John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Maryam

Tafsir al-Tabari · Mary · 98 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) ﴾

يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم، قال عيسى لها متكلمًا عن أمه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ . وكانوا حين أشارت لهم إلى عيسى فيما ذُكر عنهم غضبوا.

كما:-

⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبيّ أشدّ علينا من زناها ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ .

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم عيسى عنها فقال لهم ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ... الآية.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ لَهُمُ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ فقالوا: إن هذا لأمر عظيم.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ لم يتكلم عيسى إلا عند ذلك حين ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾

وقوله ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾

يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخلق في بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظنّ، وإنما معناه: وقضى يوم قضى أمور خلقه إليّ أن يؤتيني الكتاب.

كما:-

⁕ حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك، يعني ابن مخلد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما مضى.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: القضاء.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، في قوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال: قضى أن يؤتيني الكتاب.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾

وقد بيَّنت معنى النبيّ واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

وكان مجاهد يقول في معنى النبيّ وحده ما:-

⁕ حدثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: النبيّ وحده الذي يكلم وينزل عليه الوحي ولا يرسل.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾

اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلني نفاعا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليث، عن ليث، عن مجاهد ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ قال: نفاعا.

وقال آخرون: كانت بركته الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، قال: سمعت وُهَيْب ابن ابن الورد مولى بني مخزوم، قال: لقي عالم عالما لما هو فوقه في العلم، قال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من علمي، قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.

وقال آخرون معنى ذلك: جعلني معلم الخير.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان في قوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلما للخير.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ قال: معلمًا للخير حيثما كنت.

* *

وقوله ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾

يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعنى المحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها عليّ. وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤدّيها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب؛ فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي.

* *

وقوله ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾

يقول: ما كنت حيا في الدنيا موجودا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب، لأن الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدّخر شيئا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكلّ ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجهًا صحيحًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: مخبرا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركا وبرًّا: أي جعلني برًّا بوالدتي. والبرّ هو البارّ، يقال: هو برّ بوالده، وبارّ به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قرّاء الأمصار. ورُوِي عن أبي نهيك ما:-

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ من قول عيسى عليه السلام، قال أبو نهيك: أوصاني بالصلاة والزكاة والبرّ بالوالدين، كما أوصاني بذلك.

فكأنّ أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بمعنى عمل الوصية فيه، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما.

* *

وقوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾

يقول: ولم يجعلني مستكبرًا على الله فيما أمرني به، ونهاني عنه، شقيا، ولكن ذللني لطاعته، وجعلني متواضعا.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإن قلبي ليِّن، وإني صغير في نفسي مما أعطاه الله من التواضع.

⁕ وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويُبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهنّ، وأذن له فيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به، فقال نبيّ الله ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقا إلا وجدته جبارًا شقيا. ثم قرأ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ قال: ولا تجد سيئ المِلْكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ .

* *

وقوله ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾

يقول: والأمنة من الله عليّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.

كما:-

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قال: يخبرهم في قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يُبْعث حيا، يقول الله تبارك وتعالى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: مخبرا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركا وبرًّا: أي جعلني برًّا بوالدتي. والبرّ هو البارّ، يقال: هو برّ بوالده، وبارّ به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قرّاء الأمصار. ورُوِي عن أبي نهيك ما:-

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك أنه قرأ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ من قول عيسى عليه السلام، قال أبو نهيك: أوصاني بالصلاة والزكاة والبرّ بالوالدين، كما أوصاني بذلك.

فكأنّ أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البرّ بمعنى عمل الوصية فيه، لأن الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما.

* *

وقوله ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾

يقول: ولم يجعلني مستكبرًا على الله فيما أمرني به، ونهاني عنه، شقيا، ولكن ذللني لطاعته، وجعلني متواضعا.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإن قلبي ليِّن، وإني صغير في نفسي مما أعطاه الله من التواضع.

⁕ وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويُبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهنّ، وأذن له فيهنّ، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به، فقال نبيّ الله ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقا إلا وجدته جبارًا شقيا. ثم قرأ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ قال: ولا تجد سيئ المِلْكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ .

* *

وقوله ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾

يقول: والأمنة من الله عليّ من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.

كما:-

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قال: يخبرهم في قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يُبْعث حيا، يقول الله تبارك وتعالى ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: هذا الذي بيَّنت لكم صفته، وأخبرتكم خبره، من أمر الغلام الذي حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ يعني أن هذا الخبر الذي قصصته عليكم قول الحقّ، والكلام الذي تلوته عليكم قول الله وخبره، لا خبر غيره، الذي يقع فيه الوهم والشكّ، والزيادة والنقصان، على ما كان يقول الله تعالى ذكره: فقولوا في عيسى أيها الناس، هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود، الذين زعموا أنه لغير رشدة، وأنه كان ساحرًا كذّابا، ولا ما قالته النصارى، من أنه كان لله ولدا، وإن الله لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي ذلك له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ قال: الله الحقّ.

⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبد الله، قال: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ، قال: كلم الله.

ولو وُجِّه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى ابن مريم القول الحقّ، بمعنى ذلك القول الحقّ، ثم حذفت الألف واللام من القول، وأضيف إلى الحقّ، كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ.﴾ وكما قيل: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ كان تأويلا صحيحًا.

وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الحجاز والعراق ﴿قَوْلُ الحَقّ﴾ برفع القول على ما وصفت من المعنى. وجعلوه في إعرابه تابعًا لعيسى، كالنعت له، وليس الأمر في إعرابه عندي على ما قاله الذين زعموا أنه رفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة، على ما ذكرنا عن إبراهيم من تأويله ذلك كذلك، فيصحّ حينئذ أن يكون نعتا لعيسى، وإلا فرفعه عندي بمضمر، وهو هذا قول الحقّ على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ثم ابتدأ الخبر بأن الحق فيما فيه تمتري الأمم من أمر عيسى، هو هذا القول، الذي أخبر الله به عنه عباده، دون غيره، وقد قرأ ذلك عاصم بن أبي النجود وعبد الله بن عامر بالنصب، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولا حقا، ثم أدخلت فيه الألف واللام، وأما ما ذُكر عن ابن مسعود من قراءته ﴿ذلكَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ قالُ الحقّ﴾ فإنه بمعنى قول الحقّ، مثل العاب والعيب، والذام والذيم.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وأما قوله تعالى ذكره: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فإنه يعني: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: ماريت فلانا: إذا جادلته وخاصمته.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ امترت فيه اليهود والنصارى؛ فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذّاب؛ وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، فال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اختلفوا؛ فقالت فرفة: هو عبد الله ونبيه، فآمنوا به. وقالت فرقة: بل هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. تبارك وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرا، قال: فذلك قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ والتي في الزخرف، قال دِقْيوس ونسطور ومار يعقوب، قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله، وقال الآخر: ابن الله، وقال الآخر: كلمة الله وعبده، فقال المفتريان: إن قولي هو أشبه بقولك، وقولك بقولي من قول هذا، فهلمّ فلنقاتلهم، فقاتلوهم وأوطئوهم إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلّ قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رُفِع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى؛ قال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا، فظهر على المسلمين، وذلك قول الله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ قال قتادة: هم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ﴾ اختلفوا فيه فصاروا أحزابا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وأعظموا الفِرية عليه، فما ينبغي لله أن يتخذ ولدا، ولا يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شيء دونه فخلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر:

