John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Anfaal

Tafsir al-Tabari · The Spoils of War · 75 ayat · ayat 61–75 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وإما تخافنّ من قوم خيانة وغدرًا، فانبذ إليهم على سواء وآذنهم بالحرب = ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح [[انظر تفسير " السلم " فيما سلف ٤: ٢٥١ - ٢٥٥.]] = ﴿فاجنح لها﴾ ، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه.

* *

يقال منه: "جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحًا"، وهي لتميم وقيس، فيما ذكر عنها، تقول: "يجنُح"، بضم النون، وآخرون: يقولون: "يَجْنِح" بكسر النون، وذلك إذا مال، ومنه قول نابغة بني ذبيان:

جَوَانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ قَبِيلَهُ إذَا مَا التَقَى الجمْعانِ أَوَّلُ غَالِبِ [[ديوانه: ٤٣، من شعره المشهور في عمرو بن الحارث الأعرج، حين هرب إلى الشأم، من النعمان بن المنذر في خبر المتجردة، وقبله، ذكر فيها غارة جيشه، والنسور التي تتبع الجيش: إذَا مَا غَزَوْا بِالجَيْشِ، حَلَّقَ فَوْقَهُمْ ... عَصَائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بِعَصَائِبِ

يُصَاحبْنَهُمْ حَتَّى يُغِرْنَ مُغَارَهم ... مِنَ الضَّارِيَاتِ بالدِّمَاءِ الدَّوَارِبِ

تَرَاهُنَّ خَلْفَ القومِ خُزْرًا عُيُونهَا ... جُلُوسَ الشُّيُوخِ فِي ثِيَابِ المَرَانِبِ

جَوانِحَ قَدْ أيْقَنَّ. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهذا من جيد الشعر وخالصه.]]

جوانح: موائل.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٤٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ قال: للصلح، ونسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٥]

١٦٢٤٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ ، إلى الصلح= ﴿فاجنح لها﴾ ، قال: وكانت هذه قبل "براءة"، وكان نبي الله ﷺ يوادع القوم إلى أجل، فإما أن يسلموا، وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك بعد في "براءة" فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، وقال: ﴿قاتلوا المشركين كافة﴾ ، [سورة التوبة: ٣٦] ، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يقولوا "لا إله إلا الله" ويسلموا، وأن لا يقبلَ منهم إلا ذلك. وكلُّ عهد كان في هذه السورة وفي غيرها، وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتوادعون به، فإن "براءة" جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم على كل حال حتى يقولوا: "لا إله إلا الله".

١٦٢٤٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصري قالا ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، نسختها الآية التي في "براءة" قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]

١٦٢٤٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، يقول: وإن أرادوا الصلح فأرده.

١٦٢٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، أي: إن دعوك إلى السلم =إلى الإسلام= فصالحهم عليه. [[الأثر: ١٦٢٤٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٠، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٤٤، وفي السيرة: " إلى السلم على الإسلام ".]]

١٦٢٥٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، قال: فصالحهم. قال: وهذا قد نسخه الجهاد.

* *

قال أبو جعفر: فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل.

وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائنٍ ناسخا. [[انظر مقالته في " النسخ " فيما سلف ١١: ٢٠٩، وما بعده وما قبله في فهارس الكتاب، وفي فهارس العربية والنحو وغيرها.]]

وقول الله في براءة: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله. ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ ، لأن قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ ، إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهلَ كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحربَ على أخذ الجزية منهم.

وأما قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فإنما عُني به مشركو العرب من عبدة الأوثان، الذين لا يجوز قبول الجزية منهم. فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى، بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه.

١٦٢٥١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ ، قال: قريظة.

* *

وأما قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ ، يقول: فوِّض إلى الله، يا محمد، أمرك، واستكفِه، واثقًا به أنه يكفيك [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ١٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كالذي:-

١٦٢٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وتوكل على الله﴾ ، إن الله كافيك. [[الأثر: ١٦٢٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٠، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٤٩.]]

* *

وقوله: ﴿إنه هو السميع العليم﴾ ، يعني بذلك: إن الله الذي تتوكل عليه، "سميع"، لما تقول أنت ومن تسالمه وتتاركه الحربَ من أعداء الله وأعدائك عند عقد السلم بينك وبينه، وما يشترط كل فريق منكم على صاحبه من الشروط [[في المطبوعة: " ويشرط كل فريق. . . "، وفي المخطوطة: " ويشترط. . . "، والصواب بينهما ما أثبت.]] ="العليم"، بما يضمره كل فريق منكم للفريق الآخر من الوفاء بما عاقده عليه، ومن المضمر ذلك منكم في قلبه، والمنطوي على خلافه لصاحبه. [[انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن يرد، يا محمد، هؤلاء الذين أمرتك بأن تنبذ إليهم على سواء إن خفت منهم خيانة، وبمسالمتهم إن جنحوا للسلم، خداعَك والمكرَ بك [[انظر تفسير " الخداع " فيما سلف ١: ٢٧٣ - ٢٧٧، ٣٠٢ \ ٩: ٣٢٩.]] = ﴿فإن حسبك الله﴾ ، يقول: فإن الله كافيكهم وكافيك خداعَهم إياك، [[انظر تفسير " حسبك " فيما سلف ١١: ١٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لأنه متكفل بإظهار دينك على الأديان، ومتضمِّنٌ أن يجعل كلمته العليا وكلمة أعدائه السفلى = ﴿هو الذي أيدك بنصره﴾ ، يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه [[انظر تفسير " أيد " فيما سلف ١٣: ٣٧٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿وبالمؤمنين﴾ ، يعني بالأنصار.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٥٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾ ، قال: قريظة.

١٦٢٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾ ، هو من وراء ذلك. [[الأثر: ١٦٢٥٤ - سيرة ابن هشام، ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٥٢.]]

١٦٢٥٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿هو الذي أيدك بنصره﴾ ، قال: بالأنصار.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) ﴾

قال أبو جعفر: يريد جل ثناؤه بقوله: ﴿وألف بين قلوبهم﴾ ، وجمع بين قلوب المؤمنين من الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، على دينه الحق، فصيَّرهم به جميعًا بعد أن كانوا أشتاتًا، وإخوانًا بعد أن كانوا أعداء.

وقوله: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لو أنفقت، يا محمد، ما في الأرض جميعا من ذهب ووَرِق وعَرَض، ما جمعت أنت بين قلوبهم بحيْلك، [[" الحيل " (بفتح فسكون) ، القوة، مثل " الحول "، يقال: " إنه لشديد الحيل "، وفي الحديث: " اللهم ذا الحيل الشديد ". وهو لا يزال يستعمل كذلك في عامية مصر.]] ولكن الله جمعها على الهدى فأتلفت واجتمعت، تقوية من الله لك وتأييدًا منه ومعونة على عدوك. يقول جل ثناؤه: والذي فعل ذلك وسبَّبه لك حتى صاروا لك أعوانًا وأنصارًا ويدًا واحدة على من بغاك سوءًا هو الذي إن رام عدوٌّ منك مرامًا يكفيك كيده وينصرك عليه، فثق به وامض لأمره، وتوكل عليه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٥٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وألف بين قلوبهم﴾ ، قال: هؤلاء الأنصار، ألف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم. [[ما بين " من بعد حرب " و " فيما كان بينهم "، بياض في المخطوطة، فيه معقوفة بالحمرة، لا أدري أهو بياض تركه لسقط، أم هو سهو من الناسخ ملأه بالحمرة.]]

١٦٢٥٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن بشير بن ثابت، رجل من الأنصار: أنه قال في هذه الآية: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم﴾ ، يعني: الأنصار [[الأثر: ١٦٢٥٧ - " بشير بن ثابت الأنصاري "، مولى النعمان " بن بشير "، ذكره ابن حبان في الثقات. روى عنه شعبة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ٩٧، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٣٧٢.]]

١٦٢٥٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وألف بين قلوبهم﴾ ، على الهدى الذي بعثك به إليهم = ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ ، بدينه الذي جمعهم عليه =يعني الأوس والخزرج. [[الأثر: ١٦٢٥٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٥٤.]]

١٦٢٥٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزيّ، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفِر لهما. قال قلت لمجاهد: بمصافحةٍ يغفر لهما؟ [[في المخطوطة: " يغفر الله له " والذي في المطبوعة أجود.]] فقال مجاهد: أما سمعته يقول: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم﴾ ؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني. [[الأثر: ١٦٢٥٩ - " إبراهيم الخوزي "، هو: " إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي "، مولى عمر بن عبد العزيز، ضعيف، مضى برقم: ٧٤٨٤، وكان في المطبوعة والمخطوطة: " إبراهيم الجزري "، وهو خطأ محض.

و" الوليد بن أبي مغيث "، نسب إلى جده، ولم أجده منسوبًا إليه في غير هذا المكان، وإنما هو: " الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، مولى بني عبد الدار، ثقة. روى عن يوسف بن ماهك، ومحمد بن الحنفية. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ \ ٢ \ ١٤٦، وابن أبي حاتم ٤ \ ٢ \ ٩.]]

١٦٢٦٠- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد، عن أبي عمرو قال، حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد، ولقيته وأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابَّان في الله، [[" تراءى الرجلان "، رأى أحدهما الآخر.]] فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتّت خطاياهما كما يتحاتُّ ورق الشجر. [[" تحات ورق الشجر "، تساقط من غصنه إذا ذبل، ثم انتثر.]] قال عبدة: فقلت له: إنّ هذا ليسير! قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم﴾ ! قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. [[الأثر: ١٦٢٦٠ - " عبد الكريم بن أبي عمير "، شيخ الطبري، سلف برقم: ٧٥٧٨، ١١٣٦٨، ١٢٨٦٧.

و" الوليد "، هو " الوليد بن مسلم "، سلف مرارًا.

و" أبو عمرو "، هو الأوزاعي الإمام.

و" عبدة بن أبي لبابة الأسدي "، مضى برقم: ٥٨٥٩.

وانظر الخبر الآتي رقم: ١٦٢٦٣.]]

