John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-A'raaf

Tafsir al-Tabari · The Heights · 206 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه ﴿المص (١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى ذكره: ﴿المص﴾ .

فقال بعضهم: معناه: أنا الله أفضل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣١٠- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿المص﴾ ، أنا الله أفضل.

١٤٣١١- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عمار بن محمد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿المص﴾ ، أنا الله أفضل.

* *

وقال آخرون: هو هجاء حروف اسم الله تبارك وتعالى الذي هو"المصوّر".

ذكر من قال ذلك:

١٤٣١٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿المص﴾ ، قال: هي هجاء"المصوّر".

* *

وقال آخرون: هي اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿المص﴾ ، قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

* *

وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣١٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿المص﴾ ، قال: اسم من أسماء القرآن.

١٤٣١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

* *

وقال آخرون: هي حروف هجاء مقطّعة.

* *

وقال آخرون: هي من حساب الجمَّل.

* *

وقال آخرون: هي حروف تحوي معاني كثيرة، دلّ الله بها خلقه على مراده من ذلك.

* *

وقال آخرون: هي حروف اسم الله الأعظم.

* *

وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه، وتعليل كلّ فريق قال فيه قولا. وما الصواب من القول عندنا في ذلك، بشواهده وأدلته فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٢٠٥ - ٢٢٤. وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ٣٦٨ - ٣٧٠.]]

القول في تأويل قول الله تعالى ذكره ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنزله الله إليك.

* *

ورفع"الكتاب" بتأويل: هذا كتابٌ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فلا يضق صدرك، يا محمد، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به، وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه، ولا تشك في أنه من عندي، واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة، [[في المطبوعة: ((واصبر بالمضي لأمر الله)) ، وغير ما في المخطوطة بلا طائل.]] كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك.

* *

و"الحرج"، هو الضيق، في كلام العرب، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥] ، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ص: ١٠٣ - ١٠٧.]]

* *

وقال أهل التأويل في ذلك ما:-

١٤٣١٦- حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: لا تكن في شك منه.

١٤٣١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك.

١٤٣١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٣١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، شك منه.

١٤٣٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

١٤٣٢١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: أما"الحرج"، فشك.

١٤٣٢٢- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك من القرآن.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل، هو معنى ما قلنا في"الحرج"، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى"الضيق"، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب، كما قد بيناه قبل.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنزلناه إليك، يا محمد، لتنذر به من أمرتك بإنذاره، ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ = وهو من المؤخر الذي معناه التقديم. ومعناه: "كتاب أنزل إليك لتنذر به"، و"ذكرى للمؤمنين"،"فلا يكن في صدرك حرج منه".

وإذا كان ذلك معناه، كان موضع قوله: ﴿وذكرى﴾ نصبًا، بمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به، وتذكر به المؤمنين.

* *

ولو قيل معنى ذلك: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، أن تنذر به، وتذكّر به المؤمنين = كان قولا غير مدفوعة صحته.

وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه، كان في قوله: ﴿وذكرى﴾ من الإعراب وجهان:

أحدهما: النصب بالردّ على موضع"لتنذر به".

والآخر: الرفع، عطفًا على"الكتاب"، كأنه قيل:"المص كتاب أنزل إليك"، و"ذكرى للمؤمنين". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٠.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا، أيها الناس، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئًا من دونه = يعني: شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.

* *

فإن قال قائل: وكيف قلت:"معنى الكلام: قل اتبعوا"، وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول؟

قيل: إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به﴾ ، ففي قوله:"لتنذر به"، الأمر بالإنذار، وفي الأمر بالإنذار، الأمرُ بالقول، لأن الإنذار قول. فكأن معنى الكلام: أنذر القومَ وقل لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم.

ولو قيل معناه: لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم = كان غير مدفوع.

* *

وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: ﴿اتبعوا﴾ ، خطاب للنبيّ ﷺ، ومعناه: كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، اتبع ما أنزل إليك من ربك = ويرى أن ذلك نظير قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ١] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي ﷺ، ثم جعل الفعل للجميع، إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ، أمرًا منه لجميع أمته، كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته:"أما تتقون الله، أما تستحيون من الله! "، ونحو ذلك من الكلام. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧١، فهذه مقالته.]]

وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع، فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام، لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.

* *

وقوله: ﴿قليلا ما تذكرون﴾ ، يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق. [[انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف ١١: ٤٨٩، تعليق ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قول الله تعالى ذكره ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنزله الله إليك.

* *

ورفع"الكتاب" بتأويل: هذا كتابٌ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فلا يضق صدرك، يا محمد، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به، وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه، ولا تشك في أنه من عندي، واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة، [[في المطبوعة: ((واصبر بالمضي لأمر الله)) ، وغير ما في المخطوطة بلا طائل.]] كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك.

* *

و"الحرج"، هو الضيق، في كلام العرب، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥] ، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ص: ١٠٣ - ١٠٧.]]

* *

وقال أهل التأويل في ذلك ما:-

١٤٣١٦- حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: لا تكن في شك منه.

١٤٣١٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك.

١٤٣١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٣١٩- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، شك منه.

١٤٣٢٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

١٤٣٢١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: أما"الحرج"، فشك.

١٤٣٢٢- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ ، قال: شك من القرآن.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل، هو معنى ما قلنا في"الحرج"، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى"الضيق"، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب، كما قد بيناه قبل.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنزلناه إليك، يا محمد، لتنذر به من أمرتك بإنذاره، ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ = وهو من المؤخر الذي معناه التقديم. ومعناه: "كتاب أنزل إليك لتنذر به"، و"ذكرى للمؤمنين"،"فلا يكن في صدرك حرج منه".

وإذا كان ذلك معناه، كان موضع قوله: ﴿وذكرى﴾ نصبًا، بمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به، وتذكر به المؤمنين.

* *

ولو قيل معنى ذلك: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، أن تنذر به، وتذكّر به المؤمنين = كان قولا غير مدفوعة صحته.

وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه، كان في قوله: ﴿وذكرى﴾ من الإعراب وجهان:

أحدهما: النصب بالردّ على موضع"لتنذر به".

والآخر: الرفع، عطفًا على"الكتاب"، كأنه قيل:"المص كتاب أنزل إليك"، و"ذكرى للمؤمنين". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٠.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا، أيها الناس، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، ولا تتبعوا شيئًا من دونه = يعني: شيئًا غير ما أنزل إليكم ربكم. يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.

* *

فإن قال قائل: وكيف قلت:"معنى الكلام: قل اتبعوا"، وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول؟

قيل: إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك قوله: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به﴾ ، ففي قوله:"لتنذر به"، الأمر بالإنذار، وفي الأمر بالإنذار، الأمرُ بالقول، لأن الإنذار قول. فكأن معنى الكلام: أنذر القومَ وقل لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم.

ولو قيل معناه: لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم: اتبعوا ما أنزل إليكم = كان غير مدفوع.

* *

وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: ﴿اتبعوا﴾ ، خطاب للنبيّ ﷺ، ومعناه: كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، اتبع ما أنزل إليك من ربك = ويرى أن ذلك نظير قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: ١] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي ﷺ، ثم جعل الفعل للجميع، إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ، أمرًا منه لجميع أمته، كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته:"أما تتقون الله، أما تستحيون من الله! "، ونحو ذلك من الكلام. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧١، فهذه مقالته.]]

وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع، فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام، لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.

* *

وقوله: ﴿قليلا ما تذكرون﴾ ، يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق. [[انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف ١١: ٤٨٩، تعليق ٣، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: حذّر هؤلاء العابدين غيري، والعادلين بي الآلهة والأوثان، سَخَطي لا أُحِلّ بهم عقوبتي فأهلكهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((لأحل بهم عقوبتي)) ، والسياق يقتضي ما أثبت.]] كما أهلكت من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، فكثيرًا ما أهلكت قبلهم من أهل قرى عصوني وكذَّبوا رسلي وعبدوا غيري [[انظر تفسير ((كم)) فيما سلف ٥: ٣٥٢:

= تفسير ((القرية)) فيما سلف ٨: ٥٤٣.

= وتفسير ((الإهلاك)) فيما سلف: ١١: ٣١٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.

= وتفسير ((البأس)) فيما سلف ص: ٢٠٧، تعليق ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿فجاءها بأسنا بياتًا﴾ ، يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلا قبل أن يصبحوا [[انظر تفسير ((البيات)) فيما سلف ٨: ٥٦٢، ٥٦٣ /٩: ١٩١، ١٩٢.]] = أو جاءتهم"قائلين"، يعني: نهارًا في وقت القائلة.

* *

وقيل:"وكم" لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المَثُلاث، بتكذيبهم رسلَه وخلافهم عليه. وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد، كما قال الفرزدق:

كَمْ عَمةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وَخَالَةٍ ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي [[ديوانه: ٤٥١، والنقائض: ٣٣٢، وقد سلف هذا البيت وشرحه في تخريج بيت آخر من القصيدة ٩: ٤٩٥، ٤٩٦، تعليق: ١.]]

* *

فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه"أهلك قرًى"، فما في خبره عن إهلاكه"القرى" من الدليل على إهلاكه أهلها؟

قيل: إن"القرى" لا تسمى"قرى" ولا"القرية""قرية"، إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم، ففي إهلاكها إهلاك مَنْ فيها من أهلها.

* *

وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن"القرية"، والمراد به أهلها.

* *

قال أبو جعفر: والذي قلنا في ذلك أولى بالحق، لموافقته ظاهر التنزيل المتلوّ.

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون﴾ ؟ وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسَخَطه بها؟ فكيف قيل: "أهلكناها فجاءها"؟ وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها، فما وجه مجيء ذلك قومًا قد هلكوا وبادوا، ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم؟

قيل: إن لذلك من التأويل وجهين، كلاهما صحيح واضح منهجه:

أحدهما: أن يكون معناه:"وكم من قرية أهلكناها"، بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى، واختيارها اتباع أمر أوليائها المُغْوِيتِهَا عن طاعة ربها [[في المطبوعة: ((المغويها)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] = "فجاءها بأسنا" إذ فعلت ذلك ="بياتا أو هم قائلون"، فيكون"إهلاك الله إياها"، خذلانه لها عن طاعته، ويكون"مجيء بأس الله إياهم"، جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم.

والآخر منهما: أن يكون"الإهلاك" هو"البأس" بعينه، فيكون في ذكر"الإهلاك" الدلالةُ على ذكر"مجيء البأس"، وفي ذكر"مجيء البأس" الدلالة على ذكر"الإهلاك".

وإذا كان ذلك كذلك، كان سواء عند العرب، بُدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس، أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك. وذلك كقولهم:"زرتني فأكرمتني"، إذ كانت "الزيارة" هي"الكرامة"، فسواء عندهم قدم"الزيارة" وأخر"الكرامة"، أو قدم"الكرامة" وأخر"الزيارة" فقال:"أكرمتني فزرتني". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧١.]]

* *

وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفًا، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحًا = وأن معنى ذلك: وكم من قرية أهلكناها، فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٣٧١، قال: ((وإن شئت كان المعنى: وكم من قرية أهلكناها، فكان مجيء البأس قبل الإهلاك، فأضمرت كان.)) .]] وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل، ولا من خبر يجب التسليم له. وإذا خلا القولُ من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجبُ التسليم لها، كان بيّنًا فساده.

* *

وقال آخر منهم أيضًا: معنى"الفاء" في هذا الموضع معنى"الواو". وقال: تأويل الكلام: وكم من قرية أهلكناها، وجاءها بأسنا بياتًا. وهذا قول لا معنى له، إذ كان لـ"الفاء" عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم، ما وجد إلى ذلك سبيل، أولى من صرفها إلى غيره.

* *

فإن قال: وكيف قيل: ﴿فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون﴾ ، وقد علمت أن الأغلب من شأن"أو" في الكلام، اجتلابُ الشك، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك؟ قيل: إن تأويل ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ. وإنما معنى الكلام: وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتًا، وبعضها وهم قائلون. ولو جعل مكان"أو" في هذا الموضع"الواو"، لكان الكلام كالمحال، ولصار الأغلب من معنى الكلام: أن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتًا وفي وقت القائلة. وذلك خبرٌ عن البأس أنه أهلك من قد هلك، وأفنى من قد فني. وذلك من الكلام خَلْفٌ. [[((خلف)) (بفتح فسكون) . يقال: ((هذا خلف من القول)) ، أي: رديء ساقط ومنه المثل: ((سكت ألفًا، ونطق خلفًا)) .]] ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنزيل، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتًا، من القرى التي جاءها ذلك قائلةً. ولو فُصلت، لم يخبر عنها إلا بالواو.

وقيل:"فجاءها بأسنا" خبرًا عن"القرية" أن البأس أتاها، وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية. ولو قيل:"فجاءهم بأسنا بياتًا"، لكان صحيحًا فصيحًا، ردًّا للكلام إلى معناه، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب، نحوٌ من الذي نال سكانها. وقد رجع في قوله: ﴿أو هم قائلون﴾ ، إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها، لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان، وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧١.]]

ولو قيل:"أو هي قائلة"، كان صحيحًا، إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام.

* *

فإن قال قائل: أو ليس قوله: ﴿أو هم قائلون﴾ ، خبرًا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار؟

قيل: بلى! فإن قال: أو ليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدالِّ على الوقت؟

قيل: إن ذلك، وإن كان كذلك، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع، استثقالا للجمع بين حرفي عطف، إذ كان"أو" عندهم من حروف العطف، [[في المخطوطة: ((إذ كان وعندهم من حروف العطف)) بياض، وفوق البياض (كذا) ، وفي الهامش حرف (ط) . والذي في المطبوعة شبيه بالصواب.]] وكذلك"الواو"، فيقولون:"لقيتني مملقًا أو أنا مسافر"، بمعنى: أو وأنا مسافر، فيحذفون"الواو" وهم مريدوها في الكلام، لما وصفت. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٢.]]

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين. [[انظر بيان قول ((بربهم آثمين)) فيما سلف ص: ١٧١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿دعواهم﴾ ، في هذا الموضع دعاءَهم.

* *

ولـ"الدعوى"، في كلام العرب، وجهان: أحدهما: الدعاء، والآخر: الادعاء للحق.

ومن"الدعوى" التي معناها الدعاء، قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ [سورة الأنبياء: ١٥] ، ومنه قول الشاعر: [[كثير عزة.]]

وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفِي ... بِدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بِهَا فَيَهُونُ [[ديوانه ٢: ٢٤٥، في باب الزيادات، نهاية الأرب ٢: ١٢٥، واللسان (مذل) .

((مذلت رجله (بفتح وسكون) ومذلا (بفتحتين) : خدرت، كانوا يزعمون أن المرء إذا خدرت رجله ثم دعا باسم مَنْ أحب، زال خدرها.]]

* *

وقد بينا فيما مضى قبل أن"البأس" و"البأساء" الشدة، بشواهد ذلك الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير ((البأس)) فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ من قوله:"ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم".

* *

وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم.

١٤٣٢٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد قال، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله: ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم - قال قلت لعبد الملك: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا﴾ ، الآية [[الأثر: ١٤٣٢٣ - ((عبد الملك بن ميسرة الهلالي الزراد)) ، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤، ١٣٢٦، مات في العشر الثاني من المئة الثانية. لم يدرك ابن مسعود ولا غيره من الصحابة. فإسناده منقطع.

وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٤٨، عن الطبري ولم يخرجه. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٦٧، ولم ينسبه إلى غير ابن أبي حاتم.

((أعذر من نفسه)) ، إذا أمكن معاقبة بذنبه منها. يعني: أنهم لا يهلكون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، فيعذروا من أنفسهم، ويستوجبوا العقوبة، ويكون لمن يعذبهم عذر في إلحاق العذاب بهم.]] .

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين﴾ ؟ وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك، وقد جاءهم بأس الله بالهلاك؟ أقالوا ذلك قبل الهلاك؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك، فإنهم قالوا قبل مجيء البأس، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم، لا قبل ذلك؟ أو قالوه بعد ما جاءهم، فتلك حالة قد هلكوا فيها، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله، وحقيقة ما كانت الرسل تَعِدهم من سطوة الله؟. [[في المخطوطة وصل الكلام هكذا: ((وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله وليس كل الأمم)) ، بالواو، وليس فيها ((قيل)) ، وقد أحسن الناشر الأول فيما فعل، وإن كنت أظن أن في الكلام سقطًا.]]

قيل: ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ، بل كان منهم من غرق بالطوفان. فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون، وبين آخره الذي عمَّ جميعهم هلاكُه، المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل. ومنهم من مُتِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أيامًا ثلاثة، كقوم صالح وأشباههم. فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به، وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم، دعوا: ﴿يا ويلنا إنا كنا ظالمين﴾ ، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم. فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمدًا ﷺ من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي؟ هل عملوا بما أمرتهم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، وأطاعوا أمري، أم عصوني فخالفوا ذلك؟ = (ولنسألن المرسلين) ، يقول: ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم: هل بلغتهم رسالاتي، وأدَّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم، أم قصّروا في ذلك ففرَّطوا ولم يبلغوهم؟.

