٦٨- حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود قالا قال عبد الله بن مسعود: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجتُ امرأة في بعض أقطار المدينة، [[" عالجت امرأة "، يعني أخذها واستمتع بها، من " المعالجة "، وهي الممارسة. وهذا لفظ بليغ موجز. و " أقطار المدينة "، نواحيها، وفي رواية مسلم " في أقصى المدينة ".]] فأصبت منها ما دون أن أمسَّها، فأنا هذا، [[هذا تعبير عزيز، فقيده.]] فاقض فيَّ ما شئت! فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك! قال: ولم يردّ النبي ﷺ شيئًا. فقام الرجل فانطلق، فأتبعه النبيُّ ﷺ رجلا فدعاه، فلما أتاه قرأ عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال رجل من القوم: هذا لهُ يا رسول الله خاصَّةً؟ قال: بل للناس كافة. [[الأثر: ١٨٦٦٨٨ - حديث عبد الله بن مسعود، رواه أبو جعفر من طريقين:

١ - من طريق علقمة، والأسود، عن عبد الله بن مسعود، وذلك برقم: ١٨٦٦٨- ١٨٦٧٤.

٢ - من طريق أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، رقم: ١٨٦٧٦، وسأبينها جميعًا، طريقًا طريقًا، وكلها طرق صحاح.

" إبراهيم "، هو " إبراهيم بن يزيد النخعي "، روى له الجماعة، مضى مرارًا. " والأسود بن يزيد النخعي "، روى له الجماعة، وهو خال " إبراهيم بن يزيد النخعي "، مضى مرارًا. " وعلقمة "، هو " علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي "، وهو خال " إبراهيم النخعي "، لأنه عم خاليه الأسود، وعبد الرحمن، روى له الجماعة، مضى مرارًا. ومن طريق أبي الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، رواه مسلم في صحيحه (١٧: ٨٠) ، وأبو داود في سننه ٤: ٢٢٣ رقم: ٤٤٦٨، والترمذي في كتاب التفسير. وانظر التعليق على الطرق الآتية. ثم انظر التعليق على رقم: ١٨٦٧٥، في بيان اسم " الرجل " الذي فعل ذلك.]]

١٨٦٦٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان، فضممتها إليَّ وباشرتُها وقبَّلتها، وفعلت بها كلَّ شي غير أني لم أجامعها. فسكت عنه النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فدعاه النبي ﷺ فقرأها عليه، فقال عمر: يا رسول الله، أله خاصَّةً، أم للناس كافة؟ قال: لا بل للناس كافة = ولفظ الحديث لابن وكيع. [[الأثر: ١٨٦٦٩ - مكرر الذي قبله. ومن طريق وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، رواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٥٠.]]

١٨٦٧٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن زيد، يحدث عن علقمة، والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأةً في بستان، ففعلت بها كل شيء، غير أني لم أجامعها، قَبَّلتها، ولزمتُها، [[" لزمتها " يعني: عانقتها فأطلت العناق واستوعبته. وهذا الثلاثي بهذا المعنى قلها تجده في كتب اللغة، وإنما فيها: " التزمه "، أي: عانقه.]] ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل له رسول الله ﷺ شيئًا. فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه! فأتبعه رسولُ الله ﷺ بَصَره، فقال: "ردُّوه عليَّ! فردُّوه، فقرأ عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، قال: فقال معاذ بن جبل: أله وحده، يا نبي الله، أم للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة. [[الأثر: ١٨٦٧٠ - مكرر الذي قبله. ومن طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، ورواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٩٠.]]

١٨٦٧١- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود، عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخذت امرأة في البُستان فأصبتُ منها كل شيء، غير أني لم أنكحها، فاصنع بي ما شئت! فسكت النبي ﷺ، فلما ذهب دعاه فقرأ عليه هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٧١ - مكرر الذي قبله. ومن طريق أبي عوانة، عن سماك، رواه أحمد في مسنده رقم: ٤٢٩١، ولكنه أحاله على الذي قبله. وأبو داود الطيالسي في مسنده ص: ٣٧، رقم: ٢٨٥.]]

١٨٦٧٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود، عن عبد الله: أن رجلا لقي امرأةً في بعض طرق المدينة، فأصاب منها ما دون الجماع، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لهذا خاصة، أو لنا عامة؟ قال: بل لكم عامة. [[الأثر: ١٨٦٧٢ - " الحكم بن عبد الله العجلي "، " أبو النعمان "، ثقة حافظ، مضى برقم: ١٠١٨٥، ١٧٠١٣، ١٨٠٣٣. ومن هذه الطريق، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨٠، ٨١.]]

١٨٦٧٣- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال، أنبأني سماك قال، سمعت إبراهيم يحدث عن خاله، عن ابن مسعود: أن رجلا قال للنبي ﷺ: لقيت امرأة في حُشٍّ بالمدينة، [[" الحش "، البستان، عند أهل المدينة، انظر ما سلف رقم: ٣٠٨٦.]] فأصبت منها ما دون الجماع، نحوه. [[الأثر: ١٨٦٧٣ - لم أعثر عليه في مسند أبي داود الطيالسي، ومعروف أن المطبوع من هذا المسند ناقص غير تام. وانظر التعليق التالي. وفي المطبوعة والمخطوطة: " حدثنا أبو المثني "، والصواب " ابن المثني "، وهو " محمد بن المثني " شيخ الطبري.]]