فِي رأسِ خَلْقَاءَ مِنْ عَنقاءَ مُشْرِفَةٍ ... لا يُبْتَغَى دُونها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ [[البيت لعمر بن أحمر. (اللسان: عنق) قال: وأما قول ابن أحمر: فِي رأْسِ خَلْقاءَ مِنْ عَنْقَاءَ مُشْرِفَةٍ ... لا يُبْتَغَى دُونَها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ

فإنه يصف جبلا، يقول: لا ينبغي أن يكون فوقها سهل ولا جبل أحصن منها. أه. قلت: والخلقاء: الصخرة الملساء. العنقاء: البعيدة في السماء. والمشرفة: العالية. ورواية الشطر الثاني في الأصل * ما ينبغي دونها سهل ولا جبل *

.]]

وأن من قوله ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في موضع رفع بكان.

* *

وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾

يقول: تنزيهًا لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله. وقوله إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يقول جل ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول، إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه: كن فيكون موجودا حادثا، لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدّة.

* *

وقوله ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾

اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والبصرة ﴿وأنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبكُمْ﴾ واختلف أهل العربية في وجه فتح "أن" إذا فتحت، فقال بعض نحوييّ الكوفة: فُتحت ردّا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أن الله ربي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ قال: ولو فتحت على قوله ﴿وَأَوْصَانِي﴾ بأن الله، كان وجها. وكان بعض البصريين يقول: وذُكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل ﴿وَقَضَى﴾ أن الله ربي وربُّكم. وكانت عامّة قرّاء الكوفيين يقرءونه ﴿وَإنَّ الله﴾ بكسر إن بمعنى النسق على قوله ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ . وذُكر عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤه ﴿فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بغير واو.

قال أبو جعفر: والقراءة التي نختار في ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع، وقد يجوز أن يكون عطفا على "إن" التي مع قوله ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ... وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ ولو قال قائل، ممن قرأ ذلك نصبا: نصب على العطف على الكتاب، بمعنى: آتاني الكتاب، وأتاني أن الله ربي وربكم، كان وجها حسنا. ومعنى الكلام: وإني وأنتم أيها القوم جميعا لله عبيد، فإياه فاعبدوا دون غيره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره.

* *

وقوله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وأعظموا الفِرية عليه، فما ينبغي لله أن يتخذ ولدا، ولا يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شيء دونه فخلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر:

فِي رأسِ خَلْقَاءَ مِنْ عَنقاءَ مُشْرِفَةٍ ... لا يُبْتَغَى دُونها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ [[البيت لعمر بن أحمر. (اللسان: عنق) قال: وأما قول ابن أحمر: فِي رأْسِ خَلْقاءَ مِنْ عَنْقَاءَ مُشْرِفَةٍ ... لا يُبْتَغَى دُونَها سَهْلٌ وَلا جَبَلُ

فإنه يصف جبلا، يقول: لا ينبغي أن يكون فوقها سهل ولا جبل أحصن منها. أه. قلت: والخلقاء: الصخرة الملساء. العنقاء: البعيدة في السماء. والمشرفة: العالية. ورواية الشطر الثاني في الأصل * ما ينبغي دونها سهل ولا جبل *

.]]

وأن من قوله ﴿أَنْ يَتَّخِذَ﴾ في موضع رفع بكان.

* *

وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾

يقول: تنزيهًا لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله. وقوله إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يقول جل ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ لأنه كذلك يبتدع الأشياء ويخترعها، إنما يقول، إذا قضى خلق شيء أو إنشاءه: كن فيكون موجودا حادثا، لا يعظم عليه خلقه، لأنه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدّة.

* *

وقوله ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾

اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل المدينة والبصرة ﴿وأنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبكُمْ﴾ واختلف أهل العربية في وجه فتح "أن" إذا فتحت، فقال بعض نحوييّ الكوفة: فُتحت ردّا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أن الله ربي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ قال: ولو فتحت على قوله ﴿وَأَوْصَانِي﴾ بأن الله، كان وجها. وكان بعض البصريين يقول: وذُكر ذلك أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل ﴿وَقَضَى﴾ أن الله ربي وربُّكم. وكانت عامّة قرّاء الكوفيين يقرءونه ﴿وَإنَّ الله﴾ بكسر إن بمعنى النسق على قوله ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ . وذُكر عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرؤه ﴿فإنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ إنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بغير واو.

قال أبو جعفر: والقراءة التي نختار في ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع، وقد يجوز أن يكون عطفا على "إن" التي مع قوله ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ... وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ ولو قال قائل، ممن قرأ ذلك نصبا: نصب على العطف على الكتاب، بمعنى: آتاني الكتاب، وأتاني أن الله ربي وربكم، كان وجها حسنا. ومعنى الكلام: وإني وأنتم أيها القوم جميعا لله عبيد، فإياه فاعبدوا دون غيره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره.

* *

وقوله ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

يقول: هذا الذي أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لأنه دين الله الذي أمر به أنبياءه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابا متفرّقين من بين قومه.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال: أهل الكتاب.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ ذُكر لنا أن لما رُفع ابن مريم، انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم، فقالوا للأوّل: ما تقول في عيسى؟ قال: هو الله هبط إلى الأرض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صَعِد إلى السماء، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى؛ وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى؟ قال: هو ابن الله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت النَّسطورية من النصارى؛ وقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت الإسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه؛ فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: أنشدُكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يَطعم الطعام، وأن الله تبارك وتعالى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهمّ نعم، قال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام؟ قالوا: اللهمّ نعم، قال فخصمهم المسلم؛ قال: فاقتتل القوم. قال: فذُكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ اختلفوا فيه فصاروا أحزابا.