* *

وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ ، قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا.

١٤٣٢٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ إلى قوله: ﴿غائبين﴾ ، قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.

١٤٣٢٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ ، يقول فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟

١٤٣٢٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، قال مجاهد: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ ، الأمم = ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه: هل بلغوا؟ [[الأثر: ١٤٣٢٧ - ((أبو سعد المدني)) ، مضى في الأثر رقم: ١٤٣٢٢، ولم أعرف من هو، ولم أجد له ترجمة.]]

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلنخبرن الرسل ومَنْ أرسلتهم إليه بيقين علمٍ بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه [[انظر تفسير ((القصص)) فيما سلف ٩: ٤٠٢ /١٢: ١٢٠]] ="وما كنا غائبين"، عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها.

* *

فإن قال قائل: وكيف يسأل الرسلَ، والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقصّ عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم في ذلك؟

قيل: إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد، ولا مسألة تعرّف منهم ما هو به غير عالم، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر، كما يقول الرجل للرجل:"ألم أحسن إليك فأسأت؟ "، و"ألم أصلك فقطعت؟ ". فكذلك مسألة الله المرسلَ إليهم، بأن يقول لهم:"ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي في هذا اليوم من كفر بي وعبد غيري"؟ كما أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ،

[سورة يس: ٦٠-٦١] ، ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة، ومعناه الخبر والقصص، وهو بعدُ توبيخ وتقرير.

وأما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: ﴿ألم يأتكم رُسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم﴾ ؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا:"ما جاءنا من بشير ولا نذير". فقيل للرسل:"هل بلغتم ما أرسلتم به"؟ أو قيل لهم:"ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟ "، كما جاء الخبر عن رسول الله ﷺ، وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ، [سورة البقرة: ١٤٣] . فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسَل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر.

فأما الذي هو عن الله منفيٌّ من مسألته خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول، ليعلم السائل علم ذلك من قِبَله، فذلك غير جائز أن يوصف الله به، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ ، [سورة الرحمن: ٣٩] ، وبقوله: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ، [سورة القصص: ٧٨] ، يعني: لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم مستثبت، [[في المطبوعة والمخطوطة: (لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم علم مستثبت)) وهو غير مستقيم، والصواب ما أثبت.]] ليعلم علم ذلك من قبل مَنْ سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره.

* *

وقد ذكرنا ما روي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ٣: ١٤٥ - ١٥٤.]]

* *

وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله: ﴿فلنقصن عليهم بعلم﴾ ، أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.

هذا قولٌ غيرُ بعيد من الحق، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تَرْجُمان، فيقول له:"أتذكر يوم فعلت كذا وفعلت كذا"؟ حتى يذكره ما فعل في الدنيا [[هذا الخبر الذي صححه الطبري، لم أجده بتمامه، ووجدت صدره من رواية ابن خزيمة، عن أبي خالد عبد العزيز بن أبان القرشي، قال: حدثنا بشير بن المهاجر، عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: ((ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان)) (حادي الأرواح ٢: ١٠٨، ١٠٩) ، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: ٣٤٦، بلفظ: (ليس منكم من أحد إلا سيكلمه الله عز وجل ... )) ، ثم قال: ((رواه البزار، وفيه عبد العزيز بن أبان، وهو متروك)) . وسيأتي في التعليق على رقم: ١٤٣٣٣.

وأما الأخبار بمعنى هذا الخبر، فقد جاءت بالأسانيد الصحاح. رواه الترمذي بهذا اللفظ في أبواب صفة القيامة، من حديث عدي بن حاتم، وقال: ((هذا حديث حسن صحيح)) .]] = والتسليم لخبر رسول الله ﷺ أولى من التسليم لغيره.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) ﴾

قال أبو جعفر:"الوزن" مصدر من قول القائل:"وزنت كذا وكذا أزِنه وَزْنًا وزِنَةً"، مثل:"وَعدته أعده وعدًا وعدة".

وهو مرفوع بـ"الحق"، و"الحق" به. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٣.]]

* *

ومعنى الكلام: والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين، الحق = ويعني بـ"الحق"، العدلَ.

* *

وكان مجاهد يقول:"الوزن"، في هذا الموضع، القضاء.

١٤٣٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"والوزن يومئذ"، القضاء.

* *

وكان يقول أيضًا: معنى"الحق"، هاهنا، العدل.

ذكر الرواية بذلك:

١٤٣٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، قال: العدل.

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، وزن الأعمال.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، توزن الأعمال.

١٤٣٣١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب، فلا يزن جناح بَعُوضة.

١٤٣٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة.

١٤٣٣٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يوسف بن صهيب، عن موسى، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، قال: يا جبريل، زِن بينهم! فردَّ من بعضٍ على بعض. قال: وليس ثم ذهبٌ ولا فضة. قال: فإن كان للظالم حسنات، أخذ من حسناته فترد على المظلوم، [[في المطبوعة أسقط من الكلام ما لا يستقيم إلا به، فرددتها إلى أصلها من المخطوطة. كان في المطبوعة: ((يا جبريل زن بينهم، فرد على المظلوم ... )) .]] وإن لم يكن له حسنات حُمِل عليه من سيئات صاحبه، فيرجع الرجل عليه مثل الجبال، فذلك قوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ . [[الأثر: ١٤٣٣٣ - ((الحارث)) ، هو ((الحارث بن أبي أسامة)) ، ثقة مضى مرارًا.

و ((عبد العزيز)) ، هو ((عبد العزيز بن أبان الأموي)) ، كذاب خبيث يضع الأحاديث، مضى ذكره مرارًا، رقم: ١٠٢٩٥، ١٠٣١٥، ١٠٣٦٠، ١٠٥٥٣.

((يوسف بن صهيب الكندي)) ، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /٢ /٣٨٠، وابن أبي حاتم ٤ /٢ /٢٢٤. و ((موسى)) كثير، ولم أستطع أن أعينه.

و ((بلال بن يحي العبسي)) ، يروي عن حذيفة. ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ /٢ /١٠٨، وابن أبي حاتم ١ /١ / ٣٩٦.]]

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ .

فقال بعضهم: معناه: فمن كثرت حسناته.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٣٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ ، قال: حسناته.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته. قالوا: وذلك هو"الميزان" الذي يعرفه الناس، له لسان وكِفَّتان.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٣٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال لي عمرو بن دينار قوله: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ ، قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يُجْعَل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو"الميزان" المعروف الذي يوزن به، وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات، كما قال جل ثناؤه: ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ ، موازين عمله الصالح = ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ ، يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح، وأدركوا الفوز بالطلبات، والخلود والبقاء في الجنات، [[انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ص: ١٣٠ تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله:"ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق"، [[روى الترمذي في سننه في كتاب ((البر والصلة)) باب ((ما جاء في حسن الخلق)) ، عن أبي الدرداء، قال النبي ﷺ: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق خسن، فإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء)) ، ثم قال: ((وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأنس، وأسامة بن شريك. هذا حديث حسن صحيح)) . وقال السيوطي في الدر المنثور ٣: ٧١ ((وأخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي، عن أبي الدرداء)) .]] ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزانٌ يوزن به الأعمال، على ما وصفت.

* *

فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله ﷺ عنه، وِجْهَته، وقال: أوَ بالله حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده، وفي كل حال؟ = أو قال: وكيف توزن الأعمال، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها، وكثرتها من قلتها، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة، والكثرة والقلة؟

قيل له في قوله:"وما وجه وزن الله الأعمالَ، وهو العالم بمقاديرها قبل كونها": وزن ذلك، نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جل ثناؤه في تنزيله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الجاثية: ٢٨-٢٩] الآية. فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم. [[هذه إحدى حجج أبي جعفر، التي تدل على لطف نظره، ودقة حكمه، وصفاء بيانه، وقدرته على ضبط المعاني ضبطًا لا يختل. فجزاه الله عن كتابه ودينه أحسن الجزاء، يوم توفى كل نفس ما كسبت.]]

* *

وأمّا وجه جواز ذلك، فإنه كما:

١٤٣٣٦- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: يُؤْتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان، فيوضع في الكِفّة، فيخرج له تسعة وتسعون سِجِلا فيها خطاياه وذنوبه. قال: ثم يخرج له كتاب مثل الأنْمُلة، فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. قال: فتوضع في الكِفّة، فترجح بخطاياه وذنوبه. [[الأثر: ١٤٣٣٦ - ((موسى بن عبد الرحمن المسروق)) شيخ أبي جعفر، مضى مرارًا، آخرها رقم: ٨٩٠٦.

و ((جعفر بن عون بن عمرو بن حريث المخزومي)) ، ثقة، مضى برقم: ٩٥٠٦، ١٤٢٤٤.

و ((عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي المعافري)) ، هو ((ابن أنعم)) ، ثقة. مضى برقم: ٢١٩٥، ١٠١٨٠، ١١٣٣٧.

و ((عبد الله بن يزيد المعافري)) أبو عبد الرحمن الحبلي المصري، ثقة، مضى برقم: ٦٦٥٧، ٩٤٨٣، ١١٩١٧.

وكان في المطبوعة: ((عن عبد الله بن عمر)) ، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. وهذا خبر صحيح الإسناد.

ورواه أحمد في مسنده بغير هذا اللفظ مطولا، في مسند عبد الله بن عمرو رقم: ٦٩٩٤ من طريق الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبلى = ثم رواه أيضًا رقم: ٧٠٦٦ من طريق ابن لهيعة، عن عمرو بن يحيى (عامر بن يحيى) ، عن أبي عبد الرحمن الحبلى. ورواه من الطريق الأولي عند أحمد ابن ماجه في سننه ص: ١٤٣٧.

ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٦ من طريق يونس بن محمد، عن الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري وقال: ((هذا حديث صحيح، لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم)) ، ووافقه الذهبي. ثم عاد فرواه في المستدرك أيضًا ١: ٥٢٩ من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير، عن الليث، مثل إسناده وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.]]

* *

فكذلك وزن الله أعمال خلقه، بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى، احتجاجًا من الله بذلك على خلقه، كفعله بكثير منهم: من استنطاق أيديهم وأرجلهم، استشهادًا بذلك عليهم، وما أشبه ذلك من حججه.

ويُسأل مَن أنكر ذلك فيقال له: إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة، ويخفف موازين آخرين، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بتحقيق ذلك، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته، الذي يتعارفه الناس؟ أحجة عقل تُبْعِد أن يُنال وجه صحته من جهة العقل؟ [[في المطبوعة: أحجة عقل فقد يقال وجه صحته ... وهو كلام غير مستقيم. وفي المخطوطة. ((أحجة عقل بعدان ننال وجه صحته ... )) ، وكأن الصواب ما قرأته وأثبته.]] وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالهم لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان، خروجٌ من حكمة، ولا دخول في جور في قضية، فما الذي أحال ذلك عندك من حجةِ عقلٍ أو خبر؟ [[في المطبوعة: ((فما الذي أحال عندك من حجة أعقل أو خبر)) ، وهو فاسد، وفي المخطوطة: (( ... من حجة أو عقل أو خبر)) ، بزيادة ((أو)) ، وبحذفها يستقيم الكلام.]] إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرتُ، ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين، وضوحُ فساد قوله، وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك.

وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته، إذ كان قصدُنا في هذا الكتاب: البيانَ عن تأويل القرآن دون غيره. ولولا ذلك لقرنَّا إلى ما ذكرنا نظائره، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وُفِّق لفهمه إن شاء الله.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته [[انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ص: ١٥٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ ، يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها، [[انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] كالذي:-

١٤٣٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: ﴿ومن خفت موازينه﴾ ، قال: حسناته.

* *

وقيل:"فأولئك"، و"من" في لفظ الواحد، لأن معناه الجمع. ولو جاء موحَدًا كان صوابًا فصيحًا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٣.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد وطَّأْنا لكم، أيها الناس، في الأرض، [[في المطبوعة: ((ولقد وطنا لكم أيها الناس)) ، والصواب من المخطوطة.]] وجعلناها لكم قرارًا تستقرُّون فيها، ومهادًا تمتهدونها، وفراشًا تفترشونها [[انظر تفسير ((مكن)) فيما سلف ١١: ٢٦٣.]] = ( وجعلنا لكم فيها معايش) ، تعيشون بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم = ﴿قليلا ما تشكرون﴾ ، يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري، واتخاذكم إلهًا سواي.

*

والمعايش: جمع "معيشة".

* *

واختلفت القرأة في قراءتها.

فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿مَعَايِشَ﴾ بغير همز.

* *

وقرأه عبد الرحمن الأعرج:"مَعَائِشَ" بالهمز.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿مَعَايِشَ﴾ بغير همز، لأنها"مفاعل" من قول القائل"عشتَ تعيش"، فالميم فيها زائدة، والياء في الحكم متحركة، لأن واحدها "مَفْعلة"،"مَعْيشة"، متحركة الياء، نقلت حركة الياء منها إلى"العين" في واحدها. فلما جُمعت، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا، في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال "مفاعل"، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال"فعائل" التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل. فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال، فالعرب تهمزه، كقولهم:"هذه مدائن" و"صحائف" ونظائرهما، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((ونظائر)) والسياق ما أثبت.]] لأن"مدائن" جمع"مدينة"، و"المدينة"،"فعيلة" من قولهم:"مدنت المدينة"، وكذلك،"صحائف" جمع"صحيفة"، و"الصحيفة"،"فعيلة" من قولك:"صحفت الصحيفة"، فالياء في واحدها زائدة ساكنة، فإذا جمعت همزت، لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة، وهي في الجمع متحركة. ولو جعلت"مدينة""مَفْعلة" من:"دان يدين"، وجمعت على"مفاعل"، كان الفصيح ترك الهمز فيها. وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع"مفعلة" في ذوات الياء والواو = وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها. إذا جاءت على"مفاعل" = تشبيهًا منهم جمعها بجمع"فعيلة"، كما تشبه"مَفْعلا""بفعيل" فتقول:"مَسِيل الماء"، من:"سال يسيل"، ثم تجمعها جمع"فعيل"، فتقول:"هي أمسلة"، في الجمع، تشبيهًا منهم لها بجمع"بعير" وهو"فعيل"، إذ تجمعه"أبعرة". وكذلك يجمع"المصير" وهو"مَفْعل"،"مُصْران" تشبيهًا له بجمع:"بعير" وهو"فعيل"، إذ تجمعه"بُعْران"، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٣، ٣٧٤]] وعلى هذا همز الأعرج"معايش". وذلك ليس بالفصيح في كلامها، وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن أفصحها وأعرفها، دون أنكرها وأشذِّها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته [[انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ص: ١٥٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ ، يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها، [[انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] كالذي:-

١٤٣٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: ﴿ومن خفت موازينه﴾ ، قال: حسناته.

* *

وقيل:"فأولئك"، و"من" في لفظ الواحد، لأن معناه الجمع. ولو جاء موحَدًا كان صوابًا فصيحًا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٣.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد وطَّأْنا لكم، أيها الناس، في الأرض، [[في المطبوعة: ((ولقد وطنا لكم أيها الناس)) ، والصواب من المخطوطة.]] وجعلناها لكم قرارًا تستقرُّون فيها، ومهادًا تمتهدونها، وفراشًا تفترشونها [[انظر تفسير ((مكن)) فيما سلف ١١: ٢٦٣.]] = ( وجعلنا لكم فيها معايش) ، تعيشون بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم = ﴿قليلا ما تشكرون﴾ ، يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري، واتخاذكم إلهًا سواي.

*

والمعايش: جمع "معيشة".

* *

واختلفت القرأة في قراءتها.

فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿مَعَايِشَ﴾ بغير همز.

* *

وقرأه عبد الرحمن الأعرج:"مَعَائِشَ" بالهمز.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿مَعَايِشَ﴾ بغير همز، لأنها"مفاعل" من قول القائل"عشتَ تعيش"، فالميم فيها زائدة، والياء في الحكم متحركة، لأن واحدها "مَفْعلة"،"مَعْيشة"، متحركة الياء، نقلت حركة الياء منها إلى"العين" في واحدها. فلما جُمعت، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا، في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال "مفاعل"، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال"فعائل" التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل. فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال، فالعرب تهمزه، كقولهم:"هذه مدائن" و"صحائف" ونظائرهما، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((ونظائر)) والسياق ما أثبت.]] لأن"مدائن" جمع"مدينة"، و"المدينة"،"فعيلة" من قولهم:"مدنت المدينة"، وكذلك،"صحائف" جمع"صحيفة"، و"الصحيفة"،"فعيلة" من قولك:"صحفت الصحيفة"، فالياء في واحدها زائدة ساكنة، فإذا جمعت همزت، لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة، وهي في الجمع متحركة. ولو جعلت"مدينة""مَفْعلة" من:"دان يدين"، وجمعت على"مفاعل"، كان الفصيح ترك الهمز فيها. وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع"مفعلة" في ذوات الياء والواو = وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها. إذا جاءت على"مفاعل" = تشبيهًا منهم جمعها بجمع"فعيلة"، كما تشبه"مَفْعلا""بفعيل" فتقول:"مَسِيل الماء"، من:"سال يسيل"، ثم تجمعها جمع"فعيل"، فتقول:"هي أمسلة"، في الجمع، تشبيهًا منهم لها بجمع"بعير" وهو"فعيل"، إذ تجمعه"أبعرة". وكذلك يجمع"المصير" وهو"مَفْعل"،"مُصْران" تشبيهًا له بجمع:"بعير" وهو"فعيل"، إذ تجمعه"بُعْران"، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٣، ٣٧٤]] وعلى هذا همز الأعرج"معايش". وذلك ليس بالفصيح في كلامها، وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن أفصحها وأعرفها، دون أنكرها وأشذِّها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويل ذلك: ﴿ولقد خلقناكم﴾ ، في ظهر آدم، أيها الناس = ﴿ثم صورناكم﴾ ، في أرحام النساء. خلقًا مخلوقًا ومثالا ممثلا في صورة آدم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قوله: ﴿خلقناكم﴾ ، يعني آدم = وأما"صورناكم"، فذريّته.