١٨٦٧٤- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم البغدادي قال، حدثنا شعبة، عن سماك، عن إبراهيم، عن خاله، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ١٨٦٧٤ - " عمرو بن الهيثم البغدادي "، " أبو قطن "، ثقة، من ثقات أصحاب شعبة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٦٨. ومن هذه الطريق رواه أحمد في مسنده برقم: ٤٣٢٥. وقال أخي السيد أحمد: " خاله، إما: الأسود بن يزيد النخعي، وإما عبد الرحمن بن يزيد النخعي، فكلاهما خاله، وإما علقمة بن قيس النخعي، عم الأسود وعبد الرحمن. وقد روى إبراهيم الحديث عن ثلاثتهم مطولا ومختصرًا، كما مضى بأسانيد رقم: ٣٨٥٤، ٤٢٥٠، ٤٢٩٠، ٤٢٩١ ". وقد رواه أحمد برقم: ٣٥٨٤ من طريق سفيان الثوري، عن سماك، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، ورواه الترمذي في كتاب التفسير.]]

١٨٦٧٥- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء فُلانُ بن معتِّب رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله دخلت عليّ امرأة، فنلتُ منها ما ينالُ الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها؟ فلم يدر رسول الله ﷺ ما يجيبه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، الآية، فدعاه فقرأها عليه. [[الأثر: ١٨٦٧٥ - فصل الحافظ بن حجر في الفتح ٨: ٢٦٨، ٢٦٩، القول في اسم هذا الرجل، فذكر هذا الخبر، ثم قال: " وأخرجه ابن أبي خيثمة، لكن قال: إن رجلا من الأنصار يقال له: معتب = وقد جاء أن اسمه: كعب بن عمرو، و: أبو اليسر (بفتح التحتانية والمهملة) الأنصاري. أخرجه الترمذي، والنسائي، والبزار، من طريق موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو، أنه أتته امرأة، وزوجها قد بعثه رسول الله ﷺ في بعث "، الحديث، وسيأتي برقم: ١٨٦٨٤، ١٨٦٨٥.]]

١٨٦٧٦- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، وحدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل، وحدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان جميعًا، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأةٍ شيئًا لا أدري ما بلغ، غير أنه ما دون الزنا، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فنزلت: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال: لمن أخذَ بها من أمتي = أو: لمن عمل بها. [[الأثر: ١٨٦٧٦ - هذه هي الطريق الثانية، لحديث عبد الله بن مسعود، كما أشرت إليه في التعليق على رقم: ١٨٦٦٨. " وأبو عثمان " هو " عبد الرحمن بن مل النهدي " كما سلف مرارًا. وهذا حديث صحيح. ومن هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٢: ٧) من طريق يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي. ثم رواه أيضا (الفتح ٨: ٢٦٨، ٢٦٩) ، من الطريق نفسها، بلفظ مختلف قليلا. ورواه مسلم في صحيحه ١٧: ٧٩، ٨٠، من طريق يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، ثم من طريق محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن سليمان التيمي، وهو أحد طرق أبي جعفر في رواية هذا الخبر، بلفظ آخر. ورواه أحمد في مسنده برقم: ٣٦٥٣، عن يحيى، عن سليمان التيمي. ثم رواه أيضًا برقم: ٤٠٩٤، من الطريق نفسها. ورواه ابن ماجة في سننه ص: ٤٤٧، رقم: ١٣٩٨، وص ١٤٢١، رقم: ٤٢٥٤.

ورواه الترمذي في كتاب التفسير.]]

١٨٦٧٧- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان، فأخذ غصن شجرة يابسة فحتَّه، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ فأحسن الوضوء، تحاتَّت خطاياه كما يتحاتُّ هذا الورق! ثم قال: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٨٦٧٧ - هذه طريق أخرى للأثر السالف رقم: ١٨٦٦٦، وقد مضى تخريجه وشرحه هناك.]]

١٨٦٧٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة، وحسين الجعفي، عن زائدة قال، حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد أتاه منها، غير أنْ لم يجامعها؟ [[في المطبوعة: " غير أنه لم يجامعها "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب الجيد.]] فأنزل الله هذه الآية: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فقال له رسول الله ﷺ: توضأ ثم صلّ. قال معاذ: قلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال: بل للمؤمنين عامة. [[الأثر: ١٨٦٧٨ - حديث معاذ، يأتي أيضًا برقم: ١٨٦٨٢.

" أبو أسامة "، هو: " حماد بن اسامة "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا. " وحسين الجعفي "، هو: " حسين بن علي الجعفي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا." وزائدة "، هو: " زائدة بن قدامة "، ثقة، مضى مرارًا. " وعبد الملك بن عمير اللخمي "، المعروف بالنبطي، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٢٥٧٣. " وعبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارا، منها رقم: ٣٣، ٢١٥٦، ٢٩٣٧. وهذا إسناد صحيح. رواه أحمد في مسنده ٥: ٢٤٤ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وأبي سعيد، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير = وفيه رواية أبي سعيد، عن عبد الملك بن عمير مباشرة. " وأبو سعيد " هو " عبد الرحمن بن عبد الله، مولى بني هاشم، ثقة." وخرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٠٤، عن الحافظ الدارقطني، وسيأتي في التعليق على رقم: ١٨٦٨٢. ورواه الترمذي في كتاب التفسير. ثم سيأتي هذا الخبر موقوفًا على عبد الرحمن بن أبي ليلى برقم: ١٨٦٧٩، ١٨٦٨٠.]]

