John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Hud

Tafsir al-Tabari · Hud · 123 ayat · ayat 61–90 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة، ولا تجوز الألوهة إلا له = ﴿هو أنشأكم من الأرض﴾ ، يقول: هو ابتدأ خلقكم من الأرض. [[انظر تفسير " الإنشاء " فيما سلف ١٢: ١٥٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وإنما قال ذلك لأنه خلق آدم من الأرض، فخرج الخطاب لهم، إذ كان ذلك فعله بمن هم منه.

* *

= ﴿واستعمركم فيها﴾ ، يقول: وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم.

* *

= من قولهم: "أعْمر فلانٌ فلانًا دارَه"، و"هي له عُمْرَى". [[" عمري " (بضم فسكون، فراء مفتوحة) ، مصدر مثل " الرجعي ": و " أعمره الدار "، جعله يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلى صاحبها. وكان ذلك من فعل الجاهلية، فأبطله الله بالإسلام فقال رسول الله ﷺ: " لا تعمروا ولا ترقبوا "، فمن أعمر دارًا أو أرقبها، فهي لورثته من بعده ".]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٨٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿واستعمركم فيها﴾ ، قال: أعمركم فيها

١٨٢٨٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واستعمركم فيها﴾ ، يقول: أعمركم

* *

وقوله: ﴿فاستغفروه﴾ ، يقول: اعملوا عملا يكون سببًا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به، وإخلاص العبادة له دون ما سواه، واتباعُ رسوله صالح = ﴿ثم توبوا إليه﴾ ، يقول: ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم، إلى ما يرضاه ويحبه = ﴿إن ربي قريب مجيب﴾ ، يقول: إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيبٌ له إذا دعاه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت ثمود لصالح نبيِّهم: ﴿يا صالح قد كنت فينا مرجوًّا﴾ ، أي كنا نرجُو أن تكون فينا سيدًا قبل هذا القول الذي قلته لنا، من أنه مالنا من إله غير الله [[انظر تفسير " الرجاء " فيما سلف ٤: ٣١٩.]] = ﴿أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا﴾ ، يقول: أتنهانا أن نعبد الآلهة التي كانت آباؤنا تعبدها = (وإننا لفي شك مما تدعونَا إليه مريب) ، يعنون أنهم لا يعلمون صحَّة ما يدعوهم إليه من توحيد الله، وأن الألوهة لا تكون إلا لهُ خالصًا.

* *

وقوله: ﴿مريب﴾ ، أي يوجب التهمة، من "أربته فأنا أريبه إرابة"، إذا فعلت به فعلا يوجب له الريبة، [[انظر تفسير " الريبة " فيما سلف من فهارس اللغة (ريب) .]] ومنه قول الهذلي: [[هو خالد بن زهير الهذلي]]

كُنْتُ إِذَا أَتَوْتُه مِنْ غَيْبِ ... يَشَمُّ عِطْفِي وَيبُزُّ ثَوْبِي

كَأَنَّمَا أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ* [[ديوان الهذليين ١: ١٦٥، واللسان (ريب) (بزز) ، (أتى) ، وغيرها كثير، وسيأتي في التفسير ٢٢: ٧٦ (بولاق) . وكان خالد بن زهير، ابن أخت أبي ذؤيب، وكان رسول أبي ذؤيب إلى صديقته، فأفسدها عليه، فكان يشك في أمره، فقال له خالد: يَا قَوْمِ مَالِي وَأَبَا ذُؤَيْبِ ... كُنْتُ إذَا أَتَوْتُه من غَيْبِ

" أتوته "، لغة في " أتيته "، وقوله: " من غيب "، من حيث لا يدري، لأن " الغيب "، هو الموضع الذي لا يدري ما ورائه. و" يبز ثوبي "، أي يجذبه إليه، يريد أن يمسكه حتى يستخرج خبء نفسه، من طول ارتيابه فيه.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال صالح لقومه من ثمود: ﴿يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي﴾ ، يقول: إن كنت على برهان وبيان من الله قد علمته وأيقنته [[انظر تفسير " البينة " فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] = ﴿وآتاني منه رحمة﴾ ، يقول: وآتاني منه النبوة والحكمة والإسلام =

﴿فمن ينصرني من الله إن عصيته﴾ ، يقول: فمن الذي يدفع عنِّي عقابه إذا عاقبني إن أنا عصيته، فيخلصني منه = ﴿فما تزيدونني﴾ ، بعذركم الذي تعتذرون به، من أنكم تعبدون ما كان يعبدُ آباؤكم، ﴿غير تخسير﴾ ، لكم يخسركم حظوظكم من رحمة الله، [[انظر تفسير " الخسران " فيما سلف من فهارس اللغة (خسر) .]] كما:-

١٨٢٨٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فما تزيدونني غير تخسير﴾ ، يقول: ما تزدادون أنتم إلا خسارًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل صالح لقومه من ثمود، إذ قالوا له: ﴿وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ ، وسألوه الآية على ما دعاهم إليه: ﴿يا قوم هذه ناقة الله لكم آية﴾ ، يقول: حجة وعلامة، ودلالة على حقيقة ما أدعوكم إليه = ﴿فذروها تأكل في أرض الله﴾ ، فليس عليكم رزقها ولا مئونتها = ﴿ولا تمسوها لسوء﴾ ، يقول: لا تقتلوها ولا تنالوها بعَقْر = ﴿فيأخذكم عذاب قريب﴾ ، يقول: فإنكم إن تمسوها بسوء يأخذكم عذاب من الله غير بعيد فيهلككم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فعقرت ثمود ناقة الله = وفي الكلام محذوفٌ قد ترك ذكرُه، استغناءً بدلالة الظاهر عليه، وهو: "فكذبوه" "فعقروها" = فقال لهم صالح: = ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ ، يقول: استمتعوا في دار الدنيا بحياتكم ثلاثة أيام = ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾ ، يقول: هذا الأجل الذي أجَّلتكم، وَعْدٌ من الله، وعدكم بانقضائه الهلاكَ ونزولَ العذاب بكم = ﴿غير مكذوب﴾ ، يقول: لم يكذبكم فيه من أعلمكم ذلك.

* *

١٨٢٨٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ ، وذكر لنا أن صالحًا حين أخبرهم أن العذاب أتاهم لبسُوا الأنطاع والأكسية، [[" الأنطاع " جمع " نطع " (بكسر فسكون) ، وهو: الجلد والأدم. كانوا يتخذون لأنفسهم منها أكفانًا، كما سيأتي في آخر الحديث رقم: ١٨٢٩٠ ص: ٣٧٧.]] وقيل لهم: إن آية ذلك أن تصفرَّ ألوانكم أوَّل يوم، ثم تحمرَّ في اليوم الثاني، ثم تسودَّ في اليوم الثالث. وذكر لنا أنهم لما عقرُوا الناقة ندموا، وقالوا: "عليكم الفَصيلَ "؟ فصعد الفصيل القارَة = و"القارة" الجبل = حتى إذا كان اليوم الثالث، استقبل القبلة، وقال: "يا رب أمي، يا رب أمي "، ثلاثا. قال: فأرسلت الصيحة عند ذلك.

= وكان ابن عباس يقول: لو صعدتم القارة لرأيتم عظام الفصيل. وكانت منازل ثمود بحجْر بين الشام والمدينة.

١٨٢٨٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ ، قال: بقية آجالهم.

١٨٢٨٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أن ابن عباس قال: لو صعدتم على القارة لرأيتم عظَام الفصيل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما جاء ثمود عذابُنا = "نجينا صالحًا والذين آمنوا به معه برحمة منا"، يقول: بنعمة وفضل من الله = ﴿ومن خزي يومئذ﴾ ، يقول: ونجيناهم من هوان ذلك اليوم، وذلِّه بذلك العذاب [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف من فهارس اللغة (خزي) .]] = ﴿إن ربك هو القوي﴾ ، في بطشه إذا بطش بشيء أهلكه، كما أهلك ثمود حين بطَش بها = "العزيز"، فلا يغلبه غالب، ولا يقهره قاهر، بل يغلب كل شيء ويقهره. [[انظر تفسير " القوى " فيما سلف ١٤: ١٩.

= وتفسير " العزيز " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٢٨٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿برحمة منا ومن خزي يومئذ﴾ ، قال: نجاه الله برحمة منه، [[في المطبوعة والمخطوطة: " برحمة منا "، والسياق يقتضي ما أثبت.]] ونجاه من خزي يومئذ.

١٨٢٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن خارجة قال: قلنا له: حدّثنا حديثَ ثمود. قال: أحدثكم عن رسول الله ﷺ عن ثمود: كانت ثمودُ قومَ صالح، أعمرهم الله في الدنيا فأطال أعْمَارهم، حتى جعل أحدهم يبني المسكنَ من المدر، فينهدم، [[" المدر "، الطين العلك، لا رمل فيه.]] والرَّجلُ منهم حيٌّ. فلما رأوا ذلك، اتخذوا من الجبال بيوتًا فَرِهين، فنحتوها وجَابُوها وجوَّفوها. [[قوله: " وجابوها " ساقطة من المطبوعة. " جابوها "، خرقوا الصخر وحفروه، فاتخذوه بيوتا.]] وكانوا في سعةٍ من معايشهم. فقالوا: يا صالح ادع لنا ربك يخرج لنا آية نعلم أنك رسول الله، فدعا صالح ربَّه، فأخرج لهم الناقة، فكان شِرْبُها يومًا، وشِرْبهم يومًا معلومًا. فإذا كان يوم شربها خَلَّوا عنها وعن الماء وحلبوها لبنًا، ملئوا كل إناء ووعاء وسقاء، حتى إذا كان يوم شربهم صرفوها عن الماء، فلم تشرب منه شيئًا، فملئوا كل إناء ووعاء وسقاء. فأوحى الله إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك! فقال لهم، فقالوا: ما كنا لنفعل! فقال: إلا تعقروها أنتم، يوشكُ أن يولد فيكم مولود [يعقرها] . [[الزيادة بين القوسين، من تاريخ الطبري.]] قالوا: ما علامة ذلك المولود؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه! قال: فإنه غلام أشقَر أزرَق أصهَبُ، أحمر. قال: وكان في المدينة شيخان عزيزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها كفؤًا، فجمع بينهما مجلس، فقال أحدهما لصاحبه: ما يمنعك أن تزوج ابنك؟ قال: لا أجد له كفؤًا. قال: فإن ابنتي كفؤ له، وأنا أزوجك. . فزوّجه، فولد بينهما ذلك المولود. وكان في المدينة ثمانية رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فلما قال لهم صالح: "إنما يعقرها مولود فيكم"، اختاروا ثماني نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهن شُرَطًا كانوا يطوفون في القرية، فإذا وجدُوا المرأة تمخَضُ، نظروا ما ولدُها إن كان غلامًا قلَّبنه فنظرن ما هو [[في التاريخ: " فإن كان ولدا قتلنه "، ليس فيه هذا الذي في روايته في التفسير، وهي أحسن الروايتين إن شاء الله.]] وإن كانت جارية أعرضن عنها. فلما وجدوا ذلك المولود صرخ النسوة وقلن: "هذا الذي يريد رسول الله صالح "، فأراد الشرط أن يأخذوه، فحال جدّاه بينهم وبينه، وقالا لو أن صالحًا أراد هذا قتلناه! فكان شرَّ مولود، وكان يشبُّ في اليوم شباب غيره في الجمعة، ويشبّ في الجمعة شباب غيره في الشهر، ويشب في الشهر شباب غيره في السنة. فاجتمع الثمانية الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: "استعمل علينا هذا الغلام " [[في المطبوعة: " تستعمل "، وأثبت ما في المطبوعة والتاريخ.]] لمنزلته وشرَف جديه، فكانوا تسعة. وكان صالح لا ينام معهم في القرية، كان في مسجد يقال له: "مسجد صالح"، فيه يبيت بالليل، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، وإذا أمسى خرج إلى مسجده فبات فيه".

= قال حجاج: وقال ابن جريج: لما قال لهم صالح: "إنه سيولد غلام يكون هلاككم على يديه"، قالوا: فكيف تأمرنا؟ قال: آمركم بقتلهم! فقتلوهم إلا واحدًا. قال: فلما بلغ ذلك المولود، قالوا: لو كنا لم نقتل أولادَنا، لكان لكل رجل منا مثل هذا، هذا عملُ صالح! فأتمروا بينهم بقتله، وقالوا: نخرج مسافرين والناس يروننا علانيةً، ثم نرجع من ليلة كذا من شهر كذا وكذا، فنرصده عند مصلاه فنقتله، فلا يحسب الناس إلا أنَّا مسافرون، كما نحن! فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصُدُونه، فأرسل الله عليهم الصخرة فرضَخَتهم، فأصبحوا رَضْخًا. فانطلق رجال ممَّن قد اطلع على ذلك منهم، فإذا هم رضْخٌ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله، أما رضي صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادَهم حتى قتلهم؟ ! فاجتمع أهل القرية على قتل الناقة أجمعون، وأحجموا عنها إلا ذلك الابن العاشر.

= ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله ﷺ، قال: وأرادوا أن يمكروا بصالح، فمشوا حتى أتوا على سَرَبٍ على طريق صالح، فاختبأ فيه ثمانية، وقالوا: إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله، فبيَّتْناهُمْ! فأمر الله الأرض فاستوت عنهم. قال: فاجتمعوا ومشَوْا إلى الناقة وهي على حَوْضها قائمة، فقال الشقيُّ لأحدهم: ائتها فاعقرها! فأتاها، فتعاظَمَه ذلك، فأضرب عن ذلك، فبعث آخر فأعظم ذلك. فجعل لا يبعث رجلا إلا تعاظمه أمرُها، حتى مشوا إليها، وتطاول فضرب عرقوبيها، فوقعت تركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا فقال: "أدرك الناقةَ فقد عمرت "! فأقبل، وخرجوا يتَلقَّونه ويعتذرون إليه: "يا نبيّ الله، إنما عقرها فلان، إنه لا ذنب لنا"! قال: فانظروا هل تدركون فصيلها؟ ، فإن أدركتموه، فعسَى الله أن يرفعَ عنكم العذابَ! فخرجوا يطلبونه، ولما رأى الفصيل أمَّه تضطرب، أتى جبلا يقال له "القارَة" قصيرًا، فصعد وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل، فطالَ في السماء حتى ما تَناله الطير. قال: ودخل صالح القرية، فلما رآه الفصيل بكى حتى سألت دموعه، ثم استقبل صالحًا فرغًا رَغْوةً، ثم رغَا أخرى، ثم رغا أخرى، فقال صالح لقومه: لكل رغوة أجلُ يوم، ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ ، ألا إن أية العذاب أنّ اليوم الأوّل تصبح وجوهكم مصفرّة، واليوم الثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودّة! فلما أصبحوا فإذا وجوههم كأنها طليت بالخلوق، [[" الخلوق "، طيب يتخذ من الزعفران، تغلب علبه الحمرة والصفرة.]] صغيرُهم وكبيرُهم، ذكرهم وأنثَاهم. فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: "ألا قد مضى يوم من الأجل، وحضركم العذاب "! فلما أصبحوا اليوم. الثاني إذا وجوههم محمرة، كأنها خُضِبت بالدماء، فصاحوا وضجُّوا وبكوا وعرفوا آية العذاب، فلما أمسوا صاحُوا بأجمعهم: "ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب "! فلما أصبحوا اليوم الثالث، فإذا وجوههم مسودّة كأنها طُليت بالقار، فصاحوا جميعا: "ألا قد حضركم العذاب"! فتكفَّنُوا وتحنَّطوا، وكان حنوطهم الصَّبر والمقر، [[" المقر " (بفتح فكسر) ، شبيه بالصبر وقيل هو الصبر نفسه، وهو شجر مر. وكان في المطبوعة: " المغر " بالغين، وهو خطأ.]] وكانت أكفانهم الأنطاع، [[انظر تفسير " الأنطاع " فيما سلف ص: ٣٧٣ تعليق: ١.]] ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض، [[في المطبوعة والمخطوطة: " بالأرض "، وأثبت ما في التاريخ.]] فجعلوا يقلبون أبصارهم، فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، فلا يدرون من حيث يأتيهم العذاب من فوقهم من السماء أو من تحت أرجلهم من الأرض، جَشَعًا وفَرَقًا. [[في المطبوعة: " خسفًا وغرقًا "، غير ما في المخطوطة وفيها " حسما وفرقا "، الأولى غير منقوطة. وفي التاريخ: " " خشعا وفرقا "، وضبط " خشعا " بضم الخاء، وتشديد الشين، كأنه جمع " خاشع "، وضبط " فرقا " بضم الفاء والراء، وهو فاسد من وجوه. والذي أثبته هو الصواب.

و" الجشع " (بفتحتين) ، الجزع لفراق الإلف، والحرص على الحياة. وفي حديث معاذ: " فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله ﷺ ". وفي حديث ابن الخصاصية: " أخاف إذا حضر قتال جشعت نفسي فكرهت الموت ". و" الفرق "، أشد الفزع.]] فلما أصبحوا اليومَ الرابع أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوتُ كل صاعقة، وصوت كلّ شيء له صوتٌ في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدُورهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين. [[الأثر: ١٨٢٩٠ - " حجاج "، هو " حجاج بن محمد المصيصي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة." أبو بكر بن عبد الله "، لم أعرف من يكون، فإن يكن هو: " أبا بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة القرشي "، فهو منكر الحديث، يروي الموضوعات عن الثقات، ومضى برقم: ١٤٠٤٤، ذكره حجاج بن محمد، فقال: " قال لي أبو بكر السبري: عندي سبعون ألف حديث في الحلال والحرام " فقال أحمد: " ليس بشيء، كان يضع الحديث "، بل هو أيضًا لم يدرك " شهر بن حوشب "، فإنه مات سنة ١٦٢، وله ستون سنة، وشهر بن حوشب، مات سنة ١٠٠، أو بعدها بقليل. وإن يكن " أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني "، كما ذكر الذهبي في تعليقه عن المستدرك، فهو أيضًا متروك الحديث، مضى برقم: ٩٠٧١، ولا أعلم أدرك شهرًا، أم لا، فإنه مات سنة ١٥٦. وفي تاريخ الطبري المطبوع " " أبو بكر بن عبد الرحمن "، وفي بعض نسخه المخطوطة " أبو بكر بن عبد الله "، مطابقًا لما في التفسير." وعمرو بن خارجة بن المنتفق الأشعري "، صحابي، ذكر العسكري أن شهر بن حوشب، لا يصح سماعه عنه، وإنما يروي عنه من طريق " عبد الرحمن بن غنم الأشعري ". وهذا الخبر رواه أبو جعفر الطبري في تاريخه ١: ١١٦ - ١١٨. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٦٦، ٥٦٧، وقال: " هذا حديث جامع لذكر هلاك آل ثمود، تفرد به شهر بن حوشب، وليس له إسناد غير هذا، ولم يستغن عن إخراجه. وله شاهد على سبيل الاختصار بإسناد صحيح، دل على صحة الحديث الطويل، على شرط مسلم ". وقال الذهبي في تعليقه عليه: " أبو بكر، واه، وهو ابن أبي مريم ". فهذا حديث ضعيف، لضعف " أبي بكر بن عبد الله، أيا كان، وللشك في رواية شهر عن عمرو بن خارجة، فهو منقطع.]]

١٨٢٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: حُدِّثت أنَّه لما أخذتهم الصيحة، أهلك الله مَنْ بَين المشارق والمغارب منهم إلا رجلا واحدًا كان في حرم الله، منعه حرم الله من عذاب الله. قيل: ومن هو يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال. وقال رسول الله ﷺ، حين أتى على قرية ثمود، لأصحابه: لا يدخلنَّ أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم. وأراهم مُرْتقَى الفصيل حين ارتقَى في القارَة.

= قال ابن جريج، وأخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ حين أتى على قرية ثمود قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أنْ يُصيبكم ما أصابهم.

= قال ابن جريج، قال جابر بن عبد الله: إن النبي ﷺ لما أتى على الحِجْر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فلا تسألوا رسُولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث لهم الناقة، فكانت تَرِدُ من هذا الفَجّ، وتصدر من هذا الفَجّ، فتشرب ماءَهم يوم ورودها. [[الأثر: ١٨٢٩١ - في هذا الخبر حديث مسند، حديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، رواه أحمد من طرق، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وخرجه أخي رحمه الله في المسند، انظر رقم: ٤٥٦١، ٥٢٢٥، ٥٣٤٢، ٥٤٠٤، ٥٤٤١، ٥٦٤٥، ٥٧٠٥، ٥٩٣١. وأما سائر ما في الخبر، فهو مرسل، وقد مضى من حديث جابر نحوه، من رقم: ١٤٨١٧ - ١٤٨٢٣، فانظر التعليق على هذه الآثار هناك. وانظر أيضا مجمع الزوائد ٦: ١٩٤ / ٧: ٣٧، من حديث جابر الذي رواه أحمد وغيره.]]

