Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Maryam
Tafsir al-Tabari · Mary · 98 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ذكره: كاف من ﴿كهيعص﴾ فقال بعضهم: تأويل ذلك أنها حرف من اسمه الذي هو كبير، دلّ به عليه، واستغنى بذكره عن ذكر باقي الاسم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿كهيعص﴾ قال: كبير، يعني بالكبير: الكاف من ﴿كهيعص﴾ .
⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، مثله.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، كان يقول ﴿كهيعص﴾ قال: كاف: كبير.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير في ﴿كهيعص﴾ قال: كاف: كبير.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.
وقال آخرون: بل الكاف من ذلك حرف من حروفه اسمه الذي هو كاف.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: كاف: كافٍ.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿كهيعص﴾ قال: كاف: كافٍ.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن الكلبي مثله.
وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو كريم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾ قال: كاف من كريم.
وقال الذين فسروا ذلك هذا التفسير الهاء من كهيعص: حرف من حروف اسمه الذي هو هاد.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أبو حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقول في الهاء من ﴿كهيعص﴾ : هاد.
⁕ حدثنا أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد، مثله.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم في قوله ﴿كهيعص﴾ ، قال: ها: هاد.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبي، مثله.
واختلفوا في تأويل الياء من ذلك، فقال بعضهم: هو حرف من حروف اسمه الذي هو يمين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: "يا" من ﴿كهيعص﴾ ياء يمين.
⁕ حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: "يا" من ﴿كهيعص﴾ ياء يمين.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير ياء: يمين.
وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿كهيعص﴾ قال: يا: من حكيم.
وقال آخرون: بل هي حروف من قول القائل: يا من يجير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن الضريس، قال: سمعت الربيع بن أنس في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.
واختلف متأوّلو ذلك كذلك في معنى العين، فقال بعضهم: هي حرف من حروف اسمه الذي هو عالم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ﴿كهيعص﴾ قال: عين من عالم.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي، مثله.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه، في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: عين: من عالم.
وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عزيز.
ذكر من قال ذلك:
حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿كهيعص﴾ عين: عزيز.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: عين عزيز.
وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عدل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: عين: عدل.
وقال الذين تأولوا ذلك هذا التأويل: الصاد من قوله ﴿كهيعص﴾ : حرف من حروف اسمه الذي هو صادق.
ذكر الرواية بذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقول في ﴿كهيعص﴾ صاد: صادق.
⁕ حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، مثله.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، قال: صاد: صادق.
⁕ حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قال: صادق، يعني الصاد من ﴿كهيعص﴾
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد ﴿كهيعص﴾ قال: صاد صادق.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبي، قال: صادق.
وقال آخرون: بل هذه الكلمة كلها اسم من أسماء الله تعالى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سالم بن قتيبة، عن أبي بكر الهُذَليّ، عن عاتكة، عن فاطمة ابنة عليّ قالت: كان عليّ يقول: يا ﴿كهيعص﴾ : اغفر لي.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿كهيعص﴾ قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله.
وقال آخرون: كلّ حرف من ذلك اسم من أسماء الله عزّ وجل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: ﴿كهيعص﴾ ليس منها حرف إلا وهو اسم.
وقال آخرون: هذه الكلمة اسم من أسماء القرآن.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.
قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا نظير القول في ﴿الم﴾ وسائر فواتح سور القرآن التي افتتحت أوائلها بحروف المعجم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبل، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ﴾
اختلف أهل العربية في الرافع للذكر، والناصب للعبد، فقال بعض نحويي البصرة في معنى ذلك كأنه قال: مما نقصّ عليك ذكر رحمة ربك عبده، وانتصب العبد بالرحمة كما تقول: ذكر ضرب زيد عمرا. وقال بعض نحويي الكوفة: رفعت الذكر بكهيعص، وإن شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك، قال: والمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديم وتأخير.
قال أبو جعفر: والقول الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يقال: الذكر مرفوع بمضمر محذوف، وهو هذا كما فعل ذلك في غيرها من السور، وذلك كقول الله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وكقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ ونحو ذلك. والعبد منصوب بالرحمة، وزكريا في موضع نصب، لأنه بيان عن العبد، فتأويل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
* *
وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل، كراهة منه للرياء.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ أي سرّا، وإن الله يعلم القلب النقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال: لا يريد رياء.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ .... إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يعني بقوله ﴿وَهَنَ﴾ ضعف ورقّ من الكبر.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف العظم مني.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ قال: نحل العظم. قال عبد الرزاق، قال: الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشَّيْب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبا على المصدر. قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك ليس بمصدر. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي.
* *
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يقول: قد كنت تعرّفني الإجابة فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ﴾
اختلف أهل العربية في الرافع للذكر، والناصب للعبد، فقال بعض نحويي البصرة في معنى ذلك كأنه قال: مما نقصّ عليك ذكر رحمة ربك عبده، وانتصب العبد بالرحمة كما تقول: ذكر ضرب زيد عمرا. وقال بعض نحويي الكوفة: رفعت الذكر بكهيعص، وإن شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك، قال: والمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديم وتأخير.
قال أبو جعفر: والقول الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يقال: الذكر مرفوع بمضمر محذوف، وهو هذا كما فعل ذلك في غيرها من السور، وذلك كقول الله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وكقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ ونحو ذلك. والعبد منصوب بالرحمة، وزكريا في موضع نصب، لأنه بيان عن العبد، فتأويل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
* *
وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل، كراهة منه للرياء.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ أي سرّا، وإن الله يعلم القلب النقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال: لا يريد رياء.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ .... إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يعني بقوله ﴿وَهَنَ﴾ ضعف ورقّ من الكبر.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف العظم مني.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ قال: نحل العظم. قال عبد الرزاق، قال: الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشَّيْب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبا على المصدر. قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك ليس بمصدر. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي.
* *
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يقول: قد كنت تعرّفني الإجابة فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ﴾
اختلف أهل العربية في الرافع للذكر، والناصب للعبد، فقال بعض نحويي البصرة في معنى ذلك كأنه قال: مما نقصّ عليك ذكر رحمة ربك عبده، وانتصب العبد بالرحمة كما تقول: ذكر ضرب زيد عمرا. وقال بعض نحويي الكوفة: رفعت الذكر بكهيعص، وإن شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك، قال: والمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديم وتأخير.
قال أبو جعفر: والقول الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يقال: الذكر مرفوع بمضمر محذوف، وهو هذا كما فعل ذلك في غيرها من السور، وذلك كقول الله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وكقوله: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ ونحو ذلك. والعبد منصوب بالرحمة، وزكريا في موضع نصب، لأنه بيان عن العبد، فتأويل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
* *
وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل، كراهة منه للرياء.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ أي سرّا، وإن الله يعلم القلب النقيّ، ويسمع الصوت الخفيّ.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال: لا يريد رياء.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرّا، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ .... إلى ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ يعني بقوله ﴿وَهَنَ﴾ ضعف ورقّ من الكبر.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف العظم مني.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ قال: نحل العظم. قال عبد الرزاق، قال: الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشَّيْب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شَيْبا على المصدر. قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلأت ماء، لأن ذلك ليس بمصدر. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير، لأنه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي.
* *
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لأنك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك.
كما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ يقول: قد كنت تعرّفني الإجابة فيما مضى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) ﴾
يقول: وإني خفت بني عمي وعصبتي من ورائي: يقول: من بعدى أن يرثوني، وقيل: عنى بقوله ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ من قدّامي ومن بين يديّ؛ وقد بيَّنت جواز ذلك فيما مضى قبل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ يعني بالموالي: الكلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى.
⁕ حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: خاف موالي الكلالة.
⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بنحوه.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: يعني الكلالة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ والموالي: هنّ العصبة، والموالي: جمع مولى، والمولى والوليّ في كلام العرب واحد. وقرأت قراء الأمصار ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بمعنى: الخوف الذي هو خوف الأمن. وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأه: ﴿وإنّي خَفَّتِ المَوَالي﴾ بتشديد الفاء وفتح الخاء من الخفة، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي. وإذا قرئ ذلك كذلك كانت الياء من الموالي مسكنة غير متحركة، لأنها تكون في موضع رفع بخفت.
* *
وقوله ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾
يقول: وكانت زوجتي لا تلد، يقال منه: رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر:
لَبِئسَ الفَتى أنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرً ا ... جبَانا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلّ مَحْضَرِ [[البيت في ديوان عامر بن الطفيل، طبعة ليدن سنة ١٩١٣. والرواية فيه " فبئس " في مكان: " لبئس " وفي اللسان: العاقر التي لا تحمل، ورجل عاقر: لا يولد له، ونساء عقر، بضم العين وتشديد القاف المفتوحة. وقد استشهد به المؤلف على معنى العاقر، في سورة آل عمران (٣: ٢٥٧) وأعاده في هذا الموضع، ومحل الاستشهاد في الموضعين واحد.]]
* *
وقوله ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾
يقول: فارزقني من عندك ولدا وارثا ومعينا.
* *
وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾
يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يقول: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: وكان وراثته علما، وكان زكريا من ذرّية يعقوب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: نبوّته وعلمه.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "رَحِمَ اللهُ أخِي زَكَرِيَّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مالِهِ حِينَ يَقُولُ فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثْ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ".
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: كان الحسن يقول: يرث نبوّته وعلمه. قال قتادة: ذُكر لنا " أن نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته".
⁕ حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي ﷺ، قال: " يَرْحَمُ اللهُ زكَرِيَّا ومَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطا إنْ كانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ".
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: يرث نبوّتي ونبوّة آل يعقوب.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ فقرأت ذلك عامَّة قرّاء المدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة:
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ برفع الحرفين كليهما، بمعنى فهب الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، على أن يرثني ويرث من آل يعقوب، من صله الوليّ. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثْ﴾ بجزم الحرفين على الجزاء والشرط، بمعنى: فهب لي من لدنك وليا فإنه يرثني إذا وهبته لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع، لأن يرثني من آية غير التي قيلها. قالوا وإنما يحسنُ أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأه برفع الحرفين على الصلة للوليّ، لأنّ الوليّ نكرة، وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله ﷺ، لا أنه سأله وليا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.
* *
وقوله ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
يقول: واجعل يا ربّ الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا. والرضي: فعيل صرف من مفعول إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) ﴾
يقول: وإني خفت بني عمي وعصبتي من ورائي: يقول: من بعدى أن يرثوني، وقيل: عنى بقوله ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ من قدّامي ومن بين يديّ؛ وقد بيَّنت جواز ذلك فيما مضى قبل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ يعني بالموالي: الكلالة الأولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى.
⁕ حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: خاف موالي الكلالة.
⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بنحوه.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: يعني الكلالة.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال: العصبة.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ والموالي: هنّ العصبة، والموالي: جمع مولى، والمولى والوليّ في كلام العرب واحد. وقرأت قراء الأمصار ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بمعنى: الخوف الذي هو خوف الأمن. وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأه: ﴿وإنّي خَفَّتِ المَوَالي﴾ بتشديد الفاء وفتح الخاء من الخفة، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي. وإذا قرئ ذلك كذلك كانت الياء من الموالي مسكنة غير متحركة، لأنها تكون في موضع رفع بخفت.
* *
وقوله ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾
يقول: وكانت زوجتي لا تلد، يقال منه: رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر:
لَبِئسَ الفَتى أنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرً ا ... جبَانا فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلّ مَحْضَرِ [[البيت في ديوان عامر بن الطفيل، طبعة ليدن سنة ١٩١٣. والرواية فيه " فبئس " في مكان: " لبئس " وفي اللسان: العاقر التي لا تحمل، ورجل عاقر: لا يولد له، ونساء عقر، بضم العين وتشديد القاف المفتوحة. وقد استشهد به المؤلف على معنى العاقر، في سورة آل عمران (٣: ٢٥٧) وأعاده في هذا الموضع، ومحل الاستشهاد في الموضعين واحد.]]
* *
وقوله ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾
يقول: فارزقني من عندك ولدا وارثا ومعينا.
* *
وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾
يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يقول: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: وكان وراثته علما، وكان زكريا من ذرّية يعقوب.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: كان وراثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: نبوّته وعلمه.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "رَحِمَ اللهُ أخِي زَكَرِيَّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَةِ مالِهِ حِينَ يَقُولُ فَهَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثْ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ".
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: كان الحسن يقول: يرث نبوّته وعلمه. قال قتادة: ذُكر لنا " أن نبيّ الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته".
⁕ حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي ﷺ، قال: " يَرْحَمُ اللهُ زكَرِيَّا ومَا عَلَيْهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطا إنْ كانَ لَيَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ".
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) قال: يرث نبوّتي ونبوّة آل يعقوب.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ فقرأت ذلك عامَّة قرّاء المدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة:
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ برفع الحرفين كليهما، بمعنى فهب الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، على أن يرثني ويرث من آل يعقوب، من صله الوليّ. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثْ﴾ بجزم الحرفين على الجزاء والشرط، بمعنى: فهب لي من لدنك وليا فإنه يرثني إذا وهبته لي. وقال الذين قرءوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع، لأن يرثني من آية غير التي قيلها. قالوا وإنما يحسنُ أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأه برفع الحرفين على الصلة للوليّ، لأنّ الوليّ نكرة، وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله ﷺ، لا أنه سأله وليا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه.
* *
وقوله ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
يقول: واجعل يا ربّ الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا. والرضي: فعيل صرف من مفعول إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربه، فقال له: يا زكريا إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى.
كان قتادة يقول: إنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ عبد أحياه الله للإيمان.
* *
وقوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم معناه لم تلد مثله عاقر قط.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ليحيى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ يقول: لم تلد العواقر مثله ولدا قط.
وقال آخرون: بل معناه: لم نجعل له من قبله مثلا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الربيع، قالا ثنا سالم بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيها.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: مثلا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يسمّ باسمه أحد قبله.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ لم يسمّ به أحد قبله.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: لم يسمّ يحيى أحد قبله.
- حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: لم يسمّ أحد قبله بهذا الاسم.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ لم يسمّ أحد قبله يحيى.
قال أبو جعفر: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه، والسميّ: فعيل صرف من مفعول إليه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال زكريا لما بشره الله بيحيى: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ومن أيّ وجه يكون لي ذلك، وامرأتي عاقر لا تحبل، وقد ضعُفت من الكبر عن مباضعة النساء بأن تقوّيني على ما ضعفت عنه من ذلك، وتجعل زوجتي ولودا، فإنك القادر على ذلك وعلى ما تشاء، أم بأن أن أنكح زوجة غير زوجتي العاقر، يستثبت ربه الخبر، عن الوجه الذي يكون من قبله له الولد، الذي بشره الله به، لا إنكارا منه ﷺ حقيقة كون ما وعده الله من الولد، وكيف يكون ذلك منه إنكارا لأن يرزقه الولد الذي بشَّره به، وهو المبتدئ مسألة ربه ذلك بقوله ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ بعد قوله ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ .
وقال السديّ في ذلك: ما:-
⁕ حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: نادى جبرائيل زكريا ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يوحي إليك غيره من الأمر، فشك وقال ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يقول: من أين يكون ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ .
* *
وقوله ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾
يقول: وقد عتوت من الكبر فصرت نحل العظام يابسها، يقال منه للعود اليابس، عوت عاتٍ وعاسٍ، وقد عتا يعتو عَتِيًّا وعُتُوّا، وعسى يعسو عِسِيا وعسوّا، وكلّ متناه إلى غايته في كبر أو فساد، أو كفر، فهو عات وعاس.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قد علمتُ السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أو ﴿عِسِيًّا﴾ .
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال: يعني بالعِتيّ: الكبر. .
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم؛ قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿عِتِيًّا﴾ قال: نحول العظم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال: سنًّا، وكان ابن بضع وسبعين سنة.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال: العتيّ: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه لا يولد له.
- حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال: هو الكبر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبا له ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ يقول: هكذا الأمر كما تقول من أنّ امرأتك عاقر، وإنك قد بلغت من الكبر العتيّ، ولكن ربك يقول: خلْق ما بشَّرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى عليّ هين، فهو إذن من قوله ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ كناية عن الخلق.
* *
وقوله ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
يقول تعالى ذكره وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرا سويا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهب لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عِتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾
يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربّ اجعل لي علما ودليلا على ما بشَّرَتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئنّ إلى ذلك قلبي.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال ربّ اجعل لي آية أن هذا منك.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قال رب، فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية ﴿قال﴾ الله ﴿آيَتُكَ﴾ لذلك ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول جلّ ثناؤه: علامتك لذلك، ودليلك عليه أن لا تكلم الناس ثلاث ليال وأنت سويّ صحيح، لا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك من الكلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: من غير خرس.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: لا يمنعك من الكلام مرض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: صحيحا لا يمنعك من الكلام مرض.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ من غير بأس ولا خرس، وإنما عوقب بذلك لأنه سأل آية بعد ما شافهته الملائكة مشافهة، أخذ بلسانه حتى ما كان يفيض الكلام إلا أومأ إيماء.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: سويا من غير خرس.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وأنت صحيح، قال: فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنجيل، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: أخذ الله بلسانه من غير سوء، فجعل لا يطيق الكلام، وإنما كلامه لقومه بالإشارة، حتى مضت الثلاثة الأيام التي جعلها الله آية لمصداق ما وعده من هبته له.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: من غير خرس إلا رمزا، فاعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وقال آخرون: السويّ من صفة الأيام، قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعات.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: ثلاث ليال متتابعات.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) ﴾
يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبا له ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ يقول: هكذا الأمر كما تقول من أنّ امرأتك عاقر، وإنك قد بلغت من الكبر العتيّ، ولكن ربك يقول: خلْق ما بشَّرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى عليّ هين، فهو إذن من قوله ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ كناية عن الخلق.
* *
وقوله ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
يقول تعالى ذكره وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرا سويا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهب لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عِتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك.
* *
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾
يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا ربّ اجعل لي علما ودليلا على ما بشَّرَتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئنّ إلى ذلك قلبي.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال ربّ اجعل لي آية أن هذا منك.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قال رب، فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية ﴿قال﴾ الله ﴿آيَتُكَ﴾ لذلك ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول جلّ ثناؤه: علامتك لذلك، ودليلك عليه أن لا تكلم الناس ثلاث ليال وأنت سويّ صحيح، لا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك من الكلام.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: من غير خرس.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: لا يمنعك من الكلام مرض.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: صحيحا لا يمنعك من الكلام مرض.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ من غير بأس ولا خرس، وإنما عوقب بذلك لأنه سأل آية بعد ما شافهته الملائكة مشافهة، أخذ بلسانه حتى ما كان يفيض الكلام إلا أومأ إيماء.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: سويا من غير خرس.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ وأنت صحيح، قال: فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الإنجيل، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: أخذ الله بلسانه من غير سوء، فجعل لا يطيق الكلام، وإنما كلامه لقومه بالإشارة، حتى مضت الثلاثة الأيام التي جعلها الله آية لمصداق ما وعده من هبته له.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: من غير خرس إلا رمزا، فاعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وقال آخرون: السويّ من صفة الأيام، قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعات.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ قال: ثلاث ليال متتابعات.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فخرج زكريا على قومه من مصلاه حين حُبس لسانه عن كلام الناس، آية من الله له على حقيقة وعده إياه ما وعد. فكان ابن جريج يقول في معنى خروجه من محرابه، ما:-
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال: أشرف على قومه من المحراب.
قال أبو جعفر: وقد بيَّنا معنى المحراب فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال: المحراب: مصلاه، وقرأ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾
وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾
يقول: أشار إليهم، وقد تكون تلك الإشارة باليد وبالكتاب وبغير ذلك، مما يفهم به عنه ما يريد. وللعرب في ذلك لغتان: وَحَى، وأوحى فمن قال: وَحَى، قال في يفعل: يَحِي؛ ومن قال: أوحى، قال: يُوحي، وكذلك أوَمَى وَوَمَى، فمن قال: وَمَى، قال في يفعل يَمِي؛ ومن قال أوَمَى، قال يُومِي.
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي به أوحى إلى قومه، فقال بعضهم: أوحى إليهم إشارة باليد.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿فَأَوْحَى﴾ : فأشار زكريا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال: الوحي: الإشارة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال: أومى إليهم.
وقال آخرون: معنى أوحى: كتب.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، في قول الله تعالى ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: كتب لهم في الأرض.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال: كتب لهم.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ فكتب لهم في كتاب ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ، وذلك قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾
وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ما أدري كتابا كتبه لهم، أو إشارة أشارها، والله أعلم، قال: أمرهم أن سَبِّحوا بكرة وعشيا، وهو لا يكلمهم.
* *
وقوله ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾
قد بيَّنت فيما مضى الوجوه التي ينصرف فيها التسبيح، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكر الله، فيكون أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة، فيكون أمرهم بالصلاة في هذين الوقتين.
وكان قتادة يقول في قوله ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: أومى إليهم أن صلوا بكرة وعشيا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: فولد لزكريا يحيى، فلما ولد، قال الله له: يا يحيى، خذ هذا الكتاب بقوة، يعني كتاب الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة بقوّة، يقول: بجدّ.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدّ.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدّ.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: القوّة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله عنه.
قال أبو جعفر: وقد بيَّنت معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا، في سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
* *
وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال.
⁕ وقد حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحد في هذه الآية ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلقتُ، فأنزل الله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ .
* *
وقوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾
يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيا.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووَجهوا الكلام إلى نحو المعنى الذي وجهناه إليه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة من عندنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة من عندنا لا يملك عطاءها غيرنا.
⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: رحمة من عندنا، لا يقدر على أن يعطيها أحد غيرنا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم صبيا، وفعلنا به الذي فعلنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: رحمة من عندنا.
وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفا من عندنا عليه، فعلنا ذلك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: تعطفا من ربه عليه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: محبة عليه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَحَنانا﴾ قال: أما الحنان فالمحبة.
وقال آخرون معناه تعظيما منا له.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: تعظيما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري ما الحنان.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله ما أدري ما حنانا.
وللعرب في حَنَانَك لغتان: حَنَانَك يا ربنا، وحَنانَيك؛ كما قال طَرَفة بن العبد في حنانيك:
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بعضِ [[البيت لطرفة بن العبد البكري (اللسان: حنن) . والشاهد في قوله حنانيك، أي تحننا على تحنن. وحكى الأزهري عن الليث: حنانيك يا فلان افعل كذا، ولا تفعل كذا، يذكره الرحمة والبر، وأنشد بيت طرفة. قال ابن سيده: وقد قالوا حنانا، فصلوه من الإضافة في الإفراد، وكل ذلك بدل من اللفظ بالفعل.]]
وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى:
ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بن جَرْمٍ ... مَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذَا الحَنانِ [[البيت لامرئ القيس بن حجر (اللسان: حنن) و (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ص ١١٠) قال شارحه ويمنحها: هذه رواية الأصمعي أي يعطيها ويروى: ويمنعها، وهي أشبه بمعنى البيت. وقوله: حنانك ذا الحنان، فسره ابن الأعرابي: رحمتك يا رحمن، فأغنى عنهم. وعلى أية حال. فالشاعر برم بمجاورة بني شمجي بن جرم، متسخط فعلهم، زار عليهم، إذا منعوه المعزى. فأما إذا منحوه إياها (على رواية الأصمعي) فإنه يكون ساخطا، لاضطراره إلى أن يقبل منح أمثالهم مع ما له من الشرف والعراقة في الملك؛ كأنه يقول في نفسه: أبعد ما كان لنا من العز الشامخ تذل نفسي وتضطر إلى قبول المنح والصلات من الناس. وفي اللسان: فرواية الأعرابي تسخط وذم، وذلك تفسيره؛ ورواية الأصمعي: تشكر وحمد ودعاء لهم، وكذلك تفسيره.]]
وقد اختلف أهل العربية في "حنانيك" فقال بعضهم: هو تثنية "حنان".
وقال آخرون: بل هي لغة ليست بتثنية؛ قالوا: وذلك كقولهم: حَوَاليك؛ وكما قال الشاعر:
ضَرْبا هَذَا ذَيْكَ وطَعْنا وَخْضًا [[البيت في (اللسان: هذذ) غير منسوب. قال: الهذ والهذذ: سرعة القطع وسرعة القراءة. قال: ضربا هذا ذيك: أي هذا بعد هذ، يعني قطعا بعد قطع. وعلى هذا استشهد به المؤلف. . والوخض: قال الأصمعي: إذا خالطت الطعنة الجوف ولم تنفذ، فذلك الوخض والوخط أه. يقال: وخضه بالرمح وخضا.]]
وقد سوّى بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية، في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك أعني الحنان، من قول القائل: حنّ فلان إلى كذا وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنَّنَ فلان على فلان، إذا وصف بالتعطُّف عليه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر:
تَحَنّنْ عَليَّ هَدَاكَ المَلِيكُ ... فإنَّ لِكُلّ مَقامٍ مَقالا [[البيت للحطيئة (لسان العرب: حنن) . قال: وتحنن عليه: ترحم، وأنشد ابن بر الحطيئة: تحنن علي. . . البيت.]]
بمعنى: تعطَّف عليّ. فالحنان: مصدر من قول القائل: حنّ فلان على فلان، يقال منه: حننت عليه، فأنا أحنّ عليه حنينا وحنانا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل: حَنَّته، لتحنته عليها وتعطفه، كما قال الراجز:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ ... ولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبيْتُ [[هذان بيتان من مشطور الرجز، لأبي محمد الفقعسي، وبينهما بيت ثالث، وهو قوله * ولم يلتني عن سراها ليت *
(اللسان: حنن) . وقد استشهد بالبيتين الأولين منهما صاحب اللسان في (ليت) . واستشهد بهما المؤلف في الجزء الخامس عشر عند تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) وموضع الشاهد هنا في البيت الثالث وهو قوله: " حنة ". قال: وحنة الرجل: امرأته، قال أبو محمد الفقعسي: " وليلة ". . . . إلخ. الأبيات الثلاثة. قال: وهي طلته وكنيته ونهضته وحاصنته وحاضنته.]]
* *
وقوله: ﴿وَزَكاةً﴾
يقول تعالى ذكره: وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَزَكاةً﴾ قال: الزكاة: العمل الصالح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿وَزَكاةً﴾ قال: الزكاة: العمل الصالح الزكيّ.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ﴿وَزَكاةً﴾ يعني العمل الصالح الزاكي.
* *
وقوله ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفا مؤدّيا فرائضه، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال: طهر فلم يعمل بذنب.
⁕ حدثني يونس، قال: خبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) ﴾
يقول تعالى ذكره: فولد لزكريا يحيى، فلما ولد، قال الله له: يا يحيى، خذ هذا الكتاب بقوة، يعني كتاب الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة بقوّة، يقول: بجدّ.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدّ.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدّ.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
⁕ حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ قال: القوّة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله عنه.
قال أبو جعفر: وقد بيَّنت معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا، في سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
* *
وقوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال.
⁕ وقد حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحد في هذه الآية ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خُلقتُ، فأنزل الله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ .
* *
وقوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾
يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيا.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووَجهوا الكلام إلى نحو المعنى الذي وجهناه إليه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة من عندنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: رحمة من عندنا لا يملك عطاءها غيرنا.
⁕ حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: رحمة من عندنا، لا يقدر على أن يعطيها أحد غيرنا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم صبيا، وفعلنا به الذي فعلنا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: رحمة من عندنا.
وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفا من عندنا عليه، فعلنا ذلك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: تعطفا من ربه عليه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: محبة عليه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَحَنانا﴾ قال: أما الحنان فالمحبة.
وقال آخرون معناه تعظيما منا له.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال: تعظيما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري ما الحنان.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله ما أدري ما حنانا.
وللعرب في حَنَانَك لغتان: حَنَانَك يا ربنا، وحَنانَيك؛ كما قال طَرَفة بن العبد في حنانيك:
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ... حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بعضِ [[البيت لطرفة بن العبد البكري (اللسان: حنن) . والشاهد في قوله حنانيك، أي تحننا على تحنن. وحكى الأزهري عن الليث: حنانيك يا فلان افعل كذا، ولا تفعل كذا، يذكره الرحمة والبر، وأنشد بيت طرفة. قال ابن سيده: وقد قالوا حنانا، فصلوه من الإضافة في الإفراد، وكل ذلك بدل من اللفظ بالفعل.]]
وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى:
ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَى بن جَرْمٍ ... مَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذَا الحَنانِ [[البيت لامرئ القيس بن حجر (اللسان: حنن) و (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ص ١١٠) قال شارحه ويمنحها: هذه رواية الأصمعي أي يعطيها ويروى: ويمنعها، وهي أشبه بمعنى البيت. وقوله: حنانك ذا الحنان، فسره ابن الأعرابي: رحمتك يا رحمن، فأغنى عنهم. وعلى أية حال. فالشاعر برم بمجاورة بني شمجي بن جرم، متسخط فعلهم، زار عليهم، إذا منعوه المعزى. فأما إذا منحوه إياها (على رواية الأصمعي) فإنه يكون ساخطا، لاضطراره إلى أن يقبل منح أمثالهم مع ما له من الشرف والعراقة في الملك؛ كأنه يقول في نفسه: أبعد ما كان لنا من العز الشامخ تذل نفسي وتضطر إلى قبول المنح والصلات من الناس. وفي اللسان: فرواية الأعرابي تسخط وذم، وذلك تفسيره؛ ورواية الأصمعي: تشكر وحمد ودعاء لهم، وكذلك تفسيره.]]
وقد اختلف أهل العربية في "حنانيك" فقال بعضهم: هو تثنية "حنان".
وقال آخرون: بل هي لغة ليست بتثنية؛ قالوا: وذلك كقولهم: حَوَاليك؛ وكما قال الشاعر:
ضَرْبا هَذَا ذَيْكَ وطَعْنا وَخْضًا [[البيت في (اللسان: هذذ) غير منسوب. قال: الهذ والهذذ: سرعة القطع وسرعة القراءة. قال: ضربا هذا ذيك: أي هذا بعد هذ، يعني قطعا بعد قطع. وعلى هذا استشهد به المؤلف. . والوخض: قال الأصمعي: إذا خالطت الطعنة الجوف ولم تنفذ، فذلك الوخض والوخط أه. يقال: وخضه بالرمح وخضا.]]
وقد سوّى بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية، في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك أعني الحنان، من قول القائل: حنّ فلان إلى كذا وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنَّنَ فلان على فلان، إذا وصف بالتعطُّف عليه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر:
تَحَنّنْ عَليَّ هَدَاكَ المَلِيكُ ... فإنَّ لِكُلّ مَقامٍ مَقالا [[البيت للحطيئة (لسان العرب: حنن) . قال: وتحنن عليه: ترحم، وأنشد ابن بر الحطيئة: تحنن علي. . . البيت.]]
بمعنى: تعطَّف عليّ. فالحنان: مصدر من قول القائل: حنّ فلان على فلان، يقال منه: حننت عليه، فأنا أحنّ عليه حنينا وحنانا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل: حَنَّته، لتحنته عليها وتعطفه، كما قال الراجز:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ دُجًى سَرَيْتُ ... ولَمْ تَضِرْنِي حَنَّةٌ وَبيْتُ [[هذان بيتان من مشطور الرجز، لأبي محمد الفقعسي، وبينهما بيت ثالث، وهو قوله * ولم يلتني عن سراها ليت *
(اللسان: حنن) . وقد استشهد بالبيتين الأولين منهما صاحب اللسان في (ليت) . واستشهد بهما المؤلف في الجزء الخامس عشر عند تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده) وموضع الشاهد هنا في البيت الثالث وهو قوله: " حنة ". قال: وحنة الرجل: امرأته، قال أبو محمد الفقعسي: " وليلة ". . . . إلخ. الأبيات الثلاثة. قال: وهي طلته وكنيته ونهضته وحاصنته وحاضنته.]]
* *
وقوله: ﴿وَزَكاةً﴾
يقول تعالى ذكره: وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَزَكاةً﴾ قال: الزكاة: العمل الصالح.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿وَزَكاةً﴾ قال: الزكاة: العمل الصالح الزكيّ.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله ﴿وَزَكاةً﴾ يعني العمل الصالح الزاكي.
* *
وقوله ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفا مؤدّيا فرائضه، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته.
كما:-
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال: طهر فلم يعمل بذنب.
