Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah At-Tawba
Tafsir al-Tabari · The Repentance · 129 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، هذه براءة من الله ورسوله.
فـ "براءة"، مرفوعة بمحذوف، وهو "هذه"، كما قوله: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ ، [سورة النور: ١] ، مرفوعة بمحذوف هو "هذه". ولو قال قائل: "براءة" مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: ﴿إلى الذين عاهدتم﴾ ، وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: ﴿من الله ورسوله﴾ ، كالمعرفة، وصار معنى الكلام: البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين [[في المطبوعة والمخطوطة: " براءة " مكان " البراءة "، والسياق يقتضي ما أثبت إن شاء الله.]] = كان مذهبًا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجبَ إليّ، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكلِّ معاين نكرةً كان أو معرفةً ذلك المعاين، "هذا" و"هذه"، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسنَ: "حسن والله"، والقبيحَ: "قبيح والله"، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول.
وقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم﴾ ، والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين، لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله ﷺ، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله ﷺ أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقودَ النبي ﷺ على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلِّمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: ﴿إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، لما كان من عقد رسول الله ﷺ وعهده.
* *
وقد اختلف أهل التأويل فيمن بَرِئَ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين، فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر.
فقال بعضهم: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله ﷺ أقلَّ من أربعة أشهر، وأمْهِل بالسياحة أربعة أشهر = والآخر منهما: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقُصِر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسَرُ، إلا أن يتوب.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٥٦- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرًا على الحاجّ من سنة تسع، ليقيم للناس حجهم، والناسُ من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت "سورة براءة" في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحد جاءه، وأن لا يُخَاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك. وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب خصائصَ إلى أجل مسمًّى، [[" خصائص " يعني لأنها لهم خاصة دون غيرهم.]] فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، أي: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب = ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، إلى قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ، أي: بعد هذه الحجة. [[الأثر: ١٦٣٥٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٨.]]
* *
وقال آخرون: بل كان إمهالُ الله عز وجل بسياحة أربعة أشهر، مَنْ كان من المشركين بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فأما من لم يكن له من رسول الله عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة، وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرم كله. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك، لأن أجَل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، الآية [سورة التوبة: ٥] . قالوا: والنداء ببراءة، كان يوم الحج الأكبر، وذلك يوم النحر في قول قوم، وفي قول آخرين يوم عرفة، وذلك خمسون يوما. قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة، فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ من يوم نزلت "براءة". قالوا: ونزلت في أول شوّال، فكان انقضاء مدة أجلهم، انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدًا = أعني الذي له العهد، والذي لا عهد له = غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر، والذي لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٥٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
١٦٣٥٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿براءة من الله﴾ ، إلى: ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾ ، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت "براءة"، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل "براءة"، انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرم = ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ إلى قوله: ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ ، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر.
١٦٣٥٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ . قبل أن تنزل "براءة"، عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت: براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين، فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاؤوا من الأرض آمنين. وأجَّل من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ عهد انسلاخَ الأشهر الحرم، من يوم أذِّن ببراءة، وأذن بها يوم النحر، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله ﷺ عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعةٌ من يوم النحر، أن يضع فيهم السيف أيضًا، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلة من يوم النحر، ومدة من كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشر يخلُون من شهر ربيع الآخر.
١٦٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، إلى قوله: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ ، قال: ذكر لنا أن عليًّا نادى بالأذان، وأُمِّر على الحاجّ أبو بكر رحمة الله عليهما. وكان العامَ الذي حج فيه المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام = قوله: ﴿الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، إلى قوله: ﴿إلى مدتهم﴾ ، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوفِّي بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له انسلاخَ المحرّم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
* *
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، قال: لما نزلت هذه الآية. برئ من عهد كل مشرك، ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد، وأجرى لكلّ مدتهم = ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، لمن دخل عهده فيها، من عشر ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر.
١٦٣٦٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من "براءة"، فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم "براءة" يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان.
١٦٣٦٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. كان ذلك عهدَهم الذي بينهم.
١٦٣٦٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، إلى أهل العهد: خزاعة، ومُدْلج، ومن كان له عهد منهم أو غيرهم. [[في المخطوطة: " ومن كان له أو غيرهم "، والذي في المطبوعة: " ومن كان له عهد من غيرهم "، وصححتها كما ترى.]] أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحجَّ، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عُرَاةً، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.
١٦٣٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، قال: أهل العهد: مدلج، والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ منها وأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله، وآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ، ولم يَسِحْ أحد. وقال: حين رجع من الطائف، مضى من فوره ذلك، فغزا تبوك، بعد إذ جاء إلى المدينة.
* *
وقال آخرون ممن قال: "ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدًا". كان ابتداؤه يوم نزلت "براءة"، وانقضاء الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، قال: نزلت في شوال، فهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
* *
وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ الله الأشهرَ الأربعة المشركين في السياحة، لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد مدته أقل من أربعة أشهر. أما من كان له عهد مدته أكثر من أربعة أشهر، فإنه أمر ﷺ أن يُتمّ له عهده إلى مدته.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الكلبي: إنما كان الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون الأربعة الأشهر، فأتم له الأربعة. ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده، وقال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٤] .
* *
قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: الأجلُ الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله ﷺ، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٤]
فإن ظنّ ظانٌّ أن قول الله تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٥] ، يدلُّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم، [[في المطبوعة: " ينبئ عن أن. . . "، وقد سلف مرارا أن استعمل أبو جعفر " على " مع " ينبئ "، فأثبتها كما في المخطوطة، وهي جائزة لتضمنها معنى " يدل ".]] قتْلَ كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، [[في المطبوعة: " تنبئ عن صحة "، وأثبت ما في المخطوطة.]] وفسادِ ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك، كان له عهد من رسول الله ﷺ، أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٧] ، فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم، ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.
وبعدُ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ: أنه حين بعث عليًّا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته"، أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه ﷺ بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجل عهده محدودًا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا فإن رسول الله ﷺ كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.
١٦٣٦٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن مغيرة، عن الشعبي قال، حدثني محرّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رحمة الله عليه، حين بعثه النبي ﷺ ينادي. فكان إذا صَحِل صوته ناديتُ، [[" صحل صوته "، هو البحح. وله معنى آخر شبيه به في حديث أم معبد، في صفة رسول الله، بأبي هو وأمي، ﷺ قالت: " وفي صوته صحل "، (بفتحتين) ، وهو مثل البحة في الصوت. فلا يكون حادا رفيعا.]] قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطُفْ بالكعبة عُريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. [[الأثر: ١٦٣٦٨ - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد، وسيأتي تخريجه فيما بعد. " قيس "، هو: " قيس بن الربيع الأسدي "، لينه أحمد وغيره، وقد سلف مرارا آخرها رقم: ١٢٨٠٢. و"مغيرة" هو: "مغيرة بن مقسم الضبي"، ثقة، روى له الجماعة. سلف مرارا، آخرها رقم: ١١٣٤٠. و " محرر بن أبي هريرة "، تابعي ثقة، قليل الحديث، سلف برقم: ٢٨٦٣. وهذا خبر ضعيف إسناده، لضعف " قيس بن الربيع ".]]
١٦٣٦٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عفان قال، حدثنا قيس بن الربيع قال، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: أخبرنا المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه، فذكر نحوه = إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى أجله. [[الأثر: ١٦٣٦٩ - هذا الإسناد الثاني من حديث المحرر بن أبي هريرة. " عفان "، هو: " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار "، روى له الجماعة، كان يروي عن قيس بن الربيع، ويقع فيه. مضت ترجمته برقم: ٥٣٩٢. و " الشيباني " هو " أبو إسحاق الشيباني "، " سليمان بن أبي سليمان "، الإمام، مضى مرارا، من آخرها رقم: ١٢٤٨٩. وعلة إسناده ضعف " قيس بن الربيع ". ولكن رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق شعبة، عن سليمان الشيباني، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق التالي.]]
* *
قال أبو جعفر: وقد حدث بهذا الحديث شعبة، فخالف قيسًا في الأجل.
١٦٣٧٠- فحدثني يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي. فقلت: بأي شيء كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا حلّ الأجل فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطُفْ بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك. [[الأثر: ١٦٣٧٠ - هذا هو الإسناد الثالث: " عثمان بن عمر بن فارس العبدي "، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارا. منها رقم: ٥٤٥٨، وغيره. وهذا الخبر من طريق شعبة، عن المغيرة، رواه أحمد في مسنده رقم: ٧٩٦٤، ورواه النسائي في سننه ٥: ٢٣٤. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق أخرى، عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن سليمان الشيباني وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق السالف. واستوفى الكلام فيه ابن كثير في تفسيره ٤: ١١١، وفي التاريخ ٥: ٣٨، وقال في التاريخ: " وهذا إسناد جيد، ولكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح: أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر. ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر. بقى قسم ثالث، وهو: من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل. ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية ". وانظر شرح الخبر في مسند أحمد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل، لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيس شعبة في نفس هذا الحديث على ما بينته.
١٦٣٧١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي رحمة الله عليه قال: أمرت بأربع: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطف رجل بالبيت عريانًا، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، وأن يتمّ إلى كل ذي عهد عهده. [[الأثر: ١٦٣٧١ - " الحارث الأعور "، هو " الحارث بن عبد الله الهمداني "، ضعيف جدا، سلف مرارا، انظر رقم: ١٧٤. فإسناده ضعيف. وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٦٣٧٤.]]
١٦٣٧٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت "براءة"، فبعث بها رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم أرسل عليًّا فأخذها منه. فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي. فانطلق إلى مكة، [[قوله: " فانطلق "، يعني عليا رحمه الله.]] فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطف بالكعبة عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدته. [[الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.]]
١٦٣٧٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني النبي ﷺ حين أنزلت: "براءة" بأربع: أن لا يطف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. [[الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.]]
١٦٣٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رحمة الله عليه، قال: بعثت إلى أهل مكة بأربع، ثم ذكر الحديث. [[الأثر: ١٦٣٧٤ - انظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٣٧١.]]
١٦٣٧٥- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا حسين بن محمد قال، حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة، ثم أتبعه عليًّا، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: "لا أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو عليّ! وكان الذي بعث به عليًّا أربعا: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مُدَّته. [[الأثر: ١٦٣٧٥ - " حسين بن محمد المروزي "، روى له الجماعة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٥٣٣٨. و"سليمان بن قرم بن معاذ التيمي"، ثقة، غمزوه بالغلو في التشيع. مضى برقم: ٩١٦٣. و " الحكم " هو " الحكم بن عتيبة "، مضى مرارا. وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق أخرى، من طريق عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن الحكم بن عتيبة، بنحوه، وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ابن عباس ".]]
١٦٣٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر قال: بعث النبي ﷺ عليًّا رحمة الله عليه، فنادى: ألا لا يحجنَّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله.
١٦٣٧٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رحمة الله عليه ليقيم الحج للناس؛ قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر! فقال: لا يؤدِّي عني إلا رجل من أهل بيتي! ثم دعا علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر "براءة"، وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته. فخرج علي بن أبي طالب رحمة الله عليه على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق. فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم مضيا رحمة الله عليهما، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ، فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله ﷺ. وكان هذا من "براءة"، فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العامّ، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. [[الأثر: ١٦٣٧٧ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٠، ١٩١. " حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري "، ثقة، تكلموا فيه، حتى قال ابن سعد: " كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه "، مضى برقم: ١١٧٤١.]]
١٦٣٧٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية، بعث بهن رسول الله ﷺ مع أبي بكر وأمَّره على الحج. فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعليّ فأخذها منه. فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا يبلِّغ عني غيري، أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى، يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحاجّ، وعلي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب! فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضًا وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا.
١٦٣٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: أمرت بأربع: أن لا يقربَ البيتَ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده = قال معمر: وقاله قتادة. [[الأثر: ١٦٣٧٩ - انظر التعليق على الأثرين رقم: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣.]]
* *
قال أبو جعفر: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله ﷺ وللمؤمنين لنَقْضِه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا فإن رسول الله ﷺ قد وَفَى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دلّ ظاهرُ التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول ﷺ.
وأما الأشهر الأربعة، فإنها كانت أجلَ من ذكرنا. وكان ابتداؤها يوم الحج الأكبر، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جُعِل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم، فيها، السياحةُ في الأرض، يذهبون حيث شاؤوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحرب ولا قتل ولا سلب.
* *
فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٥] . وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرّم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين يوم الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثرُه، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟
قيل: إن انسلاخَ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله ﷺ، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خِيف خيانته، فاستحقّ النبذ إليه على سواء، غير أنه جُعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر. ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ ، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال: ﴿وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ الآية = ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ الآية؟ ثم قال: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد. إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين، وإدخال النقص فيه عليهم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر، دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول "براءة"، وذلك غير جائز أن يكون صحيحًا، لأن المجعول له أجلُ السياحة إلى وقت محدود. إذا لم يعلم ما جُعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك، لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جُعل له وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جُعل له من الأجل. ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جُعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم. وإذا كان ذلك كذلك. صحَّ أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا.
وأما قوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله ﷺ وأتباعه.
* *
يقال منه: "ساح فلان في الأرض يسيح، سياحة. وسُيُوحًا. وسَيَحانًا.
* *
وأما قوله: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ ، فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ قبل نزول هذه الآية: اعلموا، أيها المشركون، أنكم إن سحتم في الأرض، واخترتم ذلك مع كفركم بالله. على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله = ﴿غير معجزي الله﴾ ، يقول: غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل. [[انظر تفسير " الإعجاز" فيما سلف ١٢: ١٢٨ / ١٣: ٣١.]] إلا الإيمان به وبرسوله. والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.
وأما قوله: ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾ ، يقول: واعلموا أن الله مُذلُّ الكافرين، ومُورثهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة. [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف ١٠: ٣١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، هذه براءة من الله ورسوله.