١٤٣٣٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ الآية، قال: أمّا"خلقناكم"، فآدم. وأمّا"صورناكم"، فذرية آدم من بعده.

١٤٣٤٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: ﴿ولقد خلقناكم﴾ ، يعني: آدم = ﴿ثم صورناكم﴾ ، يعني: في الأرحام.

١٤٣٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، يقول: خلقناكم خلق آدم، ثم صَوَّرناكم في بطون أمهاتكم.

١٤٣٤٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، يقول: خلقنا آدم، ثم صورنا الذرية في الأرحام.

١٤٣٤٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: خلق الله آدم من طين ="ثم صورناكم"، في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق: علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم كسا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر. [[الأثر: ١٤٣٤٣ - ((بشر بن معاذ العقدي)) ، مضى مرارًا، وهذا إسناد يدور في التفسير دورانًا، ولكنه جاء هنا في المخطوطة والمطبوعة: ((بشر بن آدم)) ، وهو خطأ. لا شك في ذلك.]]

١٤٣٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: خلق الله آدم، ثم صوّر ذريته من بعده.

١٤٣٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمر بن هارون، عن نصر بن مُشارس، عن الضحاك: ﴿خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: ذريته. [[الأثر: ١٤٣٤٥ - ((عمر بن هارون بن يزيد البلخي)) ، متكلم فيه وجرح، مضى برقم: ١٢٣٨٩.

و ((نصر بن مشاري)) أو ((نصر بن مشيرس)) ، هو ((أبو مصلح الخراساني)) مشهور بكنيته، وكذلك مضى في الأثر رقم: ١٢٣٨٩.

وكان في المطبوعة: ((مشاوش)) ، وفي المخطوطة: ((مشاوس)) والصواب ما أثبته.]]

١٤٣٤٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: ﴿ولقد خلقناكم﴾ ، يعني آدم = ﴿ثم صورناكم﴾ ، يعني: ذريته.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك:"ولقد خلقناكم"، في أصلاب آبائكم ="ثم صورناكم"، في بطون أمهاتكم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: خلقناكم في أصلاب الرجال، وصوّرناكم في أرحام النساء.

١٤٣٤٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحمانى قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، مثله.

١٤٣٤٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان قال، سمعت الأعمش يقرأ: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: خلقناكم في أصلاب الرجال، ثم صورناكم في أرحام النساء.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿خلقناكم﴾ ، يعني آدم = ﴿ثم صورناكم﴾ ، يعني = في ظهره.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿ولقد خلقناكم﴾ ، قال: آدم = ﴿ثم صورناكم﴾ ، قال: في ظهر آدم.

١٤٣٥١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، في ظهر آدم.

١٤٣٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: صورناكم في ظهر آدم.

١٤٣٥٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: في ظهر آدم، لما تصيرون إليه من الثواب في الآخرة.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك:"ولقد خلقناكم"، في بطون أمهاتكم ="ثم صورناكم"، فيها.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٥٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عمن ذكره قال: ﴿خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، قال: خلق الله الإنسان في الرحم، ثم صوّره، فشقَّ سمعه وبصره وأصابعه.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: ﴿ولقد خلقناكم﴾ ، ولقد خلقنا آدم = ﴿ثم صورناكم﴾ ، بتصويرنا آدم، كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه، والمعنيُّ في ذلك سلفه، [[انظر هذا من خطاب العرب فيما سلف ٢: ٣٨، ٣٩ ثم ص: ١٦٤، ١٦٥، ومواضع أخرى بعد ذلك في فهرس مباحث العربية والنحو وغيرها.]] وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ ، [سورة البقرة: ٦٣] . وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود، والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ ، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلُق أمهاتهم.

و"ثم" في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، [[انظر القول في ((ثم)) فيما سلف ص: ٢٣٣.]] وذلك كقول القائل:"قمت ثم قعدت"، لا يكون"القعود" إذ عطف به بـ"ثم" على قوله:"قمت" إلا بعد القيام، [[كان في هذه الجملة في المخطوطة تكرار، ووضع الناسخ في الهامش (كذا) ، والصواب ما في المطبوعة.]] وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو، جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل:"قمت وقعدت"، فجائز أن يكون"القعود" في هذا الكلام قد كان قبل"القيام"، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفًا، لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين، أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إنّ قوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ ، لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا.

فإن ظن ظانّ أن العربَ، إذ كانت ربما نطقت بـ"ثم" في موضع"الواو" في ضرورة شعره، كما قال بعضهم:

سَأَلْتُ رَبِيعَةَ: مَنْ خَيْرُهَا ... أَبًا ثُمَّ أُمًّا؟ فَقَالَتْ: لِمَهْ؟ [[لم أعرف قائله.]]

بمعنى: أبًا وأمًّا، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره= فإن ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف.

* *

وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل"ثم" في الكلام وهي مرادٌ بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدِّمونها في الكلام، [[في المخطوطة: ((وإن كان يعبر فنرنها في الكلام)) ، فلم استبن لقراءتها وجهًا أرضاه، فتركت ما في المطبوعة على حاله، لأنه مستقيم المعنى إن شاء الله.]] إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم:"قام ثم عبد الله عمرو"، فأما إذا قيل:"قام عبد الله ثم قعد عمرو"، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقًا، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا﴾ ، نظير قول القائل:"قام عبد الله ثم قعد عمرو"، في أنه غير جائز أن يكون أمرُ الله الملائكةَ بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير، لما وصفنا قبل.

* *

وأما قوله للملائكة: ﴿اسجدوا لآدم﴾ ، فإنه يقول جل ثناؤه: فلما صوّرنا آدم وجعلناه خلقًا سويًّا، ونفخنا فيه من روحنا، قلنا للملائكة:"اسجدوا لآدم"، ابتلاء منا واختبارًا لهم بالأمر، ليعلم الطائع منهم من العاصي، = ﴿فسجدوا﴾ ، يقول: فسجد الملائكة، إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم، حين أمره الله مع مَنْ أمرَ من سائر الملائكة غيره بالسجود.

* *

وقد بينا فيما مضى، المعنى الذي من أجله امتحن جَلّ جلاله ملائكته بالسجود لآدم، وأمْرَ إبليس وقصصه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٥٠١ - ٥١٢.]]

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس، إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له. يقول: قال الله لإبليس: = ﴿ما منعك﴾ ، أيّ شيء منعك = ﴿ألا تسجد﴾ ، أن تدع السجود لآدم = ﴿إذ أمرتك﴾ ، أن تسجد ="قال أنا خير منه"، يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم ="خلقتني من نار وخلقته من طين".

* *

فإن قال قائل: أخبرنا عن إبليس، ألحقته الملامة على السجود، أم على ترك السجود؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود، فكيف قيل له: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ ؟ وإن كان النكير على السجود، فذلك خلافُ ما جاء به التنزيل في سائر القرآن، وخلاف ما يعرفه المسلمون! قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له.

غير أن في تأويل قوله: ﴿ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك﴾ ، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا، أبدأ بذكر ما قالوا، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب.

فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد = و"لا" ها هنا زائدة، كما قال الشاعر: [[لا يعرف قائله.]]

أبَى جُودُهُ لا البُخْلَ، وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ... نَعَمْ، مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ [[اللسان (نعم) ، أمالي ابن الشجري ٢: ٢٢٨، ٢٣١، شرح شواهد المغنى ٢١٧، وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((لا يمنع الجوع)) ، كما أثبته، وكذلك ورد عن الفارسي في اللسان. وأما في المراجع الأخرى فروايته: ((لا يمنع الجود)) .]]

وقال: فسرته العرب:"أبى جوده البخل"، وجعلوا"لا" زائدةً حشوًا ها هنا، وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر"البخل"، ويجعل"لا" مضافة إليه، أراد: أبى جوده"لا" التي هي للبخل، ويجعل"لا" مضافة، لأن"لا" قد تكون للجود والبخل، لأنه لو قال له:"امنع الحق ولا تعط المسكين" فقال:"لا" كان هذا جودًا منه.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله، غير أنه زعم أن العلة في دخول"لا" في قوله: ﴿أن لا تسجد﴾ ، أن في أول الكلام جحدا = يعني بذلك قوله: ﴿لم يكن من الساجدين﴾ ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد، الجحدَ، كالاستيثاق والتوكيد له. قال: وذلك كقولهم: [[لم يعرف قائله.]]

مَا إنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ ... سُودِ الرُّؤُوسِ، فَوَالِجٌ وَفُيُولُ [[معاني القرآن للفراء ١: ١٧٦، ٣٧٤ و ((الفوالج)) جمع ((فالج)) ، وهو جمل ذو سنامين كان يجلب من السند للفحلة. و ((الفيول) ، جمع ((فيل)) .]]

فأعاد على الجحد الذي هو"ما" جحدًا، وهو قوله"إن"، فجمعهما للتوكيد.

* *

وقال آخر منهم: ليست"لا"، بحشو في هذا الموضع ولا صلة، [[((الصلة)) : الزيادة، كما سلف، انظر فهارس المصطلحات.]] ولكن"المنع" هاهنا بمعنى"القول"، وإنما تأويل الكلام: مَنْ قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود = ولكن دخل في الكلام"أن"، إذ كان"المنع" بمعنى"القول"، لا في لفظه، كما يُفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول، وهو له في اللفظ مخالف، كقولهم:"ناديت أن لا تقم"، و"حلفت أن لا تجلس"، وما أشبه ذلك من الكلام. وقال: خفض"البخل" من روى:"أبى جوده لا البخل"، [[في المطبوعة: ((وقال بعض من روى: أبي جود لا البخل)) ، فغير ما في المخطوطة، وأفسد الكلام إفسادًا.]] بمعنى: كلمة البخل، لأن"لا" هي كلمة البخل، فكأنه قال: كلمة البخل.

* *

وقال بعضهم: معنى"المنع"، الحول بين المرء وما يريده. قال: والممنوع مضطّر به إلى خلاف ما منع منه، كالممنوع من القيام وهو يريده، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافًا للقيام، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه، فيوثر أحدهما على الآخر فيفعله. قال: فلما كانت صفة"المنع" ذلك، فخوطب إبليس بالمنع فقيل له: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ ، كان معناه كأنه قيل له: أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد؟

* *

قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفًا قد كفى دليلُ الظاهر منه، وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد = فترك ذكر"أحوجك"، استغناء بمعرفة السامعين قوله: ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ ، أن ذلك معنى الكلام، من ذكره. [[السياق: ((استغناء بمعرفة السامعين ... من ذكره)) .]] ثم عمل قوله: ﴿ما منعك﴾ ، في"أن" ما كان عاملا فيه قبل"أحوجك" لو ظهر، إذ كان قد ناب عنه.

وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له، وأن لكل كلمة معنًى صحيحًا، فتبين بذلك فسادُ قول من قال:"لا" في الكلام حشو لا معنى لها.

وأما قول من قال: معنى"المنع" ههنا"القول"، فلذلك دخلت"لا" مع"أن" = فإن"المنعَ" وإن كان قد يكون قولا وفعلا فليس المعروف في الناس استعمالُ"المنع"، في الأمر بترك الشيء، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرًا على فعله وتركه ففعله، لا يقال:"فعله"، وهو ممنوع من فعله، إلا على استكراه للكلام. وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه، فغير جائز أن يكون وهو مَحُولٌ بينه وبينه فاعلا له، لأنه إن جاز ذلك، وجب أن يكون مَحُولا بينه وبينه لا محولا وممنوعًا لا ممنوعًا. [[يعني أنه يجمع الصفتين معًا ((محول بينه وبينه، وغير محول = وممنوع، وغير ممنوع)) ، وهو تناقض.]]

وبعدُ، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم، فيجوز أن يقال له:"أي شيء قال لك: لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: "ما منعك من السجود له فأحوجك، أو: فأخرجك، أو: فاضطرك إلى أن لا تسجد له"، على ما بيَّنت.

* *

وأما قوله: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلى أن لا يسجد له، واضطره إلى خلافه أمرَه به، وتركه طاعته = أنّ المانعَ كان له من السجود، والداعيَ له إلى خلافه أمر ربه في ذلك: أنه أشد منه أيْدًا، [[في المطبوعة: ((أشد منه يدا)) ، والصواب من المخطوطة، و ((الأيد)) ، القوة.]] وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلا لفضل الجنس الذي منه خلق، وهو النارُ، على الذي خلق منه آدم، [[في المطبوعة: ((من الذي خلق منه آدم)) ، زاد ((من)) ، والمخطوطة سقط منها حرف الجر المتعلق بفضل الجنس، والصواب ما أُبت.]] وهو الطين. فجهل عدوّ الله وجه الحق، وأخطأ سبيل الصواب. إذ كان معلومًا أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حملَ الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق، على الاستكبار عن السجود لآدم، والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطبَ والهلاكَ. وكان معلومًا أن من جوهر الطين الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبُّت، وذلك الذي هو في جوهره من ذلك، [[في المطبوعة: ((وذلك الذي في جوهره ... )) حذف ((هو)) ، وفي المخطوطة: ((وذلك الذي هو من جوهره من ذلك)) ، وصوابها ((في جوهره)) ، وإنما هو خطأ من الناسخ.]] كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق، إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربَّه العفوَ عنه والمغفرة. ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان:"أول مَنْ قاسَ إبليس"، يعنيان بذلك: القياسَ الخطأ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله، وبعده من إصابة الحق، في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه: من خلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه، وإسجاده له الملائكة، وتعليمه أسماء كلِّ شيء، مع سائر ما خصه به من كرامته. فضرب عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خُلق من نار وخلق آدم من طين!! [[في المطبوعة: ((بأنه خلقه من نار)) ، واليد ما في المخطوطة.]] وهو في ذلك أيضًا له غير كفء، لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره، فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده، ويملّ إحصاؤه؟

١٤٣٥٥- حدثني عمرو بن مالك قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين قال: أوّل من قاس إبليس، وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. [[الأثر: ١٤٣٥٥ - ((عمرو بن مالك الراسبي الغبري)) ، أبو عثمان البصري، شيخ الطبري. قال ابن عدي: ((منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث)) ، وقال ابن أبي حاتم: ((ترك أبي التحديث عنه)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١ / ٢٥٩.

و ((يحيى بن سليم الطائفي)) ، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٤٨٩٤، ٧٨٣١.]]

١٤٣٥٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن الحسن قوله: ﴿خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ ، قال: قاس إبليس وهو أول من قاس.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٥٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة، دون الملائكة الذين في السموات:"اسجدوا لآدم"، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر، لما كان حدَّث نفسه، من كبره واغتراره، فقال:"لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين! " يقول: إنّ النار أقوى من الطين.

١٤٣٥٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿خلقتني من نار﴾ ، قال: ثم جعل ذريته من ماء.

* *

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب. وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود أنه خُلِقَ من نار وخلق آدم من طين، [[في المطبوعة: ((أنه خلقه من نار)) ، والجيد في المخطوطة.]] ولكنه ابتدأ خبرًا عن نفسه، فيه دليل على موضع الجواب فقال: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله لإبليس عند ذلك: ﴿فاهبط منها﴾ .

وقد بيَّنا معنى"الهبوط" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير ((الهبوط)) فيما سلف ١: ٥٣٤، ٥٤٨ /٢: ١٣٢، ٢٣٩.]]

* *

= ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ ، يقول تعالى ذكره: فقال الله له:"اهبط منها"، يعني: من الجنة ="فما يكون لك"، يقول: فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري.

* *

فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى ذلك: فاهبط من الجنة، فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله، فأما غيرها، فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله، والمستكين لطاعته.

* *

وقوله: ﴿فاخرج إنك من الصاغرين﴾ ، يقول: فاخرج من الجنة، إنك من الذين قد نالهم من الله الصَّغَار والذلّ والمَهانة.

* *

يقال منه:"صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغارًا وصُغْرَانًا"، وقد قيل:"صغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا وصَغارَة". [[انظر تفسير ((الصغار)) فيما سلف ص: ٩٦.]]