⁕ حدثني يونس، قال: خبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: وكان برّا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما، غير عاقّ بهما ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نُهِي عنه، لا يَعْصِي ربه، ولا والديه.
* *
وقوله ﴿عَصِيًّا﴾
فعيل بمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عَصَى فلان ربه، فهو يعصيه عصيا.
* *
وقوله ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
يقول: وأمان من الله يوم ولد، من أن يناله الشيطان من السوء، بما ينال به بني آدم، وذلك أنه رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إلا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بنِ زَكَريَّا".
⁕ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ، إلا ذَا ذَنْبٍ، إلا يَحْيَى بنَ زَكَريَّا".
قال: وقال قتادة: ما أذنب، ولا هم بامرأة.
* *
وقوله ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾
يقول: وأمان من الله تعالى ذكره له من فَتَّاني القبر، ومن هول المطلع ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ يقول: وأمان له من عذاب الله يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، من أن يروعه شيء، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق.
وقد ذكر ابن عيينة في ذلك ما:-
⁕ حدثني أحمد بن منصور الفَيروزِيّ، قال: أخبرني صدقة بن الفضل قال: سمعت ابن عطية يقول: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سَلَّمت على نفسي، وسلَّم الله عليك، فعرف والله فضلها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) ﴾
يقول تعالى ذكره: وكان برّا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما، غير عاقّ بهما ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ يقول جلّ ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نُهِي عنه، لا يَعْصِي ربه، ولا والديه.
* *
وقوله ﴿عَصِيًّا﴾
فعيل بمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عَصَى فلان ربه، فهو يعصيه عصيا.
* *
وقوله ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾
يقول: وأمان من الله يوم ولد، من أن يناله الشيطان من السوء، بما ينال به بني آدم، وذلك أنه رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتي يَوْمَ القِيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ إلا ما كانَ مِنْ يَحْيَى بنِ زَكَريَّا".
⁕ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ: "مَا مِنْ أحَدٍ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيامَةِ، إلا ذَا ذَنْبٍ، إلا يَحْيَى بنَ زَكَريَّا".
قال: وقال قتادة: ما أذنب، ولا هم بامرأة.
* *
وقوله ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾
يقول: وأمان من الله تعالى ذكره له من فَتَّاني القبر، ومن هول المطلع ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ يقول: وأمان له من عذاب الله يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، من أن يروعه شيء، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق.
وقد ذكر ابن عيينة في ذلك ما:-
⁕ حدثني أحمد بن منصور الفَيروزِيّ، قال: أخبرني صدقة بن الفضل قال: سمعت ابن عطية يقول: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يُبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سَلَّمت على نفسي، وسلَّم الله عليك، فعرف والله فضلها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحقّ مريم ابنة عمران، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النَّبذ، والنَّبذ: الطَّرْح، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ أي انفردت من أهلها.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مكانا شرقيا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: [[كذا هنا، وفي موضوعين بعد: فانتبذت، والقراءة: إذ انتبذت.]] فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا: في شرقيّ المحراب.
* *
وقوله ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾
يقول: فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قِبَلَ مَشرق الشمس دون مَغربها.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: من قِبَل المشرق.
⁕ حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال: إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ فصلوا قبل مطلع الشمس.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: شاسعا متنحيا.
وقيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.
* *
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾
يقول: فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس، وذُكر عن ابن عباس، أنها صارت بمكان يلي المشرق، لأن الله أظلها بالشمس، وجعل لها منها حجابا.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: مكانا أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.
وقال غيره في ذلك ما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ من الجدران.
* *
وقوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾
يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، واتخذت من دونهم حجابا: جبريل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال: أرسل إليها فيما ذُكر لنا جبريل.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: وجدتْ عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال: جبريل.
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب، قال: سمعت وهب بن منبه، قال: أرسل الله جبريل إلى مريم، فَمَثَل لها بشرا سويا.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: فلما طهرت، يعني مريم من حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدميّ سويّ الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحقّ مريم ابنة عمران، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النَّبذ، والنَّبذ: الطَّرْح، وقد بيَّنا ذلك بشواهده فيما مضى قبلُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ أي انفردت من أهلها.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مكانا شرقيا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: [[كذا هنا، وفي موضوعين بعد: فانتبذت، والقراءة: إذ انتبذت.]] فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا: في شرقيّ المحراب.
* *
وقوله ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾
يقول: فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قِبَلَ مَشرق الشمس دون مَغربها.
كما:-
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: من قِبَل المشرق.
⁕ حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال: إني لأعلم خلق الله لأيّ شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله.
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا أبو كُدَينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ فصلوا قبل مطلع الشمس.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: شاسعا متنحيا.
وقيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب، وكذلك ذلك فيما ذُكر عند العرب.
* *
وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾
يقول: فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس، وذُكر عن ابن عباس، أنها صارت بمكان يلي المشرق، لأن الله أظلها بالشمس، وجعل لها منها حجابا.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: مكانا أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.
وقال غيره في ذلك ما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ من الجدران.
* *
وقوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾
يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، واتخذت من دونهم حجابا: جبريل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال: أرسل إليها فيما ذُكر لنا جبريل.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: وجدتْ عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال: جبريل.
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب، قال: سمعت وهب بن منبه، قال: أرسل الله جبريل إلى مريم، فَمَثَل لها بشرا سويا.
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: فلما طهرت، يعني مريم من حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدميّ سويّ الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثل لها بشرًا سويا، وظنته رجلا يريدها على نفسها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال: خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ فلما رأته فزعت منه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرّمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه؛ لأن من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك. ولو وجه ذلك إلى أنها عَنَت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد: وذكر قَصَص مريم فقال: قد علمت أن التقيّ ذو نُهية حين قالت ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ . يقول تعالى ذكره: فقال لها روحنا: إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق غير أبي عمرو ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ بمعنى: إنما أنا رسول ربك: يقول: أرسلني إليك لأهب لك ﴿غُلامًا زَكِيًّا﴾ على الحكاية، وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء ﴿ليهب لك غلامًا زكيا﴾ بمعنى: إنما أنا رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلاما زكيا.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قرّاء الأمصار، وهو ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ بالألف دون الياء، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم، غير أبي عمرو، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغ لأحد خلاف مصاحفهم، والغلام الزكيّ: هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاكٍ وزكيّ، وعال وعليّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثل لها بشرًا سويا، وظنته رجلا يريدها على نفسها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال: خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ فلما رأته فزعت منه وقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرّمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه؛ لأن من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك. ولو وجه ذلك إلى أنها عَنَت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد: وذكر قَصَص مريم فقال: قد علمت أن التقيّ ذو نُهية حين قالت ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ . يقول تعالى ذكره: فقال لها روحنا: إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك ﴿لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق غير أبي عمرو ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ بمعنى: إنما أنا رسول ربك: يقول: أرسلني إليك لأهب لك ﴿غُلامًا زَكِيًّا﴾ على الحكاية، وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء ﴿ليهب لك غلامًا زكيا﴾ بمعنى: إنما أنا رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلاما زكيا.
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قرّاء الأمصار، وهو ﴿لأهَبَ لَكِ﴾ بالألف دون الياء، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم، غير أبي عمرو، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغ لأحد خلاف مصاحفهم، والغلام الزكيّ: هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاكٍ وزكيّ، وعال وعليّ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل ﴿أنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ﴾ من أيّ وجه يكون لي غلام؟ أمن قِبَل زوج أتزوّج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله فيّ خلقه ابتداء ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولد آدم بنكاح حلال ﴿ولَمْ أَكُ﴾ إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال ﴿بَغِيًّا﴾ بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ يقول: زانية ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو عليّ هين: أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك عليّ هين لا يتعذّر عليّ خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي أن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بدّ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴾
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وبذلك جاء تأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرا سويا فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .... الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها؛ فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
* *
وقوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾
يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحَّت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز:
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُوَرةِ المَقْلِيّ [[البيتان لرؤبة ابن العجاج الراجز (انظر فوائد القلائد في مختصر الشواهد للعيني ص ١١٥ - ١١٦) وبعدهما بيتان آخران وهما: أو تحلفي بربك العلي ... أنى أبو ذيا لك الصبي
ومقعد القصي: إما مفعول مطلق. على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنه مفعول فيه، أي في مقعد القصي، أي البعيد، من قصا المكان يقصو: إذا بعد. ويقال رجل قاذورة: أي لا يخالط الناس، لسوء خلقه. والمقلي المبغض من قلاه يقليه قلى بالكسر. وهما صفتان للقصي. وفي (لسان العرب: قصا) قصا عنه قصوا، وقصوا وقصا وقصاء، وقصي (بكسر الصاد) : بعد وقصا المكان يقصو قصوا (على فعول) : بعد. والقصي والقاصي: البعيد، والجمع: أقصاء فيهما، كشاهد وأشهاد، ونصير وأنصار.]]
يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: مكانا نائيا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: قاصيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.
* *
وقوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والمعنى: بزُبَر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب": شرّ ما أجاءني إلى مُخَّة عرقوب"، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلى ذلك ؛ ومنه قول زهير:
وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكُمْ ... أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى (اللسان: جيأ) . قال: وأجاءه إلى شيء: جاء به، وألجأه، واضطره إليه. قال زهير بن أبي سلمى: " وجار. . . " البيت. قال الفراء: أصله من جئت، وقد وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: " شر ما أجاءك إلى مخة العرقوب، وشر ما يجيئك إلى مخة عرقوب " قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. ومنهم من يقول: شر ما ألجأك: والمعنى واحد. وتميم تقول: شر ما أشاءك.]]
يعنى: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأوّل من تأوّل ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ قال: المخاض ألجأها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: اضطرّها إلى جذع النخلة.
واختلفوا في أيّ المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءَها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النَّجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحِبُها يوسف؛ فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قطّ؛ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها؛ فلما اشتدّ عليه ذلك كلمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؛ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حُبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آريّ حمار، يعنى مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرّا "الشكّ من أبي جعفر"، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.
وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادُها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها.
وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جِذْعِ النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملتْ فولدتْ.
* *
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ تقول: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والجَسر والجِسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا؛ وبالكسر قرأت عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة؛ وبالفتح قرأه أهل الكوفة؛ ومنه قول الشاعر:
كأنَّ لَهَا فِي الأرْضِ نِسْيا تَقُصُّهُ ... إذَا ما غَدَتْ وإنْ تُحَدّثْكَ تَبْلَتِ [[البيت للشنفرى " اللسان: نسي " قال: والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر. وقال الأخفش: النسي: ما أغفل من شيء حقير ونسي. وقال الزجاج: النسي في كلام العرب الشيء المطروح، لا يؤبه له. وقال الشنفرى: " وكأن لها. . . البيت " قال ابن بري: بلت، فالفتح: إذا قطع، وبلت بالكسر: إذا سكن. وقال الفراء: النسي والنسي (بكسر النون المشددة وفتحها) لغتان فيه تلقيه المرأة من خرق اعتلاها (حيضها) مثل وتر ووتر. قال ولو أراد بالنسي (بالفتح) مصدر النسيان، كان صوابا.]]
ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر:
أتيُ الفَوَاحِشِ فِيهِمُ مَعْرَوفَةٌ ... وَيَروْنَ فِعْلَ المَكْرُماتِ حَرَامَا [[في (اللسان: أتى) : الإتيان: المجيء. أتيته أتيا وإتيانا وإتيانه ومأتاه: جئته. واستشهد المؤلف بالبيت على أن العرب تقول نسيته نسيانا ونسيا، كما تقول أتيته إتيانا وأتيا. وقوله معروفة: أنث الخبر بالتاء مع أن المبتدأ وهو الأتي مذكر، لكنه لما أضيف إلى الفواحش، وهي جمع فاحشة. اكتسب منها التأنيث فلذلك أنث الخبر بالتاء.]]
* *
وقوله ﴿مَنْسيًّا﴾
مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أخلق، ولم أك شيئا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: هو السقط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكن في الأرض شيئًا قط.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل ﴿أنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ﴾ من أيّ وجه يكون لي غلام؟ أمن قِبَل زوج أتزوّج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله فيّ خلقه ابتداء ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولد آدم بنكاح حلال ﴿ولَمْ أَكُ﴾ إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال ﴿بَغِيًّا﴾ بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ يقول: زانية ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو عليّ هين: أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك عليّ هين لا يتعذّر عليّ خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي أن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بدّ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴾
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وبذلك جاء تأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرا سويا فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .... الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها؛ فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
* *
وقوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾
يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحَّت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز:
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُوَرةِ المَقْلِيّ [[البيتان لرؤبة ابن العجاج الراجز (انظر فوائد القلائد في مختصر الشواهد للعيني ص ١١٥ - ١١٦) وبعدهما بيتان آخران وهما: أو تحلفي بربك العلي ... أنى أبو ذيا لك الصبي
ومقعد القصي: إما مفعول مطلق. على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنه مفعول فيه، أي في مقعد القصي، أي البعيد، من قصا المكان يقصو: إذا بعد. ويقال رجل قاذورة: أي لا يخالط الناس، لسوء خلقه. والمقلي المبغض من قلاه يقليه قلى بالكسر. وهما صفتان للقصي. وفي (لسان العرب: قصا) قصا عنه قصوا، وقصوا وقصا وقصاء، وقصي (بكسر الصاد) : بعد وقصا المكان يقصو قصوا (على فعول) : بعد. والقصي والقاصي: البعيد، والجمع: أقصاء فيهما، كشاهد وأشهاد، ونصير وأنصار.]]
يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: مكانا نائيا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: قاصيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.
* *
وقوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والمعنى: بزُبَر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب": شرّ ما أجاءني إلى مُخَّة عرقوب"، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلى ذلك ؛ ومنه قول زهير:
وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكُمْ ... أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى (اللسان: جيأ) . قال: وأجاءه إلى شيء: جاء به، وألجأه، واضطره إليه. قال زهير بن أبي سلمى: " وجار. . . " البيت. قال الفراء: أصله من جئت، وقد وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: " شر ما أجاءك إلى مخة العرقوب، وشر ما يجيئك إلى مخة عرقوب " قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. ومنهم من يقول: شر ما ألجأك: والمعنى واحد. وتميم تقول: شر ما أشاءك.]]
يعنى: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأوّل من تأوّل ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ قال: المخاض ألجأها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: اضطرّها إلى جذع النخلة.
واختلفوا في أيّ المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءَها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النَّجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحِبُها يوسف؛ فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قطّ؛ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها؛ فلما اشتدّ عليه ذلك كلمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؛ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حُبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آريّ حمار، يعنى مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرّا "الشكّ من أبي جعفر"، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.
وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادُها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها.
وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جِذْعِ النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملتْ فولدتْ.
* *
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ تقول: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والجَسر والجِسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا؛ وبالكسر قرأت عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة؛ وبالفتح قرأه أهل الكوفة؛ ومنه قول الشاعر:
كأنَّ لَهَا فِي الأرْضِ نِسْيا تَقُصُّهُ ... إذَا ما غَدَتْ وإنْ تُحَدّثْكَ تَبْلَتِ [[البيت للشنفرى " اللسان: نسي " قال: والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر. وقال الأخفش: النسي: ما أغفل من شيء حقير ونسي. وقال الزجاج: النسي في كلام العرب الشيء المطروح، لا يؤبه له. وقال الشنفرى: " وكأن لها. . . البيت " قال ابن بري: بلت، فالفتح: إذا قطع، وبلت بالكسر: إذا سكن. وقال الفراء: النسي والنسي (بكسر النون المشددة وفتحها) لغتان فيه تلقيه المرأة من خرق اعتلاها (حيضها) مثل وتر ووتر. قال ولو أراد بالنسي (بالفتح) مصدر النسيان، كان صوابا.]]
ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر:
أتيُ الفَوَاحِشِ فِيهِمُ مَعْرَوفَةٌ ... وَيَروْنَ فِعْلَ المَكْرُماتِ حَرَامَا [[في (اللسان: أتى) : الإتيان: المجيء. أتيته أتيا وإتيانا وإتيانه ومأتاه: جئته. واستشهد المؤلف بالبيت على أن العرب تقول نسيته نسيانا ونسيا، كما تقول أتيته إتيانا وأتيا. وقوله معروفة: أنث الخبر بالتاء مع أن المبتدأ وهو الأتي مذكر، لكنه لما أضيف إلى الفواحش، وهي جمع فاحشة. اكتسب منها التأنيث فلذلك أنث الخبر بالتاء.]]
* *
وقوله ﴿مَنْسيًّا﴾
مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أخلق، ولم أك شيئا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: هو السقط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكن في الأرض شيئًا قط.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل ﴿أنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ﴾ من أيّ وجه يكون لي غلام؟ أمن قِبَل زوج أتزوّج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله فيّ خلقه ابتداء ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولد آدم بنكاح حلال ﴿ولَمْ أَكُ﴾ إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال ﴿بَغِيًّا﴾ بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ يقول: زانية ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو عليّ هين: أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك عليّ هين لا يتعذّر عليّ خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي أن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بدّ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴾
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وبذلك جاء تأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرا سويا فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .... الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها؛ فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
* *
وقوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾
يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحَّت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز:
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُوَرةِ المَقْلِيّ [[البيتان لرؤبة ابن العجاج الراجز (انظر فوائد القلائد في مختصر الشواهد للعيني ص ١١٥ - ١١٦) وبعدهما بيتان آخران وهما: أو تحلفي بربك العلي ... أنى أبو ذيا لك الصبي
ومقعد القصي: إما مفعول مطلق. على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنه مفعول فيه، أي في مقعد القصي، أي البعيد، من قصا المكان يقصو: إذا بعد. ويقال رجل قاذورة: أي لا يخالط الناس، لسوء خلقه. والمقلي المبغض من قلاه يقليه قلى بالكسر. وهما صفتان للقصي. وفي (لسان العرب: قصا) قصا عنه قصوا، وقصوا وقصا وقصاء، وقصي (بكسر الصاد) : بعد وقصا المكان يقصو قصوا (على فعول) : بعد. والقصي والقاصي: البعيد، والجمع: أقصاء فيهما، كشاهد وأشهاد، ونصير وأنصار.]]
يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: مكانا نائيا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: قاصيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.
* *
وقوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والمعنى: بزُبَر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب": شرّ ما أجاءني إلى مُخَّة عرقوب"، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلى ذلك ؛ ومنه قول زهير:
وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكُمْ ... أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى (اللسان: جيأ) . قال: وأجاءه إلى شيء: جاء به، وألجأه، واضطره إليه. قال زهير بن أبي سلمى: " وجار. . . " البيت. قال الفراء: أصله من جئت، وقد وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: " شر ما أجاءك إلى مخة العرقوب، وشر ما يجيئك إلى مخة عرقوب " قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. ومنهم من يقول: شر ما ألجأك: والمعنى واحد. وتميم تقول: شر ما أشاءك.]]
يعنى: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأوّل من تأوّل ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ قال: المخاض ألجأها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: اضطرّها إلى جذع النخلة.
واختلفوا في أيّ المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءَها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النَّجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحِبُها يوسف؛ فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قطّ؛ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها؛ فلما اشتدّ عليه ذلك كلمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؛ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حُبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آريّ حمار، يعنى مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرّا "الشكّ من أبي جعفر"، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.
وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادُها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها.
وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جِذْعِ النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملتْ فولدتْ.
* *
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ تقول: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والجَسر والجِسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا؛ وبالكسر قرأت عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة؛ وبالفتح قرأه أهل الكوفة؛ ومنه قول الشاعر:
كأنَّ لَهَا فِي الأرْضِ نِسْيا تَقُصُّهُ ... إذَا ما غَدَتْ وإنْ تُحَدّثْكَ تَبْلَتِ [[البيت للشنفرى " اللسان: نسي " قال: والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر. وقال الأخفش: النسي: ما أغفل من شيء حقير ونسي. وقال الزجاج: النسي في كلام العرب الشيء المطروح، لا يؤبه له. وقال الشنفرى: " وكأن لها. . . البيت " قال ابن بري: بلت، فالفتح: إذا قطع، وبلت بالكسر: إذا سكن. وقال الفراء: النسي والنسي (بكسر النون المشددة وفتحها) لغتان فيه تلقيه المرأة من خرق اعتلاها (حيضها) مثل وتر ووتر. قال ولو أراد بالنسي (بالفتح) مصدر النسيان، كان صوابا.]]
ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر:
أتيُ الفَوَاحِشِ فِيهِمُ مَعْرَوفَةٌ ... وَيَروْنَ فِعْلَ المَكْرُماتِ حَرَامَا [[في (اللسان: أتى) : الإتيان: المجيء. أتيته أتيا وإتيانا وإتيانه ومأتاه: جئته. واستشهد المؤلف بالبيت على أن العرب تقول نسيته نسيانا ونسيا، كما تقول أتيته إتيانا وأتيا. وقوله معروفة: أنث الخبر بالتاء مع أن المبتدأ وهو الأتي مذكر، لكنه لما أضيف إلى الفواحش، وهي جمع فاحشة. اكتسب منها التأنيث فلذلك أنث الخبر بالتاء.]]
* *
وقوله ﴿مَنْسيًّا﴾
مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أخلق، ولم أك شيئا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: هو السقط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكن في الأرض شيئًا قط.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ﴾
يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل ﴿أنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ﴾ من أيّ وجه يكون لي غلام؟ أمن قِبَل زوج أتزوّج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله فيّ خلقه ابتداء ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ من ولد آدم بنكاح حلال ﴿ولَمْ أَكُ﴾ إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال ﴿بَغِيًّا﴾ بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ يقول: زانية ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الأمر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو عليّ هين: أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك عليّ هين لا يتعذّر عليّ خلقه وهبته لك من غير فحل يفتحلك.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي أن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بدّ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) ﴾
وفي هذا الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا بغلام فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ وبذلك جاء تأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقِل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثَّل لها بشرا سويا فقالت له: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ .... الآية استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: طرحَتْ عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قُدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها؛ فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حُبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها.