فـ "براءة"، مرفوعة بمحذوف، وهو "هذه"، كما قوله: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ ، [سورة النور: ١] ، مرفوعة بمحذوف هو "هذه". ولو قال قائل: "براءة" مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله: ﴿إلى الذين عاهدتم﴾ ، وجعلها كالمعرفة ترفع ما بعدها، إذ كانت قد صارت بصلتها وهي قوله: ﴿من الله ورسوله﴾ ، كالمعرفة، وصار معنى الكلام: البراءة من الله ورسوله، إلى الذين عاهدتم من المشركين [[في المطبوعة والمخطوطة: " براءة " مكان " البراءة "، والسياق يقتضي ما أثبت إن شاء الله.]] = كان مذهبًا غير مدفوعة صحته، وإن كان القول الأول أعجبَ إليّ، لأن من شأن العرب أن يضمروا لكلِّ معاين نكرةً كان أو معرفةً ذلك المعاين، "هذا" و"هذه"، فيقولون عند معاينتهم الشيء الحسنَ: "حسن والله"، والقبيحَ: "قبيح والله"، يريدون: هذا حسن والله، وهذا قبيح والله، فلذلك اخترت القول الأول.
وقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم﴾ ، والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله ﷺ من المشركين، لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله ﷺ، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله ﷺ أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقودَ النبي ﷺ على أمته كانت عقودهم، لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلِّمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: ﴿إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، لما كان من عقد رسول الله ﷺ وعهده.
* *
وقد اختلف أهل التأويل فيمن بَرِئَ الله ورسوله إليه من العهد الذي كان بينه وبين رسول الله من المشركين، فأذن له في السياحة في الأرض أربعة أشهر.
فقال بعضهم: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة العهد بينه وبين رسول الله ﷺ أقلَّ من أربعة أشهر، وأمْهِل بالسياحة أربعة أشهر = والآخر منهما: كانت مدة عهده بغير أجل محدود، فقُصِر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيثما أدرك ويؤسَرُ، إلا أن يتوب.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٥٦- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق رضى الله عنه أميرًا على الحاجّ من سنة تسع، ليقيم للناس حجهم، والناسُ من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر ومن معه من المسلمين، ونزلت "سورة براءة" في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يُصَدَّ عن البيت أحد جاءه، وأن لا يُخَاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدًا عامًّا بينه وبين الناس من أهل الشرك. وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله ﷺ وبين قبائل من العرب خصائصَ إلى أجل مسمًّى، [[" خصائص " يعني لأنها لهم خاصة دون غيرهم.]] فنزلت فيه وفيمن تخلف عنه من المنافقين في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سُمِّي لنا، ومنهم من لم يُسَمَّ لنا، فقال: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، أي: لأهل العهد العام من أهل الشرك من العرب = ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، إلى قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ، أي: بعد هذه الحجة. [[الأثر: ١٦٣٥٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٨.]]
* *
وقال آخرون: بل كان إمهالُ الله عز وجل بسياحة أربعة أشهر، مَنْ كان من المشركين بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، فأما من لم يكن له من رسول الله عهد، فإنما كان أجله خمسين ليلة، وذلك عشرون من ذي الحجة والمحرم كله. قالوا: وإنما كان ذلك كذلك، لأن أجَل الذين لا عهد لهم كان إلى انسلاخ الأشهر الحرم، كما قال الله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، الآية [سورة التوبة: ٥] . قالوا: والنداء ببراءة، كان يوم الحج الأكبر، وذلك يوم النحر في قول قوم، وفي قول آخرين يوم عرفة، وذلك خمسون يوما. قالوا: وأما تأجيل الأشهر الأربعة، فإنما كان لأهل العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ من يوم نزلت "براءة". قالوا: ونزلت في أول شوّال، فكان انقضاء مدة أجلهم، انسلاخ الأشهر الحرم. وقد كان بعض من يقول هذه المقالة يقول: ابتداء التأجيل كان للفريقين واحدًا = أعني الذي له العهد، والذي لا عهد له = غير أن أجل الذي كان له عهد كان أربعة أشهر، والذي لا عهد له انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٥٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، قال: حدّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر، يسيحون فيها حيثما شاؤوا، وحدّ أجل من ليس له عهد، انسلاخَ الأشهر الحرم من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، فذلك خمسون ليلة. فإذا انسلخ الأشهر الحرم، أمره بأن يضع السيف فيمن عاهد.
١٦٣٥٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿براءة من الله﴾ ، إلى: ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾ ، يقول: براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت "براءة"، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل "براءة"، انسلاخ الأشهر الحرم، وانسلاخ الأشهر الحرم من يوم أذن ببراءة إلى انسلاخ المحرّم، وهي خمسون ليلة: عشرون من ذي الحجة، وثلاثون من المحرم = ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ إلى قوله: ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ ، يقول: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة منذ نزلت "براءة" وانسلخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة"، أربعة أشهر من يوم أذّن ببراءة، إلى عشر من أول ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر.
١٦٣٥٩- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ . قبل أن تنزل "براءة"، عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت: براءة من الله إلى كل أحد ممن كان عاهدك من المشركين، فإني أنقض العهد الذي بينك وبينهم، فأؤجلهم أربعة أشهر يسيحون حيث شاؤوا من الأرض آمنين. وأجَّل من لم يكن بينه وبين النبي ﷺ عهد انسلاخَ الأشهر الحرم، من يوم أذِّن ببراءة، وأذن بها يوم النحر، فكان عشرين من ذي الحجة والمحرم ثلاثين، فذلك خمسون ليلة. فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبين نبي الله ﷺ عهد، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعةٌ من يوم النحر، أن يضع فيهم السيف أيضًا، يقتلهم حتى يدخلوا في الإسلام. فكانت مدة من لا عهد بينه وبين رسول الله ﷺ خمسين ليلة من يوم النحر، ومدة من كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد، أربعة أشهر: من يوم النحر، إلى عشر يخلُون من شهر ربيع الآخر.
١٦٣٦٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، إلى قوله: ﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾ ، قال: ذكر لنا أن عليًّا نادى بالأذان، وأُمِّر على الحاجّ أبو بكر رحمة الله عليهما. وكان العامَ الذي حج فيه المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد ذلك العام = قوله: ﴿الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، إلى قوله: ﴿إلى مدتهم﴾ ، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمنَ الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، وأمر الله نبيه أن يوفِّي بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له انسلاخَ المحرّم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولا يقبل منهم إلا ذلك.
* *
وقال آخرون: كان ابتداء تأخير المشركين أربعة أشهر وانقضاء ذلك لجميعهم، وقتًا واحدًا. قالوا: وكان ابتداؤه يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه انقضاء عشر من ربيع الآخر.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، قال: لما نزلت هذه الآية. برئ من عهد كل مشرك، ولم يعاهد بعدها إلا من كان عاهد، وأجرى لكلّ مدتهم = ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، لمن دخل عهده فيها، من عشر ذي الحجة والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر.
١٦٣٦٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر قال، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، بثلاثين أو أربعين آية من "براءة"، فقرأها على الناس، يؤجِّل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأ عليهم "براءة" يوم عرفة، أجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم، وقال: لا يحجنّ بعد عامنا هذا مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان.
١٦٣٦٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. كان ذلك عهدَهم الذي بينهم.
١٦٣٦٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ ، إلى أهل العهد: خزاعة، ومُدْلج، ومن كان له عهد منهم أو غيرهم. [[في المخطوطة: " ومن كان له أو غيرهم "، والذي في المطبوعة: " ومن كان له عهد من غيرهم "، وصححتها كما ترى.]] أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحجَّ، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عُرَاةً، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالمواسم كلها، فآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلها بالقتال إلا أن يؤمنوا.
١٦٣٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، قال: أهل العهد: مدلج، والعرب الذين عاهدهم، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ منها وأراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليًّا رحمة الله عليهما، فطافا بالناس بذي المجاز، وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها، وبالموسم كله، وآذنوا أصحابَ العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر، فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر، ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ، ولم يَسِحْ أحد. وقال: حين رجع من الطائف، مضى من فوره ذلك، فغزا تبوك، بعد إذ جاء إلى المدينة.
* *
وقال آخرون ممن قال: "ابتداء الأجل لجميع المشركين وانقضاؤه كان واحدًا". كان ابتداؤه يوم نزلت "براءة"، وانقضاء الأشهر الحرم، وذلك انقضاء المحرم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، قال: نزلت في شوال، فهذه الأربعة الأشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
* *
وقال آخرون: إنما كان تأجيلُ الله الأشهرَ الأربعة المشركين في السياحة، لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد مدته أقل من أربعة أشهر. أما من كان له عهد مدته أكثر من أربعة أشهر، فإنه أمر ﷺ أن يُتمّ له عهده إلى مدته.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٦٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الكلبي: إنما كان الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون الأربعة الأشهر، فأتم له الأربعة. ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر أن يتم له عهده، وقال: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٤] .
* *
قال أبو جعفر رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: الأجلُ الذي جعله الله لأهل العهد من المشركين، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول الله ﷺ، ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه، فإن الله جل ثناؤه أمر نبيه ﷺ بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٤]
فإن ظنّ ظانٌّ أن قول الله تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٥] ، يدلُّ على خلاف ما قلنا في ذلك، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم، [[في المطبوعة: " ينبئ عن أن. . . "، وقد سلف مرارا أن استعمل أبو جعفر " على " مع " ينبئ "، فأثبتها كما في المخطوطة، وهي جائزة لتضمنها معنى " يدل ".]] قتْلَ كل مشرك، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا، [[في المطبوعة: " تنبئ عن صحة "، وأثبت ما في المخطوطة.]] وفسادِ ما ظنه من ظنّ أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك، كان له عهد من رسول الله ﷺ، أو لم يكن له منه عهد، وذلك قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٧] ، فهؤلاء مشركون، وقد أمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم، ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.
وبعدُ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ: أنه حين بعث عليًّا رحمة الله عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: "ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته"، أوضحُ الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن الله لم يأمر نبيه ﷺ بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض عهده قبل التأجيل، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجل عهده محدودًا، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا فإن رسول الله ﷺ كان بإتمام عهده إلى غاية أجله مأمورًا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب.
١٦٣٦٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن مغيرة، عن الشعبي قال، حدثني محرّر بن أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: كنت مع علي رحمة الله عليه، حين بعثه النبي ﷺ ينادي. فكان إذا صَحِل صوته ناديتُ، [[" صحل صوته "، هو البحح. وله معنى آخر شبيه به في حديث أم معبد، في صفة رسول الله، بأبي هو وأمي، ﷺ قالت: " وفي صوته صحل "، (بفتحتين) ، وهو مثل البحة في الصوت. فلا يكون حادا رفيعا.]] قلت: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع: لا يطُفْ بالكعبة عُريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك. [[الأثر: ١٦٣٦٨ - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد، وسيأتي تخريجه فيما بعد. " قيس "، هو: " قيس بن الربيع الأسدي "، لينه أحمد وغيره، وقد سلف مرارا آخرها رقم: ١٢٨٠٢. و"مغيرة" هو: "مغيرة بن مقسم الضبي"، ثقة، روى له الجماعة. سلف مرارا، آخرها رقم: ١١٣٤٠. و " محرر بن أبي هريرة "، تابعي ثقة، قليل الحديث، سلف برقم: ٢٨٦٣. وهذا خبر ضعيف إسناده، لضعف " قيس بن الربيع ".]]
١٦٣٦٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عفان قال، حدثنا قيس بن الربيع قال، حدثنا الشيباني، عن الشعبي قال: أخبرنا المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي رضي الله عنه، فذكر نحوه = إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى أجله. [[الأثر: ١٦٣٦٩ - هذا الإسناد الثاني من حديث المحرر بن أبي هريرة. " عفان "، هو: " عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار "، روى له الجماعة، كان يروي عن قيس بن الربيع، ويقع فيه. مضت ترجمته برقم: ٥٣٩٢. و " الشيباني " هو " أبو إسحاق الشيباني "، " سليمان بن أبي سليمان "، الإمام، مضى مرارا، من آخرها رقم: ١٢٤٨٩. وعلة إسناده ضعف " قيس بن الربيع ". ولكن رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق شعبة، عن سليمان الشيباني، وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق التالي.]]
* *
قال أبو جعفر: وقد حدث بهذا الحديث شعبة، فخالف قيسًا في الأجل.
١٦٣٧٠- فحدثني يعقوب بن إبراهيم ومحمد بن المثنى قالا حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي. فقلت: بأي شيء كنت تنادي؟ قال: أمرنا أن ننادي: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا حلّ الأجل فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يطُفْ بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك. [[الأثر: ١٦٣٧٠ - هذا هو الإسناد الثالث: " عثمان بن عمر بن فارس العبدي "، ثقة روى له الجماعة، مضى مرارا. منها رقم: ٥٤٥٨، وغيره. وهذا الخبر من طريق شعبة، عن المغيرة، رواه أحمد في مسنده رقم: ٧٩٦٤، ورواه النسائي في سننه ٥: ٢٣٤. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق أخرى، عن النضر بن شميل، عن شعبة، عن سليمان الشيباني وقال: " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي. انظر التعليق السالف. واستوفى الكلام فيه ابن كثير في تفسيره ٤: ١١١، وفي التاريخ ٥: ٣٨، وقال في التاريخ: " وهذا إسناد جيد، ولكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد فأجله إلى أربعة أشهر. وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح: أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر. ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر. بقى قسم ثالث، وهو: من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، وهذا يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل. ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة أشهر، لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية ". وانظر شرح الخبر في مسند أحمد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأخشى أن يكون هذا الخبر وهمًا من ناقله في الأجل، لأن الأخبار متظاهرة في الأجل بخلافه، مع خلاف قيس شعبة في نفس هذا الحديث على ما بينته.
١٦٣٧١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي رحمة الله عليه قال: أمرت بأربع: أمرت أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطف رجل بالبيت عريانًا، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مسلمة، وأن يتمّ إلى كل ذي عهد عهده. [[الأثر: ١٦٣٧١ - " الحارث الأعور "، هو " الحارث بن عبد الله الهمداني "، ضعيف جدا، سلف مرارا، انظر رقم: ١٧٤. فإسناده ضعيف. وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٦٣٧٤.]]