* *

وبنحو ذلك قال السدي. [[في المطبوعة: ((وبنحو الذي قلنا قال السدي)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٤٣٥٩- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فاخرج إنك من الصاغرين﴾ ، و"الصغار"، هو الذل.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه أيضًا جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة. سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه. وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق. ولو أعطي ما سأل من النَّظِرة، كان قد أعطي الخلودَ وبقاءً لا فناء معه، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٧-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء، لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى، غير ربِّنا الحيِّ الذي لا يموت. يقول الله تعالى ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٨٥ / سورة الأنبياء: ٣٥ / سورة العنكبوت: ٥٧] .

* *

و"الإنظار" في كلام العرب، التأخير. يقال منه:"أنظرته بحقي عليه أنظره به إنظارًا. [[انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ٢: ٤٦٧، ٤٦٨ /٣: ٢٦٤ / ٦: ٥٧٧ /١١: ٢٦٧.]]

* *

فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ﴿إنك من المنظرين﴾ في هذا الموضع، فقد أجابه إلى ما سأل؟

قيل له: ليس الأمر كذلك، وإنما كان مجيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له:"إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت = أو: إلى يوم البعث = أو إلى يوم يبعثون"، أو ما أشبه ذلك، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ، [سورة الحجر: ٣٧، ٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، كم المدة التي أنظره إليها، [[في المطبوعة: ((على المدة)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأنه إذا أنظره يومًا واحدًا أو أقل منه أو أكثر، فقد دخل في عداد المنظرين، وتمَّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه، فعلم بذلك الوقت الذي أُنظِر إليه.

* *

وبنحو ذلك كان السدي يقول.

١٤٣٦٠- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٦-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض، فمات. [[الأثر: ١٤٣٦٠ - ((موسى بن هارون الهمداني)) ، مضى مرارًا، وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((يونس بن هارون)) ، وهو خطأ محض، فهذا إسناد دائر في التفسير.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه:"أنظرني"، أي أخّرني وأجّلني، وأنسئْ في أجلي، ولا تمتني ="إلى يوم يبعثون"، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، إلى يوم ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.

* *

فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له:"إنك منهم"؟

قيل: نعم، مَنْ لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم، ممن تقوم عليه الساعة، فهم من المنظرين بآجالهم إليه. ولذلك قيل لإبليس: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، بمعنى: إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه أيضًا جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة. سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه. وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق. ولو أعطي ما سأل من النَّظِرة، كان قد أعطي الخلودَ وبقاءً لا فناء معه، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٧-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء، لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى، غير ربِّنا الحيِّ الذي لا يموت. يقول الله تعالى ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٨٥ / سورة الأنبياء: ٣٥ / سورة العنكبوت: ٥٧] .

* *

و"الإنظار" في كلام العرب، التأخير. يقال منه:"أنظرته بحقي عليه أنظره به إنظارًا. [[انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ٢: ٤٦٧، ٤٦٨ /٣: ٢٦٤ / ٦: ٥٧٧ /١١: ٢٦٧.]]

* *

فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ﴿إنك من المنظرين﴾ في هذا الموضع، فقد أجابه إلى ما سأل؟

قيل له: ليس الأمر كذلك، وإنما كان مجيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له:"إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت = أو: إلى يوم البعث = أو إلى يوم يبعثون"، أو ما أشبه ذلك، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ، [سورة الحجر: ٣٧، ٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، كم المدة التي أنظره إليها، [[في المطبوعة: ((على المدة)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأنه إذا أنظره يومًا واحدًا أو أقل منه أو أكثر، فقد دخل في عداد المنظرين، وتمَّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه، فعلم بذلك الوقت الذي أُنظِر إليه.

* *

وبنحو ذلك كان السدي يقول.

١٤٣٦٠- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٦-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض، فمات. [[الأثر: ١٤٣٦٠ - ((موسى بن هارون الهمداني)) ، مضى مرارًا، وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((يونس بن هارون)) ، وهو خطأ محض، فهذا إسناد دائر في التفسير.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه:"أنظرني"، أي أخّرني وأجّلني، وأنسئْ في أجلي، ولا تمتني ="إلى يوم يبعثون"، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، إلى يوم ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.

* *

فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له:"إنك منهم"؟

قيل: نعم، مَنْ لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم، ممن تقوم عليه الساعة، فهم من المنظرين بآجالهم إليه. ولذلك قيل لإبليس: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، بمعنى: إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: ﴿فبما أغويتني﴾ ، يقول: فبما أضللتني، كما:-

١٤٣٦١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فبما أغويتني﴾ ، يقول: أضللتني.

١٤٣٦٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فبما أغويتني﴾ ، قال: فبما أضللتني.

* *

وكان بعضهم يتأول قوله: ﴿فبما أغويتني﴾ ، بما أهلكتني، من قولهم:"غَوِيَ الفصيل يَغوَى غَوًى"، وذلك إذا فقد اللبن فمات، من قول الشاعر: [[هو ((مدرج الريح الجرمي)) ، واسمه ((عامر بن المجنون)) كما في الشعر والشعراء: ٧١٣، وفي الوحشيات رقم: ٣٨٠، والأغاني ٣: ١١٥، وجاء في المعاني الكبير: ١٠٤٧ ((عامر المجنون)) ، صوابه ما أثبت.]]

مُعَطَّفَةُ الأَثْنَاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَا ... بِرَازِئِهَا دَرًّا وَلا مَيِّتٍ غَوَى [[المعاني الكبير: ١٠٤٧، المخصص ٧: ٤١، ١٨٠، تهذيب إصلاح المنطق ٢: ٥٤، اللسان (غوى) . يصف قوسًا. قال التبريزي في شرحه: ((أثناؤها)) ، أطرفها المتلئبة. و ((فصيلها)) ، السهم، و ((رزائها)) أي: أخذ منها شيئًا. يقول: ليس فصيل هذه القوس يشرب إذا فقد اللبن.]]

* *

وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسّنه عنده، غارًّا له. [[انظر تفسير ((الغي)) و ((الإغواء)) فيما سلف ٥: ٤١٦.]]

وقد حكي عن بعض قبائل طيئ، أنها تقول:"أصبح فلان غاويًا"، أي: أصبح مريضًا. [[هذا النص ينبغي إثباته في كتب اللغة، فلم يذكر فيها فيما علمت.]]

* *

وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم، كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم صراطك المستقيم، كما يقال:"بالله لأفعلن كذا".

* *

وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة، كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني = أو: فبأنك أغويتني = لأقعدن لهم صراطك المستقيم.

* *

قال أبو جعفر: وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية، [[((القدرية)) هم نفاة القدر الكافرون به، وأما المؤمنون بالقدر، وهم أهل الحق، فيقال لهم ((أهل الإثبات)) ، وانظر فهارس المصطلحات والفرق فيما سلف.]] من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسبابَ ذلك إليه، [[((التفويض)) ، رد الأسباب إليه، وانظر بيان ذلك فيما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ٣ /١١: ٣٤٠، /١٢: ٩٢، وهو مقالة المعتزلة وأشباههم.]] وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان، هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر. وذلك أنّ ذلك لو كان كما قالوا: لكان الخبيث قد قال بقوله: ﴿فبما أغويتني﴾ ،"فبما أصلحتني"، إذ كان سبب"الإغواء" هو سبب"الإصلاح"، وكان في إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح، ولكن لما كان سبباهما مختلفين، وكان السبب الذي به غوَى وهلك من عند الله. أضاف ذلك إليه فقال: ﴿فبما أغويتني﴾ .

* *

وكذلك قال محمد بن كعب القرظي، فيما:-

١٤٣٦٣- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا أبو مودود، سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: قاتل الله القدريّة، لإبليس أعلمُ بالله منهم!

* *

وأما قوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ ، فإنه يقول: لأجلسن لبني آدم"صراطك المستقيم"، يعني: طريقك القويم، وذلك دين الله الحق، وهو الإسلام وشرائعه. [[انظر تفسير ((الصراط المستقيم)) ، فيما سلف ص: ٢٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وإنما معنى الكلام: لأصدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك، ولأغوينهم كما أغويتني، ولأضلنهم كما أضللتني.

وذلك كما روي عن سبرة بن أبي الفاكه:- [[في المطبوعة: ((سبرة بن الفاكه)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب. انظر التعليق التالي ص ٣٣٥، تعليق: ٢:]]

١٤٣٦٤- أنه سمع النبي ﷺ يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرِقَةٍ، [[((أطرقة)) جمع ((طريق)) ، مثل ((رغيف)) و ((أرغفة)) ، وهو جمعه مع تذكير ((طريق)) ، ويجمع أيضًا على ((أطرق)) (بضم الراء) ، وهو جمع ((طريق)) إذا أنثتها، نحو ((يمين)) ، و ((أيمن)) . وبهذه الأخيرة ضبط في أكثر الكتب.]] فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذرُ دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل؟ [[((الطول)) (بكسر الطاء وفتح الواو) : وهو الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه في وتد أو في غيره، والآخر في يد الفرس، فيدور فيه ويرعى، ولا يذهب لوجهه. ويعني بذلك: أن الهجرة تحبسه عن التصرف والضرب في الأرض، والعودة إلى أرضه وسمائه، والهجرة أمرها شديد كما تعلم.]] فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد، وهو جَهْدُ النفس والمال، فقال: أتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد. [[الأثر: ١٤٣٦٤ - هذا خبر رواه الأئمة، ذكره أبو جعفر بغير إسناده. و ((سبرة بن أبي الفاكهة)) ، و ((سبرة بن أبي الفاكهة)) ، صحابي نزل الكوفة. مترجم في التهذيب، وأسد الغابة ٢: ٢٦٠، والإصابة، في اسمه والكبير للبخاري ٢ /٢ / ١٨٨، وابن أبي حاتم ٢ /١ / ٢٩٥.

وهذا الخبر، رواه أحمد في مسنده مطولا ٣: ٤٨٣، والنسائي ٦: ٢١، ٢٢، والبخاري في التاريخ ٢ /٢ / ١٨٨، ١٨٩، وابن الأثير في أسد الغابة ٢: ٢٦٠، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته: ((له حديث عند النسائي، بإسناد حسن، إلا أن في إسناده اختلافًا)) ، ثم قال: ((وصححه ابن حبان)) .]]

* *

وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ما:-

١٤٣٦٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حَبّويه أبو يزيد، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن سوقة، عن عون بن عبد الله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ ، قال: طريق مكة. [[الأثر: ١٤٣٦٥ - ((حبويه أبو يزيد)) هكذا في المخطوطة، ولكنه غير منقوط، وكان في المطبوعة: ((حيوة أبو يزيد)) ، تغير بلا دليل.

و ((حبويه)) ، أبو يزيد، هو: ((إسحاق بن إسماعيل الرازي)) ، روى عن نافع بن عمر الجمحي، وعمرو بن أبي قيس، ونعيم بن ميسرة. روى عنه محمد بن سعيد الأصفهاني، وعثمان وأبو بكر ابنا شيبة، وإبراهيم بن موسى. قال يحيى بن معين: ((أرجو أن يكون صدوقًا)) . مترجم في الجرح والتعديل ١ /١ / ٢١٢، وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف والمختلف: ٤٣، ((حبويه)) بالباء المشددة بعد الحاء.

وسيأتي أيضًا في الإسناد رقم: ١٤٥٥٠.

و ((عبد الله بن بكير الغنوي الكوفي)) ، روى عن ((محمد بن سوقة)) ، وهو ليس بقوي، وإن كان من أهل الصدق، وذكر له ابن عدي مناكير. مترجم في لسان الميزان، وابن أبي حاتم ٢ /٢ / ١٦، وميزان الاعتدال ٢: ٢٦.]]

* *

والذي قاله عون، وإن كان من صراط الله المستقيم، فليس هو الصراط كله. وإنما أخبر عدوّ الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم، ولم يخصص منه شيئًا دون شيء. فالذي روي في ذلك عن رسول الله ﷺ، أشبهُ بظاهر التنزيل، وأولى بالتأويل، لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصدَّ عن كل ما كان لهم قربة إلى الله.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى"المستقيم"، في هذا الموضع.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿صراطك المستقيم﴾ ، قال: الحق.

١٤٣٦٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٣٦٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول: ﴿لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم﴾ ، قال: سبيل الحق، فلأضلنَّهم إلا قليلا.

* *

قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: معناه: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم، كما يقال:"توجَّه مكة"، أي إلى مكة، وكما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

كَأَنِّي إذْ أَسْعَى لأظْفَرَ طَائِرًا ... مَعَ النَّجْمِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ [[لم أجد البيت في غير هذا المكان.]]

بمعنى: لأظفر بطائر، فألقى"الباء"، وكما قال: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ، [سورة الأعراف: ١٥٠] ، بمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة، المعنى، والله أعلم: لأقعدن لهم على طريقهم، وفي طريقهم. قال: وإلقاء الصفة من هذا جائز، [[((الصفة)) هنا حرف الجر، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف، ستأتي بعد قليل بمعنى ((الظرف)) . انظر التعليق التالي.]] كما تقول:"قعدت لك وجهَ الطريق" و"على وجه الطريق"، لأن الطريق صفة في المعنى، [[((الصفة)) هنا، هي ((الظرف)) ، وكذلك يسميه الكوفيون.]] فاحتمل ما يحتمله"اليوم" و"الليلة" و"العام"، [[في المطبوعة: ((يحتمل ما يحتمله)) ، وفي المخطوطة سقط، كتب: ((في المعنى ما يحتمله)) ولكني أثبت ما في معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٥، فهذا نص كلامه.]] إذا قيل:"آتيك غدًا"، و"آتيك في غد".

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب، لأن "القعود" مقتضٍ مكانًا يقعد فيه، فكما يقال:"قعدت في مكانك"، يقال:"قعدت على صراطك"، و"في صراطك"، كما قال الشاعر: [[هو ساعدة بن جؤية الهذلي.]]

لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ، كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ [[ديوان الهذليين ١: ١٩٠، سيبويه ١: ١٦، ١٠٩، الخزانة ١: ٤٧٤، وغيرها كثير من قصيدة طويلة، وصف في آخرها رمحه، وهذا البيت في صفة رمح من الرماح الخطية. ورواية الديوان ((لذا)) ، أي تلذ الكف بهزه. و ((يعسل)) ، أي يضطرب. وقوله. ((فيه)) : أي في الهز. وقوله: ((عسل الطريق الثعلب)) ، أي: عسل في الطريق الثعلب واضطربت مشيته. شبه اهتزاز الرمح في يد الذي يهزه ليضرب به، باهتزاز الثعلب في عدوه في الطريق.]]

فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان، لا يكادون يقولون:"جلست مكة"، و"قمت بغداد".

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قوله: ﴿لآتينهم من بين أيديهم﴾ ، من قبل الآخرة = ﴿ومن خلفهم﴾ ، من قبل الدنيا = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، من قِبَل الحق = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، من قبل الباطل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾ ، يقول: أشككهم في آخرتهم = ﴿ومن خلفهم﴾ ، أرغبهم في دنياهم = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، أشَهِّي لهم المعاصي.

* *

وقد روي عن ابن عباس بهذا الإسناد في تأويل ذلك خلاف هذا التأويل، وذلك ما:-

١٤٣٧٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾ ، يعني من الدنيا = ﴿ومن خلفهم﴾ ، من الآخرة = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، من قبل حسناتهم = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، من قبل سيئاتهم.

* *

وتحقق هذه الرواية، الأخرى التي:

١٤٣٧١- حدثني بها محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ، قال: أما بين "أيديهم"، فمن قبلهم، وأما"من خلفهم"، فأمر آخرتهم، وأما"عن أيمانهم"، فمن قبل حسناتهم، وأما"عن شمائلهم"، فمن قبل سيئاتهم.

١٤٣٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾ الآية، أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار="ومن خلفهم"، من أمر الدنيا، فزيَّنها لهم ودعاهم إليها ="وعن أيمانهم"، من قبل حسناتهم بطَّأهم عنها ="وعن شمائلهم"، زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها. أتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله!

* *

وقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿من بين أيديهم﴾ ، من قبل دنياهم = ﴿ومن خلفهم﴾ ، من قبل آخرتهم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٧٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ ، قال: ﴿من بين أيديهم﴾ ، من قبل دنياهم = ﴿ومن خلفهم﴾ ، من قبل آخرتهم = ﴿وعن أيمانهم﴾ من قبل حسناتهم = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، من قبل سيئاتهم.

١٤٣٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن الحكم: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ، قال: ﴿من بين أيديهم﴾ ، من دنياهم = ﴿ومن خلفهم﴾ ، من آخرتهم = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، من حسناتهم = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، من قِبَل سيئاتهم.

١٤٣٧٥- حدثنا سفيان قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾ ، قال: من قبل الدنيا يزيِّنها لهم = ﴿ومن خلفهم﴾ من قبل الآخرة يبطّئهم عنها = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، من قبل الحق يصدّهم عنه = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، من قبل الباطل يرغّبهم فيه ويزينه لهم.

١٤٣٧٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ، أما ﴿من بين أيديهم﴾ ، فالدنيا، أدعوهم إليها وأرغبهم فيها = ﴿ومن خلفهم﴾ ، فمن الآخرة أشككهم فيها وأباعدها عليهم [[في المطبوعة: ((وأبعدها)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، يعني الحق فأشككهم فيه = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، يعني الباطل أخفّفه عليهم وأرغّبهم فيه.