١٨٢٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لما مرّ بوادي ثمود، وهو عامد إلى تبوك قال: فأمر أصحابه أن يسرعوا السير، وأن لا ينزلوا به، ولا يشربوا من مائه، وأخبرهم أنه وادٍ ملعون. قال: وذكر لنا أن الرجل المُوسِر من قوم صالح كان يعطي المعسر منهم ما يتكَفّنون به، وكان الرجل منهم يَلْحَد لنفسه ولأهل بيته، لميعاد نبي الله صالح الذي وعدهم. وحدَّث من رآهم بالطرق والأفنية والبيوت، فيهم شبان وشيوخ، أبقاهم الله عبرة وآية.

١٨٢٩٣- حدثنا إسماعيل بن المتوكل الأشجعي من أهل حمص قال، حدثنا محمد بن كثير قال، حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال، حدثنا أبو الطفيل، قال: لما غزا رسول الله ﷺ َغَزاة تبُوك، [[في المطبوعة: " غزوة تبوك "، غير ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في التاريخ.]] نزل الحجر فقال: يا أيها الناس لا تسألوا نبيَّكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله لهم الناقة آيةً، فكانت تَلج عليهم يوم [ورودها من هذا الفجّ، فتشربُ ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه] ، [[كان في المطبوعة والمخطوطة: " تلج عليهم يوم ورودهم الذي كانوا يتروون منه ثم يحلبونها. . . "، وهو غير مستقيم، أثبت الصواب من التاريخ، وفيه " يتزودون " في الموضوعين، فأصلحتهما جميعًا، ووضعت نص ما في التاريخ بين قوسين.]] ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزَوّدون من مائهم قبل ذلك لبنًا، ثم تخرج من ذلك الفجّ. فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا من الله غير مكذوب، فأهلك الله من كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدًا، كان في حرم الله، فمنعه حَرَمُ الله من عذاب الله. قالوا: ومن ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال. [[الأثر: ١٨٢٩٣ - " إسماعيل بن المتوكل الشامي الحمصي "، شيخ الطبري، مترجم في التهذيب. و" محمد بن كثير "، كأنه " محمد بن كثير بن أبي عطاء الثقفي المصيصي، الصنعاني "، وهو ضعيف جدا. مضى برقم: ٤١٥٠، ٤٨٣٦، ومضى في نحو هذا الإسناد رقم: ٩٤٩٢." وعبد الله بن واقد، أبو رجاء الهروي "، ثقة لا بأس به، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٩١." وعبد الله بن عثمان بن خثيم المكي القارئ "، تابعي ثقة متكلم فيه، ولكن الصحيح توثيقه، وروى عن أبي الطفيل. مضى برقم: ٤٣٤١، ٥٣٨٨." وأبو الطفيل "، هو " عامر بن واثلة "، مضى مرارًا، صحابي من صغار الصحابة، كان له يوم مات رسول الله ثماني سنوات، فهو قد سمع هذا الخبر ممن هو أكبر منه من الصحابة، ولعله سمعه من جابر بن عبد الله. وهذا الخبر لين الإسناد شيئًا، وقد رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١١٨ من هذه الطريق نفسها، ولم أجده في مكان آخر.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأصاب الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من عقر ناقة الله وكفرهم به = ﴿الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، قد جثمتهم المنايا، وتركتهم خمودًا بأفنيتهم، [[انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف ١٢: ٥٤٦، ٥٦٦.]] كما:-

١٨٢٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، يقول: أصبحوا قد هلكوا.

* *

= ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، يقول: كأن لم يعيشوا فيها، ولم يعمروا بها، كما:-

١٨٢٩٥- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، كأن لم يعيشوا فيها.

١٨٢٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

* *

وقد بينا ذلك فيما مضى بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته. [[انظر تفسير " غني " فيما سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠ / ١٥: ٥٦.]]

* *

وقوله: ﴿ألا إن ثمود كفروا ربهم﴾ ، يقول: ألا إن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها [[انظر ما سلف ص: ٣٦٧.]] = ﴿ألا بعدًا لثمود﴾ ، يقول: ألا أبعد الله ثمود! لنزول العذاب بهم. [[انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص: ٣٣٥، ٣٦٧.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأصاب الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله من عقر ناقة الله وكفرهم به = ﴿الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، قد جثمتهم المنايا، وتركتهم خمودًا بأفنيتهم، [[انظر تفسير " الجثوم " فيما سلف ١٢: ٥٤٦، ٥٦٦.]] كما:-

١٨٢٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ ، يقول: أصبحوا قد هلكوا.

* *

= ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، يقول: كأن لم يعيشوا فيها، ولم يعمروا بها، كما:-

١٨٢٩٥- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، كأن لم يعيشوا فيها.

١٨٢٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

* *

وقد بينا ذلك فيما مضى بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته. [[انظر تفسير " غني " فيما سلف ١٢: ٥٦٩، ٥٧٠ / ١٥: ٥٦.]]

* *

وقوله: ﴿ألا إن ثمود كفروا ربهم﴾ ، يقول: ألا إن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها [[انظر ما سلف ص: ٣٦٧.]] = ﴿ألا بعدًا لثمود﴾ ، يقول: ألا أبعد الله ثمود! لنزول العذاب بهم. [[انظر تفسير " البعد " فيما سلف ص: ٣٣٥، ٣٦٧.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ولقد جاءت رسلنا﴾ ، من الملائكة وهم فيما ذكر، كانوا جبريل وملكين آخرين. وقيل: إن الملكين الآخرين كان ميكائيل وإسرافيل معه = ﴿إبراهيم﴾ ، يعني: إبراهيم خليل الله = ﴿بالبشرى﴾ ، يعني: بالبشارة. [[انظر تفسير " البشرى " فيما سلف من فهارس اللغة (بشر) .]]

* *

واختلفوا في تلك البشارة التي أتوه بها.

فقال بعضهم: هي البشارة بإسحاق.

وقال بعضهم: هي البشارة بهلاك قوم لوط.

* *

= ﴿قالوا سلاما﴾ ، يقول: فسلموا عليه سلامًا.

* *

ونصب "سلامًا" بإعمال "قالوا" فيه، كأنه قيل: قالوا قولا وسلَّموا تسليمًا.

* *

= ﴿قال سلام﴾ ، يقول: قال إبراهيم لهم: سلام = فرفع "سلامٌ"، بمعنى: عليكم السلام= أو بمعنى: سلام منكم.

* *

وقد ذكر عن العرب أنها تقول: "سِلْمٌ" بمعنى السلام، كما قالوا: "حِلٌّ وحلالٌ"، وحِرْم وحرام". وذكر الفرَّاء أن بعض العرب أنشده: [[لم أعرف قائله. والذي أنشده الفراء في تفسير هذه الآية بيت آخر غير هذا البيت، شاهدًا على حذف " عليكم "، وهو قوله: فَقُلْنَا: السَّلامُ، فاتَّقَتْ مِنْ أَمِيرَها ... وَمَا كَانَ إلاَّ وَمْؤُها بالحواجِبِ

وأما هذا البيت الذي هنا، فقد ذكره صاحب اللسان في مادة (كلل) ، عن ابن الأعرابي، فلعل الفراء أنشده في مكان آخر.]]

مَرَرْنَا فَقُلْنَا إِيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ... كَمَا اكْتَلَّ بِالَبْرقِ الغَمَامُ الَّلوَائِحُ [[اللسان (كلل) ، يقال: " انكل السحاب عن البرق، واكتل "، أي: لمع به، و" اللوائح " التي لاح برقها، أي لمع وظهر.]]

بمعنى سلام. وقد روي "كما انكلّ".

* *

وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرئ كذلك: نحن سِلْمٌ لكم = من "المسالمة" التي هي خلاف المحاربة.

وهذه قراءة عامَّة قراء الكوفيين.

* *

وقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والبصرة، ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ ، على أن الجواب من إبراهيم ﷺ لهم، بنحو تسليمهم: عليكم السلام.

* *

والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأن "السلم " قد يكون بمعنى "السلام " على ما وصفت، و"السلام " بمعنى "السلم"، لأن التسليم لا يكاد يكون إلا بين أهل السّلم دون الأعداء، فإذا ذكر تسليم من قوم على قوم، ورَدُّ الآخرين عليهم، دلّ ذلك على مسالمة بعضهم بعضًا. وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ.

* *

وقوله: ﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ .

* *

= وأصله "محنوذ"، صرف من "مفعول" إلى "فعيل".

* *

وقد اختلف أهل العربية في معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن.]] معنى "المحنوذ": المشويّ، قال: ويقال منه: "حَنَذْتُ فرسي"، بمعنى سخَّنته وعرَّقته. واستشهد لقوله ذلك ببيت الراجز: [[هو العجاج.]]

ورَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا* [[ديوانه ٩، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٢، واللسان (حنذ) ، و (هرج) ، من رجزه المشهور، وهذا البيت من أبيات يصف حمار الوحش وأتنه، لما جاء الصيف، وخرج بهن يطلب الماء البعيد فقال: حَتَّى إِذَا مَا الصَّيْفُ كَانَ أَمَجَا ... وَفَرَعَا مِنْ رَعْىِ مَا تَلَزَّجَا

ورَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا ... تَذَكَّرَا عَيْنًا رِوًى وَفَلَجَا

و" الأمج " شدة الحر والعطش، يأخذ بالنفس. و" تلزج الكلأ " تتبعه، و" الحنذ "، شدة الحر وإحراقه. و" هرج البعير " تحير وسدر من شدة الحر.]]

* *

وقال آخر منهم: "حنذ فرسه": أي أضمره، وقال: قالوا حَنَذه يحنِذُه حَنْذًا: أي: عرَّقه.

* *

وقال بعض أهل الكوفة: كل ما انشوَى في الأرض، إذا خَدَدت له فيه، فدفنته وغممته، فهو "الحنيذ" و"المحنوذ". قال: والخيل تُحْنَذ، إذا القيت عليها الجِلال بعضُها على بعض لتعرق. قال: ويقال: "إذا سَقَيْتَ فَأحْنِذْ"، يعني: أخْفِسْ، يريد: أقلَّ الماء، وأكثر النبيذ.

* *

وأما [أهل] التأويل، فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكره، وذلك ما:-

١٨٢٩٧- حدثني به المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿بعجل حينذ﴾ ، يقول: نضيج

١٨٢٩٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بعجل حينئذ﴾ ، قال: "بعجل"، [[" الحسيل " (بفتح الحاء وكسر السين) : ولد البقرة.]] حَسِيل البقر، = و"الحنيذ": المشوي النضيج.

١٨٢٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾ إلى ﴿بعجل حنيذ﴾ ، [[كان في المطبوعة والمخطوطة هنا " ولما جاءت رسلنا "، وهو سهو من الناسخ، وحق التلاوة ما أثبت. وكذلك جاء سهوًا منه في نص الآية التي يفسرها أبو جعفر، وصححتها، ولم أشر إليه هناك.]] قال: نضيج، سُخِّن، أنضج بالحجارة.

١٨٣٠٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ ، و"الحنيذ": النضيج.

١٨٣٠١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بعجل حنيذ﴾ ، قال: نضيج. قال: [وقال الكلبي] : و"الحنيذ": الذي يُحْنَذُ في الأرض. [[الذي بين القوسين ليس في المخطوطة، وقد تركته على حاله، وإن كنت أشك فيه، وأرجح أنه زيادة من ناسخ آخر، بعد ناسخ مخطوطتنا.]]

١٨٣٠٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر في قوله: ﴿فجاء بعجل حنيذ﴾ ، قال: "الحنيذ": الذي يقطر ماء، وقد شوى = وقال حفص: "الحنيذ": مثل حِنَاذ الخيل.

١٨٣٠٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذبحه ثم شواه في الرَّضْف، [[" الرضف " (بفتح فسكون) الحجارة المحماة على النار. و " شواء مرضوف "، مشوي على الرضفة.]] فهو "الحنيذ" حين شواه.

١٨٣٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو يزيد، عن يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: ﴿فجاء بعجل حنيذ﴾ ، قال: المشويّ الذي يقطر.

١٨٣٠٥- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام قال، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، قال: "الحنيذ" الذي يقطر ماؤه وقد شُوِي.

١٨٣٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿بعجل حنيذ﴾ ، قال: نضيج.

١٨٣٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بعجل حنيذ﴾ ، الذي أنضج بالحجارة.

١٨٣٠٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان: ﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ﴾ ، قال: مشويّ.

١٨٣٠٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه يقول: "حينذ"، يعني: شُوِي.

١٨٣١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، "الحِناذ": الإنضاج. [[الأثر: ١٨٣١٠ - من خبر الطويل، رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٢٧. وفيه " التحناذ "، وكلاهما مما يزاد على معاجم اللغة.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عن أهل العربية وأهل التفسير متقارباتُ المعاني بعضها من بعض.

* *

وموضع "أن" في قوله: ﴿أن جاء بعجل حنيذ﴾ نصبٌ بقوله: ﴿فما لبث أن جاء﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رأى إبراهيم أيديَهم لا تصل إلى العجل الذي أتاهم به، والطعام الذي قدّم إليهم، نكرهم، وذلك أنه لما قدم طعامه ﷺ إليهم، فيما ذكر، كفّوا عن أكله، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله. وكان إمساكهم عن أكله، عند إبراهيم، وهم ضِيَفانه مستنكرًا. ولم تكن بينهم معرفةٌ، وراعه أمرهم، وأوجس في نفسه منهم خيفة.

* *

وكان قتادة يقول: كان إنكاره ذلك من أمرهم، كما:-

١٨٣١١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾ ، وكانت العرب إذا نزل بهم ضيف فلم يطعم من طعامهم، ظنوا أنه لم يجئ بخير، وأنه يحدِّث نفسه بشرّ.

١٨٣١٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرَهم﴾ ، قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم، ظنوا أنه لم يأت بخير، وأنه يحدّث نفسه بشرّ، ثم حدَّثوه عند ذلك بما جاؤوا.

وقال غيره في ذلك ما:-

١٨٣١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان قال: لما دخل ضيف إبراهيم عليه السلام، قرّب إليهم العجل، فجعلوا ينكتُون بقِداح في أيديهم من نبْل، ولا تصل أيديهم إليه، نكرهم عند ذلك. [[الأثر: ١٨٣١٣ - " الأسود بن قيس العبدي، البجلي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٧٤٤٠.

و" جندب بن سفيان "، منسوب إلى جده، وهو: " جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي "، كان على عهد النبي ﷺ غلامًا حزورًا، كما قال هو، وهو الذي راهق، ولم يدرك بعد. مترجم في الإصابة، وغيره، وفي التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٢٢٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥١٠.]]

* *

يقال منه: "نكرت الشيء أنكره"، و"أنكرته أنكره "، بمعنى واحد، ومن "نكرت" و"أنكرت"، قول الأعشى:

وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوَادِثِ، إلا الشَّيْبَ وَالصَّلَعَا [[ديوانه: ٧٢، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٣، واللسان (نكر) وغيرهما، وسيأتي في التفسير ٢٩: ١٤٥ (بولاق) ، ومما يرويه أبو عبيدة، أن أبا عمرو بن العلاء قال: " أنا قلت هذا البيت وأستغفر الله "، فلم يروه، وأنه أنشد بشارًا هذا البيت وهو يسمعه وقيل له: إنه للأعشى، فقال: ليس هذا من كلامه. فقلت له: يا سيدي، ولا عرف القصيدة. ثم قال: أعمى شيطان. وهذه قصة تروى أنا في شك منها.]]

فجمع اللغتين جميعا في البيت. وقال أبو ذؤيب:

فَنَكِرْنَهُ، فَنَفَرْنَ، وامْتَرَسَتْ بِهِ ... هَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وَهَادٍ جُرْشُعُ [[ديوانه، (ديوان الهذليين) ١: ٨، وشرح المفضليات: ٨٦٧، وغيرهما، يذكر حمر الوحش، لما شرعت في الماء، وسمعت حس الصائد، فقال: فَشَرِبْنَ ثُمَّ سَمِعْنَ حِسًّا دُونَهُ ... شَرَفُ الحِجَابِ، وَرَيْبَ قَرْعٍ يَقْرَعُ

وَنمِيمَةً مِنْ قَانِصٍ متلبِّبٍ ... في كَفِّهِ جَشْءٌ أَجَشُّ وأَقْطَعُ

يقول: سمعن حس الصائد، يحجبه ما ارتفع من الحرة وهو " شرف الحجاب "، ثم يقول: سمعن ما رابهن من قرع القوس وصوت الوتر، وسمعن نميمة الصائد، وهو ما ينم عليه من حركته، و" المتلبب "المحتزم بثوبه. و" الجشء " القضيب الذي تعمل منه القوس. و" أجش " غليظ الصوت. و" الأقطع " جمع " قطع " (بكسر فسكون) ، وهو نصل بين النصلين، صغير. يقول: فلما سمعت ذلك أنكرته فنفرت، فامترست الأتان بالحمار، أي دنت منه دنوًا شديدًا، من شدة ملازمتها له. و"سطعاء " طويلة العنق، و"هادية " متقدمة، وهو "هاد " متقدم، " جرشع "، منتفخ الجنبين.

وأما رواية " هوجاء هادية "، فإنه يعني: جريئة متقدمة. .]]

* *

وقوله: ﴿وأوجس منهم خيفة﴾ ، يقول: احسَّ في نَفسه منهم خيفة وأضمرها. [[انظر تفسير " خيفة " فيما سلف ١٣: ٣٥٣.]] = ﴿قالوا لا تخف﴾ ، يقول: قالت الملائكة، لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم: لا تخف منا وكن آمنًا، فإنا ملائكة ربّك = ﴿أرسلنا إلى قوم لوط﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وامرأته﴾ ، سارَة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن راعو بن فالغ، [[هكذا هنا: " ساروج "، وفي غيره: " ساروغ "، وهو الأكثر.]] وهي ابنة عم إبراهيم = ﴿قائمة﴾ ، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم عليه السلام. وقيل: كانت قائمة تخدُم الرسل، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل.

* *

وقوله: ﴿فضحكت﴾ ، اختلف أهل التأويل في معنى قوله ﴿فضحكت﴾ ، وفي السبب الذي من أجله ضحكت.

فقال بعضهم: ضحكت الضحك المعروف، تعجبًا من أنَّها وزوجها إبراهيم يخدمان ضِيفانهم بأنفسهما، تكرمةً لهم، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣١٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلّهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرَّضْف، فهو "الحنيذ" حين شواه. وأتاهم فقعد معهم، وقامت سارَة تخدمُهم. فذلك حين يقول: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ﴾ = في قراءة ابن مسعود. فلما قرّبه إليهم قال ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا! قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوّله، وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلا! فلما رأى أيديهم لا تصل إليه = يقول: لا يأكلون = فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم، ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمةً لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! [[الأثر: ١٨٣١٤ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٢٨.]]

* *

وقال آخرون: بل ضحكت من أن قوم لوط في غَفْلة وقد جاءت رُسُل الله لهلاكهم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه، فضحكت امرأته وعجبت من أن قومًا أتاهم العذاب، وهم في غفلة. فضحكت من ذلك وعجبت = ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾

١٨٣١٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه قال: ضحكت تعجبًا مما فيه قوم لوط من الغفلة، ومما أتاهم من العذاب.

* *

وقال آخرون: بل ضحكت ظنًّا منها بهم أنهم يريدون عَمَل قوم لوط.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣١٧- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، في قوله: ﴿وامرأته قائمة فضحكت﴾ ، قال: لما جاءت الملائكة ظنَّت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط.

* *

وقال آخرون: بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الرَّوع.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣١٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي: ﴿فضحكت﴾ ، قال: ضحكت حين راعُوا إبراهيم مما رأت من الروع، بإبراهيم.

* *

وقال آخرون: بل ضحكت حين بشرت بإسحاق تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣١٩- حدثني المثني قال إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام فرآهم، راعه هيئتهم وجمالهم، فسلموا عليه، وجلسوا إليه، فقام فأمر بعجل سمين، فحُنِذَ له، فقرّب إليهم الطعام = ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾ ، وسارة وراء البيت تسمع، قالوا: لا تَخَفْ إنَّا نبشرك بغلام حليم مبارك! وبشّر به امرأته سارة، فضحكت وعجبت: كيف يكون لي ولد وأنا عجوز، وهو شيخ كبير! فقالوا: أتعجبين من أمر الله؟ فإنه قادر على ما يشاء! فقد وهبه الله لكم، فأبشروا به.