١٦٣٧٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع قال: نزلت "براءة"، فبعث بها رسول الله ﷺ أبا بكر، ثم أرسل عليًّا فأخذها منه. فلما رجع أبو بكر قال: هل نزل فيَّ شيء؟ قال: لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي. فانطلق إلى مكة، [[قوله: " فانطلق "، يعني عليا رحمه الله.]] فقام فيهم بأربع: أن لا يدخل مكة مشرك بعد عامه هذا، ولا يطف بالكعبة عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله عهدٌ فعهده إلى مدته. [[الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.]]
١٦٣٧٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: بعثني النبي ﷺ حين أنزلت: "براءة" بأربع: أن لا يطف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. [[الأثران: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣ - حديث زيد بن يثيع، سيرويه من ثلاث طرق، هذا، والذي يليه، ثم رقم: ١٦٣٧٩. و " زيد بن يثيع "، أو " أثيع " بالتصغير فيهما، تابعي ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٥٧٣٧. وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ٥٩٤، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق السبيعي، وإسناده صحيح. ورواه الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية الطواف عريانا، وقال: " وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث على حسن ". ويعني بحديث أبي هريرة ما سلف رقم: ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠. ثم رواه أيضا في كتاب التفسير وقال: " هذا حديث حسن صحيح ". وروى أحمد في مسند أبي بكر رقم: ٤، نحو هذا الحديث مطولا، من حديث زيد بن يثيع، عن أبي بكر.]]
١٦٣٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رحمة الله عليه، قال: بعثت إلى أهل مكة بأربع، ثم ذكر الحديث. [[الأثر: ١٦٣٧٤ - انظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٣٧١.]]
١٦٣٧٥- حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا حسين بن محمد قال، حدثنا سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة، ثم أتبعه عليًّا، فأخذها منه، فقال أبو بكر: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: "لا أنت صاحبي في الغار وعلى الحوض، ولا يؤدِّي عني إلا أنا أو عليّ! وكان الذي بعث به عليًّا أربعا: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مُدَّته. [[الأثر: ١٦٣٧٥ - " حسين بن محمد المروزي "، روى له الجماعة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٥٣٣٨. و"سليمان بن قرم بن معاذ التيمي"، ثقة، غمزوه بالغلو في التشيع. مضى برقم: ٩١٦٣. و " الحكم " هو " الحكم بن عتيبة "، مضى مرارا. وهذا الخبر رواه الترمذي في كتاب التفسير، من طريق أخرى، من طريق عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن الحكم بن عتيبة، بنحوه، وقال: " هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، من حديث ابن عباس ".]]
١٦٣٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن عامر قال: بعث النبي ﷺ عليًّا رحمة الله عليه، فنادى: ألا لا يحجنَّ بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله.
١٦٣٧٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين بن علي قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ، وقد كان بعث أبا بكر الصديق رحمة الله عليه ليقيم الحج للناس؛ قيل له: يا رسول الله، لو بعثت إلى أبي بكر! فقال: لا يؤدِّي عني إلا رجل من أهل بيتي! ثم دعا علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فقال: اخرج بهذه القصة من صدر "براءة"، وأذِّن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنًى: أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدته. فخرج علي بن أبي طالب رحمة الله عليه على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق بالطريق. فلما رآه أبو بكر قال: أميرٌ أو مأمور؟ قال: مأمور، ثم مضيا رحمة الله عليهما، فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية. حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ، فقال: يا أيها الناس، لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته. فلم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله ﷺ. وكان هذا من "براءة"، فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العامّ، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. [[الأثر: ١٦٣٧٧ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٠، ١٩١. " حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري "، ثقة، تكلموا فيه، حتى قال ابن سعد: " كان قليل الحديث، ولا يحتجون بحديثه "، مضى برقم: ١١٧٤١.]]
١٦٣٧٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس أربعين آية، بعث بهن رسول الله ﷺ مع أبي بكر وأمَّره على الحج. فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعليّ فأخذها منه. فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا يبلِّغ عني غيري، أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار، وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى، يا رسول الله! فسار أبو بكر على الحاجّ، وعلي يؤذن ببراءة، فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربنَّ المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مدته، وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما. فقالوا: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب! فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضًا وقالوا: ما تصنعون، وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا.
١٦٣٧٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي قال: أمرت بأربع: أن لا يقربَ البيتَ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده = قال معمر: وقاله قتادة. [[الأثر: ١٦٣٧٩ - انظر التعليق على الأثرين رقم: ١٦٣٧٢، ١٦٣٧٣.]]
* *
قال أبو جعفر: فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا. فأما من كان عهده إلى مدة معلومة، فلم يجعل لرسول الله ﷺ وللمؤمنين لنَقْضِه ومظاهرة أعدائهم عليهم سبيلا فإن رسول الله ﷺ قد وَفَى له بعهده إلى مدته، عن أمر الله إياه بذلك. وعلى ذلك دلّ ظاهرُ التنزيل، وتظاهرت به الأخبار عن الرسول ﷺ.
وأما الأشهر الأربعة، فإنها كانت أجلَ من ذكرنا. وكان ابتداؤها يوم الحج الأكبر، وانقضاؤها انقضاء عشر من ربيع الآخر، فذلك أربعة أشهر متتابعة، جُعِل لأهل العهد الذين وصفنا أمرهم، فيها، السياحةُ في الأرض، يذهبون حيث شاؤوا، لا يعرض لهم فيها من المسلمين أحدٌ بحرب ولا قتل ولا سلب.
* *
فإن قال قائل: فإذا كان الأمر في ذلك كما وصفت، فما وجه قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٥] . وقد علمت أن انسلاخها انسلاخ المحرّم، وقد زعمت أن تأجيل القوم من الله ومن رسوله كان أربعة أشهر، وإنما بين يوم الحجّ الأكبر وانسلاخ الأشهر الحرم خمسون يومًا أكثرُه، فأين الخمسون يومًا من الأشهر الأربعة؟
قيل: إن انسلاخَ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين من رسول الله ﷺ، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه، فصار بنقضه إياه بمعنى من خِيف خيانته، فاستحقّ النبذ إليه على سواء، غير أنه جُعل له الاستعداد لنفسه والارتياد لها من الأجل الأربعة الأشهر. ألا ترى الله يقول لأصحاب الأشهر الأربعة، ويصفهم بأنهم أهل عهد: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ ، ووصف المجعول لهم انسلاخ الأشهر الحرم أجلا بأنهم أهل شرك لا أهل عهد فقال: ﴿وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ الآية = ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ الآية؟ ثم قال: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ، فأمر بقتل المشركين الذين لا عهد لهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وبإتمام عهد الذين لهم عهد. إذا لم يكونوا نقضوا عهدهم بالمظاهرة على المؤمنين، وإدخال النقص فيه عليهم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أن ابتداء التأجيل كان يوم الحج الأكبر، دون أن يكون كان من شوال على ما قاله قائلو ذلك؟
قيل له: إن قائلي ذلك زعموا أن التأجيل كان من وقت نزول "براءة"، وذلك غير جائز أن يكون صحيحًا، لأن المجعول له أجلُ السياحة إلى وقت محدود. إذا لم يعلم ما جُعل له، ولا سيما مع عهد له قد تقدم قبل ذلك بخلافه، فكمن لم يجعل له ذلك، لأنه إذا لم يعلم ما له في الأجل الذي جُعل له وما عليه بعد انقضائه، فهو كهيئته قبل الذي جُعل له من الأجل. ومعلوم أن القوم لم يعلموا بما جُعل لهم من ذلك، إلا حين نودي فيهم بالموسم. وإذا كان ذلك كذلك. صحَّ أن ابتداءه ما قلنا، وانقضاءه كان ما وصفنا.
وأما قوله: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، فإنه يعني: فسيروا فيها مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من رسول الله ﷺ وأتباعه.
* *
يقال منه: "ساح فلان في الأرض يسيح، سياحة. وسُيُوحًا. وسَيَحانًا.
* *
وأما قوله: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ ، فإنه يقول لأهل العهد من الذين كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهدٌ قبل نزول هذه الآية: اعلموا، أيها المشركون، أنكم إن سحتم في الأرض، واخترتم ذلك مع كفركم بالله. على الإقرار بتوحيد وتصديق رسوله = ﴿غير معجزي الله﴾ ، يقول: غير مُفِيتيه بأنفسكم، لأنكم حيث ذهبتم وأين كنتم من الأرض، ففي قبضته وسلطانه، لا يمنعكم منه وزيرٌ، ولا يحول بينكم وبينه إذا أرادكم بعذاب معقلٌ ولا موئل. [[انظر تفسير " الإعجاز" فيما سلف ١٢: ١٢٨ / ١٣: ٣١.]] إلا الإيمان به وبرسوله. والتوبة من معصيته. يقول: فبادروا عقوبته بتوبة، ودعوا السياحة التي لا تنفعكم.
وأما قوله: ﴿وأن الله مخزي الكافرين﴾ ، يقول: واعلموا أن الله مُذلُّ الكافرين، ومُورثهم العارَ في الدنيا، والنارَ في الآخرة. [[انظر تفسير " الخزي " فيما سلف ١٠: ٣١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإعلامٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.
* *
وقد بينا معنى "الأذان"، فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده. [[انظر تفسير " الأذان " فيما سلف. . . تعليق:. . . والمراجع هناك.]]
* *
وكان سليمان بن موسى يقول في ذلك ما:-
١٦٣٨٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: زعم سليمان بن موسى الشاميّ أن قوله: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ ، قال: "الأذان"، القصص، فاتحة "براءة" حتى تختم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، [سورة التوبة: ٢٨] فذلك ثمان وعشرون آية. [[الأثر: ١٦٣٨٠ - " سليمان بن موسى الأموي الدمشقي "، الأشدق، فقيه أهل الشأم في زمانه. مضى برقم: ١٥٦٥٤، ١٥٦٥٥.]]
١٦٣٨١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾ ، قال: إعلام من الله ورسوله.
* *
ورفع قوله: ﴿وأذان من الله﴾ ، عطفًا على قوله: ﴿براءة من الله﴾ ، كأنه قال: هذه براءة من الله ورسوله، وأذانٌ من الله.
* *
وأما قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، فإنه فيه اختلافًا بين أهل العلم.
فقال بعضهم: هو يوم عرفة.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٨٢- حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد قال، أخبرنا حيوة بن شريح قال، أخبرنا أبو صخر: أنه سمع أبا معاوية البجليّ من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن "يوم الحج الأكبر" فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليّ، فقال: قم، يا علي وأدِّ رسالة رسول الله ﷺ! فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من "براءة"، ثم صدرنا، [[" صدر عن الماء والبلاد "، رجع. و " الصدر "، (بفتحتين) ليلة رجوع الناس من عرفة إلى منى. و " صدار البيت " (بضم الصاد وتشديد الدال) : الحجاج الراجعون من حجهم.]] حتى أتينا مِنًى، فرميت الجمرة ونحرتُ البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم. [[" الفساطيط " جمع " فسطاط "، مثل السرادق، وهو أصغر منه، يتخذه المسافرون.]] فمن ثَمَّ إخال حسبتم أنه يوم النحر، ألا وهو يوم عرفة. [[الأثر: ١٦٣٨٢ - سبق شرح هذا الإسناد برقم: ٥٣٨٦. " أبو زرعة "، " وهب الله بن راشد المصري "، مضى مرارا، آخرها برقم: ١١٥١٠، ومراجعه هناك. وكان في المطبوعة هنا: " أبو زرعة وهبة الله بن راشد قالا "، جعله رجلين! ومثله في المخطوطة مثله، إلا أنه كتب " قال " بالإفراد، قدم الكنية على الاسم. والصواب ما أثبت. و " حيوة بن شريح "، مضى مرارا، آخرها: ١١٥١٠. و " أبو صخر "، هو " حميد بن زياد الخراط "، قال أحمد: " ليس به بأس "، أخرج له مسلم. مضى برقم ٤٣٢٥، وغيرها كثير. و " أبو معاوية البجلي "، هو " عمار بن معاوية الدهني "، كما صرح به الطبري في رقم: ٤٣٢٥، وهو ثقة. مضى في مواضع. و" أبو الصهباء البكري "، سلف بيانه برقم: ٥٣٨٦. وهو إسناد صحيح.]]
١٦٣٨٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق قال: سألت أبا جُحَيفة عن "يوم الحج الأكبر" فقال: يوم عرفة. فقلت: أمن عندك، أو من أصحاب محمد؟ قال: كلُّ ذلك. [[الأثر: ١٦٣٨٣ - " أبو جحيفة السوائي "، هو " وهب بن عبد الله " ويقال له " وهب الخير "، مات رسول الله قبل أن يبلغ الحلم. ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/١٦٢، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢.]]
١٦٣٨٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: الحج الأكبر، يوم عرفة.
١٦٣٨٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمر بن الوليد الشنّيّ، عن شهاب بن عبّاد العَصَريّ، عن أبيه قال: قال عمر رحمه الله: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة = فذكرته لسعيد بن المسيب فقال: أخبرك عن ابن عمر: أن عمر قال: الحج الأكبر يومُ عرفة.
١٦٣٨٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عمر بن الوليد الشني قال، حدثنا شهاب بن عباد العصري، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب رحمة الله عليه يقول: هذا يوم عرفة، يوم الحج الأكبر فلا يصومَنَّه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة؟ فقال: أخبرك عمن هو أفضل مني مئة ضعف، [[في المخطوطة: " أفضل مني أضعافا "، وفي المخطوطة " أفضل مني ضعف "، والصواب من تفسير ابن كثير ٤: ١١٣.]] عمر، أو: ابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر. [[الأثران: ١٦٣٨٥، ١٦٣٨٦ - " عمر بن الوليد الشني "، " أبو سلمة العبدي "، ثقة، مضى برقم ٤٣٥، ١١١٨٥. " شهاب بن عباد العصري العبدي "، روى عن أبيه، وهو غير " شهاب بن عباد العبدي "، شيخ البخاري ومسلم. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٢٣٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٦١، ولم يذكر فيه جرحا. وذكر في التهذيب في ترجمته: " قال الدارقطني: صدوق زائغ "، وظني أنه أخطأ، ذاك " شهاب بن عباد " آخر، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ١: ٤٥١. وأبوه " عباد العصري "، روى عن عمر، مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٨٨.]]