* *

وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

يقول: فوادي جهنم الذي يدعى ويلا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أن عيسى لله ولد، وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يومًا عظيما شأنه، وذلك يوم القيامة.

وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ شهدوا هولا إذا عظيما.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) ﴾

يقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادا، والزاعمين أن له ولدا يوم ورودهم عليه في الآخرة: لئن كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحقّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلّ على وحدانيته، صما عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وأبصرهم يومئذ حين لا ينفعهم الإبصار والسماع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ذاك والله يوم القيامة، سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر.

⁕ حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتاده، في قوله ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ قال: أسمعُ قومٍ وأبصرُهُم.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يوم القيامة.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: ﴿أسمِعْ﴾ بحديثهم اليوم ﴿وأبْصِرْ﴾ كيف يصنع بهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ .

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ قال: هذا يوم القيامة، فأما الدنيا فلا كانت على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر في الدنيا؛ فلما كان يوم القيامة أبصروا وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ .

* *

وقوله ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

يقول تعالى ذكره: لكن الكافرون الذين أضافوا إليه ما ليس من صفته، وافتروا عليه الكذب اليوم في الدنيا، في ضلال مبين: يقول: في ذهاب عن سبيل الحقّ، وأخذ على غير استقامة، مبين أنه جائر عن طريق الرشد والهدى، لمن تأمله وفكر فيه، فهدي لرشده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وأنذر يا محمد هؤلاء المشركين بالله يوم حسرتهم وندمهم، على ما فرّطوا في جنب الله، وأورثت مساكنهم من الجنة أهل الإيمان بالله والطاعة له، وأدخلوهم مساكن أهل الإيمان بالله من النار، وأيقن الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا موت بعدها، فيا لها حسرةً وندامة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سَلَمة بن كُهَيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها، قال: " ما من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعدّه الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم".

⁕ حدثنا أبو السائب، قال: ثنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "يُجاءُ بالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُوقَفُ بينَ الجَنَّةِ والنَّار كأنَّه كَبْشٌ أمْلَح، ُ قال: فَيُقَالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرئِبُّونَ وَيَنْظُرُون، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، فَيُقَالُ: يا أهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فيقُولُونَ نَعَمْ هَذَا المَوْتُ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، قال: فَيَقُول: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده في الدنيا".

⁕ حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: "يُنَادَى: يَا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُونَ، فَيَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُنَادَى: يا أهْلَ النَّار فَيَشْرَئِبُّونَ فَيَنْظُرُونَ، فَيُقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ المَوْتَ؟ قال: فَيَقُولُونَ: لا قال: فَيُجَاءُ بِالمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُقالُ: هَذَا المَوْتُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ فَيُذْبَحُ، قالَ: ثُمَّ يُنَادِي يا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، وَيَا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ"، قال: ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يصور الله الموت في صورة كبش أملح، فيذبح، قال: فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، وفيها أيضًا الفزع الأكبر، ويأمل أهل الجنة الموت، فلا يخشونه، وأمنوا الموت، وهو الفزع الأكبر، لأنهم يخلدون في الجنة، قال ابن جريج: يحشر أهل النار حين يذبح الموت والفريقان ينظرون، فذلك قوله ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ قال: ذبح الموت ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ .

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبيه أنه أخبره أنه سمع عبيد بن عمير في قصصه يقول: يؤْتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) قال: يوم القيامة، وقرأ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ .

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذّره عباده.

* *

وقوله ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾

يقول: إذ فُرِغَ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها، ولأهل الجنة بمقام الأبد فيها، بذبح الموت.

* *

وقوله ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾

يقول: وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم، من تخليده إياهم في جهنم، وتوريثه مساكنهم من الجنة غيرهم ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: وهم لا يصدقون بالقيامة والبعث، ومجازاة الله إياهم على سيئ أعمالهم، بما أخبر أنه مجازيهم به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين لك يا محمد فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه: ﴿واذْكُرْ﴾ يا محمد في كتاب الله ﴿إِبراهيمِ﴾ خليل الرحمن، فاقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ يقول: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب، والصدّيق هو الفعيل من الصدق.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ﴿نَبِيًّا﴾ يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إليه.

* *

وقوله ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ﴾

يقول: اذكره حين قال لأبيه (يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ) يقول: ما تصنع بعبادة الوَثَن الذي لا يسمع ﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ شيئا ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يقول: ولا يدفع عنك ضرّ شيء، إنما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع، يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك.

واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله ﴿يا أبَتِ﴾ فكان بعض نحوييّ أهل البصرة يقول: إذا وقفت عليها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نحو قولك: يا أمه، ثم يقال: يا أم إذا وصل، ولكنه لما كان الأب على حرفين، كان كأنه قد أُخِلّ به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنيث، ويجوز الترخيم من أيا أب أقبل، لأنه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما، نحو قول العرب: يا ربّ اغفر لي، وتقف في القرآن: يا أبة في الكتاب.

وقد يقف بعض العرب على الهاء بالتاء. وقال بعض نحويي الكوفة: الهاء مع أبة وأمة هاء وقف، كثرت في كلامهم حتى صارت كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها الإضافة، فمن طلب الإضافة، فهي بالتاء لا غير، لأنك تطلب بعدها الياء، ولا تكون الهاء حينئذ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقف بالهاء، لأنه لا يطلب بعدها ياء؛ ومن قال: يا أبتا، فإنه يقف عليها بالتاء، ويجوز بالهاء؛ فأما بالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقف بالهاء بعيد، إلا فيمن قال: "يا أميمةَ ناصبِ [[هذا جزء من بيت للنابغة (سبق الاستشهاد به في ١٤: ٢١) وهو: كِلِيني لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ ناصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءُ الكَوَاكِبِ

.]]

" فجعل هذه الفتحة من فتحة الترخيم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا بعيد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين لك يا محمد فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه: ﴿واذْكُرْ﴾ يا محمد في كتاب الله ﴿إِبراهيمِ﴾ خليل الرحمن، فاقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ يقول: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب، والصدّيق هو الفعيل من الصدق.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ﴿نَبِيًّا﴾ يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إليه.