* *

وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل: إن هذا من المقدَّم الذي معناه التأخير، كأنّ معنى الكلام عنده: وامرأته قائمة، فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت وقالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز؟

* *

وقال آخرون: بل معنى قوله: "فضحكت" في هذا الموضع: فحاضت.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٢٠- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن عمرو بن الأزهر، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿فضحكت﴾ ، قال: حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة. قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة. [[الأثر: ١٨٣٢٠ - " علي بن هارون "، مضى برقم: ٦٥٢١. وكتبت هناك أني أظنه " يزيد بن هارون "، وهذا ظن خطأ، دل عليه هذا الإسناد، فهو هناك أيضًا: " سعيد بن عمرو السكوني، عن بقية بن الوليد، عن علي بن هارون "، ومثل هذا الخطأ لا يكاد يتفق على بعد ما بين الكلامين. والصواب أن " علي بن هارون " مجهول، فإن " بقية بن الوليد " مشهور بالرواية عن هؤلاء المجهولين، وكان يحدث بالمناكير عن هؤلاء المجاهيل، وكان يأخذ عن كل من أدبر وأقبل. فهذا " علي بن هارون " ممن أدبر أو أقبل! ! وأما " عمرو بن الأزهر العتكي "، فهو كذاب يضع الحديث، وكان أبو سعيد الحداد يقول: " كان عمرو بن الأزهر يكذب مجاوبة "، قيل له: " كيف هذا "؟ قال: " رجل أسلم ثوبًا إلى حائك ينسجه "! ! مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٢١، وتاريخ بغداد ١٢: ١٩٣، وميزان الاعتدال ٢: ٢٨١، ولسان الميزان ٤: ٣٥٣. فهذا خبر هالك من جميع نواحيه.]]

* *

وقال آخرون: بل ضحكت سرورًا بالأمن منهم، لما قالوا لإبراهيم: لا تخف، وذلك أنه قد كان خافهم وخافتهم أيضًا كما خافهم إبراهيم. فلما أمِنَت ضحكت، فأتبعوها البشارة بإسحاق.

* *

وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع "ضحكت"، بمعنى: حاضت، من ثقة. [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية.]]

* *

وذكر بعض أهل العربية من البصريين أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم أن العرب تقول "ضحكت المرأة"، حاضت. قال: وقد قال: "الضحك"، الحيض، وقد قال بعضهم: "الضحك": الثَّغْرُ، [[في المطبوعة: " الضحك العجب " وفي المخطوطة: " العسب " سيئة الكتابة، كأنه لم يحسن قراءة المخطوطة التي نقل عنها، والبيت الذي استشهد به دال على صواب ما أثبتناه.]] وذكر بيت أبي ذؤيب:

فَجَاءَ بِمِزْجٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ ... هُوَ الضَّحْكُ إلا أَنَّهُ عَملُ النَّحْلِ [[ديوانه (ديوان الهذليين) ١: ٤٢، واللسان (ضحك) ، وغيرهما، من قصيدة من عجائبه، ذكر في آخرها الخمر، وكيف تزودها من أهل مصر وغزة، وأقبل بها يقطع الأرض، حتى بات بمزدلفة (جمع) ، ومنى، فقال قبل البيت: فَبَاتَ بِجَمْعٍ، ثُمَّ تَمَّ إِلَى مِنًى ... فأَصْبَحَ رَأْدًا يَبْتَغِي المِزْجَ بالسَّحْل

وقوله: " رأدًا "، أي طالبًا، و " المزج " العسل يمزج بالخمر، و"السحل" يعني ينقد الدراهم، يقول: فلما طلب ذلك "المزج" اشترى بماله مزجا أي: عسلًا، كأنه ثغر حسناء في بياضه وصفائه ورقته. هكذا قالوا، وفي النفس منه شيء. وأجود منه عندي أن يقال إن " الضحك " في هذا البيت، هو طلع النخل حين ينشق عما في جوفه، وهو أبيض شديد البياض والنقاء.]]

وذكر أنَّ بعض أصحابه أنشده في الضحك بمعنى الحيض: [[لم أعرف قائله.]]

وَضِحْكُ الأرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْل دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا [[اللسان (ضحك) .]]

قال: وذكر له بعض أصحابه أنه سمع للكميت:

فَأضْحَكَتِ الضِّبَاعُ سُيُوفُ سَعْدٍ ... بِقَتْلَى مَا دُفِنَّ وَلا وُدِينَا [[اللسان (ضحك) ، من قصيدة له مشهورة، لم أجدها مجموعة في مكان، ويزعمون أن الضبع تحيض، إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم. وكان ابن دريد يرد هذا ويقول: من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض؟]]

وقال: يريد الحيض. قال: وبلحرث بن كعب يقولون: "ضحكت النخلة"، إذا أخرجت الطَّلع أو البُسْر. وقالوا: "الضَّحك" الطلع. قال: وسمعنا من يحكي: "أضحكت حوضًا" أي ملأته حتى فاض. قال: وكأن المعنى قريبٌ بعضه من بعض كله، لأنه كأنه شيءٌ يمتلئُ فيفيض.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بالصواب قولُ من قال: معنى قوله: "فضحكت" فعجبت من غفلة قوم لوط عما قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلتهم عنه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم: ﴿لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط﴾ . فإذ كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم: ﴿لا تخف﴾ ، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فبشَّرنا سارَة امرأة إبراهيم ثوابًا منا لها على نَكيرها وعجبها من فعل قوم لوط = ﴿بإسحاق﴾ ، ولدًا لها = ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، يقول: ومن خلف إسحاق يعقوب، من ابنها إسحاق.

* *

و"الوراء" في كلام العرب، ولد الولد، وكذلك تأوَّله أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٢١- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال: ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، قال: الوراء: ولد الولد.

١٨٣٢٢- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، قال كلّ واحد منهما، حدثني أبو اليسع إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة مولى الأشعري، قال: كنت إلى جنب جدي أبي المغيرة بن مهران، في مسجد عليّ بن زيد، فمر بنا الحسنُ بن أبي الحسن فقال: يا أبا المغيرة من هذا الفتى؟ قال: ابني من ورائي، فقال الحسن: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ . [[الأثر: ١٨٣٢٢- "أبو اليسع" إسماعيل بن حماد بن أبي المغيرة، مولى الأشعري"، لم أجده في مكان آخر. والذي وجدته:

"إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، مولى الأشعري " مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٣٥١، وابن أبي حاتم ١/١/ ١٦٤، وروى عنه " عمر بن علي بن مقدم "، ولم يرو عنه "عمرو بن علي الفلاس"، وإذًا فليس هو هو. فيبقى مجهولًا حتى نجد له ترجمة.]]

١٨٣٢٣- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن المثني قالا حدثنا محمد بن أبي عدي قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي في قوله: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، قال: ولد الولد هو "الوراء".

١٨٣٢٤- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد، عن داود، عن عامر في قوله: ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، قال: "الوراء"، ولد الولد.

١٨٣٢٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، مثله.

١٨٣٢٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو عمرو الأزدي قال: سمعت الشعبي يقول: ولد الولد: هم الولد من الوَراء.

١٨٣٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس ومعه ابن ابنه فقال: من هذا معك؟ قال: هذا ابن ابني. قال: هذا ولدُك من الوراء! قال: فكأنه شقَّ على ذلك الرجل، فقال ابن عباس: إن الله يقول: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، فولد الولد هم الوراء.

١٨٣٢٨- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ضحكت سارَة. وقالت: "عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا "! قال لها جبريل: أبشري بولد اسمُه إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. فَضربتْ وَجْهَهَا عجبًا، فذلك قوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ ، [سورة الذاريات: ٢٩] . وقالت: (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب) قالوا ﴿أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ ، قالت سارة: ما آية ذلك؟ قال: فأخذ بيده عودًا يابسا فلواه بين أصابعه، فاهتز أخضر، فقال إبراهيم: هُو لله إذا ذبيحًا.

١٨٣٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ﴿فضحكت﴾ = يعني سارَة لما عرفت من أمر الله جل ثناؤه ولمَا تعلم من قوم لوط = فبشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب = بابن وبابن ابن. فقالت وصكت وجهها = يقال: ضربت على جبينها =: ﴿يا ويلتا أألد وأنا عجوز﴾ ، إلى قوله: ﴿إنه حميد مجيد﴾ .

* *

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء العراق والحجاز: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ﴾ ، برفع "يعقوب "، ويعيد ابتداء الكلام بقوله. ﴿ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ ، وذلك وإن كان خبرًا مبتدأ، ففيه دلالة على معنى التبشير.

* *

وقرأه بعض قراء أهل الكوفة والشأم، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب﴾ نصبًا.

* *

فأما الشامي منهما، فذكر أنه كان ينحو ب"يعقوب" نحو النصب بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة، كأنه قال: ووهبنا له من وراء إسحاق يعقوب. فلما لم يظهر "وهبنا" عمل فيه "التبشير" وعطف به على موضع "إسحاق "، إذ كان "إسحاق" وإن كان مخفوضًا، فانه بمعنى المنصوب بعمل "بشرنا"، فيه، كما قال الشاعر: [[هو جرير.]]

جِئْنِي بِمِثْلِ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِهِمِ ... أَوْ مِثْلِ أُسَْرِة مَنْظُورِ بنِ سَيَّارِ ...

أَوْ عَامِرَ بْنَ طُفَيْلٍ فِي مُرَكَّبِهِ ... أَوْ حَارِثًا، يَوْمَ نَادَى القَوْمُ: يَا حَارِ [[ديوانه: ٣١٢، ٣١٣، ونقائض جرير والأخطل: ١٤٤، وسيبويه ١: ٤٨، ٨٦، والفراء في معاني القرآن، في تفسير الآية: من جياد قصائده في هجاء الأخطل، يقول له: لاَ تَفْخَرَنَّ، فإنَّ اللهَ أنْزَلكُمْ ... يَا خُزْرَ تَغْلِبَ دَارَ الذُّلِّ والعَارِ

مَا فِيكُمُ حَكَمٌ تُرْضَى حُكُومَتُهُ ... لِلمُسْلِمينَ، ولاَ مُسْتَشْهَدٌ شَارِي

ثم يقول البيتين، وبينهما بيت ثالث: أوْ مَثْلَ آلِ زُهَيْرٍ، والقَنا قِصَدٌ ... وَالخَيْلُ في رَهَجٍ مِنْهَا وَإِعْصَارِ

وهو في هذه القصيدة يفخر ببني قيس عيلان بن مضر بن نزار جميعًا، على بني ربيعة بن نزار، وهم جذم الأخطل التغلبي. فذكر " بني بدر "، الفزاريين من قيس عيلان، و" منظور بن سيار الفزاري "، و" آل الزهير بن جذيمة "، العبسيين، و" عامر بن الطفيل " من بني جعفر بن كلاب، و" الحارث بن ظالم المري "، من بني ذبيان، ثم تابع ذكر سائر قبائل قيس.]]

* *

وأما الكوفي منهما فإنه قرأه بتأويل الخفض فيما ذكر عنه، غير أنه نصبه لأنه لا يجرى. وقد أنكر ذلك أهل العلم بالعربية من أجل دخول الصفة بين حرف العطف والاسم. [[" الصفة " يعني حرف الجر، كما سلف مرارًا، انظر فهارس المصطلحات.]] وقالوا: خطأ أن يقال: "مررت بعمرٍو في الدَّار وفي الدار زيد" وأنت عاطف ب"زيد" على "عمرو"، إلا بتكرير الباء وإعادتها، فإن لم تعد كان وجه الكلام عندهم الرفع، وجاز النصب، فإن قُدم الاسم على الصفة جاز حينئذ الخفض، وذلك إذا قلت: "مررت بعمرو في الدار وزيد في البيت". وقد أجاز الخفضَ والصفةُ معترضةٌ بين حرف العطف والاسم، بعضُ نحويي البصرة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه رفعًا، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب، والذي لا يتناكره أهل العلم بالعربية، وما عليه قراءة الأمصار. فأما النَّصب فيه فإن له وجهًا، غير أنِّي لا أحبُّ القراءة به، لأن كتاب الله نزلَ بأفصح ألسُن العرب، والذي هو أولى بالعلم بالذي نزل به من الفصاحة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت سَارة لما بُشِّرت بإسحاق أنَّها تلد تعجبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء =

* *

وقيل: إنها كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة. وقد ذكرت الرواية فيما روي في ذلك عن مجاهد قبلُ. [[انظر ما سلف رقم: ١٨٣٢٠.]]

وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما:-

١٨٣٣٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كانت سارَة يوم بُشِّرت بإسحاق، فيما ذكر لي بعض أهل العلم، ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة.

* *

= ﴿يا ويلتا﴾ وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء والاستنكار للشيء، فيقولون عند التعجب: "ويلُ أمِّه رجلا ما أرْجَله"! [[انظر تفسير " الويل " فيما سلف ٢: ٢٦٧ - ٢٦٩، ٢٧٣.]]

* *

وقد اختلف أهل العربية في هذه الألف التي في: ﴿يا ويلتا﴾ .

فقال بعض نحويي البصرة: هذه ألف حقيقة، إذا وقفت قلت: "يا ويلتاه"، وهي مثل ألف الندبة، فلطفت من أن تكون في السكت، وجعلت بعدها الهاء لتكون أبين لها، وأبعد في الصوت. ذلك لأن الألف إذا كانت بين حرفين كان لها صدًى كنحو الصوت يكون في جوف الشيء فيتردد فيه، فتكون أكثر وأبين.

* *

وقال غيره: هذه ألف الندبة، فإذا وقفت عليها فجائز، وإن وقفت على الهاء فجائز، وقال: ألا ترى أنهم قد وقفوا على قوله: ﴿ويَدْعُو الإنْسَانُ﴾ ، [سورة الإسراء: ١١] ، فحذفوا الواو وأثبتوها، وكذلك: ﴿ما كُنَّا نَبْغِي﴾ ، [سورة الكهف: ٦٤] ، بالياء، وغير الياء؟ قال: وهذا أقوى من ألف الندبة وهائها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الألف ألف الندبة، والوقف عليها بالهاء وغير الهاء جائز في الكلام لاستعمال العرب ذلك في كلامهم.

* *

وقوله: ﴿أألد وأنا عجوز﴾ ، تقول: أنى يكون لي ولد = ﴿وأنا عجوز وهذا بعلي شيْخًا﴾ ، والبعل في هذا الموضع: الزوج، وسمي بذلك لأنه قيم أمرها، كما سموا مالك الشيء "بعله"، وكما قالوا للنخل التي تستغني بماء السماء عن سقي ماء الأنهار والعيون "البعل"، لأن مالك الشيء القيم به، والنخل البعل، بماء السمَاء حياتُه. [[انظر تفسير " البعل " فيما سلف ٤: ٥٢٦، ٥٢٧ / ٩: ٢٦٧، ولم يذكر فيهما مثل هذا التفصيل في معناه. وهذا من فعله، دال على طريقته في التأليف.]]

* *

وقوله = ﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ ، يقول: إن كون الولد من مثلي ومثل بعلي على السن التي بها نحن لشيء عجيب = ﴿قالوا أتعجبين من أمر الله﴾ ، يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمرٍ أمر الله به أن يكون، وقضاء قضاه الله فيك وفي بعلك.

* *

= وقوله: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم البيت﴾ ، يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم [[انظر تفسير " البركات " فيما سلف من فهارس اللغة (برك) .]] = وجعلت الألف واللام خلفًا من الإضافة = وقوله: ﴿إنه حَميدٌ مجيد﴾ ، يقول: إن الله محمود في تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه [[انظر تفسير " الحميد " فيما سلف ٥: ٥٧٠ / ٩: ٢٩٦.]] = ﴿مجيد﴾ ، يقول: ذو مجد ومَدْح وَثَناء كريم.

* *

يقال في "فعل" منه: "مجد الرجل يمجد مجادة" إذا صار كذلك، وإذا أردت أنك مدحته قلت: "مجّدته تمجيدًا".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت سَارة لما بُشِّرت بإسحاق أنَّها تلد تعجبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء =

* *

وقيل: إنها كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة. وقد ذكرت الرواية فيما روي في ذلك عن مجاهد قبلُ. [[انظر ما سلف رقم: ١٨٣٢٠.]]

وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما:-

١٨٣٣٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كانت سارَة يوم بُشِّرت بإسحاق، فيما ذكر لي بعض أهل العلم، ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومائة سنة.

* *

= ﴿يا ويلتا﴾ وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء والاستنكار للشيء، فيقولون عند التعجب: "ويلُ أمِّه رجلا ما أرْجَله"! [[انظر تفسير " الويل " فيما سلف ٢: ٢٦٧ - ٢٦٩، ٢٧٣.]]

* *

وقد اختلف أهل العربية في هذه الألف التي في: ﴿يا ويلتا﴾ .

فقال بعض نحويي البصرة: هذه ألف حقيقة، إذا وقفت قلت: "يا ويلتاه"، وهي مثل ألف الندبة، فلطفت من أن تكون في السكت، وجعلت بعدها الهاء لتكون أبين لها، وأبعد في الصوت. ذلك لأن الألف إذا كانت بين حرفين كان لها صدًى كنحو الصوت يكون في جوف الشيء فيتردد فيه، فتكون أكثر وأبين.

* *

وقال غيره: هذه ألف الندبة، فإذا وقفت عليها فجائز، وإن وقفت على الهاء فجائز، وقال: ألا ترى أنهم قد وقفوا على قوله: ﴿ويَدْعُو الإنْسَانُ﴾ ، [سورة الإسراء: ١١] ، فحذفوا الواو وأثبتوها، وكذلك: ﴿ما كُنَّا نَبْغِي﴾ ، [سورة الكهف: ٦٤] ، بالياء، وغير الياء؟ قال: وهذا أقوى من ألف الندبة وهائها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن هذه الألف ألف الندبة، والوقف عليها بالهاء وغير الهاء جائز في الكلام لاستعمال العرب ذلك في كلامهم.

* *

وقوله: ﴿أألد وأنا عجوز﴾ ، تقول: أنى يكون لي ولد = ﴿وأنا عجوز وهذا بعلي شيْخًا﴾ ، والبعل في هذا الموضع: الزوج، وسمي بذلك لأنه قيم أمرها، كما سموا مالك الشيء "بعله"، وكما قالوا للنخل التي تستغني بماء السماء عن سقي ماء الأنهار والعيون "البعل"، لأن مالك الشيء القيم به، والنخل البعل، بماء السمَاء حياتُه. [[انظر تفسير " البعل " فيما سلف ٤: ٥٢٦، ٥٢٧ / ٩: ٢٦٧، ولم يذكر فيهما مثل هذا التفصيل في معناه. وهذا من فعله، دال على طريقته في التأليف.]]

* *

وقوله = ﴿إن هذا لشيء عجيب﴾ ، يقول: إن كون الولد من مثلي ومثل بعلي على السن التي بها نحن لشيء عجيب = ﴿قالوا أتعجبين من أمر الله﴾ ، يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمرٍ أمر الله به أن يكون، وقضاء قضاه الله فيك وفي بعلك.

* *

= وقوله: ﴿رحمة الله وبركاته عليكم البيت﴾ ، يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم [[انظر تفسير " البركات " فيما سلف من فهارس اللغة (برك) .]] = وجعلت الألف واللام خلفًا من الإضافة = وقوله: ﴿إنه حَميدٌ مجيد﴾ ، يقول: إن الله محمود في تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه [[انظر تفسير " الحميد " فيما سلف ٥: ٥٧٠ / ٩: ٢٩٦.]] = ﴿مجيد﴾ ، يقول: ذو مجد ومَدْح وَثَناء كريم.

* *

يقال في "فعل" منه: "مجد الرجل يمجد مجادة" إذا صار كذلك، وإذا أردت أنك مدحته قلت: "مجّدته تمجيدًا".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذي أوجسه في نفسه من رسلنا، حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه، وأمن أن يكون قُصِد في نفسه وأهله بسوء = ﴿وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق، ظلّ = ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ يقول: ذهب عنه الخوف، ﴿وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق.

١٨٣٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق، ويعقوب ولد من صلب إسحاق، وأمن مما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ، [سورة إبراهيم: ٣٩] .

* *

وقد قيل معنى ذلك: وجاءته البشرى أنهم ليسوا إياه يريدون.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وجاءته البشرى﴾ ، قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وأنهم ليسوا إياه يريدون. [[بعد هذا الأثر ما نصه: " قال حدثنا محمد بن ثور، قال حدثنا معمر، وقال آخرون. . . " فحذفت هذه الزيادة، لأنها سبق نظر من الناسخ، لأنه نقل من أول السطر الذي فوقه، ثم عاد إلى السياق ولم يتم النقل.]]

* *

وقال آخرون: بشّر بإسحاق.

* *

وأما "الروع": فهو الخوف، يقال منه: "راعني كذا يَرُوعني روعًا" إذا خافه. ومنه قول النبي ﷺ لرجل: "كيف لَكَ بَرَوْعَة المؤمن"؟ ومنه قول عنترة:

مَا رَاعَني إلا حَمُوَلُة أَهْلِهَا ... وَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ [[ديوانه: ١٢٣، من معلقته المشهورة، وقبله: إنْ كُنْتِ أَزْمْعتِ الفِرَاقَ، فإنَّما ... زُمَّتْ رِكابُكُمْ بِيَوْمٍ مُظْلِمِ

"الخمخم"، بقلة لها حب أسود. وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس البقل، سفت حب الخمخم، فكان ذلك نذيرًا بوشك فراقهم.]] بمعمى: ما أفزعني.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "الروع"، الفَرَق.