١٤٣٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ﴿من بين أيديهم﴾ ، من دنياهم، أرغّبهم فيها = ﴿ومن خلفهم﴾ ، آخرتهم، أكفّرهم بها وأزهِّدهم فيها = ﴿وعن أيمانهم﴾ ، حسناتهم أزهدهم فيها = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، مساوئ أعمالهم، أحسِّنها إليهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٧٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قول الله: (من بين أيديهم وعن أيمانهم) ، قال: حيث يبصرون = ﴿ومن خلفهم﴾ = ﴿وعن شمائلهم﴾ ، حيث لا يبصرون.

١٤٣٧٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٣٨٠- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور قال، تذاكرنا عند مجاهد قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ، فقال مجاهد: هو كما قال، يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم = زاد ابن حميد، قال:"يأتيهم من ثَمَّ".

١٤٣٨١- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، قال مجاهد، فذكر نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل، فأصدّهم عن الحق، وأحسِّن لهم الباطل. وذلك أن ذلك عَقِيب قوله: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ ، فاخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرَهم الله أن يسلكوه، وهو ما وصفنا من دين الله دينِ الحق، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه، من الوجه الذي أمرهم الله به، فيصدّهم عنه، وذلك"من بين أيديهم وعن أيمانهم" = ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه، فيزيّنه لهم ويدعوهم إليه، وذلك"من خلفهم وعن شمائلهم".

* *

وقيل: ولم يقل:"من فوقهم"، لأن رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٨٢- حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ ، ولم يقل: "من فوقهم"، لأن الرحمة تنزل من فوقهم.

* *

وأما قوله: ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ . فإنه يقول: ولا تجد، ربِّ، أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتَك التي أنعمت عليهم، كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به، من إسجادك له ملائكتك، وتفضيلك إياه عليَّ = و"شكرهم إياه"، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده، واتّباع أمره ونهيه.

* *

وكان ابن عباس يقول في ذلك بما:-

١٤٣٨٣- حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ ، يقول: موحِّدين.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوِّ الله ما أحلّ به من نقمته ولعنته، وطرده إياه عن جنته، إذ عصاه وخالف أمره، وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به. يقول: قال الله له عند ذلك: ﴿اخرج منها﴾ ، أي من الجنة = ﴿مذؤُومًا مدحورًا﴾ ، يقول: مَعِيبًا.

* *

و"الذأم"، العيب. يقال منه:"ذأمَه يذأمه ذأمًا فهو مذؤوم"، ويتركون الهمز فيقولون: ذِمْته أذيمه ذيمًا وذامًا"، و"الذأم" و"الذيم"، أبلغ في العيب من"الذمّ"، وقد أنشد بعضهم هذا البيت: [[هو الحارث بن خالد المخزومي.]]

صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا [[مضى البيت وشرحه وتخريجه، وبغير هذه الرواية فيما سلف ١: ٢٦٥.]]

وأكثر الرواة على إنشاده"ألومها".

* *

وأما المدحور: فهو المُقْصَى، يقال:"دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا"، إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم:"ادحَرْ عنكَ الشيطان". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٢.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٨٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، يقول: اخرج منها لعينًا منفيًّا.

١٤٣٨٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"مذؤومًا" ممقوتًا.

١٤٣٨٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قال اخرج منها مذؤومًا﴾ ، يقول: صغيرًا منفيًّا.

١٤٣٨٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، أما"مذؤومًا"، فمنفيًّا، وأما"مدحورا"، فمطرودًا.

١٤٣٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا = ﴿مدحورًا﴾ ، قال: مطرودًا.

١٤٣٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا. = و"المدحور"، قال: المصغَّر.

١٤٣٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال:، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿اخرج منها مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا.

١٤٣٩١- حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، سأل ابن عباس: ما ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، قال: مقيتًا. [[الأثر: ١٤٣٩١ - ((أبو عمرو القرقساني)) ، ((عثمان بن يحيى)) ، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب. ويزيد الأمر إشكالا أني وجدت أبا جعفر في تاريخه يذكر إسنادًا عن شيخ يقال له ((عثمان بن يحيى)) ، فيه نصه: ((حدثني عثمان بن يحيى، عن عثمان القرقساني، قال حدثنا سفيان بن عيينة)) ، فجعل بين ((عثمان بن يحيى)) و ((سفيان بن عيينة)) رجلا يقال له ((عثمان القرقساني)) ! والذي في التفسير يدل على أن الراوي عن سفيان بن عيينة هو ((عثمان بن يحيى)) نفسه. فظني أن في إسناد التاريخ خطأ، ولعل صوابه: ((حدثني عثمان بن يحيى بن عثمان القرقساني، قال حدثنا سفيان بن عيينة)) . هذا ما وجدت، فعسى أن يجتمع عندي ما أتبين به صواب ذلك أو خطأه.]]

١٤٣٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، فقال: ما نعرف"المذؤوم" و"المذموم" إلا واحدًا، ولكن تكون حروف منتقصة، وقد قال الشاعر لعامر: يا"عام"، ولحارث:"يا حار"، [[في المطبوعة: ((ولكن يكون منتقصة، وقال العرب لعامر ... )) ، وبين الكلام بياض. وفي المخطوطة: ((ولكن تكون ف منتقصة. وقد قال الشاعر ... )) بياض بين الكلام، فغير ناشر المطبوعة ما في المخطوطة بلا أمانة. وفي المخطوطة فوق البياض ((كذا)) وفي الهامش حرف (ط) للدلالة على الخطأ. ودلتني لافاء بعد البياض أن صواب هذا الذي بيض له ناسخ المخطوطة هو ((حروف)) ، فاستقام الكلام.

ومثال الترخيم في ((عامر)) قول الحطيئة لعامر بن الطفيل: يَا عَامِ، قد كُنْتَ ذَا بَاعٍ وَمَكْرُمَةٍ ... لَوْ أَنَّ مَسْعَاةَ مَنْ جَارَيْتَهُ أَمَمُ

ومثال الترخيم في ((الحارث)) قول زهير: يَا حارِ، لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ ... لَم يَلْقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِي وَلا مَلِكُ]] وإنما أنزل القرآن على كلام العرب.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه. أقسم أن مَنْ اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه، أن يملأ من جميعهم = يعني: من كفرة بني آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليس وذريته = جهنم. فرحم الله امرأً كذّب ظن عدوِّ الله في نفسه، وخيَّب فيها أمله وأمنيته، ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها عدوَّه، [[في المطبوعة: ((ولم يكن ممن طمع فيها عدوه)) ، غير ما في المخطوطة لأنه لم يفهمه، فأساء غاية الإساءة، وافسد الكلام.]] واستغشَّه ولم يستنصحه، فإن الله تعالى ذكره إنما نبّه بهذه الآيات عباده على قِدَم عداوة عدوِّه وعدوهم إبليس لهم، وسالف ما سلف من حسده لأبيهم، وبغيه عليه وعليهم، وعرّفهم مواقع نعمه عليهم قديمًا في أنفسهم ووالدهم ليدّبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما﴾ . فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها.

* *

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك، وما نرى من القول فيه صوابًا، في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٥١٢ - ٥٢٤.]]

* *

= ﴿فتكونا من الظالمين﴾ ، يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربِّه، وفعل ما ليس له فعله.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوِّ الله ما أحلّ به من نقمته ولعنته، وطرده إياه عن جنته، إذ عصاه وخالف أمره، وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به. يقول: قال الله له عند ذلك: ﴿اخرج منها﴾ ، أي من الجنة = ﴿مذؤُومًا مدحورًا﴾ ، يقول: مَعِيبًا.

* *

و"الذأم"، العيب. يقال منه:"ذأمَه يذأمه ذأمًا فهو مذؤوم"، ويتركون الهمز فيقولون: ذِمْته أذيمه ذيمًا وذامًا"، و"الذأم" و"الذيم"، أبلغ في العيب من"الذمّ"، وقد أنشد بعضهم هذا البيت: [[هو الحارث بن خالد المخزومي.]]

صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَذِيمُهَا [[مضى البيت وشرحه وتخريجه، وبغير هذه الرواية فيما سلف ١: ٢٦٥.]]

وأكثر الرواة على إنشاده"ألومها".

* *

وأما المدحور: فهو المُقْصَى، يقال:"دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا"، إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم:"ادحَرْ عنكَ الشيطان". [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٢.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٣٨٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، يقول: اخرج منها لعينًا منفيًّا.

١٤٣٨٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"مذؤومًا" ممقوتًا.

١٤٣٨٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قال اخرج منها مذؤومًا﴾ ، يقول: صغيرًا منفيًّا.

١٤٣٨٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، أما"مذؤومًا"، فمنفيًّا، وأما"مدحورا"، فمطرودًا.

١٤٣٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا = ﴿مدحورًا﴾ ، قال: مطرودًا.

١٤٣٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا. = و"المدحور"، قال: المصغَّر.

١٤٣٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال:، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن يونس وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿اخرج منها مذؤومًا﴾ ، قال: منفيًّا.

١٤٣٩١- حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، سأل ابن عباس: ما ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، قال: مقيتًا. [[الأثر: ١٤٣٩١ - ((أبو عمرو القرقساني)) ، ((عثمان بن يحيى)) ، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب. ويزيد الأمر إشكالا أني وجدت أبا جعفر في تاريخه يذكر إسنادًا عن شيخ يقال له ((عثمان بن يحيى)) ، فيه نصه: ((حدثني عثمان بن يحيى، عن عثمان القرقساني، قال حدثنا سفيان بن عيينة)) ، فجعل بين ((عثمان بن يحيى)) و ((سفيان بن عيينة)) رجلا يقال له ((عثمان القرقساني)) ! والذي في التفسير يدل على أن الراوي عن سفيان بن عيينة هو ((عثمان بن يحيى)) نفسه. فظني أن في إسناد التاريخ خطأ، ولعل صوابه: ((حدثني عثمان بن يحيى بن عثمان القرقساني، قال حدثنا سفيان بن عيينة)) . هذا ما وجدت، فعسى أن يجتمع عندي ما أتبين به صواب ذلك أو خطأه.]]

١٤٣٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿اخرج منها مذؤومًا مدحورًا﴾ ، فقال: ما نعرف"المذؤوم" و"المذموم" إلا واحدًا، ولكن تكون حروف منتقصة، وقد قال الشاعر لعامر: يا"عام"، ولحارث:"يا حار"، [[في المطبوعة: ((ولكن يكون منتقصة، وقال العرب لعامر ... )) ، وبين الكلام بياض. وفي المخطوطة: ((ولكن تكون ف منتقصة. وقد قال الشاعر ... )) بياض بين الكلام، فغير ناشر المطبوعة ما في المخطوطة بلا أمانة. وفي المخطوطة فوق البياض ((كذا)) وفي الهامش حرف (ط) للدلالة على الخطأ. ودلتني لافاء بعد البياض أن صواب هذا الذي بيض له ناسخ المخطوطة هو ((حروف)) ، فاستقام الكلام.

ومثال الترخيم في ((عامر)) قول الحطيئة لعامر بن الطفيل: يَا عَامِ، قد كُنْتَ ذَا بَاعٍ وَمَكْرُمَةٍ ... لَوْ أَنَّ مَسْعَاةَ مَنْ جَارَيْتَهُ أَمَمُ

ومثال الترخيم في ((الحارث)) قول زهير: يَا حارِ، لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ ... لَم يَلْقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِي وَلا مَلِكُ]] وإنما أنزل القرآن على كلام العرب.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه. أقسم أن مَنْ اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه، أن يملأ من جميعهم = يعني: من كفرة بني آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليس وذريته = جهنم. فرحم الله امرأً كذّب ظن عدوِّ الله في نفسه، وخيَّب فيها أمله وأمنيته، ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها عدوَّه، [[في المطبوعة: ((ولم يكن ممن طمع فيها عدوه)) ، غير ما في المخطوطة لأنه لم يفهمه، فأساء غاية الإساءة، وافسد الكلام.]] واستغشَّه ولم يستنصحه، فإن الله تعالى ذكره إنما نبّه بهذه الآيات عباده على قِدَم عداوة عدوِّه وعدوهم إبليس لهم، وسالف ما سلف من حسده لأبيهم، وبغيه عليه وعليهم، وعرّفهم مواقع نعمه عليهم قديمًا في أنفسهم ووالدهم ليدّبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب، فينزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما﴾ . فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها، وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها، ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها.

* *

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك، وما نرى من القول فيه صوابًا، في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٥١٢ - ٥٢٤.]]

* *

= ﴿فتكونا من الظالمين﴾ ، يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربِّه، وفعل ما ليس له فعله.

القول في تأويل قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فوسوس لهما﴾ ، فوسوس إليهما، وتلك "الوسوسة" كانت قوله لهما: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ ، وإقسامه لهما على ذلك.

* *

وقيل:"وسوس لهما"، والمعنى ما ذكرت، كما قيل:"غَرِضت إليه"، بمعنى: اشتقْتُ إليه، وإنما تعني: غَرضت من هؤلاء إليه. [[في المطبوعة: ((كما قيل: عرضت له، بمعنى: استبنت إليه)) ، غير ما في المخطوطة تغييرًا تامًا، فأتانا بلغو مبتذل لا معنى له. وكان في المخطوطة: ((كما قيل: عرضت إليه بمعنى: اشتقت إليه)) ، هكذا، وصواب قراءتها ما أثبت.

وقوله: ((غرضت إليه)) بمعنى: اشتقت إليه، ((إنما تعني: غرضت من هؤلاء إليه)) ، هذا كأنه نص قول الأخفش في تفسير قول ابن هرمة: مَنْ ذَا رَسُولٌ ناصِحٌ فَمُبَلِّغٌ ... عَنِّي عُلَيَّةَ غَيْرَ قَوْلِ الكاذِبِ ؟

أَنِّي غَرِضْتُ إلَى تَنَاصُفِ وَجْهِهَا ... غَرَضَ المُحِبِّ إلى الحَبِيبِ الغائِبِ

قوله: ((تناصف وجهها)) ، أي محاسن وجهها التي ينصف بعضها بعضًا في الحسن. قال الأخفش: ((تفسيره: غرضت من هؤلاء إليه، لأن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل)) ويريد الأخفش أنهم يقولون: ((غرض غرضًا)) ، إذا ضجر وقلق ومل، فلما أدخل مع الفعل ((إلى)) ، صار معناه: ضجر من هذا نزاعًا واشتياقًا إلى هذا.

وموضع الاستشهاد أن ((الوسوسة)) الصوت الخفي من حديث النفس، فنقل إبليس ما حاك في نفسه إليهما، فلذلك أدخل على ((الوسوسة)) ((اللام)) و ((إلى)) . ولكن أبا جعفر أدمج الكلام ههنا إدماجًا.]] فكذلك معنى ذلك.

فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القيل، ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوءاتهما، كما قال رؤبة:

وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ * [[ديوانه: ١٠٨، اللسان (وسس) ، وهذا بيت من أرجوزته التي مضت منها أبيات كثيرة. وهذا البيت من أبيات في صفة الصائد المختفي، يترقب حمر الوحش، ليصيب منها. يقول لما أحس بالصيد وأراد رميه، وسوس نفسه بالدعاء حذر بالدعاء حذر الخيبة ورجاء الإصابة.]]

* *

ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء، وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين = ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما.

* *

وكان وهب بن منبه يقول في الستر الذي كان الله سترهما به، ما:-

١٤٣٩٣- حدثني به حوثرة بن محمد المنقري قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن ابن منبه، في قوله: ﴿فبدت لهما سوءاتهما﴾ ، قال: كان عليهما نور، لا ترى سوءاتهما. [[الأثر: ١٤٣٩٣ - ((حوثرة بن محمد بن قديد المنقري)) ، أبو الأزهر الوراق روى عنه ابن ماجه، وابن خزيمة، وابن صاعد، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ /٢ / ٢٨٣.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرَها، إلا لئلا تكونا ملكين.

* *

= وأسقطت"لا" من الكلام، لدلالة ما ظهر عليها، كما أسقطت من قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ، [سورة النساء: ١٧٦] . والمعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا.

* *

وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين، كما يقال:"إياك أن تفعل" كراهيةَ أن تفعل.

* *

="أو تكونا من الخالدين"، في الجنة، الماكثين فيها أبدًا، فلا تموتا. [[انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]]

* *

والقراءة على فتح"اللام"، بمعنى: ملكين من الملائكة.

* *

وروي عن ابن عباس، ما:-

١٤٣٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا عيسى الأعمى، عن السدّي قال: كان ابن عباس يقرأ:"إلا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ"، بكسر "اللام".

* *

وعن يحيى بن أبي كثير، ما:-

١٤٣٩٥- حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثني القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون قال، حدثنا يعلى بن حكيم، عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأها:"مَلِكَيْنِ"، بكسر"اللام".

* *

وكأنَّ ابن عباس ويحيى وجَّها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين من الملوك = وأنهما تأوّلا في ذلك قول الله في موضع آخر: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ، [سورة طه: ١٢٠] .