١٨٦٧٩- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن رجلا أصابَ من امرأة ما دون الجماع، فأتى النبي ﷺ يسأله عن ذلك، فقرأ رسول الله ﷺ = أو: أنزلت= ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية، فقال معاذ: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس عامة؟ قال: هي للناس عامة.

١٨٦٨٠- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أتى رجل النبي ﷺ، فذكر نحوه.

١٨٦٨١- حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال، حدثني عمرو بن الحارث قال، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال، حدثنا سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أقم فيَّ حَدّ الله = مرةً واثنتين. فأعرض عنه رسول الله ﷺ، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلاة، قال: أين هذا القائل: أقم فيَّ حدَّ الله؟ قال: أنا ذا! قال: هل أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ قال: نعم! قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمّك، فلا تَعُدْ! وأنزل الله حينئذ على رسوله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٨١ - " عبد الله بن أحمد بن شبويه الخزاعي "، شيخ الطبري، سلف مرارا، آخرها رقم: ١٥٣٧٩. " وإسحق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي "، هو " ابن زبريق "، ثقة، تكلموا فيه حسدًا. مضى برقم: ١٥٣٧٩. " وعمرو بن الحارث بن النعمان الزبيدي "، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: لا تعرف عدالته، مضى برقم: ١٥٣٧٩. " وعبد الله بن سالم الأشعري الوحاظي "، وثقه ابن حبان، مضى برقم: ١٥٣٧٩. " والزبيدي "، هو " محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي "، ثقة، روى له الشيخان، مضى مرارًا، آخرها رقم: ١٥٣٧٧. " وسليم بن عامر الكلاعي الحمصي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ١٢٨٠٧. وهذا إسناد حسن، ولم أجد حديث أبي أمامة مرويا من هذه الطريق، ولكن الأئمة رووه من طرق أخرى. رواه أحمد في مسنده من طريقين ٥: ٢٥١، ٢٦٢ من طريق عكرمة بن عمار اليمامي، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أمامة. ثم رواه ص: ٢٦٥، من طريق الأوزاعي، عن أبي عمار شداد، عن أبي أمامة. ومن الطريق الأولى، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨١، ٨٢. ومن الطريق الثانية رواه أبو داود في سننه ٤: ١٩١، رقم: ٤٣٨١.]]

١٨٦٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني جرير، عن عبد الملك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، رجلٌ أصاب من امرأة ما لا يحلُّ له، لم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا أتاه إلا أنه لم يجامعها؟ قال: يتوضأ وضوءًا حسنًا ثم يصلي. فأنزل الله هذه الآية: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) ، الآية، فقال معاذ: هي له يا رسول الله خاصة، أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة [[الأثر: ١٨٦٨٢ - هو مكرر الأثر السالف ١٨٦٧٨، وانظر تخريجه هناك.]]

١٨٦٨٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ذكر امرأة وهو جالسٌ مع النبي ﷺ، فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها. فأقبل الرجل يريد أن يُبَشّر النبي ﷺ بالمطر، فوجد المرأة جالسةً على غديرٍ، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادمًا حتى أتى النبي ﷺ فأخبره بما صنع، فقال له النبي ﷺ: استغفر ربَّك وصلّ أربع ركعات: قال: وتلا عليه: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٨٦٨٣ - " يحيى بن جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٧٤٧٢.]]

١٨٦٨٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن وهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أجود من هذا! فدخلت، فأهويت إليها فقبَّلتها. فأتيت أبا بكر فسألته، فقال: استر على نفسك وتُبْ واستغفر الله! فأتيت رسول الله ﷺ فقال: أخلَفْتَ رجلا غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا!! حتى ظننت أنّي من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ! قال: فأطرق رسول الله ﷺ ساعةً فنزل جبريل فقال: أين أبو اليسر؟ فجئت، فقرأ عليّ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، إلى: ﴿ذكرى للذاكرين﴾ ، قال إنسان: لهُ يا رسول الله، خاصةً، أم للناس عامة؟ قال: للناس عامة. [[الأثر: ١٨٦٨٤ - حديث أبي اليسر الأنصاري، سيأتي بعده بنحو إسناده. وانظر ما كتبه الحافظ بن حجر في اسمه فيما سلف في التعليق على رقم: ١٨٦٧٥.

" قيس بن الربيع الأسدي "، سلف مرارًا، آخرها رقم: ١٦٣٦٩، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون. " وعثمان بن موهب "، هو " عثمان بن عبد الله بم موهب التميمي "، ينسب إلى جده، ثقة. مضى برقم: ١٧٥٦٧. " وموسى بن طلحة بن عبيد الله القرشي "، تابعي ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٧٥٦٧ - ١٧٥٧١. وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: " هذا حديث حسن غريب. وقيس بن الربيع، ضعفه وكيع وغيره. وروى شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث، مثل رواية قيس بن الربيع ".]]

