Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Anfaal
Tafsir al-Tabari · The Spoils of War · 75 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى "الأنفال" التي ذكرها الله في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هي الغنائم، وقالوا: معنى الكلام: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها أنت وأصحابك يوم بدر، لمن هي؟ فقل: هي لله ولرسوله.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن عكرمة، "يسئلونك عن الأنفال"، قال: "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٢٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: "يسئلونك عن الأنفال"، قال: "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن مجاهد قال: "الأنفال"، المغنم.
١٥٦٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: "يسألونك عن الأنفال"، قال: الغنائم.
١٥٦٣٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: "الأنفال"، قال: يعني الغنائم.
١٥٦٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: "يسألونك عن الأنفال"، قال: "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٣٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "يسألونك عن الأنفال"، "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٣٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: "يسألونك عن الأنفال"، قال: "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٣٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: "الأنفال"، الغنائم.
١٥٦٣٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء: "يسألونك عن الأنفال"، قال: الغنائم.
* *
وقال آخرون: هي أنفال السرايا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٣٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا علي بن صالح بن حي قال، بلغني في قوله: "يسألونك عن الأنفال"، قال: السرايا.
* *
وقال آخرون: "الأنفال"، ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين، من عَبْد أو دابة، وما أشبه ذلك.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٣٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"، قال: هو ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، دابَّة أو عبدٌ أو متاعٌ، ذلك للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء.
١٥٦٤٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن عبد الملك، عن عطاء: "يسألونك عن الأنفال"، قال: هي ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة أو متاع أوثَقَل، [[في المطبوعة والمخطوطة: " أو نفل "، والصواب ما أثبت. و " الثقل " (بفتحتين) ، متاع المسافر وحشمه.]] فهو للنبي ﷺ يصنع فيه ما شاء.
١٥٦٤١-. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: أن ابن عباس سئل عن: "الأنفال"، فقال: السَّلَب والفرس.
١٥٦٤٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ويقال "الأنفال"، ما أخذ مما سقط من المتاع بعد ما تُقَسَّم الغنائم، فهي نفلٌ لله ولرسوله.
١٥٦٤٣- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عثمان بن أبي سليمان، عن محمد بن شهاب: أن رجلا قال لابن عباس: ما "الأنفال"؟ قال: الفرَس والدِّرع والرمحُ. [[الأثر: ١٥٦٤٣ - " عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم النوفلي "، ثقة، كان قاضيًا على مكة. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٥: ٣٥٧، وابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ١٥٢، وهذا الخبر، رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال ص ٣٠٤ رقم: ٧٥٧ مطولا.]]
١٥٦٤٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، قال ابن جريج، قال عطاء: "الأنفال:، الفرس الشاذّ والدرع والثوب.
١٥٦٤٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن ابن عباس قال: كان ينفِّل الرجل سَلَب الرجل وفرسه. [[في المطبوعة والمخطوطة: " فرس الرجل وسلبه "، ولكن في المخطوطة فوق "فرس" و "سلبه" حرف " م "، دلالة على التقديم والتأخير، ففعلت ذلك.]]
١٥٦٤٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن "الأنفال"، فقال ابن عباس: الفرس من النَّفَل، والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا. ثم قال الرجل: "الأنفال"، التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحْرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا، مَثَلُ صَبِيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ [[الأثر: ١٥٦٤٦ - رواه مالك في الموطأ ص: ٤٥٥، بلفظه هذا.
" صبيغ "، هو " صبيغ بن عسل بن سهل الحنظلي "، ترجم له ابن حجر في الإصابة، في القسم الثالث، وكان صبيغ وفد على عمر المدينة، وجعل يسأل عن متشابه القرآن، فضربه عمر حتى دمي رأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي! ونفاه عمر إلى البصرة، وكتب إليهم أن لا يجالسوه، فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه، بعد أن كان سيدًا فيهم.]]
١٥٦٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال، قال ابن عباس: كان عمر رضي الله عنه إذا سئل عن شيء قال: "لا آمرك ولا أنهاك". ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه عليه السلام إلا زاجرًا آمرًا، محللا محرمًا= قال القاسم: فسلِّط على ابن عباس رجل يسأله عن: "الأنفال"، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفّل فرس الرجل وسلاحه. فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا، مثل صبيغ الذي ضربه عمر حتى سالت الدماء على عقبيه= أو على رجليه؟ فقال الرجل: أمّا أنت فقد انتقم الله لعمر منك.
١٥٦٤٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء: "يسألونك عن الأنفال"، قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة أو [عبد] ، [[ما بين القوسين، في المطبوعة وحدها، مكانه في المخطوطة بياض.]] فهو نفل للنبي ﷺ.
* *
وقال آخرون: "النفل"، الخمس الذي جعله الله لأهل الخُمُس.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٤٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "يسألونك عن الأنفال"، قال: هو الخمس. قال المهاجرون: لِمَ يُرْفع عنا هذا الخمس، [[في المخطوطة: " لم يرفع هنا "، والصواب ما في المطبوعة.]] لم يُخْرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول.
١٥٦٤٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنهم سألوا النبي ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: "يسألونك عن الأنفال".
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى: "الأنفال"، قولُ من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سَهْمه على حقوقهم من القسمة، [[في المطبوعة: " إما من سلبه على حقوقهم "، وفي المخطوطة: " إما سلمه على حقوقهم "، وصواب قراءة المخطوطة ما أثبت، والذي في المطبوعة لا معنى له.]] وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك، ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس، لأن ذلك أمره إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصلوا إليه بغلبة وقهر، [[في المطبوعة والمخطوطة: " لغلبة "، وصواب قراءتها " بغلبة ".]] يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام، وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقَهر.
* *
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن "النفل" في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه: "نفَّلتك كذا"، و"أنفلتك"، إذا زدتك.
و"الأنفال"، جمع "نَفَل"، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
إِنَّ تَقْوَى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللهِ رَيْثِي وَعَجَلْ [[ديوانه ٢: ١١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٠، اللسان (نفل) ، وغيرها كثير، فاتحة قصيدة له طويلة.]]
فإذ كان معناه ما ذكرنا، فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة= إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين= بتنفيل الوالي ذلك إيّاه، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك، لأن الزيادة نَفَلٌ، [والنَّفَل] ، وإن كان مستوجِبَهُ في بعض الأحوال لحق، ليس هو من الغنيمة التي تقع فيها القسمة. [[كانت هذه الجملة في المطبوعة هكذا: " لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة "، غير ما كان في المخطوطة كل التغيير، والجملة في المخطوطة كما أثبتها، إلا أن صدرها كان هكذا: " لأن الزيادة أفضل وإن كان مستوجبة " غير منقوطة، سيئة الكتابة، وظاهر أن صوابها ما أثبت، مع زيادة ما زدت بين القوسين.]] وكذلك كل ما رُضِخ لمن لا سهم له في الغنيمة، فهو "نفل"، [[" رضخ له من المال "، أعطاه عطية مقاربة، أي قليلة.]] لأنه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة.
فالفصل= إذ كان الأمر على ما وصفنا= بين "الغنيمة" و"النفل"، أن "الغنيمة" هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر، نفَّل منه منفِّل أو لم ينفل، و"النفل": هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغَنَاء عن الجيش على غير قسمة. [[في المطبوعة: " هو ما أعطيه الرجل "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وإذْ كان ذلك معنى "النفل"، فتأويل الكلام: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدر، لمن هو؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونكم، يجعله حيث شاء.
* *
واختلف في السبب الذي من أجله نزلت هذه الآية.
فقال بعضهم: نزلت في غنائم بدر، لأن النبي ﷺ كان نفَّل أقوامًا على بلاء، فأبلى أقوام، وتخلف آخرون مع رسول الله ﷺ، فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب، فأنزل الله هذه الآية على رسوله، يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله ﷺ، فماضٍ جائزٌ.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٥٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، سمعت داود بن أبي هند يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبيّ ﷺ قال: "من أتى مكان كذا وكذا، فله كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، فله كذا وكذا"، فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح الله عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي ﷺ، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا! فأنزل الله عليه الآية "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم". [[الأثر: ١٥٦٥٠ - خبر ابن عباس هذا، يرويه أبو جعفر من أربعة طرق، من رقم ١٥٦٥٠ - ١٥٦٥٣، إلا آخرها فهو غير مرفوع إلى ابن عباس. وهو خبر صحيح الإسناد.
فمن هذه الطريق الأول " معتمر بن سليمان عن داود، ... "، رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٦، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٦: ٣١٥، وفيهما زيادة بعد " لا تذهبوا به دوننا ": " فقد كنا ردءًا لكم ".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٦، والسيوطي في الدر المنثور ٣: ١٥٩.]]
١٥٦٥١- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى= قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: "من صنع كذا وكذا، فله كذا وكذا"، قال: فتسارع في ذلك شبان الرجال، وبقيت الشيوخ تحت الرايات. فلما كان الغنائم، [[في المطبوعة: " فلما كانت الغنائم "، وأثبت ما في المخطوطة.]] جاءوا يطلبون الذي جعُل لهم، فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا رِدْءًا لكم، [[" الردء "، العون، ينصر المرء ويشد ظهره، وهو له قوة وعماد.]] وكنا تحت الرايات، ولو انكشفتم انكشفتم إلينا! [[" انكشف القوم "، انهزموا. وقوله: " انكشفتم إلينا "، أي رجعتم بعد الهزيمة إلينا، وكان في المطبوعة: " لفئتم إلينا "، بمعنى رجعتم، ولكني أثبت ما في المخطوطة.]] فتنازعوا، فأنزل الله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين". [[الأثر: ١٥٦٥١ - هذه هي الطريق الثانية لخبر ابن عباس السالف.
" عبد الأعلى " هو " عبد الأعلى بن عبد الأعلى القرشي السلمي "، ثقة، أخرج له الجماعة. مضى برقم: ٤٧٥١، ٨٢٨٢.]]
١٥٦٥٢- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: "من فعل كذا فله كذا وكذا من النفل". قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخةُ الراياتِ، فلم يبرحوا. فلما فُتح عليهم، قالت المشيخة: كنا ردءًا لكم، فلو انهزمتم انحزتم إلينا، [[" انحاز إليه "، انضم إليه.]] لا تذهبوا بالمغنم دوننا! فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا! فأنزل الله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول". قال: فكان ذلك خيرًا لهم، وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلم. [[الأثر: ١٥٦٥٢ - " إسحاق بن شاهين الواسطي "، شيخ الطبري، مضى مرارًا آخرها رقم: ١١٥٠٤.
" خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي الطحان "، مضى مرارًا آخرها رقم: ١١٥٠٤. وهذا الخبر بهذا الإسناد رواه أبو داود في سننه ٣: ١٠٢ رقم: ٢٧٣٧ مع خلاف يسير في لفظه. وآخره هناك: " فكذلك أيضًا فأطيعوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم ". ورواه البيهقي في السنن ٦: ٢٩١، ٢٩٢.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٣١، ١٣٢ وقال: " هذا حديث صحيح، فقد احتج البخاري بعكرمة، وقد احتج مسلم بداود بن أبي هند، ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: " صحيح، قلت هو على شرط البخاري "، والزيادة فيها كما في سنن أبي داود.
خرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٦. وزاد نسبته إلى النسائي، وابن مردويه (واللفظ هناك له) ، وابن حبان.]]
١٥٦٥٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"، قال: لما كان يوم بدر، قال النبي ﷺ: "من صنع كذا فله من النفل كذا"! فخرج شبان من الرجال، فجعلوا يصنعونه، فلما كان عند القسمة، قال الشيوخ: نحن أصحاب الرايات، وقد كنا رِدْءًا لكم! فأنزل الله في ذلك: "قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين". [[الأثر: ١٥٦٥٣ - انظر التعليق على الآثار السالفة.]]
١٥٦٥٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب الزهري قال، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سليمان بن موسى، عن مكحول مولى هذيل، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت قال، أنزل الله حين اختلف القوم في الغنائم يوم بدر: "يسألونك عن الأنفال" إلى قوله: "إن كنتم مؤمنين"، فقسمه رسول الله ﷺ بينهم، عن بَوَاء. [[الأثر: ١٥٦٥٤ - خبر عبادة بن الصامت، مروي هنا من طريقين، هذه أولاهما. إسحاق "، هو " إسحاق بن الحجاج الطاحوني "، مضى برقم: ٢٣٠، ١٦١٤، ١٠٣١٤. و"يعقوب الزهري "، هو " يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري "، مختلف فيه، وهو ثقة إن شاء الله، مضى برقم: ٢٨٦٧، ٨٠١٢. كان في المطبوعة هنا " الزبيري "، وهو في المخطوطة غير منقوط، وأقرب قراءته ما أثبت، وهو الصواب بلا ريب، فإن يعقوب بن محمد الزهري، هو الذي يروي عن المغيرة.
و" المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي "، مختلف فيه، ذكره ابن حبان في الثقات ووثقه ابن معين، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٢١، ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٢٥، لم يذكرا فيه جرحًا.
وأبوه: " عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي "، ثقة، مترجم في التهذيب، ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٤. روى عنه ابن إسحاق في سيرته في مواضع. انظر ١: ٣٦٧.
و"سليمان بن موسى الأموي " الأشدق، أبو هشام، ثقة، مضى برقم: ١١٣٨٢.
و" مكحول، مولى هذيل "، هو " مكحول الشامي، أبو عبد الله "، الفقيه التابعي، وكان من سبى كابل، وكانت في لسانه لكنة، جاء في حديثه: " ما فعلت في تلك الهاجة "، يريد " الحاجة "، قلب الحاء هاء. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧ / ٢ / ١٦٠، والكبير ٤ / ٢ / ٢١، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ /٤٠٧.
و" أبو سلام "، هو الأسود الحبشي الأعرج، واسمه " ممطور "، في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٣١.
و" أبو أمامة الباهلي " واسمه: " صدي بن عجلان " صاحب رسول الله ﷺ، وروى عن رسول الله، وعن جماعة من الصحابة،.
وهذا الخبر، رواه مكحول مرة من طريق أبي سلام عن أبي أمامة، ورواه في الذي يليه عن أبي أمامة بلا واسطة. فمن هذه الطريق الأولى رواه أحمد في المسند ٥: ٣٢٣، ٣٢٤، مطولا، وبغير هذا اللفظ من طريق معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن عياش بن أبي ربيعة عن سليمان ابن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، لا ذكر فيها لمكحول.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٩٢، من طريق عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان الأشدق، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، مطولا، كرواية أحمد.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٣٥،بمثله.
وقوله " عن بَوَاء "، كان في المطبوعة " عن بسواء "، هنا، وفي الخبر التالي، وهو خطأ محض، وسيأتي تفسيره في سياق الخبر التالي.]]
١٥٦٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا، عن سليمان بن موسى الأشدق، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن "الأنفال"، فقال: فينا معشرَ أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النَّفَل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ، وقسمه رسول الله ﷺ بين المسلمين عن بَوَاء = يقول: على السواء= فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله ﷺ، وصلاحُ ذاتِ البين. [[الأثر: ١٥٦٥٥ - " سليمان بن موسى الأشدق "، مر في التعليق السالف. وكان في المطبوعة " الأسدي "، لم يحسن قراءة المخطوطة لأنها غير منقوطة.
وهذا الخبر من رواية " محمد بن إسحاق "، مذكور في سيرة ابن هشام ٢: ٢٩٥، ٢٩٦، بإسناده هذا، ثم في ٢: ٣٢٢، بغير إسناد.
ورواه الطبري بإسناده هذا في التاريخ ٢: ٢٨٥، ٢٨٦.
ورواه أحمد في مسنده /٥:٣٢٢ من طريقين عن محمد بن إسحاق.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٣٦، بالإحالة على لفظه الذي قبله.
ثم رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٦، من طريق وهب بن جرير بن حازم، عن محمد ابن اسحاق، يقول حدثني الحارث بن عبد الرحمن، عن مكحول، عن أبي أمامة، وقال: " صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: على شرط مسلم. ولا أدري كيف هذا، فإن الثابت في سيرة ابن إسحاق، من رواية ابن هشام أنه من روايته عن " عبد الرحمن بن الحارث "، لا عن " الحارث بن عبد الرحمن " وهو خطأ. هذا فضلا عن أنه مروى بغير هذا اللفظ في سيرة ابن هشام، وفي سائر من رواه عن ابن إسحاق، إلا يونس بن بكير.
فإن البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٩٢ رواه من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن " عبد الرحمن بن الحارث "، بنحو لفظ الحاكم في المستدرك ثم قال: " ورواه جرير بن حازم، عن محمد بن إسحاق، مع تقصير في إسناده ". و " جرير بن حازم " الذي روى الحاكم الخبر من طريقه، ثقة ثبت حافظ، روى له الجماعة. ولكن قال ابن حبان وغيره: " كان يخطئ، لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه "، فكأن هذا مما أوجب الحكم عليه بأنه يقصر أحيانًا ويخطيء، والصواب المحض، هو ما أجمعت عليه الرواية عن ابن إسحاق " عبد الرحمن بن الحارث ".وذكره بلفظه هنا، الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٢٦، هو والخبر الذي قبله، من الطريق المطولة، ثم قال: " ورجال الطريقين ثقات "، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٦: ٥، والسيوطي في الدر المنثور ٣: ١٥٩.]]
* *
وقال آخرون: بل إنما أنزلت هذه الآية، [[في المطبوعة، حذف " بل " من صدر الكلام.]] لأن بعض أصحاب رسول الله ﷺ سأله من المغنم شيئًا قبل قسمتها، فلم يعطه إياه، إذ كان شِرْكًا بين الجيش، فجعل الله جميعَ ذلك لرسول الله ﷺ. [[في المطبوعة: " لرسول الله "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٥٦- حدثني إسماعيل بن موسى السدي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: أتيت النبي ﷺ يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله، هذا السيف قد شَفَى الله به من المشركين! فسألته إياه، فقال: ليس هذا لي ولا لك! قال: فلما وليت، قلت: أخاف أن يعطيه من لم يُبْلِ بلائي! فإذا رسول الله ﷺ خلفي، قال فقلت: أخاف أن يكون نزل في شيء! قال: إن السيف قد صارَ لي! قال: فأعطانيه، ونزلت: "يسئلونك عن الأنفال". [[الأثر: ١٥٦٥٦ - خبر " سعد بن مالك "، وهو " سعد بن أبي وقاص "، رواه أبو جعفر من سبع طرق، بألفاظ مختلفة، إلا رقم: ١٥٦٥٩، فهو منقطع الإسناد. وهي من رقم ١٥٦٥٦ - ١٥٦٥٩ ثم من ١٥٦٦٢ - ١٥٦٦٤.
رواه من طريق عاصم، عن مصعب بن سعد برقم ١٥٦٥٦، ١٥٦٥٧.
ومن طريق سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد برقم ١٥٦٥٨، ١٥٦٦٢، ١٥٦٦٣.
ومن طريق محمد بن عبيد الله، أبي عون الثقفي، عن مصعب بن سعد رقم: ١٥٦٥٩، منقطعًا. ومن طريق مجاهد، عن سعد ابن أبي وقاص: ١٥٦٦٤.
وهذا تفسير إسناد الخبر الأول: " إسماعيل بن موسى السدي الفزاري شيخ الطبري "، مضى برقم: ٨٤٩، ٩٦٨٢.
و" أبو الأحوص "، هو " سلام بن سليم الحنفي "، الثقة الحافظ، مضى مرارًا كثيرة.
و" عاصم "، هو " عاصم بن أبي النجود "، مضى مرارًا.
و" مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٨٩٤١، ١١٤٥٠.
وهو إسناد صحيح، ولم أجده في موضع آخر من طريق أبي الأحوص عن مصعب.]]
١٥٦٥٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عاصم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف. قال: فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفي صَدري من المشركين = أو نحو هذا= فهبْ لي هذا السيف! فقال لي: هذا ليس لي ولا لك! فرجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا من لم يُبْلِ بلائي! فجاءني الرسول، فقلت: حدث فِيَّ حدثٌ! فلما انتهيت قال: يا سعد إنك، سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي، فهو لك! ونزلت: "يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول". [[الأثر: ١٥٦٥٧ - إسناد صحيح. ورواه من هذه الطريق أحمد في المسند رقم: ١٥٣٨، بنحوه، مطولا.
ورواه أبو داود في سننه ٣: ١٠٣ رقم ٢٧٤٠، بنحوه مطولا.
رواه الحاكم في المستدرك ٢: ١٣٢، بنحوه مطولا، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي في السنن ٦: ٢٩١، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤، وقال: " رواه أبو داود " والترمذي، والنسائي من طرق، عن أبي بكر بن عياش، وقال الترمذي: حسن صحيح ".]]
١٥٦٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أصبت سيفًا يوم بدر فأعجبني، فقلت: يا رسول الله، هبه لي! فأنزل الله: "يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول". [[الأثر: ١٥٦٥٨ - هو مختصر الحديث رقم: ١٥٦٦٢، وهو إسناد صحيح، وسأخرجه هناك.]]
١٥٦٥٩- حدثنا ابن المثنى وابن وكيع= قال ابن المثنى: حدثني أبو معاوية= وقال ابن وكيع: حدثنا أبو معاوية= قال: حدثنا الشيباني، عن محمد بن عبيد الله، عن سعد بن أبي وقاص قال: فلما كان يوم بدر، [[في المطبوعة: " لما كان "، حذف الفاء، وأثبت ما في المخطوطة.]] قتل أخي عُمَيْر، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى "ذا الكتيفة"، [[" ذو الكتيفة " على وزن " عظيمة "، و " الكتيفة ": حديدة عريضة طويلة، وربما كانت كأنها صحيفة، وربما سموا السيف " كتيفًا ".]] فجئت به إلى النبي ﷺ، فقال: اذهب فاطرحه في القبض! [[" القبض " (بفتحتين) قال أبو عبيد القاسم بن سلام: " القبض، الذي تجمع عنده الغنائم ". وقال غيره: بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.]] فطرحته ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سَلَبي! قال: فما جاوزت إلا قريبًا، حتى نزلت عليه "سورة الأنفال"، فقال: اذهب فخذ سيفك! = ولفظ الحديث لابن المثنى. [[الأثر: ١٥٦٥٩ - " أبو معاوية "، هو الضرير، " محمد بن خازم التميمي السعدي " ثقة، من شيوخ أحمد، روى له الجماعة.
وكان في المطبوعة هنا: " قال ابن المثنى حدثني معاوية "، حذف " أبو "، كأنه ظن أن ابن المثنى قال: " معاوية "، وأن ابن وكيع قال " أبو معاوية "، وأن هذا هو وجه الاختلاف! والصواب أن الاختلاف في أن ابن المثنى قال: " حدثني "، وأن ابن وكيع قال: " حدثنا ". فهذا مبلغ الإساءة في التصرف!! .
و" الشيباني "، هو " أبو إسحاق الشيباني ": " سليمان بن أبي سليمان " الثقة الحجة، مضى مرارًا كثيرة
و" محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي "، " أبو عون الثقفي "، تابعي ثقة ولكنه لم يدرك سعد ابن أبي وقاص، وروايته عن سعد مرسلة. (انظر شرح الإسناد في مسند أحمد) . مضى برقم: ٧٥٩٥، ١٣٩٦٥.
وهذا الخبر ضعيف الإسناد، لانقطاعه.
رواه أحمد في مسنده برقم: ١٥٥٦،
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال: ٣٠٣، بمثله. وقال في خلال الخبر " ... قتلت سعيد بن العاص = وقال غيره: العاص بن سعيد. قال أبو عبيد: هذا عندنا هو المحفوظ ". ثم قال تعقيبًا عليه " قال أبو عبيد: وقال أهل العلم بالمغازي: قاتل العاص، علي بن أبي طالب ". والذي قاله أبو عبيد هو الصواب.
فالذي جاء في الخبر هنا " سعيد بن العاص " وهم، فإن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ابن أمية الأموي، متأخر، قبض رسول الله عليه وله تسع سنين، وهو لم يشرك قط وقتل أبوه " العاص بن سعيد " يوم بدر كافرًا، أما جده " سعيد بن العاص بن أمية "، فمات قبل بدر مشركًا. ويكون الصواب كما قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة " عمير بن أبي وقاص ": " العاص بن سعيد بن العاص "، ويكون الاختلاف إذن في الذي قتله: أهو علي بن أبي طالب، أم سعد بن أبي وقاص؟ وإن كنت لم أجد هذا الاختلاف. وهذا موضع يحتاج إلى فضل تحقيق. وانظر التعليق على رقم: ١٥٦٦٤.
هذا، وقد رأيت بعد في الروض الأنف ٢: ٧٦، هذا الخبر عن أبي عبيد وفيه " العاصي ابن سعيد بن العاصي " في صلب الخبر، ورأيت ذكر هذا الاختلاف في الروض الأنف ٢: ١٠٢، ١٠٣.]]
١٥٦٦٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة جميعًا، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن قيس بن ساعدة قال: سمعت أبا أسَيْد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائد يوم بدر، وكان السيف يدعى "المرْزُبان"، فلما أمر رسول الله ﷺ أن يردُّوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئًا يُسْأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله ﷺ، فأعطاه إياه. [[الأثر: ١٥٦٦٠ - " عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري "، ثقة روى له الجماعة، مضى برقم: ٤٨٠٨.
وأما قوله: " بعض بني ساعدة "، فقد جعلها في المطبوعة " قيس بن ساعدة " لا أدري لم غير ما في المخطوطة.
وأما " أبو أسيد مالك بن ربيعة الأنصاري "، من بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، فهو الصحابي المشهور، فجعله في المطبوعة: " أبا أسيد بن مالك بن ربيعة "، زاد " بن " بلا مراجعة.
وأما " سيف بني عائذ " فجعلها " سيف بن عائذ "، كما في الخبر التالي، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة. والصواب من سيرة ابن هشام، وفيها: " سيف بني عائذ المخزوميين ".