* *
وقوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾
يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحَّت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصيّ بمعنى واحد، كما قال الراجز:
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ القَصِيِّ ... مِنِّي ذي القاذُوَرةِ المَقْلِيّ [[البيتان لرؤبة ابن العجاج الراجز (انظر فوائد القلائد في مختصر الشواهد للعيني ص ١١٥ - ١١٦) وبعدهما بيتان آخران وهما: أو تحلفي بربك العلي ... أنى أبو ذيا لك الصبي
ومقعد القصي: إما مفعول مطلق. على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنه مفعول فيه، أي في مقعد القصي، أي البعيد، من قصا المكان يقصو: إذا بعد. ويقال رجل قاذورة: أي لا يخالط الناس، لسوء خلقه. والمقلي المبغض من قلاه يقليه قلى بالكسر. وهما صفتان للقصي. وفي (لسان العرب: قصا) قصا عنه قصوا، وقصوا وقصا وقصاء، وقصي (بكسر الصاد) : بعد وقصا المكان يقصو قصوا (على فعول) : بعد. والقصي والقاصي: البعيد، والجمع: أقصاء فيهما، كشاهد وأشهاد، ونصير وأنصار.]]
يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشيء: إذا أبعدته وأخَّرته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: مكانا نائيا.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ قال: قاصيا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه.
* *
وقوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والمعنى: بزُبَر الحديد، ولكن الألف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجيء، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب": شرّ ما أجاءني إلى مُخَّة عرقوب"، وأشاء ويقال: شرّ ما يُجِيئك ويُشِيئك إلى ذلك ؛ ومنه قول زهير:
وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكُمْ ... أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ [[البيت لزهير بن أبي سلمى (اللسان: جيأ) . قال: وأجاءه إلى شيء: جاء به، وألجأه، واضطره إليه. قال زهير بن أبي سلمى: " وجار. . . " البيت. قال الفراء: أصله من جئت، وقد وقد جعلته العرب إلجاء. وفي المثل: " شر ما أجاءك إلى مخة العرقوب، وشر ما يجيئك إلى مخة عرقوب " قال الأصمعي: وذلك أن العرقوب لا مخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شيء. ومنهم من يقول: شر ما ألجأك: والمعنى واحد. وتميم تقول: شر ما أشاءك.]]
يعنى: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأوّل من تأوّل ذلك بمعنى: ألجأها، لأن المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ قال: المخاض ألجأها.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: اضطرّها إلى جذع النخلة.
واختلفوا في أيّ المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءَها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قَرابة لها، يقال له يوسف النَّجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشدّ اجتهادًا وعبادة منهما، فكان أوّل من أنكر حمل مريم صاحِبُها يوسف؛ فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قطّ؛ وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها؛ فلما اشتدّ عليه ذلك كلمها، فكان أوّل كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حَرَصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا قال: ما كنت لأقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؛ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك، ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتوّ بطنها، وضعف قوّتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك؛ فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حُبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أمّ يحيى ما في بطنها خرّ لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الإكاف شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لأرض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آريّ حمار، يعنى مذود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرّا "الشكّ من أبي جعفر"، فاشتدّ على مريم المخاض؛ فلما وجدت منه شدّة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفًا محدقين بها.
وقد رُوي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما:-
⁕ حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادُها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها.
وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جِذْعِ النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملتْ فولدتْ.
* *
وقوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾
ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ تقول: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بَعْل، وكنت نِسيا منسيًّا: شيئا نُسي فتُرك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوَتر والوِتر، والجَسر والجِسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا؛ وبالكسر قرأت عامة قرّاء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة؛ وبالفتح قرأه أهل الكوفة؛ ومنه قول الشاعر:
كأنَّ لَهَا فِي الأرْضِ نِسْيا تَقُصُّهُ ... إذَا ما غَدَتْ وإنْ تُحَدّثْكَ تَبْلَتِ [[البيت للشنفرى " اللسان: نسي " قال: والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر. وقال الأخفش: النسي: ما أغفل من شيء حقير ونسي. وقال الزجاج: النسي في كلام العرب الشيء المطروح، لا يؤبه له. وقال الشنفرى: " وكأن لها. . . البيت " قال ابن بري: بلت، فالفتح: إذا قطع، وبلت بالكسر: إذا سكن. وقال الفراء: النسي والنسي (بكسر النون المشددة وفتحها) لغتان فيه تلقيه المرأة من خرق اعتلاها (حيضها) مثل وتر ووتر. قال ولو أراد بالنسي (بالفتح) مصدر النسيان، كان صوابا.]]
ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لأنها كانت نسيته حتى ضاع، ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدّق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الربّ وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر:
أتيُ الفَوَاحِشِ فِيهِمُ مَعْرَوفَةٌ ... وَيَروْنَ فِعْلَ المَكْرُماتِ حَرَامَا [[في (اللسان: أتى) : الإتيان: المجيء. أتيته أتيا وإتيانا وإتيانه ومأتاه: جئته. واستشهد المؤلف بالبيت على أن العرب تقول نسيته نسيانا ونسيا، كما تقول أتيته إتيانا وأتيا. وقوله معروفة: أنث الخبر بالتاء مع أن المبتدأ وهو الأتي مذكر، لكنه لما أضيف إلى الفواحش، وهي جمع فاحشة. اكتسب منها التأنيث فلذلك أنث الخبر بالتاء.]]
* *
وقوله ﴿مَنْسيًّا﴾
مفعول من نسيت الشيء كأنها قالت: ليتني كنت الشيء الذي ألقي، فترك ونسي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أخلق، ولم أك شيئا.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ يقول: نِسيا: نُسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ : أي شيئا لا يعرف ولا يذكر.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: لا أعرف ولا يدرى من أنا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس ﴿نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال: هو السقط.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ لم أكن في الأرض شيئًا قط.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوّل منهم إذا قرأه ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ كذلك؛ ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة ﴿فَنَادَاها مَنْ تَحْتَها﴾ وبفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه.
ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها المَلَك، حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت ابن عباس قرأ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: جبرائيل.
⁕ حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ، قال: الذي ناداها الملك.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
⁕ حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: جبرائيل.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ : أي من تحت النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبرائيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ .
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: المَلَك.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: جبرائيل كان أسفل منها.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها.
ذكر من قال: ناداها عيسى ﷺ: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ابن مريم.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ ابنها.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿فَنَادَاهَا﴾ عيسى ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ .
⁕ حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال عيسى: أما تسمع الله يقول ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ .
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى؛ ناداها ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حُدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحيّ، عن أبيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فردّه على الذي هو أقرب إليه أولى من ردّه على الذي هو أبعد منه. ألا ترى في سياق قوله ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ولم تشر إليه إن شاء الله ألا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها ﴿أَنْ لا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، ﴿وَمَنْ تَحْتَها﴾ بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكر من عيسى: وإذا قرئ ﴿مَنْ تَحْتَها﴾ بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى. فتأويل الكلام إذن: فناداها المولود من تحتها أن لا تحزني يا أمه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالسريّ في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: الجدول.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: الجدول.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وهو نهر عيسى.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: السريّ: النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سَرِيا.
⁕ حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْدِيّ، قال في هذه الآية ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: السريّ: نهر يُشرب منه.
⁕ حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: هو الجدول.
⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهر بالسريانية.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلى جنبها.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الجدول، فقال: غلبتنا عليك الأمراء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السريّ.
⁕ حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السريّ، قال: نهر.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الجدول، يعني قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية.
⁕ حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ الجدول الصغير من الأنهار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله ﴿سَرِيًّا﴾ قال: هو جدول.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ يعني ربيع الماء.
- حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: هو النهر.
وقال آخرون: عنى به عيسى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: عيسى نفسه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ يعني نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أتاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي﴾ من هذا الرطب ﴿وَاشْرَبي﴾ من هذا الماء ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير؛ ومنه قول لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّريّ وَصَدَّعا ... مَسْجُورَةٌ مُتَجاوِرًا قُلامُها [[البيت للبيد بن ربيعة العامري، من معلقته المشهورة (انظره في شرح الزوزني على المعلقات السبع، وفي شرح التبريزي على القصائد العشر، وفي جمهرة أشعار العرب ص ٦٣ - ٧٤) . قال صاحب الجمهرة: توسطا؛: أي دخلا وسطه. وعرض السري: أي ناحية النهر، وأهل الحجاز. يسمون النهر سريا. وصدعا: أي فرقا. ومسجورة: أي عينا مملوءة؛ قال الله تعالى: (والبحر المسجور) وأقلامها، ويروى قلامها، وهو ضرب من الشجر الحمض، والأقلام: قصب اليراع. وقال الزوزني يقول: فتو سط العير والأتان جانب النهر الصغير، وشقا عينا مملوءة ماء، قد تجاوز قلامها، أي قد كثر هذا الضرب من النبت عليها. وتحرير المعنى: أنهما قد ورد عينا ممتلئة ماء، فدخلا فيها من عرض نهرها، وقد تجاور نبتها. والشاهد في قوله " السري " وهو اسم للنهر الصغير.]]
ويُروى فينا [[كذا في المخطوطة بغير نقط، ولم نقف على هذه الرواية.]] مسجورة، ويُروى أيضًا: فغادرا.
* *
قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
ذكر أن الجذع كان جذعًا يابسًا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: حركيها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة.
⁕ حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيا فقال لها ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: النخلة.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، وأدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة؛ وكما قال ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ بمعنى: تنبت الدهن.
وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزِّي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك: وهزِّي إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر:
بِوَادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ... وأسْفَلُهُ بالمَرْخِ والشَّبَهانِ [[في (اللسان: سدر) السدر: شجر النبق، واحدتها سدرة. . . والمرخ: شجر كثير الورى سريعه. . وفي (اللسان: شبه) الشبهان: نبت يشبه الثمام، ويقال له الشبهان. قال ابن سيده: والشبهان (بالتحريك) والشبهان (بضمتين) : ضرب من العضاه؛ وقيل: هو الثمام، يمانية، حكاها ابن دريد. قال رجل من عبد القيس * بواد يمان ينبت الشث صدره *
. . . البيت. قال ابن بري قال أبو عبيدة: البيت للأحول اليشكري. واسمه يعلى. قال: وتقديره: وينبت أسفله المرخ. على أن تكون الباء زائدة.