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها، القراءةُ التي عليها قرأة الأمصار وهي، فتح"اللام" من: "مَلَكَيْنِ"، بمعنى: ملكين، من الملائكة، لما قد تقدم من بياننا في أن كل ما كان مستفيضًا في قرأة الإسلام من القراءة، فهو الصواب الذي لا يجوزُ خلافه.

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وقاسمهما﴾ ، وحلف لهما، كما قال في موضع آخر: ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ، [سورة النمل: ٤٩] ، بمعنى تحالفوا بالله، وكما قال خالد بن زهير [ابن] عمّ أبي ذويب: [[جاء في المطبوعة والمخطوطة ((خالد بن زهير عم أبي ذؤيب)) ، ولم أجد هذا القول لأحد، بل الذي قالوه أن ((خالد بن زهير الهذلي)) ، هو ابن أخت أبي ذؤيب، أو ابن أخيه، أو: ابن عم أبي ذؤيب. فالظاهر أن صواب الجملة هو ما أثبت. انظر خزانة الأدب ٢: ٣٢٠، ٣٢١ /٣: ٥٩٧، ٥٩٨، ٦٤٧، ٦٤٨.]]

وَقَاسَمَهَا بِاللهِ جَهْدًا لأَنْتُمُ ... ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورُهَا [[ديوان الهذلين ١: ١٥٨، من قصائده التي تقارضها هو وأبو ذؤيب في المرأة التي كانت ضصديقة عبد عمرو بن مالك، فكان أبو ذؤيب رسوله إليها، فلما كبر عبد عمرو احتال لها أبو ذؤيب فأخذها منه وخادنها. وغاضبها أبو ذؤيب، فكان رسوله إلى هذه المرأة ابن عمه خالد بن زهير، ففعل به ما فعل هو بعبد عمرو بن مالك، أخذ منه المرأة فخادنه، فغاضبه أبو ذؤيب وغاضبها، وقال لها حين جاءت تعتذر إليه: تُرِيدينَ كَيْمَا تَجْمَعِينِي وَخَالِدًا! ... وَهَلْ يُجْمَعُ السَّيْفَان وَيْحَكِ فِي غِمْدِ!

أَخَالِدُ، مَا رَاعَيْتَ من ذِي قَرَابَةٍ ... فَتَحْفَظَنِي بِالْغَيْبِ، أوْ بَعْضَ مَا تُبْدِي

دَعَاكَ إلَيْهَا مُقْلَتَاها وَجِيدُهَا ... فَمِلْتَ كَمَا مَالَ المُحِبُّ عَلَى عَمْدِ

ثم قال لخالد: رَعَي خَالِدٌ سِرِّي، لَيَالِيَ نَفْسُهُ ... تَوَالَى على قَصْدِ السَّبِيلِ أُمُورُهَا

فَلَمَّا تَرَامَاهُ الشَّبَابُ وَغَيُّهُ، ... وَفي النَّفْسِ مِنْهُ فِتْنَةٌ وَفُجُورُهَا

لَوَى رَأْسَهُ عَنِّي، ومَالَ بِوُدِّه ... أَغَانِيجُ خَوْدٍ كَانَ قِدْمًا يَزُورُهَا

فأجابه خالد من أبيات: فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَها ... وَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا

فَإنَّ الَّتِي فِينَا زَعَمْتَ، ومِثْلُهَا ... لَفِيكَ، وَلَكِنِّي أَرَاكَ تَجُورُهَا

تَنَقَّذْتَهَا مِنْ عَبْدِ عَمْرو بن مَالِكٍ ... وأَنْتَ صَفِيُّ النَّفْسِ مِنْهُ وَخِيرُها

يُطِيلُ ثَوَاءً عِنْدَها لِيَرُدَّهَا ... وَهَيْهَاتَ مِنْهُ دُورُهَا وقُصُورها

وَقَاسَمَهَا بالله............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و ((السلوى)) ، العسل. ((شار العسل يشوره)) ، أخذ من موضعه في الخلية.]]

بمعنى: وحالفهما بالله، وكما قال أعشى بني ثعلبة:

رَضِيعَيْ لِبَانٍ، ثَدْيَ أُمٍّ تَقَاسَمَا ... بِأَسْحَمَ دَاجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرَّقُ [[ديوانه: ١٥٠، اللسان (عوض) (سحم) من قصيدة مضت منها أبيات كثيرة. وقد ذكرت هذا البيت في شرح بيت سالف ١٠: ٤٥١، تعليق: ١ = و ((الأسحم)) ، الضارب إلى السواد، و ((عوض)) لما يستقبل من الزمان بمعنى: ((أبدًا)) . واختلفوا في معنى ((بأسحم داج)) ، وإقسامه به. فقالوا: أراد الليل. وقالوا: أراد سواد حلمة سدي أمه. وقيل أراد الرحم وظلمته. قيل: أراد الدم، لسواده، تغمس فيه اليد عند التحالف.]]

بمعنى تحالفا.

* *

وقوله: ﴿إني لكما لمن الناصحين﴾ أي: لممن ينصح لكما في مشورته لكما، وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها، وفي خبري إياكما بما أخبركما به، من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين، كما:-

١٤٣٩٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ ، فحلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يُخْدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول:"من خادَعنا بالله خُدِعْنا".

القول في تأويل قوله: ﴿فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فدلاهما بغرور﴾ ، فخدعهما بغرور.

* *

يقال منه:"ما زال فلان يدلّي فلانًا بغرور"، بمعنى: ما زال يخدعه بغرور، ويكلمه بزخرف من القول باطل. [[انظر تفسير ((الغرور)) فيما سلف ص: ١٢٣، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]]

* *

= ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾ ، يقول: فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة، يقول: طعماه [[انظر تفسير ((ذاق)) فيما سلف ص: ٢٠٩، تعليق: ١، والمراجع.]] = ﴿بدت لهما سوءاتهما﴾ ، يقول: انكشفت لهما سوءاتهما، لأن الله أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة، فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطآ والمعصية التي ركبا [[انظر تفسير ((بدا)) فيما سلف ٥: ٥٨٢ /٩: ٣٥٠.

= وتفسير ((السوأة)) فيما سلف ١٠: ٢٢٩، وما سيأتي ص: ٣٦١، تعليق: ٣.]] = ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ ، يقول: أقبلا وجعلا يشدَّان عليهما من ورق الجنة، ليواريا سوءاتهما، كما:-

١٤٣٩٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ ، قال: جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوءاتهما.

١٤٣٩٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ: كان آدم كأنه نخلةٌ سَحُوق، [[((نخلة سحوق)) هي الطويلة المفرطة التي تبعد ثمرها على المجتنى.]] كثيرُ شعر الرأس، فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته، وكان لا يراها، فانطلق فارًّا، فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني! فقالت: لست بمرسلتك! فناداه ربه: يا آدم، أمنِّي تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك. [[الأثر: ١٤٣٩٨ - ((الحجاج)) هو: ((الحجاج بن المنهال)) ، مضى مرارًا.

و ((أبو بكر)) هو ((أبو بكر الهذلي)) ، مضى برقم: ٥٩٧، ٨٣٧٦، ١٣٠٥٤، وهو ضعيف ليس بثقة.

وهذا الخبر، ذكره، ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٥٨، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب موقوفًا غير مرفوع. ثم قال ابن كثير: ((وقد رواه ابن جرير وابن مردويه، من طرق، عن الحسن عن أبي كعب مرفوعًا، والموقوف أصح إسنادًا)) . وهو كما قال. وسيأتي برقم: ١٤٤٠٣، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، موقوفًا.]]

١٤٣٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان بن عيينة وابن مبارك، عن الحسن، عن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، السنبلة. فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما، وكان الذي وَارى عنهما من سوءايتهما أظفارُهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين، يلصقان بعضها إلى بعض. فانطلق آدم مولّيًا في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من الجنة، فناداه: أي آدم أمني تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب! قال: أما كان لك فيما منحتُك من الجنة وأبحتُك منها مندوحةٌ عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال: وهو قول الله: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ . قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدًّا. قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان فيها رغدًا، فأهبطا في غيحيىر رغد من طعام وشراب، فعُلّم صنعة الحديد، وأُمر بالحرث، فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسَه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلعْه حتى بُلِّعَ منه ما شاء الله أن يبلعَ. [[الأثر: ١٤٣٩٩ - ((الحسن بن عمارة بن المضرب البجلي)) ، كان على قضاء بغداد في ولاية المنصور. قال أحمد: ((متروك الحديث، كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه)) . والقول فيه أشد من هذا. مترجم في التهذيب، والكبير ١ /٢ / ٣٠٠، وابن أبي حاتم ١ /٢ / ٢٧.

وكان في المطبوعة: ((عن الحسن عن عمارة)) ، وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت من المخطوطة، وابن كثير في تفسيره ٣: ٤٥٩.

وفي المطبوعة وابن كثير: ((فلم يبلغه، حتى بلغ ... )) كل ذلك بالغين المعجمة، والذي في المخطوطة مهمل، وظني أنه الصواب المطابق للسياق.]]

١٤٤٠٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿يخصفان﴾ ، قال: يرقعان، كهيئة الثوب.

١٤٤٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب.

١٤٤٠٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما﴾ ، وكانا قبل ذلك لا يريانها = ﴿وطفقا يخصفان﴾ ، الآية.

١٤٤٠٣-. . . . قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا الحسن، عن أبي بن كعب: أن آدم عليه السلام كان رجلا طُوالا كأنه نخلة سَحُوق، كثير شعر الرأس. فلما وقع بما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها. فانطلق هاربًا في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني! قالت: إني غير مرسلتك! فناداه ربه: يا آدم، أمنّي تفرّ؟ قال: رب إني استحييتك. [[الأثر: ١٤٤٠٣ - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: ١٤٣٩٨، فهذا هو الخبر الموقوف، وهو أصح إسنادًا من ذاك المرفوع.]]

١٤٤٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ ، قال: ورق التين.

١٤٤٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ ، قال: ورق التين.

١٤٤٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن حسام بن مِصَكّ، عن قتادة = وأبي بكر، عن غير قتادة = قال: كان لباس آدم في الجنة ظُفُرًا كله، فلما وقع بالذنب، كُشِط عنه وبدت سوءته = قال أبو بكر: قال غير قتادة: ﴿فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ ، قال: ورق التين. [[الأثر: ١٤٤٠٦ - ((حسام بن مصك بن ظالم بن شيطان الأزدي)) ، ضعيف فاحش الخطأ والوهم. مضى برقم: ١١٧٢٠. وكان في المطبوعة: ((حسام بن معبد)) لم يحسن قراءة المخطوطة.

و ((أبو بكر)) ، هو (أبو بكر الهذلي)) ، ضعيف أيضًا، مضى قريبًا برقم: ١٤٣٩٨.]]

١٤٤٠٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿بدت لهما سوءاتهما﴾ ، قال: كانا لا يريان سوءاتهما.

١٤٤٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول: ﴿يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ ، [سورة الأعراف: ٢٧] . قال: كان لباس آدم وحواء عليهما السلام نورًا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا. فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوءاتهما. [[الأثر: ١٤٤٠٨ - قال ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٦٠: ((رواه ابن جرير بسند صحيح إليه)) .]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنهكما عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها، وأعلمكما أن إبليس لكما عدو مبين = يقول: قد أبان عداوته لكما، بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا، [[انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] كما:-

١٤٤٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قوله: ﴿وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب، أطعمتني حواء! قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية! قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس! قال: ملعون مدحور! أما أنت يا حواء فكما دمَّيت الشجرة تَدْمَيْن كل شهر. وأما أنت يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك، وسيشدخُ رأسك من لقيك، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ. [[الأثر: ١٤٤٠٩ - مضى الخبر مطولا بهذا الإسناد رقم: ٧٥٢، مع اختلاف يسير في لفظه. وانظر تخريجه هناك.]]

١٤٤١٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عباد بن العوّام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني! قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كَرْهًا، ولا تضع إلا كرها. قال: فرنَّت حواء عند ذلك، فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك. [[((رنت المرأة ترن رنينًا)) : أي صوتت وصاحت من الحزن والجزع. و ((الرنة)) : الصيحة الحزينة عند البكاء.]]

القول في تأويل قوله: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن آدم وحواء فيما أجاباه به، واعترافِهما على أنفسهما بالذنب، ومسألتهما إياه المغفرة منه والرحمة، خلاف جواب اللعين إبليس إياه.

ومعنى قوله: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ ، قال: آدم وحواء لربهما: يا ربنا، فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك وخلاف أمرك، [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: ((فعلنا الظلم بأنفسنا)) . وانظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] وبطاعتنا عدوَّنا وعدوَّك، فيما لم يكن لنا أن نطيعه فيه، من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها = ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ ، يقول: وإن أنت لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا، وتترك فضيحتنا به بعقوبتك إيانا عليه [[انظر تفسير ((المغفرة)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) .]] ="وترحمنا"، بتعطفك علينا، وتركك أخذنا به [[انظر تفسير ((الرحمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (رحم) .]] = ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ ، يعني: لنكونن من الهالكين.

* *

وقد بيَّنا معنى"الخاسر" فيما مضى بشواهده، والرواية فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير ((الخسارة)) فيما سلف ص: ٣١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

١٤٤١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: قال آدم عليه السلام: يا رب، أرأيتَ إن تبتُ واستغفرتك؟ قال: إذًا أدخلك الجنة. وأما إبليس فلم يسأله التوبة، وسأل النَّظِرة، فأعطى كلَّ واحد منهما ما سأل.

١٤٤١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا﴾ ، الآية، قال: هي الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربه.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن فعله بإبليس وذريته، وآدم وولده، والحية.

يقول تعالى ذكره لآدم وحواء وإبليس والحية: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدوّ، كما:-

١٤٤١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن طلحة، عن أسباط، عن السدي: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ ، قال: فلعنَ الحية، وقطع قوائمها، وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب، وأهبطوا إلى الأرض: آدم، وحواء، وإبليس، والحية. [[الأثر: ١٤٤١٣ - ((عمرو بن طلحة)) ، هو ((عمرو بن حماد بن طلحة القناد)) ، منسوبًا إلى جده. وقد مضى مئات من المرات في هذا الإسناد وغيره، ((عمرو بن حماد، عن أسباط)) . وقد سلف برقم: ٧٥٥.]]

١٤٤١٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ ، قال: آدم، وحواء، والحية. [[الأثر: ١٤٤١٤ - مضى برقم: ٧٥٤.]]

* *

وقوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ ، [[انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ١: ٥٣٥ - ٥٤١.]] يقول: ولكم، يا آدم وحواء، وإبليس والحية = في الأرض قرارٌ تستقرونه، وفراش تمتهدونه، [[انظر تفسير ((مستقر)) فيما سلف ١: ٥٣٩ /١١: ٤٣٤، ٥٦٢ - ٥٧٢.]] كما:-

١٤٤١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ ، قال: هو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا﴾ ، [سورة البقرة: ٢٢] . [[الأثر: ١٤٤١٥ - مضى برقم: ٧٦٥. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا: ((هو الذي جعل ... )) ، بزيادة ((هو)) ، وهو سبق قلم من الناسخ.]]

* *

وروي عن ابن عباس في ذلك، ما:-

١٤٤١٦- حدثت عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس قوله: ﴿ولكم في الأرض مستقر﴾ ، قال: القبور. [[الأثر: ١٤٤١٦ - انظر ما سلف رقم: ٧٦٧، بغير هذا الإسناد.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ آدم وحواءَ وإبليس والحية، إذ أهبطوا إلى الأرض: أنهم عدوٌّ بعضهم لبعض، وأن لهم فيها مستقرًّا يستقرون فيه، ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرًّا في حال حياتهم دون حال موتهم، بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا، فذلك على عمومه، كما عمّ خبرُ الله، ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها، وبعد وفاتهم في بطنها، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ، [سورة المرسلات: ٢٥-٢٦] .

* *

وأما قوله: ﴿ومتاع إلى حين﴾ ، فإنه يقول جل ثناؤه:"ولكم فيها متاع"، تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا، [[انظر تفسير ((المتاع)) فيما سلف ١: ٥٣٩ - ٥٤١ /١١: ٧١، تعليق: ٢. والمراجع هناك.]] وذلك هو الحين الذي ذكره، كما:-

١٤٤١٧- حدثت عن عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿ومتاع إلى حين﴾ ، قال: إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا.

* *

و"الحين" نفسه: الوقت، غير أنه مجهول القدر [[انظر تفسير ((الحين)) فيما سلف ١: ٥٤٠، ولم يذكر هذا هناك في تفسير نظيرة هذه الآية.]] ، يدل على ذلك قول الشاعر: [[هو جرير.]]