١٦٣٨٧- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الصمد بن حبيب، عن معقل بن داود قال: سمعت ابن الزبير يقول: يوم عرفة هذا، يوم الحج الأكبر، فلا يصمه أحد. [[الأثر: ١٦٣٨٧ - " عبد الصمد بن حبيب الأزدي العوذي "، ضعفه البخاري وأحمد. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٥١. و " معقل بن داود "، لم أجد له ترجمة، وفي ترجمة " عبد الصمد بن حبيب " أنه روى عن " معقل القسملي "، ولكني لم أجد لهذا " القسملي "، " الأزدي "، ذكرا في شيء من مراجعي.]]
١٦٣٨٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا غالب بن عبيد الله قال: سألت عطاء عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم عرفة، فأفِضْ منها قبل طلوع الفجر. [[الأثر: ١٦٣٨٨ - " غالب بن عبيد الله العقيلي الجزري "، منكر الحديث، مضى برقم: ١٢٢١٤.]]
١٦٣٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة قال: خطب النبي ﷺ عشية عرفة ثم قال: "أما بعد" = "وكان لا يخطب إلا قال: أما بعد = "فإن هذا يوم الحج الأكبر". [[الأثر: ١٦٣٨٩ - " محمد بن بكر العثماني البرساني "، ثقة، مضى مرارا. و " محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف "، تابعي ثقة، روى عن النبي ﷺ مرسلا، مضى برقم: ١٠٥٢٠.]]
١٦٣٩٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبد الوهاب، عن مجاهد قال: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة.
١٦٣٩١- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن سلمة بن بُخْت، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: يوم الحج الأكبر، يوم عرفة. [[الأثر: ١٦٣٩١ - " إسحاق بن سليمان الرازي "، سلف مرارا. و " سلمة بن بخت " مدني، مولى قريش، قال أحمد: " لا بأس به "، ووثقه ابن معين. مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ٨٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٥٦. وكان في المطبوعة: " سلمة بن محب "، وهو خطأ محض، وهي في المخطوطة، غير منقوطة.]]
١٦٣٩٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني طاوس، عن أبيه قال: قلنا: ما الحج الأكبر؟ قال: يوم عرفة.
١٦٣٩٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال: أخبرنا ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة: أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر.
* *
وقال آخرون: هو يوم النحر.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٩٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٣٩٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام، عن الأجلح، عن أبي إسحاق، عن الحارث قال: سمعت عليًّا يقول: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٣٩٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، عن الحارث قال: سألت عليًّا عن الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر.
١٦٣٩٧- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الحج الأكبر، قال: فقال: يوم النحر. [[الأثر: ١٦٣٩٦ - " الحارث "، في هذا الإسناد وما قبله، هو " الحارث الأعور " وقد مضى بيان ضعفه مرارا.]]
١٦٣٩٨- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عيّاش العامري، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر. [[الأثر: ١٦٣٩٨ - " عياش العامري "، هو " عياش بن عمرو العامري "، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٤٨، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٦. و " عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي "، صحابي شهد بيعة الرضوان. مضى برقم: ٧٧٥٨.]]
١٦٣٩٩-...... قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٠٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الملك قال: دخلت أنا وأبو سلمة على عبد الله بن أبي أوفى، قال: فسألته عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر، يوم يُهَرَاقُ فيه الدم.
١٦٤٠١- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٠٢- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني قال: سألت ابن أبي أوفى عن يوم الحج الأكبر قال: هو يوم النحر.
١٦٤٠٣- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال: أخبرنا الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٠٤-...... قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن عمير قال، سَمعت عبد الله بن أبي أوفى، وسُئل عن قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، قال: هو اليوم الذي يُرَاق فيه الدم، ويُحلق فيه الشعر.
١٦٤٠٥- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدّث، عن علي: أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة، فجاءه رجل فأخذ بلجام بغلته، فسأله عن الحج الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خَلِّ سبيلها. [[الأثر: ١٦٤٠٥ - " يحيى بن الجزار "، ثقة، كان، كان يغلو في التشيع، لم يسمع من علي إلا ثلاثة أحاديث، هذا أحدها، والحديث الآخر، مضى برقم: ٥٤٢٥، ١٦١٠٦. وانظر الأثر التالي رقم: ١٦٤٠٨.]]
١٦٤٠٦- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، حدثنا إسحاق، عن مالك بن مغول، وشُتَير، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٠٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: سئل عن يوم الحج الأكبر قال: هو يوم النحر.
١٦٤٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي: أنه لقيه رجل يوم النحر فأخذ بلجامه، فسأله عن يوم الحج الأكبر، قال: هو هذا اليوم. [[الأثر: ١٦٤٠٨ - هو مكرر الأثر. رقم: ١٦٤٠٥، مختصرا.]]
١٦٤٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن عبد الملك بن عمير، وعياش العامري، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: هو اليوم الذي تُهَراق فيه الدماء. [[الأثر: ١٦٤٠٩ - انظر التعليق على رقم: ١٦٣٩٨.]]
١٦٤١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن أبي أوفى قال: الحج الأكبر، يوم تُهَرَاق فيه الدماء، ويحلق فيه الشعر، ويَحِلّ فيه الحرام.
١٦٤١١- حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى علي بعير فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.
١٦٤١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعير وقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.
١٦٤١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عبد الله بن سنان قال: خطبنا المغيرة بن شعبة، فذكر نحوه. [[الآثار: ١٦٤١١ - ١٦٤١٣ " عبد الله بن سنان الأسدي "، " أبو سنان "، روى عن علي، وابن مسعود، وضرار بن الأزور، والمغيرة بن شعبة. روى عنه الأعمش، وأبو حصين. وهو ثقة له أحاديث. توفي أيام الحجاج، قبل يوم الجماجم. مترجم في ابن سعد ٦: ١٢٣، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٦٨، وتعجيل المنفعة ص: ٢٢٤. وكان في المطبوعة: " عبد الله بن يسار "، في المواضع كلها، خطأ محض، وهو في المخطوطة " سنان " غير منقوط كله.]]
١٦٤١٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤١٥- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة قال: الحج الأكبر، يوم النحر. [[الأثر: ١٦٤١٦ - " أبو جحيفة "، " وهب بن عبد الله "، سلف برقم: ١٦٣٨٣.]]
١٦٤١٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس ورجل من آل شيبة في "يوم الحج الأكبر"، قال علي: هو يوم النحر. وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة. فأرسل إلى سعيد بن جبير فسألوه، فقال: هو يوم النحر، ألا ترى أن من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، فإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج؟
١٦٤١٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يونس، عن سعيد بن جبير أنه قال: الحج الأكبر، يوم النحر. قال فقلت له: إن عبد الله بن شيبة، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس اختلفا في ذلك، فقال محمد بن علي: هو يوم النحر. وقال عبد الله: هو يوم عرفة. فقال سعيد بن جبير: أرأيت لو أن رجلا فاته يوم عرفة، أكان يفوته الحج؟ وإذا فاته يوم النحر فاته الحج!
١٦٤١٩- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٢٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال، حدثني رجل، عن أبيه، عن قيس بن عبادة قال: ذو الحجة العاشر النحرُ، وهو يوم الحج الأكبر.
١٦٤٢١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن شداد قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر. والحج الأصغر، العمرة.
١٦٤٢٢- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن مسلم الحجبي قال: سألت نافع بن جبير بن مطعم عن يوم الحج الأكبر، قال: يوم النحر.
١٦٤٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: كان يقال: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٢٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: يوم الحج الأكبر، يوم يُهَراق فيه الدم، ويحلّ فيه الحرام.
١٦٤٢٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم أنه قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر، الذي يحلّ فيه كل حرام.
١٦٤٢٧-...... قال حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي، قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون قال: سألت محمدًا عن يوم الحجّ الأكبر فقال: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله ﷺ وحج أهل الوَبر.
١٦٤٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير قال، حدثنا عمر بن ذر قال: سألت مجاهدًا عن يوم الحج الأكبر فقال: هو يوم النحر.
١٦٤٣٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن مجاهد: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٣١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن ثور، عن مجاهد: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٣٢- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: يوم الحجّ الأكبر، يوم النحر = وقال عكرمة: يوم الحج الأكبر: يوم النحر، يوم تهراق فيه الدماء، ويحلّ فيه الحرام = قال وقال مجاهد: يوم يجمع فيه الحج كله، وهو يوم الحج الأكبر.
١٦٤٣٣-...... قال حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٣٤-...... قال، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
١٦٤٣٥-...... قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله.
١٦٤٣٦- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق قال، قال علي: الحج الأكبر، يوم النحر = قال: وقال الزهري: يوم النحر، يوم الحج الأكبر.
١٦٤٣٧- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني يونس، وعمرو، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: بعثني رسول الله ﷺ مع أبي بكر في الحجة التي أمَّره رسول الله ﷺ عليها قبل حجة الوداع، في رَهْط يؤذِّنون في الناس يوم النحر: ألا لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان = قال الزهري: فكان حميد يقول: يوم النحر، يوم الحح الأكبر. [[الأثر: ١٦٤٣٧ - " يونس "، هو " يونس بن يزيد الأيلي " ثقة، سلف مرارا. و " عمرو "، هو " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري "، ثقة مضى مرارا. و " حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري "، الثقة، مضى مرارا. وهذا الخبر رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٣: ٣٨٧ / ٨: ٢٣٨ - ٢٤١) من طرق، واستوفى الكلام عليه الحافظ بن حجر هناك. وبمثله في السنن لأبي داود ٢: ٢٦٤، رقم: ١٩٤٦.]]
١٦٤٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الشعبي، عن أبي إسحاق قال: سألت عبد الله بن شداد عن الحج الأكبر، والحج الأصغر، فقال: الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأصغر العمرة.
١٦٤٣٩-...... قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق قال، سألت عبد الله بن شداد، فذكر نحوه.
١٦٤٤٠-...... قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن عمير قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: يوم الحج الأكبر، يوم يوضع فيه الشعر، ويُهَراق فيه الدم، ويحلّ فيه الحرام. [[الأثر: ١٦٤٤٠ - انظر ما سلف رقم: ١٦٣٩٩.]]
١٦٤٤١-...... قال، حدثنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن علي قال: الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٤٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن عياش العامري، عن عبد الله بن أبي أوفى: أنه سئل عن يوم الحج الأكبر فقال: سبحان الله، هو يوم تهراق فيه الدماء، ويحل فيه الحرام، ويوضع فيه الشعر، وهو يوم النحر. [[الأثر: ١٦٤٤٢ - انظر ما سلف رقم: ١٦٣٩٨.]]
١٦٤٤٣-...... قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، قال: خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقة له فقال: هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر. [[الأثر: ١٦٤٤٣ - انظر ما سلف رقم: ١٦٤١١ - ١٦٤١٣.، وكان في المطبوعة هنا أيضا: " عبد الله بن يسار"، والصواب " ابن سنان "، كما في المخطوطة أيضا.]]
١٦٤٤٤-...... قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حسن بن صالح، عن مغيرة، عن إبراهيم قال، يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٤٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، عن إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة، عن إبراهيم: يوم الحج الأكبر، يوم النحر، يحلّ فيه الحرام.
١٦٤٤٦- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: لما كان ذلك اليوم، قعد على بعير له، [[زاد في المطبوعة هنا فكتب: " قعد على بعير له النبي ".]] وأخذ إنسان بخطامه = أو: زمامه = فقال: أي يوم هذا؟ قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسمِّيه غير اسمه فقال: أليس يوم الحج؟. [[الأثر: ١٦٤٤٦ - رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٣: ٤٥٩) من طريق أبي عامر العقدي، عن قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، مطولا وفيه: " أليس يوم النحر ".]]
١٦٤٤٧- حدثنا سهل بن محمد السجستاني قال، حدثنا أبو جابر الحرمي قال، حدثنا هشام بن الغاز الجرشي، عن نافع، عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر. [[الأثر: ١٦٤٤٧ - " سهل بن محمد بن عثمان السجستاني "، هو " أبو حاتم "، النحوي، المقرئ، البصري المشهور. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٠٤. وكان في المطبوعة والمخطوطة، وتفسير ابن كثير " سهل بن محمد الحساني ". وكان الصواب هو ما أثبته لما سترى بعد. و " أبو جابر الحرمي "، هو " محمد بن عبد الملك الأزدي البصري " نزيل مكة، مشهور بكنيته. روى عنه " أبو حاتم السجستاني "، فمن أجل ذلك صححت الاسم السالف " سهل بن محمد السجستاني ". ونسبته " الحرمي "، كانت في المخطوطة " الحربي "، تشبه أن تكون " باءا " أو " تاء " أو " ثاء "، أو " ميما "، فرجحت أنها " ميم " لأنه نزيل مكة، نسبة إلى " الحرم ". وكانت في المطبوعة: " الحرثي "، وفي تفسير ابن كثير " الحربي " ولم يوجد شيء من ذلك في ترجمته. و " أبو جابر "، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: " أدركته، مات قبلنا بيسير، وليس بقوي ". وهو مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١٦٥، ولم يذكر فيه جرحا، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٥، وميزان الاعتدال ٣: ٩٥. و " هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي "، ثقة صالح الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ١٩٩، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٦٧. وهذا الخبر، خرجه ابن كثير في تفسيره ٤: ١١٤، وقال: " هكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه " من حديث أبي جابر - واسمه: محمد بن عبد الملك - به. ورواه ابن مردويه أيضا من حديث الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز. ثم رواه من حديث سعيد بن عبد العزيز، عن نافع، به ". وفاته أن البخاري أخرجه في صحيحه تعليقا (الفتح ٣: ٤٥٩) ، مطولا، وأخرجه أبو داود في سننه ٢: ٢٦٤ رقم: ١٩٤٥، من طريق مؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز "، بمثله مطولا. وأخرجه ابن ماجه في سننه: ١٠١٦ رقم ٣٠٥٨، من طريق هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن هشام بن الغاز، بمثله مطولا. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٥: ١٣٩. وقال الحافظ ابن حجر (الفتح ٣: ٤٥٩، ٤٦٠) : " وأخرجه الطبراني عن أحمد بن المعلي، والإسماعيلي عن جعفر الفريابي، كلاهما عن هشام بن عمار = وعن جعفر الفريابي، عن دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز، ومن هذا الوجه أخرجه أبو داود ". أما الحاكم، فقد أخرجه في المستدرك ٢: ٣٣١ من طريق سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز، ثم قال: " وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. وأكثر هذا المتن مخرج في الصحيحين إلا قوله: إن يوم الحج الأكبر، يوم النحر سنة. فإن الأقاويل فيه عن الصحابة والتابعين رضى الله عنهم، على خلاف بينهم فيه، فمنهم من قال: يوم عرفة، ومنهم من قال: يوم النحر "، ووافقه الذهبي على صحته.]]