١٨٦٨٥- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر قال: لقيت امرأة فالتَزَمْتُها، غير أني لم أنكحها، فأتيت عمر بن الخطاب رحمة الله عليه فقال: اتق الله، واستر على نفسك، ولا تخبرنّ أحدًا! فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر رحمة الله عليه، فسألته فقال: اتق الله واستر على نفسك ولا تخبرن أحدًا! قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي ﷺ، فأخبرته فقال له: هل جهزت غازيًا في أهله؟ قلت: لا قال: فهل خلفت غازيًا في أهله؟ قلت: لا فقال لي، حتى تمنيت أني كنت دخلت في الإسلام تلك الساعة! قال: فلما وليت دعاني، فقرأ عليّ: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، فقال له أصحابه: ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة. [[الأثر: ١٨٦٨٥ - هو مكرر الأثر السالف.]]

١٨٦٨٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثني سعيد، عن قتادة: أن رجلا أصاب من امرأة قُبْلَةً، فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله هلكتُ! فأنزل الله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ .

١٨٦٨٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن سليمان التيمي قال: ضرب رجلٌ على كَفَلِ امرأة، ثم أتى أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما. فكلما سأل رجلا منهما عن كفارة ذلك قال: أمغزية هي [مادا] ؟ [[في المخطوطة هذا الذي وضعته بين القوسين، ولم أوفق إلى قراءته أو تبين معناه، وهما يكن فالسؤال واضح. وقوله: " مغزية "، فالمغزية هي المرأة التي غزا زوجها وبقيت وحدها في البيت، ومنه حديث عمر:

" ما بال رجالٍ لا يزال أحدهم كاسرًا وسادَه عند مُغْزِية، يتحدَّث إليها وتتحدث إليه! عليكم بالجَنْبة، فإنها عفافٌ. إنما الناس لحمٌ على وضَمٍ إلاّ ما ذُبَّ عنهُ ".]] قال: نعم قال: لا أدري! ثم أتى النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: أمغزية هي؟ قال: نعم! قال: لا أدري! حتى أنزل الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ .

١٨٦٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن عطاء، في قول الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، أنّ امرأة دخلت على رجل يبيعُ الدقيق، فقبَّلها فأسقِطَ في يده. فأتى عمر فذكر ذلك له، فقال: اتق الله، ولا تكن امرأةَ غازٍ! فقال الرجل: هي امرأة غازٍ. فذهب إلى أبى بكر، فقال مثل ما قال عمر. فذهبوا إلى النبي ﷺ جميعًا، فقال له: كذلك، ثم سكت النبي ﷺ فلم يجبهم، فأنزل الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ ، الصلوات المفروضات = ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ .

١٨٦٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: أقبلت امرأة حتى جاءت إنسانًا يبيع الدقيق لتبتاع منه، فدخل بها البيت، فلما خلا له قَبَّلها. قال: فسُقِط في يديه، فانطلق إلى أبي بكر، فذكر ذلك له، فقال: أبصر، لا تكونَنّ امرأة رجل غازٍ! فبينما هم على ذلك، نزل في ذلك: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل﴾ = قيل لعطاء: المكتوبة هي؟ قال: نعم، هي المكتوبة = فقال ابن جريج، وقال عبد الله بن كثير: هي المكتوبات.

قال ابن جريج: عن يزيد بن رومان: إن رجلا من بني غنم، دخلت عليه امرأةٌ فقبَّلها، ووضع يده على دُبُرها. فجاء إلى أبى بكر رضى الله عنه، ثم جاء إلى عمر رضى الله عنه، ثم أتى إلى النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أقم الصلاة﴾ ، إلى قوله: ﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾ ، فلم يزل الرجل الذي قبَّل المرأة يذكر، فذلك قوله: ﴿ذكرى للذاكرين﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي، وكفرهم برسلي [[انظر تفسير " القرن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ / ١٥: ٣٧.]] من قبلكم. ﴿أولو بقية﴾ ، يقول: ذو بقية من الفهم والعقل، [[انظر تفسير " البقية " فيما سلف ص: ٤٤٧ - ٤٤٩.]] يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به [[في المطبوعة والمخطوطة: " وعليهم " بإسقاط " ما "، والأجود إثباتها.]] = ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ ، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به، في أرضه [[انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]] = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابُه = وهم اتباع الأنبياء والرسل.

* *

ونصب "قليلا" لأن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء منقطع مما قبله، كما قال: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ ، [سورة يونس: ٩٨] . وقد بينا ذلك في غير موضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اعتذر فقال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ ، حتى بلغ: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ .

١٨٦٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ ، إلى قوله: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، قال: يستقلَّهم الله من كل قوم.

١٨٦٩٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا: " في العذر "، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق التالي.]] قال: فقال: سمعت الحسن يقول: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعث الله هودًا إلى عاد، فنجى الله هودًا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون. وبعث الله صالحًا إلى ثمود، فنجى الله صالحًا وهلك المتمتعون. فجعلت أستقريه الأمم، فقال: ما أراه إلا كان حسَّن القول في القَدر. [[في المطبوعة وحدها: " في العذر، والصواب من المخطوطة. ويعني أنه أمر قد فرغ منه، لقول الله سبحانه لنوح: " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم "، وذلك قبل أن يكونوا، وهو قول أهل الإثبات، من أهل الحق.]]