و" عائذ " في المخطوطة غير منقوطة، وفي المطبوعة: " عائد " بالدال المهملة. والصواب ما في سيرة ابن هشام.وفي بني مخزوم: " بنو عائذ بن عمران بن مخزوم " (بالذال المعجمة) رهط آل المسيب، وفي بني مخزوم أيضًا: " بنو عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم " (بالباء والدال المهملة) ، وهم رهط آل السائب. انظر الروض الأنف ٢: ٧٦، ونسب قريش ٣٣٣ ثم: ٣٤٣، ولم أجد ما أرجح به أحدهما على الآخر.
وهذا الخبر رواه ابن إسحاق في سيرته، ابن هشام ٢: ٢٩٦، بلفظه، وانظر التعليق على الخبر التالي.]] -١٥٦٦١- حدثني يحيى بن جعفر قال، حدثنا أحمد بن أبي بكر، عن يحيى بن عمران، عن جده عثمان بن الأرقم= وعن عمه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: ردُّوا ما كان من الأنفال! فوضع أبو أسيد الساعديّ سيف ابن عائذ "المرزبان"، فعرفه الأرقم فقال: هبه لي، يا رسول الله! قال: فأعطاه إياه. [[الأثر: ١٥٦٦١ - هذا مختصر الأثر السالف من طريق أخرى.
و" يحيى بن جعفر "، هو " يحيى بن أبي طالب "، و" يحيى بن جعفر بن الزبير قال "، شيخ الطبري. محدث مشهور ثقة. مضى برقم: ٢٨٤.
و" أحمد بن أبي بكر " هو " أحمد بن القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري "، كنيته " أبو مصعب الزهري "، ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ٦، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٤٣.
و" يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم المخزومي "، روى عن أبيه، وعمه " عبد الله ابن عثمان ". روى عنه عطاف بن خالد، وأبو مصعب الزهري " أحمد بن أبي بكر "، وغيرهما ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في تعجيل المنفعة: ٤٤٦، والكبير ٤ \ ٢ \ ٢٩٧، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ١٧٧، ١٧٨، وقال ابن أبي حاتم: " سألت أبي عنه فقال: شيخ مدني مجهول "
وأما قوله: " وعن عمه، عن جده "، فكان في المطبوعة والمخطوطة " عن عمه، عن جده " بغير واو العطف، وهو لا يستقيم، بل هو خطأ محض. بل الصواب أن " يحيى بن عمران "، رواه عن جده مباشرة، ورواه مرة أخرى عن عمه " عبد الله بن عثمان "، عن جده أيضًا.
و" عبد الله بن عثمان بن الأرقم "في المطبوعة ابن الأرقم مكررة" المخزومي "، مترجم في تعجيل المنفعة: ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١١٣، لم يذكروا فيه جرحًا.
وهذا الخبر، مختصر الذي قبله، ولم أجده في مكان آخر.]]
١٥٦٦٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: أصبت سيفا= قال: فأتى به رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، نفلنيه! فقال: ضعه! ثم قام فقال: يا رسول الله، نفلنيه! قال: ضعه! قال: ثم قام فقال: يا رسول، الله نفلنيه! أجعل كمن لا غَنَاء له؟ فقال النبي ﷺ: ضعه من حيث أخذته! فنزلت هذه الآية: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول. [[الأثر: ١٥٦٦٢ - طريق أخرى لخبر سعد بن أبي وقاص، كما بينه في رقم: ١٥٦٥٦.
وهو خبر صحيح الإسناد، من طريق سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد.
وبهذا الإسناد رواه أحمد في المسند رقم: ١٥٦٧، ١٦١٤ في خبر طويل، مضى بعضه في شأن تحريم الخمر برقم: ١٢٥١٨، من تفسير الطبري. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص: ٢٨ رقم: ٢٠٨. ورواه مسلم في صحيحه ١٢: ٥٣، ٥٤، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ٢٩١، وخرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ٥. ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ١٥٠، من طريق زهير بن معاوية عن سماك بن حرب، بغير هذا اللفظ.]]
١٥٦٦٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن سعد قال: أخذت سيفًا من المغنم فقلت: يا رسول الله، هب لي هذا! فنزلت: "يسئلونك عن الأنفال". [[الأثر: ١٥٦٦٣ - مختصر الذي قبله.]]
١٥٦٦٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد في قوله: "يسئلونك عن الأنفال"، قال: قال سعد: كنت أخذت سيفَ سعيد بن العاص بن أمية، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: أعطني هذا السيف يا رسول الله! فسكت، فنزلت: "يسئلونك عن الأنفال"، إلى قوله: "إن كنتم مؤمنين"، قال: فأعطانيه رسول الله ﷺ. [[الأثر: ١٥٦٦٤ - " إسرائيل "، هو " إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي " مضى مرارًا كثيرة.
و" إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي "، ثقة، متكلم فيه، مضى برقم: ١٢٩١ في نحو هذا الإسناد.
و" مجاهد " هو " مجاهد بن جبر المكي المخزومي "، الإمام الثقة، روى عن سعد بن أبي وقاص وغيره من الصحابة.
فهذا خبر صحيح الإسناد من إسرائيل، إلى مجاهد.
أما " الحارث "، فهو " الحارث بن أبي أسامة "، وهو ثقة، مضى برقم: ١٠٢٩٥، وغيره.
وأما " عبد العزيز "، فهو " عبد العزيز بن أبان الأموي "، من ولد " سعيد بن العاص ابن أمية "، وهو كذاب خبيث يضع الأحاديث. مضى برقم: ١٠٢٩٥، وغيره، راجع فهارس الرجال.
فمن هذا ضعف إسناده، حتى أجد له رواية عن غير الكذاب، كما قاله أهل الجرح والتعديل. هذا، وقد جاء في هذا الخبر ذكر " سعيد بن العاص بن أمية "، مبينًا، وكنت قلت في التعليق على رقم: ١٥٦٥٩ أن " سعيد بن العاص بن أمية " مات مشركًا قبل يوم بدر، فلذلك لم يصح عندنا قوله في ذلك الخبر " قتلت سعيد بن العاص ". أما في هذا الخبر، فإنه مستقيم، لأنه قال: " أخذت سيف سعيد بن العاص "، فسيفه بلا ريب كان مشهورًا معروفًا عند سعد بن أبي وقاص، وكان عند ولده المقتول ببدر " العاص بن سعيد بن العاص "، وظاهر أنه كان معه يقاتل به يوم بدر فقتل وهو معه، فأخذه سعد بن أبي وقاص. ومع ذلك يظل أمر الاختلاف في قتل " العاص ابن سعيد بن العاص " قائمًا كما هو، أقتله على بن أبي طالب، كما قال أصحاب السير والمغازي، أم قتله سعد بن أبي وقاص، كما دل عليه الخبر الصحيح عنه. راجع التعليق على رقم: ١٥٦٥٩. وانظر الروض الأنف ٢: ١٠٢، ١٠٣ وذكر هذا الاختلاف.]]
* *
وقال آخرون: بل نزلت: لأن أصحاب رسول الله ﷺ سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر، فأعلمهم الله أنّ ذلك لله ولرسوله دونهم، ليس لهم فيه شيء. وقالوا: معنى "عن" في هذا الموضع "من"، [[انظر " عن " بمعنى " من " فيما سلف ١: ٤٤٦، تعليق: ٦.]] وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعود يقرؤه: "يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ" على هذا التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٦٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها: "يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ".
١٥٦٦٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: هي في قراءة ابن مسعود "يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ".
* *
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٦٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"، قال: "الأنفال"، المغانم كانت لرسول الله ﷺ خالصة، ليس لأحد منها شيء، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. [[في المخطوطة: " في حبسه منه "، والصواب ما في المطبوعة، وهو مطابق لما في البيهقي. و " الغلول "، هي الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة.]] فسألوا رسول الله ﷺ أن يعطيهم منها، قال الله: يسألونك عن الأنفال، قل: الأنفال لي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيء= "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين"، ثم أنزل الله: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول﴾ [سورة الأنفال: ٤١] . ثم قسم ذلك الخُمس لرسول الله ﷺ، ولمن سمي في الآية. [[الأثر: ١٥٦٦٧ - هذا الإسناد، سلف بيانه برقم: ١٨٣٣، ٨٤٧٢، وأنه إسناد منقطع، لأن " على بن طلحة " لم يسمع من ابن عباس التفسير.
وهذا الخبر، رواه البيهقي من هذه الطريق نفسها، في السنن الكبرى ٦: ٢٩٣، مطولا.]]
١٥٦٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: "يسألونك عن الأنفال"، قال: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا، فكانوا أثلاثًا. قال: فنزلت: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"، وملَّكه الله رَسوله، يقسمه كما أراه الله. [[في المطبوعة: " فقسمه "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٥٦٦٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن الناس سألوا النبي ﷺ الغنائم يوم بدر، فنزلت: "يسألونك عن الأنفال". [[الأثر: ١٥٦٦٩ - " عباد بن العوام الواسطي "، ثقة، من شيوخ أحمد. مضى برقم: ٥٤٣٣.
و" الحجاج " هو " الحجاج بن أرطاة النخعي "، مضى برقم: ٣٢٩٩، ٣٩٦٠، ٤٢٤٦، ٩٦٣١، ١٠١٣٨، وهو ثقة، إلا أنه كان يدلس عن " عمرو بن شعيب "، وقال محمد بن نصر: " الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ "، واشترطوا في حديثه التصريح بالسماع، وهذا مما لم يصرح فيه السماع.
فهذا خبر ضعيف، لهذه العلة.
و" عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص "، أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال أبو زرعة: " إنما سمع أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها "، وهو ثقة في نفسه، وأحاديثه " عن أبيه عن جده "، محتملة، ولكنهم لم يدخلوها في صحاح ما خرجوا.]]
١٥٦٧٠-. . . . قال: حدثنا عباد بن العوّام، عن جويبر، عن الضحاك: "يسئلونك عن الأنفال"، قال: يسألونك أن تنفِّلهم.
١٥٦٧١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا أيوب، عن عكرمة في قوله: "يسألونك عن الأنفال"، قال: يسألونك الأنفال.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى أخبرَ في هذه الآية عن قوم سألوا رَسول الله ﷺ الأنفال أن يُعطيهموها، فأخبرهم الله أنها لله، وأنه جعلها لرسوله.
وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكون نزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ فيها= وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه= وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك بين الجيش.
* *
واختلفوا فيها: أمنسوخة هي أم غير منسوخة؟
فقال بعضهم: هي منسوخة. وقالوا: نسخها قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [سورة الأنفال: ٤١] ،.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قالا كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾
١٥٦٧٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "يسئلونك عن الأنفال"، قال: أصاب سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيفًا، فاختصم فيه وناسٌ معه، فسألوا النبي ﷺ، فأخذه النبي ﷺ منهم، فقال الله: "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"، الآية، فكانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ خاصة، فنسخها الله بالخُمس.
١٥٦٧٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني سليم مولى أم محمد، عن مجاهد في قوله: "يسئلونك عن الأنفال"، قال: نسختها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ . [[الأثر: ١٥٦٧٤ - " سليم مولى أم محمد "، لم أجده، والذي يروي عن مجاهد، ويروي عنه ابن جربج، فهو " سليم، أبو عبيد الله مولى أم علي "، مضى برقم: ٤٣٠٥، وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٢ \ ٢ \ ١٢٧، وابن أبي حاتم ٢ \ ١ \ ٢١٣، وهو من كبار أصحاب مجاهد، ذكره ابن حبان في الثقات.]]
١٥٦٧٥ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة= أو: عكرمة وعامر= قالا نسخت الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ .
* *
وقال آخرون: هي محكمة، وليست منسوخة. وإنما معنى ذلك: "قل الأنفال لله"، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة= وللرسول، يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٧٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "يسألونك عن الأنفال"، فقرأ حتى بلغ: "إن كنتم مؤمنين"، فسلَّموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا، فقالوا: نعم! ثم جاء بعد الأربعين: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [سورة الأنفال: ٤١] ، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي ﷺ يوم خيبر: "وهذا الخمس مردود على فقرائكم"، يصنع الله ورسوله في ذلك الخمس ما أحبَّا، ويضعانه حيث أحبَّا، ثم أخبرنا الله بالذي يجب من ذلك. ثم قرأ الآية: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: ٧] .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه ﷺ، يُنفِّل من شاء، فنفّل القاتل السَّلَب، وجعل للجيش في البَدْأة الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. [[" البدأة "، ابتداء سفر الغزو، " الرجعة " القفول منه. وكان إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو، فأوقعت بطانته من العدو، فما غنموا كان لهم الربع، ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباع ما غنموا. وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر، كان لهم من جميع ما غنموا الثلث، لأن الكرة الثانية أشق عليهم، والخطر فيها أعظم. وذلك لقوة الظهر عند دخولهم، وضعفه عند خروجهم. وهم في الأول أنشط وأشهي للسير والإمعان في بلاد العدو، وهم عند القفول أضعف وأفتر وأشهي للرجوع إلى أوطانهم، فزادهم لذلك.]] ونفَّل قومًا بعد سُهْمَانهم بعيرًا بعيرًا في بعض المغازي. فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه ﷺ، ينفِّل على ما يرى مما فيه صلاحُ المسلمين، وعلى من بعده من الأئمة أن يستَنّوا بسُنته في ذلك.
وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرتُ من المعنى الذي وصفت. وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها، فقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادثُ حكمٍ بخلافه، ينفيه من كل معانيه، أو يأتي خبرٌ يوجب الحجةَ أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ. [[انظر مقالة أبي جعفر في " النسخ " فيما سلف في فهارس الموضوعات، وفهارس النحو والعربية وغيرهما.]]
* *
وقد ذكر عن سعيد بن المسيب: أنه كان ينكر أن يكون التنفيل لأحد بعد رسول الله ﷺ، تأويلا منه لقول الله تعالى: "قل الأنفال لله والرسول".
١٥٦٧٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو قال: أرسل سعيد بن المسيب غلامه إلى قوم سألوه عن شيء، فقال: إنكم أرسلتم إلي تسألوني عن الأنفال، فلا نَفَل بعد رسول الله ﷺ.
* *
وقد بينا أن للأئمة أن يتأسَّوْا برسول الله ﷺ في مغازيهم بفعله، فينفِّلوا على نحو ما كان ينفل، إذا كان التنفيل صلاحًا للمسلمين.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخافوا الله أيها القوم، واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه، وأصلحوا الحال بينكم.
* *
واختلف أهل التأويل في الذي عنى بقوله: "وأصلحوا ذات بينكم".
فقال بعضهم: هو أمر من الله الذين غنموا الغنيمة يوم بدر، وشهدوا الوقعة مع رسول الله ﷺ إذ اختلفوا في الغنيمة: أن يردَّ ما أصابوا منها بعضُهم على بعض. [[في المطبوعة: " أن يردوا " بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٧٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، قال: كان نبي الله ينفِّل الرجل من المؤمنين سَلَب الرجل من الكفار إذا قتله، ثم أنزل الله: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، أمرهم أن يردَّ بعضهم على بعض.
١٥٦٧٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: بلغني أن النبي ﷺ كان ينفّل الرجل على قدر جِدّه وغَنَائه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدر، وملأ الناسُ أيديهم غنائم، قال أهل الضعف من الناس: ذهب أهل القوة بالغنائم! فذكروا ذلك للنبي ﷺ، فنزلت: "قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، ليردَّ أهل القوة على أهل الضعف.
* *
وقال آخرون: هذا تحريج من الله على القوم، ونهيٌ لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٨٠- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا خالد بن يزيد= وحدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا أبو إسرائيل، عن فضيل، عن مجاهد، في قول الله: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، قال: حَرَّج عليهم.
١٥٦٨١- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن مجاهد، عن ابن عباس: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، قال هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم= قال عباد، قال سفيان: هذا حين اختلفوا في الغنائم يوم بدر.
١٥٦٨٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"، أي لا تَسْتَبُّوا.
* *
واختلف أهل العربية في وجه تأنيث "البين".
فقال بعض نحويي البصرة: أضاف "ذات" إلى "البين" وجعله "ذاتًا"، لأن بعضَ الأشياء يوضع عليه اسم مؤنث، وبعضًا يذكر نحو "الدار" و"الحائط"، أنث "الدار" وذكر "الحائط".
* *
وقال بعضهم: إنما أراد بقوله: "ذات بينكم"، الحال التي للبين، فقال: وكذلك "ذات العشاء"، يريد الساعة التي فيها العشاء، قال: ولم يضعوا مذكرًا لمؤنث، ولا مؤنثًا لمذكر، إلا لمعنى.
* *
قال أبو جعفر: هذا القول أولى القولين بالصواب، للعلة التي ذكرتها له.
* *
وأما قوله: "وأطيعوا الله ورسوله"، فإن معناه: وانتهوا أيها القوم الطالبون الأنفال، إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بين لكم وجوهه وسبله= "إن كنتم مؤمنين"، يقول: إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم به من عند ربكم، كما:-
١٥٦٨٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين"، فسلموا لله ولرسوله، يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله، ويترك اتباعَ ما أنزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه، والانقياد لحكمه، ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وَجِل قلبه، وانقاد لأمره، وخضع لذكره، خوفًا منه، وفَرَقًا من عقابه، وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدّق بها، [[انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف ص: ٢٥٢، تعليق ٢، والمراجع هناك.]] وأيقن أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك، إلى تصديقه بما كان قد بلغه منه قبل ذلك، تصديقًا. وذلك هو زيادة ما تلى عليهم من آيات الله إيَّاهم إيمانًا [[انظر تفسير " زيادة الإيمان " فيما سلف ٧: ٤٠٥.]] = "وعلى ربهم يتوكلون"، يقول: وبالله يوقنون، في أن قضاءه فيهم ماضٍ، فلا يرجون غيره، ولا يرهبون سواه. [[انظر تفسير " الوكيل " فيما سلف ١٢: ٥٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٨٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلّون إذا غابوا، ولا يؤدُّون زكاة أموالهم. فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، فأدوا فرائضه= "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا"، يقول: تصديقًا= "وعلى ربهم يتوكلون"، يقول: لا يرجون غيره.
١٥٦٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: فَرِقت.
١٥٦٨٦-. . . . قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن السدي: "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: إذا ذكر الله عند الشيء وجِلَ قلبه.
١٥٦٨٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، يقول: إذا ذكر الله وَجِل قلبه.
١٥٦٨٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: "وجلت قلوبهم"، قال: فرقت.
١٥٦٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وجلت قلوبهم"، فرقت.
١٥٦٩٠-. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان قال: سمعت السدي يقول في قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: هو الرجل يريد أن يظلم = أو قال: يهمّ بمعصية = أحسبه قال: فينزع عنه.
١٥٦٩١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء في قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: الوجل في القلب كإحراق السَّعَفة، [[" السعفة " (بفتحتين) ورق جريد النخل إذا يبس.]] أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى! قال: إذا وجدت ذلك في القلب فادع الله، فإن الدعاء يذهب بذلك.
١٥٦٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"، قال: فرقًا من الله تبارك وتعالى، ووَجلا من الله، وخوفًا من الله تبارك وتعالى.
* *
وأما قوله: "زادتهم إيمانًا"، فقد ذكرت قول ابن عباس فيه. [[يعني رقم: ١٥٦٨٤.]]
* *
وقال غيره فيه، ما:-
١٥٦٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا"، قال: خشية.
١٥٦٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون"، قال: هذا نعت أهل الإيمان، فأثبت نَعْتهم، ووصفهم فأثبت صِفَتهم.
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها، وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهاد وحج وعمرة ونفقةٍ على من تجب عليهم نفقته، فيؤدُّون حقوقهم= "أولئك"، يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال [[انظر تفسير: " إقامة الصلاة "، و " الرزق "، و " النفقة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) ، (رزق) ، (نفق) .]] = "هم المؤمنون"، لا الذين يقولون بألسنتهم: "قد آمنا" وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقًا، لا يقيمون صلاة ولا يؤدُّون زكاة.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس: "الذين يقيمون الصلاة"، يقول: الصلوات الخمس= "ومما رزقناهم ينفقون"، يقول: زكاة أموالهم [[انظر تفسير " حقا " فيما سلف من فهارس اللغة (حقق) .]] = "أولئك هم المؤمنون حقًّا"، يقول: برئوا من الكفر. ثم وصف الله النفاق وأهله فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ : إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [سورة النساء: ١٥٠-١٥١] فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا، وجعل الكافر كافرًا حقًّا، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن: ٢] .
١٥٦٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "أولئك هم المؤمنون حقًّا"، قال: استحقُّوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم.
القول في تأويل قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: "لهم درجات"، لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم= "درجات"، وهي مراتب رفيعة. [[انظر تفسير " الدرجة " فيما سلف ١٢: ٢٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
ثم اختلف أهل التأويل في هذه "الدرجات" التي ذكر الله أنها لهم عنده، ما هي؟
فقال بعضهم: هي أعمال رفيعة، وفضائل قدّموها في أيام حياتهم.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٩٧- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد: "لهم درجات عند ربهم"، قال: أعمال رفيعة. [[الأثر: ١٥٦٩٧ - " أبو يحيى القتات "، ضعيف، مضى برقم: ١٢١٣٩.]]
* *
وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٩٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن هشام عن جبلة، عن عطية، عن ابن محيريز: "لهم درجات عند ربهم"، قال: الدرجات سبعون درجة، كل درجة حُضْر الفرس الجواد المضمَّر سبعين سنة. [[الأثر: ١٥٦٩٨ - " سفيان " هو، الثوري.
و" هشام " هو: " هشام بن حسان القردوسي "، مضى برقم: ٢٨٢٧، ٧٢٨٧، ٩٨٣٧، ١٠٢٥٨.
و" جبلة " هو " جبلة بن سحيم التيمي "، مضى برقم: ٣٠٠٣، ١٠٢٥٨، زكان في المطبوعة والمخطوطة: " هشام بن جبلة "، وهو خطأ صرف.
وأما " عطية "، فلا أعرف من يكون، وأنا في شك منه.
و" ابن محيريز "، هو: " عبد الله بن محيريز الجمحي "، مضى برقم: ٨٧٢٠، ١٠٢٥٨.
وهذا الخبر، روى مثله في تفسير غير هذه الآية، فيما سلف برقم: ١٠٢٥٨ قال: " حدثنا علي بن الحسين الأزدي، قال حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن هشام بن حسان، عن جبلة ابن سحيم، عن ابن محيريز "، ليس فيه " ابن عطية " هذا الذي هنا.
و" الحضر " (بضم فسكون) ، ارتفاع الفرس في عدوه.
و" المضمر "، هو الذي أعد للسباق والركض.]]
* *
وقوله: "ومغفرة"، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها [[انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) .]] = "ورزق كريم"، قيل: الجنة= وهو عندي: ما أعد الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش. [[انظر تفسير " كريم " فيما سلف ٨: ٢٥٩.]]
١٥٦٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة: "ومغفرة"، قال: لذنوبهم= "ورزق كريم"، قال: الجنة.
القول في تأويل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الجالب لهذه "الكاف" التي في قوله: "كما أخرجك"، وما الذي شُبِّه بإخراج الله نبيه ﷺ من بيته بالحق.
فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله. وقالوا: معنى ذلك: يقول الله: وأصلحوا ذات بينكم، فإن ذلك خير لكم، كما أخرج الله محمدًا ﷺ من بيته بالحقّ، فكان خيرًا له. [[في المطبوعة، والمخطوطة: " كان خيرًا له "، بغير فاء، والصواب ما أثبت، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، الآية، أي: إن هذا خيرٌ لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرًا لك.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرجك ربك، يا محمد، من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، قال: كذلك يجادلونك في الحق.
١٥٧٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، كذلك يجادلونك في الحقِّ، القتالِ.
١٥٧٠٣-. . . . قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، قال: كذلك أخرجك ربك. [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: " قال: كذلك يجادلونك "، وهو ما تدل عليه الآثار السالفة عن مجاهد.]]
١٥٧٠٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أنزل الله في خروجه = يعني خروج النبي ﷺ= إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون"، لطلب المشركين، "يجادلونك في الحق بعد ما تبين".
* *
واختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعض نحويي الكوفيين: ذلك أمر من الله لرسوله ﷺ أن يمضي لأمره في الغنائم، على كره من أصحابه، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير وهم كارهون. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٣]]
* *
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: "أخرجتنا للعِير، ولم تعلمنا قتالا فنستعدَّ له".
وقال بعض نحويي البصرة، يجوز أن يكون هذا "الكاف" في ﴿كما أخرجك﴾ ، على قوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقًّا﴾ ، ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ . وقال: "الكاف" بمعنى "على". [[في المطبوعة: " وقيل: الكاف ... "، كأنه قول آخر، والصواب ما في المخطوطة. ولعل قائل هذا هو الأخفش، لأنه الذي قال: " الكاف بمعنى: على "، وزعم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم: " كيف أصبحت "، أن يقول: " كخير "، والمعنى: على خير.
وانظر تفسير " كما " فيما سلف ٣: ٢٠٩، في قوله تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولا " [سورة البقرة: ١٥١] .]]
* *
وقال آخرون منهم [[في المطبوعة: " وقال آخرون "، جمعًا، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وقائل ذلك هو أبو عبيدة معمر بن المثنى.]] هي بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٠، ٢٤١.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال في ذلك بقول مجاهد، وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين= لأن كلا الأمرين قد كان، أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا، وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه.
* *
وقال مجاهد في "الحق" الذي ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ ﷺ بعد ما تبينوه: هو القتال.
١٥٧٠٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يجادلونك في الحق﴾ ، قال: القتال.
١٥٧٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٧٠٧ - حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* *
وأما قوله: ﴿من بيتك﴾ ، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي بزة: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك﴾ ، المدينة، إلى بدر.
١٥٧٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر في قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ، قال: من المدينة إلى بدر.