وَمَا مِرَاحُكَ بَعْدَ الْحِلْمِ وَالدِّينِ ... وَقَدْ عَلاكَ مَشِيبٌ حِينَ لا حِينِ [[ديوانه: ٥٨٦، وسيبويه ١: ٣٥٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٢، والخزانة ٢: ٩٤، وغيرها. مطلع قصيدة في هجاء الفرزدق، ورواية الديوان، وسيبويه: * ما بالُ جَهْلِكَ بَعْدَ الْحِلْمِ والدِّينِ *

وبعده: لِلْغَانِيَاتِ وِصَالٌ لَسْتُ قَاطِعَهُ ... عَلَى مَوَعدِهَ مِنْ خُلْفٍ وَتَلْوِينِ

إِنَّي لأَرْهَبُ تَصْدِيقَ الْوُشَاةِ بِنَا ... أَوْ أَنْ يَقُولَ غَوِىٌّ للنَّوَى: بِينِي

و ((المراح)) (بكسر الميم) : المرح والاختيال والتبختر، وذلك من جنون الشاباب واعتداده بنفسه. وكأن رواية الديوان هي الجودي.

وأنشده سيبويه شاهدًا على إلغاء ((لا)) وإضافة ((حين)) الأولى إلى ((حين)) الثانية، قال: فإنما هو حين حين، و ((لا)) بمنزلة ((ما)) إذا ألغيت.

وهذا الذي ذكر أبو جعفر هو أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢١٢، وجاء بالبيت كما رواه هنا، وان كان في مطبوعة مجاز القرآن: ((وما مزاحك)) بالزاي، وهو خطأ مطبعي فيما أظن.]]

أي وقت لا وقت.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الله للذين أهبطهم من سمواته إلى أرضه: ﴿فيها تحيون﴾ ، يقول: في الأرض تحيون، يقول: تكونون فيها أيام حياتكم = ﴿وفيها تموتون﴾ ، يقول في الأرض تكون وفاتكم، ﴿ومنها تخرجون﴾ ، يقول: ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم إليه لبعث القيامة أحياء.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سوءاتكمْ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ الله، فعرفهم انخداعهم بغروره لهم، حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعمَ به عليهم، حتى أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض، مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به، وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا﴾ ، يعني بإنزاله عليهم ذلك، خلقَه لهم، ورزقه إياهم = و"اللباس" ما يلبسون من الثياب [[انظر تفسير ((اللباس)) فيما سلف ٣: ٤٨٩ - ٤٩١ /٥: ٤٨٠ /١١: ٢٧٠.]] = ﴿يواري سوءاتكم﴾ ، يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم [[انظر تفسير (وارى)) فيما سلف ١٠: ٢٢٩.]] = وكنى بـ"السوءات"، عن العورات.

* *

= واحدتها"سوءة"، وهي"فعلة" من"السوء"، وإنما سميت"سوءة"، لأنه يسوء صاحبها انكشافُها من جسده، [[انظر تفسير ((السوءة)) فيما سلف ١٠: ٢٢٩ / وهذا الجزء ص: ٣٥٢.]] كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

خَرَقُوا جَيْبَ فَتَاتِهِمُ ... لَمْ يُبَالُوا سَوْءَةَ الرَّجُلَهْ [[الكامل ١: ١٦٥، وشرح الحماسة ١: ١١٧، واللسان (رجل) ، وغيرهما، وقبل البيت: كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطًا ... غَيْرَ جِيرَانِي بَنِي جَبَلَهْ

وروايتهم: ((لم يبالوا حرمة الرجله)) . وكنى بقوله: ((جيب فتاتهم)) ، عن عورتها وفرجها. وانث ((الرجل)) ، فجعل المرأة: ((رجلة)) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤١٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿لباسًا يواري سوءاتكم﴾ ، قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراةً، ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.

١٤٤١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٤٤٢٠- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا﴾ ، قال: أربع آيات نزلت في قريش. كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة.

١٤٤٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف قال: سمعت معبدًا الجهني يقول في قوله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا﴾ ، قال: اللباس الذي تلبسون.

١٤٤٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾ ، قال: كانت قريش تطوف عراة، لا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه. وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة.

١٤٤٢٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾ ، قال: اللباس الذي يواري سوءاتكم: وهو لَبُوسكم هذه. [[((اللبوس)) ، الثياب، وهو مذكر، فإن ذهبت به إلى ((الثياب)) جاز لك أن تؤنث، وكان في المطبوعة: ((هو لبوسكم هذا)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٤٤٢٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لباسًا يواري سوءاتكم﴾ ، قال: هي الثياب.

١٤٤٢٥- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، حدثني مَنْ سمع عروة بن الزبير يقول، اللباس: الثياب.

١٤٤٢٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم﴾ ، قال: يعني ثيابَ الرجل التي يلبسها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَرِيشًا﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿وَرِيشًا﴾ ، بغير"ألف".

* *

وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري: أنهما كانا يقرآنه:"وَرِياشًا".

١٤٤٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبان العطار قال، حدثنا عاصم: أن زر بن حبيش قرأها:"وَرِياشًا".

* *

قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، قراءة من قرأ: ﴿وَرِيشًا﴾ بغير"ألف"، لإجماع الحجة من القرأة عليها.

وقد رُوي عن النبي ﷺ خبرٌ في إسناده نظر: أنه قرأه:"وَرِياشًا". [[سيأتي هذا الخبر بإسناده رقم: ١٤٤٤٦.]]

فمن قرأ ذلك:"وَرِياشًا" فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع"الريش"، كما تجمع"الذئب"،"ذئابًا"، و"البئر""بئارًا".

ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا، من قول القائل:"راشه الله يَريشه رياشًا ورِيشًا"، [[أراد هنا أن يجعل ((ريشا)) مصدرًا بكسر ((الراء)) ، كما هو بين في معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٥، ولذلك ضبطتها كذلك، والذي نص عليه أهل اللغة أن المصدر (ريشا)) بفتح فسكون.]] كما يقال:"لَبِسه يلبسه لباسًا ولِبْسًا"، وقد أنشد بعضهم: [[هو حميد بن ثور الهلالي.]]

فَلَما كَشَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ ... بِأَطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلا مُوَشَّمَا [[ديوانه: ١٤، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٧٥، واللسان (لبس) (طفل) ، والمخصص ٤: ٣٥، وغيرها. وهذا بيت من قصيدة له طويلة في ديوانه، أرجح أنها مختلطة الترتيب، وهذا البيت مما اختلط. فإنه في صفة الرجل، فقال فيه (كما ورد في الديوان البيت رقم: ٣٧) ، بعد أن زينته الجواري (والشعر في الديوان كثير الخطأ، فصححته) . تَنَاهَى عَلَيْهِ الصَّانِعَاتُ، وَشَاكَلَتْ ... بِهِ الخيلَ حَتَّى هَمَّ أَنْ يَتَحَمْحَمَا

ثم قال بعد رقم: ٤٠. تَخَالُ خِلالَ الرَّقْم لَمَّا سَدَلْنَهُ ... حِصَانًا تَهَادَى سَامِيَ الطَّرْفِ مُلْجَمَا

وقال قبل البيت (وهما في ترتيب الديوان: ٣٢، ٣٣) : فَزَيَّنَّهُ بِالعِهْنِ حَتَّى لَوَ انَّهُ ... يُقَالُ لَهُ: هَابٍ، هَلُمَّ! لأَقْدَمَا

جعل الهودج قد صار كأنه فرس عليه زينته وجلاله وسرجه. وقوله: (فلما كشفن اللبس عنه)) ، يعني الهودج. و ((مسحنه)) يعني الجواري اللواتي صنعه وزوقنه وزينه. و ((الطفل) (بفتح فسكون) هو البنان الناعم، وأراد: مسحنه بأطراف بنان طفل، فجعل ((طفلا)) بدلا من ((البنان)) و ((الغيل)) (بفتح فسكون) الساعد الريان الممتلئ. و ((الموشم)) ، عليه الوشم، وكان زينة للجاهلية أبطلها الإسلام، ولعن الله متخذها، رجلا كان أو امرأة.]]

بكسر"اللام" من"اللبس".

و"الرياش"، في كلام العرب، الأثاث، وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يُحْشى من فراش أو دِثَار.

و"الريش" إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال. يقولون:"أعطاه سرجًا بريشه"، و"رحْلا بريشه"، أي بكسوته وجهازه. ويقولون:"إنه لحسن ريش الثياب"، وقد يستعمل"الرياش" في الخصب ورَفاهة العيش.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال:"الرياش"، المال:

١٤٤٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وريشًا﴾ ، يقول: مالا.

١٤٤٢٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وريشًا﴾ ، قال: المال.

١٤٤٣٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٤٣١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ورياشًا"، قال: أما"رياشًا"، فرياش المال. [[حيث جاءت ((رياش)) القراءة الثانية في هذه الأخبار، فإني تاركها على ما هي عليه لا أغيرها إلى قراءتنا.]]

١٤٤٣٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول:"الرياش"، المال.

١٤٤٣٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله:"ورياشًا"، يعني، المال.

ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش.

١٤٤٣٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ورياشًا"، قال:"الرياش"، اللباس والعيش والنَّعيم.

١٤٤٣٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني:"ورياشًا"، قال:"الرياش"، المعاش.

١٤٤٣٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني:"ورياشًا"، قال: هو المعاش.

* *

وقال آخرون:"الريش"، الجمال.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٣٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ورياشًا"، قال:"الريش"، الجمال.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم:"لباس التقوى"، هو الإيمان.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٣٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولباس التقوى﴾ ، هو الإيمان.

١٤٤٣٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولباس التقوى﴾ ، الإيمان.

١٤٤٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج: ﴿ولباس التقوى﴾ ، الإيمان.

* *

وقال آخرون: هو الحياء.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٤١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف، عن عوف، عن معبد الجهني في قوله: ﴿ولباس التقوى﴾ ، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء.

١٤٤٤٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني، فذكر مثله.

١٤٤٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن معبد، بنحوه.

* *

وقال آخرون: هو العمل الصالح.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٤٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ ، قال: لباس التقوى: العمل الصالح.

* *

وقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْت الحسن.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٤٥- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود، عن محمد بن موسى، عن. . . . بن عمرو، عن ابن عباس: ﴿ولباس التقوى﴾ ، قال: السمت الحسن في الوجه. [[الأثر: ١٤٤٤٥ - في هذا الإسناد في المخطوطة: ((عن الدنا بن عمرو)) ، كلمة لم أعرف كيف تقرأ، فوضعت مكانها نقطًا، وكان في المطبوعة: ((الزباء بن عمرو)) ، لا أدري من أين جاء بهذا الاسم!! ووجدت في تفسير ابن كثير ٣: ٤٦٢: ((الديال بن عمرو)) ، وهذا أيضًا. لم أعرف ما يكون.

((محمد بن موسى)) ، لم أستطع أن أحدد من يكون.]]

١٤٤٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله ﷺ، عليه قميصٌ قُوهيّ محلول الزرّ، [[((القميص القوهي)) ، منسوب إلى ((قوهستان)) ، وهي أرض متصلة بنواحي هراة ونيسابور، ينسب إليها ضرب من الثياب.]] وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله ف ي هذه السرائر، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:"والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحدٌ قط سرًّا إلا ألبسه الله رداءَ علانيةٍ، [[نص ابن كثير في تفسيره، نقلا عن هذا الموضع من الطبري: ((ما أسر أحد سريرة إلا ألبسهما الله رداءها علانية)) ، ولا أدري من أين جاء هذا الاختلاف: وفي المطبوعة: ((رداءه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا، ثم تلا هذه الآية:"وَرِيَاشًا" = ولم يقرأها: ﴿وَرِيشًا﴾ = ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ، قال: السمتُ الحسن. [[الأثر: ١٤٤٤٦ - ((إسحاق بن الحجاج الرازي الطاحوني)) ، مضى برقم: ٢٣٠، ١٦١٤، ١٠٣١٤. و ((إسحاق بن إسماعيل)) لعله ((إسحاق بن لإسماعيل الرازي)) ، أبو يزيد، حبويه. مترجم في ابن أبي حاتم ١ /١ / ٢١٢.

و ((سليمان بن أرقم)) ، أبو معاذ. ضعف جدًا، متروك الحديث، مضى برقم: ٤٩٢٣. فمن أجل ضعف ((سليمان بن أرقم)) ، قال أبو جعفر فيما سلف ص: ٣٦٣، تعليق: ١، أن في إسناد هذا الخبر نظرًا.

وهذا الخبر رواه ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٦٢، ٤٦٣، وضعفه، ثم قال: ((وقد روى الأئمة، الشافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب صحيحة، عن الحسن: أنه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان يأمر بقتل الكلاب وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر)) . قلت: وخبر أحمد في المسند رقم: ٥٢١، وخبر البخاري في الأدب المفرد ص: ٣٣٢، ٣٣٣ برقم: ١٣٠١.]]

* *

وقال آخرون: هو خشية الله.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٤٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدنى قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: ﴿لباس التقوى﴾ ، خشية الله.

* *

وقال آخرون: ﴿لباس التقوى﴾ ، في هذه المواضع، ستر العورة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٤٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولباس التقوى﴾ ، يتقي الله، فيواري عورته، ذلك"لباس التقوى".

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ، برفع"ولباس".

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة:"وَلِبَاسَ التَّقْوَى"، بنصب"اللباس"، وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين.

* *

فمن نصب:"ولباس"، فإنه نصبه عطفًا على"الريش"، بمعنى: قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا، وأنزلنا لباسَ التقوى.

* *

وأما الرفع، فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به"اللباس".

فكان بعض نحويي البصرة يقول: هو مرفوع على الابتداء، وخبره في قوله: ﴿ذلك خير﴾ . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال: هذا غلط، لأنه لم يعد على"اللباس" في الجملة عائد، فيكون"اللباس" إذا رفع على الابتداء وجعل"ذلك خير" خبرًا.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: ﴿ولباس﴾ ، يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويجعل"ذلك" من نعته. [[هذا قول الفراء ١: ٣٧٥]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع"اللباس"، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعًا بـ"خير"، وإذا رفع بـ "خير" لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل"اللباس" نعتًا، لا أنه عائد على"اللباس" من ذكره في قوله: ﴿ذلك خير﴾ ، فيكون خير مرفوعًا بـ"ذلك"، و"ذلك"، به.

فإذ، كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام = إذا رفع"لباس التقوى" =: ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه، خير لكم يا بني آدم، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم، ومن الرياش التي أنزلناها إليكم، هكذا فالبَسوه.

* *

وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا، فإنه:"يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى"، هذا الذي أنزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم، والريش، ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت، فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش، ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب، فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة، كما فعل بأبويكم آدم وحواء، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها.

* *

قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب، أعني نصب قوله:"وَلِبَاسَ التَّقْوَى"، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت، وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال، مع الإيمان به واتباع طاعته = ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله، وتعرِّيهم، لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنزل إليهم خيرٌ من بعض.

وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك، الآيات التي بعد هذه الآية، وذلك قوله: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزعُ عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما﴾ وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي، وبالإيمان به، واتباع أمره والعمل بطاعته، وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان، مؤكدًا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباسَ التقوى ذلك خير﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله:"ولباس التقوى"، استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن، لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملا ومنه خائفًا، وله مراقبًا، ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا. ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه، فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره.

وإنما قلنا: عنى بـ"لباس التقوى"، استشعارَ النفس والقلب ذلك = لأن"اللباس"، إنما هو ادِّراع ما يلبس، واجتياب ما يكتسى، [[في المطبوعة: ((واحتباء ما يكتسى)) ، غير ما في المخطوطة، الخطأ في نقطها، فأساء غاية الإساءة، كان في المخطوطة: ((واحنتاب)) ، وصواب قراءتها ما أثبت وانظر التعليق التالي، ((اجتاب الثوب اجتيابًا)) ، لبسه، قال لبيد: فَبِتِلْكَ إذْ رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى ... وَاجْتَابَ أَرْدِيَةَ السَّرَابِ إكَامُها

أَقْضِي اللُّبَانَةَ لا أُفَرِّطُ رِيبَةً ... أَوْ أَنْ يَلُومَ بِحَاجَةٍ لَوَّامُها]] أو تغطية بدنه أو بعضه به. فكل من ادَّرع شيئًا واجتابهُ حتى يُرَى عَيْنه أو أثرُه عليه، [[في المطبوعة: ((فكل من اردع شيئًا واحتبى به حتى يرى هو أو أثره عليه)) ، أساء كما أساء في السالف، ولكن كان الخطأ أعذر له، لأنه فيها ((فكل من ادرع شيئًا واحبا)) هذا آخر السطر، ثم بدأ في السطر التالي ((به حتى يرى عنه أو أثره عليه)) . فجاء الناشر فجعلها ((واحتبى به)) والصواب ما أثبت، وإنما قطع الناسخ الكلمة في سطرين!! وانظر التعليق السالف. وأما قوله في المطبوعة: ((حتى يرى هو أو أثره عليه)) ، فقد غيره تغييرًا لا يجدي، وصواب قراءة المخطوطة كما أثبت.]] فهو له"لابس". ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسًا، وهن لهم لباسًا، وجعل الليل لعباده لباسًا. [[شاهد الأول آية ((سورة البقرة)) : ١٨٧: " هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ". وشاهد الثاني على آية ((سورة النبأ)) : ١٠: " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ".]]

* *

ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله، إذا قرئ قوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ ، رفعًا.