١٦٢٦١- حدثني محمد بن خلف قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن غزوان قال، أتيت أبا إسحاق فسلمت عليه فقلت [[في المستدرك: " لقيت أبا إسحاق بعد ما ذهب بصره ".]] أتعرفني؟ فقال فضيل: نعم! لولا الحياء منك لقبَّلتك = حدثني أبو الأحوص، عن عبد الله، قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم﴾ . [[الأثر: ١٦٢٦١ - " أبو إسحاق " هو: السبيعي.

و" أبو الأحوص "، هو " عوف بن مالك بن نضلة "، تابعي ثقة، مضى مرارًا.

و" عبد الله "، هو " عبد الله بن مسعود ".

وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٩، من طريق يعلي بن عبيد، عن فضيل، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٢٧، ٢٨، من طريق أخرى، وقال: " رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير جنادة بن مسلم، وهو ثقة ".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٩٩، وزاد نسبته إلى ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان، والنسائي، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.

وسيأتي من طريق أخرى رقم: ١٦٢٦٤.]]

١٦٢٦٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنا نُحدَّث أن أوّل ما يرفع من الناس =أو قال: عن الناس= الألفة. [[الأثر: ١٦٢٦٢ - " عمير بن إسحاق "، مضى قريبًا برقم: ١٦١٤٨.]]

١٦٢٦٣- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي قال، حدثني عبدة بن أبى لبابة، عن مجاهد =ثم ذكر نحو حديث عبد الكريم، عن الوليد. [[الأثر: ١٦٢٦٣ - انظر ما سلف رقم: ١٦٢٦٠، والتعليق عليه.]]

١٦٢٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، وابن نمير، وحفص بن غياث=، عن فضيل بن غزوان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: سمعت عبد الله يقول: ﴿لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم﴾ ، الآية، قال: هم المتحابون في الله. [[الأثر: ١٦٢٦٤ - طريق أخرى للأثر السالف رقم: ١٦٢٦١.]]

* *

وقوله: ﴿إنه عزيز حكيم﴾ ، يقول: إن الله الذي ألف بين قلوب الأوس والخزرج بعد تشتت كلمتهما وتعاديهما، وجعلهم لك أنصارًا = ﴿عزيز﴾ ، لا يقهره شيء، ولا يردّ قضاءه رادٌّ، ولكنه ينفذ في خلقه حكمه. يقول: فعليه فتوكل، وبه فثق= ﴿حكيم﴾ ، في تدبير خلقه. [[انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿يا أيها النبي حسبك الله﴾ ، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. يقول لهم جل ثناؤه: ناهضوا عدوكم، فإن الله كافيكم أمرهم، ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم، فإن الله مؤيدكم بنصره. [[انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص: ٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٦٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن شوذب أبي معاذ، عن الشعبي في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله. [[الأثر: ١٦٢٦٥ - " شوذب، أبو معاذ "، ويقال: " أبو عثمان "، مولى البراء بن عازب. قال سفيان، عن شوذب: " كنت تياسًا، فنهاني البراء بن عازب عن عسب الفحل " روى عنه سفيان الثوري، وشعبة. مترجم في الكبير ٢ \ ٢ \ ٢٦١، وابن أبي حاتم ٢ \ ١ \ ٣٧٧، وكان في المطبوعة: "شوذب بن معاذ" وهو خطأ، صوابه في المخطوطة.

وسيأتي في الإسنادين التاليين.]]

١٦٢٦٦- حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سفيان، عن شوذب، عن الشعبي في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: حسبك الله، وحسب من معك.

١٦٢٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن شوذب، عن عامر، بنحوه =إلا أنه قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.

١٦٢٦٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد في قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، قال: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، إنّ حسبك أنت وهم، الله.

* *

فـ "منْ" قوله: ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ ، على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي، نصب، عطفا على معنى "الكاف" في قوله: ﴿حسبك الله﴾ لا على لفظه، لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى، لأن معنى الكلام: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين.

* *

وقد قال بعض أهل العربية في "من"، أنها في موضع رفع على العطف على اسم "الله"، كأنه قال: حسبك الله ومتبعوك إلى جهاد العدو من المؤمنين، دون القاعدين عنك منهم. واستشهد على صحة قوله ذلك بقوله: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ . [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٤١٧.]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ ، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين [[انظر تفسير " التحريض " فيما سلف ٨: ٥٧٩.]] = ﴿إن يكن منكم عشرون﴾ رجلا= ﴿صابرون﴾ ، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم = ﴿يغلبوا مئتين﴾ ، من عدوهم ويقهروهم = ﴿وإن يكن منكم مئة﴾ ، عند ذلك ﴿يغلبوا﴾ ، منهم ﴿ألفا﴾ = ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم. [[انظر تفسير " فقه " فيما سلف ١٣: ٢٧٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم فقال لهم: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفًا = ﴿فإن يكن منكم مئة صابرة﴾ ، عند لقائهم للثبات لهم = ﴿يغلبوا مئتين﴾ منهم = ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ منهم = ﴿بإذن الله﴾ يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم [[انظر تفسير " الإذن " فيما سلف ١١: ٢١٥، تعليق: ٢. والمراجع هناك.]] = ﴿والله مع الصابرين﴾ ، لعدوهم وعدو الله، احتسابًا في صبره، وطلبًا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٦٩- حدثنا محمد بن بشار قال. حدثنا محمد بن محبب قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن عطاء في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل الواحد باثنين؛ لا ينبغي له أن يفرَّ منهما. [[الأثر: ١٦٢٦٩ - " محمد بن محبب بن إسحاق القرشي "، ثقة، مضى برقم: ٦٣٢٠.]]

١٦٢٧٠- حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: جعل على المسلمين على الرجل عشر من الكفار، فقال: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، فخفف ذلك عنهم، فجعل على الرجل رجلان. قال ابن عباس: فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك عنهم.

١٦٢٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفا، فخفف الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، قال: وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم. وإن كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم أن يقاتلوا، وجاز لهم أن يتحوّزوا عنهم. [[الأثر: ١٦٢٧١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر التالي رقم: ١٦٢٨٥، قدم الطبري وأخر في هذا الموضع، فاختلف ترتيب نقله من تفسير ابن إسحاق في سيرته.]]

١٦٢٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفرّ منهم. فكانوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فنسخ الأمر الأول =وقال مرة أخرى في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، فشق ذلك على المؤمنين، ورحمهم الله، فقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ ، فأمر الله الرجلَ من المؤمنين أن يقاتل رجلين من الكفار.

١٦٢٧٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ ، إلى قوله: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، وذلك أنه كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يؤشِّبهم =يعني: يغريهم [[" التأشيب " التحريش بين القوم بالشر، ومثله " التأشيب " بمعنى الإغراء بالعدو، انظر كما سلف في التعليق على رقم: ١٦٠٥٩، ج ١٣: ٥٣١، تعليق رقم: ٢، وكتب اللغة مقصرة في بيان معنى هذا الحرف من العربية.]] = بذلك، ليوطنوا أنفسهم على الغزو، وأن الله ناصرهم على العدو، ولم يكن أمرًا عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضًا ووصية أمر الله بها نبيه، ثم خفف عنهم فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، فجعل على كل رجلٍ رجلين بعد ذلك، تخفيفا، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا، ولو كان عليهم واجبًا كفّروا إذنْ كلَّ رجل من المسلمين [نكل] عمن لقي من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم. [[في المطبوعة: " ولو كان عليهم واجبًا الغزو إذا بعد كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار "، جاء بكلام لا معنى له. وكان في المخطوطة: " ولو كان عليهم واجبًا كفروا إذا كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار "، وصواب الجملة ما أثبت، ولكن الناسخ أسقط، والله أعلم، [نكل] التي وضعها بين القوسين. و " نكل عن عدوه "، نكص.]] فلا يغرنَّك قولُ رجالٍ! فإني قد سمعت رجالا يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدَّةَ أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧] ، وقال الله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٨٤] ، فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في "الأنفال"، فلا تعجزنَّ، قاتلْ، قد سقطت بين ظَهْرَيْ أناس كما شاء الله أن يكونوا. [[في المطبوعة: " فلا يعجزك قائل قد سقطت "، وهو بلا معنى، صوابه ما في المخطوطة كما أثبته، وهو فيها غير منقوط، وهذا صواب قراءة. وقوله: " فلا تعجزن "، يعني لا تقعد عن القتال عجزًا، ولكن قاتل، فإنك قد وقعت بين عدد من العدو، كما شاء الله أن يكون عددهم، قلوا أو كثروا.]]

١٦٢٧٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحصين، عن زيد، عن عكرمة والحسن قالا قال في "سورة الأنفال" = ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، ثم نسخ فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، إلى قوله: ﴿والله مع الصابرين﴾ .

١٦٢٧٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة، في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ ، قال: واحد من المسلمين وعشرة من المشركين. ثم خفف عنهم فجعل عليهم أن لا يفرَّ رجل من رجلين.

١٦٢٧٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ ، إلى قوله: ﴿وإن يكن منكم مئة﴾ ، قال: هذا لأصحاب محمد ﷺ يوم بدر، جعل على الرجل منهم عشرة من الكفار، [[في المطبوعة في الموضعين حذف " قتال "، لأنها في المخطوطة: " فقال "، وصواب قراءتها ما أثبت.]] فضجوا من ذلك، فجعل على الرجل قتال رجلين، تخفيفا من الله.

١٦٢٧٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، وأبي معبد عن ابن عباس قال: إنما أمر الرجل أن يصبر نفسه لعشرة، والعشرة لمئة إذ المسلمون قليل، فلما كثر المسلمون، خفف الله عنهم. فأمر الرجل أن يصبر لرجلين، والعشرة للعشرين، والمئة للمئتين.

١٦٢٧٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفروا غَلَبوا، ثم خفف الله عنهم وقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، فيقول: لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.

١٦٢٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، جعل الله على كل رجل رجلين، بعد ما كان على كل رجل عشرة = وهذا الحديث عن ابن عباس.

١٦٢٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخرِّيت، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان فُرِض على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين. قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا﴾ ، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله التخفيف، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين، قوله: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فخفف الله عنهم، ونُقِصوا من الصبر بقدر ذلك. [[في المطبوعة: " ونقصوا من الصبر "، زاد " واوًا "، وغير " النصر "، فأفسد الكلام. غفر الله له.]]