١٨٦٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، أي: لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ .

* *

وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، يقول تعالى ذكره: واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: ما أُنْظروا فيه.

١٨٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، من دنياهم.

=وكأنّ هؤلاء وجَّهوا تأويل الكلام: واتبع الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربُّهم من نعيم الدنيا ولذاتها، إيثارًا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: واتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق.

١٨٦٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال: وتركِهم الحق.

١٨٦٩٨- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله.

* *

= وذلك أن المترف في كلام العرب: هو المنعم الذي قد غُذِّي باللذات، ومنه قول الراجز: [[هو رؤبة.]]

نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفينَ الصُّدَّادْ ... إلى أمِير المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[سلف البيت وتخريجه وشرح فيما سلف ١١: ٢٢٣، تعليق: ١.، " الممتاد "، الذي نسأله العطاء فيعطي.]]

* *

وقوله: ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله. [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واصبر، يا محمد، على ما تلقى من مشركي قومك من الأذى في الله والمكروه، رجاءَ جزيل ثواب الله على ذلك، فإن الله لا يضيع ثوابَ عمل من أحسن فأطاع الله واتبع أمره، فيذهب به، بل يوَفّره أحوجَ ما يكون إليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فهلا كان من القرون الذين قصصت عليك نبأهم في هذه السورة، الذين أهلكتهم بمعصيتهم إياي، وكفرهم برسلي [[انظر تفسير " القرن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ / ١٥: ٣٧.]] من قبلكم. ﴿أولو بقية﴾ ، يقول: ذو بقية من الفهم والعقل، [[انظر تفسير " البقية " فيما سلف ص: ٤٤٧ - ٤٤٩.]] يعتبرون مواعظَ الله ويتدبرون حججه، فيعرفون ما لهم في الإيمان بالله، وعليهم في الكفر به [[في المطبوعة والمخطوطة: " وعليهم " بإسقاط " ما "، والأجود إثباتها.]] = ﴿ينهون عن الفساد في الأرض﴾ ، يقول: ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم، وأهل الكفر بالله عن كفرهم به، في أرضه [[انظر تفسير " الفساد في الأرض " فيما سلف من فهارس اللغة (فسد) .]] = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، يقول: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابُه = وهم اتباع الأنبياء والرسل.

* *

ونصب "قليلا" لأن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ استثناء منقطع مما قبله، كما قال: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ ، [سورة يونس: ٩٨] . وقد بينا ذلك في غير موضع، بما أغنى عن إعادته. [[انظر فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اعتذر فقال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم﴾ ، حتى بلغ: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، فإذا هم الذين نجوا حين نزل عذاب الله. وقرأ: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ .

١٨٦٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية﴾ ، إلى قوله: ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، قال: يستقلَّهم الله من كل قوم.

١٨٦٩٢- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال: سألني بلال عن قول الحسن في القدر، [[في المطبوعة والمخطوطة هنا: " في العذر "، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق التالي.]] قال: فقال: سمعت الحسن يقول: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم﴾ ، قال: بعث الله هودًا إلى عاد، فنجى الله هودًا والذين آمنوا معه وهلك المتمتعون. وبعث الله صالحًا إلى ثمود، فنجى الله صالحًا وهلك المتمتعون. فجعلت أستقريه الأمم، فقال: ما أراه إلا كان حسَّن القول في القَدر. [[في المطبوعة وحدها: " في العذر، والصواب من المخطوطة. ويعني أنه أمر قد فرغ منه، لقول الله سبحانه لنوح: " وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم "، وذلك قبل أن يكونوا، وهو قول أهل الإثبات، من أهل الحق.]]

١٨٦٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ ، أي: لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض = ﴿إلا قليلا ممن أنجينا منهم﴾ .

* *

وقوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، يقول تعالى ذكره: واتبع الذين ظلموا أنفسهم فكفروا بالله ما أترفوا فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: ما أُنْظروا فيه.

١٨٦٩٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، من دنياهم.

=وكأنّ هؤلاء وجَّهوا تأويل الكلام: واتبع الذين ظلموا الشيء الذي أنظرهم فيه ربُّهم من نعيم الدنيا ولذاتها، إيثارًا له على عمل الآخرة وما ينجيهم من عذاب الله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: واتبع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملك، وعتَوْا عن أمر الله.

ذكر من قال ذلك:

١٨٦٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾ ، قال: في ملكهم وتجبُّرهم، وتركوا الحق.

١٨٦٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال: وتركِهم الحق.

١٨٦٩٨- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثل حديث محمد بن عمرو سواء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر تعالى ذكره: أن الذين ظلموا أنفسهم من كل أمة سلفت فكفروا بالله، اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا وكفروا بالله، واتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله.

* *

= وذلك أن المترف في كلام العرب: هو المنعم الذي قد غُذِّي باللذات، ومنه قول الراجز: [[هو رؤبة.]]

نُهْدِي رُءُوسَ المُتْرَفينَ الصُّدَّادْ ... إلى أمِير المُؤْمِنِينَ المُمْتَادْ [[سلف البيت وتخريجه وشرح فيما سلف ١١: ٢٢٣، تعليق: ١.، " الممتاد "، الذي نسأله العطاء فيعطي.]]