١٨٣٣٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٨٣٣٦-. . . . قال وحدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: الفَرَق.

١٨٣٣٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: الفَرَق.

١٨٣٣٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: ذهب عنه الخوف.

* *

وقوله: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، يقول: يخاصمنا. كما:-

١٨٣٣٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يجادلنا﴾ ، يخاصمنا. [[انظر تفسير " المجادلة " فيما سلف ص: ٣٠٣، تعليق ١، والمراجع هناك]]

١٨٣٤٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وزعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله: ﴿يجادلنا﴾ يكلمنا.

وقال: لأن إبراهيم لا يجادل الله، إنما يسأله ويطلب إليه. [[في المطبوعة: " ويطلب منه "، لم يحسن قراءة المخطوطة لدقة كتابة الكلمة في تجويف باء " يطلب "، إذ كانت في آخر السطر.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا من الكلام جهلٌ، لأن الله تعالى ذكره أخبرنا في كتابه أنه يجادل في قوم لوط، فقول القائل: "إبراهيم لا يجادل"، موهمًا بذلك أن قول من قال في تأويل قوله: ﴿يجادلنا﴾ ، يخاصمنا، أن إبراهيم كان يخاصم ربَّه، جهلٌ من الكلام، وإنما كان جدالُه الرسلَ على وجه المحاجَّة لهم. ومعنى ذلك: "وجاءته البشرى يجادل رسلنا"، ولكنه لما عرف المراد من الكلام حذف "الرسل".

* *

وكان جدالُه إيَّاهُم، كما:-

١٨٣٤١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي قال، حدثنا جعفر، عن سعيد: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، قال: لما جاء جبريل ومن معه قالوا لإبراهيم: إنَّا مهلكو أهل هذه القرية إنَّ أهلها كانوا ظالمين: قال لهم إبراهيم: أتهلكون قريةً فيها أربع مائة مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها ثلاث مائة مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنًا؟ قالوا: لا! وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط، فسكتَ عنهم واطمأنت نفسه.

١٨٣٤٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحماني، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، قال الملك لإبراهيم: إن كان فيها خمسة يصلون رُفع عنهم العذاب.

١٨٣٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، ذكر لنا أن مجادلته إياهم أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أمعذبوها أنتم؟ قالوا: لا! حتى صار ذلك إلى عشرة قال، أرأيتم إن كان فيها عشرة أمعذبوهم أنتم؟ قالوا: لا! وهي ثلاث قرى فيها ما شاء الله من الكثرة والعدد.

١٨٣٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيها خمسون لم نعذبهم. قال: أربعون؟ قالوا: وأربعون! قال: ثلاثون؟ قالوا: ثلاثون! حتى بلغ عشرة. قالوا: وإن كان فيهم عشرة! قال: ما قومٌ لا يكون فيهم عشرة فيهم خير = قال ابن عبد الأعلى، قال محمد بن ثور، قال معمر: بلغنا أنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء الله من ذلك.

١٨٣٤٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، قال: ما خطبُكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، فجادلهم في قوم لوط قال، أرأيتم إن كان فيها مائة من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا! فلم يزل يحُطَّ حتى بلغ عشرة من المسلمين، فقالوا: لا نعذبهم، إن كان فيهم عشرة من المسلمين، ثم قالوا: "يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ليس فيها إلا أهل بيت من المؤمنين " هو لوط وأهل بيته، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ . فقالت الملائكة: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا إنَّه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ .

١٨٣٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، يعني: إبراهيم جادل عن قوم لوط ليردّ عنهم العذاب قال: فيزعم أهل التوراة أن مجادلة إبراهيم إياهم حين جادلهم في قوم لوط ليردّ عنهم العذاب، إنما قال للرسل فيما يكلمهم به: أرأيتم إن كان فيهم مائة مؤمن أتهلكونهم؟ قالوا:، لا! قال: أفرأيتم إن كانوا تسعين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا ثمانين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا سبعين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا ستين؟ قالوا لا! قال: أفرأيتم إن كانوا خمسين؟ قالوا لا! قال: أفرأيتم إن كان رجلا واحدًا مسلمًا؟ قالوا: لا! قال: فلما لم يذكروا لإبراهيم أن فيها مؤمنًا واحدًا، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ، يدفع به عنهم العذاب = ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣٢] ، ﴿قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ .

١٨٣٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال إبراهيم: أتهلكونهم إن وجدتم فيها مائة مؤمن ثم تسعين؟ حتى هبَط إلى خمسة. قال: وكان في قرية لوط أربعة آلاف ألف.

١٨٣٤٨- حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا أبو المثني ومسلم أبو الحبيل الأشجعي قالا ﴿لما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، إلى آخر الآية قال إبراهيم: أتعذب عالمًا من عالمك كثيرًا، فيهم مائة رجل؟ قال: لا وعزتي، ولا خمسين! قال: فأربعين؟ فثلاثين؟ حتى انتهى إلى خمسة. قال: لا! وعزتي لا أعذبهم ولو كان فيهم خمسة يعبدونني! قال الله عز وجل: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات:٣٦] ، أي لوطًا وابنتيه، قال: فحلّ بهم من العذاب، قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [سورة الذاريات:٣٧] ، وقال: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾ . [[الأثر: ١٨٣٤٨ - "محمد بن عوف بن سفيان الطائي"، شيخ الطبري، مضى مرارًا، منها: ١٣١٠٨.

و" أبو المغيرة "، هو: "عبد القدوس بن الحجاج الخولاني "، مضى مرارا، منها: ١٣١٠٨.

و" صفوان " هو: " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، مضى مرارًا، منها: ١٣١٠٨.

" وأبو المثني " كأنه يعني: مسلم بن المثني الكوفي المؤذن "، روى عن ابن عمر، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٥٦، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩٥. وأما " أبو الحبيل الأشجعي "، فلست أجد من يسمى هكذا، وظني أنه قد وقع في هذا الإسناد خطأ، فصوابه عندي: " قال حدثنا أبو المثني مسلم، والحسيل الأشجعي".

" والحسيل الأشجعي "، فيما أرجح: " الحسيل بن عبد الرحمن الأشجعي "، ويقال أيضًا: " حسين "، روى عن سعد بن أبي وقاص، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٥٨. هذا، وفي النفس شيء من حقيقة هذا الإسناد، والله أعلم.]]

* *

والعرب لا تكاد تَتَلقَّى "لمَّا" إذا وليها فعل ماض إلا بماض، يقولون: "لما قام قمت"، ولا يكادون يقولون: "لما قام أقوم". وقد يجوز فيما كان من الفعل له تَطَاول مثل "الجدال" "والخصومة" والقتال، فيقولون في ذلك: "لما لقيته أقاتله"، بمعنى: جعلت أقاتله.

* *

وقوله: ﴿إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم لبطيء الغضب، [[انظر تفسير " حليم " فيما سلف ١١: ١١٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] متذلل لربه خاشع له، منقاد لأمره = ﴿منيب﴾ ، رَجَّاع إلى طاعته، كما:-

١٨٣٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿أوّاه منيب﴾ ، قال: القانت: الرَّجاع.

* *

وقد بينا معنى "الأوّاه" فيما مضى، باختلاف المختلفين، والشواهد على الصحيح منه عندنا من القول، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير " الأواه " فيما سلف ١٤: ٥٢٣ - ٥٣٦.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذي أوجسه في نفسه من رسلنا، حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه، وأمن أن يكون قُصِد في نفسه وأهله بسوء = ﴿وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق، ظلّ = ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ يقول: ذهب عنه الخوف، ﴿وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق.

١٨٣٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، بإسحاق، ويعقوب ولد من صلب إسحاق، وأمن مما كان يخاف، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ، [سورة إبراهيم: ٣٩] .

* *

وقد قيل معنى ذلك: وجاءته البشرى أنهم ليسوا إياه يريدون.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وجاءته البشرى﴾ ، قال: حين أخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وأنهم ليسوا إياه يريدون. [[بعد هذا الأثر ما نصه: " قال حدثنا محمد بن ثور، قال حدثنا معمر، وقال آخرون. . . " فحذفت هذه الزيادة، لأنها سبق نظر من الناسخ، لأنه نقل من أول السطر الذي فوقه، ثم عاد إلى السياق ولم يتم النقل.]]

* *

وقال آخرون: بشّر بإسحاق.

* *

وأما "الروع": فهو الخوف، يقال منه: "راعني كذا يَرُوعني روعًا" إذا خافه. ومنه قول النبي ﷺ لرجل: "كيف لَكَ بَرَوْعَة المؤمن"؟ ومنه قول عنترة:

مَا رَاعَني إلا حَمُوَلُة أَهْلِهَا ... وَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ [[ديوانه: ١٢٣، من معلقته المشهورة، وقبله: إنْ كُنْتِ أَزْمْعتِ الفِرَاقَ، فإنَّما ... زُمَّتْ رِكابُكُمْ بِيَوْمٍ مُظْلِمِ

"الخمخم"، بقلة لها حب أسود. وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس البقل، سفت حب الخمخم، فكان ذلك نذيرًا بوشك فراقهم.]] بمعمى: ما أفزعني.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٣٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "الروع"، الفَرَق.

١٨٣٣٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد =

١٨٣٣٦-. . . . قال وحدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: الفَرَق.

١٨٣٣٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: الفَرَق.

١٨٣٣٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، قال: ذهب عنه الخوف.

* *

وقوله: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، يقول: يخاصمنا. كما:-

١٨٣٣٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يجادلنا﴾ ، يخاصمنا. [[انظر تفسير " المجادلة " فيما سلف ص: ٣٠٣، تعليق ١، والمراجع هناك]]

١٨٣٤٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وزعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن معنى قوله: ﴿يجادلنا﴾ يكلمنا.

وقال: لأن إبراهيم لا يجادل الله، إنما يسأله ويطلب إليه. [[في المطبوعة: " ويطلب منه "، لم يحسن قراءة المخطوطة لدقة كتابة الكلمة في تجويف باء " يطلب "، إذ كانت في آخر السطر.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا من الكلام جهلٌ، لأن الله تعالى ذكره أخبرنا في كتابه أنه يجادل في قوم لوط، فقول القائل: "إبراهيم لا يجادل"، موهمًا بذلك أن قول من قال في تأويل قوله: ﴿يجادلنا﴾ ، يخاصمنا، أن إبراهيم كان يخاصم ربَّه، جهلٌ من الكلام، وإنما كان جدالُه الرسلَ على وجه المحاجَّة لهم. ومعنى ذلك: "وجاءته البشرى يجادل رسلنا"، ولكنه لما عرف المراد من الكلام حذف "الرسل".

* *

وكان جدالُه إيَّاهُم، كما:-

١٨٣٤١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي قال، حدثنا جعفر، عن سعيد: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، قال: لما جاء جبريل ومن معه قالوا لإبراهيم: إنَّا مهلكو أهل هذه القرية إنَّ أهلها كانوا ظالمين: قال لهم إبراهيم: أتهلكون قريةً فيها أربع مائة مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها ثلاث مائة مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا! قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنًا؟ قالوا: لا! وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر بامرأة لوط، فسكتَ عنهم واطمأنت نفسه.

١٨٣٤٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحماني، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، قال الملك لإبراهيم: إن كان فيها خمسة يصلون رُفع عنهم العذاب.

١٨٣٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، ذكر لنا أن مجادلته إياهم أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أمعذبوها أنتم؟ قالوا: لا! حتى صار ذلك إلى عشرة قال، أرأيتم إن كان فيها عشرة أمعذبوهم أنتم؟ قالوا: لا! وهي ثلاث قرى فيها ما شاء الله من الكثرة والعدد.

١٨٣٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ ، قال: بلغنا أنه قال لهم يومئذ: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين؟ قالوا: إن كان فيها خمسون لم نعذبهم. قال: أربعون؟ قالوا: وأربعون! قال: ثلاثون؟ قالوا: ثلاثون! حتى بلغ عشرة. قالوا: وإن كان فيهم عشرة! قال: ما قومٌ لا يكون فيهم عشرة فيهم خير = قال ابن عبد الأعلى، قال محمد بن ثور، قال معمر: بلغنا أنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ألف إنسان، أو ما شاء الله من ذلك.

١٨٣٤٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، قال: ما خطبُكم أيها المرسلون؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، فجادلهم في قوم لوط قال، أرأيتم إن كان فيها مائة من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا! فلم يزل يحُطَّ حتى بلغ عشرة من المسلمين، فقالوا: لا نعذبهم، إن كان فيهم عشرة من المسلمين، ثم قالوا: "يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه ليس فيها إلا أهل بيت من المؤمنين " هو لوط وأهل بيته، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿يجادلنا في قوم لوط﴾ . فقالت الملائكة: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا إنَّه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ .

١٨٣٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى﴾ ، يعني: إبراهيم جادل عن قوم لوط ليردّ عنهم العذاب قال: فيزعم أهل التوراة أن مجادلة إبراهيم إياهم حين جادلهم في قوم لوط ليردّ عنهم العذاب، إنما قال للرسل فيما يكلمهم به: أرأيتم إن كان فيهم مائة مؤمن أتهلكونهم؟ قالوا:، لا! قال: أفرأيتم إن كانوا تسعين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا ثمانين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا سبعين؟ قالوا: لا! قال: أفرأيتم إن كانوا ستين؟ قالوا لا! قال: أفرأيتم إن كانوا خمسين؟ قالوا لا! قال: أفرأيتم إن كان رجلا واحدًا مسلمًا؟ قالوا: لا! قال: فلما لم يذكروا لإبراهيم أن فيها مؤمنًا واحدًا، ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ، يدفع به عنهم العذاب = ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣٢] ، ﴿قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ .

١٨٣٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال إبراهيم: أتهلكونهم إن وجدتم فيها مائة مؤمن ثم تسعين؟ حتى هبَط إلى خمسة. قال: وكان في قرية لوط أربعة آلاف ألف.

١٨٣٤٨- حدثنا محمد بن عوف قال، حدثنا أبو المغيرة قال، حدثنا صفوان قال، حدثنا أبو المثني ومسلم أبو الحبيل الأشجعي قالا ﴿لما ذهب عن إبراهيم الروع﴾ ، إلى آخر الآية قال إبراهيم: أتعذب عالمًا من عالمك كثيرًا، فيهم مائة رجل؟ قال: لا وعزتي، ولا خمسين! قال: فأربعين؟ فثلاثين؟ حتى انتهى إلى خمسة. قال: لا! وعزتي لا أعذبهم ولو كان فيهم خمسة يعبدونني! قال الله عز وجل: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات:٣٦] ، أي لوطًا وابنتيه، قال: فحلّ بهم من العذاب، قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [سورة الذاريات:٣٧] ، وقال: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾ . [[الأثر: ١٨٣٤٨ - "محمد بن عوف بن سفيان الطائي"، شيخ الطبري، مضى مرارًا، منها: ١٣١٠٨.

و" أبو المغيرة "، هو: "عبد القدوس بن الحجاج الخولاني "، مضى مرارا، منها: ١٣١٠٨.

و" صفوان " هو: " صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي "، مضى مرارًا، منها: ١٣١٠٨.

" وأبو المثني " كأنه يعني: مسلم بن المثني الكوفي المؤذن "، روى عن ابن عمر، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٥٦، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩٥. وأما " أبو الحبيل الأشجعي "، فلست أجد من يسمى هكذا، وظني أنه قد وقع في هذا الإسناد خطأ، فصوابه عندي: " قال حدثنا أبو المثني مسلم، والحسيل الأشجعي".

" والحسيل الأشجعي "، فيما أرجح: " الحسيل بن عبد الرحمن الأشجعي "، ويقال أيضًا: " حسين "، روى عن سعد بن أبي وقاص، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٥٨. هذا، وفي النفس شيء من حقيقة هذا الإسناد، والله أعلم.]]

* *

والعرب لا تكاد تَتَلقَّى "لمَّا" إذا وليها فعل ماض إلا بماض، يقولون: "لما قام قمت"، ولا يكادون يقولون: "لما قام أقوم". وقد يجوز فيما كان من الفعل له تَطَاول مثل "الجدال" "والخصومة" والقتال، فيقولون في ذلك: "لما لقيته أقاتله"، بمعنى: جعلت أقاتله.

* *

وقوله: ﴿إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب﴾ ، يقول تعالى ذكره: إن إبراهيم لبطيء الغضب، [[انظر تفسير " حليم " فيما سلف ١١: ١١٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] متذلل لربه خاشع له، منقاد لأمره = ﴿منيب﴾ ، رَجَّاع إلى طاعته، كما:-

١٨٣٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿أوّاه منيب﴾ ، قال: القانت: الرَّجاع.

* *

وقد بينا معنى "الأوّاه" فيما مضى، باختلاف المختلفين، والشواهد على الصحيح منه عندنا من القول، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير " الأواه " فيما سلف ١٤: ٥٢٣ - ٥٣٦.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قول رسله لإبراهيم: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ ، وذلك قيلهم له حين جَادلهم في قوم لوط، فقالوا: دع عنك الجدالَ في أمرهم والخصومة فيه [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = فإنه ﴿قد جاء أمر ربكَ﴾ يقول: قد جاء أمر ربك بعذابهم. وحقَّ عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء = ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ ، يقول: وإن قوم لوط، نازلٌ بهم عذابٌ من الله غير مدفُوع.

* *

وقد [مضى] ذكر الرواية بما ذكرنا فيه عمن ذكر ذلك عنه. [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاءت ملائكتنا لوطًا، ساءَه مَجيئهم = وهو "فعل" من "السوء" = ﴿وضاق بهم﴾ ، بمجيئهم ﴿ذَرْعًا﴾ ، يقول: وضاقت نفسه غما بمجيئهم. وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسلُ الله في حال ما ساءه مجيئهم، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة، وخاف عليهم، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعًا، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه، ولذلك قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذراعًا﴾ ، يقول: ساء ظنًا بقومه وضاق ذرعًا بأضيافه.

* *

١٨٣٥١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة أنه قال: لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم، والله أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهدَ لوط. قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيِّفوك الليلة، فانطلق بهم، فلما مضى ساعةً التفت فقال: أما تعلمون ما يعمَل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم! قال: فمضى معهم. ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم. فلما بصرت بهم عجوزُ السَّوْء امرأته، انطلقَت فأنذرتهم. [[الأثر: ١٨٣٥١ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، قال حذيفة، فذكر نحوه.

١٨٣٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكة لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات فقد أذنت لكم في هَلكتهم. فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نُضيِّفك الليلة. فقال: وما بلغكم من أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملا! يقول ذلك أربع مرات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله. [[الأثر: ١٨٣٥٣ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى "ريثا"، والصغرى "زغرتا"، [[هكذا في المخطوطة منقوطة نقطًا واضحًا، على قلة النقط في مواضع منها. وفي التاريخ: " رعزيا "، وتحقيق ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا.]] فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتيكم! فَرِقَتْ عليهم من قَوْمها. [[أي: خافت عليهم.]] فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسنَ منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم! وقد كان قومه نهوه أن يُضيف رجلا فقالوا: خَلّ عنَّا فلنضِف الرجال! فجاء بهم، فلم يعلم أحدٌ إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، قالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قَطّ! فجاءه قومه يُهْرَعون إليه. [[الأثر: ١٨٣٥٤ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤، تام الإسناد، مطولا.]]

١٨٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجت الرسل فيما يزعم أهل التوراة من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحُوه في ضيفه، فقال: ﴿هذا يوم عصيبٌ﴾ .

* *

وأما قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، فإنه يقول: وقال لوط: هذا اليوم يوم شديد شره، عظيم بلاؤه،

* *

يقال منه: عصب يومنا هذا يعصب عصبًا، ومنه قول عدي بن زيد:

وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيب [[الأغاني ٢: ١١١، مجاز القرآن ١: ٢٩٤، اللسان (سلك) ، وسيأتي في التفسير ١٤: ٨ / ١٨: ١٣ (بولاق) . من قصيدة له طويلة، قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، يقول للنعمان قبله: سَعَى الأَعْدَاءُ لاَ يَأْلُونَ شَرًّا ... عَلَيَّ وَربِّ مَكَّةَ والصَّلِيبِ

أَرَادُوا كي تُمَهَّلَ عَنْ عَدِيٍّ ... لِيُسْجَنَ أَو يُدَهُدَهَ فِي القَلِيبِ

وَكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أُعَالِنُهُم وأُبْطِنُ كُلَّ سِرٍّ ... كَمَا بَيْنَ اللِّحَاءِ إِلَى العَسِيبِ

فَفُزْتُ عَلَيْهِمْ لَمّا الْتَقَيْنَا ... بِتَاجِكَ فَوْزَةَ القِدْحِ الأرِيبِ

" دهدهه "، دحرجه من علو إلى سفل، و " القليب "، البئر، إنما عنى القبر هنا. و " لزاز الخصم "، الشديد المعاند ذو البأس في الملمات. و"عرد عن خصمه"، أحجم ونكص. وكان في المطبوعة هنا " أعدد "، وفي المخطوطة: " أعود "، والصواب ما أثبت. و" اللحاء " قشر العود، و " العسيب " جريد النخل، يقول: سرك كما بين هذين، يعني خفي لا يرى. و" القدح الأريب " من قداح الميسر، هو القدح ذو الآراب الكثيرة، و"الآراب" أعضاء الجذور.]] وقول الراجز:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأَبْطَالا ... عَصْبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوَالا [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقول الآخر:

وَإنَّكَ إنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بالعِرَاقِ عَصِيبِ [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقال كعب بن جعيل:

ومُلَبُّونَ بِالحَضِيضِ فِئامٌ ... عَارِفاتٌ مِنْهُ بِيَوْمٍ عَصِيبِ [[لم أجد البيت في مكان آخر، وفي المطبوعة: " ويلبون "، وفي المخطوطة مثله، إلا أن فيه خطأ في النقط وأظن الصواب ما أثبت، من قولهم: " ألب بالمكان "، إذا لزمه ولم يفارقه. " والحضيض "، منخفض من الأرض عند منقطع الجبل. و" فئام"، جماعات. وكأن هذا البيت من شعره الذي رثى به عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وروى أبياتا منه المصعب الزبيري في نسب قريش ص: ٣٢٥، وكان كعب بن جعيل مداحًا له.]]