* *

وقوله ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ﴾

يقول: اذكره حين قال لأبيه (يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ) يقول: ما تصنع بعبادة الوَثَن الذي لا يسمع ﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ شيئا ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يقول: ولا يدفع عنك ضرّ شيء، إنما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع، يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك.

واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله ﴿يا أبَتِ﴾ فكان بعض نحوييّ أهل البصرة يقول: إذا وقفت عليها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نحو قولك: يا أمه، ثم يقال: يا أم إذا وصل، ولكنه لما كان الأب على حرفين، كان كأنه قد أُخِلّ به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنيث، ويجوز الترخيم من أيا أب أقبل، لأنه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما، نحو قول العرب: يا ربّ اغفر لي، وتقف في القرآن: يا أبة في الكتاب.

وقد يقف بعض العرب على الهاء بالتاء. وقال بعض نحويي الكوفة: الهاء مع أبة وأمة هاء وقف، كثرت في كلامهم حتى صارت كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها الإضافة، فمن طلب الإضافة، فهي بالتاء لا غير، لأنك تطلب بعدها الياء، ولا تكون الهاء حينئذ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقف بالهاء، لأنه لا يطلب بعدها ياء؛ ومن قال: يا أبتا، فإنه يقف عليها بالتاء، ويجوز بالهاء؛ فأما بالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقف بالهاء بعيد، إلا فيمن قال: "يا أميمةَ ناصبِ [[هذا جزء من بيت للنابغة (سبق الاستشهاد به في ١٤: ٢١) وهو: كِلِيني لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ ناصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءُ الكَوَاكِبِ

.]]

" فجعل هذه الفتحة من فتحة الترخيم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا بعيد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين لك يا محمد فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه: ﴿واذْكُرْ﴾ يا محمد في كتاب الله ﴿إِبراهيمِ﴾ خليل الرحمن، فاقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه، ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ يقول: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب، والصدّيق هو الفعيل من الصدق.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ﴿نَبِيًّا﴾ يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إليه.

* *

وقوله ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ﴾

يقول: اذكره حين قال لأبيه (يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ) يقول: ما تصنع بعبادة الوَثَن الذي لا يسمع ﴿وَلا يُبْصِرُ﴾ شيئا ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يقول: ولا يدفع عنك ضرّ شيء، إنما هو صورة مصوّرة لا تضرّ ولا تنفع، يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضرّ دفع عنك.

واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله ﴿يا أبَتِ﴾ فكان بعض نحوييّ أهل البصرة يقول: إذا وقفت عليها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نحو قولك: يا أمه، ثم يقال: يا أم إذا وصل، ولكنه لما كان الأب على حرفين، كان كأنه قد أُخِلّ به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنيث، ويجوز الترخيم من أيا أب أقبل، لأنه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما، نحو قول العرب: يا ربّ اغفر لي، وتقف في القرآن: يا أبة في الكتاب.

وقد يقف بعض العرب على الهاء بالتاء. وقال بعض نحويي الكوفة: الهاء مع أبة وأمة هاء وقف، كثرت في كلامهم حتى صارت كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها الإضافة، فمن طلب الإضافة، فهي بالتاء لا غير، لأنك تطلب بعدها الياء، ولا تكون الهاء حينئذ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقف بالهاء، لأنه لا يطلب بعدها ياء؛ ومن قال: يا أبتا، فإنه يقف عليها بالتاء، ويجوز بالهاء؛ فأما بالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقف بالهاء بعيد، إلا فيمن قال: "يا أميمةَ ناصبِ [[هذا جزء من بيت للنابغة (سبق الاستشهاد به في ١٤: ٢١) وهو: كِلِيني لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ ناصِبِ ... ولَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءُ الكَوَاكِبِ

.]]

" فجعل هذه الفتحة من فتحة الترخيم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا بعيد.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه: يا أبت إني قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك فاتبعني: يقول: فاقبل مني نصيحتي ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ يقول: أبصرك هدى الطريق المستوي الذي لا تضلّ فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا، والعصيّ هو ذو العصيان، كما العليم ذو العلم، وقد قال قوم من أهل العربية: العصيّ: هو العاصي، والعليم هو العالم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تميم العنبريّ:

أو كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثُوا إليَّ عَرِيفُهُمْ يَتَوَسَّمُ [[البيت في (اللسان: عرف) ونسبه إلى طريف بن مالك العنبري، وقيل طريف بن عمرو. قال: والعريف والعارف بمعنى، مثل عليم وعالم. وقال سيويه: هو فعيل بمعنى فاعل، كقولهم ضريب قداح. والجمع عرفاء.]]

وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) ﴾

يقول: يا أبت إني أعلم انك إن متّ على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال أبو إبراهيم لإبراهيم، حين دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وترك عبادة الشيطان، والبراءة من الأوثان والأصنام ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيم عن عبادة آلهتي؟ ﴿لئن﴾ أنت ﴿لم تنته﴾ عن ذكرها بسوء ﴿لأرجمنك﴾ يقول: لأرجمنك بالكلام، وذلك السبّ، والقول القبيح.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمة والقول.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال: بالقول؛ لأشتمنك.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ يعني: رجم القول.

وأما قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: واهجرني حينا طويلا ودهرا. ووجهَّوا معنى الملّي إلى المُلاوة من الزمان، وهو الطويل منه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَلِيًّا﴾ قال حينا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: طويلا.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: زمانا طويلا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: دهرا، والدهر المليّ.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجرني سويا سليما من عقوبتي إياك، ووجَّهوا معنى المليّ إلى قول الناس: فلان مليّ بهذا الأمر: إذا كان مضطلعا به غنيا فيه. وكأن معنى الكلام كان عندهم: واهجرني وعرضك وافر من عقوبتي، وجسمك معافى من أذاي.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: اجتنبني سَوِيًّا.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: اجتنبني سالما قبل أن يصيبك مني عقوبة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثير بن درهم أبو غسان، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عطية الجدلي ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ اجتنبني سالما لا يصيبك مني معرّة.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرني سويا، سلما من عقوبتي، لأنه عقيب قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيئ، والذي هو أولى بأن يتبع ذلك التقدّم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا، والعصيّ هو ذو العصيان، كما العليم ذو العلم، وقد قال قوم من أهل العربية: العصيّ: هو العاصي، والعليم هو العالم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تميم العنبريّ:

أو كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثُوا إليَّ عَرِيفُهُمْ يَتَوَسَّمُ [[البيت في (اللسان: عرف) ونسبه إلى طريف بن مالك العنبري، وقيل طريف بن عمرو. قال: والعريف والعارف بمعنى، مثل عليم وعالم. وقال سيويه: هو فعيل بمعنى فاعل، كقولهم ضريب قداح. والجمع عرفاء.]]

وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) ﴾

يقول: يا أبت إني أعلم انك إن متّ على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال أبو إبراهيم لإبراهيم، حين دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وترك عبادة الشيطان، والبراءة من الأوثان والأصنام ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيم عن عبادة آلهتي؟ ﴿لئن﴾ أنت ﴿لم تنته﴾ عن ذكرها بسوء ﴿لأرجمنك﴾ يقول: لأرجمنك بالكلام، وذلك السبّ، والقول القبيح.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمة والقول.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال: بالقول؛ لأشتمنك.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ يعني: رجم القول.

وأما قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: واهجرني حينا طويلا ودهرا. ووجهَّوا معنى الملّي إلى المُلاوة من الزمان، وهو الطويل منه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَلِيًّا﴾ قال حينا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: طويلا.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: زمانا طويلا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: دهرا، والدهر المليّ.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجرني سويا سليما من عقوبتي إياك، ووجَّهوا معنى المليّ إلى قول الناس: فلان مليّ بهذا الأمر: إذا كان مضطلعا به غنيا فيه. وكأن معنى الكلام كان عندهم: واهجرني وعرضك وافر من عقوبتي، وجسمك معافى من أذاي.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: اجتنبني سَوِيًّا.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: اجتنبني سالما قبل أن يصيبك مني عقوبة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثير بن درهم أبو غسان، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عطية الجدلي ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ اجتنبني سالما لا يصيبك مني معرّة.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرني سويا، سلما من عقوبتي، لأنه عقيب قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيئ، والذي هو أولى بأن يتبع ذلك التقدّم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) ﴾

يقول تعالى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا، والعصيّ هو ذو العصيان، كما العليم ذو العلم، وقد قال قوم من أهل العربية: العصيّ: هو العاصي، والعليم هو العالم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تميم العنبريّ:

أو كُلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثُوا إليَّ عَرِيفُهُمْ يَتَوَسَّمُ [[البيت في (اللسان: عرف) ونسبه إلى طريف بن مالك العنبري، وقيل طريف بن عمرو. قال: والعريف والعارف بمعنى، مثل عليم وعالم. وقال سيويه: هو فعيل بمعنى فاعل، كقولهم ضريب قداح. والجمع عرفاء.]]

وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) ﴾

يقول: يا أبت إني أعلم انك إن متّ على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله ﴿فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال أبو إبراهيم لإبراهيم، حين دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وترك عبادة الشيطان، والبراءة من الأوثان والأصنام ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ يا إبراهيم عن عبادة آلهتي؟ ﴿لئن﴾ أنت ﴿لم تنته﴾ عن ذكرها بسوء ﴿لأرجمنك﴾ يقول: لأرجمنك بالكلام، وذلك السبّ، والقول القبيح.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدّي ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالشتيمة والقول.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال: بالقول؛ لأشتمنك.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ يعني: رجم القول.

وأما قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: واهجرني حينا طويلا ودهرا. ووجهَّوا معنى الملّي إلى المُلاوة من الزمان، وهو الطويل منه.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿مَلِيًّا﴾ قال حينا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: طويلا.

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: زمانا طويلا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: دهرا، والدهر المليّ.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: دهرا.

⁕ حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدا.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجرني سويا سليما من عقوبتي إياك، ووجَّهوا معنى المليّ إلى قول الناس: فلان مليّ بهذا الأمر: إذا كان مضطلعا به غنيا فيه. وكأن معنى الكلام كان عندهم: واهجرني وعرضك وافر من عقوبتي، وجسمك معافى من أذاي.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ يقول: اجتنبني سَوِيًّا.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: اجتنبني سالما قبل أن يصيبك مني عقوبة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثير بن درهم أبو غسان، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عطية الجدلي ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سالما.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ اجتنبني سالما لا يصيبك مني معرّة.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرني سويا، سلما من عقوبتي، لأنه عقيب قوله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيئ، والذي هو أولى بأن يتبع ذلك التقدّم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعَّده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إليّ ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته، يقال منه: تحفى بي فلان. وقد بيَّنت ذلك بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: لطيفا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: إنه كان بي لطيفا، فإن الحفيّ: اللطيف.

* *

وقوله ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام ﴿وأدْعُو رَبّي﴾ يقول: وأدعو ربي، بإخلاص العبادة له، وإفراده بالربوبية ﴿عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعائي، ويعطيني ما أسأله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لأبيه حين توعَّده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إليّ ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته، يقال منه: تحفى بي فلان. وقد بيَّنت ذلك بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ يقول: لطيفا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: إنه كان بي لطيفا، فإن الحفيّ: اللطيف.

* *

وقوله ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الأوثان والأصنام ﴿وأدْعُو رَبّي﴾ يقول: وأدعو ربي، بإخلاص العبادة له، وإفراده بالربوبية ﴿عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعائي، ويعطيني ما أسأله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: فلما اعتزل إبراهيم قومه وعبادة ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان آنسنا وحشته من فراقهم، وأبدلناه منهم بمن هو خير منهم وأكرم على الله منهم، فوهبنا له ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق ﴿وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فوحد، ولم يقل أنبياء، لتوحيد لفظ كلّ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ يقول جلّ ثناؤه: ورزقنا جميعهم، يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب من رحمتنا، وكان الذي وهب لهم من رحمته، ما بسط لهم في عاجل الدنيا من سعة رزقه، وأغناهم بفضله.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾

يقول تعالى ذكره: ورزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل من الناس.

كما:-

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يقول: الثناء الحسن.