وإن شئت قدرته: وينبت أسفله بالمرخ، فتكون الباء للتعدية. لما قدرت الفعل ثلاثيا. وفي الصحاح: الشبهان: هو الثمام من الرياحين. و (في اللسان: شث) الشث: ضرب من الشجر عن ابن دريد، وأنشد البيت: * بواد يمان ينبت الشث فرعه *
إلخ. وقيل: الشث: شجر طيب الريح، مر الطعم، يدبغ به. قال أبو الدقيش: وينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. والبيت شاهد على أن الباء في قوله " بالمرخ " زائدة، دخولها كخروجها وهي مثل الباء في قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة) . قال في (اللسان: هز) الهز: تحريك الشيء، كما تهز القناة، فتضطرب وتهز. وهزه يهزه هزا وهز به، وفي التنزيل العزيز: (وهزي إليك بجذع النخلة) أي حركي. والعرب تقول: هزه وهز به إذا حركه. ومثله: خذ الخطام، وخذ بالخطام، وتعلق زيدا وتعلق بزيد. قال ابن سيده: وإنما عداه بالباء، لأن في هزي معنى جري، (أمر من الجر) .]] واختلف القراء في قراءة قوله ﴿تَسَّاقَطُ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة ﴿تَسَّاقَطُ﴾ بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبًا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدّد [[عبارة الجلالين، بتاءين قبلت الثانية سينا وأدغمت في السين.]] وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبًا: وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة ﴿تَساقَطُ﴾ بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك ﴿يُساقِط﴾ بالياء.
⁕ حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبًا جنيا.
ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ﴿تُسْقِطُ﴾ بضمّ التاء وإسقاط الألف.
⁕ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيا.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني ﴿تَسَّاقَطُ﴾ بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاء أهل معرفة بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعًا مقطوعًا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط. عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.
* *
وقوله: ﴿جَنِيًّا﴾
يعني مجنيا؛ وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل؛ والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة؛ ومنه قول ابن أخت جذيمة:
هَذَا جَنَايَ وخِيارُهُ فِيهِ ... إذْ كُلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهْ [[البيت في (اللسان: جنى) قال: قال أبو عبيد: يضرب هذا مثلا للرجل يؤثر صاحبه بخيار ما عنده. قال أبو عبيد: وذكر ابن الكلبي أن المثل لعمرو بن عدي اللخي بن أخت جذيمة، وهو أول من قاله، وإن خذيمة نزل منزلا، وأمر الناس أن يجتنوا له الكمأة، فكان بعضهم يستأثر بخير ما يجد، ويأكل طيبها، وعمرو يأتيه بخير ما يجد، ولا يأكل منها شيئا، فلما أتى خاله جذيمة قال: هذا. . . البيت والجنى: ما يجنى من الشجر. ويروى * هذا جناي وهجانه فيه *
أي خياره. أه. وقال: وجنيت الثمر أجنيتها واجتنيتها: بمعنى. ابن سيده: جني الثمرة ونحوها وتجناها، كل ذلك: تناولها من شجرتها وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) ﴾
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوّل منهم إذا قرأه ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ كذلك؛ ومن متأوّل منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة ﴿فَنَادَاها مَنْ تَحْتَها﴾ وبفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه.
ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها المَلَك، حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت ابن عباس قرأ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: جبرائيل.
⁕ حدثني أحمد بن عبد الله أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْديّ، قال: الذي ناداها الملك.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
⁕ حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: فخاطبها من تحتها.
⁕ حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: جبرائيل.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ : أي من تحت النخلة.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبرائيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ .
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: المَلَك.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني: جبرائيل كان أسفل منها.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها.
ذكر من قال: ناداها عيسى ﷺ: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ابن مريم.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ ابنها.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿فَنَادَاهَا﴾ عيسى ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ .
⁕ حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال عيسى: أما تسمع الله يقول ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ .
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى؛ ناداها ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حُدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحيّ، عن أبيّ بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فردّه على الذي هو أقرب إليه أولى من ردّه على الذي هو أبعد منه. ألا ترى في سياق قوله ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ولم تشر إليه إن شاء الله ألا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها ﴿أَنْ لا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتجّ عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، ﴿وَمَنْ تَحْتَها﴾ بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكر من عيسى: وإذا قرئ ﴿مَنْ تَحْتَها﴾ بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى. فتأويل الكلام إذن: فناداها المولود من تحتها أن لا تحزني يا أمه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بالسريّ في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: الجدول.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: الجدول.
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ وهو نهر عيسى.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: السريّ: النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سَرِيا.
⁕ حدثني أبو حصين، قال: ثنا عَبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الأوْدِيّ، قال في هذه الآية ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: السريّ: نهر يُشرب منه.
⁕ حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: هو الجدول.
⁕ حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهر بالسريانية.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلى جنبها.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السريّ: الجدول، فقال: غلبتنا عليك الأمراء.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السريّ.
⁕ حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السريّ، قال: نهر.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الجدول، يعني قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ .
⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية.
⁕ حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ الجدول الصغير من الأنهار.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز.
⁕ حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله ﴿سَرِيًّا﴾ قال: هو جدول.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ يعني ربيع الماء.
- حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: هو النهر.
وقال آخرون: عنى به عيسى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ والسريّ: عيسى نفسه.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ يعني نفسه، قال: وأيّ شيء أسرى منه، قال: والذين يقولون: السريّ: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أتاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي﴾ من هذا الرطب ﴿وَاشْرَبي﴾ من هذا الماء ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بولدك، والسريّ معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير؛ ومنه قول لبيد:
فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّريّ وَصَدَّعا ... مَسْجُورَةٌ مُتَجاوِرًا قُلامُها [[البيت للبيد بن ربيعة العامري، من معلقته المشهورة (انظره في شرح الزوزني على المعلقات السبع، وفي شرح التبريزي على القصائد العشر، وفي جمهرة أشعار العرب ص ٦٣ - ٧٤) . قال صاحب الجمهرة: توسطا؛: أي دخلا وسطه. وعرض السري: أي ناحية النهر، وأهل الحجاز. يسمون النهر سريا. وصدعا: أي فرقا. ومسجورة: أي عينا مملوءة؛ قال الله تعالى: (والبحر المسجور) وأقلامها، ويروى قلامها، وهو ضرب من الشجر الحمض، والأقلام: قصب اليراع. وقال الزوزني يقول: فتو سط العير والأتان جانب النهر الصغير، وشقا عينا مملوءة ماء، قد تجاوز قلامها، أي قد كثر هذا الضرب من النبت عليها. وتحرير المعنى: أنهما قد ورد عينا ممتلئة ماء، فدخلا فيها من عرض نهرها، وقد تجاور نبتها. والشاهد في قوله " السري " وهو اسم للنهر الصغير.]]
ويُروى فينا [[كذا في المخطوطة بغير نقط، ولم نقف على هذه الرواية.]] مسجورة، ويُروى أيضًا: فغادرا.
* *
قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾
ذكر أن الجذع كان جذعًا يابسًا، وأمرها أن تهزّه، وذلك في أيام الشتاء، وهزّها إياه كان تحريكه.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: حركيها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: كان جذعًا يابسًا، فقال لها: هزّيه ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة.
⁕ حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء.
⁕ حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكان جذعا منها مقطوعا فهزّته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيا فقال لها ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزّي إليك بالنخلة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: النخلة.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قال: فقال عمرو: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، وأدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كما يقال: زوجتك فلانة، وزوّجتك بفلانة؛ وكما قال ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ بمعنى: تنبت الدهن.
وإنما تفعل العرب ذلك، لأن الأفعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كلّ فعل، فلذلك تدخل الباء في الأفعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزِّي إليك جذع النخلة، وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه وكذلك: وهزِّي إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر:
بِوَادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ... وأسْفَلُهُ بالمَرْخِ والشَّبَهانِ [[في (اللسان: سدر) السدر: شجر النبق، واحدتها سدرة. . . والمرخ: شجر كثير الورى سريعه. . وفي (اللسان: شبه) الشبهان: نبت يشبه الثمام، ويقال له الشبهان. قال ابن سيده: والشبهان (بالتحريك) والشبهان (بضمتين) : ضرب من العضاه؛ وقيل: هو الثمام، يمانية، حكاها ابن دريد. قال رجل من عبد القيس * بواد يمان ينبت الشث صدره *
. . . البيت. قال ابن بري قال أبو عبيدة: البيت للأحول اليشكري. واسمه يعلى. قال: وتقديره: وينبت أسفله المرخ. على أن تكون الباء زائدة.
وإن شئت قدرته: وينبت أسفله بالمرخ، فتكون الباء للتعدية. لما قدرت الفعل ثلاثيا. وفي الصحاح: الشبهان: هو الثمام من الرياحين. و (في اللسان: شث) الشث: ضرب من الشجر عن ابن دريد، وأنشد البيت: * بواد يمان ينبت الشث فرعه *
إلخ. وقيل: الشث: شجر طيب الريح، مر الطعم، يدبغ به. قال أبو الدقيش: وينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. والبيت شاهد على أن الباء في قوله " بالمرخ " زائدة، دخولها كخروجها وهي مثل الباء في قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة) . قال في (اللسان: هز) الهز: تحريك الشيء، كما تهز القناة، فتضطرب وتهز. وهزه يهزه هزا وهز به، وفي التنزيل العزيز: (وهزي إليك بجذع النخلة) أي حركي. والعرب تقول: هزه وهز به إذا حركه. ومثله: خذ الخطام، وخذ بالخطام، وتعلق زيدا وتعلق بزيد. قال ابن سيده: وإنما عداه بالباء، لأن في هزي معنى جري، (أمر من الجر) .]] واختلف القراء في قراءة قوله ﴿تَسَّاقَطُ﴾ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة والكوفة ﴿تَسَّاقَطُ﴾ بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبًا جنيا، ثم تُدغم إحدى التاءين في الأخرى فتشدّد [[عبارة الجلالين، بتاءين قبلت الثانية سينا وأدغمت في السين.]] وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبًا: وقرأ ذلك بعض قراء الكوفة ﴿تَساقَطُ﴾ بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشدّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة. ورُوي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك ﴿يُساقِط﴾ بالياء.
⁕ حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: وهزِّي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبًا جنيا.
ورُوي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه ﴿تُسْقِطُ﴾ بضمّ التاء وإسقاط الألف.
⁕ حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نَهِيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلى: تسقط النخلة عليك رطبًا جنيا.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني ﴿تَسَّاقَطُ﴾ بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قرّاء أهل معرفة بالقرآن، فبأيّ ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزّه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعًا مقطوعًا غير السديّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط. عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا.