* *

ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٦- حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿عصيب﴾ ،: شديد

١٨٣٥٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، يقول شديد.

١٨٣٥٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، أي يوم بلاء وشدة.

١٨٣٥٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يوم عصيب﴾ ، شديد.

١٨٣٦٠- حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، أي: يوم شديد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قول رسله لإبراهيم: ﴿يا إبراهيم أعرض عن هذا﴾ ، وذلك قيلهم له حين جَادلهم في قوم لوط، فقالوا: دع عنك الجدالَ في أمرهم والخصومة فيه [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = فإنه ﴿قد جاء أمر ربكَ﴾ يقول: قد جاء أمر ربك بعذابهم. وحقَّ عليهم كلمة العذاب، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء = ﴿وإنهم آتيهم عذاب غير مردود﴾ ، يقول: وإن قوم لوط، نازلٌ بهم عذابٌ من الله غير مدفُوع.

* *

وقد [مضى] ذكر الرواية بما ذكرنا فيه عمن ذكر ذلك عنه. [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاءت ملائكتنا لوطًا، ساءَه مَجيئهم = وهو "فعل" من "السوء" = ﴿وضاق بهم﴾ ، بمجيئهم ﴿ذَرْعًا﴾ ، يقول: وضاقت نفسه غما بمجيئهم. وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسلُ الله في حال ما ساءه مجيئهم، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة، وخاف عليهم، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعًا، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه، ولذلك قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذراعًا﴾ ، يقول: ساء ظنًا بقومه وضاق ذرعًا بأضيافه.

* *

١٨٣٥١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة أنه قال: لما جاءت الرسل لوطًا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها، وقد قيل لهم، والله أعلم: لا تهلكوهم حتى يشهدَ لوط. قال: فأتوه فقالوا: إنا مُتَضيِّفوك الليلة، فانطلق بهم، فلما مضى ساعةً التفت فقال: أما تعلمون ما يعمَل أهل هذه القرية؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسًا أخبث منهم! قال: فمضى معهم. ثم قال الثانية مثل ما قال، فانطلق بهم. فلما بصرت بهم عجوزُ السَّوْء امرأته، انطلقَت فأنذرتهم. [[الأثر: ١٨٣٥١ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، قال حذيفة، فذكر نحوه.

١٨٣٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: أتت الملائكة لوطًا وهو في مزرعة له، وقال الله للملائكة: إن شهد لوط عليهم أربعَ شهادات فقد أذنت لكم في هَلكتهم. فقالوا: يا لوط، إنا نريد أن نُضيِّفك الليلة. فقال: وما بلغكم من أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرُّ قرية في الأرض عملا! يقول ذلك أربع مرات، فشهد عليهم لوط أربع شهادات، فدخلوا معه منزله. [[الأثر: ١٨٣٥٣ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤.]]

١٨٣٥٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان، اسم الكبرى "ريثا"، والصغرى "زغرتا"، [[هكذا في المخطوطة منقوطة نقطًا واضحًا، على قلة النقط في مواضع منها. وفي التاريخ: " رعزيا "، وتحقيق ذلك يحتاج إلى وقت غير هذا.]] فقالوا لها: يا جارية، هل من منزل؟ قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتيكم! فَرِقَتْ عليهم من قَوْمها. [[أي: خافت عليهم.]] فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسنَ منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم! وقد كان قومه نهوه أن يُضيف رجلا فقالوا: خَلّ عنَّا فلنضِف الرجال! فجاء بهم، فلم يعلم أحدٌ إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، قالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قَطّ! فجاءه قومه يُهْرَعون إليه. [[الأثر: ١٨٣٥٤ - رواه الطبري في تاريخه ١: ١٥٤، تام الإسناد، مطولا.]]

١٨٣٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: خرجت الرسل فيما يزعم أهل التوراة من عند إبراهيم إلى لوط بالمؤتفكة، فلما جاءت الرسل لوطًا سيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وذلك من تخوف قومه عليهم أن يفضحُوه في ضيفه، فقال: ﴿هذا يوم عصيبٌ﴾ .

* *

وأما قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، فإنه يقول: وقال لوط: هذا اليوم يوم شديد شره، عظيم بلاؤه،

* *

يقال منه: عصب يومنا هذا يعصب عصبًا، ومنه قول عدي بن زيد:

وَكُنْتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لمْ أُعَرِّدْ ... وَقَدْ سَلَكُوكَ فِي يَوْمٍ عَصِيب [[الأغاني ٢: ١١١، مجاز القرآن ١: ٢٩٤، اللسان (سلك) ، وسيأتي في التفسير ١٤: ٨ / ١٨: ١٣ (بولاق) . من قصيدة له طويلة، قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، يقول للنعمان قبله: سَعَى الأَعْدَاءُ لاَ يَأْلُونَ شَرًّا ... عَلَيَّ وَربِّ مَكَّةَ والصَّلِيبِ

أَرَادُوا كي تُمَهَّلَ عَنْ عَدِيٍّ ... لِيُسْجَنَ أَو يُدَهُدَهَ فِي القَلِيبِ

وَكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أُعَالِنُهُم وأُبْطِنُ كُلَّ سِرٍّ ... كَمَا بَيْنَ اللِّحَاءِ إِلَى العَسِيبِ

فَفُزْتُ عَلَيْهِمْ لَمّا الْتَقَيْنَا ... بِتَاجِكَ فَوْزَةَ القِدْحِ الأرِيبِ

" دهدهه "، دحرجه من علو إلى سفل، و " القليب "، البئر، إنما عنى القبر هنا. و " لزاز الخصم "، الشديد المعاند ذو البأس في الملمات. و"عرد عن خصمه"، أحجم ونكص. وكان في المطبوعة هنا " أعدد "، وفي المخطوطة: " أعود "، والصواب ما أثبت. و" اللحاء " قشر العود، و " العسيب " جريد النخل، يقول: سرك كما بين هذين، يعني خفي لا يرى. و" القدح الأريب " من قداح الميسر، هو القدح ذو الآراب الكثيرة، و"الآراب" أعضاء الجذور.]] وقول الراجز:

يَوْمٌ عَصِيبٌ يَعْصِبُ الأَبْطَالا ... عَصْبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوَالا [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقول الآخر:

وَإنَّكَ إنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وَائِلٍ ... يَكُنْ لَكَ يَوْمٌ بالعِرَاقِ عَصِيبِ [[لم أعرف قائله، وهو في مجاز القرآن ١: ٢٩٤.]]

وقال كعب بن جعيل:

ومُلَبُّونَ بِالحَضِيضِ فِئامٌ ... عَارِفاتٌ مِنْهُ بِيَوْمٍ عَصِيبِ [[لم أجد البيت في مكان آخر، وفي المطبوعة: " ويلبون "، وفي المخطوطة مثله، إلا أن فيه خطأ في النقط وأظن الصواب ما أثبت، من قولهم: " ألب بالمكان "، إذا لزمه ولم يفارقه. " والحضيض "، منخفض من الأرض عند منقطع الجبل. و" فئام"، جماعات. وكأن هذا البيت من شعره الذي رثى به عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وروى أبياتا منه المصعب الزبيري في نسب قريش ص: ٣٢٥، وكان كعب بن جعيل مداحًا له.]]

* *

ونحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٥٦- حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿عصيب﴾ ،: شديد

١٨٣٥٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، يقول شديد.

١٨٣٥٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿هذا يوم عصيب﴾ ، أي يوم بلاء وشدة.

١٨٣٥٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يوم عصيب﴾ ، شديد.

١٨٣٦٠- حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وقال هذا يوم عصيب﴾ ، أي: يوم شديد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجاء لوطًا قومه يستحثون إليه، يُرْعَدون مع سرعة المشي، مما بهم من طلب الفاحشة.

* *

يقال: "أهْرِعَ الرجل "، من برد أو غضب أو حمَّى، إذا أرعد، "وهو مُهْرَع"، إذا كان مُعْجلا حريصًا، كما قال الراجز: [[لم أعرف قائله.]]

بِمُعْجَلاتٍ نَحْوَهُ مَهَارِع * [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٤.]]

ومنه قول مهلهل:

فجاؤوا يُهْرَعُونَ وهمْ أُسارَى تَقُودُهُمُ على رَغمِ الأُنُوفِ [[اللسان (هرع) ، ولم أعرف سائر الشعر.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٦١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿يُهْرَعون إليه﴾ ، قال: يهرولون، وهو الإسراع في المشي.

١٨٣٦٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٣٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

١٨٣٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ ، قال: يسعون إليه.

١٨٣٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: قال: فأتوه يهرعون إليه، يقول: سراعًا إليه.

١٨٣٦٦- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿يهرعون إليه﴾ ، قال: يسرعون إليه.

١٨٣٦٧- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ ، يقول: يسرعون المشي إليه.

١٨٣٦٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ ، قال: يهرولون في المشي = قال سفيان: ﴿يهرعون إليه﴾ ، يسرعون إليه.

١٨٣٦٩- حدثنا سوار بن عبد الله قال، قال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿يهرعون إليه﴾ ، قال: كأنهم يدفعون.

١٨٣٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب قال، حدثنا حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال، أقبلوا يسرعون مشيًا بين الهرولة والجمز.

١٨٣٧١- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس، قوله: ﴿وجاءه قومه يهرعون إليه﴾ ، يقول: مسرعين.

* *

وقوله: ﴿ومن قبل كانوا يعملون السيئات﴾ ، يقول: من قبل مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، كما:-

١٨٣٧٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿ومن قبل كانوا يعملون السيئات﴾ ، قال: يأتون الرجال.

* *

وقوله: ﴿قال يا قوم هؤلاء بناتي﴾ ، يقول تعالى ذكره: قال لوط لقومه لما جاؤوه يراودونه عن ضيفه: هؤلاء يا قوم بناتي = يعني نساء أمته = فانكحوهن فهنّ أطهر لكم، كما:-

١٨٣٧٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، قال: أمرهم لوط بتزويج النساء وقال: ﴿هن أطهر لكم﴾ .

١٨٣٧٤- حدثنا محمد قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: وبلغني هذا أيضًا عن مجاهد.

١٨٣٧٥- حدثنا ابن وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) ، قال: لم تكن بناته، ولكن كنَّ من أمّته، وكل نبي أبُو أمَّته.

١٨٣٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، قال: أمرهم أن يتزوجوا النساء، لم يعرضْ عليهم سفاحًا.

١٨٣٧٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا أبو بشر، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله: ﴿هن أطهر لكم﴾ ، قال: ما عرض عليهم نكاحًا ولا سفاحًا. [[لا يظهر لهذه العبارة معنى، وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء ويكون: " ما عرض عليهم بناته نكاحا ولا سفاحا "، ويكون ابن أبي نجيح أراد أنه أمرهم بأن يتزوجوا النساء من قومهم.]]

١٨٣٧٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ قال: أمرهم أن يتزوجوا النساء، وأراد نبي الله ﷺ أن يَقي أضيافه ببناته.

١٨٣٧٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر عن الربيع، في قوله: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، يعني التزويج = حدثني أبو جعفر، عن الربيع في قوله: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، يعني التزويج. [[هكذا جاء التكرار في المخطوطة والمطبوعة، وأخشى أن يكون سقط من الإسناد شيء.]]

١٨٣٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا محمد بن شبيب الزهراني، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، في قول لوط: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر كم﴾ ، يعني: نساءهم، هنّ بَنَاته، هو نبيّهم = وقال في بعض القراءة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ﴾ ، [سورة الأحزاب: ٦] . [[الأثر: ١٨٣٨٠ - " محمد بن شبيب الزهراني "، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١١٤، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٨٥.]]

١٨٣٨١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وجاءه قومه يهرعون﴾ ، قالوا: أو لم ننهك أن تضيف العالمين؟ قال: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، إن كنتم فاعلين، أليس منكم رجل رشيد؟

١٨٣٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما جاءت الرسل لوطًا أقبل قومه إليهم حين أخبروا بهم يهرَعون إليه. فيزعمون، والله أعلم، أن امرأة لوط هي التي أخبرتهم بمكانهم، وقالت: إن عند لوط لضيفانًا ما رأيت أحسنَ ولا أجمل قطُّ منهم! وكانوا يأتون الرجالَ شهوة من دون النساء، فاحشةٌ، لم يسبقهم بها أحد من العالمين. فلما جاؤوه قالوا: أو لم ننهك عن العالمين؟ أي: ألم نقل لك: لا يقربنَّك أحدٌ، فإنا لن نجد عندك أحدًا إلا فعلنا به الفاحشة؟ قال: "يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم"، فأنا أفدي ضيفي منكم بهنّ، ولم يدعهم إلا إلى الحلال من النكاح.

١٨٣٨٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿هؤلاء بناتي﴾ ، قال: النساء.

* *

واختلفت القراء في قراءة قوله: ﴿هن أطهر لكم﴾ .

فقرأته عامة القراء برفع: ﴿أَطْهَرُ﴾ ، على أن جعلوا "هن" اسمًا، "وأطهر" خبره، كأنه قيل: بناتي أطهرُ لكم مما تريدون من الفاحشة من الرجال.

* *

وذكر عن عيسى بن عمر البصري أنه كان يقرأ ذلك: ﴿هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ﴾ ، بنصب "أطهر". [[انظر قراءة عيسى بن عمر، وما قاله له أبو عمرو بن العلاء، في طبقات فحول الشعراء ص: ١٨.]]

* *

وكان بعض نحويي البصرة يقول: هذا لا يكون، إنما ينصب خبر الفعل الذي لا يستغني عن الخبر إذا كان بين الاسم والخبر هذه الأسماء المضمرة.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: من نصبه جعله نكرةً خارجة من المعرفة، ويكون قوله: "هن" عمادًا للفعل فلا يُعْمِله.

* *

وقال آخر منهم: مسموع من العرب: "هذا زيد إيَّاه بعينه"، قال: فقد جعله خبرًا لـ "هذا" مثل قولك: "كان عبد الله إياه بعينه". قال: وإنما لم يجز أن يقع الفعل ههنا، لأن التقريب ردُّ كلام، [[انظر تفسير " التقريب " فيما سلف ٧: ١٤٩، تعليق: ٤، وص: ١٥٠، تعليق: ٣، وهو من اصطلاح الكوفيين. وهو أن تكون " هذا " و " هذه "، من أخوات " كان " في احتياجهما إلى اسم مرفوع، وخبر منصوب.]] فلم يجتمعا، لأنه يتناقض، لأنَّ ذلك إخبار عن معهود، وهذا إخبار عن ابتداء ما هو فيه: "ها أنا ذا حاضر"، أو: "زيد هو العالم"، فتناقض أن يدخل المعهودُ على الحاضر، فلذلك لم يجُزْ.

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز خلافها في ذلك، الرفع: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ، لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه، مع صحته في العربية، وبعد النصب فيه من الصحة.

* *

وقوله: ﴿فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي﴾ ، يقول: فاخشوا الله، أيها الناس، واحذروا عقابه، في إتيانكم الفاحشة التي تأتونها وتطلبونها = ﴿ولا تخزون في ضيفي﴾ ، يقول: ولا تذلوني بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبُوه منهم. [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف من فهارس اللغة (خزي) .]]

* *

و"الضيف "، في لفظ واحدٍ في هذا الموضع بمعنى جمع. والعرب تسمي الواحد والجمع "ضيفًا" بلفظ واحدٍ. كما قالوا: "رجل عَدْل، وقوم عَدْل".

* *

وقوله: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ ، يقول: أليس منكم رجل ذو رُشد، ينهى من أراد ركوبَ الفاحشة من ضيفي، فيحول بينهم وبين ذلك؟ [[انظر تفسير " الرشد " فيما سلف ١٣: ١١٤، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٣٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد﴾ ، أي رجل يعرف الحقَّ وينهى عن المنكر؟

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم لوط للوط: ﴿لقد علمت﴾ ، يا لوط ﴿ما لنا في بناتك من حق﴾ ، لأنهن لَسْنَ لنا أزواجًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: " ليس لنا أزواجا "، والصواب ما أثبت.]] كما:-

١٨٣٨٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق﴾ ، أي من أزواج = ﴿وإنك تعلم ما نريد﴾ .

* *

وقوله: ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾ ، يقول: قالوا: وإنك يا لوط لتعلم أنَّ حاجتنا في غير بناتك، وأن الذي نُريد هو ما تنهانَا عنه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٨٦- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾ ، إنا نريد الرجال.

١٨٣٨٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾ ، أي: إن بغيتنا لغير ذلك. فلما لم يتناهوا، ولم يردَّهم قوله، ولم يقبلوا منه شيئًا مما عرض عليهم من أمور بناته، قال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال لوط لقومه حين أبوا إلا المضي لما قد جاؤوا له من طلب الفاحشة، وأيس من أن يستجيبوا له إلى شيء مما عرض عليهم: ﴿لو أن لي بكم قوة﴾ ، بأنصار تنصرني عليكم وأعوان تعينني = ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، يقول: أو أنضم إلى عشيرة مانعة تمنعني منكم، [[انظر تفسير " أوى " فيما سلف ص: ٣٣١، تعليق: ١، والمراجع هناك = ثم انظر ما سيأتي ص: ٤٢٢.]] لحلت بينكم وبين ما جئتم تريدونه منِّي في أضيافي = وحذف جواب "لو" لدلالة الكلام عليه، وأن معناه مفهوم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٣٨٨- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال لوط: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، يقول: إلى جُنْد شديد، لقاتلتكم.

١٨٣٨٩- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، قال: العشيرة.

١٨٣٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلى ركن شديد﴾ ، قال: العشيرة.

١٨٣٩١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، قال: إلى ركن من الناس.

١٨٣٩٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال قوله: ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، قال: بلغنا أنه لم يبعث نبيٌّ بعد لوط إلا في ثَرْوَة من قومه، حتى النبي ﷺ.

١٨٣٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، أي: عشيرة تمنعني أو شيعة تنصرني، لحلت بينكم وبين هذا.

١٨٣٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ قال: يعني به العشيرة.

١٨٣٩٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن: أن هذه الآية لما نزلت: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، قال: فقال رسول الله ﷺ: رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد!

١٨٣٩٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن قال، قال رسول الله ﷺ: رحم الله أخي لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، فلأيّ شيء استكان!

١٨٣٩٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة وعبد الرحيم، عن محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، إذ قال لقومه: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، ما بعث الله بعدَه من نبيّ إلا في ثَرْوة من قومه = قال محمد: و"الثروة"، الكثرة والمنعة. [[الأثر: ١٨٣٩٧ - حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رواه من أربع طرق، من رقم: ١٨٣٩٧ - ١٨٣٩٩، ثم رقم: ١٨٤٠٢." ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي "، روى له الجماعة، مضى مرارًا." وأبو سلمة بن عبد الرحمن "، روى له الجماعة، مضى مرارًا. وهذا حديث صحيح، وخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٦١، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه الزيادة، وإنما اتفق على حديث الزهري عن سعيد، وأبي عبيدة، عن أبي هريرة مختصرًا ".]]

١٨٣٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن كثير قال، حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله.

١٨٣٩٩- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سليمان بن بلال، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله.

١٨٤٠٠- حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري قال، حدثنا سعيد بن تليد قال، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال، حدثني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب الزهري قال، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد. [[الأثر: ١٨٤٠٠ - حديث ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رواه من طريقين، هذا ورقم: ١٨٤٠١.

"زكريا بن يحيى بن أبان المصري "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٥٩٧٣، ١٢٨٠٧، وانظر التعليق عليه في الموضوعين." وسعيد بن تليد "، هو:" سعيد بن عيسى بن تليد المصري " ثقة، مضى برقم: ٥٩٧٣. " وعبد الرحمن بن القاسم بن خالد العتقي "، ثقة، مضى برقم: ٥٩٧٣." وبكر بن مضر المصري "، ثقة، مضى برقم ": ٢٠٣١، ٤٦٣٣، ٥٨٩٧، ٥٩٧٣. " وعمرو بن الحارث بن يعقوب المصري "، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة. " ويونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي "، روى له الجماعة، مضى مرارًا كثيرة. وهذا إسناد صحيح أيضًا.]]