وإنما وصف جل ثناؤه اللسان الذي جعل لهم بالعلوّ، لأن جميع أهل الملل تحسن الثناء عليهم، والعرب تقول: قد جاءني لسان فلان، تعني ثناءه أو ذمه؛ ومنه قول عامر بن الحارث:

إنّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أسَرُّ بِهَا ... مِنْ عَلْو لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخُرُ [[البيت لأعشى باهلة واسمه عامر بن الحارث (جمهرة أشعار العرب ص ١٣٥) وهي إحدى المراثي الجياد. وفي (اللسان: لسن) اللسان: جارحة الكلام، وقد يكنى بها عن الكلمة، فيؤنث حينئذ. قال: أعشى باهلة: " إني أتتني لسانه. . . البيت ". قال ابن بري: اللسان هنا: الرسالة والمقالة. وقد يذكر على معنى الكلام. ثم قال: قال اللحياني: اللسان في الكلام يذكر ويؤنث، يقال إن لسان الناس عليك لحسنة وحسن، أي ثناؤهم. أه. واللسان: الثناء، وقوله عز وجل: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين": معناه: اجعل لي ثناءً حسنًا باقيًا إلى آخر الدهر. أه. وفي (تاج العروس: علا) : وأن قول أعشى باهلة " من علو " فيروى بضم الواو وفتحها وكسرها، أي أتاني خبر من أعالي نجد. أه. وفي جمهرة أشعار العرب: السخر: الاستهزاء. أه. وقد استشهد المؤلف بالبيت على أن اللسان قد يجيء بمعنى الثناء مع أن اللغويين فسروه بمعنى الخبر أو الرسالة أو المقالة.]]

ويروى: لا كذب فيها ولا سَخَر:

جاءَتْ مُرجَمَّة قد كُنْتُ أحْذَرُها ... لَوْ كانَ يَنْفَعُنِي الإشْفاقُ والحَذَرُ [[هذا البيت لأعشى باهلة أيضًا، وهو بعد البيت السابق عليه في القصيدة نفسها، كما في (جمهرة أشعر العرب ص ١٣٦) . ومعنى مرجمة: أي مظنونة، لا يوقف على حقيقتها ويقال: كلام مرجم عن غير يقين. ولعل الشاعر أراد أن الناس كلهم لم يصدقوا خبر هذا الفاجعة التي نزلت بهم، فهم بين مصدق ومكذب.]]

مرجمة: يظنّ بها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: فلما اعتزل إبراهيم قومه وعبادة ما كانوا يعبدون من دون الله من الأوثان آنسنا وحشته من فراقهم، وأبدلناه منهم بمن هو خير منهم وأكرم على الله منهم، فوهبنا له ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق ﴿وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فوحد، ولم يقل أنبياء، لتوحيد لفظ كلّ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ يقول جلّ ثناؤه: ورزقنا جميعهم، يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب من رحمتنا، وكان الذي وهب لهم من رحمته، ما بسط لهم في عاجل الدنيا من سعة رزقه، وأغناهم بفضله.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾

يقول تعالى ذكره: ورزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل من الناس.

كما:-

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يقول: الثناء الحسن.

وإنما وصف جل ثناؤه اللسان الذي جعل لهم بالعلوّ، لأن جميع أهل الملل تحسن الثناء عليهم، والعرب تقول: قد جاءني لسان فلان، تعني ثناءه أو ذمه؛ ومنه قول عامر بن الحارث:

إنّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أسَرُّ بِهَا ... مِنْ عَلْو لا عَجَبٌ مِنْها وَلا سَخُرُ [[البيت لأعشى باهلة واسمه عامر بن الحارث (جمهرة أشعار العرب ص ١٣٥) وهي إحدى المراثي الجياد. وفي (اللسان: لسن) اللسان: جارحة الكلام، وقد يكنى بها عن الكلمة، فيؤنث حينئذ. قال: أعشى باهلة: " إني أتتني لسانه. . . البيت ". قال ابن بري: اللسان هنا: الرسالة والمقالة. وقد يذكر على معنى الكلام. ثم قال: قال اللحياني: اللسان في الكلام يذكر ويؤنث، يقال إن لسان الناس عليك لحسنة وحسن، أي ثناؤهم. أه. واللسان: الثناء، وقوله عز وجل: " واجعل لي لسان صدق في الآخرين": معناه: اجعل لي ثناءً حسنًا باقيًا إلى آخر الدهر. أه. وفي (تاج العروس: علا) : وأن قول أعشى باهلة " من علو " فيروى بضم الواو وفتحها وكسرها، أي أتاني خبر من أعالي نجد. أه. وفي جمهرة أشعار العرب: السخر: الاستهزاء. أه. وقد استشهد المؤلف بالبيت على أن اللسان قد يجيء بمعنى الثناء مع أن اللغويين فسروه بمعنى الخبر أو الرسالة أو المقالة.]]

ويروى: لا كذب فيها ولا سَخَر:

جاءَتْ مُرجَمَّة قد كُنْتُ أحْذَرُها ... لَوْ كانَ يَنْفَعُنِي الإشْفاقُ والحَذَرُ [[هذا البيت لأعشى باهلة أيضًا، وهو بعد البيت السابق عليه في القصيدة نفسها، كما في (جمهرة أشعر العرب ص ١٣٦) . ومعنى مرجمة: أي مظنونة، لا يوقف على حقيقتها ويقال: كلام مرجم عن غير يقين. ولعل الشاعر أراد أن الناس كلهم لم يصدقوا خبر هذا الفاجعة التي نزلت بهم، فهم بين مصدق ومكذب.]]

مرجمة: يظنّ بها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: واذكر يا محمد في كتابنا الذي أنزلناه إليك موسى بن عمران، واقصص على قومك أنه كان مخلصا.

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا﴾ بكسر اللام من المُخْلِص، بمعنى: إنه كان يخلص لله العبادة، ويفرده بالألوهية، من غير أن يجعل له فيها شريكا، وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة خلا عاصم ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ بفتح اللام من مُخْلَص، بمعنى: إن موسى كان الله قد أخلصه واصطفاه لرسالته، وحمله نبيا مرسلا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه كان ﷺ مخلصا عبادة الله، مُخْلَصا للرسالة والنبوّة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب.

﴿وَكَانَ رَسُولا﴾ يقول: وكان لله رسولا إلى قومه بني إسرائيل، ومن أرسله إليه نبيا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالأيمن: يمين موسى، لأنة الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ قال: جانب الجبل الأيمن. وقد بيَّنا معنى الطور واختلاف المختلفين فيه، ودللنا على الصواب من القول فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

* *

وقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾

يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مناجيا، كما يقال: فلان نديم فلان ومنادمه، وجليس فلان ومجالسه. وذُكر أن الله جلّ ثناؤه أدناه، حتى سمع صريف القلم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أٌدْنِيّ حتى سمع صريف القلم.