١٦٤٤٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة، [[" المخضرمة "، المقطوع طرف أذنها، وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فلما جاء الإسلام، أمرهم النبي ﷺ أن يخضرموا من غير الموضع الذي يخضرم منه أهل الجاهلية، فكانت خضرمة أهل الإسلام بائنة من خضرمة أهل الجاهلية.]] فقال: أتدرون أيَّ يوم يومكم؟ قالوا: يوم النحر! قال: صدقتم، يوم الحج الأكبر. [[الأثر: ١٦٤٤٨ - " رجل من أصحاب رسول الله ﷺ "، ربما كان: " عبد الله بن مسعود "، فقد روى الخبر مطولا ابن ماجه في السنن: ١٠١٦، رقم: ٣٠٥٧، من طريق إسماعيل بن توبة، عن زافر بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن مسعود ". وسيأتي برقم: ١٦٤٥٤، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل من أصحاب رسول الله "، كمثل ما في رواية ابن ماجه، ليس فيه " مرة الطيب ".]]
١٦٤٤٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني عمرو بن مرة قال، حدثنا مرة قال، حدثنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قام فينا رسول الله ﷺ، فذكر نحوه.
١٦٤٥٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن...... قال: بعث رسول الله ﷺ عليًّا بأربع كلمات حين حج أبو بكر بالناس، فنادى ببراءة: إنه يوم الحج الأكبر، ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ألا ولا يطوف بالبيت عريان، ألا ولا يحج بعد العام مشرك، ألا ومن كان بينه وبين محمد عهدٌ فأجله إلى مدته، والله بريء من المشركين ورسوله. [[الأثر: ١٦٤٥٠ - " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي "، مضى مرارا. و " أبوه ": " أبو خالد الأحمسي البجلي "، مترجم في التهذيب، روى عن أبي هريرة، وجابر بن سمرة. ذكره ابن حبان في الثقات. وقد حذفت المطبوعة ما أثبت، وهو " عن. . . "، وبعدها بياض، سقط من المخطوطة اسم الصحابي الذي روى عنه أبو خالد هذا الخبر. ولم أجد الخبر في مكان آخر.]]
١٦٤٥١- حدثني يعقوب قال، حدثني هشيم، عن حجاج بن أرطأة، عن عطاء قال: يوم الحج الأكبر، يوم النحر.
١٦٤٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، قال: يوم النحر، يوم يحلّ فيه المحرم، وينحر فيه البُدْن. وكان ابن عمر يقول: هو يوم النحر. وكان أبي يقوله. وكان ابن عباس يقول: هو يوم عرفة. ولم أسمع أحدًا يقول إنه يوم عرفة إلا ابن عباس. قال ابن زيد: والحج يفوت بفوت يوم النحر، ولا يفوت بفوت يوم عرفة، إن فاته اليوم لم يفته الليل، يقف ما بينه وبين طلوع الفجر.
١٦٤٥٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: يوم الأضحى، يوم الحج الأكبر.
١٦٤٥٤- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال، حدثني رجل من أصحاب رسول الله ﷺ في غرفتي هذه، حسبته قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر على ناقة حمراء مُخَضرَمة فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر. [[الأثر: ١٦٤٥٤ - انظر التعليق على رقم: ١٦٤٤٨.]]
* *
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، حين الحجّ الأكبر ووقته. قال: وذلك أيام الحج كلها، لا يوم بعينه.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٥٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، حين الحجّ، أيامه كلها.
١٦٤٥٦- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: الحج الأكبر، أيام منى كلها، ومجامع المشركين حين كانوا بذي المجاز وعكاظ ومَجَنَّة، حين نودي فيهم: أن لا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته.
١٦٤٥٧- حدثني الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال، كان سفيان يقول: "يوم الحج"، و"يوم الجمل"، و"يوم صفين"، أي: أيامه كلها.
١٦٤٥٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، قال: حين الحجّ، أي: أيامه كلها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة، قولُ من قال: "يوم الحج الأكبر، يوم النحر"، لتظاهر الأخبار عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ أن عليًّا نادى بما أرسله به رسول الله ﷺ من الرسالة إلى المشركين، وتلا عليهم "براءة"، يوم النحر. هذا، مع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنه قال يوم النحر: أتدرون أيّ يوم هذا؟ هذا يوم الحج الأكبر.
وبعدُ، فإن "اليوم" إنما يضاف إلى المعنى الذي يكون فيه، كقول الناس: "يوم عرفة"، وذلك يوم وقوف الناس بعرفة = و"يوم الأضحى"، وذلك يوم يضحون فيه = "ويوم الفطر"، وذلك يوم يفطرون فيه. وكذلك "يوم الحج"، يوم يحجون فيه، وإنما يحج الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوفُ بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، [[في المطبوعة: " الوقوف بعرفة كان إلى طلوع الفجر "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب المحض.]] وفي صبيحتها يعمل أعمال الحج. فأما يوم عرفة، فإنه وإن كان الوقوف بعرفة، فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحج كله يوم النحر.
* *
وأما ما قال مجاهد: من أن "يوم الحج"، إنما هو أيامه كلها، فإن ذلك وإن كان جائزًا في كلام العرب، فليس بالأشهر الأعرف في كلام العرب من معانيه، بل أغلبُ على معنى "اليوم" عندهم أنه من غروب الشمس إلى مثله من الغد. وإنما محمل تأويل كتاب الله على الأشهر الأعرف من كلام من نزل الكتابُ بلسانه.
* *
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لهذا اليوم: "يوم الحج الأكبر".
فقال بعضهم: سمي بذلك، لأن ذلك كان في سنة اجتمع فيها حجّ المسلمين والمشركين.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٥٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن قال: إنما سمي "الحج الأكبر"، من أجل أنه حج أبو بكر الحجة التي حجها، واجتمع فيها المسلمون والمشركون، فلذلك سمي "الحج الأكبر"، ووافق أيضًا عيدَ اليهود والنصارى.
١٦٤٦٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: يوم الحج الأكبر، كانت حجة الوداع، اجتمع فيه حج المسلمين والنصارى واليهود، ولم يجتمع قبله ولا بعده.
١٦٤٦١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن قال: قوله: ﴿يوم الحج الأكبر﴾ ، قال: إنما سمي "الحج الأكبر"، لأنه يوم حج فيه أبو بكر، ونُبذت فيه العهود.
* *
وقال آخرون: "الحج الأكبر"، القِرآنُ، و"الحج الأصغر"، الإفراد.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٦٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو بكر النهشلي، عن حماد، عن مجاهد قال: كان يقول: "الحج الأكبر" و"الحج الأصغر"، فالحج الأكبر، القِرآن = و"الحج الأصغر"، إفراد الحج.
* *
وقال آخرون: "الحج الأكبر"، الحج = و"الحج الأصغر"، العمرة.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٦٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: "الحج الأكبر"، الحج، و"الحج الأصغر"، العمرة.
١٦٤٦٤-...... قال، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: قلت له: هذا الحج الأكبر، فما "الحج الأصغر"، قال: العمرة.
١٦٤٦٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: كان يقال: "الحج الأصغر"، العمرة في رمضان.
١٦٤٦٦-...... قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كان يقال: "الحج الأصغر"، العمرة.
١٦٤٦٧-...... قال، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي أسماء، عن عبد الله بن شداد قال: "يوم الحج الأكبر"، يوم النحر، و"الحج الأصغر"، العمرة.
١٦٤٦٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن أهل الجاهلية كانوا يسمون "الحج الأصغر"، العمرة.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قول من قال: "الحج الأكبر، الحج"، لأنه أكبر من العمرة بزيادة عمله على عملها، فقيل له: "الأكبر"، لذلك. وأما "الأصغر" فالعمرة، لأن عملها أقل من عمل الحج، فلذلك قيل لها: "الأصغر"، لنقصان عملها عن عمله.
* *
وأما قوله: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ، فإن معناه: أن الله بريء من عهد المشركين ورسوله، بعد هذه الحجة.
* *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وإعلام من الله ورسوله إلى الناس في يوم الحج الأكبر: أن الله ورسوله من عهد المشركين بريئان، كما:-
١٦٤٦٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ، أي: بعد الحجة. [[الأثر: ١٦٤٦٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٣٥٦.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿فإن تبتم﴾ ، من كفركم، أيها المشركون، ورجعتم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له = دون الآلهة والأنداد [[انظر تفسير " التوبة " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) .]] = فالرجوع إلى ذلك ﴿خير لكم﴾ ، من الإقامة على الشرك في الدنيا والآخرة = ﴿وإن توليتم﴾ ، يقول: وإن أدبرتم عن الإيمان بالله وأبيتم إلا الإقامة على شرككم = ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾ ، يقول: فأيقنوا أنكم لا تُفِيتون الله بأنفسكم من أن يحلّ بكم عذابه الأليم وعقابه الشديد، على إقامتكم على الكفر، [[انظر تفسير " الإعجاز " فيما سلف ص ١١١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما فعل بمن قبلكم من أهل الشرك من إنزال نقمه به، [[في المطبوعة: " كما فعل بذويكم من أهل الشرك "، وفي المخطوطة: " كما فعل برونكم "، ولا أدري ما هو، فآثرت أن أجعلها " بمن قبلكم " لتستقيم الضمائر بعد ذلك.]] وإحلاله العذاب عاجلا بساحته = ﴿وبشر الذين كفروا﴾ ، يقول: واعلم، يا محمد، الذين جحدوا نبوتك وخالفوا أمر ربهم [[انظر تفسير " بشر " فيما سلف ١٣: ٤١٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿بعذاب﴾ ، موجع يحلُّ بهم. [[انظر تفسير " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة (ألم) .]]
١٦٤٧٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فإن تبتم﴾ ، قال: آمنتم.
القول في تأويل قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ ،، إلا من عَهْدِ الذين عاهدتم من المشركين، أيها المؤمنون [[انظر تفسير " المعاهدة " فيما سلف ص: ٢١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا﴾ ، من عهدكم الذي عاهدتموهم = ﴿ولم يظاهروا عليكم أحدًا﴾ ، من عدوكم، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم، ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال [[انظر تفسير "المظاهرة" فيما سلف ٢: ٣٠٤.]] = ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ ، يقول: فَفُوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه، [[انظر تفسير " الإتمام " فيما سلف ١٣: ٨٧، تعليق ١، والمراجع هناك.]] ولا تنصبوا لهم حربًا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم = ﴿إن الله يحب المتقين﴾ ، يقول: إن الله يحب من اتقاه بطاعته، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. [[انظر تفسير " التقوى " فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .]]
١٦٤٧١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ ، يقول: إلى أجلهم.
١٦٤٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ ،: أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى = ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٦٤٧٢ - سيرة ابن هشام ٢: ١٨٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٤٦٩.]]
١٦٤٧٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ ، الآية، قال: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر. فأمر الله نبيه أن يوفي لهم بعهدهم إلى مدتهم، ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره بقتالهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن لا يقبل منهم إلا ذلك.
١٦٤٧٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: مدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل "براءة" أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من شهر ربيع الآخر، وذلك أربعة أشهر. فإن نقضَ المشركون عهدهم، وظاهروا عدوًّا فلا عهد لهم. وإن وفوْا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ، ولم يظاهروا عليه عدوًّا، فقد أمر أن يؤدِّي إليهم عهدهم ويفي به.
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ ، فإذا انقضى ومضى وخرج.
* *
يقال منه: سلخنا شهر كذا نسلَخه سَلْخًا وسُلُوخًا، بمعنى: خرجنا منه. ومنه قولهم: "شاة مسلوخة"، بمعنى: المنزوعة من جلدها، المخرجة منه. [[انظر تفسير " الانسلاخ " فيما سلف ١٣: ٢٦٠.]]
* *
ويعني بـ "الأشهر الحرم"، ذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. [[انظر تفسير " الأشهر الحرم " فيما سلف ٣: ٥٧٥ - ٥٧٩ / ٩: ٤٥٦، ٤٦٦ / ١١: ٩١، ٩٤.]]
وإنما أريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده، لأن الأذان كان ببراءة يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أجَّلوا الأشهرَ الحرم كلَّها = وقد دللنا على صحة ذلك فيما مضى = ولكنه لما كان متصلا بالشهرين الآخرين قبله الحرامين، وكان هو لهما ثالثًا، وهي كلها متصل بعضها ببعض، قيل: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم"، ومعنى الكلام: فإذا انقضت الأشهر الحرم الثلاثة عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد فنقضوا عهدهم بمظاهرتهم الأعداءَ على رسول الله وعلى أصحابه، أو كان عهدهم إلى أجل غيره معلوم.
* *
= ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ، يقول: فاقتلوهم = ﴿حيث وجدتموهم﴾ ، يقول: حيث لقيتموهم من الأرض، في الحرم، وغير الحرم في الأشهر الحرم وغير الأشهر الحرم = ﴿وخذوهم﴾ يقول: وأسروهم = ﴿واحصروهم﴾ ، يقول: وامنعوهم من التصرف في بلاد الإسلام ودخول مكة = ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾ ، يقول: واقعدوا لهم بالطلب لقتلهم أو أسرهم = "كل مرصد"، يعني: كل طريق ومرقَب.
* *
وهو "مفعل"، من قول القائل: "رصدت فلانًا أرصُده رَصْدًا"، بمعنى: رقبته.