١٦٢٨١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، يقول: يقاتلوا مئتين، فكانوا أضعف من ذلك، فنسخها الله عنهم. فخفف فقال: ﴿فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فجعل أول مرة الرجل لعشرة، ثم جعل الرجل لاثنين.

١٦٢٨٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفرُّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ ، فيقول: لا ينبغي أن يفرّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.

١٦٢٨٣- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان هذا واجبًا أن لا يفر واحد من عشرة.

١٦٢٨٤- وبه قال: أخبرنا الثوري، عن الليث، عن عطاء، مثل ذلك.

* *

وأما قوله: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، فقد بينّا تأويله. [[انظر ما سلف ص: ٥١.]]

* *

وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-

١٦٢٨٥- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، أي لا يقاتلون على نِيَّةٍ ولا حقٍّ فيه، ولا معرفة بخير ولا شر. [[الأثر: ١٦٢٨٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٥٧، وقد أخره أبو جعفر عن موضعه إلى هذا الموضع، وقدم عليه الخبر رقم: ١٦٢٧١، وهو تال له في تفسير السورة في سيرة ابن هشام.

كان في المطبوعة. " ولا معرفة لخير "، وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الآية =أعني قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، = وإن كان مخرجها مخرج الخبر، فإن معناها الأمر. يدلّ على ذلك قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ، فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل. ولو كان ثبوت العشرة منهم للمئة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف، وكان ندبًا، لم يكن للتخفيف وجه، لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوتَ للعشرة من العدو. وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدِّمًا، لم يكن للترخيص وجه، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن حكم قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، ناسخ لحكم قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ . وقد بينا في كتابنا "البيان عن أصول الأحكام"، [[في المطبوعة: " كتاب لطيف البيان "، وأثبت ما في المخطوطة، والكتاب هو هو.]] أن كل خبرٍ من الله وعد فيه عباده على عملٍ ثوابًا وجزاء، وعلى تركه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكن خارجًا ظاهرُه مخرج الأمر، ففي معنى الأمر= بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ .

فقرأه بعض المدنيين وبعض البصريين: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا﴾ ، بضم "الضاد" في جميع القرآن، وتنوين "الضعف" على المصدر من: "ضَعُف الرجل ضُعْفًا".

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ، بفتح "الضاد"، على المصدر أيضًا من "ضَعُف".

* *

وقرأه بعض المدنيين: ﴿ضُعَفَاء﴾ ، على تقدير "فعلاء"، جمع "ضعيف" على "ضعفاء"، كما يجمع "الشريك"، "شركاء"، و"الرحيم"، "رحماء".

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) ، و ﴿ضُعْفًا﴾ ، بفتح الضاد أو ضمها، لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الصوابَ.

* *

فأما قراءة من قرأ ذلك: "ضعفاء"، فإنها عن قراءة القرأة شاذة، وإن كان لها في الصحة مخرج، فلا أحبُّ لقارئٍ القراءةَ بها.

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ ، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين [[انظر تفسير " التحريض " فيما سلف ٨: ٥٧٩.]] = ﴿إن يكن منكم عشرون﴾ رجلا= ﴿صابرون﴾ ، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم = ﴿يغلبوا مئتين﴾ ، من عدوهم ويقهروهم = ﴿وإن يكن منكم مئة﴾ ، عند ذلك ﴿يغلبوا﴾ ، منهم ﴿ألفا﴾ = ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم. [[انظر تفسير " فقه " فيما سلف ١٣: ٢٧٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ثم خفف تعالى ذكره عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم فقال لهم: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفًا = ﴿فإن يكن منكم مئة صابرة﴾ ، عند لقائهم للثبات لهم = ﴿يغلبوا مئتين﴾ منهم = ﴿وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ منهم = ﴿بإذن الله﴾ يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم [[انظر تفسير " الإذن " فيما سلف ١١: ٢١٥، تعليق: ٢. والمراجع هناك.]] = ﴿والله مع الصابرين﴾ ، لعدوهم وعدو الله، احتسابًا في صبره، وطلبًا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٦٩- حدثنا محمد بن بشار قال. حدثنا محمد بن محبب قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن عطاء في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان الواحد لعشرة، ثم جعل الواحد باثنين؛ لا ينبغي له أن يفرَّ منهما. [[الأثر: ١٦٢٦٩ - " محمد بن محبب بن إسحاق القرشي "، ثقة، مضى برقم: ٦٣٢٠.]]

١٦٢٧٠- حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: جعل على المسلمين على الرجل عشر من الكفار، فقال: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، فخفف ذلك عنهم، فجعل على الرجل رجلان. قال ابن عباس: فما أحب أن يعلم الناس تخفيف ذلك عنهم.

١٦٢٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال: قال محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين، ومئة ألفا، فخفف الله عنهم. فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، قال: وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم. وإن كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم أن يقاتلوا، وجاز لهم أن يتحوّزوا عنهم. [[الأثر: ١٦٢٧١ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر التالي رقم: ١٦٢٨٥، قدم الطبري وأخر في هذا الموضع، فاختلف ترتيب نقله من تفسير ابن إسحاق في سيرته.]]

١٦٢٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان لكل رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي له أن يفرّ منهم. فكانوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فعبأ لكل رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فنسخ الأمر الأول =وقال مرة أخرى في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، فأمر الله الرجل من المؤمنين أن يقاتل عشرة من الكفار، فشق ذلك على المؤمنين، ورحمهم الله، فقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ ، فأمر الله الرجلَ من المؤمنين أن يقاتل رجلين من الكفار.

١٦٢٧٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾ ، إلى قوله: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، وذلك أنه كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يؤشِّبهم =يعني: يغريهم [[" التأشيب " التحريش بين القوم بالشر، ومثله " التأشيب " بمعنى الإغراء بالعدو، انظر كما سلف في التعليق على رقم: ١٦٠٥٩، ج ١٣: ٥٣١، تعليق رقم: ٢، وكتب اللغة مقصرة في بيان معنى هذا الحرف من العربية.]] = بذلك، ليوطنوا أنفسهم على الغزو، وأن الله ناصرهم على العدو، ولم يكن أمرًا عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضًا ووصية أمر الله بها نبيه، ثم خفف عنهم فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، فجعل على كل رجلٍ رجلين بعد ذلك، تخفيفا، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا، ولو كان عليهم واجبًا كفّروا إذنْ كلَّ رجل من المسلمين [نكل] عمن لقي من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم. [[في المطبوعة: " ولو كان عليهم واجبًا الغزو إذا بعد كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار "، جاء بكلام لا معنى له. وكان في المخطوطة: " ولو كان عليهم واجبًا كفروا إذا كل رجل من المسلمين عمن لقي من الكفار "، وصواب الجملة ما أثبت، ولكن الناسخ أسقط، والله أعلم، [نكل] التي وضعها بين القوسين. و " نكل عن عدوه "، نكص.]] فلا يغرنَّك قولُ رجالٍ! فإني قد سمعت رجالا يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدَّةَ أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧] ، وقال الله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء: ٨٤] ، فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في "الأنفال"، فلا تعجزنَّ، قاتلْ، قد سقطت بين ظَهْرَيْ أناس كما شاء الله أن يكونوا. [[في المطبوعة: " فلا يعجزك قائل قد سقطت "، وهو بلا معنى، صوابه ما في المخطوطة كما أثبته، وهو فيها غير منقوط، وهذا صواب قراءة. وقوله: " فلا تعجزن "، يعني لا تقعد عن القتال عجزًا، ولكن قاتل، فإنك قد وقعت بين عدد من العدو، كما شاء الله أن يكون عددهم، قلوا أو كثروا.]]

١٦٢٧٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحصين، عن زيد، عن عكرمة والحسن قالا قال في "سورة الأنفال" = ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، ثم نسخ فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، إلى قوله: ﴿والله مع الصابرين﴾ .

١٦٢٧٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عكرمة، في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ ، قال: واحد من المسلمين وعشرة من المشركين. ثم خفف عنهم فجعل عليهم أن لا يفرَّ رجل من رجلين.

١٦٢٧٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ ، إلى قوله: ﴿وإن يكن منكم مئة﴾ ، قال: هذا لأصحاب محمد ﷺ يوم بدر، جعل على الرجل منهم عشرة من الكفار، [[في المطبوعة في الموضعين حذف " قتال "، لأنها في المخطوطة: " فقال "، وصواب قراءتها ما أثبت.]] فضجوا من ذلك، فجعل على الرجل قتال رجلين، تخفيفا من الله.

١٦٢٧٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، وأبي معبد عن ابن عباس قال: إنما أمر الرجل أن يصبر نفسه لعشرة، والعشرة لمئة إذ المسلمون قليل، فلما كثر المسلمون، خفف الله عنهم. فأمر الرجل أن يصبر لرجلين، والعشرة للعشرين، والمئة للمئتين.

١٦٢٧٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفروا غَلَبوا، ثم خفف الله عنهم وقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، فيقول: لا ينبغي أن يفر ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.

١٦٢٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين﴾ ، جعل الله على كل رجل رجلين، بعد ما كان على كل رجل عشرة = وهذا الحديث عن ابن عباس.

١٦٢٨٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخرِّيت، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان فُرِض على المؤمنين أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين. قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا﴾ ، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله التخفيف، فجعل على الرجل أن يقاتل الرجلين، قوله: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فخفف الله عنهم، ونُقِصوا من الصبر بقدر ذلك. [[في المطبوعة: " ونقصوا من الصبر "، زاد " واوًا "، وغير " النصر "، فأفسد الكلام. غفر الله له.]]

١٦٢٨١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، يقول: يقاتلوا مئتين، فكانوا أضعف من ذلك، فنسخها الله عنهم. فخفف فقال: ﴿فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين﴾ ، فجعل أول مرة الرجل لعشرة، ثم جعل الرجل لاثنين.

١٦٢٨٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، قال: كان فرض عليهم إذا لقي عشرون مئتين أن لا يفروا، فإنهم إن لم يفرُّوا غَلَبوا. ثم خفف الله عنهم فقال: ﴿إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله﴾ ، فيقول: لا ينبغي أن يفرّ ألف من ألفين، فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم.