⁕ حدثنا محمد بن منصور الطَوسِيّ، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: أراه عن مجاهد، في قوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: بين السماء الرابعة، أو قال: السابعة، وبين العرش سبعون ألف حجاب: حجاب نور، وحجاب ظلمة، وحجاب نور، وحجاب ظلمة؛ فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب، وسمع [[عبارة الدر المنثور للسيوطي: حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع. . . إلخ]] صريف القلم ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ .

⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قرّبه منه حتى سمع صريف القلم.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدْنِيَ حتى سمع صريف القلم في اللوح، وقال شعبة: أردفه جبرائيل عليه السلام.

وقال قتادة في ذلك، ما:-

⁕ حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: نجا بصدقه.

* *

وقوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ﴾

يقول: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون ﴿نَبِيًّا﴾ يقولأيَّدناه بنبوّته، وأعنَّاه بها.

كما:-

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوّته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالأيمن: يمين موسى، لأنة الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ قال: جانب الجبل الأيمن. وقد بيَّنا معنى الطور واختلاف المختلفين فيه، ودللنا على الصواب من القول فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

* *

وقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾

يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مناجيا، كما يقال: فلان نديم فلان ومنادمه، وجليس فلان ومجالسه. وذُكر أن الله جلّ ثناؤه أدناه، حتى سمع صريف القلم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أٌدْنِيّ حتى سمع صريف القلم.

⁕ حدثنا محمد بن منصور الطَوسِيّ، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: أراه عن مجاهد، في قوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: بين السماء الرابعة، أو قال: السابعة، وبين العرش سبعون ألف حجاب: حجاب نور، وحجاب ظلمة، وحجاب نور، وحجاب ظلمة؛ فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب، وسمع [[عبارة الدر المنثور للسيوطي: حتى كان بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع. . . إلخ]] صريف القلم ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ .

⁕ حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قرّبه منه حتى سمع صريف القلم.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدْنِيَ حتى سمع صريف القلم في اللوح، وقال شعبة: أردفه جبرائيل عليه السلام.

وقال قتادة في ذلك، ما:-

⁕ حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: نجا بصدقه.

* *

وقوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ﴾

يقول: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون ﴿نَبِيًّا﴾ يقولأيَّدناه بنبوّته، وأعنَّاه بها.

كما:-

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قوله ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوّته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥٤) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه، أو عبدًا من عباده وعدًا وفّى به.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال: لم يعد ربه عِدة إلا أنجزها.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل، حدثه أن إسماعيل عليه السلام وعد رجلا مكانا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظلّ به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا قال: إني نسيت، قال: لم أكن لأبرح حتى تأتي، فبذلك كان صادقا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ بـ إقامة ﴿الصَّلاةِ و﴾ إيتاء ﴿وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقول الكذب، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحي إليه من أمرنا ما نشاء. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني به إلى مكان ذي علوّ وارتفاع. وقال بعضهم: رُفع إلى السماء السادسة.

وقال آخرون: الرابعة.

ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه: إني رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحبّ أن تزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء؛ فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رُفع فلم يمت، كما رُفع عيسى.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها.

⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ إدريس أدركه الموت في السماء السادسة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدريّ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: في السماء الرابعة.

⁕ حدثنا عليّ بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره " شكّ أبو جعفر الرازي " قال: لما أسري بالنبيّ ﷺ صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبيّ الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ بـ إقامة ﴿الصَّلاةِ و﴾ إيتاء ﴿وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقول الكذب، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحي إليه من أمرنا ما نشاء. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني به إلى مكان ذي علوّ وارتفاع. وقال بعضهم: رُفع إلى السماء السادسة.

وقال آخرون: الرابعة.

ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه: إني رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحبّ أن تزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء؛ فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رُفع فلم يمت، كما رُفع عيسى.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها.

⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ إدريس أدركه الموت في السماء السادسة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدريّ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: في السماء الرابعة.

⁕ حدثنا عليّ بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره " شكّ أبو جعفر الرازي " قال: لما أسري بالنبيّ ﷺ صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبيّ الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ بـ إقامة ﴿الصَّلاةِ و﴾ إيتاء ﴿وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) ﴾

يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ لا يقول الكذب، ﴿نَبِيًّا﴾ نوحي إليه من أمرنا ما نشاء. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني به إلى مكان ذي علوّ وارتفاع. وقال بعضهم: رُفع إلى السماء السادسة.

وقال آخرون: الرابعة.

ذكر الرواية بذلك: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه: إني رافع لك كلّ يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحبّ أن تزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء؛ فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ .

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رُفع فلم يمت، كما رُفع عيسى.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها.

⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ إدريس أدركه الموت في السماء السادسة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدريّ ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: في السماء الرابعة.

⁕ حدثنا عليّ بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره " شكّ أبو جعفر الرازي " قال: لما أسري بالنبيّ ﷺ صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبيّ الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه ﷺ: هؤلاء الذين اقتصصتُ عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء من ذريّة آدم، ومن ذرّية من حملنا مع نوح في الفُلك، ومن ذرّية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرّية إسرائيل، وممن هدينا للإيمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا، فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم، ولذلك فرق تعالى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، وإدريس جدّ نوح.

وقوله تعالى ذكره: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾ يقولإذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه، خروا لله سجدا، استكانة له وتذللا وخضوعا لأمره وانقيادا، ﴿وَبُكِيًّا﴾ يقول: خرّوا سجدا وهم باكون، والبُكِيّ: جمع باك، كما العُتِيّ جمع عات والجُثِيّ: جمع جاث، فجمع وهو فاعل على فعول، كما يجمع القاعد قعودا، والجالس جلوسا، وكان القياس أن يكون: وبُكوّا وعتوّا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء، كما قيل في جمع دلو أدل. وفي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو، فقلبت الواو ياء لمجيئها بعد الضمة استثقالا وفي ذلك لغتان مستفيضتان، قد قرأ بكلّ واحدة علماء من القرّاء بالقرآن بكيا وعتوّا بالضم، وبكيا وعتيا بالكسر. وقد يجوز أن يكون البكيّ هو البكاء بعينه.