١٨٤٠١- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ، قال، فذكر مثله.

١٨٤٠٢- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال في قوله: ﴿أو آوى إلى ركن شديد﴾ ، قد كان يأوي إلى ركن شديد = يعني الله تبارك وتعالى. قال رسول الله ﷺ: فما بَعثَ الله بعده من نبيّ إلا في ثَرْوة من قومه. [[الأثر: ١٨٤٠٢ - انظر تخريج الأثر رقم: ١٨٣٩٧.]]

١٨٤٠٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا بن لهيعة، عن أبي يونس، سمع أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ قال: رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد. [[الأثر: ١٨٤٠٣ - " أبو يونس "، هو " سليم بن جبير الدوسي المصري "، مولى أبي هريرة، ثقة، سلف برقم: ٦٨٨٩. و " ابن لهيعة "، مضى مرارًا، ذكر من يضعفه، ومن يوثقه.]]

١٨٤٠٤-. . . . قال، حدثنا ابن أبي مريم سعيد بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ١٨٤٠٤ - هذا إسناد صحيح، ومن هذه الطريق، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٦: ٢٩٧) .]]

١٨٤٠٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، ذكر لنا أنَّ نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية = أو: أتى على هذه الآية = قال: رحم الله لوطًا، إن كان ليأوي إلى ركن شديد! = وذكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبيًّا بعد لوط عليه السلام إلا في ثَرْوة من قومه، حتى بعث الله نبيكم في ثروة من قومه.

* *

يقال: من ﴿آوي إلى ركن شديد﴾ ، "أويت إليك"، فأنا آوي إليك أوْيًا"، بمعنى: صرت إليك وانضممت، [[انظر تفسير " أوى " فيما سلف ص: ٤١٨، تعليق: ١، والمراجع هناك، وهذه زيادة في البيان لم يسبق مثلها.]] كما قال الراجز: [[لم أعرف قائله.]]

يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ مِنَ الأَرْكَانِ ... فِي عَدَدَ طَيْسٍ وَمجْدٍ بَانِ [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٩٤، و " عدد طيس "، كثير.]]

* *

وقيل: إن لوطًا لما قال هذه المقالة، وَجَدَت الرسلُ عليه لذلك.

١٨٤٠٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد، أنه سمع وهب بن منبه يقول: قال لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ ، فوجد عليه الرسلُ وقالوا: إنَّ ركنَك لشديد! [[الأثر: ١٨٤٠٦ - جزء من خبر طويل رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٦، ١٥٧، وسيأتي برقم: ١٨٤١٥.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة للوط، لما قال لوط لقومه ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ ، ورأوا ما لقي من الكرب بسببهم منهم: ﴿يا لوط إنا رسل ربك﴾ ، أرسلنا لإهلاكهم، وإنهم لن يصلوا إليك وإلى ضيفك بمكروه، فهوّن عليك الأمر= ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ ، يقول: فاخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل. [[انظر تفسير " القطع " فيما سلف ص: ٧٦.]]

* *

يقال منه: "أسرى" و"سرى"، وذلك إذا سار بليل = ﴿ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ .

* *

واختلفت القراءة في قراءة قوله: ﴿فأسر﴾ .

فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين: "فَاسْرِ"، وصلٌ بغير همز الألف، من "سرى".

* *

وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة: ﴿فَأَسْرِ﴾ بهمز الألف، من "أسرى".

* *

قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة في القراءة، وهما لغتان مشهورتان في العرب، معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.

* *

وأما قوله: ﴿إلا امرأتك﴾ ، فإن عامَّة القراء من الحجاز والكوفة، وبعض أهل البصرة، قرأوا بالنصب ﴿إلا امْرَأَتَكَ﴾ ، بتأويل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وعلى أن لوطًا أمر أن يسري بأهله سوى زوجته، فإنه نهي أن يسري بها، وأمر بتخليفها مع قومها.

* *

وقرأ ذلك بعض البصريين: ﴿إلا امْرَأَتُكَ﴾ ، رفعًا = بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد، إلا امرأتك = فإن لوطًا قد أخرجها معه، وإنه نهي لوط ومن معه ممن أسرى معه أن يلتفت سوى زوجته، وأنها التفتت فهلكت لذلك.

* *

وقوله: ﴿إنه مصيبها ما أصابهم﴾ ، يقول: إنه مصيب امرأتك ما أصاب قومك من العذاب = ﴿إن موعدهم الصبح﴾ ، يقول: إن موعد قومك الهلاك الصبح. فاستبطأ ذلك منهم لوط وقال لهم: بلى عجِّلوا لهم الهلاك! فقالوا: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ أي عند الصبح نزولُ العذاب بهم، كما:-

١٨٤٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ ، أي: إنما ينزل بهم من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:-

١٨٤٠٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: فمضت الرُّسُل من عند إبراهيم إلى لوط، فلما أتوا لوطًا، وكان من أمرهم ما ذكر الله، قال جبريل للوط: يا لوط، إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين، فقال لهم لوط: أهلكوهم الساعة! فقال له جبريل عليه السلام: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ ؟ فأنزلت على لوط: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ ، قال: فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولا يلتفت منهم أحد إلا امرأته، قال: فسار، فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها، أدخل جبريل جناحَه فرفعها، حتى سمع أهلُ السماء صياح الديكة ونباحَ الكلاب، فجعل عاليها سافلَها، وأمطر عليها حجارة من سجِّيل. قال: وسمعت امرأة لوط الهَدَّة، فقالت: واقوماه! فأدركها حَجَرٌ فقتَلها. [[الأثر: ١٨٤٠٨ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٥.]]

١٨٤٠٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال: كان لوط أخذ على امرأته أن لا تذيع شيئًا من سرّ أضيافه. قال: فلما دخل عليه جبريل ومن معه، رأتهم في صورة لم تر مثلها قطُّ، فانطلقت تسعى إلى قومها، فأتت النادي فقالتْ بيدها هكذا، وأقبلوا يهرعون مشيا بين الهرولة والجمز، فلما انتهوا إلى لوط، قال لهم لوطٌ ما قال الله في كتابه. قال جبريل: ﴿يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ ، قال: فقال بيده، [[" قال بيده "، أشار بيده وأومأ.]] فطمس أعينهم، فجعلوا يطلبونهم، يلمسون الحيطان وهم لا يبصرون. [[الأثر: ١٨٤٠٩ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٥.]]

١٨٤١٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حذيفة قال: لما بَصُرت بهم = يعني بالرسل = عجوزُ السَّوء امرأتُه، انطلقت فأنذرتهم، فقالت: قد تضيَّف لوطًا قوم، [[في المطبوعة فقال " إنه تضيف لوطا "، وفي المخطوطة: " رب تضيف لوط قوم "، وهو خطأ من الناسخ لا شك فيه وأثبت ما في التاريخ.]] ما رأيت قومًا أحسن وجوهًا! = قال: ولا أعلمه إلا قالت: ولا أشد بياضًا وأطيبَ ريحًا! قال: فأتوه يُهْرعون إليه، كما قال الله، فأصْفق لوط البابَ. قال: فجعلوا يعالجونه. قال: فاستأذن جبريل ربَّه في عقوبتهم، فأذن له، فصفقهم بجناحه، فتركهم عميانًا يتردَّدون في أخبث ليلة أتت عليهم قطُّ. [[في المطبوعة: " في أخبث ليلة ما أتت عليهم. . . "، كأنه أراد تصويبها، فأفسدها. والصواب ما في المخطوطة والتاريخ.]]

فأخبروه: (إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل) ، قال: ولقد ذكر لنا أنه كانت مع لوط حين خرج من القرية امرأته، ثم سمعت الصوت، فالتفتت، وأرسل الله عليها حجرًا فأهلكها. وقوله: ﴿إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ ، فأراد نبيُّ الله ما هو أعجل من ذلك، فقالوا: ﴿أليس الصبح بقريب﴾ ؟ [[الأثر: ١٨٤١٠ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٥، ولم ترد فيه الجملة الأخيرة من الخبر.]]

١٨٤١١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن سعيد بن بشير، عن قتادة قال: انطلقت امرأته = يعني امرأة لوط = حين رأتهم = يعني حين رأت الرسل = إلى قومها فقالت: إنه قد ضافه الليلة قوم ما رأيت مثلَهم قط، أحسنَ وجوهًا ولا أطيبَ ريحًا! فجاؤوا يُهرعون إليه، فبادرهم لوط إلى أن يزحمهم على الباب، [[في المطبوعة: " يزجهم على الباب " والصواب ما في المخطوطة والتاريخ.]] فقال: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ، فقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ، [[تضمين آيات سورة الحجر: ٧٠، ٧١.]] فدخلوا على الملائكة، فتناولتهم الملائكة وطمست أعينهم، فقالوا: يا لوط جئتنا بقوم سحرة سحرونا، كما أنت حتى تصبح! قال: واحتمل جبريل قَرْيات لوط الأربع، في كل قرية مائة ألف، فرفعهم على جناحه بين السماء والأرض، حتى سمع أهل السماء الدنيا أصواتَ ديكتهم، ثم قلبَهم، فجعل الله عاليها سافَلها. [[الأثر: ١٨٤١١ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٥، ١٥٦.]]

١٨٤١٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال حذيفة: لما دخلوا عليه، ذهبت عَجُوزه عجوزُ السوء، فأتت قومها فقالت: لقد تضيَّف لوطًا الليلة قومٌ ما رأيت قومًا قطُّ أحسنَ وجوهًا منهم! قال: فجاؤوا يسرعون، [[في التاريخ " فجاؤوا يهرعون إليه ".]] فعاجلَهم إلى لوط، [[في المطبوعة: " فعاجلهم لوط "، وأثبت ما في المخطوطة، وأنا في ريب منه، لأن أبا جعفر لم يرو هذه الجملة في تاريخه، ولا أدري لم؟ ولم أشأ أن أغيره، للخبر الذي يليه، وهو في التاريخ جمع الإسنادين جميعًا، وساق هذه الجملة كلها غير هذا السياق.]] فقام ملك فلزَّ الباب = يقول: فسدّه = واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن له، فضربهم جبريل بجناحه، فتركهم عميانًا، فباتوا بشرّ ليلة، ثم ﴿قالوا إنا رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ ، قال: فبلغنا أنها سمعت صوتًا، فالتفتت فأصابها حجر، وهى شاذَّة من القوم معلومٌ مكانها. [[الأثر: ١٨٤١٢ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٦، جمع هذا الإسناد والذي يليه فقال: ". . . حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال حدثنا محمد بن ثور = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق = جميعًا، عن معمر. . . ".]]

١٨٤١٣- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن حذيفة بنحوه، إلا أنه قال: فعاجلهم لوط. [[الأثر: ١٨٤١٣ - انظر التعليق السالف، وإن كانت هذه الجملة، لم ترد في نص روايته في التاريخ.]]

١٨٤١٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، لما قال لوط: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ ، بسط حينئذ جبريل عليه السلام جناحيه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضُهم في أدبار بعض عميانًا يقولون: "النَّجَاءَ النجاء! فإن في بيت لوط أسحرَ قوم في الأرض"! فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ ، [سورة القمر: ٣٧] . وقالوا للوط: ﴿إنا رسل ربِّك لن يصلوا إليك فأسرْ بأهْلكَ بقطع منَ اللَّيْل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها﴾ ، وَاتبع أدبارَ أهلك [[هذا تضمين للآيات من هذه السورة، والتي في سورة الحجر: ٦٥.]] = يقول: سرْ بهم = ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ = فأخرجهم الله إلى الشام. وقال لوط: أهلكوهم الساعة! فقالوا: إنا لم نؤمر إلا بالصُّبح، أليس الصبح بقريب؟ فلما أن كان السَّحَر، خرج لوط وأهله معه امرأته، [[في التاريخ: " وأهله معه إلا امرأته ".]] فذلك قوله: ﴿إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ ، [سورة القمر: ٣٤] . [[الأثر: ١٨٤١٤ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧، مع اختلاف ذكرته آنفا. وذكر إسناده تامًا غير مختصر، إلى ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي ﷺ. وهو إسناد دائر في التفسير، في أوله، ثم اختصره أبو جعفر بعد.]]

١٨٤١٥- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: كانَ أهل سدوم الذين فيهم لوط، قومًا قد استغنوا عن النساء بالرجال، فلما رأى الله ذلك [منهم] ، [[الزيادة بين القوسين، من التاريخ.]] بعث الملائكة ليعذبوهم، فأتوا إبراهيم، وكان من أمره وأمرهم ما ذكر الله في كتابه. فلما بشروا سارَة بالولد، قاموا وقام معهم إبراهيم يمشي، قال: أخبروني لم بعثتم؟ وما خطبكم؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها، وإنهم قوم سَوء قد استغنوا بالرجال عن النساء. قال إبراهيم: [أرأيتم] إن كان فيهم خمسون رجلا صالحًا؟ [[الزيادة بين القوسين، من التاريخ.]] قالوا: إذًا لا نعذبهم! فجعل ينقص حتى قال أهل بَيْت؟ [[في المطبوعة والمخطوطة: " أهل البيت "، والصواب من التاريخ.]] قالوا: فإن كان فيها بيت صالح! قال: فلوط وأهل بيته؟ قالوا: إن امرأته هَوَاها معهم! فلما يَئس إبراهيم انصرف. ومضوا إلى أهل سدوم، فدخلوا على لوط، فلما رأتهم امرأته أعجبها حسنهم وجمالهم، فأرسلت إلى أهل القرية إنه قد نزل بنا قومٌ لم يُرَ قومٌ قطُّ أحسن منهم ولا أجمل! [[في التاريخ: " لم ذر قومًا ".]] فتسامعوا بذلك، فغشُوا دار لُوط من كل ناحية وتسوَّروا عليهم الجدران. [[في التاريخ: " الجدارات "، وفي المخطوطة: " الجدرات "، والذي في التاريخ صالح.]] فلقيهم لوط فقال: يا قوم لا تفضحون في ضيفي، وأنا أزوّجكم بناتي، فهن أطهر لكم! فقالوا: لو كنَّا نُريد بناتك، لقد عرفنا مكانهن! فقال: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ ! فوجد عليه الرسل وقالوا: إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود! فمسح أحدهم أعينهم بجناحيه، فطمس أبصارَهم فقالوا: سُحِرْنا، انصرفوا بنا حتى نرجع إليه! فكان من أمرهم ما قد قصَّ الله تعالى في القرآن. [[في المطبوعة وحدها: " في كتابة ".]] فأدخل ميكائيل = وهو صاحبُ العذاب = جناحه حتى بلغ أسفل الأرض، فقلبها، ونزلت حجارة من السماء، فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانُوا، فأهلكهم الله، ونجّى لوطًا وأهله، إلا امرأته. [[الأثر: ١٨٤١٥ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٦، ١٥٧، وانظر التعليق على رقم: ١٨٤٠٦.]]

١٨٤١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، وعن أبي بكر بن عبد الله = وأبو سفيان، عن معمر = عن قتادة، عن حذيفة، دخل حديث بعضهم في بعض قال: كان إبراهيم عليه السلام يأتيهم فيقول: ويحكم أنهاكم عن الله أن تعرَّضوا لعقوبته! فلم يطيعوا، حتى إذا بلغ الكتاب أجلَه، لمحل عذابهم وسطوات الرّبّ بهم. قال: فانتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة، فقالوا: إنَّا مُضيِّفوك الليلة! وكان الله تعالى عهد إلى جبريل عليه السلام أن لا يُعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات. فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة، ذكر ما يعمل قومه من الشَّرّ والدواهي العظام، فمشى معهم ساعةً، ثم التفت إليهم، فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرضِ شرًّا منهم! أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم شرُّ من خَلَقَ الله! [[في المطبوعة: " شر خلق الله "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فالتفت جبريل إلى الملائكة فقال: احفظوا هذه واحدة! ثم مشى ساعةً، فلما توسَّط القرية وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال: أما تعلمون ما يعملُ أهل هذه القرية؟ وما أعلم على وجه الأرض شرًّا منهم، إن قومي شر خلق الله! فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوا، هاتان ثنتان! فلما انتهى إلى باب الدار بكَى حياءً منهم وشفقة عليهم، وقال: إن قومي شرُّ خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرا منهم! فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاثٌ، قد حُقَّ العذاب! فلما دخلوا ذهبت عجوزُه، عجُوز السَّوء، فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعًا، قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيَّف لوطًا الليلة قومٌ ما رأيت أحسنَ وجوهًا منهم ولا أطيب ريحًا منهم! فهُرِعوا يسارعون إلى الباب، [[في المطبوعة: " مسارعين إلى الباب "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فعاجلهم لوط على الباب، فدافعوه طويلا هو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ ، فقام الملك فلزَّ الباب = يقول: فسَدّه = واستأذن جبريل في عقوبتهم، فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه، ولجبريل جناحان، وعليه وشاح من درّ منظوم، وهو براق الثنايا أجلَى الجبين، ورأسه حُبُك، مثل المرجان، [[هكذا في المطبوعة، بأنه يعني " حبك الشعر "، وهو الجعد المتكسر منه، وفي المخطوطة " حبل حبل " غير منقوطة، كأنها " حبل، حبل "، يعني الذي ينظم في اللؤلؤ كالتاج. أو تقرأ " جثل، جثل "، وهو من الشعر الكثير الملتف. والله أعلم.]] وهو اللؤلؤ، كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة = فقال: يا لوط، ﴿إنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ ، أمِطْ، يا لوط، من الباب ودعني وإياهم. [[في المطبوعة: " امض يا لوط "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب المحض. يقال: "ماط عن المكان، وأماط عنه "، إذا تنحى. وفي حديث خيبر أنه أخذ الراية فهزها، فقال: من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان، فقال: أنا! فقال: أمط! ثم جاء آخر، فقال: أمط = أي: تنح أنت واذهب.]] فتنحى لوط عن الباب، فخرج عليهم، فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربةً شَدَخ أعينهم، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة: " شدخ أعينهم "، كأنه من " شدخت الغرة "، إذا غشيت الوجه من أصل الناصية إلى الأنف، في الفرس. هذا، وإلا فإني لا أدري ما هو؟ .]] فصاروا عميًا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم. ثم أمر لوطًا فاحتمل بأهله من ليلته، قال: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل﴾ .

١٨٤١٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قال لوط لقومه: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ ، والرسل تسمع ما يقول وما يُقال له، ويرون ما هو فيه من كرْب ذلك. فلما رأوا ما بلغه قالوا: ﴿يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ ، أي: بشيء تكرهه = ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحدٌ إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب﴾ ، أي إنما ينزل بهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تؤمر.

١٨٤١٨-. . . . قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدَّث. أن الرسل عند ذلك سَفَعُوا في وجوه الذين جاؤوا لوطًا من قومه يراودونه عن ضيفه، [[" سفع وجهه بيده سفعا " لطمه بكفه مبسوطة.]] فرجعوا عميانًا. قال: يقول الله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُم﴾ [سورة القمر: ٣٧] .

١٨٤١٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿بقطع من الليل﴾ ، قال: بطائفة من الليل.

١٨٤٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿بقطع من الليل﴾ ، بطائفة من الليل.

١٨٤٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ ، قال: جوف الليل = وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ ، يقول: واتبع أدبار أهلك = ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ [[الأثر: ١٨٤٢١ - هذا من تفسير آية سورة الحجر: ٦٥، ولم يذكره هناك.]] [سورة الحجر: ٦٥] .

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:-

١٨٤٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ ، قال: لا ينظر وراءَه أحد = ﴿إلا امرأتك﴾ .

* *

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلَ إلا امْرَأَتَكَ﴾ .

* *

١٨٤٢٣- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، قال في حرف ابن مسعود: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلَ إلا امْرَأَتَكَ﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وهذا يدل على صحة القراءة بالنصب.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء أمرنا بالعذاب وقضاؤنا فيهم بالهلاك، ﴿جعلنا عاليها﴾

يعني عالي قريتهم = ﴿سافلها وأمطرنا عليها﴾ ، يقول: وأرسلنا عليها = ﴿حجارة من سجيل﴾ .

* *

واختلف أهل التأويل في معنى "سجيل".

فقال بعضهم: هو بالفارسية: سنك، وكل. [[انظر ما سلف ١: ١٤، تعليق: ٢، ثم ص: ٢٠.]]

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٢٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿من سجيل﴾ ، بالفارسية، أوَّلها حَجَر، وآخرها طين.

١٨٤٢٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٨٤٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

١٨٤٢٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

١٨٤٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: فارسية أعربت سنك وكل. [[الأثر: ١٨٤٢٨ - انظر الأثر السالف قديمًا، رقم: ٥.]]

١٨٤٢٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "السجيل"، الطين.