* *
وقوله: ﴿جَنِيًّا﴾
يعني مجنيا؛ وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل؛ والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة؛ ومنه قول ابن أخت جذيمة:
هَذَا جَنَايَ وخِيارُهُ فِيهِ ... إذْ كُلُّ جانٍ يَدُهُ إلى فِيهْ [[البيت في (اللسان: جنى) قال: قال أبو عبيد: يضرب هذا مثلا للرجل يؤثر صاحبه بخيار ما عنده. قال أبو عبيد: وذكر ابن الكلبي أن المثل لعمرو بن عدي اللخي بن أخت جذيمة، وهو أول من قاله، وإن خذيمة نزل منزلا، وأمر الناس أن يجتنوا له الكمأة، فكان بعضهم يستأثر بخير ما يجد، ويأكل طيبها، وعمرو يأتيه بخير ما يجد، ولا يأكل منها شيئا، فلما أتى خاله جذيمة قال: هذا. . . البيت والجنى: ما يجنى من الشجر. ويروى * هذا جناي وهجانه فيه *
أي خياره. أه. وقال: وجنيت الثمر أجنيتها واجتنيتها: بمعنى. ابن سيده: جني الثمرة ونحوها وتجناها، كل ذلك: تناولها من شجرتها وعلى هذا استشهد المؤلف بالبيت.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) ﴾
يقول تعالى ذكره: فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من ماء السريّ الذي جعله ربك تحتك، لا تخشي جوعًا ولا عطشًا ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقول: وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني ونصبت العين لأنها هي الموصوفة بالقرار. وإنما معنى الكلام: ولتقرِر عينك بولدك، ثم حوّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنصبت العين إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير، نظير ما فعل بقوله ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم.
* *
وقوله ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾
ومنه قوله ﴿يُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ إنما هو يساقط عليك رطب الجذع، فحوّل الفعل إلى الجِذْع، في قراءة من قرأه بالياء. وفي قراءة من قرأ: ﴿تُساقِطْ﴾ بالتاء، معناه: يساقط عليك رطب النخلة، ثم حول الفعل إلى النخلة.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وقرِّي﴾
فأما أهل المدينة فقرءوه ﴿وَقَرِّي﴾ بفتح القاف على لغة من قال: قَرِرت بالمكان أَقَرّ به، وقَرِرت عينا، أقرّ به قُرورا، وهي لغة قريش فيما ذكر لي وعليها القراءة.
وأما أهل نجد فإنها تقول قررت به عينا أقر به قرارا وقررت بالمكان أقر به، فالقراءة على لغتهم: ﴿وَقِري عَيْنا﴾ بكسر القاف، والقراءة عندنا على لغة قريش بفتح القاف.
* *
وقوله ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾
يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شيء أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتكه ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ يقول: فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أُكَلِّم أحدًا من بني آدم اليوم ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾
وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ صمتا.
⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال: صمتا.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال: يعني بالصوم: الصمت.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن سليمان التيميّ، قال: سمعت أنسا قرأ ﴿وإنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْما وَصَمْتا﴾ .
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أما قوله ﴿صَوْما﴾ فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام، إلا مِن ذكر الله، فقال لها ذلك، فقالت: إني أصوم من الكلام كما أصوم مِنْ الطعام، إلا من ذكر الله؛ فلما كلموها أشارت إليه، فقالوا ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم فقال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ حتى بلغ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ .
واختلفوا في السبب الذي من أجله أمرها بالصوم عن كلام البشر، فقال بعضهم: أمرها بذلك لأنه لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة، وذلك أنها جاءت وهي أيِّم بولد بالكفّ عن الكلام ليكفيها فأمرت الكلام ولدها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدّقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد لما قال عيسى لمريم ﴿لا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله كلام عيسى لأمه.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فإني سأكفيك الكلام.
وقال آخرون: إنما كان ذلك آية لمريم وابنها.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال في بعض الحروف: صمتا وذلك إنك لا تلقى امرأة جاهلة تقول: نذرت كما نذرت مريم، ألا تكلم يومًا إلى الليل، وإنما جعل الله تلك آية لمريم ولابنها، ولا يحلّ لأحد أن ينذر صمت يوم إلى الليل.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فقرأ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وكانت تقرأ في الحرف الأوّل: صمتا، وإنما كانت آية بعثها الله لمريم وابنها.
وقال آخرون: بل كانت صائمة في ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأذن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يكلمك ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) ﴾
يقول تعالى ذكره:
فلما قال ذلك عيسى لأمه اطمأنت نفسها، وسلَّمت لأمر الله، وحملته حتى أتت به قومها.
كما:-
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: أنساها يعنى مريم كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمع من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلَّمها، يعني عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتملته ثم أقبلت به إلى قومها.
وقال السديّ في ذلك ما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدّون، فدعوها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ .
* *
وقوله ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره: فلما رأوا مريم، ورأوا معها الولد الذي ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثت حدثا عظيما. وكل عامل عملا أجاده وأحسنه فقد فراه، كما قال الراجز:
قَدْ أَطْعَمَتنِي دَقَلا حُجْرِيًّا ... قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيَّا [[في (اللسان: دقل) : الدقل من التمر: معروف، قيل: هو أردأ أنواعه. وفي (اللسان: فرى) : التهذيب: ويقال للرجل إذا كان جادًّا في الأمر قويا: تركته يفري الفرى ويقد. والعرب تقول: تركته يفري الفرى: إذا عمل العمل أو السقي فأجاد. . . وأنشد الفراء لزرارة بن صعب يخاطب العامرية: قَدْ أطْعَمَتْنِي دَقَلا حَوْليًّا ... مُسَوَّسًا مُدَوَّدًا حَجْرِيًّا
قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الفَرِيَّا
أي كنت تكثرين في القول وتعظمينه. يقال: فلان يفري الفرى: إذا يأتي بالعجب في عمله.
ثم قال: وفي التنزيل العزيز في قصة مريم: (لقد جئت شيئا فريا) . قال الفراء: الفري الأمر العظيم، أي جئت شيئا عظيما. وقيل: جئت شيئا فريا: أي مصنوعا مختلقا.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ﴿فَرِيًّا﴾ قال: عظيما.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قال: عظيما.
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) قال: عظيما.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما رأوها ورأوه معها، قالوا: يا مريم ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ : أي الفاحشة غير المقاربة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) ﴾
اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنهم نسبوا مريم إلى أنها أخته، فقال بعضهم: قيل لها ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ نسبة منهم لها إلى الصلاح، لأن أهل الصلاح فيهم كانوا يسمون هارون، وليس بهارون أخي موسى.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: كان رجلا صالحًا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبَّهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ قال: كانت من أهل بيت يُعرفون بالصلاح، ولا يُعرفون بالفساد ومن الناس من يُعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعبا قال: إن قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين، إن كان النبيّ ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستّ مئة سنة، قال: فسكتت.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: اسم واطأ اسما، كم بين هارون وبينهما من الأمم أمم كثيرة.
⁕ حدثنا أبو كريب وابن المثنى وسفيان وابن وكيع وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي، قال: سمعت أبي يذكر عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران، فقالوا لي: ألستم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ؟ قلت: بلى وقد علمتم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته، فقال: "ألا أخْبَرْتَهُمْ أنَّهُمْ كانُوا يُسَمّونَ بأنْبِيائِهمْ والصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ".
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبيّ ﷺ في بعض حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيك يزعم أن هارون أخو مريم هو أخو موسى؟ فلم أدر ما أردّ عليهم حتى رجعت إلى النبي ﷺ، فذكرت له ذلك، فقال: "إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّون بأسْماءِ مَنْ كانَ قَبْلَهُمْ".
وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته لأنها من ولده، يقال للتميميّ: يا أخا تميم، وللمُضَرِيّ: يا أخا مُضَر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: كانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بني فلان.
وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقا معلن الفسق، فنسبوها إليه.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه، وأنها نسبت إلى رجل من قومها.
* *
وقوله ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾
يقول: ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ يقول: وما كانت أمك زانية.
كما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ قال: زانية. وقال ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ولم يقل: بغيَّة، لأن ذلك مما يوصف به النساء دون الرجال، فجرى مجرى امرأة حائض وطالق، وقد كان بعضهم يشبه ذلك بقولهم: ملحفة جديدة وامرأة قتيل.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.
كما:-
⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما قالوا لها ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ قال: أمرتهم بكلامه.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ يقول: أشارت إليه أن كلِّموه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أن كَلِّموه.
* *
وقوله ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾
يقول تعالى ذكره، قال قومها لها: كيف نكلم من وُجد في المهد؟ وكان في قوله ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ معناها التمام، لا التي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى بكان التي في قوله ﴿هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا﴾ وإنما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟ وهل وجدت أو بعثت؛ وكما قال زهير بن أبي سُلْمَى:
زَجَرْتُ علَيْهِ حُرَّةً أرْحَبِيَّةً ... وَقَدْ كَانَ لَوْنُ اللَّيْلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ [[البيت في (ديوان زهير بن أبي سلمى. طبعة دار الكتب المصرية بشرح أبي العباس ثعلب، ص ٣٢٣) ورواية الأصل: أجرت تحريف. وقوله عليه: على ذلك الطريق. وحرة كريمة وأرحبية: منسوبة إلى أرحب، وأرحب بطن من همدان، تنسب إليهم النجائب الأرحبية، وقيل هو موضع. وقال الأزهري: يحتمل أن يكون أرحب فحلا تنسب إليه النجائب لأنها من نسله والأرندج واليرندج: السواد يسود به الخف، أو هو الجلد الأسود. أي زجرت على هذا الطريق هذه الناقة. والليل أسود مثل الأرندج.]]
بمعنى: وقد صار أو وُجد. وقيل: إنه عنى بالمهد في هذا الموضع: حجر أمه.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ والمهد: الحجر.
قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم، قال عيسى لها متكلمًا عن أمه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ . وكانوا حين أشارت لهم إلى عيسى فيما ذُكر عنهم غضبوا.
كما:-
⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبيّ أشدّ علينا من زناها ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم عيسى عنها فقال لهم ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ... الآية.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ لَهُمُ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ فقالوا: إن هذا لأمر عظيم.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ لم يتكلم عيسى إلا عند ذلك حين ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾
وقوله ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾
يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخلق في بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظنّ، وإنما معناه: وقضى يوم قضى أمور خلقه إليّ أن يؤتيني الكتاب.
كما:-
⁕ حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك، يعني ابن مخلد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما مضى.
⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: القضاء.
⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: قضى أن يؤتيني الكتاب.
* *
وقوله ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾
وقد بيَّنت معنى النبيّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
وكان مجاهد يقول في معنى النبيّ وحده ما:-
⁕ حدثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: النبيّ وحده الذي يكلم وينزل عليه الوحي ولا يرسل.
* *
وقوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلني نفاعا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليث، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ قال: نفاعا.
وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، قال: سمعت وُهَيْب ابن ابن الورد مولى بني مخزوم، قال: لقي عالم عالما لما هو فوقه في العلم، قال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من علمي، قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.
وقال آخرون معنى ذلك: جعلني معلم الخير.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلما للخير.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلمًا للخير حيثما كنت.
* *
وقوله ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾
يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعنى المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليّ. وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي.
* *
وقوله ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾
يقول: ما كنت حيا في الدنيا موجودا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب، لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدّخر شيئا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكلّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.