١٦٢٨٣- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن جويبر، عن الضحاك قال: كان هذا واجبًا أن لا يفر واحد من عشرة.

١٦٢٨٤- وبه قال: أخبرنا الثوري، عن الليث، عن عطاء، مثل ذلك.

* *

وأما قوله: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، فقد بينّا تأويله. [[انظر ما سلف ص: ٥١.]]

* *

وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-

١٦٢٨٥- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، أي لا يقاتلون على نِيَّةٍ ولا حقٍّ فيه، ولا معرفة بخير ولا شر. [[الأثر: ١٦٢٨٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٥٧، وقد أخره أبو جعفر عن موضعه إلى هذا الموضع، وقدم عليه الخبر رقم: ١٦٢٧١، وهو تال له في تفسير السورة في سيرة ابن هشام.

كان في المطبوعة. " ولا معرفة لخير "، وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الآية =أعني قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ ، = وإن كان مخرجها مخرج الخبر، فإن معناها الأمر. يدلّ على ذلك قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ ، فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل. ولو كان ثبوت العشرة منهم للمئة من عدوهم كان غير فرض عليهم قبل التخفيف، وكان ندبًا، لم يكن للتخفيف وجه، لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوتَ للعشرة من العدو. وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدِّمًا، لم يكن للترخيص وجه، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن حكم قوله: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ ، ناسخ لحكم قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ . وقد بينا في كتابنا "البيان عن أصول الأحكام"، [[في المطبوعة: " كتاب لطيف البيان "، وأثبت ما في المخطوطة، والكتاب هو هو.]] أن كل خبرٍ من الله وعد فيه عباده على عملٍ ثوابًا وجزاء، وعلى تركه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكن خارجًا ظاهرُه مخرج الأمر، ففي معنى الأمر= بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وعلم أن فيكم ضعفًا﴾ .

فقرأه بعض المدنيين وبعض البصريين: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضُعْفًا﴾ ، بضم "الضاد" في جميع القرآن، وتنوين "الضعف" على المصدر من: "ضَعُف الرجل ضُعْفًا".

* *

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ ، بفتح "الضاد"، على المصدر أيضًا من "ضَعُف".

* *

وقرأه بعض المدنيين: ﴿ضُعَفَاء﴾ ، على تقدير "فعلاء"، جمع "ضعيف" على "ضعفاء"، كما يجمع "الشريك"، "شركاء"، و"الرحيم"، "رحماء".

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، قراءة من قرأه: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) ، و ﴿ضُعْفًا﴾ ، بفتح الضاد أو ضمها، لأنهما القراءتان المعروفتان، وهما لغتان مشهورتان في كلام العرب فصيحتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الصوابَ.

* *

فأما قراءة من قرأ ذلك: "ضعفاء"، فإنها عن قراءة القرأة شاذة، وإن كان لها في الصحة مخرج، فلا أحبُّ لقارئٍ القراءةَ بها.

القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان لنبي أن يحتبس كافرًا قدر عليه وصار في يده من عبدة الأوثان للفداء أو للمنّ.

* *

و"الأسر" في كلام العرب: الحبس، يقال منه: "مأسورٌ"، يراد به: محبوس. ومسموع منهم: "أبَاله الله أسْرًا". [[انظر تفسير " الأسير " فيما سلف ٢: ٣١١، ٣١٢.

وأما قوله: " أباله الله أسرا "، فإن " الأسر " " بضم الألف وسكون السين "، وهو احتباس البول، يقال: " أخذه الأسر ". وهذه الجملة كانت في المخطوطة: " أبي الله أسرًا "، وفي لسان العرب، كما في المطبوعة " أناله بالنون "، وفي أساس البلاغة: " وفي أدعيتهم: أبي لك الله أسرا ".

والذي في المخطوطة وأساس البلاغة يرجح صواب ما قرأته بالباء.]]

* *

وإنما قال الله جل ثناؤه [ذلك] لنبيه محمد ﷺ، يعرِّفه أن قتل المشركين الذين أسرهم ﷺ يوم بدر ثم فادى بهم، كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم.

* *

وقوله: ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ ، يقول: حتى يبالغ في قتل المشركين فيها، ويقهرهم غلبة وقسرًا.

* *

يقال منه: "أثخن فلان في هذا الأمر"، إذا بالغ فيه. وحكي: "أثخنته معرفةً"، بمعنى: قتلته معرفةً.

* *

= ﴿تريدون﴾ ، يقول للمؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿تريدون﴾ ، أيها المؤمنون، ﴿عرض الدنيا﴾ ، بأسركم المشركين =وهو ما عَرَض للمرء منها من مال ومتاع. [[انظر تفسير " العرض " فيما سلف ٩: ٧١ \ ١٣: ٢١١.]] يقول: تريدون بأخذكم الفداء من المشركين متاع الدنيا وطُعْمها = ﴿والله يريد الآخرة﴾ ، يقول: والله يريد لكم زينة الآخرة وما أعدّ للمؤمنين وأهل ولايته في جناته، بقتلكم إياهم وإثخانكم في الأرض. يقول لهم: فاطلبوا ما يريد الله لكم وله اعملوا، [[في المطبوعة والمخطوطة: " واطلبوا "، والسياق للفاء لا للواو.]] لا ما تدعوكم إليه أهواء أنفسكم من الرغبة في الدنيا وأسبابها = ﴿والله عزيز﴾ ، يقول: إن أنتم أردتم الآخرة، لم يغلبكم عدوّ لكم، لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب = وأنه ﴿حكيم﴾ [[انظر تفسير " عزيز " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز) ، (حكم) .]] في تدبيره أمرَ خلقه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٨٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ، [سورة محمد: ٤] ، فجعل الله النبيَّ والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم.

١٦٢٨٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا﴾ ، الآية، قال: أراد أصحاب نبيّ الله ﷺ يوم بدر الفداءَ، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. [[في المطبوعة حذف " أربعة آلاف "، الثانية، كأنها لم تعجبه، غفر الله له! ! .]] ولعمري ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذ! وكان أول قتال قاتله المشركين.

١٦٢٨٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد قال: "الإثخان"، القتل. [[الأثر: ١٦٢٨٨ - " حبيب بن أبي عمرة "، القصاب، أو: اللحام، " أبو عبد الله الحماني "، ثقة قليل الحديث سلف برقم: ١٠٢٢٤.]]

١٦٢٨٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، قال: إذا أسرتموهم فلا تفادوهم حتى تثخنوا فيهم القتلَ.

١٦٢٩٠- ... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ ، الآية، نزلت الرخصة بعدُ، إن شئت فمنّ، وإن شئت ففاد.

١٦٢٩١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، يعني: الذين أسروا ببدر.

١٦٢٩٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ ، من عدوه = ﴿حتى يثخن في الأرض﴾ ، أي: يثخن عدوه حتى ينفيهم من الأرض = ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ ، أي: المتاع والفداء بأخذ الرجال = ﴿والله يريد الآخرة﴾ ، بقتلهم، لظهور الدين الذي يريدون إطفاءه، الذي به تدرك الآخرة. [[الأثر: ١٦٢٩٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٢٧١. وفي لفظ سيرة ابن هشام بعض الاختلاف، وأشك في قوله هناك: " أي: قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره، والذي تدرك به الآخرة ".]]

١٦٢٩٣- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية قال، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، قال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم، [[كان في المطبوعة: " واستأن بهم "، وهو نص الخبر في مسند أحمد وغيره، من " الأناة ". يقال: " استأنى بالشيء "، ترفق به، وأخره وانتظر به، وتربص به. ونقل صاحب أساس البلاغة: " واستأنيت فلانًا ": لم أعجله، وأنشد لابن مقبل: وَقَوْمٌ بأَيدِيهِمْ رِمَاحُ رُدَينَةٍ ... شَوَارِعَ تَسْتأني دَمًا أو تسَلَّفُ

قال: " تنظره أو تتعجله ".

ورواية " واستأنهم " هذه هي الثابتة في تاريخ أبي جعفر، في رواية هذا الخبر.]] لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم! وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا. قال: فقال له العباس: قُطِعتْ رَحِمُك! قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عُمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إنّ الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوبَ رجال حتى تكون أشد من الحجارة! وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٦] ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ ، الآية [سورة المائدة: ١١٨] .

ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح: ٢٦] ، ومثلك كمثل موسى قال: [[في المطبوعة: " ومثلك يا بن أبي رواحة كمثل موسى "، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة، وهو اجتراء قبيح بلا علم، فإن الحديث ليس فيه هذه الزيادة، والقول فيه موجه إلى عمر، ولم يذكر فيه عن ابن رواحة مثل، كما في جميع المراجع، بل في بعضها: " وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ". فهذه زيادة لا تحل لأحد.

وإنما ترك رسول الله ﷺ ضرب مثل لعبد الله بن رواحة، والله أعلم، لما في مشورته من النكال الشديد، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه وتعالى، وأعاذنا من عذاب جهنم بفضله ورحمته ومنه على كل عاص من عباده.]] ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [سورة يونس: ٨٨] . قال رسول الله ﷺ: أنتم اليوم عالة، [[" العالة ": الفقراء ذوي الفاقة، جمع " عائل ". و " عال الرجل "، احتاج وافتقر.]] فلا ينفلتّنَ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام! فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتُني في يوم أخوفَ أن تقع عليَّ الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: إلا سهيل بن بيضاء. قال: فأنزل الله: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، إلى آخر الثلاث الآيات. [[الأثر: ١٦٢٩٣ - إسناده منقطع، لأن "أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود"، لم يسمع من أبيه.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده من هذه الطريق نفسها رقم: ٣٦٣٢ - ٣٦٣٤،

ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٢١، ٢٢، من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، وقال الذهبي: " صحيح، سمعه جرير بن عبد الحميد ".

ورواه الطبري في تاريخه ٢: ٢٥٩، بلفظه وإسناده.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٨٦، ٨٧، وفصل الكلام فيه، وقال: " رواه أحمد. . . ورواه الطبراني، وفيه أبو عبيدة، ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات ".

ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٨.