* *
وأما قوله: ﴿وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ ، فإن كراهتهم كانت، كما:-
١٥٧١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، قالوا: لما سمع رَسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب إليهم المسلمين، [[" ندب الناس إلى حرب أو معونة، فانتدبوا "، أي: دعاهم فاستجابوا وأسرعوا إليه.]] وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، [[" العير "، (بكسر العين) : القافلة، وكل ما امتاروا عليه من أبل وحمير وبغال. وهي قافلة تجارة قريش إلى الشام.]] فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا. [[الأثر: ١٥٧١٠ - سيرة ابن هشام ٢:٢٥٧، ٢٥٨.]]
١٥٧١١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ ، لطلب المشركين.
* *
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ .
فقال بعضهم: عُني بذلك: أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله ﷺ، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال، لما شاور النبي ﷺ في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمرَ الناس، فتعبَّوْا للقتال، [[" عبى الجيش " و " عبأة " بالهمز، واحد. و " تعبوا للقتال " و " تعبأوا "، تهيأوا له.]] وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ .
١٥٧١٣- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر القومَ= يعني أصحابَ رسول الله ﷺ = ومسيرَهم مع رسول الله ﷺ، حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العيرَ طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ، إلى قوله: ﴿لكارهون﴾ ، أي كراهيةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم. [[الأثر: ١٥٧١٣- سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٦٥٥.]]
* *
وقال آخرون: عُني بذلك المشركون.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق [[في المطبوعة: " جادلوك "، وأثبت الصواب الجيد من المخطوطة.]] = "كأنما يساقون إلى الموت"، حين يدعون إلى الإسلام= ﴿وهم ينظرون﴾ ، قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.
١٥٧١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يفسر: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، خروجَ رسول الله ﷺ إلى العِير. [[الأثر: ١٥٧١٥ - " يعقوب بن محمد الزهري "، مضى قريبًا برقم ١٥٦٥٤، وهو يروي عن ابن أخي الزهري مباشرة، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة.
و" عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي " ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٠٦٧٦.
و" ابن أخي الزهري "، هو " محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري "، ثقة، متكلم فيه، روى له الجماعة. يروي عن عمه " ابن شهاب الزهري ".]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحاق، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو، وكان جدالهم نبيَّ الله ﷺ أن قالوا: "لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير". ومما يدلّ على صحته قولُه [[في المطبوعة والمخطوطة: " على صحة قوله "، والصواب ما أثبت.]] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ، ففي ذلك الدليلُ الواضح لمن فهم عن الله، أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما قال مجاهد، كراهيةً منهم له= وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد، لأن الذي قبل قوله: ﴿يجادلونك في الحق﴾ ، خبرٌ عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبرٌ عنهم، فأن يكون خبرًا عنهم، أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يجرِ له ذكرٌ.
* *
وأما قوله: ﴿بعد ما تبين﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: بعد ما تبين أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به.
* *
وقال آخرون: معناه: يجادلونك في القتال بعدما أمرت به.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٧- رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. [[الأثر: ١٥٧١٧ - هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، لم يذكر نصًا، وكأن صواب العبارة: " رواه الكلبي ... ".]]
* *
وأما قوله: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، فإن معناه: كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال، "يساقون إلى الموت".
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم. [[الأثر: ١٥٧١٨ - سيرة بن هشام ٢: ٣٢٢، وهو جزء من الخبر السالف رقم: ١٥٧١٣.]]
القول في تأويل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الجالب لهذه "الكاف" التي في قوله: "كما أخرجك"، وما الذي شُبِّه بإخراج الله نبيه ﷺ من بيته بالحق.
فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم الله ورسوله. وقالوا: معنى ذلك: يقول الله: وأصلحوا ذات بينكم، فإن ذلك خير لكم، كما أخرج الله محمدًا ﷺ من بيته بالحقّ، فكان خيرًا له. [[في المطبوعة، والمخطوطة: " كان خيرًا له "، بغير فاء، والصواب ما أثبت، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة: "فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، الآية، أي: إن هذا خيرٌ لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرًا لك.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرجك ربك، يا محمد، من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال، فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، قال: كذلك يجادلونك في الحق.
١٥٧٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، كذلك يجادلونك في الحقِّ، القتالِ.
١٥٧٠٣-. . . . قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، قال: كذلك أخرجك ربك. [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: " قال: كذلك يجادلونك "، وهو ما تدل عليه الآثار السالفة عن مجاهد.]]
١٥٧٠٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أنزل الله في خروجه = يعني خروج النبي ﷺ= إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون"، لطلب المشركين، "يجادلونك في الحق بعد ما تبين".
* *
واختلف أهل العربية في ذلك.
فقال بعض نحويي الكوفيين: ذلك أمر من الله لرسوله ﷺ أن يمضي لأمره في الغنائم، على كره من أصحابه، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير وهم كارهون. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٣]]
* *
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: "أخرجتنا للعِير، ولم تعلمنا قتالا فنستعدَّ له".
وقال بعض نحويي البصرة، يجوز أن يكون هذا "الكاف" في ﴿كما أخرجك﴾ ، على قوله: ﴿أولئك هم المؤمنون حقًّا﴾ ، ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ . وقال: "الكاف" بمعنى "على". [[في المطبوعة: " وقيل: الكاف ... "، كأنه قول آخر، والصواب ما في المخطوطة. ولعل قائل هذا هو الأخفش، لأنه الذي قال: " الكاف بمعنى: على "، وزعم أن من كلام العرب إذا قيل لأحدهم: " كيف أصبحت "، أن يقول: " كخير "، والمعنى: على خير.
وانظر تفسير " كما " فيما سلف ٣: ٢٠٩، في قوله تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولا " [سورة البقرة: ١٥١] .]]
* *
وقال آخرون منهم [[في المطبوعة: " وقال آخرون "، جمعًا، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، وقائل ذلك هو أبو عبيدة معمر بن المثنى.]] هي بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٠، ٢٤١.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال في ذلك بقول مجاهد، وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين= لأن كلا الأمرين قد كان، أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا، وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض، فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه.
* *
وقال مجاهد في "الحق" الذي ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ ﷺ بعد ما تبينوه: هو القتال.
١٥٧٠٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يجادلونك في الحق﴾ ، قال: القتال.
١٥٧٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٧٠٧ - حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* *
وأما قوله: ﴿من بيتك﴾ ، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي بزة: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك﴾ ، المدينة، إلى بدر.
١٥٧٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر في قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ، قال: من المدينة إلى بدر.
* *
وأما قوله: ﴿وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ ، فإن كراهتهم كانت، كما:-
١٥٧١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، قالوا: لما سمع رَسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب إليهم المسلمين، [[" ندب الناس إلى حرب أو معونة، فانتدبوا "، أي: دعاهم فاستجابوا وأسرعوا إليه.]] وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، [[" العير "، (بكسر العين) : القافلة، وكل ما امتاروا عليه من أبل وحمير وبغال. وهي قافلة تجارة قريش إلى الشام.]] فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا. [[الأثر: ١٥٧١٠ - سيرة ابن هشام ٢:٢٥٧، ٢٥٨.]]
١٥٧١١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ ، لطلب المشركين.
* *
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين﴾ .
فقال بعضهم: عُني بذلك: أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله ﷺ، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال، لما شاور النبي ﷺ في لقاء القوم، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمرَ الناس، فتعبَّوْا للقتال، [[" عبى الجيش " و " عبأة " بالهمز، واحد. و " تعبوا للقتال " و " تعبأوا "، تهيأوا له.]] وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ .
١٥٧١٣- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر القومَ= يعني أصحابَ رسول الله ﷺ = ومسيرَهم مع رسول الله ﷺ، حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم، وأنهم إنما خرجوا يريدون العيرَ طمعًا في الغنيمة، فقال: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ، إلى قوله: ﴿لكارهون﴾ ، أي كراهيةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم. [[الأثر: ١٥٧١٣- سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٦٥٥.]]
* *
وقال آخرون: عُني بذلك المشركون.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق [[في المطبوعة: " جادلوك "، وأثبت الصواب الجيد من المخطوطة.]] = "كأنما يساقون إلى الموت"، حين يدعون إلى الإسلام= ﴿وهم ينظرون﴾ ، قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.
١٥٧١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثني عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يفسر: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، خروجَ رسول الله ﷺ إلى العِير. [[الأثر: ١٥٧١٥ - " يعقوب بن محمد الزهري "، مضى قريبًا برقم ١٥٦٥٤، وهو يروي عن ابن أخي الزهري مباشرة، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة.
و" عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبي عبيد الدراوردي " ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٠٦٧٦.
و" ابن أخي الزهري "، هو " محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري "، ثقة، متكلم فيه، روى له الجماعة. يروي عن عمه " ابن شهاب الزهري ".]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحاق، من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو، وكان جدالهم نبيَّ الله ﷺ أن قالوا: "لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير". ومما يدلّ على صحته قولُه [[في المطبوعة والمخطوطة: " على صحة قوله "، والصواب ما أثبت.]] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ، ففي ذلك الدليلُ الواضح لمن فهم عن الله، أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما قال مجاهد، كراهيةً منهم له= وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد، لأن الذي قبل قوله: ﴿يجادلونك في الحق﴾ ، خبرٌ عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبرٌ عنهم، فأن يكون خبرًا عنهم، أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يجرِ له ذكرٌ.
* *
وأما قوله: ﴿بعد ما تبين﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.
فقال بعضهم: معناه: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: بعد ما تبين أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به.
* *
وقال آخرون: معناه: يجادلونك في القتال بعدما أمرت به.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٧- رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. [[الأثر: ١٥٧١٧ - هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، لم يذكر نصًا، وكأن صواب العبارة: " رواه الكلبي ... ".]]
* *
وأما قوله: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، فإن معناه: كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال، "يساقون إلى الموت".
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ، أي كراهةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم. [[الأثر: ١٥٧١٨ - سيرة بن هشام ٢: ٣٢٢، وهو جزء من الخبر السالف رقم: ١٥٧١٣.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكروا، أيها القوم= ﴿إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ ، يعني إحدى الفرقتين، [[انظر تفسير " الطائفة " فيما سلف ١٢: ٥٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] فرقة أبي سفيان بن حرب والعير، وفرقة المشركين الذين نَفَروا من مكة لمنع عيرهم.
* *
وقوله: ﴿أنها لكم﴾ ، يقول: إن ما معهم غنيمة لكم= ﴿وتودون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة= يقول: ليس لها حدٌّ، [[" الحد " (بفتح الحاء) هو: الحدة (بكسر الحاء) ، والبأس الشديد، والنكاية.]] ولا فيها قتال= أن تكون لكم. يقول: تودُّون أن تكون لكم العيرُ التي ليس فيها قتال لكم، دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.
* *
وأصل "الشوكة" من "الشوك".
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١٩- حدثنا علي بن نصر، وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة: أن أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكبان قريش مقبلين من الشأم، [[" الركبان " و " الركب "، أصحاب الإبل في السفر، وهو اسم جمع لا واحد له.]] فسلكوا طريق الساحل. فلما سمع بهم النبي ﷺ، ندب أصحابه، وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمة لهم، لا يظنون أن يكون كبيرُ قتالٍ إذا رأوهم. وهي التي أنزل الله فيها [[في المطبوعة: " وهي ما أنزل الله "، وفي المخطوطة: " وهي أنزل الله "، وأثبت ما في تاريخ الطبري.]] ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ . [[الأثر: ١٥٧١٩ - " علي بن نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضي "، الثقة الحافظ، شيخ الطبري، روى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، في غير الجامع الصحيح. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ٢٠٧.
و" عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري "، شيخ الطبري. ثقة، مضى برقم: ٢٣٤٠.
وأبوه: " عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري "، ثقة، مضى مرارًا كثيرة.
و" أبان العطار "، هو " أبان بن يزيد العطار "، ثقة، مضى برقم: ٣٨٣٢، ٩٦٥٦.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر، بإسناده هذا في التاريخ ٢: ٢٦٧، مطولا مفصلا، وهو كتاب من عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان. وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان كتاب طويل رواه الطبري مفرقًا في التاريخ، وسأخرجه مجموعًا في تعليقي على الأثر ١٦٠٨٣.]]
١٥٧٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، [[القائل " من علمائنا ... " إلى آخر السياق، هو محمد بن إسحاق.]] عن عبد الله بن عباس، كُلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربًا. وكان أبو سفيان يستيقن حين دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار، [[في المطبوعة، وفي تاريخ الطبري، وفي سيرة ابن هشام: " وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس "، ليس فيها " يستقين "، وليس فيها واو العطف في " يتحسس "، ولكن المخطوطة واضحة، فأثبتها.
وكان في المطبوعة: " يتجسس " بالجيم، وإنما هي بالحاء المهملة، و " تحسس الخبر "، تسمعه بنفسه وتبحثه وتطلبه.]] ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أموال الناس، [[في المطبوعة: " تخوفًا من الناس "، وفي سيرة ابن هشام: " تخوفًا على أمر الناس "، وأثبت ما في تاريخ الطبري.]] حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: "أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعِيرك"! [[" استنفر الناس "، استنجدهم واستنصرهم، وحثهم على الخروج للقتال.]] فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغِفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. [[عند هذا الموضع انتهي ما في سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٧، ٢٥٨، وسيصله بالآتي في السيرة بعد ٢: ٢٦٦، وعنده انتهي الخبر في تاريخ الطبري ٢: ٢٧٠، وسيصله بالآتي في التاريخ أيضًا ٢: ٢٧٣.
وانظر التخريج في آخر هذا الخبر.]] وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى بلغ واديًا يقال له "ذَفِرَان"، فخرج منه، [[في السيرة وحدها " فجزع فيه "، وهي أحق بهذا الموضع، ولكني أثبت ما في لمطبوعة والمخطوطة والتاريخ. و " جزع الوادي "، قطعه عرضًا.]] حتى إذا كان ببعضه، نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناسَ، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر رضوان الله عليه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض إلى حيث أمرك الله، فنحن معك، والله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ، [سورة المائدة: ٢٤] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد = يعني: مدينة الحبشة [[" برك الغماد "، " برك " (بفتح الباء وكسرها) ، و " الغماد "، (بكسر الغين وضمها ". قال الهمداني: " برك الغماد "، في أقاصي اليمن (معجم ما استعجم: ٢٤٤) .]] = لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله ﷺ خيرًا، ثم دعا له بخيرٍ، ثم قال رسول الله ﷺ: أشيروا عليّ أيها الناس! = وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: "يا رسول الله، إنا برآء من ذِمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا، [[" الذمام " و " الذمة "، العهد والكفالة والحرمة.]] نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا"، فكأن رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، [[في المطبوعة " خاف أن لا تكون الأنصار "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري. و " يتخوف " ساقطة من المخطوطة.
و" دهمه " (بفتح الهاء وكسرها) : إذا فاجأه على غير استعداد.]] وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم= قال: فلما قال ذلك رسول الله ﷺ، قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل! قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضته لخُضناه معك، [[" استعرض البحر، أو الخطر ": أقبل عليه لا يبالي خطره. وهذا تفسير للكلمة، استخرجته، لا تجده في المعاجم.]] ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، [[في المطبوعة: " أن يلقانا عدونا غدًا "، لم يحسن قراءة المخطوطة، وهذا هو الموافق لما في سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري.]] إنا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، [[" صدق " (بضمتين) جمع " صدوق "، مجازه: أن يصدق في قتاله أو عمله، أي يجد فيه جدًا، كالصدق في القول الذي لا يخالطه كذب، أي ضعف.]] لعلّ الله أن يريك منا ما تَقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله! فسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، [[قوله في آخر الجملة الآتية " غدًا "، ليست في سيرة ابن هشام ولا في التاريخ، ولكنها ثابتة في المخطوطة.]] والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا". [[الأثر: ١٥٧٢٠ - هذا الخبر، روى صدر منه فيما سلف: ١٥٧١٠. وهو في سيرة ابن هشام مفرق ٢: ٢٥٧، ٢٥٨، ثم ٢: ٢٦٦، ٢٦٧.
وفي تاريخ الطبري ٢: ٢٧٠ ثم ٢: ٢٧٣، ثم تمامه أيضًا في: ٢٧٣.]]
١٥٧٢١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن أبا سفيان أقبل في عير من الشأم فيها تجارة قريش، وهي اللَّطيمة، [[" اللطيمة "، هو الطيب، و " لطيمة المسك "، وعاؤه ثم سموا العير التي تحمل الطيب والعسجد، ونفيس بز التجار: " اللطيمة ".]] فبلغ رسول الله ﷺ أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس، فخرجوا معه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. فبعث عينًا له من جُهَينة، حليفًا للأنصار، يدعى "ابن أريقط"، [[في المطبوعة: " ابن الأريقط "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروج محمد ﷺ، فبعث إلى أهل مكة يستعينهم، فبعث رجلا من بني غِفار يدعى ضمضم بن عمرو، فخرج النبي ﷺ ولا يشعر بخروج قريش، فأخبره الله بخروجهم، فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: "إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا"! فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِير، فقال له أبو بكر رحمة الله عليه: إنّي قد سلكت هذا الطريق، فأنا أعلم به، وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا، فسكت النبي ﷺ، ثم عاد فشاورهم، فجعلوا يشيرون عليه بالعير. فلما أكثر المشورة، تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار! أنت رسول الله، وعليك أنزل الكتاب، وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر، والله لا يخلف الميعاد، امض لما أمرت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار! ثم قام المقداد بن الأسود الكندي فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، [سورة المائدة: ٢٤] ، ولكنا نقول: أقدم فقاتل، إنا معك مقاتلون! ففرح رسول الله ﷺ بذلك، وقال: إن ربي وعدني القوم، وقد خرجوا، فسيروا إليهم! فساروا.
١٥٧٢٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشأم، والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش. فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يلقوا العير، وأراد الله ما أراد.
١٥٧٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ ، قال: أقبلت عير أهل مكة = يريد: من الشأم [[في المخطوطة: " يريد الشأم "، وما في المطبوعة هو الصواب.]] = فبلغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله ﷺ يريدون العير. فبلغ ذلك أهل مكة، فسارعوا السير إليها، لا يغلب عليها النبي ﷺ وأصحابه. فسبقت العير رسول الله ﷺ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين، فكانوا أن يلقوا العير أحبَّ إليهم، وأيسر شوكة، وأحضر مغنمًا. فلما سبقت العير وفاتت رسول الله ﷺ، سار رسول الله ﷺ بالمسلمين يريد القوم، فكره القوم مسيرهم لشوكةٍ في القوم.
١٥٧٢٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، قال: أرادوا العير. قال: ودخل رسول الله ﷺ المدينة في شهر ربيع الأول، فأغار كُرْز بن جابر الفهري يريد سَرْح المدينة حتى بلغ الصفراء، [[" السرح "، المال يسام في المرعى، من الأنعام والماشية ترعى. و " الصفراء " قرية فويق ينبع، كثيرة المزارع والنخل، وهي من المدينة على ست مراحل، وكان يسكنها جهينة والأنصار ونهد.]] فبلغ النبي ﷺ فركب في أثره، فسبقه كرز بن جابر. فرجع النبي ﷺ، فأقام سنَتَه. ثم إن أبا سفيان أقبل من الشأم في عير لقريش، حتى إذا كان قريبًا من بدر، نزل جبريل على النبي ﷺ فأوحى إليه: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، فنفر النبي ﷺ بجميع المسلمين، وهم يومئذ ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعون ومئتان من الأنصار، وسائرهم من المهاجرين. وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم، [[هكذا جاء في المطبوعة والمخطوطة، ولم أجد مكانًا ولا شيئا يقال له " البطم "، وأكاد أقطع أنه تحريف محض، وأن صوابه (بِإضَمٍ) . و " إضم " واد بجبال تهامة، وهو الوادي الذي فيه المدينة. يسمى عند المدينة " قناة "، ومن أعلى منها عند السد يسمى " الشظاة "، ومن عند الشظاة إلى أسفل يسمى " إضما ". وقال ابن السكيت: " إضم "، واد يشق الحجاز حتى يفرغ في البحر، وأعلى إضم " القناة " التي تمر دوين المدينة. و " إضم " من بلاد جهينة.
والمعروف في السير أن أبا سفيان في تلك الأيام، نزل على ماء كان عليه مجدى بن عمير الجهني، فلما أحس بخبر المسلمين، ضرب وجه عيره، فساحل بها، وترك بدرًا بيسار. فهو إذن قد نزل بأرض جهينة، و " إضم " من أرضهم، وهو يفرغ إلى البحر، فكأن هذا هو الطريق الذي سلكه. ولم أجد الخبر في مكان حتى أحقق ذلك تحقيقًا شافيًا.]] فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة، فنفرت قريش وغضبت.
١٥٧٢٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، قال: كان جبريل عليه السلام قد نزل فأخبره بمسير قريش وهي تريد عيرها، ووعده إما العيرَ، وإما قريشًا وذلك كان ببدر، وأخذوا السُّقاة وسألوهم، فأخبروهم، فذلك قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، هم أهل مكة.
١٥٧٢٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، إلى آخر الآية، خرج النبي ﷺ إلى بدر وهم يريدون يعترضون عِيرًا لقريش. قال: وخرج الشيطان في صورة سُرَاقة بن جعشم، حتى أتى أهل مكة فاستغواهم، وقال: إنّ محمدًا وأصحابه قد عرضوا لعيركم! وقال: لا غالبَ لكم اليوم من الناس من مثلكم، وإنّي جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله! فخرجوا ونادوا أن لا يتخلف منا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه! وأخذ رسول الله ﷺ وأصحابه بالروحاء عينًا للقوم، فأخبره بهم، فقال رسول الله ﷺ: إن الله قد وعدكم العير أو القوم! فكانت العير أحبّ إلى القوم من القوم، كان القتال في الشوكة، والعير ليس فيها قتال، وذلك قول الله عز وجل: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، قال: "الشوكة"، القتال، و"غير الشوكة"، العير.
١٥٧٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن ابن أبي حبيب، عن أبي عمران، عن أبي أيوب قال: أنزل الله جل وعز: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ ، فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا، طابت أنفسنا: و"الطائفتان"، عِير أبي سفيان، أو قريش. [[الأثر: ١٥٧٢٧ - " يعقوب بن محمد الزهري "، سلف قريبًا رقم: ١٥٧١٥.
و" عبد الله بن وهب المصري "، الثقة، مضى برقم ٦٦١٣، ١٠٣٣٠.
و" ابن لهيعة "، مضى الكلام في توثيقه مرارًا.
و" ابن أبي حبيب "، هو " يزيد بن أبي حبيب المصري "، ثقة مضى مرارًا كثيرة.
و" أبو عمران " هو: " أسلم أبو عمران "، " أسلم بن يزيد التجيبي "، روى عن أبي أيوب، تابعي ثقة، وكان وجيهًا بمصر. مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ٢٥، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٣٠٧. وسيأتي في هذا الخبر بإسناد آخر، في الذي يليه.
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٧٣، ٧٤ مطولا، وقال: " رواه الطبراني، وإسناده حسن ".]]
١٥٧٢٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران الأنصاري، أحسبه قال: قال أبو أيوب=: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، قالوا: "الشوكة" القوم و"غير الشوكة" العير، فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما العير وإما القوم، طابت أنفسنا. [[الأثر: ١٥٧٢٨ - " أسلم، أبو عمران الأنصاري "، هو الذي سلف في الإسناد السابق، وسلف تخريجه.]]
١٥٧٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني يعقوب بن محمد قال، حدثني غير واحد في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، إن "الشوكة"، قريش.
١٥٧٣٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، هي عير أبي سفيان، ودّ أصحاب رسول الله ﷺ أن العير كانت لهم، وأن القتال صُرِف عنهم.
١٥٧٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، أي الغنيمة دون الحرب. [[الأثر: ١٥٧٣١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، وهو تابع الأثريين السالفين، رقم: ١٥٧١٣، ١٥٧١٨.]]
* *
وأما قوله: ﴿أنها لكم﴾ ، ففتحت على تكرير "يعد"، وذلك أن قوله: ﴿يعدكم الله﴾ ، قد عمل في "إحدى الطائفتين".
فتأويل الكلام: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ ، يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم، كما قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ . [سورة محمد: ١٨] . [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٤، وزاد " فأن، في موضع نصب كما نصب الساعة ".]]
* *
قال: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ ، فأنث "ذات"، لأنه مراد بها الطائفة. [[انظر ما قاله آنفًا في " ذات بينكم " ص: ٣٨٤.]] ومعنى الكلام: وتودون أن الطائفة التي هي غير ذات الشوكة تكون لكم، دون الطائفة ذات الشوكة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) ﴾
* *
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه [[انظر تفسير " حق " فيما سلف من فهارس اللغة (حقق) .]]
= "بكلماته"، يقول: بأمره إياكم، أيها المؤمنون، بقتال الكفار، وأنتم تريدون الغنيمة، والمال [[انظر تفسير " كلمات الله " فيما سلف ١١: ٣٣٥، وفهارس اللغة (كلم) .]] وقوله: ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ ، يقول: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله.
* *
وقد بينا فيما مضى معنى "دابر"، وأنه المتأخر، وأن معنى: "قطعه"، الإتيان على الجميع منهم. [[انظر تفسير " قطع الدابر " ١١: ٣٦٣، ٣٦٤ \ ١٢: ٥٢٣، ٥٢٤.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٣١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قول الله: ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته﴾ ، أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم، هذا خيرٌ لكم من العير.
١٥٧٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ ، أي: الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر. [[الأثر: ١٥٧٣١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٣٠.]]
القول في تأويل قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق، كيما يُعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام، ويعزّ الإسلام، وذلك هو "تحقيق الحق"= ﴿ويبطل الباطل﴾ ، يقول ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر، ولو كره ذلك الذين أجرموا فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار. [[انظر تفسير " المجرم " فيما سلف ص: ٧٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
١٥٧٣٣- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ ، هم المشركون.
* *
وقيل: إن "الحق" في هذا الموضع، الله عز وجل.
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ويبطل الباطل"، حين تستغيثون ربكم= ف "إذْ" من صلة "يبطل".