* *

وقوله: ﴿وكانوا مجرمين﴾ ، يقول: وكانوا مكتسبي الكفر بالله. [[انظر تفسير " الإجرام " فيما سلف من فهارس اللغة (جرم) .]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان ربك، يا محمد، ليهلك القرى، التي أهلكها، التي قَصَّ عليك نبأها، ظُلمًا وأهلها مصلحون في أعمالهم، غير مسيئين، فيكون إهلاكه إياهم مع إصلاحهم في أعمالهم وطاعتهم ربّهم، ظلمًا، ولكنه أهلكها بكفر أهلها بالله وتماديهم في غيِّهم، وتكذيبهم رُسُلهم، وركوبهم السيئات.

* *

وقد قيل: معنى ذلك: لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله. وذلك قوله "بظلم" يعني: بشرك = ﴿وأهلها مصلحون﴾ ، فيما بينهم لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطَون الحقّ بينهم، وإن كانوا مشركين، إنما يهلكهم إذا تظالموا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، [[انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٣٥٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.

* *

وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين = ﴿إلا من رحم ربك﴾ .

* *

ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.

فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان = فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.

وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك

١٨٧٠١- حدثني المثني قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: هم الحنيفية.

١٨٧٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين.

١٨٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ.

١٨٧٠٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

١٨٧٠٦-. . . . قال، حدثنا معلي بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن قال: سئل الحسن عن هذه الآية: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف. فقلت له: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.

١٨٧٠٧-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٨-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الحقّ وأهل الباطل. ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٩-. . . . قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١٨٧١٠-. . . . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف.

١٨٧١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل القبلة.

١٨٧١٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ قال: أهل الباطل= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧١٣- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: لا يزالون مختلفين في الهوى.

١٨٧١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم.

١٨٧١٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام.

١٨٧١٦-. . . . قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الحسن بن واصل، عن الحسن: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾ . [[الأثر: ١٨٧١٦ - " الحسن بن واصل "، لم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. وأن يكون صوابه: " الحسن، عن واصل "، وكأنه يعني: " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة "، وهو يروي عن الحسن، مضى برقم: ٦٣٨٥، ١١٤٩٦، ١٢٦١٦.]]

١٨٧١٧-. . . . قال، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧١٨- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غنى.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، أن الحسن قال: مختلفين في الرزق، سخر بعضهم لبعض.

* *

وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة، أو كما قال.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم.

* *

وأما قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:

فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للاختلاف.

١٨٧٢١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: قلت للحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.

١٨٧٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عليه، عن منصور، عن الحسن، مثله.

١٨٧٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الحسن. بنحوه.

١٨٧٢٤-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، أن الحسن قال في هذه الآية: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه.

١٨٧٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم.

١٨٧٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، [سورة هود: ١٠٥] .

١٨٧٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: يهود ونصارى ومجوس= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام = ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: مؤمن وكافر.

١٨٧٢٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، قال، حدثنا الأعمش: "ولذلك خلقهم "، قال: مؤمن وكافر.

١٨٧٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٣٠- حدثني أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.

١٨٧٣١- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال للرحمة.

١٨٧٣٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٣٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٣٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: للرحمة خلقهم.

١٨٧٣٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة خلقهم.

١٨٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عمن ذكره عن ثابت، عن الضحاك: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.

١٨٧٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أهل الحقّ ومن اتبعه لرحمته.

١٨٧٣٨- حدثني سعد بن عبد الله قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك﴾ ، قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فعمّ بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له.

* *

فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.

* *

وأما قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ ، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره.

* *

وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ ، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين.

* *

وقوله: ﴿من الجنة﴾ ، وهي ما اجتَنَّ عن أبصار بني آدم = ﴿والناس﴾ ، يعني: وبنى آدم.

* *

وقيل: إنهم سموا "الجنة"، لأنهم كانوا على الجنان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: وإنما سموا "الجنة " أنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم "جنة"

١٨٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: "الجنة": الملائكة.

* *

وأما معنى قول أبى مالك هذا: أن إبليس كان من الملائكة، والجن ذريته، وأن الملائكة تسمى عنده الجن، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر تفسير " الجن " فيما سلف ١: ٥٠٢ - ٥٠٨.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو شاء ربك، يا محمد، لجعل الناس كلها جماعة واحدة على ملة واحدة، ودين واحد، [[انظر تفسير " الأمة " فيما سلف ص: ٣٥٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ ، يقول: لجعلهم مسلمين كلهم.

* *

وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، يقول تعالى ذكره: ولا يزال النَّاس مختلفين = ﴿إلا من رحم ربك﴾ .

* *

ثم اختلف أهل التأويل في "الاختلاف" الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به.

فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان = فتأويل ذلك على مذهب هؤلاء: ولا يزال الناس مختلفين على أديان شتى، من بين يهوديّ ونصرانيّ، ومجوسي، ونحو ذلك.

وقال قائلو هذه المقالة: استثنى الله من ذلك من رحمهم، وهم أهل الإيمان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفيَّة همُ الذين رحم ربُّك

١٨٧٠١- حدثني المثني قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى والمجوس، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: هم الحنيفية.