وأما قوله: " إلا سهيل بن بيضاء "، فهو خطأ من بعض الرواة، وإنما هو " سهل بن بيضاء " أخو " سهيل " لأبيه وأمه، قال ابن سعد: " أسلم بمكة وكتم إسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدرًا مع المشركين، فأسر يومئذ. فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلى عنه. والذي روى القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود، ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا مع رسول الله ﷺ مسلمًا، لا شك فيه. فخلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل "، ابن سعد ٤ \ ١ \ ١٥٦.]]

١٦٢٩٤- حدثنا ابن بشار قال، [حدثنا عمر بن يونس اليمامي] قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثنا أبو زميل قال، حدثني عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: أين أبو بكر وعمر وعلي؟ قال: ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام! فقال رسول الله ﷺ: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يا نبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيبٍ لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهويَ رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت. [[هذا الخبر عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه، كما سترى في التخريج.]] قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله ﷺ، فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أيّ شيء تبكي أنتَ وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت! فقال رسول الله ﷺ: أبكي للذي عرَض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرِض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة! لشجرة قريبة من رسول الله ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، إلى قوله: ﴿حلالا طيبا﴾ ، وأحلّ الله الغنيمة لهم. [[الأثر: ١٦٢٩٤ - " أبو زميل "، هو " سماك بن الوليد الحنفي "، سلف أخيرًا برقم: ١٥٧٣٤، ١٦٠٠، وسائر رجال الإسناد قد مضوا جميعًا.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: " حدثنا ابن بشار قال حدثنا عكرمة بن عمار "، وهو إسناد مختل، والظاهر أن الناسخ كتب " ابن بشار " في آخر الصفحة، كما هو في مخطوطتنا، ثم لما انتقل إلى أول الصفحة التالية كتب: " حدثنا عكرمة بن عمار "، فأسقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين، واستظهرته من رواية صدر هذا الخبر نفسه في الترمذي، في كتاب التفسير، حيث رواه مختصرًا، قال: " حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عمر بن يونس اليمامي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ".

وقد مضى مختصرًا كما في الترمذي، برقم: ١٥٧٣٤، وقد بينت تخريج الخبر هناك.

وهذا الخبر مطولا رواه أحمد في مسنده رقم: ٢٠٨، ٢٢١، من طريق أبي نوح قراد، عن عكرمة بن عمار.

ورواه مسلم في صحيحه مطولا ١٢: ٨٤ - ٨٧، من طريق هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن عكرمة، ثم من طريق زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفي (اليمامي) ، عن عكرمة.

ورواه أبو جعفر في التاريخ ٢: ٢٩٤، مطولا، من طريق أحمد بن منصور، عن عاصم بن علي، عن عكرمة.

ورواه الواحدي في أسباب النزول: ١٧٩.

وهو حديث صحيح، لا يعرف إلا من طريق عكرمة بن عمار، كما سلف.

وخرجه ابن كثير في تفسير ٤٥: ١٨، ١٩.]]

القول في تأويل قوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لأهل بدر الذين غنموا وأخذوا من الأسرى الفداء: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ، بأن الله مُحِلٌّ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يُضِلّ قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، [[انظر تفسير " كتاب" فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) .]] وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسولا الله ﷺ ناصرًا دينَ الله = لنالكم من الله، بأخذكم الغنيمة والفداء، عذاب عظيم. [[انظر تفسير " المس " فيما سلف ١٣: ٣٣٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٢٩٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية، قال: إن الله كان مُطْعِم هذه الأمة الغنيمةَ، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به. قال: فعاب الله ذلك عليهم، ثم أحله الله.

١٦٢٩٦- حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا بشر بن المفضل عن عوف، عن الحسن في قول الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية، وذلك يوم بدر، وأخذ أصحاب النبي ﷺ المغانمَ والأسارى قبل أن يؤمروا به، وكان الله تبارك وتعالى قد كتب في أم الكتاب: "المغانم والأسارى حلال لمحمد وأمته"، ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك، قال الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، يعني في الكتاب الأول. أن المغانم والأسارى حلال لكم = ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ .

١٦٢٩٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ الآية، وكانت الغنائم قبل أن يبعث النبي ﷺ في الأمم، إذا أصابوا مغنمًا جعلوه للقربان، وحرم الله عليهم أن يأكلوا منه قليلا أو كثيرًا. حُرِّم ذلك على كل نبي وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه، ولا يغلُّون منه، ولا يأخذون منه قليلا ولا كثيرًا إلا عذبهم الله عليه. وكان الله حرمه عليهم تحريمًا شديدًا، فلم يحله لنبيّ إلا لمحمد ﷺ. وكان قد سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر، في أخذ الفداء من الأسارى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ .

١٦٢٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عروة، عن الحسن: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ قال: إن الله كان مُعطِيَ هذه الأمة الغنيمةَ، وفعلوا الذي فعلوا قبل أن تُحَلّ الغنيمة.

١٦٢٩٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، قال الأعمش في قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، قال: سبق من الله أن أحل لهم الغنيمة.

١٦٣٠٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بشير بن ميمون قال: سمعت سعيدًا يحدث، عن أبي هريرة، قال: قرأ هذه الآية: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ، قال: يعني: لولا أنه سبق في علمي أني سأحلُّ الغنائم، لمسكم فيما أخذتم من الأسارى عذاب عظيم. [[الأثر: ١٦٣٠٠ - " بشير بن ميمون الخراساني الواسطي "، أبو صيفي، ضعيف، منكر الحديث، متهم بالوضع. وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث، وعامة روايته مناكير ". وأجمعوا على طرح حديثه، مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ١٠٥، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٣٧٩، وميزان الاعتدال ١: ١٥٣، ١٥٤.

و" سعيد " هو " سعيد بن أبي سعيد المقبري ".]]

١٦٣٠١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، وأبو معاوية بنحوه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما أحلت الغنائم لأحدٍ سُودِ الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نارٌ من السماء وتأكلها، حتى كان يوم بدر، فوقع الناس في الغنائم، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم﴾ ، حتى بلغ، ﴿حلالا طيبًا﴾ .

١٦٣٠٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه = قال: فلما كان يوم بدر أسرَع الناس في الغنائم. [[الأثران: ١٦٣٠١، ١٦٣٠٢ - حديث صحيح الإسناد، إلا ما كان من أمر " جابر بن نوح الحماني "، ليس حديثه بشيء، ضعيف، قال يحيى بن معين: " جابر بن نوح، إمام مسجد بني حمان، ولم يكن بثقة، كان ضعيفًا ". مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ٢١٠، وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٥٠٠، وميزان الاعتدال ١: ١٧٦، وأبو كريب رواه عن جابر، وعن أبي معاوية، فحديث أبي معاوية هو الصحيح.

وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق عبد بن حميد، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن الأعمش، وقال: " هذا حديث حسن صحيح ".

ورواه البيهقي في السنن ٦: ٢٩٠ من طريق محاضر، عن الأعمش، ومن طريق أبي معاوية، عن الأعمش.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٠٣، وزاد نسبته إلى النسائي، وابن أبي شيبة في المصنف، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]

١٦٣٠٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال: أسر المسلمون من المشركين سبعين وقتلوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتقوَّوْا به على عدوكم، وإن قبلتموه قتل منكم سبعون = أو تقتلوهم! فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، وقُتل منهم سبعون، قال عبيدة، وطلبوا الخيرتين كلتيهما. [[" الخيرة " (بكسر الخاء وسكون الياء، أو فتح الياء) ، هو ما يختار ويصطفى من الخير.]]

١٦٣٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن عبيدة قال: كان فداء أسارى بدر مئة أوقية، و"الأوقية" أربعون درهمًا، ومن الدنانير ستة دنانير. [[انظر تقدير " الأوقية " فيما سلف في الأثر رقم: ١٦٠٥٨.]]

١٦٣٠٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة: أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله ﷺ: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشْهِد منكم بعِدَّتهم! فقالوا: بلى، [[انظر مجيء " بلى " في غير جحد، فيما سلف في الأثر رقم: ٧٨١ ج ١: ٥٥٤ \ ثم ٢: ٢٨٠، ٥١٠ \ ١٠: ٩٨، تعليق: ٤ \ ثم ١٠: ٢٥٣، تعليق: ٣ \ ثم ١٢: ١٧٤، تعليق: ٣.]] نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعِدَّتهم.

١٦٣٠٦- حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا همام بن يحيى قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: أمر عمر رحمه الله عنه بقتل الأسارى، فأنزل الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذت عذاب عظيم﴾ . [[الأثر: ١٦٣٠٦ - " همام بن يحيى بن دينار الأزدي "، ثقة، مضى برقم: ١٠١٩٠، ١١٧٢٥.

وهذا خبر صحيح إسناده.]]

١٦٣٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، قال: كان المغنم محرَّمًا على كل نبي وأمته، وكانوا إذا غنموا يجعلون المغنم لله قربانًا تأكله النار. وكان سبق في قضاء الله وعلمه أن يحلّ المغنم لهذه الأمة، يأكلون في بطونهم.

١٦٣٠٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء في قول الله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم﴾ ، قال: كان في علم الله أن تحلّ لهم الغنائم، فقال: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، بأنه أحل لكم الغنائم = ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ .

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم، لمسهم عذاب عظيم.

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، قال: لأهل بدر، من السعادة.

١٦٣١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، لأهل بدر مَشْهدَهم.

١٦٣١١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، قال: سبق من الله خيرٌ لأهل بدر.

١٦٣١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ، كان سبق لهم من الله خير، وأحلّ لهم الغنائم.

١٦٣١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، قال: ﴿سبق﴾ ، أن لا يعذب أحدًا من أهل بدر.

١٦٣١٤- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، لأهل بدر، ومشهدَهم إياه.

١٦٣١٥- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم يوم بدر قبل أن أحلها لكم. فقال: سبق من الله العفو عنهم والرحمة لهم، سبق أنه لا يعذب المؤمنين، لأنه لا يعذب رَسوله ومن آمن به وهاجر معه ونصره.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، أن لا يؤاخذ أحدًا بفعل أتاه على جهالة = ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ .

ذكر من قال ذلك:

١٦٣١٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، لأهل بدر ومشهدَهم إياه، قال: كتاب سبق لقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [سورة التوبة: ١١٥] ، سبق ذلك، وسبق أن لا يؤاخذ قومًا فعلوا شيئًا بجهالة = ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾ ، قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿فيما أخذتم﴾ ، مما أسرتم. ثم قال بعد: ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ .

١٦٣١٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: عاتبه في الأسارى وأخذ الغنائم، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنمًا من عدوٍّ له. [[الأثر: ١٦٣١٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣١، وهو سابق الأثر السالف رقم: ١٦٢٩٢ في ترتيب السيرة.]]

١٦٣١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي = قال محمد [[قوله: " محمد "، يعني محمد بن إسحاق، لا " محمد بن علي ".]] فقال: ﴿ما كان لنبي﴾ ، أي: قبلك = ﴿أن يكون له أسرى﴾ إلى قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم﴾ ، أي: من الأسارى والمغانم = ﴿عذاب عظيم﴾ ، أي: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب إلا بعد النهي، ولم أكن نهيتكم، لعذبتكم فيما صنعتم. ثم أحلها له ولهم رحمةً ونعمةً وعائدةً من الرحمن الرحيم. [[الأثر: ١٦٣١٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، وصدره تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣١٧، وسابق للأثر رقم: ١٦٢٩٢، ثم روى صدرًا من الأثر رقم: ١٦٢٩٢، وأتبعه بما يليه في السيرة.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، ما قد بيناه قبلُ. وذلك أن قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، خبر عامٌّ غير محصور على معنى دون معنى، وكل هذه المعاني التي ذكرتها عمن ذكرت، مما قد سبق في كتاب الله أنه لا يؤاخذ بشيء منها هذه الأمة، وذلك: ما عملوا من عمل بجهالة، وإحلال الغنيمة، والمغفرة لأهل بدر، وكل ذلك مما كتب لهم. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يخصّ من ذلك معنى دون معنى، وقد عم الله الخبر بكل ذلك، بغير دلالة توجب صحة القول بخصوصه.

١٦٣١٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نُصِر إلا أحبَّ الغنائم، إلا عمر بن الخطاب، جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يُعبد الله! فقال رسول الله ﷺ: "لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك! قال الله: لا تعودوا تستحلون قبل أن أحلّ لكم.

١٦٣٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما نزلت: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ ، الآية، قال رسول الله ﷺ: "لو نزل عذابٌ من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبي الله، كان الإثخان في القتل أحبّ إلي من استبقاء الرجال. [[الأثر: ١٦٣٢٠ - لم أجد هذا الخبر في سيرة ابن هشام، فيما أقدر.]]

القول في تأويل قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أهل بدر: ﴿فكلوا﴾ ، أيها المؤمنون = ﴿مما غنمتم﴾ ، من أموال المشركين = ﴿حلالا﴾ ، بإحلاله لكم = ﴿طيبا واتقوا الله﴾ ، يقول: وخافوا الله أن تعودوا، أن تفعلوا في دينكم شيئا بعد هذه من قبل أن يُعْهَد فيه إليكم، كما فعلتم في أخذ الفداء وأكل الغنيمة، وأخذتموهما من قبل أن يحلا لكم = ﴿إن الله غفور رحيم﴾ . [[انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، وتأويل الكلام: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ ، ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ، ﴿واتقوا الله﴾ .

* *

ويعني بقوله: ﴿إن الله غفور﴾ ، لذنوب أهل الإيمان من عباده = ﴿رحيم﴾ ، بهم، أن يعاقبهم بعد توبتهم منها.

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا أيها النبي، قل لمن في يديك وفي يدي أصحابك من أسرى المشركين الذين أخذ منهم من الفداء ما أخذ: ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرا﴾ ، يقول: إن يعلم الله في قلوبكم إسلامًا = ﴿يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم﴾ ، من الفداء = ﴿ويغفر لكم﴾ ، يقول: ويصفح لكم عن عقوبة جُرْمكم الذي اجترمتموه بقتالكم نبي الله وأصحابه وكفركم بالله = ﴿والله غفور﴾ ، لذنوب عباده إذا تابوا = ﴿رحيم﴾ ، بهم، أن يعاقبهم عليها بعد التوبة. [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وذكر أن العباس بن عبد المطلب كان يقول: فيّ نزلت هذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ ، فأخبرت النبي ﷺ بإسلامي، وسألته أن يحاسبني بالعشرين الأوقية التي أخذ مني فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي في يديه. [[الأثر: ١٦٣٢١ - في المطبوعة: " أبي إسحاق "، والصواب من المخطوطة، وانظر التعليق التالي.]]

* *

وقد:-

١٦٣٢٢- حدثنا بهذا الحديث ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد، حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: فيّ والله نزلت، حين ذكرتُ لرسول الله ﷺ إسلامي = ثم ذكر نحو حديث ابن وكيع. [[الأثر: ١٦٣٢٢ - هذا الخبر والذي قبله، ذكرهما الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٨، مطولا، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع ".

وظاهر أنه يعني إسنادًا غير هذين الإسنادين، فإن الأول لم يصرح فيه السماع، والثاني فيه " الكلبي ".

وذكره الواحدي في أسباب النزول، عن الكلبي، مطولا: ١٨٠، ١٨١.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: " جابر بن عبد الله بن رباب "، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.]]

١٦٣٢٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ الآية، قال: ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ لما قدم عليه مالُ البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ شاكيًا ولا حرم سائلا وما صلى يومئذ حتى فرّقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ويحتثي، فأخذ. قال: وكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.

١٦٣٢٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ الآية، وكان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين نزلت هذه الآية: لقد أعطاني الله خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا: أني أسرت يوم بدر ففديت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله.

١٦٣٢٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ إلى قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾ ، يعني بذلك: من أسر يوم بدر. يقول: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لرسولي، آتيتكم خيرًا مما أخذ منكم، وغفرت لكم.

١٦٣٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني. عن ابن عباس: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ ، عباس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ: آمنا بما جئت به، ونشهد إنك لرسول الله، لننصحن لك على قومنا. فنزل: ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم﴾ ، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أصيب منكم = ﴿ويغفر لكم﴾ ، الشرك الذي كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم﴾ فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مئة ضعف، وقال: ﴿ويغفر لكم﴾ ، وأرجو أن يكون قد غُفِر لي.

١٦٣٢٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ الآية، يعني العباسَ وأصحابه، أسروا يوم بدر. يقول الله: إن عملتم بطاعتي ونصحتم لي ولرسولي، أعطيتكم خيرًا مما أخذ منكم وغفرت لكم. وكان العباس بن عبد المطلب يقول: لقد أعطانا الله خصلتين، ما شيء هو أفضل منهما: عشرين عبدًا. وأما الثانية: فنحن في موعود الصادق ننتظر المغفرة من الله سبحانه.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم = ﴿خيانتك﴾ ، أي الغدر بك والمكرَ والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلافَ ما في نفوسهم [[انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ ، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين [[انظر تفسير " أمكن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ \ ١٢: ٣١٥.]] = ﴿والله عليم﴾ ، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ ، يعني: العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا"، يقول: إن كان قولهم خيانة = ﴿فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ ، يقول: قد كفروا وقاتلوك، فأمكنك الله منهم.

١٦٣٢٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله ﷺ، ثم عمد فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال: "ما كان محمد يكتب إلا ما شئت! " فلما سمع ذلك رجل من الأنصار، نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح، أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومِقْيَس بن صُبابة، [[في المطبوعة: " بن ضبابة "، وهو خطأ محض.]] وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبيّ ﷺ كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيعه = أو: أخاه من الرضاعة = فقال: يا رسول الله، هذا فلان أقبل تائبًا نادمًا! فأعرض نبي الله ﷺ. فلما سمع به الأنصاريّ أقبل متقلدًا سيفه، فأطاف به، [[يقال: " طاف بالقوم، وأطاف بهم "، إذا استدار، وجاء من نواحيهم وهو يحوم حولهم.]] وجعل ينظر إلى رسول الله ﷺ رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ قدّم يده فبايعه، فقال: أما والله لقد تلوَّمتك فيه لتوفي نذرك! [[" تلوم في الأمر " و " تلوم به "، انتظر وتلبث وتأنى، وتعدية مثل هذا الفعل من صريح العربية.]] فقال: يا نبيّ الله إنيّ هِبْتك، فلولا أوْمضت إليّ! [[" أومض إليه "، أشار إشارة خفية، من " إيماض البرق "، إذا لمع لمعًا خفيًا، ثم يخفى.]] فقال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن يومض. [[الأثر: ١٦٣٢٩ - انظر مسند أحمد ٣: ١٥١، حديث أنس، بغير هذا اللفظ.]]

١٦٣٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ ، يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله = "وهاجروا"، يعني: هجروا قومهم وعشيرتهم ودورهم، يعني: تركوهم وخرجوا عنهم، وهجرهم قومهم وعشيرتهم [[انظر تفسير " المهاجرة " فيما سلف ٤: ٣١٧، ٣١٨ \ ٧: ٤٩٠ \ ٩: ١٠٠، ١٢٢.]] = ﴿وجاهدوا في سبيل الله﴾ ، يقول: بالغوا في إتعاب نفوسهم وإنصَابها في حرب أعداء الله من الكفار [[انظر تفسير " المجاهدة " فيما سلف ٤: ٣١٨ \ ١٠: ٢٩٢، ٤٢٣.]] = ﴿في سبيل الله﴾ ، يقول: في دين الله الذي جعله طريقا إلى رحمته والنجاة من عذابه [[انظر تفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿والذين آووا ونصروا﴾ ، يقول: والذين آووا رسول الله والمهاجرين معه، يعني: أنهم جعلوا لهم مأوًى يأوون إليه، وهو المثوى والمسكن، يقول: أسكنوهم، وجعلوا لهم من منازلهم مساكنَ إذ أخرجهم قومهم من منازلهم [[انظر تفسير " آوى "، و " المأوى " فيما سلف ١٣: ٤٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ونصروا﴾ ، يقول: ونصروهم على أعدائهم وأعداء الله من المشركين = ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ ، يقول: هاتان الفرقتان، يعني المهاجرين والأنصار، بعضهم أنصار بعض، وأعوان على من سواهم من المشركين، وأيديهم واحدة على من كفر بالله، وبعضهم إخوان لبعض دون أقربائهم الكفار. [[انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]]

* *

وقد قيل: إنما عنى بذلك أن بعضهم أولى بميراث بعض، وأن الله ورَّث بعضهم من بعض بالهجرة والنصرة، دون القرابة والأرحام، وأن الله نسخ ذلك بعدُ بقوله: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، [سورة الأنفال: ٧٥ \ وسورة الأحزاب: ٦] .