* *
ومعنى قوله: ﴿تستغيثون ربكم﴾ ، تستجيرون به من عدوكم، وتدعونه للنصر عليهم= "فاستجاب لكم" فأجاب دعاءكم، [[انظر تفسير " استجاب " فيما سلف ص: ٣٢١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] بأني ممدكم بألف من الملائكة يُرْدِف بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا. [[انظر تفسير " الإمداد " فيما سلف ١: ٣٠٧، ٣٠٨ \ ٧: ١٨١.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ. * ذكر الأخبار بذلك:
١٥٧٣٤- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة بن عمار قال، حدثني سماك الحنفي قال، سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، ونظرَ رَسول الله ﷺ إلى المشركين وعِدّتهم، ونظر إلى أصحابه نَيِّفا على ثلاثمئة، فاستقبل القبلة، فجعل يدعو يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض! "، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من ورائه، [[" التزمه "، احتضنه أو اعتنقه.]] ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأمي، مناشدتَك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنزل الله: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ . [[الأثر: ١٥٧٣٤ - " عكرمة بن عمار اليمامي العجلي "، ثقة، مضى برقم: ٨٤٩، ٢١٨٥، ٨٢٢٤، ١٣٨٣٢.
و" سماك الحنفي "، هو " سماك بن الوليد الحنفي "، " أبو زميل "، ثقة. مضى برقم: ١٣٨٣٢.
وهذا الخبر، رواه مسلم في صحيحه ١٢: ٨٤ - ٨٧، مطولا من طريق هناد بن السري، عن عبد الله بن المبارك، عن عكرمة.
رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٠٨، ٢٢١، من طريق أبي نوح قراد، عن عكرمة ابن عمار. مطولا.
وروى بعضه أبو داود في سننه ٣: ٨٢.
ورواه الترمذي في كتاب التفسير، مختصرًا، من طريق محمد بن بشار، عن عمر بن يونس اليمامي، عن عكرمة، وقال " هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه من حديث عمر، إلا من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زميل ".
ورواه أبو جعفر الطبري في تاريخه، من الطريق نفسها ٢: ٢٨٠.]]
١٥٧٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: لما اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع رسول الله ﷺ يده فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا!
١٥٧٣٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قام النبي ﷺ فقال: اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد! فأتاه جبريلُ عليه السلام، فأنزل الله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ، [[الأثر: ١٥٧٣٦ - هذا الخبر لم يذكره أبو جعفر في تفسير آية سورة آل عمران ٧: ١٧٣ - ١٩٠.]]
[سورة ال عمران: ١٢٤-١٢٥] .
١٥٧٣٧- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْع قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله ﷺ في العريش، فجعل النبي ﷺ يدعو يقول: اللهم انصر هذه العصابة، فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض! قال: فقال أبو بكر: بعضَ مناشدتك مُنْجِزَك ما وعدك. [[الأثر: ١٥٧٣٧ - " أبو إسحاق "، هو الهمداني السبيعي، وكان في المطبوعة " ابن إسحاق " غير ما في المخطوطة، فأساء.
و" زيد بن يثيع الهمداني "، ويقال: " ... أثيع " و " أثيل ". آخره لام. روى عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة، وأبي ذر، وعنه أبو إسحاق السبيعي فقط. ذكره ابن حبان في الثقات، مترجم في التهذيب، وابن سعد: ١٥٥، والكبير ٢ \ ١ \ ٣٧٣، وابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ٥٧٣ في " زيد بن نفيع الهمداني "، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، ولكن العجب أنه كان هناك في المطبوعة والمخطوطة، " زيد بن نفيع " أيضًا.
و" يثيع " بالياء والثاء، مصغرًا، هكذا ضبط. وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: ٢٤٩: "يثيع" "يفعل" من "ثاع، يثيع"، إذا اتسع وانبسط.]]
١٥٧٣٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أقبل النبي ﷺ يدعو الله ويستغيثه ويستنصره، فأنزل الله عليه الملائكة.
١٥٧٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ ، قال: دعاء النبي ﷺ.
١٥٧٤٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ ، أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم= "فاستجاب لكم"، بدعاء رسول الله ﷺ ودعائكم معه. [[الأثر: ١٥٧٤٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٣١، وليس في سيرة ابن هشام " معه "، في آخر الخبر.]]
١٥٧٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي ﷺ يناشد ربه أشد النِّشدة يدعو، [[" النشدة " (بكسر فسكون) مصدر: " نشدتك الله "، أي سألتك به واستحلفتك.]] فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك، فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك!
* *
وأما قوله: ﴿أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ ، فقد بينا معناه. [[انظر ما سلف ص: ٤٠٩.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٤٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ ، يقول: المزيد، كما تقول: "ائت الرجل فزده كذا وكذا".
١٥٧٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن هارون بن عنترة [عن أبيه] ، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مردفين﴾ ، قال: متتابعين. [[الأثر: ١٥٧٤٣ - " أحمد بن بشير الكوفي "، مضى برقم ٧٨١٩، ١١٠٨٤.
و" هارون بن عنترة بن عبد الرحمن "، مضى مرارًا كثيرة آخرها: ١١٠٨٤.
وأبوه " عنترة بن عبد الرحمن "، مضى أيضًا، انظر رقم ١١٠٨٤.]]
١٥٧٤٤-. . . . قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، [عن أبيه] ، عن ابن عباس، مثله. [[الأثر: ١٥٧٤٤. زيادة " عن أبيه " بين قوسين، هو ما أرجح أنه الصواب، وأن إسقاطها من الناسخ. انظر الإسناد السالف.]]
١٥٧٤٥- حدثني سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ ، قال: وراء كل ملك ملك. [[الأثر: ١٥٧٤٥ - " سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدي "، مضى برقم: ٣٠٠٢، ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" أبو كدينة "، " يحيى بن المهلب البجلي "، مضى برقم: ٤١٩٣، ٥٩٩٤، ٩٧٤٥.
و" قابوس بن أبي ظبيان الجنبي "، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣.
وأبوه " أبو ظبيان "، هو: " حصين بن جندب الجنبي "، مضى برقم: ٩٧٤٥، ١٠٦٨٣.]]
١٥٧٤٦ - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مردفين﴾ ، قال: متتابعين. [[الأثر: ١٥٧٤٦ - انظر رجال الأثر السالف.]]
١٥٧٤٧-. . . . قال، حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج بن أرطأة، عن قابوس قال: سمعت أبا ظبيان يقول: ﴿مردفين﴾ ، قال: الملائكة، بعضهم على إثر بعض. [[الأثر: ١٥٧٤٧ - " هانئ بن سعيد النخعي "، شيخ ابن وكيع، سلف برقم: ١٣١٥٩، ١٣٩٦٥، ١٤٨٣٦.]]
١٥٧٤٨-. . . . قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: ﴿مردفين﴾ ، قال: بعضهم على إثر بعض.
١٥٧٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
١٥٧٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿مردفين﴾ ، قال: ممدِّين= قال ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: ﴿مردفين﴾ ، "الإرداف"، الإمداد بهم.
١٥٧٥١- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ ، أي متتابعين.
١٥٧٥٢- حدثنا [محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور] قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ ، يتبع بعضهم بعضًا. [[الأثر: ١٥٧٥٢ - صدر هذا الإسناد خطأ لا شك فيه. وهو كما وضعته بين القوسين، جاء في المطبوعة. أما المخطوطة، فهو فيها هكذا: " حدثنا محمد بن عبد الله قال، حدثنا محمد ابن ثور قال، حدثنا بن عبد الأعلى قال حدثنا أحمد بن المفضل ... "، وهو خلط لا ريب، وهما إسنادان.
فالإسناد الأول، هو: " حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد ثور، عن معمر ... "، وهو إسناد دائر في التفسير.
والإسناد الثاني، وهو هذا كما يجب أن يكون:
" حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل ... "، وهو إسناد دائر في التفسير، أقربه رقم: ١٥٧٣٨.
وظاهر أنه قد سقط تمام إسناد " محمد بن عبد الأعلى ".]]
١٥٧٥٣- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿مردفين﴾ ، قال: "المردفين"، بعضهم على إثر بعض، يتبع بعضهم بعضًا.
١٥٧٥٤- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ ، يقول: متتابعين، يوم بدر.
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: "مُرْدَفِينَ"، بنصب الدال.
* *
وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ .
* *
وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك، ويقول فيما ذكر عنه: هو من "أردف بعضهم بعضًا".
* *
وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب وقال: إنما "الإرداف"، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه. قال: ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر.
* *
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها.
فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قرئ بالكسر: أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضًا، على لغة من قال: "أردفته". وقالوا: العرب تقول: "أردفته". و"رَدِفته"، بمعنى "تبعته" و"أتبعته"، واستشهد لصحة قولهم ذلك بما قال الشاعر: [[هو: حزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، من قدماء الشعراء في الجاهلية. و " حزيمة " بالحاء المهملة المفتوحة، وكسر الزاي، هكذا ضبطه في تاج العروس، وقال: " وحزيمة بن نهد " في قضاعة. وهو في كتب كثيرة " خزيمة بن نهد "، أو " خزيمة بن مالك بن نهد " (اللسان: ردف) . وقد قرأت في جمهرة الأنساب لابن حزم: ٤١٨، أن " نهد بن زيد "، ولد " خزيمة " و " حزيمة "، فهذا يقتضي التوقف والنظر في ضبطه، وأيهما كان صاحب القصة والشعر. وإن كان الأرجح هو الأول.]] إِذَا الْجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا [[الأغاني ١٣: ٧٨، معجم ما استعجم: ١٩، سمط اللآلئ: ١٠٠، شرح ديوان أبي ذؤيب: ١٤٥. المعارف لا بن قتيبة: ٣٠٢، الأزمنة والأمكنة ٢: ١٣٠، جمهرة الأمثال: ٣١، الأمثال للميداني ١: ٦٥، اللسان (ردف) ، (قرظ) .
وسبب هذا الشعر: أن حزيمة بن نهد كان مشئومًا فاسدًا متعرضًا للنساء، فعلق فاطمة بنت يذكر ابن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، (وهو أحد القارظين المضروب بهما المثل) ، فاجتمع قومه وقومها في مربع، فلما انقضى الربيع، ارتحلت إلى منازلها فقيل له: يا حزيمة: لقد ارتحلت فاطمة! قال: أما إذا كانت حية ففيها أطمع! ثم قال في ذلك: إِذَا الْجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا
ظَنَنْتُ بِهَا، وَظَنُّ المرء حُوبٌ ... وَإنْ أَوْفَى، وَإِنْ سَكَنَ الحَجُونا
وَحَالَتْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ هُمُومِي ... هُمُومٌ تُخْرِيُج الشَّجَنَ الدَّفينَا
أَرَى ابْنَةَ يَذْكُرٍ ظَعَنَتْ فَحَلَّتْ ... جَنُوبَ الْحَزْنِ، يا شَحَطًا مُبِينَا!
فبلغ ذلك ربيعة، فرصدوه، حتى أخذوه فضربوه. فمكث زمانًا، ثم أن حزيمة قال ليذكر ابن عنزة: أحب أن تخرج حتى نأتي بقرظ. فمرا بقليب فاستقيا، فسقطت الدلو، فنزل يذكر ليخرجها. فلما صار إلى البئر، منعه حزيمة الرشاء، وقال: زوجني فاطمة! فقال: على هذه الحال، اقتسارًا! أخرجني أفعل! قال: لا أخرجك! فتركه حتى مات فيها. فلما رجع وليس هو معه، سأله عنه أهله، فقال: فارقني، فلست أدري أين سلك! فاتهمته ربيعة، وكان بينهم وبين قومه قضاعة في ذلك شر، ولم يتحقق أمر فيؤخذ به، حتى قال حزيمة: فَتَاةٌ كَأَنَّ رُضَابَ العَبِيرِ ... بِفِيهَا، يُعَلُّ بِهِ الزَّنْجَبِيلُ
قَتَلْتُ أَبَاهَا عَلَى حُبِّهَا، ... فَتَبْخَلُ إنْ بَخِلَتْ أوْ تُنِيلُ
عندئذ، ثارت الحرب بين قضاعة وربيعة.
قال أبو بكر بن السراج في معنى بيت الشاهد: " إن الجوزاء تردف الثريا في اشتداد الحر، فتتكبد السماء في آخر الليل، وعند ذلك تنقطع المياه وتجف، فيتفرق الناس في طلب المياه، فتغيب عنه محبوبته، فلا يدري أين مضت، ولا أين نزلت ". وانظر أيضًا شرحه في الأزمنة والأمكنة ٢: ١٣٠، ١٣١.]]
قالوا: فقال الشاعر: "أردفت"، وإنما أراد "ردفت"، جاءت بعدها، لأن الجوزاء تجئ بعد الثريا.
وقالوا معناه إذا قرئ ﴿مردَفين﴾ ، أنه مفعول بهم، كأن معناه: بألف من الملائكة يُرْدِف الله بعضهم بعضًا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٤، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤١.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك، إذا كسرت الدال: أردفت الملائكة بعضها بعضًا= وإذا قرئ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ، بكسر الدال، لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضًا، ومتتابعين= ففي إجماعهم على ذلك من التأويل، الدليلُ الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال، بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا، ومسموع من العرب: "جئت مُرْدِفًا لفلان"، أي: جئت بعده.
وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرئ "مردَفين" بفتح الدال: أن الله أردفَ المسلمين بهم= فقولٌ لا معنى له، إذ الذكر الذي في "مردفين" من الملائكة دون المؤمنين. وإنما معنى الكلام: أن يمدكم بألف من الملائكة يُرْدَف بعضهم ببعض. ثم حذف ذكر الفاعل، وأخرج الخبر غير مسمَّى فاعلُه، فقيل: ﴿مردَفين﴾ ، بمعنى: مردَفٌ بعض الملائكة ببعض.
ولو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله، وجب أن يكون في "المردفين" ذكر المسلمين، لا ذكر الملائكة. وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر القرآن.
وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى، وهي ما:-
١٥٧٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الله بن يزيد: "مُرَدِّفِينَ" و"مُرِدِّفِينَ" و "مُرُدِّفِينَ"، مثقَّل [[ضبطها القرطبي في تفسيره ٧: ٣٧١.]] على معنى: "مُرْتَدِفين".
١٥٧٥٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي رضي الله عنه قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي ﷺ، وأنا فيها. [[الطبري: ١٥٧٥٦ - " عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري "، الأعرج، يعرف " بابن أبي ثابت "، كان صاحب نسب وشعر، ولم يكن صاحب حديث، وكان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم. قال البخاري " منكر الحديث، لا يكتب حديثه "، وقال ابن أبي حاتم: " منكر الحديث جدًا ". مضى برقم: ٨٠١٢.
و" الزمعي "، هو " موسى بن يعقوب الزمعي القرشي "، ثقة، متكلم فيه مضى برقم: ٩٩٢٣، زكان في المطبوعة هناك " الربعي "، وهي في المخطوطة غير منقوطة، وهذا صوابه، وهو الذي يروى عن أبي الحويرث.
و" أبو الحويرث " هو: " عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث الأنصاري الزرقي "، ثقة، متكلم فيه حتى قالوا: " لا يحتج بحديثه، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢٨٤، و"محمد بن جبير بن مطعم"، ثقة تابعي مضى برقم: ٩٢٦٩. وهو إسناد ضعيف جداً.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يجعل الله إردافَ الملائكة بعضها بعضًا وتتابعها بالمصير إليكم، أيها المؤمنون، مددًا لكم= "إلا بشرى" لكم، أي: بشارة لكم، تبشركم بنصر الله إياكم على أعدائكم [[انظر تفسير " البشرى " فيما سلف ص: ٣٠٣، تعليق: ٢، المراجع هناك.]] = "ولتطمئن به قلوبكم"، يقول: ولتسكن قلوبكم بمجيئها إليكم، وتوقن بنصرة الله لكم [[انظر تفسير " الاطمئنان " فيما سلف ٥: ٤٩٢ \ ٩: ١٦٥ \ ١١: ٢٢٤.]] = "وما النصر إلا من عند الله"، يقول: وما تنصرون على عدوكم، أيها المؤمنون، إلا أن ينصركم الله عليهم، لا بشدة بأسكم وقواكم، بل بنصر الله لكم، لأن ذلك بيده وإليه، ينصر من يشاء من خلقه= "إن الله عزيز حكيم" يقول: إن الله الذي ينصركم، وبيده نصرُ من يشاء من خلقه= "عزيز"، لا يقهره شيء، ولا يغلبه غالب، بل يقهر كل شيء ويغلبه، لأنه خلقه= "حكيم"، يقول: حكيم في تدبيره ونصره من نصر، وخذلانه من خذل من خلقه، لا يدخل تدبيره وهن ولا خَلل. [[انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم) .]]
* *
وروي عن عبد الله بن كثير عن مجاهد في ذلك، ما:-
١٥٧٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، أخبرني ابن كثير: انه سمع مجاهدًا يقول: ما مدّ النبي ﷺ مما ذكر الله غيرُ ألف من الملائكة مردفين، وذكر "الثلاثة" و"الخمسة" بشرى، ما مدُّوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله عز وجل في "الأنفال"، وأما "الثلاثة" و"الخمسة"، فكانت بشرَى.
* *
وقد أتينا على ذلك في "سورة آل عمران"، بما فيه الكفاية. [[انظر ما سلف ٧: ١٧٣ - ١٩٢.]]
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ولتطمئن به قلوبكم"، "إذ يغشيكم النعاس"، ويعني بقوله: ﴿يغشيكم النعاس﴾ ، يلقي عليكم النعاس [[انظر تفسير " يغشى " فيما سلف ١: ٢٦٥، ٢٦٦ \ ١٢: ٤٣٦: ٤٨٣.
= وتفسير " النعاس " فيما سلف ٧: ٣١٦.]] = ﴿أمنة﴾ يقول: أمانًا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل.
* *
١٥٧٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله قال: النعاس في القتال، أمنةٌ من الله عز وجل، وفي الصلاة من الشيطان. [[الأثر: ١٥٧٥٨ - انظر هذا الخبر بإسناد آخر فيما سلف رقم: ٨٠٨٣.]]
١٥٧٥٩ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري في قوله: "يغشاكم النعاس أمنة منه"، [[قوله: " يغشاكم النعاس " قراءة أخرى في الآية، وسأثبتها كما جاءت في المخطوطة بعد.]] عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله، بنحوه، قال: قال عبد الله، فذكر مثله.
١٥٧٦٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بنحوه.
* *
و"الأمنة" مصدر من قول القائل: "أمنت من كذا أمَنَة، وأمانًا، وأمْنًا" وكل ذلك بمعنى واحد. [[انظر تفسير " أمنة " فيما سلف ٧: ٣١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٦١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أمنة منه﴾ ، أمانًا من الله عز وجل.
١٥٧٦٢ -. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أمنة﴾ ، قال: أمنًا من الله.
١٥٧٦٣- حدثني يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾ ، قال: أنزل الله عز وجل النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد. فقرأ: ﴿ثُمَّ أَنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [سورة ال عمران: ١٥٤] .
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: "إذ يغشيكم النعاس أمنة منه"،
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: " يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ " بضم الياء وتخفيف الشين، ونصب "النعاس"، من: "أغشاهم الله النعاس فهو يغشيهم".
* *
وقرأته عامة قرأة الكوفيين: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ ، بضم الياء وتشديد الشين، من: "غشّاهم الله النعاس فهو يغشِّيهم".
* *
وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: "يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ"، بفتح الياء ورفع "النعاس"، بمعنى: "غشيهم النعاس فهو يغشاهم".
واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله في "آل عمران": ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ [سورة ال عمران: ١٥٤] .
* *
قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ﴾ ، على ما ذكرت من قراءة الكوفيين، لإجماع جميع القراء على قراءة قوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء﴾ ، بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل، فكذلك الواجب أن يكون كذلك ﴿يغشيكم﴾ ، إذ كان قوله: ﴿وينزل﴾ ، عطفًا على "يغشي"، ليكون الكلام متسقًا على نحو واحد.
* *
وأما قوله عز وجل: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ ، فإن ذلك مطرٌ أنزله الله من السماء يوم بدر ليطهر به المؤمنين لصلاتهم، لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مُجْنبِين على غير ماء. فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء، فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر. فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم، لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة ميثثاء، [[في المطبوعة: " على رملة هشاء "، ولا أصل لذلك في اللغة، كلام لا يقال. وهو في المخطوطة سيء الكتابة قليلا، صواب قراءته ما أثبت. و " الرملة الميثاء "، اللينة السهلة. قد تسوخ فيها الرجل قليلاً.]] فلبَّدها المطر، حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئةً من الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه، أسبابَ التمكن من عدوهم والظفر بهم.
* *
وبمثل الذي قلنا تتابعت الأخبار عن [أصحاب] رسول الله ﷺ وغيره من أهل العلم. [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، والأخبار الآتية تدل عل صحة ذلك. وكان في المخطوطة أمام هذا السطر حرف (ط) دلالة على الخطأ والشك.]]
ذكر الأخبار الواردة بذلك:
١٥٧٦٤- حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي رضي الله عنه قال: أصابنا من الليل طَشّ من المطر [[" الطش "، المطر القليل، وهو فوق " الرذاذ ".]] = يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر = فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف نستظل تحتها من المطر، [[في المطبوعة: " تحت الشجر "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب جيد.
= و " الحجف " (بفتحتين) جمع " جحفة ". وهي الترس، يكون من الجلود ليس فيه خشب ولا عقب، وهو مثل " الدرقة ".]] وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض! " فلما أن طلع الفجر، نادى: "الصلاة عبادَ الله! "، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ، وحرض على القتال. [[الأثر: ١٥٧٦٤ - " هارون بن إسحاق الهمداني "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٣٠٠١، ١٠٨٧٣.
و" مصعب بن المقدام الخثمي "، ثقة مضى برقم: ١٢٩١، ٣٠٠١، ١٠٨٧٣، وغيرها.
و" إسرائيل " هو " إسرائيل بن يونس بن إسحاق السبيعي " ثقة حافظ، مضى مرارًا كثيرة.
و" حارثة " هو " حارثة بن مضرب العبدي "، من ثقات التابعين، مضى برقم: ٢٠٥٧، ٨٥٩٧.
وهو خبر صحيح الإسناد، خرجه السيوطي مختصرًا بغير هذا اللفظ، ونسبة إلى ابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه. الدر المنثور ٣: ١٧١.]]
١٥٧٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وأبو خالد، عن داود، عن سعيد بن المسيب: ﴿ماء ليطهركم به﴾ ، قال: طش يوم بدر.
١٥٧٦٦ - حدثني الحسن بن يزيد قال، حدثنا حفص، عن داود، عن سعيد، بنحوه. [[الأثر: ١٥٧٦٦ - " الحسن بن يزيد "، لم أجد في شيوخ أبي جعفر، وفيمن روى عن حفص بن غياث، من يقال له " الحسن بن يزيد "، وأرجح أنه:
" الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي "، شيخ أبي جعفر، نسبه إلى جده، وقد مضى برقم: ٩٣٧٣، ١٢٥٨١.]]
١٥٧٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبي عدي وعبد الأعلى، عن داود، عن الشعبي وسعيد بن المسيب، قالا طش يوم بدر.
١٥٧٦٨- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي وسعيد بن المسيب في هذه الآية: ﴿ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ ، قالا طشٌّ كان يوم بدر، فثبَّت الله به الأقدام.
١٥٧٦٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "إذ يغشاكم النعاس أمنة منه" الآية، ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً، واقتتلوا على كثيب أعفر، [[" الأعفر "، الرمل الأحمر.]] فلبَّده الله بالماء، وشرب المسلمون وتوضأوا وسقوْا، وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان.
١٥٧٧٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال، نزل النبي ﷺ = يعني: حين سار إلى بدر= والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دَعْصَة، [[" رملة دعصة "، هكذا جاء في التفسير، في المخطوطة والمطبوعة، وفي ابن كثير، وضبطته بفتح الدال، لأني رجوت أن يكون صفة، كقولهم: " الدعصاء "، وهي أرض سهلة فيها رملة تحمي عليها الشمس، فتكون رمضاؤها أشد من غيرها، قال: وَالمُسْتَجِيرُ بِعَمْرٍو عِنْدَ كُرْبَتِهِ ... كَالمُسْتَجِيرِ مِنَ الدَّعْصَاءِ بِالنَّارِ
ولكن كتب اللغة لم تذكر " دعصة "، هذه. وفي بعض الأخبار الأخرى " رملة دهسة ". و " الدهس "، و " الدهاس "، أرض سهلة لينة يثقل فيها المشي.]] فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون مُجْنِبين! فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدوابّ، فساروا إلى القوم، وأمدّ الله نبيه بألف من الملائكة، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنِّبةً، وميكائيل في خمسمائة مجنبةً. [[" المجنبة " (بتشديد النون مكسورة) ، هي الكتيبة التي تأخذ إحدى ناحيتي الجيش، " المجنبة اليمنى "، و " المجنبة اليسرى " وهي: " الميمنة " و " الميسرة ".]]
١٥٧٧١ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "إذ يغشاكم النعاس أمنة منه" إلى قوله: ﴿ويثبت به الأقدام﴾ ، وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين مُحْدِثين، حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله ﷺ، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المسلمون، وملئوا الأسقية، وسقوا الرِّكاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رَملة، فبعث الله عليها المطر، فضربها حتى اشتدَّت، وثبتت عليها الأقدام.
١٥٧٧٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: بينا رسول الله ﷺ والمسلمون، فسبقهم المشركون إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وانصرف أبو سفيان وأصحابه تِلْقاء البحر، فانطلقوا. قال: فنزلوا على أعلى الوادي، ونزل محمد ﷺ في أسفله. فكان الرجل من أصحاب محمد عليه السلام يُجْنِب فلا يقدر على الماء، فصلي جُنُبًا، فألقى الشيطان في قلوبهم فقال: كيف ترجون أن تظهروا عليهم، وأحدكم يقوم إلى الصلاة جنبًا على غير وضوء!، قال: فأرسل الله عليهم المطر، فاغتسلوا وتوضأوا وشربوا، واشتدّت لهم الأرض، وكانت بطحاء تدخل فيها أرجلهم، [[" البطحاء "، تراب لين جرته السيول، وهو " الأبطح "، يكون في مسيل الوادي.]] فاشتدت لهم من المطر، واشتدُّوا عليها.