⁕ وقد حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قرأ عمر بن الخطاب سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكيّ؟ يريد: فأين البكاء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: فحدث من بعد هؤلاء الذين ذكرت من الأنبياء الذين أنعمت عليهم، ووصفت صفتهم في هذه السورة، خلْف سوء في الأرض أضاعوا الصلاة.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة إضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: كانت إضاعتهموها تأخيرهم إياها عن مواقيتها، وتضييعهم أوقاتها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ بن سعد الكندي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا كان كفرا.

⁕ حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابي، عن الأوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة، نحوه.

⁕ حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثني الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أضاعوا المواقيت، ولو تركوها لصاروا بتركها كفارا.

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن القاسم، نحوه.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى، عن الأوزاعي، عن إبراهيم بن يزيد، أن عمر بن عبد العزيز بعث رجلا إلى مصر لأمر أعجله للمسلمين، فخرج إلى حرسه، وقد كان تقدم إليهم أن لا يقوموا إذا رأوه، قال: فأوسعوا له، فجلس بينهم فقال: أيكم يعرف الرجل الذي بعثناه إلى مصر؟ فقالوا: كلنا نعرفه، قال: فليقم أحدثكم سنا، فليدعه، فأتاه الرسول فقال: لا تعجلني أشدّ عليّ ثيابي، فأتاه فقال: إن اليوم الجمعة، فلا تبرحن حتى تصلي، وإنا بعثناك في أمر أعجله للمسلمين، فلا يعجلنك ما بعثناك له أن تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فإنك مصليها لا محالة، ثم قرأ ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ثم قال: لم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

⁕ حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن مسعود، عن ابن مسعود، أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فقال ابن مسعود رضي الله عنه: على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذاك الكفر.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عمر أبو حفص الأبار، عن منصور بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهنّ الهلكة، وإفراطهنّ: إضاعتهنّ عن وقتهنّ.

وقال آخرون: بل كانت إضاعتهموها: تركها.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن القرظي، أنه قال في هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ يقول: تركوا الصلاة.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: إضاعتهموها تركهم إياها لدلالة قول الله تعالى ذكره بعده على أن ذلك كذلك، وذلك قوله جلّ ثناؤه ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلو كان الذين وصفهم بأنهم ضيعوها مؤمنين لم يستثن منهم من آمن، وهم مؤمنون ولكنهم كانوا كفارا لا يصلون لله، ولا يؤدّون له فريضة فسقة قد آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله، وقد قيل: إن الذين وصفهم الله بهذه الصفة قوم من هذه الأمة يكونون في آخر الزمان.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة. قال محمد بن عمرو: زنا. وقال الحارث: زناة.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريح، عن مجاهد مثله، وقال: زنا كما قال ابن عمرو.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزه، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ .... الآية، قال: هم أمة محمد.

⁕ وحدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا شريك، عن أبي تميم بن مهاجر في قول الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.

وأما قوله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ فإنه يعني أن هؤلاء الخلْف الذين خلفوا بعد أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين سيدخلون غيا، وهو اسم واد من أودية جهنم، أو اسم بئر من آبارها.

كما:-

⁕ حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا محمد بن زياد بن رزان [[ذكر صاحب تاج العروس: الحافظ أبا بكر: محمد بن علي بن عاصم بن رازان، بسند أصبهان المعروف بابن المقري، بألف بعد الراء فلعل " رزان " هنا محرف عن " رازان ".]] قال: ثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي، قال: جئت أبا أمامة صديّ بن عجلان الباهلي، فقلت: حدِّثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "لَوْ أنَّ صَخْرَةً زنَةَ عَشْرِ أوَاقٍ قُذِفَ بِها من شَفيرِ جَهَنَّمَ ما بَلَغَتْ قَعْرَها خَمْسِينَ خَرِيفا، ثُمَّ تَنْتَهي إلى غَيٍّ وأثامٍ، قال: قُلْتُ وَما غَيّ ومَا أثامٌ؟ قالَ: بِئْرَانِ في أسْفَلِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِما صَدِيدُ أهْلِ النَّارِ، وَهُما اللَّتانِ ذَكَرَ اللهُ في كِتابِهِ ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ، وقوله في الفرقان ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ .

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واديا في جهنم.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واديا في النار.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر.

⁕ حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: الغيّ: نهر جهنم في النار، يعذّب فيه الذين اتبعوا الشهوات.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: الغيّ: نهر جهنم في النار، يعذّب فيه الذين اتبعوا الشهوات.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: نهر في النار يقذف فيه الذين اتبعوا الشهوات.

وقال آخرون: بل عنى بالغيّ في هذا الموضع: الخسران.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ يقول: خسرانا.

وقال آخرون: بل عنى به الشرّ.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: الغيّ: الشرّ.

ومنه قول الشاعر:

فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَد النَّاس أمْرَهُ ... وَمَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ على الغَيّ لائما [[البيت للمرقش الأصغر: ربيعة بن سليمان بن سعد بن مالك ضييعة بن قيس بن ثعلبة، وهو ابن أخي المرقش الأكبر، وعم طرفة بن العبد (المفضليات، طبع القاهرة ص ١١٨) . وفي (اللسان: غوى) قال: الغي: الضلال والخيبة. غوى (بالفتح) غيا، وغوى (بالكسر) غواية. الأخيرة عن أبي عبيد: ضل. ورجل غاو، وغو، وغوى، وغيان: ضال. وأغواه هو. وأنشد للمرقش: " فمن يلق. . . . البيت ".]]

قال أبو جعفر: وكلّ هذه الأقوال متقاربات المعاني، وذلك أن من ورد البئرين اللتين ذكرهما النبيّ ﷺ، والوادي الذي ذكره ابن مسعود في جهنم، فدخل ذلك، فقد لاقى خسرانا وشرّا، حسبه به شرّا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: فسوف يلقى هؤلاء الخلف السوء الذين وصف صفتهم غيا، إلا الذين تابوا فراجعوا أمرا الله، والإيمان به وبرسوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقول: وأطاع الله فيما أمره ونهاه عنه، وأدّى فرائضه، واجتنب محارمه من هلك منهم على كفره، وإضاعته الصلاة واتباعه الشهوات.

* *

وقوله: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾

يقول: ولا يُبْخَسون من جزاء أعمالهم شيئا، ولا يجمع بينهم وبين الذين هلكوا من الخلف السوء منهم قبل توبتهم من ضلالهم، وقبل إنابتهم إلى طاعة ربهم في جهنم، ولكنهم يدخلون مدخل أهل الإيمان.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com