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ ، يعني: في الميراث، جعل الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ، يقول: ما لكم من ميراثهم من شيء، وكانوا يعملون بذلك حتى أنزل الله هذه الآية: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥ \ وسورة الأحزاب: ٦] ، في الميراث، فنسخت التي قلبها، وصار الميراث لذوي الأرحام.

١٦٣٣٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ ، يقول: لا هجرة بعد الفتح، إنما هو الشهادة بعد ذلك = ﴿والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ ، إلى قوله: ﴿حتى يهاجروا﴾ . وذلك أن المؤمنين كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاث منازل: منهم المؤمن المهاجر المباين لقومه في الهجرة، خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعَقارهم وأموالهم = و ﴿آووا ونصروا﴾ ، [[في المطبوعة: " وفي قوله: آووا ونصروا ". زاد ما ليس في المطبوعة.]] وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة، وشهروا السيوف على من كذّب وجحد، فهذان مؤمنان، جعل الله بعضهم أولياء بعض، فكانوا يتوارثون بينهم، إذا توفي المؤمن المهاجر ورثه الأنصاري بالولاية في الدين. وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث من أجل أنه لم يهاجر ولم ينصر. فبرَّأ الله المؤمنين المهاجرين من ميراثهم، وهي الولاية التي قال الله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ . وكان حقا على المؤمنين الذين آووا ونصروا إذا استنصروهم في الدين أن ينصروهم إن قاتلوا، إلا أن يستنصروا على قوم بينهم وبين النبي ﷺ ميثاق، فلا نصر لهم عليهم، إلا على العدوِّ الذين لا ميثاق لهم. ثم أنزل الله بعد ذلك أن ألحقْ كل ذي رحم برحمه من المؤمنين الذين هاجروا والذين آمنوا ولم يهاجروا. فجعل لكل إنسان من المؤمنين نصيبًا مفروضًا بقوله: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: ٧٥] ، وبقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: ٧١] .

١٦٣٣٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الثلاث الآيات خواتيم الأنفال، فيهن ذكر ما كان والىَ رسول الله ﷺ بين مهاجري المسلمين وبين الأنصار في الميراث. ثم نسخ ذلك آخرها: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

١٦٣٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا﴾ ، إلى قوله: ﴿بما تعملون بصير﴾ ، قال: بلغنا أنها كانت في الميراث، لا يتوارث المؤمنون الذين هاجروا، والمؤمنون الذين لم يهاجروا. قال: ثم نزل بعد: (وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فتوارثوا ولم يهاجروا = قال ابن جريج، قال مجاهد: خواتيم "الأنفال" الثلاث الآيات، فيهن ذكر ما كان واليَ رسول الله ﷺ بين المهاجرين المسلمين وبين الأنصار في الميراث، ثم نسخ ذلك آخرها: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ .

١٦٣٣٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا﴾ ، إلى قوله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ ، قال: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئًا، فنسخ ذلك بعد ذلك، فألحق الله [[في المطبوعة: " قول الله "، مكان " فألحق الله "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب.]] ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ ، [سورة الأحزاب: ٦] ، أي: من أهل الشرك، فأجيزت الوصية، [[في المخطوطة: " حرت الوصية "، هكذا غير منقوط، وكأن الصواب ما في المطبوعة.

ولو قرئت: " خيرت الوصية " (بالبناء للمجهول) ، لكان وجها.]] ولا ميراث لهم، وصارت المواريث بالملل، والمسلمون يرث بعضهم بعضًا من المهاجرين والمؤمنين، ولا يرث أهل ملتين.

١٦٣٣٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾ ، إلى قوله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ ، كان الأعرابي لا يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر، فنسخها فقال: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

١٦٣٣٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعهم أولياء بعض﴾ ، في الميراث = ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا﴾ ، وهؤلاء الأعراب = ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ ، في الميراث = ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يقول: بأنهم مسلمون = ﴿فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ، في الميراث = ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ ، ثم نسختها الفرائض والمواريث، = "وأولوا الأرحام". الذين توارثوا على الهجرة = ﴿بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ، فتوارث الأعرابُ والمهاجرون. [[كانت هذه الجملة في المطبوعة: " فأولئك منكم، والذين توارثوا على الهجرة في كتاب الله، ثم نسختها الفرائض والمواريث، فتوارث الأعراب والمهاجرون " قدم وأخر فيما كان في المخطوطة، وهو: " فأولئك منكم، ثم نسختها الفرائض والمواريث " الذي توارثوا على الهجرة في كتاب الله، فتوارث الأعراب والمهاجرون. واستظهرت الصواب.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: ﴿والذين آمنوا﴾ . الذين صدقوا بالله ورسوله = ﴿ولم يهاجروا﴾ . قومهم الكفار، ولم يفارقوا دارَ الكفر إلى دار الإسلام = ﴿ما لكم﴾ ، أيها المؤمنون بالله ورسوله. المهاجرون قومَهم المشركين وأرضَ الحرب [[انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص ٧٧، تعليق:، والمراجع هناك.]] = ﴿من ولايتهم﴾ ، يعني: من نصرتهم وميراثهم.

* *

وقد ذكرت قول بعض من قال: "معنى الولاية، ههنا الميراث"، وسأذكر إن شاء الله من حضرني ذكره بعدُ.

* *

= ﴿من شيء حتى يهاجروا﴾ ، قومَهم ودورَهم من دار الحرب إلى دار الإسلام = ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ ، يقول: إن استنصركم هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا = ﴿في الدين﴾ ، يعني: بأنهم من أهل دينكم على أعدائكم وأعدائهم من المشركين، "فعليكم"، أيها المؤمنون من المهاجرين والأنصار، ﴿النصر﴾ = ﴿إلا﴾ أن يستنصروكم = ﴿على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ ، يعني: عهد قد وثَّق به بعضكم على بعض أن لا يحاربه [[انظر تفسير " الميثاق " فيما سلف ١٣، ٣١٥، تعليق: والمراجع هناك.]] = ﴿والله بما تعملون بصير﴾ ، يقول: والله بما تعملون فيما أمركم ونهاكم من ولاية بعضكم بعضًا، أيها المهاجرون والأنصار، وترك ولاية من آمن ولم يهاجر ونصرتكم إياهم عند استنصاركم في الدين، وغير ذلك من فرائض الله التي فرضها عليكم = ﴿بصير﴾ ، يراه ويبصره، فلا يخفى عليه من ذلك ولا من غيره شيء. [[انظر تفسير " بصير " فيما سلف من فهارس اللغة (بصر) .]]

١٦٣٣٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ ، قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وآخى النبي ﷺ بينهم، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة. وكان الرجل يسلم ولا يهاجر، لا يرث أخاه، فنسخ ذلك قوله: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٦] .

١٦٣٣٩- حدثنا محمد قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن النبي ﷺ أخذ على رجل دخل في الإسلام فقال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت حرب. [[يعني بذلك: أن يبعد منزله عن منزل المشرك " حتى لا يرى ناره " نهى منه ﷺ عن جوار لمشرك.]]

١٦٣٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ ، يعني: إن استنصركم الأعراب المسلمون، أيها المهاجرون والأنصار، على عدوهم، فعليكم أن تنصروهم، إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق.

١٦٣٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ترك النبي ﷺ الناسَ يوم تُوفي على أربع منازل: مؤمن مهاجر، والأنصار، وأعرابي مؤمن لم يهاجر؛ إن استنصره النبي ﷺ نصره، وإن تركه فهو إذْنُه، [[في المطبوعة: " فهو إذن له " ثبت ما في المخطوطة.]] وإن استنصر النبي ﷺ في الدين كان حقًّا عليه أن ينصره، فذلك قوله: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾ = والرابعة: التابعون بإحسان.

١٦٣٤٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا﴾ ، إلى آخر السورة، قال: إن رسول الله ﷺ توفي وترك الناس على أربع منازل [[في المطبوعة: " قال رسول الله " وذلك أن كاتب المخطوطة وصل لام "قال" بألف "إن"، ووصل ألف "إن" بنونها.]] مؤمن مهاجر. ومسلم أعرابي، والذين آووا ونصروا، والتابعون بإحسان.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿والذين كفروا﴾ ، بالله ورسوله = ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ ، يقول: بعضهم أعوان بعض وأنصاره، وأحق به من المؤمنين بالله ورسوله. [[انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي)]]

* *

وقد ذكرنا قول من قال: "عنى بذلك أن بعضهم أحق بميراث بعض من قرابتهم من المؤمنين"، [[في المطبوعة: " عنى بيان أن بعضهم "، وهو سياق فاسد. وفي المخطوطة: " عنى بيان بعضهم "، غير منقوط، مضطرب أيضا فاسد. والصواب ما أثبت.]] وسنذكر بقية من حضرنا ذكره.

١٦٣٤٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك قال، قال رجل: نورّث أرحامنا من المشركين! فنزلت: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ، الآية.

١٦٣٤٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، نزلت في مواريث مشركي أهل العهد.

١٦٣٤٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾ ، إلى قوله: ﴿وفساد كبير﴾ ، قال: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي ليس بمهاجر، لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين. قال: وذلك لأن هذا الدين كان بهذا البلد قليلا حتى كان يوم الفتح، فلما كان يوم الفتح، وانقطعت الهجرة توارثوا حيثما كانوا بالأرحام. وقال النبي ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح"، وقرأ: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ .

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: إن الكفار بعضهم أنصار بعض = وإنه لا يكون مؤمنًا من كان مقيمًا بدار الحرب لم يهاجر. [[في المطبوعة: " ولم " بزيادة الواو.]]