١٥٧٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: غلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياء الله، وقد غلبتم على الماء، وتصلون مُجْنبين محدثين! قال: فأنزل الله عز وجل ماء من السماء، فسال كل وادٍ، فشرب المسلمون وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسة الشيطان.
١٥٧٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ماء ليطهركم به﴾ ، قال: المطر، أنزله عليهم قبل النعاس= ﴿رجز الشيطان﴾ ، قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، [[في المخطوطة: " واصـ به " غير منقوطة، كأنها " وأثبتت به "، بالبناء للمجهول، والذي في المطبوعة جيد، وقريب أن يكون قد حرفه الناسخ.]] وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.
١٥٧٧٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ماء ليطهركم به﴾ ، أنزله عليهم قبل النعاس، طبَّق بالمطر الغبار، ولبّد به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به الأقدام.
١٥٧٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ماء ليطهركم به﴾ ، قال: القطر= ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ ، وساوسه. أطفأ بالمطر الغبار، ولبد به الأرض، [[في المخطوطة: " تطفي بالمطر الغبار، وبدت به الأرض "، وهو محرف، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.]] وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم.
١٥٧٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "رجز الشيطان"، وسوسته.
١٥٧٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ ، قال: هذا يوم بدر أنزل عليهم القطر= ﴿وليذهب عنكم رجز الشيطان﴾ ، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة! = ﴿وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ .
١٥٧٧٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إذ يغشاكم النعاس أمنة منه﴾ ، إلى قوله: ﴿ويثبت به الأقدام﴾ ، إن المشركين نزلوا بالماء يوم بدر، وغلبوا المسلمين عليه، فأصاب المسلمين الظمأ، وصلوا محدثين مجنبين، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزَن، ووسوس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله، وأن محمدًا نبي الله، وقد غلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين! فأمطر الله السماء حتى سال كل واد، فشرب المسلمون وملأوا أسقيتهم، [[في المخطوطة: " وبلوا أسقيتهم ". كأنها تقرأ " وبلوا "، والذي في المطبوعة جيد، قد مضى مثله في الأخبار.]] وسقوا دوابهم، واغتسلوا من الجنابة، وثبت الله به الأقدام. وذلك أنهم كان بينهم وبين عدوهم رملة لا تجوزها الدواب، ولا يمشي فيها الماشي إلا بجَهد، فضربها الله بالمطر حتى اشتدت، وثبتت فيها الأقدام.
١٥٧٨٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "إذ يغشاكم النعاس أمنة منه"، أي: أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون،= "وينزل عليكم من السماء ماء"، للمطر الذي أصابهم تلك الليلة، [[في المطبوعة: " ونزل عليكم من السماء المطر الذي أصابهم ... "، وفي المخطوطة: ونزلت عليكم من السماء المطر الذي أصابهم ... "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام وهو الجيد.]] فحبس المشركون أن يسبقوا إلى الماء، وخلَّي سبيل المؤمنين إليه= ﴿ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام﴾ ، ليذهب عنهم شك الشيطان، بتخويفه إياهم عدوهم، واستجلاد الأرض لهم، [[" استجلاد الأرض ": من " الجلد " (بفتحتين) ، وهي الأرض الصلبة، يعني أنها صارت أرضًا صلبة غليظة، بعد أن كانت رملة ميثاء لينة.
و" استجلدت الأرض "، مما لم تذكره معاجم اللغة، وهو عريق فصيح.]] حتى انتهوا إلى منزلهم الذي سبق إليه عدوهم. [[الأثر: ١٥٧٨٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٤٠. وكان في المطبوعة: " الذي سبق "، غير ما كان في المخطوطة، وهو المطابق لما في سيرة ابن هشام، وهو الصواب.]]
١٥٧٨١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطان في قلوبهم من شأن الجنابة، وقيامهم يصلون بغير وضوء، فقال: "إذ يغشيكم النعاسَ أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام"، حتى تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض.
١٥٧٨٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا داود بن أبي هند قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب= وقال مرة: قرأ= ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهِّركم به﴾ ، [[في المطبوعة كتب " ليطهركم بها "، غير ما في المخطوطة، ولا أدري من أين جاء بها، ولم أجد قراءة كهذه القراءة، بل المعروف أن قراءة عامة القرأة " ليطهركم به " بتشديد الهاء مكسورة، من " طهر " مضعفًا، وأن سعيد بن المسيب، قد انفرد بقراءة " ليطهركم "، كما ضبطتها، بضم الياء، وسكون الطاء وكسر الهاء. من " أطهر "، وهي قراءة شاذة. انظر شواذ القراءات لابن خالويه: ٤٩، وتفسير أبي حيان ٤: ٤٦٨]] فقال سعيد: إنما هي: " وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ". قال: وقال الشعبي: كان ذلك طشًا يوم بدر.
* *
وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة، أن مجاز قوله: ﴿ويثبت به الأقدام﴾ ، ويفرغ عليهم الصبر وينزله عليهم، فيثبتون لعدوهم. [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٤٢.]]
وذلك قولٌ خِلافٌ لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وحَسْبُ قولٍ خطًأ أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابِّهم. [[انظر تفسير " تثبيت الأقدام " فيما سلف ٥: ٣٥٤ \ ٧: ٢٧٢، ٢٧٣.
* *
هذا، وقد أغفل أبو جعفر هنا إفراد تفسير " يذهب عنكم رجز الشيطان " و " وليربط على قلوبكم "
وانظر تفسير " الرجز " فيما سلف: ص: ١٧٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وأما قوله: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم﴾ ، أنصركم [[انظر تفسير " مع " فيما سلف ٣: ٢١٤ \ ٥: ٣٥٣.]] = ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ ، يقول: قوُّوا عزمهم، وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين. [[انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف ٥: ٣٥٤ \ ٧ \ ٢٧٢، ٢٧٣، ومادة (ثبت) في فهارس اللغة.]]
* *
وقد قيل: إن تثبيت الملائكة المؤمنين، كان حضورهم حربهم معهم.
* *
وقيل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم.
* *
وقيل: كان ذلك بأن الملك يأتي الرجلَ من أصحاب النبي ﷺ يقول: سمعت هؤلاء القوم= يعني المشركين= يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! [[" الانكشاف "، الانهزام.]] فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك، فتقوى أنفسهم. قالوا: وذلك كان وحي الله إلى ملائكته.
* *
وأما ابن إسحاق، فإنه قال بما:-
١٥٧٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فثبتوا الذين آمنوا﴾ ، أي: فآزروا الذين آمنوا. [[الأثر: ١٥٧٨٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٨٠.]]
القول في تأويل قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سَأرْعِبُ قلوب الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم، وأملأها فرقًا حتى ينهزموا عنكم [[انظر تفسير " إلقاء الرعب " فيما سلف ٧: ٢٧٩.]] = "فاضربوا فوق الأعناق".
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فوق الأعناق﴾ .
فقال بعضهم: معناه: فاضربوا الأعناق.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ ، قال: اضربوا الأعناق.
١٥٧٨٥-. . . . قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال رسول الله ﷺ: إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الأعناق وشدِّ الوَثَاق.
١٥٧٨٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ ، يقول: اضربوا الرقاب.
* *
واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: "رأيت نفس فلان"، بمعنى: رأيته. قالوا: فكذلك قوله: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ ، إنما معناه: فاضربوا الأعناق.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك، فاضربوا الرؤوس.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٨٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ ، قال: الرؤوس.
* *
واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الذي "فوق الأعناق"، الرؤوس. قالوا: وغير جائز أن تقول: "فوق الأعناق"، فيكون معناه: "الأعناق". قالوا: ولو جاز ذلك، جاز أن يقال [[في المطبوعة والمخطوطة: " ولو جاز ذلك كان أن يقال "، وهو فاسد، صوابه ما أثبت.]] "تحت الأعناق"، فيكون معناه: "الأعناق". قالوا: وذلك خلاف المعقول من الخطاب، وقلبٌ لمعاني الكلام. [[في المطبوعة والمخطوطة: " وقلب معاني الكلام "، صواب السياق ما أثبت.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق، وقالوا: "على" و"فوق" معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٢.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: أن الله أمر المؤمنين، مُعَلِّمَهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل. وقوله: ﴿فوق الأعناق﴾ ، محتمل أن يكون مرادًا به الرؤوس، ومحتمل أن يكون مرادًا له: من فوق جلدة الأعناق، [[في المطبوعة حذف " من "، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة.]] فيكون معناه: على الأعناق. وإذا احتمل ذلك، صح قول من قال، معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل، لم يكن لنا أن نوجِّهه إلى بعض معانيه دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة تدلّ على خصوصه، فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم، أصحابَ نبيه ﷺ الذين شهدوا معه بدرًا.
* *
وأما قوله: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، فإن معناه: واضربوا، أيها المؤمنون، من عدوكم كل طَرَف ومَفْصِل من أطراف أيديهم وأرجلهم.
* *
و"البنان": جمع "بنانة"، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين، ومن ذلك قول الشاعر: [[هو العباس بن مرداس السلمي.]]
أَلا لَيْتَنِي قَطَّعْتُ مِنِّي بَنَانَةً وَلاقَيْتُهُ فِي الْبَيْتِ يَقْظَانَ حاذِرَا [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٤٢، اللسان (بنن) ، ولم أجده في مكان آخر.
وقال أبو عبيدة بعد البيت: " يعني أبا ضب، رجلاً من هذيل، قتل هريم بن مرداس وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع ".
وقد روى أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ١٣: ٦٦ (ساسى) ، عن أبي عبيدة أن هريم بن مرداس كان مجاورًا في خزاعة، في جوار رجل منهم يقال له عامر، فقتله رجل من خزاعة يقال له خويلد. فالذي قاله أبو عبيدة هنا مضطرب، وهو زيادة بين قوسين في النسخة المطبوعة، فأخشى أن لا تكون من قول أبي عبيدة.
وأما " أبو ضب " الرجل من هذيل، فهو شاعر معروف من بني لحيان، من هذيل، له شعر في بقية أشعار الهذليين وأخبار، انظر رقم: ١٣، ١٤ من الشعر. وجاء أيضًا في البقية من شعر هذيل ٤٣، ما نصه: " وقال عباس بن مرداس، وأخواله بنو لحيان ": لا تَأْمَنَنْ بالعَادِ والخِلْفِ بَعْدَهَا ... جِوَارَ أُناسٍ يَبِتَنُونَ الحَصَائِرَاِ
ذكر " جوارًا " كان في بني لحيان، فأجابه رجل من بني لحيان، يذكر عقوقه أخواله، ويتهدده بالقتل. جَزَى الله عَبَّاسًا عَلَى نَأْي دَارِهِ ... عُقُوقًا كَحَرِّ النَّارِ يأتِي المَعَاشِرَا
فَوَاللهِ لَوْلا أَنْ يُقال: ابْنُ أخْتِهِ! ... لَفَقَّرْتُهُ، إنِّي أُصِيبُ المَفاقِرَا
فِدًي لأَبِي ضَبٍّ تِلادِي، فإنَّنَا ... تَكَلْنَا عَلَيْهِ دَاخِلا ومُجَاهِرَا
وَمَطْعَنَهُ بالسَّيْفِ أحْشَاءَ مالِكٍ ... بِما كانَ مَنَّي أوْرَدُوهُ الجَرَائِرَا
فقد ذكر في هذا الشعر " أبا ضب "، ومقتله " مالكا ". لم أقف بعد على " مالك " هذا، ولكني أظن أن شعر عباس هذا، يدخل في خبر مقتل " مالك " الذي قتله " أبو ضب "، لا في خبر مقتل أخيه " هريم بن مرداس "، فذاك خبر معروف رجاله.
وقوله " حاذرا "، أي: مستعدًا حذرًا متيقظًا.
وقال شمر: " الحاذر "، المؤدي الشاك السلاح، وفي شعر العباس بن مرداس ما يشعر بذلك: وَإنِّي حاذِرٌ أَنْمِى سِلاحِي ... إلى أَوْصالِ ذَيَّالٍ مَنِيع
وكان في المطبوعة: " قطعت منه بنانة "، فأفسد الشعر إفسادًا، إذ غير الصواب المحض الذي في المخطوطة، متابًعًا خطأ الرواية المحرفة في لسان العرب.]] يعني ب"البنانة" واحدة "البنان".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٨٨- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، قال: كل مفصِل.
١٥٧٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، قال: المفاصل.
١٥٧٩٠-. . . . قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، قال: كل مفصل.
١٥٧٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، قال: الأطراف. ويقال: كل مفصل.
١٥٧٩٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، يعني: بالبنان، الأطراف.
١٥٧٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، قال: الأطراف.
١٥٧٩٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿واضربوا منهم كل بنان﴾ ، يعني: الأطراف.
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلك بأنهم﴾ ، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه.
* *
ومعنى قوله: ﴿شاقوا الله ورسوله﴾ ، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. [[انظر تفسير " الشقاق " فيما سلف ٣: ١١٥، ١١٦، ٣٣٦ \ ٨: ٣١٩ \ ٩: ٢٠٤.]]
* *
ومعنى قوله: ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ ، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما [[في المخطوطة والمطبوعة: " وفارق "، والسياق يقتضي ما أثبت.]] = ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم= وحذف "له" من الكلام، لدلالة الكلام عليها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا العقابُ الذي عجلته لكم، أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله، في الدنيا، من الضرب فوق الأعناق منكم، وضرب كل بنان، بأيدي أوليائي المؤمنين، فذوقوه عاجلا واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذابَ النار. [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ١٢: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
ولفتح "أن" من قوله: ﴿وأن للكافرين﴾ ، من الإعراب وجهان:
أحدهما الرفع، والآخر: النصبُ.
فأما الرفع، فبمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار= بنية تكرير "ذلكم"، كأنه قيل: ذلكم الأمر، وهذا.
وأما النصب: فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلموا، أو: وأيقنوا أن للكافرين= فيكون نصبه بنية فعل مضمر، قال الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [[مضى البيت مرارًا وتخريجه، انظر آخرها ما سلف ١١: ٥٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
بمعنى: وحاملا رمحًا.
والآخر: بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار= ثم حذفت "الباء"، فنصبت. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٥، ٤٠٦.]]
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ذلك بأنهم﴾ ، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم، جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله، وعقاب لهم عليه.
* *
ومعنى قوله: ﴿شاقوا الله ورسوله﴾ ، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا أمرَ الشيطان. [[انظر تفسير " الشقاق " فيما سلف ٣: ١١٥، ١١٦، ٣٣٦ \ ٨: ٣١٩ \ ٩: ٢٠٤.]]
* *
ومعنى قوله: ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾ ، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما [[في المخطوطة والمطبوعة: " وفارق "، والسياق يقتضي ما أثبت.]] = ﴿فإن الله شديد العقاب﴾ ، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم، وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم= وحذف "له" من الكلام، لدلالة الكلام عليها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا العقابُ الذي عجلته لكم، أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله، في الدنيا، من الضرب فوق الأعناق منكم، وضرب كل بنان، بأيدي أوليائي المؤمنين، فذوقوه عاجلا واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذابَ النار. [[انظر تفسير " الذوق " فيما سلف ١٢: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
ولفتح "أن" من قوله: ﴿وأن للكافرين﴾ ، من الإعراب وجهان:
أحدهما الرفع، والآخر: النصبُ.
فأما الرفع، فبمعنى: ذلكم فذوقوه، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار= بنية تكرير "ذلكم"، كأنه قيل: ذلكم الأمر، وهذا.
وأما النصب: فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه، واعلموا، أو: وأيقنوا أن للكافرين= فيكون نصبه بنية فعل مضمر، قال الشاعر:
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا [[مضى البيت مرارًا وتخريجه، انظر آخرها ما سلف ١١: ٥٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
بمعنى: وحاملا رمحًا.
والآخر: بمعنى: ذلكم فذوقوه، وبأن للكافرين عذاب النار= ثم حذفت "الباء"، فنصبت. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٥، ٤٠٦.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله= ﴿إذا لقيتم الذين كفروا﴾ في القتال= ﴿زحفًا﴾ ، يقول: متزاحفًا بعضكم إلى بعض= و"التزاحف"، التداني والتقارب [[هذا الشرح لقوله: " التزاحف "، لا تجده في معاجم اللغة، فيقيد.]] = "فلا تولوهم الأدبار"، يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .
= وتفسير " الدبر " فيما سلف ٧: ١٠٩، ١١٠ \ ١٠: ١٧٠.]] = "ومن يولهم يومئذ دبره"، يقول: ومن يولهم منكم ظهره = ﴿إلا متحرفًا لقتال﴾ ، يقول: إلا مستطردًا لقتال عدوه، يطلب عورةً له يمكنه إصابتها فيكرّ عليه = ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ أو: إلا أن يوليهم ظهره متحيزًا إلى فئة، يقول: صائرًا إلى حَيِّز المؤمنين الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالهم، [[انظر تفسير " فئة " فيما سلف ٩: ٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويرجعون به معهم إليهم. [[في المطبوعة: " يرجعون به معهم إليهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، قال: "المتحرف"، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدوّ فيصيبها. قال، و"المتحيز"، الفارّ إلى النبي ﷺ وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه. قال الضحاك: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد ﷺ، أن لا يفروا. وإنما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه فئتَهم. [[في المطبوعة: حذف " وأصحابه "، تحكمًا.]]
١٥٧٩٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، أما "المتحرف"، يقول: إلا مستطردًا، يريد العودة= ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، قال: "المتحيز"، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام.
* *
واختلف أهل العلم في حكم قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم﴾ ، هل هو خاص في أهل بدر، أم هو في المؤمنين جميعًا؟
فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليومَ فلهم الانهزام.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٩٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة في قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذاك يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحز إلا إلي [[وقف على قوله: " إلى "، كأنه يشير بيده إلى الفئة الأخرى، والتي فسرها أبو موسى، وهو ابن المثنى، بقوله: يعني: إلى المشركين.]] = قال أبو موسى: يعني: إلى المشركين.
١٥٧٩٨- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قوله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، ثم ذكر نحوه= إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم في الأرض غيرهم.
١٥٧٩٩- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن مفضل قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ .
١٥٨٠٠ - حدثني ابن المثنى، وعلي بن مسلم الطوسي= قال ابن المثنى: حدثني عبد الصمد= وقال علي: حدثنا عبد الصمد= قال، حدثنا شعبة، عن داود، يعني ابن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: يوم بدر= قال أبو موسى: حدثت أن في كتاب غندر هذا الحديث: عن داود، عن الشعبي، عن أبي سعيد.
١٥٨٠١ - حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: إنما كان ذلك يوم بدر، لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله ﷺ. فأما بعد ذلك، فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض. [[الآثار: ١٥٧٩٧ - ١٥٨٠١ - " داود " هو " ابن أبي هند " مضى مرارًا.
و" أبو نضرة " هو " المنذر بن مالك بن قطعة العبدي "، ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٤٦٦٤.
و" أبو سعيد "، هو أبو سعيد الخدري، صاحب رسول الله.
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٧، من طريق شعبة، عن داود بن أبي هند، بمثله، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.]]
١٥٨٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: هذه نزلت في أهل بدر.
١٥٨٠٣- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، أكان ذلك اليوم، أم هو بعد؟ قال: وكتب إليّ: "إنما كان ذلك يوم بدر".
١٥٨٠٤- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك قال: إنما كان الفرار يوم بدر، ولم يكن لهم ملجأ يلجأون إليه. فأما اليوم، فليس فرارً.
١٥٨٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر.
١٥٨٠٦-. . . . قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة.
١٥٨٠٧-. . . . قال، حدثنا روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: نزلت في أهل بدر.
١٥٨٠٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذلكم يوم بدر.
١٥٨٠٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك. عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذلك يوم بدر. فأما اليوم، فإن انحاز إلى فئة أو مصر = أحسبه قال: فلا بأس به.
١٥٨١٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: إنما هذا يوم بدر.
١٥٨١١- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة قال، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النارَ. قال: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) ، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [سورة ال عمران: ١٥٥] . ثم كان حنين، بعد ذلك بسبع سنين فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة: ٢٥] : ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة التوبة: ٢٧] .
١٥٨١٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن محمد، أن عمر رحمة الله عليه بلغه قتل أبي عبيدٍ فقال: لو تحيز إليّ! إنْ كنتُ لَفِئَةً! [[الأثر: ١٥٨١٢ - " أبو عبيدة بن مسعود الثقفي "، صحابي وهو صاحب يوم الجسر المعروف بجسر أبي عبيد. وكان عمر ولى الخلافة، عزل خالد بن الوليد عن العراق والأعنة، وولى أبا عبيد بن مسعود الثقفي سنة ١٣. ولما وجه يزدجر جموعه إلى جيش أبي عبيد، عبر أبو عبيد الجسر في المضيق، فاقتتلوا قتالا شديدًا، وأنكى أبو عبيد في الفرس: وضرب أبو عبيد مشفر الفيل، فبرك عليه الفيل فقتله. واستشهد من المسلمين يومئذ ألف وثمانمائة، ويقال أربعة آلاف، ما بين قتيل وغريق. انظر الاستيعاب: ٦٧١، وتاريخ الطبري ٤: ٦٧ - ٧٠. وانظر الأثر رقم: ١٥٨١٤، ١٥٨١٥. وفي كثير من الكتب " أبو عبيدة " في هذا الخبر، وهو خطأ.
وكان في المطبوعة هنا: " لو تحيز إلى لكنت له فئة "، غير ما في المخطوطة بلا أمانة ولا معرفة.]]
١٥٨١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن جرير بن حازم قال، حدثني قيس بن سعد قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ، [سورة الأنفال: ٦٦] . قال: وليس لقوم أن يفرُّوا من مثلَيْهم. قال: ونسخت تلك إلا هذه العِدّة. [[الأثر: ١٥٨١٣ - " قيس بن سعد المكي "، ثقة، مضى برقم: ٢٩٤٣، ٩٤١٣، وكان في المخطوطة والمطبوعة: " قيس بن سعيد "، وهو خطأ.]]
١٥٨١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان قال: لما قتل أبو عبيد، جاء الخبر إلى عمر فقال: يا أيها الناس، أنا فئتكم. [[الأثر: ١٥٨١٤ - " أبو عثمان "، مجهول، روى عن أنس بن مالك، ومعقل بن يسار. روى عنه " سليمان التيمي "، قال ابن المديني: " لم يرو عنه غيره، وهو مجهول " مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٤٠٨.]]
١٥٨١٥-. . . . قال: ابن المبارك، عن معمر وسفيان الثوري وابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال عمر رضي الله عنه: أنا فئة كل مسلم.
* *
وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزمًا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، والفرار من الزحف، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره ... فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ .
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب عندي قولُ من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرّم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرفٍ القتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتالٍ منهزمًا بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه.
وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره: [[انظر ما قاله في " النسخ "، في فهارس الموضوعات، وفي فهارس اللغة والنحو وغيرها.]] أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ .
* *
وأما قوله: ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ ، يقول: فقد رجع بغضب من الله [[انظر تفسير " باء " فيما سلف ١٠: ٢١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ومأواه جهنم﴾ ، يقول: ومصيره الذي يصير إليه في معاده يوم القيامة جهنم [[انظر تفسير " مأوى " فيما سلف ١٠: ٤٨١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = "وبئس المصير"، يقول: وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير. [[انظر تفسير " المصير " فيما سلف ٩: ٢٠٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله= ﴿إذا لقيتم الذين كفروا﴾ في القتال= ﴿زحفًا﴾ ، يقول: متزاحفًا بعضكم إلى بعض= و"التزاحف"، التداني والتقارب [[هذا الشرح لقوله: " التزاحف "، لا تجده في معاجم اللغة، فيقيد.]] = "فلا تولوهم الأدبار"، يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .
= وتفسير " الدبر " فيما سلف ٧: ١٠٩، ١١٠ \ ١٠: ١٧٠.]] = "ومن يولهم يومئذ دبره"، يقول: ومن يولهم منكم ظهره = ﴿إلا متحرفًا لقتال﴾ ، يقول: إلا مستطردًا لقتال عدوه، يطلب عورةً له يمكنه إصابتها فيكرّ عليه = ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ أو: إلا أن يوليهم ظهره متحيزًا إلى فئة، يقول: صائرًا إلى حَيِّز المؤمنين الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالهم، [[انظر تفسير " فئة " فيما سلف ٩: ٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ويرجعون به معهم إليهم. [[في المطبوعة: " يرجعون به معهم إليهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، قال: "المتحرف"، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدوّ فيصيبها. قال، و"المتحيز"، الفارّ إلى النبي ﷺ وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه. قال الضحاك: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد ﷺ، أن لا يفروا. وإنما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه فئتَهم. [[في المطبوعة: حذف " وأصحابه "، تحكمًا.]]
١٥٧٩٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، أما "المتحرف"، يقول: إلا مستطردًا، يريد العودة= ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ ، قال: "المتحيز"، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة، ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام.
* *
واختلف أهل العلم في حكم قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم﴾ ، هل هو خاص في أهل بدر، أم هو في المؤمنين جميعًا؟
فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة، لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله ﷺ مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليومَ فلهم الانهزام.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧٩٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة في قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذاك يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحاز أحدٌ لم ينحز إلا إلي [[وقف على قوله: " إلى "، كأنه يشير بيده إلى الفئة الأخرى، والتي فسرها أبو موسى، وهو ابن المثنى، بقوله: يعني: إلى المشركين.]] = قال أبو موسى: يعني: إلى المشركين.
١٥٧٩٨- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد، عن داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قوله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، ثم ذكر نحوه= إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم في الأرض غيرهم.
١٥٧٩٩- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن مفضل قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ .
١٥٨٠٠ - حدثني ابن المثنى، وعلي بن مسلم الطوسي= قال ابن المثنى: حدثني عبد الصمد= وقال علي: حدثنا عبد الصمد= قال، حدثنا شعبة، عن داود، يعني ابن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: يوم بدر= قال أبو موسى: حدثت أن في كتاب غندر هذا الحديث: عن داود، عن الشعبي، عن أبي سعيد.
١٥٨٠١ - حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: إنما كان ذلك يوم بدر، لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله ﷺ. فأما بعد ذلك، فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض. [[الآثار: ١٥٧٩٧ - ١٥٨٠١ - " داود " هو " ابن أبي هند " مضى مرارًا.
و" أبو نضرة " هو " المنذر بن مالك بن قطعة العبدي "، ثقة، مضى مرارًا آخرها رقم: ١٤٦٦٤.
و" أبو سعيد "، هو أبو سعيد الخدري، صاحب رسول الله.
وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٧، من طريق شعبة، عن داود بن أبي هند، بمثله، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.]]
١٥٨٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي نضرة: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: هذه نزلت في أهل بدر.
١٥٨٠٣- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، أكان ذلك اليوم، أم هو بعد؟ قال: وكتب إليّ: "إنما كان ذلك يوم بدر".
١٥٨٠٤- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك قال: إنما كان الفرار يوم بدر، ولم يكن لهم ملجأ يلجأون إليه. فأما اليوم، فليس فرارً.
١٥٨٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر.
١٥٨٠٦-. . . . قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة.
١٥٨٠٧-. . . . قال، حدثنا روح بن عبادة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: نزلت في أهل بدر.
١٥٨٠٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذلكم يوم بدر.
١٥٨٠٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك. عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: ذلك يوم بدر. فأما اليوم، فإن انحاز إلى فئة أو مصر = أحسبه قال: فلا بأس به.
١٥٨١٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: إنما هذا يوم بدر.
١٥٨١١- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة قال، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النارَ. قال: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله) ، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [سورة ال عمران: ١٥٥] . ثم كان حنين، بعد ذلك بسبع سنين فقال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة: ٢٥] : ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة التوبة: ٢٧] .
١٥٨١٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن محمد، أن عمر رحمة الله عليه بلغه قتل أبي عبيدٍ فقال: لو تحيز إليّ! إنْ كنتُ لَفِئَةً! [[الأثر: ١٥٨١٢ - " أبو عبيدة بن مسعود الثقفي "، صحابي وهو صاحب يوم الجسر المعروف بجسر أبي عبيد. وكان عمر ولى الخلافة، عزل خالد بن الوليد عن العراق والأعنة، وولى أبا عبيد بن مسعود الثقفي سنة ١٣. ولما وجه يزدجر جموعه إلى جيش أبي عبيد، عبر أبو عبيد الجسر في المضيق، فاقتتلوا قتالا شديدًا، وأنكى أبو عبيد في الفرس: وضرب أبو عبيد مشفر الفيل، فبرك عليه الفيل فقتله. واستشهد من المسلمين يومئذ ألف وثمانمائة، ويقال أربعة آلاف، ما بين قتيل وغريق. انظر الاستيعاب: ٦٧١، وتاريخ الطبري ٤: ٦٧ - ٧٠. وانظر الأثر رقم: ١٥٨١٤، ١٥٨١٥. وفي كثير من الكتب " أبو عبيدة " في هذا الخبر، وهو خطأ.
وكان في المطبوعة هنا: " لو تحيز إلى لكنت له فئة "، غير ما في المخطوطة بلا أمانة ولا معرفة.]]
١٥٨١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن جرير بن حازم قال، حدثني قيس بن سعد قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره﴾ ، قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ ، [سورة الأنفال: ٦٦] . قال: وليس لقوم أن يفرُّوا من مثلَيْهم. قال: ونسخت تلك إلا هذه العِدّة. [[الأثر: ١٥٨١٣ - " قيس بن سعد المكي "، ثقة، مضى برقم: ٢٩٤٣، ٩٤١٣، وكان في المخطوطة والمطبوعة: " قيس بن سعيد "، وهو خطأ.]]
١٥٨١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان قال: لما قتل أبو عبيد، جاء الخبر إلى عمر فقال: يا أيها الناس، أنا فئتكم. [[الأثر: ١٥٨١٤ - " أبو عثمان "، مجهول، روى عن أنس بن مالك، ومعقل بن يسار. روى عنه " سليمان التيمي "، قال ابن المديني: " لم يرو عنه غيره، وهو مجهول " مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٤٠٨.]]
١٥٨١٥-. . . . قال: ابن المبارك، عن معمر وسفيان الثوري وابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال عمر رضي الله عنه: أنا فئة كل مسلم.
* *
وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزمًا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله، والفرار من الزحف، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره ... فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ .
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب عندي قولُ من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرّم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرفٍ القتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتالٍ منهزمًا بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه.
وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره: [[انظر ما قاله في " النسخ "، في فهارس الموضوعات، وفي فهارس اللغة والنحو وغيرها.]] أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل، ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة﴾ .
* *
وأما قوله: ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ ، يقول: فقد رجع بغضب من الله [[انظر تفسير " باء " فيما سلف ١٠: ٢١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ومأواه جهنم﴾ ، يقول: ومصيره الذي يصير إليه في معاده يوم القيامة جهنم [[انظر تفسير " مأوى " فيما سلف ١٠: ٤٨١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = "وبئس المصير"، يقول: وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير. [[انظر تفسير " المصير " فيما سلف ٩: ٢٠٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، ممن شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ، فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين، أيها المؤمنون، أنتم، ولكن الله قتلهم.
* *
وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم، وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم. ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.
وكذلك قوله لنبيه عليه السلام: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ، فأضاف الرميَّ إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسبِّب الرمية لرسوله.
فيقال للمنكرين ما ذكرنا [[في المطبوعة والمخطوطة: " للمسلمين ما ذكرنا "، وهو خطأ صرف، وظاهر أن كاتب النسخة التي نقل عنها ناسخ المخطوطة، قد وصل " راء " المنكرين بالياء والنون، ولم يضع شرطة الكاف كعادتهم، فقرأها خطأ، ونقلها خطأ.]] قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه ﷺ المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، [[في المطبوعة والمخطوطة: " ذلك " بغير واو، والكلام لا يستقيم بغيرها.]] كان من الله تسبيبه وتسديده، [[في المطبوعة والمخطوطة: " بتسبيبه " وهو خطأ من الناسخ، صوابه ما أثبت بغير باء في أوله، كما يدل عليه السياق.]] ومن رسول الله ﷺ الحذفُ والإرسال، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨١٧- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فلم تقتلوهم﴾ ، لأصحاب محمد ﷺ حين قال هذا: "قتلت"، وهذا: "قتلت"= ﴿وما رميت إذ رميت﴾ ، قال لمحمد حين حَصَب الكفار.
١٥٨١٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.
١٥٨١٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ، قال: رماهم رسول الله ﷺ بالحصباء يوم بدر.
١٥٨٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل.
١٥٨٢١ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة قال: لما ورد رسول الله ﷺ بدرًا قال: هذه مصارعهم! ووَجد المشركون النبيَّ ﷺ قد سبقهم إليه ونزل عليه، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي ﷺ قال: "هذه قريش قد جاءت بجَلَبتها وفخرها، تحادُّك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني! ". فلما أقبلوا استقبلهم، فحثا في وجوههم، فهزمهم الله عز وجل. [[الأثر: ١٥٨٢١ - " أبان العطار "، هو " أبان بن يزيد العطار "، ثقة، مضى: ٣٨٣٢، ٩٦٥٦، ١٣٥١٨، ١٥٧١٩.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر في تاريخه ٢: ٢٦٨ في أثناء خبر طويل، قد مضى بعضه برقم: ١٥٧١٩، وهو من كتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان، رواه أبو جعفر مفرقًا في التاريخ، سأخرجه مجموعًا في تخريج الأثر رقم: ١٦٠٨٣.
وكان في المطبوعة هنا: " قد جاءت بخيلائها وفخرها "، وهو تصرف قبيح. وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في التاريخ.
و" الجلبة "، هو اختلاط الناس إذ تجمعوا، وصاح بعضهم ببعض يذمره ويستحثه، كالذي يكون في اجتماع الجيوش.]]
١٥٨٢٢- حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طَسْت، ورمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا. [[الأثر: ١٥٨٢٢ - " أحمد بن منصور بن سيار بن المعارك الرمادي "، شيخ الطبري، ثقة. مضى برقم: ١٠٢٦٠، ١٠٥٢١.
و" يعقوب بن محمد الزهري "، مختلف فيه، وهو صدوق، لكن لا يبالي عمن حدث. مضى برقم: ٢٨٦٧، ٨٠١٢، ١٥٦٥٤، ١٥٧١٤.
و" عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز الزهري "، الأعرج، يعرف بابن أبي ثابت. ضعيف، كان صاحب نسب، لم يكن من أصحاب الحديث. مضى برقم: ٨٠١٢، ١٥٧٥٦.
و" موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهيب بن زمعة الأسدي القرشي "، ثقة، متكلم فيه، وقال أحمد: " لا يعجبني حديثه "، وقال أبو داود: " له مشايخ مجهولون ". مضى برقم: ٩٩٢٣، ١٥٧٥٦.
و" يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدي القرشي "، روى عنه ابن أخيه " موسى بن يعقوب ". مترجم في الكبير ٤ \ ٢ \ ٣٤٦، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٢٧٦، ولم يذكرا فيه جرحًا.
و" أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي "، كان من علماء قريش. ثقة. مترجم في التهذيب، والكني البخاري: ١٣، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٣٤١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد، لضعف " عبد العزيز بن عمران الزهري "، وذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٢، وقال: " غريب من هذا الوجه "، فقصر في بيان إسناده.
بيد أن الهيثمي ذكره في مجمع الزائد ٦: ٨٤، وقال: " رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وإسناده حسن "، فلعله إسناد غير هذا، فإنه قد ضعف عبد العزيز بن عمران في هذا الباب مرارًا كثيرة.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٧٤، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه.]]
١٥٨٢٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه! "، فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ، وأنزل الله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ، الآية، إلى: ﴿إن الله سميع عليم﴾ .
١٥٨٢٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ ، الآية، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
١٥٨٢٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال رسول الله ﷺ حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي: "أعطني حصًا من الأرض"، فناوله حصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم رَدِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، [[" ردفه " (بفتح فكسر) : اتبعه ودهمه.]] فذكر رميةَ النبي ﷺ فقال: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ .
١٥٨٢٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ، قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه! "، وانهزموا، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ .
١٥٨٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: رفع رسول الله ﷺ يده يوم بدر فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا! فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب! فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصابَ عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولُّوا مدبرين.
١٥٧٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الله عز وجل في رمي رسول الله ﷺ المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ، أي: لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله. [[الأثر: ١٥٨٢٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٧٨٣. وكان في المطبوعة والمخطوطة، أغفل ذكر " وما رميت إذ رميت "، وأتى ببقية الآية. وكان في المخطوطة " حين هزمهم "، بغير ذكر لفظ الجلالة، فغيرها في المطبوعة فقال: " فهزمتهم ". وأثبت ما في سيرة ابن هشام.]]
* *
وروي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال، وهو ما:-
١٥٨٢٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري: ﴿وما رميت إذ رميت﴾ ، قال: جاء أبي بن خلف الجمحي إلى النبي ﷺ بعظم حائل، فقال: "آلله محيي هذا، يا محمد، وهو رميم؟ "، وهو يفتُّ العظم، فقال النبي ﷺ: يحييه الله، ثم يميتك، ثم يدخلك النار! قال: فلما كان يوما أحد قال: والله لأقتلن محمدًا إذا رأيته! فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
[[أخشى أن يكون في هذا الموضع من التفسير نقص، فإني وجدت ابن كثير (٤: ٣٢) قد ذكر في تفسير هذه الآية ما نسبه إلى ابن جرير، وهذا نصه بترتيبه وتعليقه:
وههنا قولان آخران غريبان جدًّا:
أحدهما: قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر، دعَا بقوس، فأتِىَ بقوسٍ طويلة، وقال: جيئوني بقوس غيرها. فجاؤوه بقوسٍ كَبْداء، فرمى النبيّ ﷺ الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو في فراشه، فأنزل الله " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ".
وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدرٍ لا مَحالة، وهذا مما لا يخفي على أئمة العلم، والله أعلم.
والثاني: روى ابن جرير أيضًا، والحاكم في مستدركه، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيّب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي ﷺ يوم أُحُدٍ أُبَيَّ بن خلفٍ بالحربة في لأْمَته، فخدشه في تَرْقُوَته، فجعل يتدأدأ عن فرسه مرارًا. حتى كانت وفاتُه بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليمَ، موصولا بعذابِ البرزخ، المتصل بعذاب الآخرة.
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا، ولعلهما أرادَا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم ".
قلت: والخبر الأول منهما، رواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٤ من طريق " صفوان بن عمرو، عن عبد العزيز بن جبير "، وقوله: " عبد العزيز "، خطأ، صوابه ما في تفسير ابن كثير.
ثم إن السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٧٥، خرج هذين الخبرين منسوبين إلى ابن جرير أيضًا، وزاد نسبته الأول منهما إلى ابن أبي حاتم. وذكر الثاني وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
ثم زاد السيوطي في الدر المنثور، وهذان الخبران أنقلهما أيضًا بنصهما منه:
الأول: " أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيّب قال: لما كان يوم أُحُد، أخذ أبيُّ بن خلفٍ يركض فرسه حتى دنا من رسول الله ﷺ، واعترض رجالٌ من المسلمين لأبيّ بن خلف ليقتلوه. فقال لهم رسول الله ﷺ: استأخروا! استأخرُوا، فأخذ رسول الله ﷺ حربته في يده فرمى بها أبيّ بن خلف، وكسر ضِلْعًا من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلا، فاحتملوه حين وَلَّوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس! فقال أبيّ حين قالوا ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم! ألم يقلْ: إنِّي أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه يَنْعَشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه.
قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله تعالى: " وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى الآية".
الثاني: " وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الزهري في قوله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى. قال: حيث رمَى أبيَّ بنَ خلف يوم أُحُدٍ بحربته، فهذا كله، يوشك أن يرجح سقوط شيء من أخبار أبي جعفر في هذا الموضع. إلا أن تكون هذه الأخبار ستأتي فيما بعد في غير هذا الموضع. أما فيما سلف، فإن خبر " أبي بن خلف " قد مضى في حديث السدى رقم: ٧٩٤٣ (ج ٧: ٢٥٥)
والخبر الأول رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٧، من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.]]
* *
وأما قوله: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا﴾ ، فإنّ معناه: وكي ينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، [[في المطبوعة: " ولينعم "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ويغنّمهم ما معهم، ويكتبت لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ. [[في المطبوعة: " ويثبت لهم أجور أعمالهم "، وهو لا معنى له، ولم يحسن قراءة المخطوطة، لخطأ في نقطها.]]
* *
وذلك "البلاء الحسن"، رمي الله هؤلاء المشركين، ويعني ب"البلاء الحسن"، النعمة الحسنة الجميلة، وهي ما وصفت وما في معناه. [[انظر تفسير " البلاء " فيما سلف ص: ٨٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]]
١٥٨٣٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال في قوله: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا﴾ ، أي ليعرِّف المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، وليشكروا بذلك نعمته. [[الأثر: ١٥٨٣٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٢٨. وفي السيرة سقط من السياق قوله: " مع كثرة عددهم "، فيصحح هناك.]]
* *
وقوله: ﴿إن الله سميع عليم﴾ ، يعني: إن الله سميع، أيها المؤمنون، لدعاء النبي ﷺ، ومناشدته ربه، ومسألته إياه إهلاكَ عدوه وعدوكم، فقيل له: إنْ يَكُ إلا جّحْش! قال: أليسَ قال: أنا أقتلك؟ والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا! " ولقِيلكم وقيل جميع خلقه= "عليم"، بذلك كله، وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده، وغير ذلك من الأشياء، محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمرَه وأمر رسوله. [[انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ذلكم﴾ ، هذا الفعل من قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم= فعلنا الذي فعلنا= ﴿وأنّ الله موهن كيد الكافرين﴾ ، يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِف [[انظر تفسير " الوهن " فيما سلف ٧: ٢٣٤، ٢٦٩ \ ٩: ١٧٠.]] = "كيد الكافرين"، يعنى: مكرهم، [[انظر تفسير " الكيد " فيما سلف ص: ٣٢٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا. [[في المخطوطة: " ويهلكوا "، وصواب السياق ما أثبت.]]
* *
وفى فتح "أن" من الوجوه ما في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، [سورة الأنفال: ١٤] ، وقد بينته هنالك. [[انظر ما سلف ص: ٤٣٤.]]
* *
وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿موهن﴾ .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والبصريين: "مُوَهِّنُ" بالتشديد، من: "وهَّنت الشيء"، ضعَّفته.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿مُوهِنُ﴾ ، من أوهنته فأنا موهنه"، بمعنى: أضعفته.
* *
قال أبو جعفر: والتشديد في ذلك أعجبُ إليّ، لأن الله تعالى كان ينقض ما يبرمه المشركون لرسول الله ﷺ وأصحابه، عقدًا بعد عَقْدٍ، وشيئًا بعد شيء، وإن كان الآخرُ وجهًا صحيحًا.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله ﷺ ببدر: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم، وأظلم الفئتين، وتستنصروه عليه، فقد جاءكم حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل. [[انظر تفسير " الاستفتاح " و " الفتح " فيما سلف ٢: ٢٥٤ \ ١٠: ٤٠٥، ٤٠٦ \ ١٢: ٥٦٣.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
١٥٨٣٢-. . . . قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
١٥٨٣٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد.
١٥٨٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن ابن عباس قوله: ﴿إن تستفتحوا﴾ ، قال: إن تستقضوا القضاء= وإنه كان يقول: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا﴾ ، قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلا ذلك [[في المطبوعة والمخطوطة، " لا نعلم "، والجيد ما أثبت.]]
١٥٨٣٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: كفار قريش في قولهم: "ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه"! ففُتح بينهم يوم بدر.
١٥٨٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٥٨٣٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: استفتح أبو جهل فقال: اللهم = يعني محمدًا ونفسه = "أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم"! [[يقال: " أحانه الله "، أهلكه. و " الحين " (بفتح فسكون) : الهلاك، أو هو أجل الهلاك على التحقيق.]] قال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ .
١٥٨٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: استفتح أبو جهل بن هشام فقال: "اللهم أيُّنا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه اليوم! " يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عز وجل: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوِّذ، وأجهزَ عليه ابن مسعود.
١٥٨٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العدوي، حليف بني زهرة، أن المستفتح يومئذ أبو جهل، وأنه قال حين التقى القوم: "أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة"! فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك: ﴿إن إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٥٨٣٩ - " عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي "، مسح رسول الله ﷺ وجهه ورأسه زمن الفتح، ودعا له. وقال أبو حاتم: " رأى النبي ﷺ وهو صغير "، وقال البخاري في التاريخ: " عبد الله بن ثعلية، عن النبي ﷺ، مرسل، إلا أن يكون عن أبيه، وهو أشبه ". مترجم في الإصابة، والتهذيب، وأسد الغابة، والاستيعاب: ٣٤١، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٩.
وهذا الخبر سيأتي من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، برقم: ١٥٨٤٦، ١٥٨٤٨، ومن طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، رقم: ١٥٨٤٧.
ورواه أحمد في مسنده ٥: ٤٣١، ٤ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، وص: ٤٣١، ٤٣٢، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٨ من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري = ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وهذا الإسناد الثاني الذي ذكره الحاكم، لم أجده في المسند، و " إبراهيم بن سعد " يروي عن " صالح بن كيسان "، وعن " الزهري "، عن " ابن إسحاق ".]]
١٥٨٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية، يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرةً لمن اعتبر.
١٥٨٤١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي ﷺ من مكة، أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: "اللهم انصر أعز الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين"! فقال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، يقول: نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ.
١٥٨٤٢- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ إلى قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عِيرَهم، وإن أهلَ العير، أبا سفيان وأصحابه، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم، فقال أبو جهل: "أينا كان خيرًا عندك فانصره"! وهو قوله: ﴿إن تستفتحوا﴾ ، يقول: تستنصروا.
١٥٨٤٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، قال: إن تستفتحوا العذاب، فعُذِّبوا يوم بدر. قال: وكان استفتاحهم بمكة، قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، [سورة الأنفال: ٣٢] . قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أحد: ﴿وإن تعودوا نعد ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ .
١٥٨٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أهدى الفئتين، وخير الفئتين وأفضل" فنزلت: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ .
١٥٨٤٥ -. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: "اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه، فأحِنْه اليوم"! فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ .
١٥٨٤٦ -. . . . قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل، قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! ". وكان ذلك استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٥٨٤٦ - انظر تخريج الأثر رقم: ١٥٨٣٩، والخبرين التاليين.]]
١٥٨٤٧ -. . . . قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ . [[الأثر: ١٥٨٤٧ - انظر تخريج الآثار السالفة، والذي سيليه.]]
١٥٨٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فكان هو المستفتح على نفسه= [[قول: " على نفسه "، ليست في سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٠. وانظر تخريج الخبر، بعد.]] قال ابن إسحاق: فقال الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، لقول أبي جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه للغداة! " قال: "الاستفتاح"، الإنصاف في الدعاء. [[الأثر: ١٥٨٤٨ - هما خبران، أولهما إلى قوله: " المستفتح على نفسه "، رواه ابن هشام في سيرته ٢: ٢٨٠، وسائر الخبر، رواه في سيرته ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر: ١٥٨٣٠.
وانظر تخريج الأثر رقم: ١٥٨٣٩.]]
١٥٨٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان وغيره: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أحب الدينين إليك، دينَنا العتيق، أم دينهم الحديث"! فأنزل الله: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، إلى قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ .
* *
وأما قوله: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ ، فإنه يقول: "وإن تنتهوا"، يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله، وقتال نبيه ﷺ والمؤمنين به= "فهو خير لكم"، في دنياكم وآخرتكم [[انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف ٢٠: ٥٦٦، تعليق: ١ والمراجع هناك.]] = ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال اتباعه المؤمنين= "نعد"، أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر.
* *
وقوله: ﴿ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت﴾ ، يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم، ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسَبْيكم وهزمكم [[انظر تفسير " أغنى " فيما سلف ٧: ١٣٣.]] " فئتكم شيئًا ولو كثرت"، يعني: جندهم وجماعتهم من المشركين، [[انظر تفسير " فئة " فيما سلف ص: ٤٣٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئًا= ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم، ينصرهم عليهم، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين. [[انظر تفسير " مع " فيما سلف ص: ٤٢٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ ، قال: يقول لقريش= "وإن تعودوا نعد"، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر= ﴿ولئن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ ، أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئًا. وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم. [[الأثر: ١٥٨٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٤٨، في القسم الثاني منه.
وكان في المطبوعة و " إن الله مع المؤمنين ينصرهم "، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها " أنصرهم "، وأثبت نص ما في سيرة ابن هشام، والذي في المخطوطة بعضه سهو من الناسخ وعجلة.]]
* *
وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، وإن تعودوا للاستفتاح، نعد لفتح محمد ﷺ.
وهذا القول لا معنى له، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: "إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد"، لأن الله قد كان وعد نبيه ﷺ الفتح بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ، [سورة الحج: ٣٩] ، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٥١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن تعودوا نعد﴾ ، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد ﷺ = ﴿ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين﴾ ، محمد وأصحابه.
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وإن الله مع المؤمنين﴾ .
ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله لمع المؤمنين= [[في المطبوعة: " مع المؤمنين " بغير لام، وأثبت ما في المخطوطة، وأنا في شك منه.]] فعطف ب"أن" على موضع "ولو كثرت"، كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع المؤمنين. ويكون موضع "أن" حينئذ نصبًا على هذا القول. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٧.]]
* *
وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: ﴿وأنّ الله موهن كيد الكافرين﴾ ، ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ ، عطفًا بالأخرى على الأولى.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: "وَإِنَّ اللهَ"، بكسر الألف على الابتداء، واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: "وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ".
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من كسر "إن" للابتداء، لتقضِّي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ . [[في المطبوعة: " عما يقضي قوله "، والصواب ما في المخطوطة.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله= ﴿أطيعوا الله ورسوله﴾ ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه= ﴿ولا تولوا عنه﴾ ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله ﷺ مخالفين أمره ونهيه [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فارس اللغة (ولي) .]] = "وأنتم تسمعون" أمرَه إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون، كما:-
١٥٨٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا وأنتم تسمعون﴾ ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه. [[الأثر: ١٥٨٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٥٠.
وكان في المطبوعة هنا " وتزعمون أنكم مؤمنون "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو المطابق لما في سيرة ابن هشام.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله ﷺ: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله ﷺ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا= "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، [[في المطبوعة: " فجعلهم الله لما لم ينتفعوا "، وأثبت ما في المخطوطة.]] بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله ﷺ: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. [[في المخطوطة: " وهم لاستعمالها والاتعاظ بها "، والصواب ما في المطبوعة، وإنما هو إسقاط من الناسخ في كتابته. وكان في المطبوعة: " كمن لم يسمعها "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-
١٥٨٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرُّون المعصية. [[الأثر: ١٥٨٥٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٥٢.]]
١٥٨٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وهم لا يسمعون﴾ ، قال: عاصون.
١٥٨٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* *
قال أبو جعفر: وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، في سياق قَصَص المشركين، ويتلوه الخبر عنهم بذمّهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، فلأن يكون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، [[انظر تفسير " دابة " فيما سلف ٣: ٢٧٥ \ ١١: ٣٤٤.]] الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، [[انظر تفسير " الصمم " ١: ٣٢٨ - ٣٣١ \ ٣: ٣١٥ \ ١٠: ٤٧٨ \ ١١: ٣٥٠.]] فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكُصون عنه إن نطقوا به، [[انظر تفسير " البكم " فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣٣١ \٣: ٣١٥ \ ١١: ٣٥٠.]] الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٥٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن شر الدواب عند الله﴾ ، قال: "الدواب"، الخلق.