* *
﴿فإن تابوا﴾ ، يقول: فإن رجعوا عما نهاهم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبيه محمد ﷺ، [[انظر تفسير " التوبة " فيما سلف من فهارس اللغة (تاب) .]] إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد ﷺ = ﴿وأقاموا الصلاة﴾ ، يقول: وأدّوا ما فرض الله عليهم من الصلاة بحدودها = وأعطوا الزكاة التي أوجبها الله عليهم في أموالهم أهلها [[انظر تفسير " إقامة الصلاة "، و " إيتاء الزكاة " فيما سلف منم فهارس اللغة (قوم) ، (أتى) .]] = ﴿فخلوا سبيلهم﴾ ، يقول: فدعوهم يتصرفون في أمصاركم، ويدخلون البيت الحرام = ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ، لمن تاب من عباده = فأناب إلى طاعته، بعد الذي كان عليه من معصيته، ساتر على ذنبه، رحيم به، أن يعاقبه على ذنوبه السالفة قبل توبته، بعد التوبة. [[انظر تفسير " غفور " و"رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]
* *
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في الذين أجِّلوا إلى انسلاخ الأشهر الحرم.
* *
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٧٥- حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ: من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك له شيئًا، فارقها والله عنه راضٍ = قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هَرْج الأحاديث، [["هرج الأحاديث"، الإكثار فيها، واختلاف المختلفين، واختلاط أصواتهم.]] واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ ، قال: توبتهم، خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، [سورة التوبة: ١١] . [[الأثر: ١٦٤٧٥ - " عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي "، شيخ الطبري، ثقة، مضى برقم: ١١١٢٥.
و" عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي "، روى له الجماعة، سلف مرارا، آخرها: ١٣١٧٧. وسائر رجال السند، ثقات، مضوا جميعا، إلا أبا جعفر الرازي، فقد تكلموا فيه، وهو ثقة إن شاء الله
وهذا الخبر رواه ابن ماجه في سننه: ٢٧، رقم: ٧٠، من طريقتين: من طريق نصر بن علي الجهضمي، عن أبي أحمد، عن أبي جعفر الرازي، ثم من طريق أبي حاتم، عن عبيد الله بن موسى العبسي، عن أبي جعفر، بمثله.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٣١، ٣٣٢ عن طريق إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي جعفر الرازي، ولم يقل فيه: " قال أنس: وهو دين الله. . .، بل ساقه مدرجا في الحديث، ثم قال: " وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "، وافقه الذهبي، إلا أنه استدرك عليه فقال: " صدر الخبر مرفوع، وسائره مدرج فيما أرى "، وصدق الذهبي.]]
١٦٤٧٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ، حتى ختم آخر الآية. وكان قتادة يقول: خلوا سبيل من أمركم الله أن تخلوا سبيله، فإنما الناس ثلاثة: رَهْط مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأمن بتجارته في المسلمين إذا أعطى عُشُور ماله.
١٦٤٧٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ ، وهي الأربعة التي عددت لك = يعني: عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيعًا الأول، وعشرًا من شهر ربيع الآخر.
* *
وقال قائلو هذه المقالة: قيل لهذه: "الأشهر الحرم"، لأن الله عز وجل حرّم على المؤمنين فيها دماءَ المشركين، والعَرْضَ لهم إلا بسبيلِ خيرٍ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " والعرض لهم "، وهو بمعنى " التعرض ".]]
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٧٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي بكر: أنه أخبره عن مجاهد وعمرو بن شعيب في قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ ، أنها الأربعة التي قال الله: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ ، قال: هي "الحُرم"، من أجل أنهم أومنوا فيها حتى يسيحوها. [[الأثر: ١٦٤٧٨ - " إبراهيم بن أبي بكر الأخنسي "، ثقة، مضى برقم: ١٠٧٥٨.]]
١٦٤٧٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ ، قال: ضُرِب لهم أجلُ أربعة أشهر، وتبرأ من كل مشرك. ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم = ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ ، لا تتركوهم يضربون في البلاد، ولا يخرجوا لتجارة، [[في المطبوعة: " ولا يخرجون للتجارة "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ضَيِّقوا عليهم بعدها. ثم أمر بالعفو [[في المخطوطة: " بعد ما أمر بالعفو "، وفي المطبوعة: " بعدها أمر بالعفو "، وصواب السياق يقتضي ما أثبت، وزيادة " ثم ".]] ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ ،.
١٦٤٨٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ ، يعني: الأربعة التي ضربَ الله لهم أجلا = لأهل العهد العامّ من المشركين = ﴿فاقتلوهم حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٦٤٨٠ - سيرة ابن هشام ٣: ١٨٩، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٤٧٢، قوله: " لأهل العهد العام من المشركين "، من كلام أبي جعفر، استظهارا مما سلف قبله في السيرة، وفي رقم: ١٦٣٥٦.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك، يا محمد، من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ ليسمع كلام الله منك = وهو القرآن الذي أنزله الله عليه = ﴿فأجره﴾ ، يقول: فأمّنه حتى يسمع كلام الله وتتلوه عليه = ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ ، يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله إن هو أبَي أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن = "إلى مأمنه"، يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين [[انظر تفسير " الأمن " فيما سلف ١٣: ٤٢٠، تعليق ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ ، يقول: تفعل ذلك بهم، من إعطائك إياهم الأمان ليسمعوا القرآن، وردِّك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا، وما عليهم من الوِزْر والإثم بتركهم الإيمان بالله.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٨١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ ، أي: من هؤلاء الذين أمرتك بقتالهم، ﴿فأجره﴾ . [[الأثر: ١٦٤٨١ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٩، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٤٨٠.]]
١٦٤٨٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ ، أما "كلام الله"، فالقرآن.
١٦٤٨٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ ، قال: إنسان يأتيك فيسمع ما تقول، ويسمع ما أنزل عليك، فهو آمنٌ حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه، حيث جاءه. [[في المطبوعة: " حيث جاء "، والصواب من المخطوطة.]]
١٦٤٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٤٨٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: خرج رسوله الله ﷺ غازيًا، فلقي العدوَّ، وأخرج المسلمون رجلا من المشركين وأشرعوا فيه الأسنّة، فقال الرجل: ارفعوا عني سلاحكم، وأسمعوني كلام الله! فقالوا: تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وتخلع الأنداد، وتتبرأ من اللات والعزى! فقال: فإنّي أشهدكم أني قد فعلت.
١٦٤٨٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ ، قال: إن لم يوافقه ما تتلو عليه وتحدثه، [[في المخطوطة والمطبوعة: " ما تقول عليه وتحدثه "، وفي المخطوطة فوق " تقول " حرف (ط) دلالة على الخطأ، والصواب ما أثبت.]] فأبلغه. قال: وليس هذا بمنسوخ.
* *
واختلفت في حكم هذه الآية، وهل هو منسوخ أو هو غير منسوخ؟
فقال بعضهم: هو غير منسوخ. وقد ذكرنا قول من قال ذلك.
* *
وقال آخرون: هو منسوخ.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٨٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ، نسختها: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ،. [سورة محمد: ٤]
١٦٤٨٨-...... قال، حدثنا سفيان، عن السدي، مثله.
* *
وقال آخرون: بل نسخ قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ، قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ .
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ ، [سورة محمد: ٤] نسخها قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ ،
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، قولُ من قال: "ليس ذلك بمنسوخ". وقد دللنا على أن معنى "النسخ"، هو نفي حكم قد كان ثبت بحكم آخر غيره. [[انظر ما قاله أبو جعفر في " النسخ " مرارا في فهارس الكتاب.]] ولم تصحّ حجةٌ بوجوب حكم الله في المشركين بالقتل بكل حال، ثم نسخه بترك قتلهم على أخذ الفداء، ولا على وجه المنّ عليهم. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الفداء والمنّ والقتل لم يزل من حكم رسول الله ﷺ فيهم من أول حرب حاربهم، [[في المطبوعة: "فكان الفداء"، وهو خطأ، لم يحسن قراءة المخطوطة.]] وذلك من يوم بدر = كان معلومًا أن معنى الآية: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم للقتل أو المنِّ أو الفداء، واحصروهم. وإذا كان ذلك معناه، صحّ ما قلنا في ذلك دون غيره.
القول في تأويل قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أنّى يكون أيها المؤمنون بالله ورسوله، وبأيِّ معنى، يكون للمشركين بربهم عهدٌ وذمة عند الله وعند رسوله، يوفّى لهم به، ويتركوا من أجله آمنين يتصرفون في البلاد؟ [[انظر تفسير "العهد" و"المعاهدة" فيما سلف ص: ١٣٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] وإنما معناه: لا عهد لهم، وأن الواجب على المؤمنين قتلهم حيث وجدوهم، إلا الذين أعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم، فإن الله جل ثناؤه أمرَ المؤمنين بالوفاء لهم بعهدهم، والاستقامة لهم عليه، ما داموا عليه للمؤمنين مستقيمين.
* *
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ .
فقال بعضهم: هم قوم من جذيمة بن الدُّئِل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٩٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ، هم بنو جذيمة بن الدُّئِل. [[هكذا جاء هنا " بنو جذيمة بن الدئل "، وفي رقم: ١٦٤٩١: " جذيمة بكر كنانة ". ولا أعلم في " الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة "، " جذيمة " فإن " جذيمة كنانة " إنما هم: " بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة "، أبناء عمومة " الدئل "، و " بكر بن عبد مناة ".
وبنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة، هم أهل الغميصاء، الذين أوقع بهم خالد بن الوليد بعد الفتح، فأرسل رسول الله ﷺ عليا رضي الله عنه ليتلافى خطأ خالد بن الوليد، فودي لهم الدماء وما أصيب من الأموال، حتى إنه إنه ليدي لهم ميلغة الكلب.
(انظر سيرة ابن هشام ٤: ٧٠ - ٧٣) .]]
١٦٤٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ ، قال: هم جذيمة بكر كنانة. [[الأثر: ١٦٤٩١ - راجع التعليق السالف. وكان في المطبوعة: " بكر، من كنانة "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٦٤٩٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿كيف يكون للمشركين﴾ ، الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام، [[في المطبوعة والمخطوطة: " كانوا وأنتم "، واثبتت ما في سيرة ابن هشام.]] بأن لا تخيفوهم ولا يخيفوكم في الحرمة ولا في الشهر الحرام [[في المطبوعة: " بأن لا تمنعوهم ولا يمنعوكم من الحرم "، غير ما في المخطوطة، لأنه لم يحسن قراءتها. والصواب ما في المخطوطة، مطابقا لما في السيرة.
وقوله: " في الحرمة "، يعني في مكة البلد الحرام، وسائر مناسك الحج، وهي بضم الحاء وسكون الراء. وهي من " الحرمة "، وهو ما لا يحل انتهاكه. وقد قصرت كتب اللغة في إثبات لفظ " الحرمة " بهذا المعنى الذي فسرته، وهو كثير في أخبارهم بالمعنى الذي ذكرت، فأثبته هناك. ومن أجل هذا ظن الناشر أنه حين كتب " من الحرم "، أن " الحرمة " لا تأتي بمعنى " الحرم ".]] = ﴿عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ ، وهي قبائل بني بكر الذين كانوا دخلوا في عهد قريش وعقدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول الله ﷺ وبين قريش، فلم يكن نَقَضَها إلا هذا الحيُّ من قريش، وبنو الدُّئِل من بكر. فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض عهده من بني بكر إلى مدته = ﴿فما استقاموا لكم﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٦٤٩٢ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٩، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٤٨١.]]
* *
وقال آخرون: هم قريش.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ ، هم قريش.
١٦٤٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ ، يعني: أهل مكة.
١٦٤٩٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ ، يقول: هم قوم كان بينهم وبين النبي ﷺ مدة، ولا ينبغي لمشرك أن يدخل المسجد الحرام ولا يعطي المسلمَ الجزيةَ. ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ، يعني: أهل العهد من المشركين.
١٦٤٩٦- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ، قال: هؤلاء قريش. وقد نسخ هذا الأشهر التي ضربت لهم، وغدروا بهم فلم يستقيموا، كما قال الله. فضرب لهم بعد الفتح أربعة أشهر، يختارون من أمرهم: إما أن يسلموا، وإما أن يلحقوا بأيِّ بلاد شاؤوا. قال: فأسلموا قبل الأربعة الأشهر، وقبل قَتْلٍ. [[في المطبوعة والمخطوطة: " وقبل وقبل "، ولا معنى له، ولكنه في المخطوطة غير منقوط والصواب إن شاء الله ما أثبت.]]
١٦٤٩٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ ، قال: هو يوم الحديبية، [[كان في المطبوعة: " هم قوم جذيمة "، وهذا كلام فاسد كل الفساد. وفي المخطوطة:
" هم يوم الحديبية "، وصواب قراءته ما أثبت. وذلك أن رسول الله ﷺ لما كتب الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية، تواثبت بنو بكر بن عبد مناة فقالت: " نحن في عقد قريش وعهدهم "، وتواثبت خزاعة فقالت: " نحن في عقد محمد وعهده " (سيرة ابن هشام ٣: ٣٣٢) . ثم كان بعد ذلك بمدة أن تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وهم حلف رسول الله، فكان ذلك أحد الأسباب الموجبة المسير إلى مكة وفتحها. وهذا ما دل عليه سائر الخبر.]] قال: فلم يستقيموا، نقضوا عهدهم، أي أعانوا بني بكرٍ حِلْفِ قريش، على خزاعة حِلْفِ النبي ﷺ. [[هو " حلفه "، أي: حليفة، وهو الذي بينه وبينه عهد.]]
* *
وقال آخرون: هم قوم من خزاعة.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٩٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ ، قال: أهل العهد من خزاعة.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي، قولُ من قال: هم بعضُ بني بكر من كنانة، ممن كان أقام على عهده، ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله ﷺ وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش، حين نقضوه بمعونتهم حلفاءَهم من بني الدُّئِل، على حلفاء رسول الله ﷺ من خزاعة.
* *
وإنما قلتُ: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام، ما استقاموا على عهدهم. وقد بينَّا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة، وذلك بعد فتح مكة بسنة، فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافرٌ يومئذ بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ، فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده، لأنّ من كان منهم من ساكني مكة، كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الآيات.
* *
وأما قوله: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ ، فإن معناه: إن الله يحب من اتقى الله وراقبه في أداء فرائضه، والوفاء بعهده لمن عاهده، واجتناب معاصيه، وترك الغدر بعهوده لمن عاهده.
القول في تأويل قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: كيف يكون لهؤلاء المشركين الذين نقضوا عهدهم أو لمن لا عهد له منهم منكم، أيها المؤمنون، عهد وذمة، وهم = ﴿إن يظهروا عليكم﴾ ، يغلبوكم = ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ .
* *
واكتفى بـ "كيف" دليلا على معنى الكلام، لتقدم ما يراد من المعني بها قبلها. وكذلك تفعل العرب، إذا أعادت الحرف بعد مضيّ معناه، استجازوا حذف الفعل، كما قال الشاعر: [[هو كعب بن سعد الغنوي.]]
وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّمَا الْمَوْتُ فِي الْقُرَى ... فَكَيْفَ وَهَذِي هَضْبَةٌ وَكَثِيبُ [[الأصمعيات: ٩٩، طبقات فحول الشعراء: ١٧٦، أمالي القالي: ١٥١، جمهرة أشعار العرب: ١٣٥، ومعاني القرآن للفراء: ١: ٤٢٤ وغيرها كثير. وهي من أشهر المرائي وأنبلها. وكان لكعب بن سعد أخ يقال له " أبو المغوار "، فأخذ المدينة وباء، فنصحوه بأن يفر بأخيه من الأرض الوبيئة، لينجو من طوارق الموت، فلما خرج به إلى البادية هلك أخوه، فتفجع عليه تفجع العربي النبيل.]]
فحذف الفعل بعد "كيف"، لتقدم ما يراد بعدها قبلها. ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى، وهذي هضبة وكثيب، لا ينجو فيهما منه أحد.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ .
فقال بعضهم، معناه: لا يرقبوا الله فيكم ولا عهدًا.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا﴾ ، [سورة التوبة: ١٠] ، قال: الله.
١٦٥٠٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز في قوله: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ ، قال: مثل قوله: "جبرائيل"، "ميكائيل"، "إسرافيل"، كأنه يقول: يضيف "جَبْر" و "ميكا" و "إسراف"، إلى "إيل"، [[في المخطوطة: " كأنه يقول: يضاف جبر "، وفي المخطوطة: " كأنه يقول جبر يضف جبر. . . ". وفي المخطوطة أيضا " سراف " بغير ألف.]] يقول: عبد الله = ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا﴾ ، كأنه يقول: لا يرقبون الله.
١٦٥٠١- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثني محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا ولا ذمة﴾ ، لا يرقبون الله ولا غيره.
* *
وقال آخرون: "الإلّ"، القرابة.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ ، يقول: قرابةً ولا عهدًا. وقوله: ﴿وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ ، قال: "الإل"، يعني: القرابة، و"الذمة"، العهد.
١٦٥٠٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ ، "الإلّ"، القرابة، و"الذمة"، العهد، يعني أهل العهد من المشركين، يقول: ذمتهم.
١٦٥٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية وعبدة، عن جويبر، عن الضحاك، "الإل"، القرابة. [[الأثر: ١٦٥٠٤ - في المطبوعة: " عن حوشب، عن الضحاك "، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب وهذا إسناد مضى مثله مرارا.]]
١٦٥٠٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا محمد بن عبد الله، عن سلمة بن كهيل، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ ، قال: "الإلّ"، القرابة، و"الذمة"، العهد.
١٦٥٠٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان، قال سمعت، الضحاك يقول في قوله: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ ، "الإل"، القرابة، و"الذمة"، الميثاق.
١٦٥٠٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم﴾ ، المشركون = ﴿لا يرقبوا فيكم﴾ ، عهدًا ولا قرابة ولا ميثاقًا.
* *
وقال آخرون: معناه: الحلف.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٠٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ ، قال: "الإل"، الحلف، و"الذمة"، العهد.
* *
وقال آخرون: "الإلّ"، هو العهد، ولكنه كرِّر لما اختلف اللفظان، وإن كان معناهما واحدًا.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٠٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا﴾ ، قال: عهدًا.
١٦٥١٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ ، قال: لا يرقبوا فيكم عهدًا ولا ذمة. قال: إحداهما من صاحبتها كهيئة "غفور"، "رحيم"، قال: فالكلمة واحدة، وهي تفترق. قال: والعهد هو "الذمة".
١٦٥١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن خصيف، عن مجاهد ﴿ولا ذمة﴾ ، قال: العهد.
١٦٥١٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿ولا ذمة﴾ ، قال: "الذمة"، العهد.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المشركين الذين أمر نبيَّه والمؤمنين بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وحصرهم والقعود لهم على كل مرصد: أنهم لو ظهروا على المؤمنين لم يرقبوا فيهم "إلا".
و"الإلّ": اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد، والعقد، والحلف، والقرابة، وهو أيضا بمعنى "الله". فإذْ كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خصّ من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يُعَمّ ذلك كما عمّ بها جل ثناؤه معانيها الثلاثة، فيقال: لا يرقبون في مؤمنٍ اللهَ، ولا قرابةً، ولا عهدًا، ولا ميثاقًا.
ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى "القرابة" قول ابن مقبل:
أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوفٌ خَلَفُوا ... قَطَعُوا الإلَّ وَأَعْرَاقَ الرَّحِمْ [[من أبيات مفرقة، لم أجدها مجموعة في مكان، وهذا بيت لم أجده أيضا في مكان آخر.
و" خلوف " جمع " خلف " (بفتح فسكون) ، وهو بقية السوء والأشرار تخلف من سبقها. وفي المخطوطة: " أخلفوا " بالألف، والصواب ما في المطبوعة. و " الأعراق " جمع " عرق " وعرق كل شيء: أصله الذي منه ثبت. ويقال منه: " تداركه أعراق خير، وأعراق شر ".]] بمعنى: قطعوا القرابة، وقول حسان بن ثابت:
لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ ... كَإلِّ السَّقْبِ مِنْ رَأْلِ النَّعامِ [[ديوانه: ٤٠٧، واللسان (ألل) ، من أبيات هجا بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم الرسول ﷺ، وأخوه من الرضاعة، وكان ممن يشبه برسول الله ﷺ. وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبي ﷺ، ويهجوه، ويؤذي المسلمين، فانبرى له حسان فأخذ منه كل ما أخذ. ثم أسلم في فتح مكة، وشهد حنينا، وثبت فيمن ثبت مع نبي الله، وظل آخذا بلجام بغلة رسول الله يكفها ورسول الله يركضها إلى الكفار. ثم ظل أبو سفيان بعد ذلك لا يرفع رأسه إلى رسول الله حياء منه.
ولكن كان من هجاء حسان له، بعد البيت: فَإنَّكَ إِن تَمُتَّ إلى قُرَيْشٍ ... كَذَاتِ البَوِّ جائِلَةَ المَرَامِ
وَأَنْتَ مُنَوَّطٌ بِهِمُ هَجِينٌ ... كما نِيطَ السَّرَائِحُ بالخِدَامِ
فَلا تَفْخَر بِقَوْمٍ لَسْتَ مِنْهُمْ ... ولا تَكُ كاللِّئَامِ بَنِي هِشامِ
" السقب "، ولد الناقة ساعة يولد. و " الرأل "، ولد النعام. يقول: ما قرابتك في قريش، إلا كقرابة الفصيل، من ولد النعام! .]]
وأما معناه إذا كان بمعنى "العهد"، فقول القائل: [[لم أعرف قائله.]]
وَجَدْنَاهُمُ كَاذِبًا إلُّهُمْ ... وَذُو الإلِّ وَالْعَهْدِ لا يَكْذِبُ
* *
وقد زعم بعض من ينسب إلى معرفة كلام العرب من البصريين: أن "الإلّ"، و"العهد"، و"الميثاق"، و"اليمين" واحد = وأن "الذمة" في هذا الموضع، التذمم ممن لا عهد له، والجمع: "ذِمَم". [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ٢٥٣.]]
* *
وكان ابن إسحاق يقول: عنى بهذه الآية أهل العهد العام.
١٦٥١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم﴾ ، أي: المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل العهد العام = ﴿لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ . [[الأثر: ١٦٥١٣ - سيرة ابن هشام ٤: ١٨٩، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٤٩٢.]]
* *
فأما قوله: ﴿يرضونكم بأفواههم﴾ ، فإنه يقول: يعطونكم بألسنتهم من القول، خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء [[انظر تفسير " بدت البغضاء من أفواههم " ٧: ١٤٥ - ١٤٧ / و " يقولون بأفواههم " ٧: ٣٧٨ / و " قالوا آمنا بأفواههم "، ١٠: ٣٠١ - ٣٠٨.]] = ﴿وتأبى قلوبهم﴾ ، أي: تأبَى عليهم قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم بألسنتهم. يحذِّر جل ثناؤه أمرَهم المؤمنين، ويشحذهم على قتلهم واجتياحهم حيث وجدوا من أرض الله، وأن لا يقصِّروا في مكروههم بكل ما قدروا عليه = ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ ، يقول: وأكثرهم مخالفون عهدَكم، ناقضون له، كافرون بربهم، خارجون عن طاعته. [[انظر تفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة (فسق) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ابتاع هؤلاء المشركون الذين أمركم الله، أيها المؤمنون، بقتلهم حيث وجدتموهم، بتركهم اتباعَ ما احتج الله به عليهم من حججه، يسيرًا من العوض قليلا من عرض الدنيا. [[انظر تفسير " اشترى " فيما سلف ١٠: ٣٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " الآيات" فيما سلف من فهارس اللغة " (أيي) .
= وتفسير " الثمن القليل " فيما سلف ١٠: ٣٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
وذلك أنهم، فيما ذُكر عنهم، كانوا نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بأكلةٍ أطعمهموها أبو سفيان بن حرب.
١٦٥١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلا﴾ ، قال: أبو سفيان بن حرب أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمد ﷺ.
١٦٥١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* *
وأما قوله: ﴿فصدوا عن سبيله﴾ ، فإن معناه: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام، وحاولوا ردَّ المسلمين عن دينهم [[انظر تفسير " الصد " فيما سلف ١٣: ٥٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " سبيل الله " في سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿إنهم ساء ما كانوا يعلمون﴾ ، يقول جل ثناؤه: إن هؤلاء المشركين الذين وصفت صفاتهم، ساء عملهم الذي كانوا يعملون، من اشترائهم الكفرَ بالإيمان، والضلالة بالهدى، وصدهم عن سبيل الله من آمن بالله ورسوله، أو من أراد أن يؤمن. [[انظر تفسير " ساء " فيما سلف ١٣: ٢٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يتقي هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم حيث وجدتموهم، في قتل مؤمن لو قدورا عليه = ﴿إلا ولا ذمة﴾ ، يقول: فلا تبقوا عليهم، أيها المؤمنون، كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم [[انظر تفسير " الإل " و " الذمة " فيما سلف قريبا ص: ١٤٥ - ١٤٩.]] = ﴿وأولئك هم المعتدون﴾ ، يقول: المتجاوزون فيكم إلى ما ليس لهم بالظلم والاعتداء. [[انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف ١٣: ١٨٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الذين أمرتكم، أيها المؤمنون، بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إلى طاعته = ﴿وأقاموا الصلاة﴾ ، المكتوبة، فأدّوها بحدودها = ﴿وآتوا الزكاة﴾ ، المفروضة أهلَها [[انظر تفسير " التوبة " و " إقامة الصلاة " و " إيتاء الزكاة " في فهارس اللغة (توب) ، (قوم) ، (أتى) .]] = ﴿فإخوانكم في الدين﴾ ، يقول: فهم إخوانكم في الدين الذي أمركم الله به، وهو الإسلام = ﴿ونفصل الآيات﴾ ، يقول: ونبين حجج الله وأدلته على خلقه [[انظر تفسير " التفصيل " فيما سلف ١٣: ٢٥٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " الآيات " فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .]] = ﴿لقوم يعلمون﴾ ، ما بُيِّن لهم، فنشرحها لهم مفصلة، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥١٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ ، يقول: إن تركوا اللات والعزّى، وشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله = ﴿فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ .
١٦٥١٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن رجل، عن ابن عباس: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ، قال: حرَّمت هذه الآية دماءَ أهل القِبْلة.
١٦٥١٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا لم يفرَّق بينهما. وقرأ: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ ، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر، ما كان أفقهه.
١٦٥١٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: أمرتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له.
* *
وقيل: ﴿فإخوانكم﴾ ، فرفع بضمير: "فهم إخوانكم"، إذ كان قد جرى ذكرهم قبل، كما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ، [سورة الأحزاب: ٥] ، فهم إخوانكم في الدين. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٥.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودَهم من بعد ما عاقدوكم أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم [[انظر تفسير " نكث " فيما سلف ١٣: ٧٣.]] = ﴿وطعنوا في دينكم﴾ ، يقول: وقدَحوا في دينكم الإسلام، فثلبوه وعابوه [[في المطبوعة: " فثلموه "، والصواب من المخطوطة.]] = ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، يقول: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله [[انظر تفسير " الإمام " فيما سلف ٣: ١٨.]] = ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ ، يقول: إن رؤساء الكفر لا عهد لهم [[انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ٨: ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٨١.]] = ﴿لعلهم ينتهون﴾ ، لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. [[انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف ١٣: ٥٤٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلاف بينهم في المعنيِّين بأئمة الكفر.
فقال بعضهم: هم أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ونظراؤهم. وكان حذيفة يقول: لم يأت أهلها بعدُ.
ذكر من قال: هم من سمَّيتُ:
١٦٥٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾ ، إلى: ﴿لعلهم ينتهون﴾ ، يعني أهل العهد من المشركين، سماهم "أئمة الكفر"، وهم كذلك. يقول الله لنبيه: وإن نكثوا العهد الذي بينك وبينهم، فقاتلهم، أئمةُ الكفر لا أيمان لهم [[أثبتت ما في المخطوطة، وهو صواب محض، وصححها في المطبوعة هكذا، كما ظن: " فقاتل أئمة الكفر لأنهم لا أيمان له " فزاد وغير! ! .]] = ﴿لعلهم ينتهون﴾ .
١٦٥٢١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾ ، إلى: ﴿ينتهون﴾ ، فكان من أئمة الكفر: أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وسهيل بن عمرو، وهم الذين همُّوا بإخراجه.
١٦٥٢٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أئمة الكفر﴾ ، أبو سفيان، وأبو جهل، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.
١٦٥٢٣- حدثنا ابن وكيع وابن بشار = قال، ابن وكيع، حدثنا غندر = وقال ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر=، عن شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ ، قال: أبو سفيان منهم.