١٤٤٤٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولباس التقوى﴾ ، الإيمان = ﴿ذلك خير﴾ ، يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.

١٤٤٥٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولباس التقوى﴾ ، قال: لباس التقوى خير، وهو الإيمان.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ذلك الذي ذكرت لكم أنّي أنزلته إليكم، أيها الناس، من اللباس والرياش، من حجج الله وأدلته التي يعلم بها مَنْ كفر صحة توحيد الله، وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة = ﴿لعلهم يذكرون﴾ ، يقول جل ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت، ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل، رحمة مني بعبادي. [[انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .

= وتفسير ((يذكر)) فيما سلف منها (ذكر) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبَّب لهما من مكره وخدعه، من الجنة، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس، ليريهما سوءاتهما بكشف عورتهما، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.

* *

وقد بينا فيما مضى أن معنى"الفتنة"، الاختبار والابتلاء، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ١١: ٣٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد اختلف أهل التأويل في صفة"اللباس" الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا، وما كان.

فقال بعضهم: كان ذلك أظفارًا.

ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك:

١٤٤٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عكرمة: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، قال: لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان الظُّفر، فأدركت آدم التوبة عند ظُفُره = أو قال: أظفاره.

١٤٤٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن نضر أبي عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تركت أظفاره عليه زينة ومنافع، في قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ . [[الأثر: ١٤٤٥٢ - ((عبد الحميد الحماني)) هو ((عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني)) ، مضى برقم: ٧١٨، ٧٨٦٣.

و ((نضر، أبو عمر)) هو ((النضر بن عبد الرحمن)) ، أبو عمر الخراز، مضى أيضًا برقم ٧١٨، ١٠٣٧٣، وكان في المطبوعة: ((نصر بن عمر)) ، غير ما في المخطوطة، وهو فيها: ((نصر أبي عمر)) ، غير منقوطة.]]

١٤٤٥٣- حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال، أخيرنا مخلد بن الحسين، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، قال: كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت الأظفار تذكرة وزينة.

١٤٤٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة في قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، قال: كان لباسه الظفر، فانتهت توبته إلى أظفاره.

* *

وقال آخرون: كان لباسهما نورًا.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، النور.

١٤٤٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما﴾ ، قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا.

* *

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، يسلبهما تقوى الله.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٥٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مطلب بن زياد، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، قال: التقوى. [[الأثر: ١٤٤٥٧ - ((مطلب بن زياد بن أبي زهير الثقفي)) ، قال ابن سعد: ((كان ضعيفًا في الحديث جدًا)) ، وقال ابن عدي: ((وله أحاديث حسان وغرائب، ولم أر له منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به)) . مترجم في التهذيب، والبخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٨، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤ /١ / ٣٦٠، وذكر أن أحمد ويحيى بن معين وثقا. وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه، ولا يحتج به)) .]]

١٤٤٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ ، قال: التقوى.

١٤٤٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء، وأن يجرِّدهم من لباس الله الذي أنزله إليهم، كما نزع عن أبويهم لباسهما."اللباس" المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس، وهو ما اجتابَ فيه اللابس من أنواع الكُسي، [[في المطبوعة: ((هو ما اختار فيه اللابس من أنواع الكساء)) ، ولم يحسن قراءة المخطوطة، فغير كما سلف قريبًا، فرددتها إلى أصلها.

وقوله: ((اجتاب فيه اللابس)) ، أدخل ((فيه)) مع ((اجتاب)) ، وهو صحيح في قياس العربية، لأنهم قالوا: ((اجتاب الثوب والظلام)) ، إذا دخل فيهما، فأعطى ((اجتاب)) معنى ((دخل)) ، فألحق بها حرف الجر، لمعنى الدخول.]] أو غطى بدنه أو بعضه.

وإذ كان ذلك كذلك، فالحق أن يقال: إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان، هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعوْرَتهما.

وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرًا= ويجوز أن يكون كان ذلك نورًا = ويجوز أن يكون غير ذلك = ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك تثبت به الحجة، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ .

* *

وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراجَ آدم وحواء من الجنة، ونزعَ ما كان عليهما من اللباس عنهما، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه، إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تسْنيةِ ذلك لهما بمكره وخداعه، [[في المطبوعة: ((عن تسبيه ذلك لهما)) ، ولا معنى له، وهو في المخطوطة غير منقوط، وهذا صواب قراءته، ((سنى له الأمر)) ، سهله ويسره وفتحه.]] فأضيف إليه أحيانًا بذلك المعنى، وإلى الله أحيانًا بفعله ذلك بهما.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو= و"الهاء" في"إنه" عائدة على الشيطان = و"قبيله"، يعني: وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ جمع جيلا [[في المطبوعة: ((الذي هو منه واحد جمعه قبل)) ، غير ما في المخطوطة، وفي المخطوطة كما كتبتها، إلا انه كتب ((صلا)) و ((الجيم)) بين القاف والجيم غير المنقوطة. واستظهرت هذا من نص أبي عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢١٣، وهو: ((أي: وجيله الذي هو منه)) ، ومن نص صاحب لسان العرب: ((ويقال لكل جمع من شيء واحد، قبيل)) . و ((الجيل)) كل صنف من الناس، أو الأمة. يقال: ((الترك جيل، والصين جيل، والعرب جيل، والروم جيل)) ، وهم كل قوم يختصون بلغة، وتنشأ من جمعهم أمة وصنف من الناس موصوف معروف.]] وهم الجن، كما:-

١٤٤٦٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ ، قال: الجن والشياطين.

١٤٤٦١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إنه يراكم هو وقبيله﴾ ، قال:"قبيله"، نسله.

* *

وقوله: ﴿من حيث لا ترونهم﴾ ، يقول: من حيث لا ترون أنتم، أيها الناس، الشيطان وقبيله = ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ ، يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحِّدون الله ولا يصدقون رسله. [[انظر تفسير ((ولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: ذكر أن معنى"الفاحشة"، في هذا الموضع، [[انظر تفسير ((الفاحشة)) ، و ((الفحشاء)) فيما سلف: ص: ٢١٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ما:-

١٤٤٦٢- حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا أبو محياة، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون:"نطوف كما ولدتنا أمهاتنا"، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة أو الشيء، [[((القبل)) (بضمتين) : فرج المرأة والرجل. و ((النسعة)) : قطعة من الجلد مضفورة عريضة، تجعل على صدر البعير.]] فتقول:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ [[الأثر: ١٤٤٦٢ - ((أبو محياة)) ، هو ((يحيى بن يعلي بن حرملة التيمي)) ، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /٢ / ٣١١، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٩٦.

ةسيأتي تخريج الخبر في تخريج الآثار: ١٤٥٠٣ - ١٤٥٠٦.]]

* *

١٤٤٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا﴾ ، فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.

١٤٤٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن مفضل، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

١٤٤٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير والشعبي: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا﴾ ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة.

١٤٤٦٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ ، قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.

١٤٤٦٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ ، قال: طوافهم بالبيت عراة.

١٤٤٦٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا﴾ ، قال: في طواف الحُمْس في الثياب، وغيرهم عراة. [[((الحمس)) ، جمع ((أحمس)) هم قريش، لتشددهم في دينهم، وانظر تفسير ذلك مفصلا فيما سلف ٣: ٥٥٧، تعليق: ١، وانظر الأثر رقم: ٣٨٣٢، وأنها: ((ملة قريش)) .]]

١٤٤٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا﴾ ، قال: كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم: ﴿قل إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾ ، الآية.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء، قبيحًا من الفعل، وهو"الفاحشة"، وذلك تعرِّيهم للطواف بالبيت وتجردهم له، فعُذِلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا:"وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستنّ بسنتهم، والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه".

يقول الله جل ذكره لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، لهم:"إن الله لا يأمر بالفحشاء"، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها ="أتقولون"، أيها الناس،"على الله ما لا تعلمون"، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة: ((أتروون على الله)) ، وأنا أرجح أن الصواب ((أتزورون)) ، أي: أتقولون الزور والكذب.]] وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك؟

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: ﴿قل﴾ ، يا محمد، لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون، بل ﴿أمر ربي بالقسط﴾ ، يعني: بالعدل، [[انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ص: ٢٢٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] كما:-

١٤٤٦٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ ، بالعدل.

١٤٤٧٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ ، والقسط: العدل.

* *

وأما قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضهم: معناه: وجِّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٧١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، إلى الكعبة حيثما صليتم، في الكنيسة وغيرها.

١٤٤٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، قال: إذا صليتم فاستقبلوا الكعبة، في كنائسكم وغيرها.

١٤٤٧٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، هو"المسجد"، الكعبة.

١٤٤٧٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، عن عمر بن ذر، عن مجاهد في قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، قال: الكعبة، حيثما كنت.

١٤٤٧٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، قال: أقيموها للقبلة، هذه القبلة التي أمركم الله بها.

* *

وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصًا، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ ، قال: في الإخلاص، أن لا تدعوا غيره، وأن تخلصوا له الدين.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، ما قاله الربيع: وهو أن القوم أُمِروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا، لا مُكاءً ولا تصدية. [[((المكاء)) : الصفير، و ((التصدية)) : التصفيق. كانوا يطوفون بالبيت عراة يصفرون بأفواههم، ويصفقون بأيديهم.]]

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب، لم يكونوا أهل كنائس وبيع، وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابين. فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بِيعة:"وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعةٍ".

* *

وأما قوله: ﴿وادعوه مخلصين له الدين﴾ ، فإنه يقول: واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة، لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا، [[انظر تفسير ((الدعاء)) ، و ((الإخلاص)) فيما سلف من فهارس اللغة (دعا) و (خلص) .]] كما:-

١٤٤٧٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وادعوه مخلصين له الدين﴾ ، قال: أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم توجِّهون إلى البيت الحرام.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ .

فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسُعَداء، كذلك تبعثون يوم القيامة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٧٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾ ، قال: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ، [سورة التغابن: ٢] ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا.

١٤٤٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور قال، حدثنا أصحابنا، عن ابن عباس: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.

١٤٤٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن الضريس، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن رجل، عن جابر قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه. [[الأثر: ١٤٤٨٠ - ((يحيى بن الضريس بن يسار البجلي الرازي)) ثقة، كان صحيح الكتب، جيد الأخذ. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /٢ / ٢٨٢، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٥٨.]]

١٤٤٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ؟ ألم تسمع قوله: ﴿فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾ ؟.

١٤٤٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: رُدُّوا إلى علمه فيهم.

١٤٤٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء، [[يعني سحرة فرعون، الذين آمنوا بموسى عليه وعلى نبينا السلام.]] ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.

١٤٤٨٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن وِقَاء بن إياس أبي يزيد، عن مجاهد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. [[الأثر: ١٤٤٨٤ - ((وقاء بن إياس الأسدي الوالبي)) ، أبو يزيد، ثقة، متكلم فيه، قال يحيى بن سعيد: ((ما كان بالذي يعتمد عليه)) . مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /٢ / ١٨٨، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٩. وكان في المخطوطة: ((ورقاء بن إياس)) ، والصواب ما في المطبوعة.]]

١٤٤٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو دكين قال، حدثنا سفيان، عن أبي يزيد، عن مجاهد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا. [[الأثر: ١٤٤٨٥ - ((أبو يزيد)) ، هو ((وقاء بن إياس)) ، المترجم في التعليق السالف.]]

١٤٤٨٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: كما كتب عليكم تكونون.

١٤٤٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله.

١٤٤٨٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾ ، يقول: كما بدأكم تعودون، كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.

١٤٤٨٩- حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبي سفيان، عن الأعمش، عن سفيان، عن جابر، أن النبي ﷺ قال: تُبعث كل نفس على ما كانت عليه. [[الأثر: ١٤٤٨٩ - ((أبو سفيان)) ، هو ((طلحة بن نافع القرشي الواسطي)) ، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٦٦٥٤، ١١٥١٧، ١١٥١٨. وهو الذي يروي عن جابر، والأعمش روايته. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((عن سفيان، عن جابر)) ، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه منقولا عن تفسير الطبري، في تفسير ابن كثير ٣: ٤٦٦.

وهذا خبر صحيح الإسناد. رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٢١٠، من طريقين عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ولفظه: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) .

رواه ابن ماجه في سننه ١٤١٤، رقم: ٤٢٣٠، من طريق شريك، عن الأعمش، ولفظه: ((يحشر الناس على نياتهم)) .]]

١٤٤٩٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: كما كتب عليكم تكونون.

١٤٤٩١- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن مجاهد قال، يبعث المؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا.

١٤٤٩٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، شقيًّا وسعيدًا.

١٤٤٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا، تعودون بعد الفناء.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن عوف، عن الحسن: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم، كذلك يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة.

١٤٤٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.

١٤٤٩٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.

١٤٤٩٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿كما بدأكم تعودون فريقًا هدى﴾ ، يقول: كما خلقناكم أول مرة، كذلك تعودون.

١٤٤٩٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، يحييكم بعد موتكم.

١٤٤٩٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿كما بدأكم تعودون﴾ ، قال: كما خلقهم أولا كذلك يعيدهم آخرًا.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، القولُ الذي قاله من قال: معناه: كما بدأكم الله خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا، تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله، يحشركم إلى يوم القيامة = لأن الله تعالى ذكره: أمر نبيه ﷺ أن يُعْلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهلَ جاهلية، لا يؤمنون بالمعاد، ولا يصدِّقون بالقيامة. فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة، ومثيبُ مَنْ أطاعه، ومعاقبُ مَنْ عصاه. فقال له: قل لهم: أمرَ ربي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وأن ادعوه مخلصين له الدين، وأن أقرُّوا بأنْ كما بدأكم تعودون = فترك ذكر"وأن أقروا بأن". كما ترك ذكر"أن" مع"أقيموا"، إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه.

وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء مَنْ كان جاحدًا النشورَ بعد الممات، إلى الإقرار بالصفة التي عليها ينشر مَنْ نُشِر، وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَنْ كان بالبعث مصدّقًا، فأما مَنْ كان له جاحدًا، فإنما يدعى إلى الإقرار به، ثم يعرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله ﷺ الذي:-

١٤٥٠٠- حدثناه محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: يُحْشر الناس عُراة غُرْلا وأوّل مَنْ يكسى إبراهيم ﷺ. ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ، [سورة الأنبياء: ١٠٤]

١٤٥٠١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن يوسف قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، بنحوه.

١٤٥٠٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حُفَاة غُرْلا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ . [[الآثار: ١٤٥٠٠ - ١٤٥٠٢ - ((المغيرة بن النعمان النخعي)) ، ثقة، مضى برقم: ١٣٦٢٢.

وهذا الخبر رواه البخاري من طريق شعبة، عن المغيرة في صحيحه (الفتح ٨: ٣٣٢ / ١١: ٣٣١) مطولا، ورواه مسلم في صحيحه مطولا: ١٧: ١٩٣، ١٩٤ من طريق شعبة أيضًا. ورواه أحمد في المسند مطولا ومختصرًا رقم: ١٩٥٠، ٢٠٢٧، من طريق سفيان الثوري مختصرًا، كما رواه الطبري. ثم رواه مطولا من طريق شعبة رقم: ٢٠٩٦، ٢٢٨١، ٢٢٨٢. ورواه النسائي في سننه ٤: ١١٧.

وسيرويه أبو جعفر بأسانيده هذه فيما يلي، في تفسير ((سورة الأنبياء)) ١٧: ٨٠ (بولاق) .

و ((الغرل)) جمع ((أغرل)) ، هو الأقلف الذي لم يختن.]]

* *

= [[هذا تمام الكلام الأول، والسياق: ((على أن في الخبر الذي روى عن رسول الله ... ما يبيّن صحة القول)) .]] ما يبيِّن صحة القول الذي قلنا في ذلك، من أن معناه: أن الخلقَ يعودون إلى الله يوم القيامة خلقًا أحياء، كما بدأهم في الدنيا خلقًا أحياء.

* *

يقال منه:"بدأ الله الخلق يبدؤهم = وأبدأَهُم يُبْدِئهم إبداءً"، بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان.

* *

ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه، وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى الله منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقَّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.

* *

وإذا كان التأويل هذا، كان"الفريق" الأول منصوبًا بإعمال"هدى" فيه، و"الفريق"، الثاني بوقوع قوله:"حق" على عائد ذكره في"عليهم"، كما قال جل ثناؤه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٦.]] [سورة الإنسان: ٣١]

* *

ومن وجه تأويل ذلك إلى أنه: كما بدأكم في الدنيا صنفين: كافرًا، ومؤمنًا، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: فريقًا هدى، وفريقًا حق عليهم الضلالة = نصب"فريقًا"، الأول بقوله:"تعودون"، وجعل الثاني عطفًا عليه. وقد بينا الصواب عندنا من القول فيه. [[انظر تفسير ((فريق)) فيما سلف ١١: ٤٩٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله، وظُهراء، [[انظر تفسير ((ولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق، وأن الصواب ما أتوه وركبوا.

وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، [[انظر تفسير ((حسب)) فيما سلف ١٠: ٤٧٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com