١٨٤٣٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿من سجيل﴾ قالا من طين.

١٨٤٣١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد، عن وهب قال: سجيل بالفارسية: سنك وكل

١٨٤٣٢- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، أما السجيل فقال ابن عباس: هو بالفارسية: سنك وجل = "سنك"، هو الحجر، و"جل "، هو الطين. يقول: أرسلنا عليهم حجارة من طين.

١٨٤٣٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: طين في حجارة.

* *

وقال ابن زيد في ذلك ما:-

١٨٤٣٤- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سجيل، وهي التي أنزل الله على قوم لوط.

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول: "السجيل"، هو من الحجارة الصلب الشديد، ومن الضرب، ويستشهد على ذلك بقول الشاعر: [[هو تميم بن أبي مقبل.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّيلا* [[مجاز القرآن ١: ٢٩٦، ومنتهى الطلب: ٤٤، والمعاني الكبير: ٩٩١، واللسان (سجن) ، وغيرها، يقول قبله: وإنَّ فِينَا صَبُوحًا إنْ أَرِبْتَ بِهِ ... جَمْعًا بَهيًّا وَآلافًا ثَمَانِينَا

وَرَجْلةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُض ... ضَرْبًا تَواصَى بِهِ الأبْطَالُ سِجِّينَا.]]

وقال: بعضُهُم يُحوِّل اللام نونًا. [[يعني بقوله: " بعضهم "، أي بعض العرب يحول اللام نونًا، كقول النابغة: بِكُلِّ مُدَجّجٍ كالَّليْثِ يَسْمُو ... عَلَى أَوْصَالِ ذَيَّالٍ رِفَنِّ

يريد: رفل = هذا تمام كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن، نقلته للتوضيح. ونسب قريش: ٩٠.]]

* *

وقال آخر منهم: هو "فِعّيل"، من قول القائل: "أسجلته"، أرسلته = فكأنه من ذلك، أي مرسلةٌ عليهم.

* *

وقال آخر منهم: بل هو من "سجلت له سجلا" من العطاء، فكأنه قيل: مُتِحوا ذلك البلاء فأعطوه، وقالوا أسجله: أهمله.

* *

وقال بعضهم: هو من "السِّجِلّ"، لأنه كان فيها عَلَمٌ كالكتاب.

* *

وقال آخر منهم: بل هو طين يطبخ كما يطبخ الآجرّ، وينشد بيت الفضل بن عباس:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلأُ الدَّلْوَ إلَى عَقْدِ الكرَب [[معجم الشعراء: ٣٠٩ واللسان (سجل) ، وغيرهما، وقبله: وَأَنَا الأخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي ... أخْضَرُ الجِلْدَةِ فِي بَيْتِ العَرَبْ

مَنْ يُسَاجِلْنِي. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إِنَّما عَبْدُ مَنَافٍ جَوْهَرٌ ... زَيَّنَ الجَوْهَرَ عَبْدُ المُطَّلِبْ

وهو: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وأمه آمنة بنت العباس بن عبد المطلب. وكان الفضل آدم شديد الأدمة، ولذلك قال: " وأنا الأخضر "، و" الخضرة " في ألوان الناس، شدة السمرة، والعرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف العجم بالحمرة. و" الكرب " الحبل الذي يشد على الدلو.]]

فهذا من "سجلت له سَجْلا"، أعطيته.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله المفسرون، وهو أنها حجارة من طين، وبذلك وصفها الله في كتابه في موضع، وذلك قوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الذاريات: ٣٣، ٣٤]

* *

وقد روي عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: هي فارسية ونبطية.

١٨٤٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: فارسية ونبطية "سج"، "إيل".

* *

فذهب سعيد بن جبير في ذلك إلى أن اسم الطين بالفارسية "جل " لا "إيل"، وأن ذلك لو كان بالفارسية لكان "سِجْل " لا "سجيل"، لأن الحجر بالفارسية يدعى "سج "والطين "جل"، فلا وجه لكون الياء فيها وهي فارسية.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القول عندنا في أوّل الكتاب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٣ - ٢٠.]]

* *

وقد ذكر عن الحسن البصري أنه قال: كان أصل الحجارة طينًا فشُدِّدت.

* *

وأما قوله: ﴿منضود﴾ ، فإن قتادة وعكرمة يقولان فيه ما:-

١٨٤٣٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿منضود﴾ يقول: مصفوفة.

١٨٤٣٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿منضود﴾ يقول: مصفوفة.

* *

وقال الربيع بن أنس فيه ما:-

١٨٤٣٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله ﴿منضود﴾ ، قال: نضد بعضه على بعض.

١٨٤٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله: أما قوله: ﴿منضود﴾ ، فإنها في السماء منضودة: معدَّة، وهي من عُدَّة الله التي أعَدَّ للظلمة.

* *

وقال بعضهم: "منضود"، يتبع بعضه بعضًا عليهم. قال: فذلك نَضَدُه.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس، وذلك أن قوله: ﴿منضود﴾ من نعت "سجيل"، لا من نعت "الحجارة"، وإنما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نُضِد بعضه إلى بعض، فصُيِّر حجارة، ولم يُمْطَرُوا الطين، فيكونَ موصوفًا بأنه تتابع على القوم بمجيئه.

قال أبو جعفر: وإنما كان جائزًا أن يكون على ما تأوّله هذا المتأوّل لو كان التنزيل بالنصب "منضودةً"، فيكون من نعت "الحجارة " حينئذ.

* *

وأما قوله: ﴿مسوَّمة عند ربك﴾ ، فإنه يقول: معلمة عند الله، أعلمها الله، [[انظر تفسير " المسومة " فيما سلف ٦: ٢٥١ - ٢٥٧ / ٧: ١٨٤ - ١٩٠.]] و"المسوّمة" من نعت "الحجارة"، ولذلك نصبت على النعت. [[في المطبوعة: " نصبت ونعت بها "، وفي المخطوطة: " نصبت وانعت "، وكأن الصواب ما أثبت.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٤٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مسوّمة﴾ ، قال: معلمة.

١٨٤٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٤٢-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٤٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله = قال ابن جريج: ﴿مسوّمة﴾ ، لا تشاكل حجارة الأرض.

١٨٤٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿مسومة﴾ قالا مطوَّقة بها نَضْحٌ من حمرة. [[في المخطوطة: " يصح من حمرة "، والصواب ما في المخطوطة. و"النضح "، ما بقي له أثر، يقال: " على ثوبه نضح دم "، وهو اليسير منه، الباقي أثره.]]

١٨٤٤٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مسومة﴾ عليها سيما معلومة. حدّث بعضُ من رآها، أنها حجارة مطوَّقة عليها = أو بها نضحٌ من حمرة، ليست كحجارتكم.

١٨٤٤٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: ﴿مسوّمة﴾ ، قال: عليها سيما خطوط.

١٨٤٤٧- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿مسومة﴾ قال: "المسومة"، المختَّمة.

* *

وأما قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، فإنه يقول تعالى ذكره متهددًا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط، من مشركي قومك، يا محمد، ببعيد أن يمطروها، إن لم يتوبوا من شركهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٤٨- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا أبو عتاب الدلال سهل بن حماد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: أن يصيبهم ما أصاب القوم. [[الأثر: ١٨٤٤٨ - " سهل بن حماد "، " أبو عتاب الدلال "، ثقة لا بأس به. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٠٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٩٦.]]

١٨٤٤٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: يُرْهِب بها من يشاء.

١٨٤٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥١-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط.

١٨٤٥٤- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: لم يترك منها ظالمًا بعدهم. [[في المطبوعة: " لم يبرأ منها ظالم "، وفي المخطوطة: " يبرا منها ظالما "، ورأيت قراءتها كما أثبتها.]]

١٨٤٥٥- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شؤذب، عن قتادة في قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: يعني ظالمي هذه الأمة. قال: والله ما أجارَ منها ظالمًا بعدُ!

١٨٤٥٦- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: من ظَلَمة العرب، إن لم يتوبوا فيعذّبوا بها.

١٨٤٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله قال: يقول: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، من ظلمة أمتك ببعيد، فلا يأمنها منهم ظالم.

* *

وكان قلب الملائكة عَالي أرض سدوم سافلها، كما:-

١٨٤٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أخذ جبريل عليه السلام قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وامتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم. [[الأثر: ١٨٤٥٨ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٥٩- حدثنا به أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال: أدخل جبريل جناحه تحت الأرض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، فأخذهم من سرحهم ومواشيهم، ثم رفعها [[الأثر: ١٨٤٥٩- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ ، قال: لما أصبحوا غدا جبريل على قريتهم، ففتقها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خَوافي جناحه. [[الأثر: ١٨٤٦٠ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦١-. . . . قال، حدثنا شبل قال، فحدثني هذا ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر = قال: ولم يسمعه ابن أبي نجيح = عن مجاهد قال، فحملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. فكان أوّل ما سقط منها شِرَافها. [[في المطبوعة: " شرفها "، وفي المخطوطة والتاريخ " شرافها "، كأنه على جمع " شريف "، نحو " صغير " و " صغار " و " كبير " و " كبار "، وكأن صوابهما " أشرافها "، لأن " شراف "، لم يذكر في جموع " شريف "، ولكني أخشى أن تكون هي " شذانها " كما سيأتي في رقم: ١٨٤٦٣، تعليق رقم: ٦.]] فذلك قول الله: ﴿جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، قال مجاهد: فلم يصب قومًا ما أصابهم، إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. [[الأثر: ١٨٤٦١ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧، مختصرًا، أسقط منه قول مجاهد الآخر.]]

١٨٤٦٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام أخذَ بعُرْوة القرية الوُسْطى، ثم ألوَى بها إلى السماء، [[يقال: " ألوت به العقاب "، أي أخذته وطارت به.]] حتى سمع أهل السماء ضَواغِي كلابهم، [[" ضواغي الكلاب "، جمع " ضاغية "، أي التي لها " ضغاء "، وهو صوت الذليل المقهور إذا استغاث.]] ثم دمَّر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم الحجارة = قال قتادة: وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف. [[الأثر: ١٨٤٦٢ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده قال: ذكر لنا أن جبريل عليه السلام أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جَوّ السماء حتى سمعت الملائكة ضَواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض ثم اتبع شُذَّان القوم صخرًا. [[" الشذان " جمع " شاذ "، وهو الذي خرج من الجماعة، فشذ عنهم.]] قال: وهي ثلاث قرًى يقال لها "سدوم"، وهي بين المدينة والشأم. قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف. وذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف [ثم] يقول [[الزيادة من تاريخ الطبري. وفي التاريخ: " سدوم يوم هالك "، وأخشى أن الصواب هو ما في التفسير، وأن ذاك خطأ.]] سدوم، يومٌ مَا لكِ! [[الأثر: ١٨٤٦٣ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، لما أصبحوا = يعني قوم لوط = نزل جبريل، فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا، [حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم] ، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها من سياق الكلام، نقلتها من نص الخبر في تاريخ الطبري.]] فذلك حين يقول: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [سورة النجم: ٥٣] ، المنقلبة حين أهوى بها جبريل الأرض فاقتلعها بجناحه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض. وهو قول الله: ﴿فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، ثم تتبعهم في القرى، فكان الرجل [يتحدث] ، فيأتيه الحجر فيقتله، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فكان الرجل يأتيه "، وأثبت النص من التاريخ.]] وذلك قول الله تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ . [[الأثر: ١٨٤٦٤ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧، ١٥٨.]]

١٨٤٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر = وأبو سفيان، عن معمر =، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشرَ جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قُصورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سُكان السماء أصواتَ الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسةً، دمْدَمَ بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل

١٨٤٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن نبي الله ﷺ قال: "بعث الله جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة قرية لوط عليه السلام التي كان لوط فيهم، فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نُباح كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله: ﴿جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات، وكنّ خمس قريات، "صنعة" و"صعوة" "وعثرة"، و"دوما" و"سدوم" = وسدوم هي القرية العظمى = ونجى الله لوطًا ومن معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما جاء أمرنا بالعذاب وقضاؤنا فيهم بالهلاك، ﴿جعلنا عاليها﴾

يعني عالي قريتهم = ﴿سافلها وأمطرنا عليها﴾ ، يقول: وأرسلنا عليها = ﴿حجارة من سجيل﴾ .

* *

واختلف أهل التأويل في معنى "سجيل".

فقال بعضهم: هو بالفارسية: سنك، وكل. [[انظر ما سلف ١: ١٤، تعليق: ٢، ثم ص: ٢٠.]]

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٢٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿من سجيل﴾ ، بالفارسية، أوَّلها حَجَر، وآخرها طين.

١٨٤٢٥- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٨٤٢٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

١٨٤٢٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

١٨٤٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: فارسية أعربت سنك وكل. [[الأثر: ١٨٤٢٨ - انظر الأثر السالف قديمًا، رقم: ٥.]]

١٨٤٢٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "السجيل"، الطين.

١٨٤٣٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿من سجيل﴾ قالا من طين.

١٨٤٣١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد، عن وهب قال: سجيل بالفارسية: سنك وكل

١٨٤٣٢- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، أما السجيل فقال ابن عباس: هو بالفارسية: سنك وجل = "سنك"، هو الحجر، و"جل "، هو الطين. يقول: أرسلنا عليهم حجارة من طين.

١٨٤٣٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: طين في حجارة.

* *

وقال ابن زيد في ذلك ما:-

١٨٤٣٤- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿حجارة من سجيل﴾ ، قال: السماء الدنيا. قال: والسماء الدنيا اسمها سجيل، وهي التي أنزل الله على قوم لوط.

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يقول: "السجيل"، هو من الحجارة الصلب الشديد، ومن الضرب، ويستشهد على ذلك بقول الشاعر: [[هو تميم بن أبي مقبل.]]

ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّيلا* [[مجاز القرآن ١: ٢٩٦، ومنتهى الطلب: ٤٤، والمعاني الكبير: ٩٩١، واللسان (سجن) ، وغيرها، يقول قبله: وإنَّ فِينَا صَبُوحًا إنْ أَرِبْتَ بِهِ ... جَمْعًا بَهيًّا وَآلافًا ثَمَانِينَا

وَرَجْلةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُض ... ضَرْبًا تَواصَى بِهِ الأبْطَالُ سِجِّينَا.]]

وقال: بعضُهُم يُحوِّل اللام نونًا. [[يعني بقوله: " بعضهم "، أي بعض العرب يحول اللام نونًا، كقول النابغة: بِكُلِّ مُدَجّجٍ كالَّليْثِ يَسْمُو ... عَلَى أَوْصَالِ ذَيَّالٍ رِفَنِّ

يريد: رفل = هذا تمام كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن، نقلته للتوضيح. ونسب قريش: ٩٠.]]

* *

وقال آخر منهم: هو "فِعّيل"، من قول القائل: "أسجلته"، أرسلته = فكأنه من ذلك، أي مرسلةٌ عليهم.

* *

وقال آخر منهم: بل هو من "سجلت له سجلا" من العطاء، فكأنه قيل: مُتِحوا ذلك البلاء فأعطوه، وقالوا أسجله: أهمله.

* *

وقال بعضهم: هو من "السِّجِلّ"، لأنه كان فيها عَلَمٌ كالكتاب.

* *

وقال آخر منهم: بل هو طين يطبخ كما يطبخ الآجرّ، وينشد بيت الفضل بن عباس:

مَنْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ مَاجِدًا ... يَمْلأُ الدَّلْوَ إلَى عَقْدِ الكرَب [[معجم الشعراء: ٣٠٩ واللسان (سجل) ، وغيرهما، وقبله: وَأَنَا الأخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي ... أخْضَرُ الجِلْدَةِ فِي بَيْتِ العَرَبْ

مَنْ يُسَاجِلْنِي. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إِنَّما عَبْدُ مَنَافٍ جَوْهَرٌ ... زَيَّنَ الجَوْهَرَ عَبْدُ المُطَّلِبْ

وهو: الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، وأمه آمنة بنت العباس بن عبد المطلب. وكان الفضل آدم شديد الأدمة، ولذلك قال: " وأنا الأخضر "، و" الخضرة " في ألوان الناس، شدة السمرة، والعرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف العجم بالحمرة. و" الكرب " الحبل الذي يشد على الدلو.]]

فهذا من "سجلت له سَجْلا"، أعطيته.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله المفسرون، وهو أنها حجارة من طين، وبذلك وصفها الله في كتابه في موضع، وذلك قوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الذاريات: ٣٣، ٣٤]

* *

وقد روي عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: هي فارسية ونبطية.

١٨٤٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: فارسية ونبطية "سج"، "إيل".

* *

فذهب سعيد بن جبير في ذلك إلى أن اسم الطين بالفارسية "جل " لا "إيل"، وأن ذلك لو كان بالفارسية لكان "سِجْل " لا "سجيل"، لأن الحجر بالفارسية يدعى "سج "والطين "جل"، فلا وجه لكون الياء فيها وهي فارسية.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا الصواب من القول عندنا في أوّل الكتاب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٣ - ٢٠.]]

* *

وقد ذكر عن الحسن البصري أنه قال: كان أصل الحجارة طينًا فشُدِّدت.

* *

وأما قوله: ﴿منضود﴾ ، فإن قتادة وعكرمة يقولان فيه ما:-

١٨٤٣٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿منضود﴾ يقول: مصفوفة.

١٨٤٣٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿منضود﴾ يقول: مصفوفة.

* *

وقال الربيع بن أنس فيه ما:-

١٨٤٣٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله ﴿منضود﴾ ، قال: نضد بعضه على بعض.

١٨٤٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله: أما قوله: ﴿منضود﴾ ، فإنها في السماء منضودة: معدَّة، وهي من عُدَّة الله التي أعَدَّ للظلمة.

* *

وقال بعضهم: "منضود"، يتبع بعضه بعضًا عليهم. قال: فذلك نَضَدُه.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس، وذلك أن قوله: ﴿منضود﴾ من نعت "سجيل"، لا من نعت "الحجارة"، وإنما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نُضِد بعضه إلى بعض، فصُيِّر حجارة، ولم يُمْطَرُوا الطين، فيكونَ موصوفًا بأنه تتابع على القوم بمجيئه.

قال أبو جعفر: وإنما كان جائزًا أن يكون على ما تأوّله هذا المتأوّل لو كان التنزيل بالنصب "منضودةً"، فيكون من نعت "الحجارة " حينئذ.

* *

وأما قوله: ﴿مسوَّمة عند ربك﴾ ، فإنه يقول: معلمة عند الله، أعلمها الله، [[انظر تفسير " المسومة " فيما سلف ٦: ٢٥١ - ٢٥٧ / ٧: ١٨٤ - ١٩٠.]] و"المسوّمة" من نعت "الحجارة"، ولذلك نصبت على النعت. [[في المطبوعة: " نصبت ونعت بها "، وفي المخطوطة: " نصبت وانعت "، وكأن الصواب ما أثبت.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٤٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مسوّمة﴾ ، قال: معلمة.

١٨٤٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٤٢-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٤٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله = قال ابن جريج: ﴿مسوّمة﴾ ، لا تشاكل حجارة الأرض.

١٨٤٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿مسومة﴾ قالا مطوَّقة بها نَضْحٌ من حمرة. [[في المخطوطة: " يصح من حمرة "، والصواب ما في المخطوطة. و"النضح "، ما بقي له أثر، يقال: " على ثوبه نضح دم "، وهو اليسير منه، الباقي أثره.]]

١٨٤٤٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مسومة﴾ عليها سيما معلومة. حدّث بعضُ من رآها، أنها حجارة مطوَّقة عليها = أو بها نضحٌ من حمرة، ليست كحجارتكم.

١٨٤٤٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: ﴿مسوّمة﴾ ، قال: عليها سيما خطوط.

١٨٤٤٧- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿مسومة﴾ قال: "المسومة"، المختَّمة.

* *

وأما قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، فإنه يقول تعالى ذكره متهددًا مشركي قريش: وما هذه الحجارة التي أمطرتها على قوم لوط، من مشركي قومك، يا محمد، ببعيد أن يمطروها، إن لم يتوبوا من شركهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٤٨- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا أبو عتاب الدلال سهل بن حماد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبان بن تغلب، عن مجاهد، في قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: أن يصيبهم ما أصاب القوم. [[الأثر: ١٨٤٤٨ - " سهل بن حماد "، " أبو عتاب الدلال "، ثقة لا بأس به. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٠٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٩٦.]]

١٨٤٤٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: يُرْهِب بها من يشاء.

١٨٤٥٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥١-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٥٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط.

١٨٤٥٤- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: لم يترك منها ظالمًا بعدهم. [[في المطبوعة: " لم يبرأ منها ظالم "، وفي المخطوطة: " يبرا منها ظالما "، ورأيت قراءتها كما أثبتها.]]

١٨٤٥٥- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شؤذب، عن قتادة في قوله: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، قال: يعني ظالمي هذه الأمة. قال: والله ما أجارَ منها ظالمًا بعدُ!

١٨٤٥٦- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، يقول: من ظَلَمة العرب، إن لم يتوبوا فيعذّبوا بها.