١٨٧٠٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال، أخبرنا منصور بن عبد الرحمن قال: قلت للحسن قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلفين.

١٨٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ.

١٨٧٠٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

١٨٧٠٦-. . . . قال، حدثنا معلي بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن قال: سئل الحسن عن هذه الآية: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: الناس كلهم مختلفون على أديان شتى، إلا من رحم ربك، فمن رحم غير مختلف. فقلت له: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته، وهؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.

١٨٧٠٧-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٨-. . . . قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الحقّ وأهل الباطل. ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧٠٩-. . . . قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١٨٧١٠-. . . . قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك: ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف.

١٨٧١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: اليهود والنصارى = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل القبلة.

١٨٧١٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ قال: أهل الباطل= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧١٣- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: لا يزالون مختلفين في الهوى.

١٨٧١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، فأهل رحمة الله أهل جماعة، وإن تفرقت دورهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة، وإن اجتمعت دورهم وأبدانهم.

١٨٧١٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام.

١٨٧١٦-. . . . قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الحسن بن واصل، عن الحسن: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل، ﴿إلا من رحم ربك﴾ . [[الأثر: ١٨٧١٦ - " الحسن بن واصل "، لم أجد له ذكرًا، وأخشى أن يكون فيه تحريف. وأن يكون صوابه: " الحسن، عن واصل "، وكأنه يعني: " واصل بن عبد الرحمن " " أبا حرة "، وهو يروي عن الحسن، مضى برقم: ٦٣٨٥، ١١٤٩٦، ١٢٦١٦.]]

١٨٧١٧-. . . . قال، حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: أهل الباطل = ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: أهل الحق.

١٨٧١٨- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلفين في الرزق، فهذا فقير وهذا غنى.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، أن الحسن قال: مختلفين في الرزق، سخر بعضهم لبعض.

* *

وقال بعضهم: مختلفين في المغفرة والرحمة، أو كما قال.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك، بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: "ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم على أديان وملل وأهواء شتى، إلا من رحم ربك، فآمن بالله وصدق رسله، فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين﴾ ، ففي ذلك دليلٌ واضح أن الذي قبله من ذكر خبره عن اختلاف الناس، إنما هو خبرٌ عن اختلاف مذموم يوجب لهم النار، ولو كان خبرًا عن اختلافهم في الرزق، لم يعقّب ذلك بالخبر عن عقابهم وعَذابهم.

* *

وأما قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:

فقال بعضهم: معناه: وللاختلاف خلقهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للاختلاف.

١٨٧٢١- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، قال: قلت للحسن: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ؟ فقال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.

١٨٧٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عليه، عن منصور، عن الحسن، مثله.

١٨٧٢٣- حدثني المثني قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز، عن منصور بن عبد الرحمن، عن الحسن. بنحوه.

١٨٧٢٤-. . . . قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، أن الحسن قال في هذه الآية: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلق هؤلاء لهذه، وخلق هؤلاء لهذه.

١٨٧٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أما أهل رحمة الله فإنهم لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم.

١٨٧٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم فريقين: فريقًا يرحم فلا يختلف، وفريقًا لا يرحم يختلف، وذلك قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ، [سورة هود: ١٠٥] .

١٨٧٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ ، قال: يهود ونصارى ومجوس= ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، قال: من جعله على الإسلام = ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: مؤمن وكافر.

١٨٧٢٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، قال، حدثنا الأعمش: "ولذلك خلقهم "، قال: مؤمن وكافر.

١٨٧٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا أشهب قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ ، قال: خلقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمة خلقهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٣٠- حدثني أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حسن بن صالح، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.

١٨٧٣١- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال للرحمة.

١٨٧٣٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٣٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٣٤-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو حفص، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: للرحمة خلقهم.

١٨٧٣٥- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة خلقهم.

١٨٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عمن ذكره عن ثابت، عن الضحاك: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: للرحمة.

١٨٧٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، قال: أهل الحقّ ومن اتبعه لرحمته.

١٨٧٣٨- حدثني سعد بن عبد الله قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك﴾ ، قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، لأن الله جل ذكره ذكر صنفين من خلقه: أحدهما أهل اختلاف وباطل، والآخر أهل حق، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، فعمّ بقوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ ، صفة الصنفين، فأخبر عن كل فريق منهما أنه ميَسَّر لما خلق له.

* *

فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذكرت، فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم، إذ كان لذلك خلقهم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا من رحم ربك﴾ ، فهداه للحقّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقي والسعيد خلقهم = فمعنى اللام في قوله: ﴿ولذلك خلقهم﴾ بمعنى "على" كقولك للرجل: أكرمتك على برك بي، وأكرمتك لبرك بي.

* *

وأما قوله: ﴿وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ ، لعلمه السابق فيهم أنهم يستوجبون صليها بكفرهم بالله، وخلافهم أمره.

* *

وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ ، قسم كقول القائل: حلفي لأزورنك، وبدًا لي لآتينك، ولذلك تُلُقِّيَت بلام اليمين.

* *

وقوله: ﴿من الجنة﴾ ، وهي ما اجتَنَّ عن أبصار بني آدم = ﴿والناس﴾ ، يعني: وبنى آدم.