١٥٨٥٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، عن عكرمة قال: وكانوا يقولون: "إنا صم بكم عما يدعو إليه محمد، لا نسمعه منه، ولا نجيبه به بتصديق! " فقتلوا جميعًا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء.
١٥٨٥٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "الصم البكم الذين لا يعقلون"، قال: الذين لا يتّبعون الحق.
١٥٨٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ ، وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم، ولكن صمّ القلوب وبُكمها وعُميها! وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج: ٤٦] .
* *
واختلف فيمن عني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عُني بها نفرٌ من المشركين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، قال ابن عباس: "الصم البكم الذين لا يعقلون"، نفرٌ من بني عبد الدار، لا يتبعون الحق.
١٥٨٦١ -. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الصم البكم الذين لا ينقلون﴾ ، قال: لا يتبعون الحق= قال، قال ابن عباس: هم نَفرٌ من بني عبد الدار.
١٥٨٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
* *
وقال آخرون: عُني بها المنافقون.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ ، [أي المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بُكمٌ عن الخير، صم عن الحق، لا يعقلون] ، لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتِّباعة. [[الأثر: ١٥٨٦٢ -سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٥٣. والذي بين القوسين سقط من ناسخ المخطوطة بلا شك، لأن إسقاطه يجعل الخبر غير مطابق للترجمة، لأنه عندئذ لا ذكر فيه للمنافقين. هذا فضلا عن أن أبا جعفر ينقل تفسير ابن إسحاق في سيرته بنصه في كل ما مضى، فلا معنى لاختصاره هنا اختصارًا مخلا، فثبت أن ذلك من الناسخ فزدته من السيرة.
أما الجملة التي أثبتها الناسخ، وهي الخارجة عن القوسين. فكانت في المخطوطة: " ... من النعمة والساعة "، الأولى خطأ، وصوابها ما أثبت.
فجاء الناشر، ولم يفهم معنى الكلام، فجعله هكذا: " ... من النعمة والسعة "، فصار خلطًا لا خير فيه، ولا معنى له. ورددته إلى الصواب والحمد لله.
و" التباعة "، (بكسر التاء) ، مثل " التبعة " (بفتح التاء وكسر الباء) : ما فيه إثم يتبع به صاحبه. يقال: " ما عليه من الله في هذا تبعة ولا تباعة "، أي: مطالبة يطلب بإثمها.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال بقول ابن عباس: وأنه عُني بهذه الآية مشركو قريش، لأنها في سياق الخبر عنهم.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، وفي معناها.
فقال بعضهم: عني بها المشركون. وقال: معناه: أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنزله على نبيه ﷺ، لم يؤمنوا به، لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو اسمعهم﴾ ، لقالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ ، [سورة يونس: ١٥] ، ولقالوا: ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٣] ، ولو جاءهم بقرآن غيره= ﴿لتولوا وهم معرضون﴾ .
١٥٨٦٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ ، قال: لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك، ولتولوا وهم معرضون.
١٥٨٦٥ - وحدثني به مرة أخرى فقال: "لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم"، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به.
* *
وقال آخرون: بل عني بها المنافقون. قالوا: ومعناه ما:-
١٥٨٦٦- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم﴾ ، لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم، [[في المطبوعة: " الذي قالوه "، وأثبت ما في المخطوطة، مطابقًا لما في السيرة.]] ولكن القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون، [[كانت هذه الجملة الآتية في المخطوطة والمطبوعة هكذا: " فأوفوا لكم بشر مما خرجوا عليه "، وهو لا معنى له. وصوابها ما أثبت من سيرة ابن هشام.]] ما وفَوا لكم بشيء مما خرجوا عليه. [[الأثر: ١٥٨٦٦ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٢.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة، وأن ذلك ليس من صفة المنافقين. [[انظر ص: ٤٦١.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله، [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف ١٢: ٥٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، [[في المطبوعة: " ... دلهم على حقيقة "، وفي المخطوطة: " ... دلهم على حجته "، وهذا صواب قراءتها.]] معاندون للحق بعد العلم به. [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٣٢ تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ .
فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: أمّا "ما يحييكم"، [[في المطبوعة والمخطوطة: " أما يحييكم "، بإسقاط "ما " والجيد إثباتها.]] فهو الإسلام، أحياهم بعد موتهم، بعد كفرهم.
* *
وقال آخرون: للحق.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٦٨- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿لما يحييكم﴾ ، قال: الحق.
١٥٨٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: الحق.
١٥٨٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: للحق.
* *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. [[في المطبوعة: " الحياة والعفة "، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة " الثاء "، ثم زاد ناشرها أيضًا فأسقط من الكلام " والنجاة "، وهذا من أسوأ العبث وأقبحه.]]
* *
وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم. [[الأثر: ١٥٨٧٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٦٦.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فيقال الذكر الجميل "، وهو لا معنى له. صوابه ما أثبت.]] وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها. [[انظر تفسير " الاستجابة " فيما سلف ص: ٤٠٩، تعليق ١، والمراجع هناك.]]
* *
وأما قول من قال: معناه الإسلام، فقول لا معنى له. لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان. [[في المطبوعة: " إذا دعاك "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وبَعْدُ، ففيما:-
١٥٨٧٤- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ على أبيٍّ وهو يصلي، فدعاه: أيْ أُبَيّّ! فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه. ثم إن أبيًّا خفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك، أي رسول الله! قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي! قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"؟ قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود. [[الأثر: ١٥٨٧٤ - سيأتي من طريق أخرى في الذي يليه.
" أحمد بن المقدام بن سليمان العجلي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١٢٨٦١.
و" يزيد بن زريع العيشي "، ثقة حافظ مضى مرارًا. برقم: ١٧٦٩، ٢٥٣٣، ٥٤٢٩، ٥٤٣٨، غيرها.
و" روح بن القاسم التميمي الطبري "، ثقة، مضى برقم ٦٦١٣.
و" العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٢٢١، ١٤٢١٠.
وأبوه: " عبد الرحمن بن يعقوب، مولى الحرقة "، تابعي ثقة. مضى برقم: ١٤٢١٠.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٢: ٤١٢، ٤١٣، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم، عن العلاء بن عبد الرحمن. عن أبيه، بنحوه، مطولا.
ورواه الترمذي في " فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل الفاتحة "، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن العلاء، بنحوه مطولا، وقال: " هذا حديث حسن صحيح". وفي الباب عن أنس بن مالك ".
وخرجه ابن كثير في تفسيره ١: ٢٢، ٢٣.
ثم انظر حديث البخاري (الفتح ٨: ١١٩، ٢٣١) ، وهو حديث أبي سعيد بن المعلى، بنحو هذه القصة عن أبي بن كعب. وقد فصل الحافظ ابن حجر هناك الكلام فيه، وخرج حديث أبي بن كعب. وانظر أيضًا الموطأ: ٨٣، خبر مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز، أخبره: " أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي ... " بغير هذا السياق، وما قاله فيه الحافظ ابن حجر، وابن كثير في تفسيره، حيث أشرنا إلى موضعه.]]
١٥٨٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ على أبيّ وهو قائم يصلي، فصرخ به [فلم يجبه، ثم جاء] ، [[هذا الذي بين القوسين، ليس في المخطوطة، زاده ناشر المطبوعة، لا أدري من أين؟ وفي الخبر سقط لا شك فيه، ولكني لم أجد الخبر بنصه هذا.]] فقال: يا أبيّ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ ؟ قال أبيّ: لا جَرَم يا رسول الله، لا تدعوني إلا أجبتُ وإن كنت أصلي! [[الأثر: ١٥٨٧٥ - إسناد آخر للخبر السالف. وقد خرجته هناك.
" خالد بن مخلد القطواني "، ثقة من شيوخ البخاري، وأخرج له مسلم " مضى مرارًا، برقم: ٢٢٠٦، ٤٥٧٧، ٨١٦٦، ٨٣٩٧، وغيرها.
و" محمد بن جعفر بن أبي كثير الزرقي "، ثقة معروف، مضى برقم: ٢٢٠٦، ٨٣٩٧.]]
* *
=ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم، لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٧٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر. [[الأثر: ١٥٨٧٦ - " عبد الله بن عبد الله الرازي "، " أبو جعفر الرازي "، قاضي الري، ثقة، لا بأس. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ٩٢.
وهو غير " أبي جعفر الرازي التميمي "، " عيسى بن ماهان ".]]
١٥٨٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد= قالا حدثنا سفيان= وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، بنحوه.
١٥٨٧٨ - حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير، مثله.
١٥٨٧٩ - حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله الرازي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.
١٥٨٨١ -. . . . قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك في قوله: (يحول بين المرء وقلبه) ، قال: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
١٥٨٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبى روق، عن الضحاك بن مزاحم، بنحوه.
١٥٨٨٤ -. . . . قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر، [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة: " يحول بين المرء "، ولو ظننت أنها: " يحول بين المؤمن "، لكان في الذي سلف ما يرجحه.]] وبين الكافر وبين أن يؤمن.
١٥٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن الضحاك بن مزاحم: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله، وبين المؤمن ومعصية الله.
١٥٨٨٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا بن أبي رواد، عن الضحاك، نحوه.
١٥٨٨٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه.
١٥٨٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته.
١٥٨٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٩٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.
١٥٨٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان.
١٥٨٩٢ -. . . . قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي رواد، عن الضحاك: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته، وبين المؤمن وبين معصيته.
١٥٨٩٣ -. . . . قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، يحول بين المؤمن والمعاصي، وبين الكافر والإيمان.
١٥٨٩٤-. . . . قال، حدثنا عبيدة، عن إسماعيل، عن أبي صالح: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بينه وبين المعاصي.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يَعمل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٩٥- حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين المرء وعقله.
١٥٨٩٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، حتى تركه لا يعقل.
١٥٨٩٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٨٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: هو كقوله "حال"، حتى تركه لا يعقل. [[في المطبوعة: " قال: هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل "، غير ما في المخطوطة كل التغيير، لأنه لم يفهمه، وهذا من أسوأ التصرف وأقبحه وأبعده من الأمانة. وإنما أراد أن " يحول " مضارعًا، بمعنى " حال " ماضيًا، ولذلك قال " حتى تركه لا يعقل ". فانظر أي فساد أدخله الناشر بلا ورع! .]]
١٥٨٩٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن حميد، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.
١٥٩٠٠ - قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين قلب الكافر، وأن يعمل خيرًا.
* *
وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿يحول بين المرء وقلبه﴾ ، قال: هي كقوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، [سورة ق: ١٦] .
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يَعِي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن "الحول بين الشيء والشيء"، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، [[انظر تفسير " المرء " فيما سلف ٢: ٤٤٦ \ ٩: ٤٣٠.]] لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ.
وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك قول من قال: "يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان"، وقول من قال: "يحول بينه وبين عقله"، وقول من قال: "يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه"، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه، لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ.
غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: ﴿ولعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ ، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه، ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء، والكلام محتمل كل هذه المعاني، فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له.
* *
وأما قوله: ﴿وأنه إليه تحشرون﴾ ، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم، وهو أملك بها منكم، إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة، [[انظر تفسير " الحشر " فيما سلف ص ٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فيوفّيكم جزاء أعمالكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه، وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم، فيوجب ذلك سَخَطَه، وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: "اتقوا"، أيها المؤمنون= "فتنة"، يقول: اختبارًا من الله يختبركم، وبلاء يبتليكم [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = "لا تصيبن"، هذه الفتنة التي حذرتكموها [[انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف ٢: ٩٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] "الذين ظلموا"، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله، إما إجْرام أصابوها، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها. يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية، أو يأتوا مأثمًا يستحقون بذلك منه عقوبة. [[انظر تفسير " الخصوص " فيما سلف ٢: ٤٧١ \ ٦: ٥١٧.]]
* *
وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم الذين عُنوا بها.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٠٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن الحسن في قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: نزلت في علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، رحمة الله عليهم.
١٥٩٠٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال قتادة: قال الزبير بن العوام: لقد نزلت وما نرى أحدًا منا يقع بها. ثم خُلِّفْنا في إصابتنا خاصة. [[في المطبوعة: " ثم خصتنا في إصابتنا خاصة "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فيها غير منقوط، وظننت أن صواب نقطها ما أثبت. يعني: أنهم بقوا بعد الذين مضوا، فإذا هي في إصابتهم خاصة.]]
١٥٩٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أن الزبير بن العوام قال: نزلت هذه الآية: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، وما نظننا أهلها، ونحن عُنِينا بها. [[الأثر: ١٥٩٠٥ - " زيد بن عوف القطعي "، " أبو ربيعة ". ولقبه " فهد "، متكلم فيه، ضعيف، مضى برقم: ٥٦٢٣، ١٤٢١٥، ١٤٢١٨.]]
١٥٩٠٦ -. . . . قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن الصلت بن دينار، عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ . [[الأثر: ١٥٩٠٦ - " الصلت بن دينار الأزدي " " أبو شعيب "، " المجنون ". متروك لا يحتج بحديثه. مترجم في التهذيب. والكبير ٢ / ٢ / ٣٠٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٣٧. وميزان الاعتدال ١: ٤٦٨.
وابن صهبان" هو "عقبة بن صهبان الحداني الأزدي " تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١١٣/ ٣١٢، ولم أجدهم ذكروا له رواية عن الزبير بن العوام، ولكنه روى عن عثمان، وعياض بن حمار، وعبد الله بن مغفل، وأبي بكرة الثقفي وعائشة.]]
١٥٩٠٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه﴾ ، قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، وأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.
١٥٩٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، قال: أصحاب الجمل.
١٥٩٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب.
١٥٩١٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: هى أيضًا لكم.
١٥٩١١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: "الفتنة"، الضلالة.
١٥٩١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة الأنفال: ٢٨] ، فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن. [[الأثر: ١٥٩١٢ - انظر الأثر التالي رقم: ١٥٩٣٤، ونصه: " فمن استعاذ منكم، فليستعذ ... "، وكأنه الصواب.]]
١٥٩١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خُوِّفنا بها= يعني قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ .
* *
واختلف أهل العربية في تأويل ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: ﴿اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، قوله: "لا تصيبن"، ليس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابًا ما دخلت "النون".
* *
وقال بعض نحويي الكوفة قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، أمرهم ثم نهاهم. وفيه طرَفٌ من الجزاء، [[في المطبوعة: " ومنكم ظرف من الجزاء "، فجاء الناشر بكلام غث لا معنى له وفي المخطوطة: " ومنه طرف "، وصواب قراءته ما أثبت، مطابقًا لما في معاني القرآن للفراء.]] وإن كان نهيًا. قال: ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ، [سورة النمل: ١٨] ، أمرهم ثم نهاهم، وفيه تأويل الجزاء. [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٤٠٧.]]
وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة، إن لم تتقوها أصابتكم.
* *
وأما قوله: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، فإنه تحذير من الله، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ ، يقول: اعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم شديد عقابه لمن افتُتن بظلم نفسه، وخالف أمره، فأثم به. [[انظر تفسير " شديد العقاب " فيما سلف من فهارس اللغة (شدد) ، (عقب) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تذكيرٌ من الله عز وجل أصحابَ رسول الله ﷺ، ومناصحة. يقول: أطيعوا الله ورسوله، أيها المؤمنون، واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمرَه وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة، فإن الله يهوِّنه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجِّل لكم منه ما تحبون، كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم، [[انظر تفسير " القليل " فيما سلف ١: ٣٢٩ \ ٨: ٤٣٩، ٥٧٧ \ ٩: ٣٣١.]] وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم، [[انظر تفسير " المستضعف " فيما سلف ١٢: ٥٤٢ \ ١٣: ٧٦، ١٣١.]] تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم [[انظر تفسير " الخطف " فيما سلف ١: ٣٥٧.]] = ﴿فآواكم﴾ ، يقول: فجعل لكم مأوى تأوون إليه منهم [[وانظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص: ٤٤١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿وأيدكم بنصره﴾ ، يقول: وقواكم بنصره عليهم حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر [[انظر تفسير " أيد " فيما سلف ٢: ٣١٩، ٣٢٠ \ ٥: ٣٧٩ \ ٦: ٢٤٢ \ ١١: ٢١٣، ٢١٤.]] = ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ ، يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبًا [[انظر تفسير " الرزق " فيما سلف من فهارس اللغة (رزق) .
= و " الطيبات " فيما سلف منها (طيب) .]] = ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم. [[في المطبوعة: " لكي تشكروا "، وفي المخطوطة: " لكي تشكرون "، ورجحت ما أثبت.]]
* *
واختلف أهل التأويل في "الناس" الذين عنوا بقوله: ﴿أن يتخطفكم الناس﴾ .
فقال بعضهم: كفار قريش.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩١٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ ، قال: يعني بمكة، مع النبي ﷺ ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة.
١٥٩١٥- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبي= أو قتادة أو كلاهما [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة: " أو كلاهما "، وهو جائز.]] = ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون﴾ أنها نزلت في يوم بدر، كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم الله وأيدهم بنصره.
١٥٩١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.
* *
وقال آخرون: بل عُني به غيرُ قريش.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرني أبي قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل: ﴿تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ ، قال: فارس.
١٥٩١٨-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول، وقرأ: ﴿واذكروا إن أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ ، و"الناس" إذ ذاك، فارس والروم.
١٥٩١٩-. . . . قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض﴾ ، قال: كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلا وأشقاهُ عيشًا، وأجوعَه بطونًا، [[في المطبوعة: " بطونًا " وأثبت ما في المخطوطة.]] وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا [مكعومين، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه] . [[هذه الجملة بين القوسين لا بد منها، فإن الترجمة أن فارس والروم هما المعنيان بهذا. وقد أثبتها من رواية الطبري قبل، كما سيأتي في التخريج. وإغفال ذكرها في الخبر، يوقع في اللبس والغموض.]] من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّي في النار، يوكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منزلا [[قوله: " أشر منهم منزلا " لم ترد في الخبر الماضي، وكان مكانها: " والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا أصغر حظًا، وأدق فيها شأنًا، منهم ".]] حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى. [[الأثر: ١٥٩١٩ - مضى هذا الخبر بإسناده مطولا فيما سلف رقم: ٧٥٩١، ومنه اجتلبت الزيادة والتصحيح.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: "عُني بذلك مشركو قريش"، لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم، لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم، وأشدَّهم عليهم يومئذ، مع كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين.
* *
وأما قوله: ﴿فآواكم﴾ ، فإنه يعني: آواكم المدينة،
وكذلك قوله: ﴿وأيدكم بنصره﴾ ، بالأنصار.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فآواكم﴾ ، قال: إلى الأنصار بالمدينة= ﴿وأيدكم بنصره﴾ ، وهؤلاء أصحابُ محمد ﷺ، أيدهم بنصره يوم بدر.
١٥٩٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: ﴿فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات﴾ ، يعني بالمدينة.
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه ﷺ: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله= ﴿لا تخونوا الله﴾ ، وخيانتهم الله ورسوله، كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله ﷺ والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ، وهو يستسرُّ الكفر والغش لهم في الباطن، يدلُّون المشركين على عورتهم، ويخبرونهم بما خفى عنهم من خبرهم. [[انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف ٩: ١٩٠.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية، وفي السبب الذي نزلت فيه.
فقال بعضهم: نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٢- حدثنا القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا شبابة بن سوار قال، حدثنا محمد بن المُحْرِم قال، لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال، حدثني جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريلُ النبيَّ ﷺ فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا! فقال النبي ﷺ لأصحابه: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا! " قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: "إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم"! فأنزل الله عز وحل: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ . [[الأثر: ١٥٩٢٢ - " القاسم بن بشر بن معروف "، شيخ الطبري، مضى برقم ١٠٥٠٩، ١٠٥٣١.
و" شبابة بن سوار الفزاري "، ثقة، مضى مرارًا: ٣٧، ٦٧٠١، ١٠٠٥١، وغيرها.
و" محمد المحرم "، هو: " محمد بن عمر المحرم "، وقد ترجم صاحب لسان الميزان لثلاثة: " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير المكي " (ج ٥: ٢١٦) ، و " محمد بن عمر المحرم " ج (٥: ٣٢٠،) و " محمد المحرم " (ج ٥: ٤٣٩) ، وقال هم واحد، وأن " محمد بن عمر " صوابه: " محمد ابن عمير " منسوبًا إلى جده. و " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي "، مضى برقم: ٧٤٨٤.
وترجم البخاري في الكبير ١ \ ١ \ ١٤٢ " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي المكي "، عن عطاء، وليس بذاك الثقة. ولم يذكر أنه " محمد المحرم ".
ثم ترجم أيضًا في الكبير ١ \ ١ \ ٢٤٨ " محمد المحرم "، عن عطاء والحسن، منكر الحديث. فكأنهما عنده رجلان.
وترجم ابن أبي حاتم ٣ \ ٢ \ ٣٠٠ " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي "، وضعفه، ولم يذكر أنه " محمد المحرم ".
ثم ترجم " محمد بن عمر المحرم "، روى عن عطاء، روى عنه شبابة، وقال: " ضعيف الحديث، واهي الحديث "، ولم يذكر أنه الذي قبله.
وترجم الذهبي في ميزان الاعتدال ٣: ٧٧ " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي "، ويقال له: " محمد المحرم ".
ثم ترجم في الميزان ٣: ١١٣ " محمد بن عمر المحرم " عن عطاء، وعنه شبابة، وضعفه، ولم يذكر أنه الذي قبله.
وترجم عبد الغني بن سعيد في والمؤتلف والمختلف: ١١٧، " محمد بن عبيد بن عمير المحرم "، عن: " عطاء بن أبي رباح ".
والظاهر أن الذي قاله الحافظ في لسان الميزان، من أن هؤلاء جميعًا واحد، هو الصواب إن شاء الله، من أنهم جميعًا رجل واحد.
وكان في المطبوعة: " محمد بن المحرم "، غير ما كان في المخطوطة بزيادة " بن " بينهما.
وهذا خبر ضعيف جدًا، لضعف " محمد المحرم "، وهو متروك الحديث. وقد ذكر الخبر ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٣، ٤٤، ثم قال: " هذا الحديث غريب جدًا، وفي سنده وسياقه نظر ".]] وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة، في الذي كان من أمره وأمر بنى قريظة. [[في المطبوعة والمخطوطة: " في أبي لبابة، الذي كان من أمره "، والسياق يقتضي زيادة " في " كما أثبتها.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري، قوله: "لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"، قال: نزلت في أبي لبابة، بعثه رسول الله ﷺ، فأشار إلى حلقه: إنه الذَّبح= قال الزهري: فقال، أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوب الله عليَّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خر مغشيًّا عليه، ثم تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تِيبَ عليك! قال: والله لا أحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يَحُلّني. فجاءه فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت بها الذنب، وأن أنخلع من مالي! قال: "يجزيك الثلث أن تصدَّق به. [[الأثر: ١٥٩٢٣ - خبر أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري، حين فعل ذلك يوم بنى قريظة، وعرف أنه خان الله ورسوله، في سيرة ابن هشام ٣: ٢٤٧، ٢٤٨، وفي غيره. ثم إنه لما عرف ذلك ارتبط في سارية المسجد، وقال: " لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت ".
ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٥، وروى بعضه مالك في الموطأ: ٤٨١.]]
١٥٩٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة يقول: نزلت: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون" في أبي لبابة. [[الأثر: ١٥٩٢٤ - " عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري ". تابعي ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب.]]
* *
وقال آخرون: بل نزلت في شأن عثمان رحمة الله عليه.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٥ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي [[الأثر: ١٥٩٢٥ - " يونس بن الحارث الطائفي الثقفي "، ضعيف، إلا أنه لا يتهم بالكذب، وقال ابن معين: " كنا نضعفه ضعفًا شديدًا ". وقال أحمد: " أحاديثه مضطربة ".
مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ٢ \ ٤٠٩، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٢٣٧، وضعفه.
و" محمد بن عبيد الله بن سعيد "، " أبو عون الثقفي " ثقة، مضى برقم: ٧٥٩٥، ١٣٩٦٥، ١٥٦٥٩.
وكان في المطبوعة: " محمد بن عبد الله بن عون الثقفي "، ومثله في المخطوطة. إلا أنه قد يقرأ " محمد بن عبيد الله "، والصواب ما أثبت، لأن يونس بن الحارث الطائفي، يروي عن أبي عون الثقفي، و " أبو عون " اسم جده " سعيد " لا " عون ".
و" أبو عون الثقفي "، لا أظنه روى عن المغيرة بن شعبة، فالمغيرة مات سنة خمسين، ويقال قبلها. والمذكور في ترجمته أنه يروي عن " عفان بن المغيرة بن شعبة "، فهذا إسناد منقطع على الأرجح عندي.
وقوله: " نزلت في قتل عثمان "، يعني أن حكمها يشمل فعل عثمان رضي الله عنه، فإنه قتل خيانة لله ولرسوله، وخيانة للأمانة، إذ نقض القتلة بيعة له في أعناقهم، رحم الله عثمان وغفر له.]] قال، حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رحمة الله عليه: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول" الآية.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته وخيانة رسوله، وخيانة أمانته= وجائز أن تكون نزلت في أبي لبابة= وجائز أن تكون نزلت في غيره، ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك كان يجب التسليم له بصحته.
فمعنى الآية وتأويلها ما قدمنا ذكره.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول" قال: نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون.
١٥٩٢٧ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط. عن السدي: "لا تخونوا الله والرسول" الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين.
* *
واختلفوا في تأويل قوله: "وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون".
فقال بعضهم: لا تخونوا الله والرسول، فإن ذلك خيانة لأمانتكم وهلاك لها.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٢٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"، فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.
١٥٩٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون "، أي لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. [[الأثر: ١٥٩٢٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٧٣.]]