١٨٤٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر الهذلي بن عبد الله قال: يقول: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد﴾ ، من ظلمة أمتك ببعيد، فلا يأمنها منهم ظالم.

* *

وكان قلب الملائكة عَالي أرض سدوم سافلها، كما:-

١٨٤٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أخذ جبريل عليه السلام قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وامتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم. [[الأثر: ١٨٤٥٨ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٥٩- حدثنا به أبو كريب مرة أخرى عن مجاهد قال: أدخل جبريل جناحه تحت الأرض السفلى من قوم لوط، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، فأخذهم من سرحهم ومواشيهم، ثم رفعها [[الأثر: ١٨٤٥٩- رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٠- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ ، قال: لما أصبحوا غدا جبريل على قريتهم، ففتقها من أركانها، ثم أدخل جناحه، ثم حملها على خَوافي جناحه. [[الأثر: ١٨٤٦٠ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦١-. . . . قال، حدثنا شبل قال، فحدثني هذا ابن أبي نجيح، عن إبراهيم بن أبي بكر = قال: ولم يسمعه ابن أبي نجيح = عن مجاهد قال، فحملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها. فكان أوّل ما سقط منها شِرَافها. [[في المطبوعة: " شرفها "، وفي المخطوطة والتاريخ " شرافها "، كأنه على جمع " شريف "، نحو " صغير " و " صغار " و " كبير " و " كبار "، وكأن صوابهما " أشرافها "، لأن " شراف "، لم يذكر في جموع " شريف "، ولكني أخشى أن تكون هي " شذانها " كما سيأتي في رقم: ١٨٤٦٣، تعليق رقم: ٦.]] فذلك قول الله: ﴿جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، قال مجاهد: فلم يصب قومًا ما أصابهم، إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل. [[الأثر: ١٨٤٦١ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧، مختصرًا، أسقط منه قول مجاهد الآخر.]]

١٨٤٦٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام أخذَ بعُرْوة القرية الوُسْطى، ثم ألوَى بها إلى السماء، [[يقال: " ألوت به العقاب "، أي أخذته وطارت به.]] حتى سمع أهل السماء ضَواغِي كلابهم، [[" ضواغي الكلاب "، جمع " ضاغية "، أي التي لها " ضغاء "، وهو صوت الذليل المقهور إذا استغاث.]] ثم دمَّر بعضها على بعض فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعهم الحجارة = قال قتادة: وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف. [[الأثر: ١٨٤٦٢ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده قال: ذكر لنا أن جبريل عليه السلام أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلى جَوّ السماء حتى سمعت الملائكة ضَواغي كلابهم، ثم دمر بعضها على بعض ثم اتبع شُذَّان القوم صخرًا. [[" الشذان " جمع " شاذ "، وهو الذي خرج من الجماعة، فشذ عنهم.]] قال: وهي ثلاث قرًى يقال لها "سدوم"، وهي بين المدينة والشأم. قال: وذكر لنا أنه كان فيها أربعة آلاف ألف. وذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف [ثم] يقول [[الزيادة من تاريخ الطبري. وفي التاريخ: " سدوم يوم هالك "، وأخشى أن الصواب هو ما في التفسير، وأن ذاك خطأ.]] سدوم، يومٌ مَا لكِ! [[الأثر: ١٨٤٦٣ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧.]]

١٨٤٦٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، لما أصبحوا = يعني قوم لوط = نزل جبريل، فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا، [حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم] ، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها من سياق الكلام، نقلتها من نص الخبر في تاريخ الطبري.]] فذلك حين يقول: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [سورة النجم: ٥٣] ، المنقلبة حين أهوى بها جبريل الأرض فاقتلعها بجناحه، فمن لم يمت حين أسقط الأرض أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض. وهو قول الله: ﴿فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، ثم تتبعهم في القرى، فكان الرجل [يتحدث] ، فيأتيه الحجر فيقتله، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فكان الرجل يأتيه "، وأثبت النص من التاريخ.]] وذلك قول الله تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ . [[الأثر: ١٨٤٦٤ - رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٥٧، ١٥٨.]]

١٨٤٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر = وأبو سفيان، عن معمر =، عن قتادة قال، بلغنا أن جبريل عليه السلام لما أصبح نشرَ جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قُصورها ودوابها وحجارتها وشجرها، وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سُكان السماء أصواتَ الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسةً، دمْدَمَ بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل

١٨٤٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن نبي الله ﷺ قال: "بعث الله جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة قرية لوط عليه السلام التي كان لوط فيهم، فاحتملها بجناحه، ثم صعد بها حتى إن أهل السماء الدنيا ليسمعون نُباح كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله: ﴿جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ ، فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات، وكنّ خمس قريات، "صنعة" و"صعوة" "وعثرة"، و"دوما" و"سدوم" = وسدوم هي القرية العظمى = ونجى الله لوطًا ومن معه من أهله، إلا امرأته كانت فيمن هلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى وَلَد مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم قال: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ ، يقول: أطيعوه، وتذللوا له بالطاعة لما أمركم به ونهاكم عنه = ﴿ما لكم من إله غيره﴾ ، يقول: ما لكم من معبود سواه يستحقّ عليكم العبادة غيره = ﴿ولا تنقصوا المكيال والميزان﴾ ، يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم = ﴿إني أراكم بخير﴾ .

* *

واختلف أهل التأويل في "الخير" الذي أخبر الله عن شعيب أنه قال لمدين إنه يراهم به.

فقال بعضهم: كان ذلك رُخْص السعر وَحذرهم غلاءه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٦٧- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود الواسطي قال، حدثنا محمد بن موسى، عن الذيال بن عمرو، عن ابن عباس: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: رُخْص السعر = ﴿وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط﴾ ، قال: غلاء سعر. [[الأثر: ١٨٤٦٧- " الذيال بن عمرو "، هكذا جاء هنا بالذال معجمة، وقد سلف في رقم: ١٤٤٤٥، وتعليقي عليه، وتعليق أخي السيد أحمد رحمه الله، في ج ١٢: ٥٨٩، رقم: ٧، " الزباء بن عمرو "، وفي ابن كثير: " الديال " بدال مهملة، ولم نستطع أن نعرف من يكون. والإسناد هنا، هو الإسناد هناك نفسه.]]

١٨٤٦٨- حدثني أحمد بن عمرو البَصري قال، حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا صالح بن رستم، عن الحسن، وذكر قوم شعيب قال: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: رُخْص السعر. [[الأثر: ١٨٤٦٨ - " أحمد بن عمرو البصري ": شيخ الطبري، مضى برقم: ٩٨٧٥، ١٣٩٢٨، وقد مضى ما قلت فيه، وقد روى عنه أبو جعفر في تاريخه ١: ١٨٢ / ٥: ٣٢. وكان في المطبوعة هنا: " أحمد بن علي النصري "، ولا أدري من أين جاء بهذا التغيير؟ .]]

١٨٤٦٩- حدثني محمد بن عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبي عامر الخراز، عن الحسن في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ قال: الغني ورُخْص السعر.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك: إنّي أرى لكم مالا وزينة من زين الدنيا.

ذكر من قال ذلك:-

١٨٤٧٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: يعني خير الدنيا وزينتها.

١٨٤٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، أبصر عليهم قِشْرًا من قشر الدنيا وزينتها. [[" القشر " هو في الأصل، قشر الشجرة ونحوها، ثم أستعير للثياب وكل ملبوس، مما يخلع كما يخلع القشر، ثم أستعير لما نلبسه من زينة الحياة ثم نخلعه راضين أو كارهين.]]

١٨٤٧٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، قال: في دنياكم، كما قال لله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ، سماه " خيرًا" لأن الناس يسمون المال "خيرًا".

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: ﴿إني أراكم بخير﴾ ، يعني بخير الدنيا. وقد يدخل في خير الدنيا، المال وزينة الحياة الدنيا، ورخص السعر = ولا دلالة على أنه عنى بقيله ذلك بعض خيرات الدنيا دون بعض، فذلك على كل معاني خيرات الدنيا التي ذكر أهل العلم أنهم كانوا أوتوها.

* *

وإنما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا في سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم، كثيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكاييلكم وموازينكم، فقد وَسَّع الله عليكم رزقكم، = ﴿وإني أخاف عليكم﴾ ، بمخالفتكم أمر الله، وبَخْسكم الناس أموالهم في مكاييلكم وموازينكم = ﴿عذاب يوم محيط﴾ ، يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم محيط بكم عذابه. فجعل "المحيط" نعتًا لليوم، وهو من نعت "العذاب"، إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذاب في اليوم، فصار كقولهم: "بعْض جُبَّتك محترقة". [[انظر تفسير " محيط " فيما سلف ١٥: ٩٣، تعليق ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل شعيب لقومه: أوفوا الناس الكيل والميزان [[انظر " إيفاء المكيال والميزان " فيما سلف ١٢: ٢٢٤، ٥٥٥.]] = "بالقسط"، يقول: بالعدل، وذلك بأن توفوا أهل الحقوق التي هي مما يكال أو يوزن حقوقهم، على ما وجب لهم من التمام، بغير بَخس ولا نقص. [[انظر تفسير " القسط " فيما سلف ١٥: ١٠٣، تعليق ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وقوله: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ ، يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم التي يجب عليكم أن توفوهم كيلا أو وزنًا أو غير ذلك، [[انظر تفسير " البخس " فيما سلف ص: ٢٦٢، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٤٧٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا علي بن صالح بن حي قال: بلغني في قوله: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ قال،: لا تنقصوهم.

١٨٤٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾ ، يقول: لا تظلموا الناس أشياءهم.

* *

وقوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، يقول: ولا تسيروا في الأرض تعملون فيها بمعاصي الله، [[انظر تفسير " عثا " فيما سلف ١٢: ٥٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. = وتفسير " الفساد في الأرض " ١٢: ٥٤٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٤٧٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، قال: لا تسيروا في الأرض.

١٨٤٧٦- وحدثت عن المسيب، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، يقول: لا تسعوا في الأرض مفسدين = يعني: نقصان الكيل والميزان.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿بقية الله خير لكم﴾ ، ما أبقاه الله لكم، بعد أن توفوا الناس حقوقهم بالمكيال والميزان بالقسط، فأحلّه لكم، خير لكم من الذي يبقى لكم ببخسكم الناس من حقوقهم بالمكيال والميزان = ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ، يقول: إن كنتم مصدّقين بوعد الله ووعيده، وحلاله وحرامه.

* *

وهذا قولٌ روي عن ابن عباس بإسنادٍ غير مرتضى عند أهل النقل.

* *

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم معناه: طاعة الله خيرٌ لكم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٧٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿بقية الله خير لكم﴾ ، قال: طاعة الله خير لكم.

١٨٤٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿بقية الله﴾ قال: طاعة الله ﴿خير لكم﴾ .

١٨٤٧٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بقية الله﴾ ، قال: طاعة الله.

١٨٤٨٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد: ﴿بقية الله خير لكم﴾ ، قال: طاعة الله خير لكم.

١٨٤٨١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بقية الله خير لكم﴾ ، قال: طاعة الله.

١٨٤٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: حظكم من ربكم خير لكم.

ذكر من قال ذلك:-

١٨٤٨٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ ، حظكم من ربكم خير لكم.

١٨٤٨٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿بقية الله خير لكم﴾ ، قال: حظكم من الله خير لكم.

* *

وقال آخرون: معناه: رزق الله خير لكم.

ذكر من قال ذلك:

١٨٤٨٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عمن ذكره، عن ابن عباس: ﴿بقيت الله﴾ قال رزق الله.

* *

وقال ابن زيد في قوله ما:-

١٨٤٨٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين﴾ ، قال: "الهلاك "، في العذاب، و"البقية" في الرحمة.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترت في تأويل ذلك القولَ الذي اخترته، لأن الله تعالى ذكره إنما تقدم إليهم بالنهي عن بَخس الناس أشياءهم في المكيال والميزان، وإلى ترك التطفيف في الكيل والبخس في الميزان دعاهم شعيب، فتعقيب ذلك بالخبر عما لهم من الحظّ في الوفاء في الدنيا والآخرة، أولى = مع أن قوله: ﴿بقية﴾ ، إنما هي مصدر من قول القائل "بقيت بقية من كذا"، فلا وجه لتوجيه معنى ذلك إلا إلى: بقية الله التي أبقاها لكم مما لكم بعد وفائكم الناس حقوقهم خير لكم من بقيتكم من الحرام الذي يبقى لكم من ظلمكم الناس ببخسهم إياهم في الكيل والوزن.

* *

وقوله: ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ ، يقول: وما أنا عليكم، أيها الناس، برقيب أرقبكم عند كيلكم ووزنكم، هل توفون الناس حقوقهم أم تظلمونهم؟ [[انظر تفسير " حفيظ " فيما سلف ص ٣٦٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] وإنما عليّ أن أبلغكم رسالة ربّي، فقد أبلغتكموها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم شعيب: يا شعيب، أصَلواتك تأمرك أن نترك عبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام [[في المطبوعة في هذا الموضع " أصلاتك "، بالإفراد، وأثبت ما في المخطوطة.]] = ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ ، من كسر الدراهم وقطعها، وبخس الناس في الكيل والوزن = ﴿إنك لأنت الحليم﴾ ، وهو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لم يكن ليفعله في حال الرّضى، [[انظر تفسير " الحليم " فيما سلف ص: ٤٠٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿الرشيد﴾ ، يعني: رشيد الأمر في أمره إياهم أن يتركوا عبادة الأوثان، [[انظر تفسير " الرشيد " فيما سلف ص: ٤١٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٨٤٨٧- حدثنا محمود بن خداش قال، حدثنا حماد بن خالد الخياط قال، حدثنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك أنت الحليم الرشيد﴾ [[جاء في المخطوطة " أصلاتك " بالإفراد، وهي إحدى القراءتين.]] قال: كان مما نهاهم عنه حذف الدراهم [[" حذف الشيء "، قطعه من طرفه، ومنه " تحذيف الشعر "، إذا أخذت من نواحيه فسويته.]] = أو قال: قطع الدراهم، الشك من حمّاد. [[الأثر: ١٨٤٨٧ - " محمود بن خداش الطاقاني "، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٨٧. " وحماد بن خالد الخياط القرشي "، ثقة، كان أميًا لا يكتب، وكان يقرأ الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ٣ / ١ / ٢٥، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ١٣٦.]]

١٨٤٨٨- حدثنا سهل بن موسى الرازي قال، حدثنا ابن أبي فديك، عن أبي مودود قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني أن قوم شعيب عُذِّبوا في قطع الدراهم، وجدت ذلك في القرآن: ﴿أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ . [[في المطبوعة هنا أيضًا: " أصلاتك " بالإفراد، وأثبت ما في المخطوطة. وسأردها إلى المخطوطة حيث وجدتها، وأترك الإفراد حيث أجده، بلا إشارة إلى ذلك.]]

١٨٤٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي قال: عُذّب قوم شعيب في قطعهم الدراهم فقالوا: ﴿يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ .

١٨٤٩٠-. . . . قال، حدثنا حماد بن خالد الخياط، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ ، قال: كان مما نهاهم عنه حَذْفُ الدراهم.

١٨٤٩١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ ، قال: نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا صرفناها، وإن شئنا طرَحناها!

١٨٤٩٢-. . . . قال وأخبرنا ابن وهب قال، وأخبرني داود بن قيس المرّي: أنه سمع زيد بن أسلم يقول في قول الله: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ ، قال زيدٌ: كان من ذلك قطع الدراهم.

* *

وقوله: ﴿أصلواتك﴾ ، كان الأعمش يقول في تأويلها ما:-

١٨٤٩٣- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري عن الأعمش في قوله: ﴿أصلواتك﴾ قال: قراءتك.

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء﴾ ، وإنما كان شعيب نهاهم أن يفعلوا في أموالهم ما قد ذكرتَ أنه نهاهم عنه فيها؟

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهَّمت. وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك.

فقال بعض البصريين: معنى ذلك: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء = وليس معناه: تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، لأنه ليس بذا أمرهم.

* *

وقال بعض الكوفيين نحو هذا القول قال. وفيها وجه آخر يجعل الأمر كالنهي، كأنه قال: أصلواتك تأمرك بذا، وتنهانا عن ذا؟ فهي حينئذ مردودة على أن الأولى منصوبة بقوله "تأمرك "، وأن الثانية منصوبة عطفًا بها على "ما" التي في قوله: ﴿ما يعبد﴾ . وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء.

* *

وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه ﴿مَا تَشَاء﴾ .

* *

قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك كذلك، فلا مؤونة فيه، وكانت "أن" الثانية حينئذ معطوفة على "أن" الأولى.

* *

وأما قوله لشعيب: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فإنهم أعداء الله، قالوا ذلك له استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلام.

* *

وبما قلنا من ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:-

١٨٤٩٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ ، قال: يستهزئون.

١٨٤٩٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ ، المستهزئون، يستهزئون: بأنك لأنت الحليم الرشيد! [[في المطبوعة: " بأنك لأنت "، والصواب المحض ما في المخطوطة.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال = ﴿ورزقني منه رزقًا حسنًا﴾ ، يعني حلالا طيّبًا.

* *

﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ ، يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه. كما:-

١٨٤٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ ، يقول: لم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتيه.

* *

= ﴿إن أريد إلا الإصلاح﴾ ، يقول: ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم = ﴿ما استطعت﴾ ، يقول: ما قدرت على إصلاحه، لئلا ينالكم من الله عقوبة منكِّلة، بخلافكم أمره، ومعصيتكم رسوله = ﴿وما توفيقي إلا بالله﴾ يقول: وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك، إلا يعنّي عليه لم أصب الحق فيه.

* *

وقوله: ﴿عليه توكلت﴾ ، يقول: إلى الله أفوض أمري، فإنه ثقتي، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فإنه ثقتي "، ولعل الصواب ما أثبت.]] وعليه اعتمادي في أموري. [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف من فهارس اللغة (وكل) .]]

* *

وقوله: ﴿وإليه أنيب﴾ ، وإليه أقبل بالطاعة،وأرجع بالتوبة، [[انظر تفسير " الإنابة " فيما سلف ص: ٤٠٦.]] كما:-

١٨٤٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وإليه أنيب﴾ ، قال: أرجع.

١٨٤٩٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٤٩٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال=

١٨٥٠٠-. . . . وحدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وإليه أنيب﴾ ، قال: أرجع.

١٨٥٠١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿وإليه أنيب﴾ ، قال: أرجع.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل شعيب لقومه: ﴿وما قوم لا يخبر منكم شقاقي﴾ ، يقول: لا يحملنكم عداوتي وبغضي، وفراق الدين الذي أنا عليه، [[انظر تفسير " جرم " فيما سلف ٩: ٤٨٣ - ٤٨٥ / ١٠: ٩٥.

= وتفسير " الشقاق "، فيما سلف ١٣: ٤٣٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر بالله، وعبادة الأوثان، وبخس الناس في المكيال والميزان، وترك الإنابة والتوبة، فيصيبكم = ﴿مثلُ ما أصاب قوم نوح﴾ ، من الغرق = ﴿أو قوم هود﴾ ، من العذاب = ﴿أو قوم صالح﴾ ، من الرّجفة = ﴿وما قوم لوط﴾ الذين ائتفكت بهم الأرض = ﴿منكم ببعيد﴾ ، هلاكهم، أفلا تتعظون به، وتعتبرون؟ يقول: فاعتبروا بهؤلاء، واحذروا أن يصيبكم بشقاقي مثلُ الذي أصابهم. كما:-

١٨٥٠٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لا يجر منكم شقاقي﴾ ، يقول: لا يحملنكم فراقي، ﴿أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح﴾ ، الآية.

١٨٥٠٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لا يجر منكم شقاقي﴾ ، يقول: لا يحملنكم شقاقي.

١٨٥٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿لا يجر منكم شقاقي﴾ ، قال: عداوتي وبغضائي وفراقي.

١٨٥٠٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ ، قال: إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا = يعني قوم نوح وعاد وثمود وصالح. [[هكذا جاءت العبارة في المخطوطة والمطبوعة، وأنا أرجح أن الصواب: " يعني قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط ".]]

١٨٥٠٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ ، قال: إنما كانوا حديثي عهد قريب، بعد نوح وثمود.

* *

قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يقال: معناه: وما دارُ قوم لوط منكم ببعيد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل شعيب لقومه: ﴿استغفروا ربكم﴾ ، أيها القوم من ذنوبكم بينكم وبين ربكم التي أنتم عليها مقيمون، من عبادة الآلهة والأصنام، وبَخْس الناس حقوقهم في المكاييل والموازين = ﴿ثم توبوا إليه﴾ ، يقول: ثم ارجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه = ﴿إن ربي رحيم﴾ ، يقول: هو رحيم بمن تاب وأناب إليه أن يعذبه بعد التوبة. ﴿ودود﴾ ، يقول: ذو محبة لمن أناب وتاب إليه، يودُّه ويحبُّه.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com