* *

وقيل: إنهم سموا "الجنة"، لأنهم كانوا على الجنان.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك: وإنما سموا "الجنة " أنهم كانوا على الجنان، والملائكة كلهم "جنة"

١٨٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: "الجنة": الملائكة.

* *

وأما معنى قول أبى مالك هذا: أن إبليس كان من الملائكة، والجن ذريته، وأن الملائكة تسمى عنده الجن، لما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر تفسير " الجن " فيما سلف ١: ٥٠٢ - ٥٠٨.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وكلا نقصّ عليك﴾ ، يا محمد [[انظر تفسير " القصص " فيما سلف ص: ٤٧٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿من أنباء الرسل﴾ ، الذين كانوا قبلك [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] = ﴿ما نثبت به فؤادك﴾ ، فلا تجزع من تكذيب من كذبك من قومك، وردَّ عليك ما جئتهم به، ولا يضق صدرك، فتترك بعض ما أنزلتُ إليك من أجل أن قالوا: ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ ؟ إذا علمت ما لقي من قبلك من رسلي من أممها، [[انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف ٥: ٣٥٤، ٥٣١ / ٧: ٢٧٢، ٢٣٧ / ٨: ٥٢٩ / ١٣: ٤٢٧.]] كما:-

١٨٧٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ ، قال: لتعلم ما لقيت الرسل قبلك من أممهم.

* *

وأختلف أهل العربية في وجه نصب "كلا".

فقال بعض نحويي البصرة: نصب على معنى: ونقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك، كلا =، كأنَّ الكلّ منصوب عنده على المصدر من "نقص" بتأويل: ونقص عليك ذلك كلَّ القصص.

* *

وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية وقال: ذلك غير جائز، وقال إنما نصبت "كلا" ب "نقصّ"، لأن "كلا" بنيت على الإضافة، كان معها إضافةٌ أو لم يكن وقال: أراد: كلَّه نقص عليك، وجعل "ما نثبت" ردًّا على "كلا"، وقد بينت الصواب من القول في ذلك. [[انظر ما سلف في حكم " كل " ٦: ٢١٠، ثم تفسير " كل " فيما سلف ص: ٢١٢، وفهارس اللغة مادة (كلل) .]]

* *

وأما قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله:

فقال بعضهم: معناه: وجاءك في هذه السورة الحق.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٤٢- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس، عن أبي موسى: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.

١٨٧٤٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس معاوية بن قرة، عن أبي موسى، مثله.

١٨٧٤٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثني سعيد بن عامر قال، حدثنا عوف، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.

١٨٧٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن عمرو العنبري، عن ابن عباس: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.

١٨٧٤٦- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن رجل من بني العنبر قال: خطبنا ابن عباس فقال: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.

١٨٧٤٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير قال: سمعت ابن عباس قرأ هذه السورة على الناس حتى بلغ: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال في هذه السورة.

١٨٧٤٨- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن عوف، عن مروان الأصغر، عن ابن عباس أنه قرأ على المنبر: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ فقال: في هذه السورة

١٨٧٤٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ قال: في هذه السورة.

١٨٧٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:، في هذه السورة.

١٨٧٥١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٨٧٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٥٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، مثله.

١٨٧٥٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: هذه السورة.

١٨٧٥٥- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، مثله.

١٨٧٥٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه السورة.

١٨٧٥٧- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن، بمثله.

١٨٧٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شعبة، عن أبي رجاء عن الحسن. مثله.

١٨٧٥٩- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبان بن تغلب، عن مجاهد، مثله.

١٨٧٦٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ قال: في هذه السورة.

١٨٧٦١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة [مثله] . [[الزيادة بين القوسين، أرجو أن تكون هي الصواب.]]

١٨٧٦٢- حدثني المثني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن البصري يقول في قول الله: ﴿وجاءك في هذا الحق﴾ ، قال: يعني في هذه السورة.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحق.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٦٣- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثني قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ، قال: في هذه الدنيا.

١٨٧٦٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن شعبة، عن قتادة: ﴿وجاءك في هذا الحق﴾ ، قال: كان الحسن يقول: في الدنيا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال: وجاءك في هذه السورة الحق، لإجماع الحجة من أهل التأويل، على أن ذلك تأويله.

* *

فإن قال قائل: أو لم يجيء النبي ﷺ الحق من سور القرآن إلا في هذه السورة، فيقال: وجاءك في هذه السورة الحق؟

قيل له: بلى، قد جاءه فيها كلِّها.

فإن قال: فما وجه خصُوصه إذًا في هذه السورة بقوله: ﴿وجاءك في هذه الحق﴾ ؟ قيل: إن معنى الكلام: وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر سور القرآن = أو إلى ما جاءك من الحق في سائر سور القرآن= لا أن معناه: وجاءك في هذه السورة الحق دون سائر سور القرآن.

* *

وقوله: ﴿وموعظة﴾ يقول: وجاءك موعظةٌ تعظ الجاهلين بالله، وتبين لهم عبره ممن كفر به وكذب رسله [[انظر تفسير " الموعظة " فيما سلف ص: ١٠٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ يقول: وتذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله، كي لا يغفلوا عن الواجب لله عليهم.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com