* *
قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل قوله: "وتخونوا أماناتكم"، في موضع نصب على الصرف [[في المطبوعة: " على الظرف "، وفي المخطوطة: " على الطرف "، والصواب ما أثبت. وانظر معنى " الصرف " فيما سلف من فهارس المصطلحات.
وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٨.]]
كما قال الشاعر: [[هو المتوكل الليثي، وينسب لغيره.]]
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ [[سلف البيت، وتخريجه ١: ٥٦٩ \ ٣: ٥٥٢.]]
ويروى: "وتأتي مثله". [[يعني على غير النصب.]]
* *
وقال آخرون: معناه: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"، يقول: "لا تخونوا": يعني لا تنقصُوها.
* *
قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويلُ: لا تخونوا الله والرسول، ولا تخونوا أماناتكم.
واختلف أهل التأويل في معنى: الأمانة، التي ذكرها الله في قوله: "وتخونوا أماناتكم".
فقال بعضهم: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "وتخونوا أماناتكم"، و"الأمانة": الأعمال التي أمِن الله عليها العباد= يعني: الفريضة. يقول: "لا تخونوا"، يعني: لا تنقصوها.
١٥٩٣٢ - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله"، يقول: بترك فرائضه= "والرسول"، يقول: بترك سننه، وارتكاب معصيته= قال: وقال مرة أخرى: "لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم"، والأمانة: الأعمال، ثم ذكر نحو حديث المثنى.
* *
وقال آخرون: معنى "الأمانات"، ههنا، الدِّين.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "وتخونوا أماناتكم" دينكم= "وأنتم تعلمون"، قال: قد فعل ذلك المنافقون، وهم يعلمون أنهم كفار، يظهرون الإيمان. وقرأ: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [سورة النساء: ١٤٢] . قال: هؤلاء المنافقون، أمنهم الله ورسوله على دينه، فخانوا، أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا، لا تنقصوا الله حقوقه عليكم من فرائضه، ولا رسوله من واجب طاعته عليكم، ولكن أطيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه، لا تنقصوهما= "وتخونوا أماناتكم"، وتنقصوا أديانكم، وواجب أعمالكم، ولازمَها لكم= "وأنتم تعلمون"، أنها لازمة عليكم، وواجبة بالحجج التي قد ثبتت لله عليكم.
القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا، أيها المؤمنون، أنما أموالكم التي خوَّلكموها الله، وأولادكم التي وهبها الله لكم، اختبارٌ وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها، والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها. [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص: ٤٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = "وأن الله عنده أجر عظيم"، يقول: واعلموا أن الله عنده خيرٌ وثواب عظيم، على طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، في أمولكم وأولادكم التي اختبركم بها في الدنيا. وأطيعوا الله فيما كلفكم فيها، تنالوا به الجزيل من ثوابه في معادكم. [[انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) .]]
١٥٩٣٤ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المسعودي، عن القاسم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، في قوله: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة"، قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن. [[الأثر: ١٥٩٣٤ - انظر الأثر السالف رقم: ١٥٩١٢، والتعليق عليه.]]
١٥٩٣٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "واعلموا إنما أموالكم وأولادكم فتنة"، قال: "فتنة"، الاختبار، اختبارُهم. وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٥] .
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، إن تتقوا الله بطاعته وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة أماناتكم= يجعل لكم فرقانًا"، يقول: يجعل لكم فصلا وفرْقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين، بنصره إياكم عليهم، وإعطائكم الظفر بهم = [[انظر تفسير " الفرقان " فيما سلف ١: ٩٨، ٩٩ \ ٣: ٤٤٨ \ ٦: ١٦٢، ١٦٣.]] "ويكفر عنكم سيئاتكم"، يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه = [[انظر تفسير " التكفير " فيما سلف من فهارس اللغة (كفر) .
= وتفسير " السيئات " فيما سلف من فهارس (سوأ) .]] "ويغفر لكم"، يقول: ويغطيها فيسترها عليكم، فلا يؤاخذكم بها= [[انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) .]] "والله ذو الفضل العظيم"، يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم، له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله. وإنّ فعله جزاءٌ منه لعبده على طاعته إياه، لأنه الموفق عبده لطاعته التي اكتسبها، حتى استحقّ من ربه الجزاء الذي وعدَه عليها. [[انظر تفسير " الفضل "، فيما سلف فهارس اللغة (فصل) .]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عن تأويل قوله: "يجعل لكم فرقانا".
فقال بعضهم: مخرجًا.
* *
وقال بعضهم: نجاة.
* *
وقال بعضهم: فصلا.
* *
= وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلف العبارات عنها، وقد بينت صحة ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. [[يعني ما سلف ١: ٩٨، ٩٩.]]
* *
ذكر من قال: معناه: المخرج.
١٥٩٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا" قال: مخرجًا.
١٥٩٣٧-......... قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا"، قال: مخرجًا.
١٥٩٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام عن عنبسة، عن جابر، عن مجاهد: "فرقانا"، مخرجًا.
١٥٩٣٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد "فرقانا"، قال: مخرجًا في الدنيا والآخرة.
١٥٩٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٥٩٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فرقانًا"، قال: "الفرقان" المخرج.
١٥٩٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "فرقانا"، يقول: مخرجًا.
١٥٩٤٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد: "فرقانا"، مخرجًا.
١٥٩٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا زائدة، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٥٩٤٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: "فرقانا"، قال: مخرجًا.
١٥٩٤٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيدا يقول، سمعت الضحاك يقول: "فرقانًا"، مخرجًا.
١٥٩٤٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
١٥٩٤٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد، عن زهير، عن جابر، عن عكرمة، قال: "الفرقان"، المخرج.
* *
ذكر من قال: معناه النجاة.
١٥٩٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن جابر، عن عكرمة: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا"، قال: نجاة.
١٥٩٥٠ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن رجل، عن عكرمة ومجاهد، في قوله: "يجعل لكم فرقانًا"، قال عكرمة: المخرج= وقال مجاهد: النجاة.
١٥٩٥١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "يجعل لكم فرقانًا"، قال: نجاة.
١٥٩٥٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "يجعل لكم فرقانًا"، يقول: يجعل لكم نجاة.
١٥٩٥٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "يجعل لكم فرقانًا"، أي: نجاة.
* *
ذكر من قال فصلا.
١٥٩٥٤ -...................................... "يا أيها الذين آمنوا إذ تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا"، قال: فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل، حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان. [[الأثر: ١٥٩٥٤ - إسناد هذا الخبر ساقط في المخطوطة، جعل مكانه بياضًا نحوًا من سطر ونصف، فجاء ناشر المطبوعة ووصل الكلام دون أن يشير إلى ذلك البياض. وظاهر أنه خبر قائم برأسه، كما وضعته.]]
١٥٩٥٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا"، أي: فصلا بين الحق والباطل، ليظهر به حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم. [[الأثر: ١٥٩٥٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٩٢٩. وكان في المطبوعة: " يظهر " بغير لام، وهي في المخطوطة تقرأ هكذا وهكذا، وأثبت نص ما في السيرة، باللام في أولها.]]
و"الفرقان" في كلام العرب، مصدرٌ من قولهم: "فرقت بين الشيء والشيء أفرُق بينهما فَرْقًا وفُرْقانًا. [[انظر ما سلف ١: ٩٨، ٩٩ \ ٣: ٤٤٨ \ ٦: ١٦٢، ١٦٣.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، مذكِّرَه نعمه عليه: واذكر، يا محمد، إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك. [[انظر تفسير " المكر " فيما سلف ١٢: ٩٥، ٩٧، ٥٧٩ \ ١٣: ٣٣]]
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "ليثبتوك".
فقال بعضهم: معناه ليقيِّدوك.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، يعني: ليوثقوك.
١٥٩٥٧ -............ قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك"، ليوثِقوك.
١٥٩٥٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، الآية، يقول: ليشدُّوك وَثاقًا. وأرادوا بذلك نبيَّ الله ﷺ وهو يومئذ بمكة.
١٥٩٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم قالا قالوا: "أوثقوه بالوثاق".
١٥٩٦٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ليثبتوك"، قال: الإثبات، هو الحبس والوَثَاق.
* *
وقال آخرون: بل معناه الحبس.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: "ليثبتوك"، قال: يسجنوك= وقالها عبد الله بن كثير.
١٥٩٦٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قالوا: "اسجنوه".
* *
وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٦٣ - حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي قال، حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ: ما يأتمر به قومك؟ قال: يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني! فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا! فقال رسول الله ﷺ: أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي خيرًا"! فنزلت: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك"، الآية. [[الأثر: ١٥٩٦٣ - " محمد بن إسماعيل البصري "، المعروف ب " الوساوسي " شيخ الطبري، لم أجد النص على أنه "الوساوسي "، والذي يروى عنه أبو جعفر في تاريخه، في مواضع " محمد بن إسماعيل الضراري "، وهو " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي "، صدوق. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ \ ٢ \ ١٩٠، وذكر في التهذيب أن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري، روى عنه، ولم يذكر أنه يعرف بالوساوسي.
وترجم ابن أبي حاتم لأخيه: " أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار الرازي "، ١ \ ١ \ ٤١، فوجدت في لباب الأنساب ٢: ٢٧٣: " الوساوسي، عرف بها " أحمد بن إسماعيل الوساوسي البصري "، فدل هذا على ترجيح أن يكون " محمد بن إسماعيل بن أبي ضرار " يقال له " الوساوسي " أيضًا.
و" عبد المجيد بن أبي رواد "، هو " عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي "، روى عن ابن جريح وغيره. وثقه أحمد وابن معين. وغيرهما. وضعفه أبو حاتم وابن سعد. ومنهم من قال هو ثبت في حديثه عن ابن جريج، ومنهم من قال: روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ٦٤.
" وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي " ثقة، مضى برقم: ٩١٨٠، ٩١٨١، ٩١٨٩، ١٥٦٢١.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: " عبيد بن عمير بن المطلب بن أبي وداعة "، وهو خطأ لا شك فيه.
و" المطلب بن أبي وداعة السهمي القرشي "، له صحبة - مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ٢ \ ٧، وابن أبي حاتم ٤ \ ١ \ ٣٨٥، ولم يذكر لعبيد بن عمير رواية عنه.
وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره ٤: ٤٦، ٤٧، وقال: " وذكر أبي طالب في هذا، غريب جدًا، بل منكر لأن هذه الآية مدنية. ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل، إنما كانت ليلة الهجرة سواء. وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لما تمكنوا منه واجترأوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه ".
فلو صح ما قاله ابن كثير، كان هذا الخبر من الأخبار التي دعتهم إلى أن يقولوا في " عبد المجيد ابن أبي رواد " أنه روى عن ابن جريج أحاديث لا يتابع عليها. ومع ذلك فإن حجاجًا قد روى عنه مثل رواية عبد المجيد. انظر التعليق على الأثر التالي، فإني اذهب مذهبًا غير مذهب ابن كثير في الخبر. وانظر أيضًا رقم: ١٥٩٧٦، فإن ابن جريج سيقول: إن هذه الآية مكية، لا مدنية.]]
١٥٩٦٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي ﷺ ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: نعم! قال: فأخبره، قال: من أخبرك؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك، استوص به خيرًا! قال: "أنا أستوصي به، أو هو يستوصي بي؟ [[الأثر: ١٥٩٦٤ - انظر التعليق على الأثر السالف. سلف ما قاله ابن كثير في نقد هذا الخبر. والذي دفعه أن يقول ما قال، من انه كان ليلة الهجرة، ما رواه ابن جرير في الأثر الذي يليه، والذي ترجم له بقوله: " وكأن معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما حدثني ... " وساق خبر ائتمارهم به ليلة الهجرة.
ولكن جائز أن يكون الخبران الأولان، في شأن آخر، وليلة أخرى، بل أكاد أقطع أن الخبر الذي رواه ابن جريج، لا علاقة له بأمر الهجرة، وأن ابن كثير تابع للطبري فيما ظنه ظنًا وذلك أن ابن إسحاق وغيره، رووا أن أشراف قريش اجتمعوا يوما في الحجر، فذكروا رسول الله، وزعموا أنهم صبروا منه على أمر عظيم. فبينا هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول. فعرف الغضب في وجهه ﷺ. فلما مر بهم الثانية، غمزوه بمثلها، ثم مر الثالثة، ففعلوا فعلتهم، فوقف ثم قال: " أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح ". فاستكانوا ورفأوه بأحسن القول رهبة ورغبة. فلما كان الغد، اجتمعوا في الحجر فقال بعضهم لبعض: " ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا باداكم بما تكرهون تركتموه ". فبينا هم كذلك، طلع عليهم رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: " أنت الذي تقول كذا وكذا؟ "، لما كان من عيب آلهتهم، فيقول: " نعم، أنا الذي أقول ذلك "، فأخذ بعضهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله "! (سيرة ابن هشام ١: ٣٠٩، ٣١٠) ، وانظر الخبر التالي رقم: ١٥٩٧٤، والتعليق عليه.
وكان هذا قبل الهجرة بزمان طويل، في حياة أبي طالب. فكأن هذا الخبر، هو الذي قال عبيد بن عمير في روايته عن المطلب بن أبي وداعة أنه ائتمار قومه به. فإذا صح ذلك، لم يكن لما قال ابن كثير وجه، ولصح هذا الخبر لصحة إسناده.]] وكأنّ معنى مكر قوم رسول الله ﷺ به ليثبتوه، كما:-
١٥٩٦٥ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس= قال وحدثني الكلبي، عن زاذان مولى أم هانئ، عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، [[في المخطوطة: " في صورة جليل "، وفوق " جليل " حرف (ط) دليلا على الخطأ، والصواب ما في المطبوعة، مطابقًا لما في سيرة ابن هشام.]] فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. [[" لن يعدمكم "، أي: لا يعدوكم ويخطئكم مني رأي ونصح.]] قالوا: أجل، ادخل! فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، [[في المطبوعة: " في شأن "، وأثبت ما في المخطوطة.]] والله ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره. [[في المطبوعة: " أن يواتيكم في أموركم "، وهو لا معنى له، وأثبت ما في المخطوطة، وهي غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق، ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ الله الشيخ النجدي فقال: والله، ما هذا لكم برأي! [[في المطبوعة: " رأي " بغير باء، والصواب من المخطوطة.]] والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم! قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم! قالوا: صدق والله! فانظروا رأيًا غير هذا! قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، [[" الوسيط ": حسيبًا في قومه، من أكرمهم حسبًا ونسبًا ومجدًا. وكان في المطبوعة " وسطا ً "، والصواب ما في المخطوطة. و " غلام نهد ": كريم، ينهض إلى معالي الأمور. واصل " النهد ": المرتفع.]] ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، [[" العقل "، الدية.]] واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ ﷺ فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذِن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال"، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وأنزل في قولهم: "تربصوا به ريبَ المنون" حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، [سورة الطور: ٣٠] . وكان يسمى ذلك اليوم: "يوم الزحمة" للذي اجتمعوا عليه من الرأي. [[الأثر: ١٥٩٦٥ - سيرة ابن هشام ٢: ١٢٤ - ١٢٨، وإسناد هناك " قال ابن إسحاق، فحدثني من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبير أبي الحجاج، وغيره ممن لا أتهم، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما "، ثم ساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ومما اعترض به على هذا الخبر أن آية " سورة الطور "، آية مكية، نزلت قبل الهجرة بزمان، وسياق ابن إسحاق للآية بعد الخبر، يوهم أنها نزلت ليلة الهجرة، أو بعد الهجرة، وهذا لا يكاد يصح.]]
١٥٩٦٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى [[سقط من المطبوعة: " محمد " وكتب " بن عبد الأعلى "، وهي ثابتة في المخطوطة.]] قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ومقسم، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك" قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبع فأوثقوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه، فردَّ الله مكرهم.
١٥٩٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عيد الرزاق قال، أخبرني أبي، عن عكرمة قال: لما خرج النبي ﷺ وأبو بكر إلى الغار، أمر عليَّ بن أبي طالب، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي ﷺ فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي ﷺ، فإذا هم بعليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! قال: فركبوا الصعب والذَّلول في طلبه. [[" الصعب " من الإبل، هو الذي لم يركب قط، لأنه لا ينقاد لراكبه، ونقيضه " الذلول "، وهو السهل المنقاد. مثل لركوب كل مركب في طلب ما يريده المرء، سهل المركب أو صعب.]]
١٥٩٦٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر قال، أخبرني عثمان الجزريّ: أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق= يريدون النبي ﷺ. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات على رحمه الله على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، [[في المخطوطة، سقط من الناسخ " الليلة "، وزادتها المطبوعة.]] وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبون أنه النبي ﷺ. فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا عليًّا رحمة الله عليه، ردّ الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومرُّوا بالغار، رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه! فمكث فيه ثلاثا. [[الأثر: ١٥٩٦٨ - " عثمان الجزري "، يقال له: " عثمان المشاهد ". روى عن مقسم، روى عنه معمر، والنعمان بن راشد. قال أبو حاتم: " لا أعلم روى عنه غير معمر، والنعمان ". وسئل عنه أحمد فقال: " روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه ". مترجم في ابن أبي حاتم ٣ \ ١ \ ١٧٤.
وكان في المطبوعة: " عثمان الجريري "، والمخطوطة، كما أثبتها، غير أنه غير منقوط.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده برقم: ٣٢٥١، وقال أخي: " في إسناده نظر، من أجل عثمان الجزري، كالإسناد ٢٥٦٢ "، وقد استظهر هناك أن " عثمان الجزري " هو " عثمان بن ساج "، ولكن ما قاله ابن أبي حاتم، يرجح أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن ساج ".
وقد وجدت بعد في مجمع الزوائد ٧: ٢٧، هذا الخبر، بنحوه ثم قال: " رواه أحمد والطبراني، وفيه " عثمان بن عمرو الجزري "، وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح ".
ولا أزال أشك في أن " عثمان الجزري "، غير " عثمان بن عمرو بن ساج "]]
١٥٩٦٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ ﷺ بعد ما أسلمت الأنصار، وفَرِقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. [[" فرقوا "، خافوا وفزعوا.]] فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد، فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا! قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم وأشير عليكم! فاستحيَوْا، فخلَّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه، [[في المطبوعة: " إذا اصطبح على فراشه "، لا أدري من أين جاء بها! .]] فاجعلوه في بيت نتربص به ريبَ المنون = و"الريب"، هو الموت، و"المنون"، هو الدهر = قال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالوا: صدق الشيخ! قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل= وكان أولاهم بطاعة إبليس=: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش، فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح، فيشدُّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا، فليس لهم إلا الدية! قال إبليس: صدق، وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! فقاموا على ذلك. وأخبر الله رسوله ﷺ، فنام على الفراش، وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار، ونام علي بن أبي طالب على الفراش، فذلك حين يقول الله: "ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك"= و"الإثبات"،: هو الحبس والوثاق= وهو قوله: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا [سورة الإسراء: ٧٦] ، يقول: يهلكهم.
فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، لقيه عمر فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي ﷺ من بين أظهرهم، وكذلك كان يُصنع بالأمم، فقال النبي ﷺ: "أخِّروا بالقتال".
١٥٩٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليثبتوك أو يقتلوك"، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد ﷺ قبل أن يخرج من مكة.
١٥٩٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
١٥٩٧٢- حدثني ابن وكيع قال: حدثنا هانئ بن سعيد، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه؛ إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد.
١٥٩٧٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك"، الآية، هو النبي ﷺ، مكروا به وهو بمكة.
١٥٩٧٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك"، إلى آخر الآية، قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله ﷺ، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتل به! قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهل بيته! قالوا: أخرجوه. قالوا: إذًا يستغوي الناس عليكم. [[" يستغوي الناس "، أي: يدعوهم إلى التجمع. يقال: " تغاووا عليه حتى قتلوه "، إذا تجمعوا وتعاونوا في الشر. والأجود عندي: " يستعوى " (بالعين المهملة) . يقال: " استعوى فلان جماعة "، إذا نعق بهم على الفتنة. ويقال: " تعاوى بنو فلان على فلان " و " تغاووا " (بالغين المعجمة) ، إذا تجمعوا عليه. و " استعوى القوم "، استغاث بهم. وأصله من " العواء "، عواء الكلب، فتجاوبه كلاب الحي.]]
قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد، واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستلم، أن يجتمعوا عليه فيغمُّوه ويقتلوه، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فيعموه " بالعين المهملة، ولها وجه ضعيف عندي، وصوابها بالغين المعجمة. يقال: " غم الشيء يغمه "، إذا علاه وغطاه وستره حتى لا فرجة فيه، ومنه قول النمر بن تولب، يصف اجتماع المقاتلة العرب في الحرب: زَبَنَتْكَ أَرْكَانُ العَدُوِّ فأَصْبَحتْ ... أَجَأ وَحَيَّة مِنْ قَرَارِ ديارها
وَكأَنَّهَا دَقَرَى، تَخَايَلَ نَبْتُها ... أُنُفٌ يَغُمُّ الضَّالَ نَبْتُ بِحَارِهَا
ومنه قيل للغمة " غمة "، وقيل: " سحاب أغم "، لا فرجة فيه. وانظر بعد ذلك صفة اجتماعهم عليه ﷺ بأبي هو وأمي، وأن أبا بكر لم يجد مدخلا، وقوله أيضًا: " ثم فرجها الله عنه ". فكل هذا يدل على صواب قراءتها كما أثبتها. وهذه الصفحة من المخطوطة، يكاد أكثرها يكون غير منقوط.]] فإنه لا يدري أهله من قتله، فيرضون بالعقل، فنقتله ونستريح ونعقِله! فلما أن جاء يطوف بالبيت، اجتمعوا عليه فغمُّوه، فأتى أبو بكر فقيل له ذاك، فأتى فلم يجد مدخلا. فلما أن لم يجد مدخلا قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، [سورة غافر: ٢٨] . قال: ثم فرَّجها الله عنه. فلما أن حطّ الليل، [[في المطبوعة: " فلما أن كان الليل "، غير ما في المخطوطة، وكان فيها " فلما أن حبط " وصواب قراءتها إن شاء الله ما أثبت. و " حط الليل "، نزل وأطبق.]] أتاه جبريل عليه السلام فقال، من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نحن أعلم بهم منك، [[في المخطوطة: " فقال: فلان وفلان وفلان، فقال لا. فقال جبريل عليه السلام: نحن أعلم بهم منك ... "، أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء، والذي في المطبوعة اجتهاد من الناشر، تركه على حاله.]] يا محمد، هو ناموس ليل! [[في المطبوعة والمخطوطة: " هو ناموس ليل "، والسياق يقتضي ما أثبت.
و" الناموس " دويبة أغبر، كهنة الذرة، تلكع الناس وتلسعهم. وقولهم: " هم ناموس ليل "، يعني حقارتهم وقلة شأنهم.]] قال: وأخِذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأتى بهم النبي ﷺ، فقدِّم أحدهم إلى جبريل، فكحَله ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه يا نبي الله! ثم قدِّم آخر، فنقر فوق رأسه. بعصًا نقرة ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ فقال: كُفِيته يا نبي الله! ثم أتي بآخر فنقر في ركبته، فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته! ثم أتي بآخر فسقاه مَذْقة، [[" المذقة "، الطائفة من اللبن الممزوج بالماء.]] فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته يا نبي الله! وأتي بالخامس، [[لم يذكر ما فعل جبريل عليه السلام بالخامس، وإن كان ذكر ما آل إليه أمره، فأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.]] فلما غدا من بيته، مرّ بنبّال فتعلق مِشْقَص بردائه، [[في المطبوعة " مر " حذف الفاء، وهو صواب، فأثبتها من المخطوطة. و " المشقص "، نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض.]] فالتوى، فقطع الأكحل من رجله. [[" الأكحل "، عرق الحياة، ويقال له: " نهر البدن "، وهو عرق في اليد ووسط الذراع، وفي كل عضو منه شعبة، لها اسم على حدة، إذا قطع لم يرقأ الدم.]] وأما الذي كحلت عيناه، فأصبح وقد عمي. وأما الذي سقي مَذْقةً، فأصبح وقد استسقى بطنه. وأما الذي نقر فوق رأسه، فأخذته النقبة = و"النقبة"، قرحة عظيمة [[في المطبوعة: " النقدة "، في الموضعين. وأما المخطوطة، فالأولى، يوشك أن يكتبها " النقبة " إلا أنه يزيد في رأس الباء، ثم كتب بعد " النقدة " ولم أجد في القروح ما يقال له: " نقدة ".
و" النقبة " (بضم فسكون) أول بدء الجرب، ترى الرقعة مثل الكف بجنب البعير أو وركه أو بمشفرة، ثم تتمشى فيه تشريه كله، أي تملؤه كله. فلعل هذه هي المرادة هنا.]]
= أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته، فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
١٥٩٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم. [[الأثر: ١٥٩٧٥ - سيرة ابن هشام ١: ٣٢٥، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٩٥٥.
وكان في المطبوعة والمخطوطة: " فمكرت لهم "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام، وهي أجود.]]
١٥٩٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا"، قال: هذه مكية= قال: ابن جريج، قال مجاهد: هذه مكية. [[الأثر: ١٥٩٧٦ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٥٩٦٤. كأنه يعني أن هذه الآية، معنى بها أمر من أمر رسول الله ﷺ وهو بمكة. والقطع بأن هذه الآية أو اللواتي تليها آيات نزلت بمكة، أمر صعب، لا يكاد المرء يطمئن إلى صوابه، والاعتراض على ذلك له وجوه كثيرة لا محل لذكرها هنا.]]
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: واذكر، يا محمد، نعمتي عندك، بمكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك، بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك، حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم، فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين، وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم، ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم، فإن ربّك خيرُ الماكرين بمن كفر به، وعبد غيره، وخالف أمره ونهيه.
* *
وقد بينا معنى "المكر" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير " المكر " فيما سلف ١٢: ٩٥، ٩٧، ٥٧٩ \ ١٣: ٣٣، ٤٩١.]]