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٤٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ، قال: كان ينزل الرجل بين المسلمين والمشركين، فيقول: إن ظهر هؤلاء كنت معهم، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم! فأبى الله عليهم ذلك، وأنزل الله في ذلك، فلا تراءى نار مسلم ونار مشرك، [[قوله: " لا تراءى نار مسلم ومشرك "، أسند الترائي إلى النار، كناية عن الجوار، وانظر التعليق السالف ص: ٨٣، رقم: ١.]] إلا صاحب جزية مُقِرّ بالخراج.

١٦٣٤٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حض الله المؤمنين على التواصل، فجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض. [[الأثر: ١٦٣٤٧ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣١٨.]]

* *

وأما قوله: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: إلا تفعلوا، أيها المؤمنون، ما أمرتم به من موارثة المهاجرين منكم بعضهم من بعض بالهجرة، والأنصار بالإيمان، دون أقربائهم من أعراب المسلمين ودون الكفار = ﴿تكن فتنة﴾ ، يقول: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ١٣: ٥٣٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿وفساد كبير﴾ ، يعني: ومعاصٍ لله. [[انظر تفسير " الفساد " فيما سلف ١٣: ٣٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٤٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، إلا تفعلوا هذا، تتركوهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون = ﴿تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ . قال: ولم يكن رسول الله ﷺ يقبل الإيمان إلا بالهجرة، ولا يجعلونهم منهم إلا بالهجرة. [[في المخطوطة: " ولا يجعلونهم مقيم "، والصواب ما في المطبوعة.]]

١٦٣٤٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ، يعني في الميراث = ﴿إلا تفعلوه﴾ ، يقول: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به = ﴿تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ،

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا تَناصروا، أيها المؤمنون، في الدين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: جعل المهاجرين والأنصار أهلَ ولاية في الدين دون من سواهم، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض، ثم قال: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، إلا يوالِ المؤمن المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به = ﴿تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، أي: شبهة في الحق والباطل، وظهور الفساد في الأرض، بتولّي المؤمن الكافرَ دون المؤمن. [[كان في المطبوعة بعد قوله " فساد كبير " ما نصه: " إن يتول المؤمن الكافر دون المؤمن، ثم رد المواريث إلى الأرحام "، ومثلها في المخطوطة إلا أنه كتب " إن يتولى ". وهو كلام مضطرب، سببه أن " المؤمن " ذكر في الكلام مرات، فأسقط ما بين " المؤمن " في قوله " إلا يوال المؤمن المؤمن "، إلى قوله بعد: " بتولي المؤمن الكافر "، فاضطراب الكلام، وسقته على الصواب من سيرة ابن هشام.]] ثم رد المواريث إلى الأرحام. [[الأثر: ١٦٣٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٢، ٣٣٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣٤٧، وفيه جزء منه.]]

١٦٣٥١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، قال: إلا تعاونوا وتناصروا في الدين = ﴿تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل قوله: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ ، قول من قال: معناه: أن بعضهم أنصار بعض دون المؤمنين، وأنه دلالة على تحريم الله على المؤمن المقامَ في دار الحرب وترك الهجرة، لأن المعروف في كلام العرب من معنى "الوليّ"، أنه النصير والمعين، أو: ابن العم والنسيب. [[انظر تفسير " الولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] فأما الوارث فغير معروف ذلك من معانيه، إلا بمعنى أنه يليه في القيام بإرثه من بعده. وذلك معنى بعيد، وإن كان قد يحتمله الكلام. وتوجيه معنى كلام الله إلى الأظهر الأشهر، أولى من توجيهه إلى خلاف ذلك.

وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن أولى التأويلين بقوله: ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ ، تأويلُ من قال: إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض = إذْ كان مبتدأ الآية من قوله: ﴿إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ . بالحث على الموالاة على الدين والتناصر جاء، فكذلك [[في المطبوعة والمخطوطة " وكذلك " بالواو، والفاء حق السياق.]] الواجب أن يكون خاتمتها به.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا﴾ ، آوَوْا رسول الله ﷺ والمهاجرين معه ونصروهم، ونصروا دين الله، أولئك هم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًّا، لا من آمن ولم يهاجر دارَ الشرك، وأقام بين أظهر أهل الشرك، ولم يغزُ مع المسلمين عدوهم [[انظر تفسير " هاجر " و " جاهد "، و " آوى " فيما سلف قريبا ص ٧٧، تعليق: ١ - ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿لهم مغفرة﴾ ، يقول: لهم ستر من الله على ذنوبهم، بعفوه لهم عنها [[انظر تفسير " المغفرة " فيما سلف من فهارس اللغة " غفر ".]] = ﴿ورزق كريم﴾ ، يقول: لهم في الجنة مطعم ومشرب هنيٌّ كريم، [[انظر تفسير " رزق كريم " فيما سلف وكان في المطبوعة هنا " طعم ومشرب "، والصواب من المخطوطة.]] لا يتغير في أجوافهم فيصير نجْوًا، [[" النجو "، ما يخرج من البطن.]] ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك [[روى مسلم وأبو داود من حديث جابر: قال رسول الله ﷺ: " إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأكُلُونَ فِيهَا ويَشْرَبُونَ، وَلا يَتْفُلُونَ وَلا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ. قِيلَ: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قال: جُشاء ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْك، يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمُونَ النَّفَس "

(صحيح مسلم ١٧: ١٧٣) .]]

* *

وهذه الآية تنبئ عن صحة ما قلنا: أن معنى قول الله: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ ، إنما هو النصرة والمعونة، دون الميراث. لأنه جل ثناؤه عقّب ذلك بالثناء على المهاجرين والأنصار والخبر عما لهم عنده، دون من لم يهاجر بقوله: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا) ، الآية، ولو كان مرادًا بالآيات قبل ذلك، الدلالةُ على حكم ميراثهم، لم يكن عَقِيبَ ذلك إلا الحثّ على إمضاء الميراث على ما أمر. [[في المطبوعة: " إلا الحث على مضى "، وفي المخطوطة: "على أمضى"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] وفي صحة ذلك كذلك، الدليلُ الواضح على أن لا ناسخ في هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "والذين آمنوا"، بالله ورسوله، من بعد تبياني ما بيَّنت من ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، وانقطاع ولايتهم ممن آمن ولم يهاجر حتى يهاجر = ﴿وهاجروا﴾ ، دارَ الكفر إلى دار الإسلام = ﴿وجاهدوا معكم﴾ ، أيها المؤمنون = ﴿فأولئك منكم﴾ ، في الولاية، يجب عليكم لهم من الحق والنصرة في الدين والموارثة، مثل الذي يجب لكم عليهم، ولبعضكم على بعض، [[انظر تفسير " هاجر "، و " جاهد " فيما سلف ص: ٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٦٣٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم ردّ المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم، إلى الأرحام التي بينهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: " ثم المواريث إلى الأرحام التي بينهم "، أسقط من الكلام تمام الكلام الذي أثبته من سيرة ابن هشام، وسبب ذلك كما فعل في رقم: ١٦٣٥٠، هو ذكر " الأرحام " مرتين، فاختلط عليه بصره فنقل ما نقل.]] فقال: ﴿والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ، أي: بالميراث [[في المطبوعة: " أي: في الميراث "، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة والسيرة.]] = ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ . [[الأثر: ١٦٣٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٣٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣٥٠.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والمتناسبون بالأرحام = ﴿بعضهم أولى ببعض﴾ ، في الميراث، إذا كانوا ممن قسم الله له منه نصيبًا وحظًّا، من الحليف والولي = ﴿في كتاب الله﴾ ، يقول: في حكم الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ والسابق من القضاء [[انظر تفسير " كتاب " فيما سلف ص: ٦٤، تعليق ١، والمراجع هناك.]] = ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ ، يقول: إن الله عالم بما يصلح عباده، في توريثه بعضهم من بعض في القرابة والنسب، دون الحلف بالعقد، وبغير ذلك من الأمور كلها، لا يخفى عليه شيء منها. [[انظر تفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٦٣٥٣- حدثنا أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، حدثنا أبي، قال، حدثنا قتادة أنه قال: كان لا يرث الأعرابيُّ المهاجرَ، حتى أنزل الله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ .

١٦٣٥٤- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، عن عيسى بن الحارث: أن أخاه شريح بن الحارث كانت له سُرِّيَّة، فولدت منه جارية، فلما شبت الجارية زُوِّجت، فولدت غلامًا، ثم ماتت السرِّية، واختصم شريح بن الحارث والغلام إلى شريح القاضي في ميراثها، فجعل شريح بن الحارث يقول: ليس له ميراث في كتاب الله! قال: فقضى شريح بالميراث للغلام. قال: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ ، فركب ميسرة بن يزيد إلى ابن الزبير، فأخبره بقضاء شريح وقوله، فكتب ابن الزبير إلى شريح: "إن ميسرة أخبرني أنك قضيت بكذا وكذا"، وقلت: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أؤلى ببعض في كتاب الله﴾ ، وإنه ليس كذلك، إنما نزلت هذه الآية: أنّ الرجل كان يعاقد الرجل يقول: "ترثني وأرثك"، فنزلت: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ . فجاء بالكتاب إلى شريح، فقال شريح: أعتقها حيتان بطنها! [[في المطبوعة: " جنين "، غير ما في المخطوطة. وفي أخبار القضاة لوكيع " جنان بطنها "، والذي هنا، وفي أخبار القضاة، مشكل، فأثبته حتى أعرف صوابه، أو يعرفه غيري.]] وأبى أن يرجع عن قضائه. [[الأثر: ١٦٣٥٤، ١٦٣٥٥ - رواه وكيع في أخبار القضاة ٢: ٣٢٠، ٣٢١، من طريق عمرو بن بشر، عن حسن بن عيسى، عن عبد الله، عن ابن عون، بنحوه.]]

١٦٣٥٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال، حدثني عيسى بن الحارث قال: كانت لشريح بن الحارث سُرِّية، فذكر نحوه = إلا إنه قال في حديثه: كان الرجل يعاقد الرجل يقول: "ترثني وأرثك"، فلما نزلت تُرِك ذلك. [[الأثر: ١٦٣٥٤، ١٦٣٥٥ - رواه وكيع في أخبار القضاة ٢: ٣٢٠، ٣٢١، من طريق عمرو بن بشر، عن حسن بن عيسى، عن عبد الله، عن ابن عون، بنحوه.]]

آخر تفسير "سورة الأنفال"

والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com