١٦٥٢٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ، إلى: ﴿ينتهون﴾ ، هؤلاء قريش. يقول: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام، وطعنوا فيه، فقاتلهم. [[في المطبوعة: " فقاتلوهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
١٦٥٢٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، يعني رؤوسَ المشركين، أهلَ مكة.
١٦٥٢٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، أبو سفيان بن حرب، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله، وهمُّوا بإخراج الرسول. وليس والله كما تأوَّله أهل الشبهات والبدع والفِرَى على الله وعلى كتابه. [[" الفرى " (بكسر ففتح) جمع " فرية "، وهي الكذب. ويعني بذلك الخوارج، فهم يستدلون بهذه الآية على قتال من خالفهم من أهل القبلة، ويستحلون بها دماءهم وأموالهم.]]
* *
ذكر الرواية عن حذيفة بالذي ذكرنا عنه:
١٦٥٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، قال: ما قوتل أهلُ هذه الآية بعدُ. [[الأثر: ١٦٥٢٧ - " زيد بن وهب الهمداني الجهني "، تابعي مخضرم، سمع عمر، وعبد الله، وحذيفة، وأبا الدرداء. روى له الجماعة. مضى برقم: ٤٢٢٢.
وهذا الخبر رواه البخاري مطولا (الفتح ٨: ٢٤٣) ، بغير هذا اللفظ، من طريق محمد بن المثني، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيد بن وهب قال، كنا عند حذيفة. . . "
وانظر الآثر التالي، والذي بعده.]]
١٦٥٢٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا حبيب بن حسان، عن زيد بن وهب قال: كنت عند حذيفة، فقرأ هذه الآية: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. [[الأثر ١٦٥٢٨ - مكرر الأثر السالف، وانظر تخريجه هناك. و " حبيب بن حسان "، هو " حبيب بن أبي الأشرس "، وهو " حبيب بن أبي هلال "، منكر الحديث، متروك قال ابن حبان: " منكر الحديث جدا، وكان قد عشق نصرانية، فقيل إنه تنصر وتزوج بها. فأما اختلافه إلى البيعة من أجلها فصحيح ". وقال يحيى بن معين: " كانت له جاريتان نصرانيتان، فكان يذهب معهما إلى البيعة ".
مترجم في الكبير ١ / ٢ / ٣١١، وميزان الاعتدال ١: ٢٠٩، ٢١١، ولسان الميزان ٢: ١٦٧، ١٧٠.]]
١٦٥٢٩- حدثني أبو السائب قال، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب قال: قرأ حذيفة: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ ، قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ. [[الأثر: ١٦٥٢٩ - مكرر الأثرين السالفين.]]
١٦٥٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ ، لا عهد لهم. [[الأثر: ١٦٥٣٠ - " صلة ابن زفر العبسي " تابعي ثقة. روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣٢٢، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٤٦.
وانظر رقم: ١٦٥٣٣، مرفوعا إلى عمار بن ياسر. ورقم: ١٦٥٣٤ مرفوعا إلى حذيفة.]]
١٦٥٣١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ، قال: عهدهم.
١٦٥٣٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ، عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام.
١٦٥٣٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار بن ياسر، في قوله: ﴿لا أيمان لهم﴾ ، قال: لا عهد لهم. [[الأثر: ١٦٥٣٣ - مكرر الأثر رقم ١٦٥٣٠، مرفوعا إلى عمار بن ياسر.
و" صلة "، هو " صلة بن زفر العبسي " كما سلف.]]
١٦٥٣٤- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة في قوله: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم﴾ ، قال: لا عهد لهم. [[الأثر: ١٦٥٣٤ - مكرر الأثرين السالفين مرفوعا إلى حذيفة.]]
* *
وأما "النكث" فإن أصله النقض، يقال منه: "نكث فلان قُوَى حبله"، إذا نقضها. [[انظر تفسير " النكث " فيما سلف ص: ١٥٣، وتعليق: ٢ والمراجع هناك.]]
* *
و"الأيمان": جمع "اليمين". [[انظر تفسير " اليمين " فيما سلف ص: ١٥٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ .
فقرأه قرأة الحجاز والعراق وغيرهم: ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ ، بفتح الألف من "أيمان" بمعنى: لا عهود لهم، على ما قد ذكرنا من قول أهل التأويل فيه.
* *
وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لا إِيمَانَ لَهُمْ﴾ ، بكسر الألف، بمعنى: لا إسلام لهم.
* *
وقد يتوجَّه لقراءته كذلك وجهٌ غير هذا. وذلك أن يكون أراد بقراءته ذلك كذلك: أنهم لا أمان لهم = أي: لا تؤمنوهم، ولكن اقتلوهم حيث وجدتموهم = كأنه أراد المصدر من قول القائل: "آمنته فأنا أومنه إيمانًا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٥.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح "الألف" دون كسرها، لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، ورفض خلافه، ولإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من أن تأويله: لا عهد لهم = و"الأيمان" التي هي بمعنى العهد، لا تكون إلا بفتح "الألف"، لأنها جمع "يمين" كانت على عقدٍ كان بين المتوادعين.
القول في تأويل قوله: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًّا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: ﴿ألا تقاتلون﴾ ، أيها المؤمنون، هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دينكم، وظاهروا عليكم أعداءكم، [[انظر تفسير " النكث "، ص: ١٥٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ ، من بين أظهرهم فاخرجوه [[انظر تفسير " الهم " فيما سلف ٩: ١٩٩ / ١٠: ١٠٠.]] = ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾ ، بالقتال، يعني فعلهم ذلك يوم بدر، وقيل: قتالهم حلفاء رسول الله ﷺ من خزاعة = ﴿أتخشونهم﴾ ، يقول: أتخافونهم على أنفسكم فتتركوا قتالهم خوفًا على أنفسكم منهم [[انظر تفسير " الخشية " فيما سلف ١٠، ٣٤٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ ، يقول: فالله أولى بكم أن تخافوا عقوبته بترككم جهادهم، وتحذروا سخطه عليكم، من هؤلاء المشركين الذين لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا إلا بإذن الله = ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ، يقول: إن كنتم مقرِّين أن خشية الله لكم أولى من خشية هؤلاء المشركين على أنفسكم.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٣٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾ ، من بعد عهدهم = ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾ ، يقول: هموا بإخراجه فأخرجوه = ﴿وهم بدأوكم أول مرة﴾ ، بالقتال.
١٦٥٣٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وهم بدأوكم أول مرة﴾ ، قال: قتال قريش حلفاءَ محمد ﷺ.
١٦٥٣٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٥٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٦٥٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أمر الله رسوله بجهاد أهل الشرك ممن نقض من أهل العهد الخاص، [[في المطبوعة والمخطوطة أسقط " الخاص " وأثبتها من ابن هشام.]] ومن كان من أهل العهد العامّ، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدُوَ فيها عادٍ منهم، فيقتل بعدائه، [[في المطبوعة: " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقبل بعد ثم قال "، وهو كلام لا معنى له البتة وفي المخطوطة: " إلا أن يعودوا فيها على دينهم فيقتل بعدائه، فقال "، وقد دخلها تحريف شديد، فقوله: " يعودوا "، هو تحريف: " يعدو " و " على دينهم "، صوابها " عاد منهم "، فأساء كتابتها، والصواب من سيرة ابن هشام.]] ثم قال: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول﴾ ، إلى قوله: ﴿والله خبير بما تعملون﴾ . [[الأثر: ١٦٥٣٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩١، وهو تابع الأثر السالف قديما رقم: ١٦٣٧٧.]]
القول في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قاتلوا، أيها المؤمنون بالله ورسوله، هؤلاء المشركين الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم بينكم وبينهم، وأخرجوا رسول الله ﷺ من بين أظهرهم = ﴿يعذبهم الله بأيديكم﴾ ، يقول: يقتلهم الله بأيديكم = ﴿ويخزهم﴾ ، يقول: ويذلهم بالأسر والقهر [[انظر تفسير " الإخزاء " فيما سلف ص: ١١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وينصركم عليهم﴾ ، فيعطيكم الظفر عليهم والغلبة = ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، يقول: ويبرئ داء صدور قوم مؤمنين بالله ورسوله، بقتل هؤلاء المشركين بأيديكم، وإذلالكم وقهركم إياهم. وذلك الداء، هو ما كان في قلوبهم عليهم من الموْجِدة بما كانوا ينالونهم به من الأذى والمكروه.
* *
وقيل: إن الله عنى بقوله: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ،: صدورَ خزاعة حلفاءِ رسول الله ﷺ. وذلك أن قريشًا نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ بمعونتهم بكرًا عليهم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٤٠- حدثنا محمد بن المثنى وابن وكيع قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، قال: خزاعة.
١٦٥٤١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، قال: خزاعة، يشف صدورهم من بني بكر.
١٦٥٤٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، مثله.
١٦٥٤٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، خزاعة حلفاء محمد ﷺ.
١٦٥٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ ، قال: حلفاء رسول الله ﷺ من خزاعة.
١٦٥٤٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
القول في تأويل قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: ويذهب وَجْدَ قلوب هؤلاء القوم المؤمنين من خزاعة، [[انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف ١٢: ١٢٦ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] على هؤلاء القوم الذين نكثوا أيمانهم من المشركين، وغمَّها وكربَها بما فيها من الوجد عليهم، بمعونتهم بكرًا عليهم، [[انظر تفسير " الغيظ " فيما سلف ٧: ٢١٥.]] كما:-
١٦٥٤٦- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد العنقزي، عن أسباط، عن السدي: ﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ ، حين قتلهم بنو بكر، وأعانتهم قريش.
١٦٥٤٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، مثله = إلا أنه قال: وأعانتهم عليهم قريش. [[في المطبوعة: " وأعانهم "، وفي المخطوطة: " وأعلسهم، وصواب قراءتها ما أثبت. "]]
* *
وأما قوله: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ ، فإنه خبر مبتدأ، ولذلك رفع، وجُزِم الأحرفُ الثلاثة قبل ذلك على وجه المجازاة، كأنه قال: قاتلوهم، فإنكم إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم = ثم ابتدأ فقال: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾ ، لأن القتال غير موجب لهم التوبةَ من الله، وهو موجبٌ لهم العذابَ من الله، والخزيَ، وشفاءَ صدور المؤمنين، وذهابَ غيظ قلوبهم، فجزم ذلك شرطًا وجزاءً على القتال، ولم يكن موجبًا القتالُ التوبةَ، فابتُدِئ الخبرُ به ورُفع. [[في المطبوعة: " فابتدأ الحكم به "، والصواب ما أثبت من المخطوطة.]]
* *
ومعنى الكلام: ويمنّ الله على من يشاء من عباده الكافرين، فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه = ﴿والله عليم﴾ ، بسرائر عباده، ومَنْ هو للتوبة أهلٌ فيتوب عليه، ومَنْ منهم غير أهل لها فيخذله = ﴿حكيم﴾ ، في تصريف عباده من حال كفر إلى حال إيمان بتوفيقه من وفَّقه لذلك [[في المطبوعة: " بتوفيق "، وأثبت ما في المخطوطة.]] = ومن حال إيمان إلى كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته وتوحيده، [[السياق: " في تصريف عباده من حال كفر. . . ومن حال إيمان ".]] وغير ذلك من أمرهم. [[انظر تفسير " تاب "، و " عليم "، و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (علم) ، (حكم) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين الذين أمرهم بقتال هؤلاء المشركين، الذين نقضوا عهدهم الذي بينهم وبينه بقوله: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ ، الآية، حاضًّا على جهادهم: ﴿أم حسبتم﴾ ، أيها المؤمنون [[انظر تفسير " حسب " فيما سلف ١٢: ٣٨٨، تعليق ٣: والمراجع هناك.]] = أن يترككم الله بغير محنة يمتحنكم بها، وبغير اختبار يختبركم به، فيعرف الصادقَ منكم في دينه من الكاذب فيه = ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا﴾ ، يقول: أحسبتم أن تتركوا بغير اختبار يعرف به أهل ولايته المجاهدين منكم في سبيله، من المضيِّعين أمرَ الله في ذلك المفرِّطين [[انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف ص: ٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله﴾ ، يقول: ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، والذين لم يتخذوا من دون الله ولا من دون رسوله ولا من دون المؤمنين = ﴿وليجة﴾ .
* *
= هو الشيء يدخل في آخر غيره، يقالُ منه: "ولج فلان في كذا يلجِه، فهو وليجة". [[في المخطوطة: " ولج في فلان كذا "، والذي في المطبوعة أجود.]]
* *
وإنما عنى بها في هذا الموضع: البطانة من المشركين. نهى الله المؤمنين أن يتخذوا من عدوهم من المشركين أولياء، يفشون إليهم أسرارهم = ﴿والله خبير بما تعملون﴾ ، يقول: والله ذو خبرة بما تعملون، [[انظر تفسير " خبير " فيما سلف من فهارس اللغة (خبر) .]] من اتخاذكم من دون الله ودون رسوله والمؤمنين به أولياءَ وبطانةً، بعد ما قد نهاكم عنه، لا يخفى ذلك عليه، ولا غيره من أعمالكم، والله مجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
* *
وبنحو الذي قلت في معنى "الوليجة"، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٤٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولا المؤمنين وليجة﴾ ، يتولّجها من الولاية للمشركين.
١٦٥٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: ﴿وليجة﴾ ، قال: دَخَلا.
١٦٥٥٠- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿أم حسبتم أن تتركوا﴾ ، إلى قوله: ﴿وليجة﴾ ، قال: أبي أن يدعهم دون التمحيص. وقرأ: ﴿" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ "، وقرأ: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٤٢] ، ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ ، الآيات كلها، [[صدر هذه الآية، لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة، كان بدؤها " ولم يأتكم. . . ".]] [سورة البقرة ٢١٤] أخبرهم أن لا يتركهم حتى يمحِّصهم ويختبرهم. وقرأ: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ، لا يختبرون ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ، [سورة العنكبوت: ١ - ٣] ، أبى الله إلا أن يمَحِّص.
١٦٥٥١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿وليجة﴾ ، قال: هو الكفر والنفاق = أو قال أحدَهما.
* *
وقيل: ﴿أم حسبتم﴾ ، ولم يقل: "أحسبتم"، لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فأدخلت فيه "أم" ليفرَّق بينه وبين الاستفهام المبتدأ. وقد بينت نظائر ذلك في غير موضع من الكتاب. [[انظر ما سلف في تفسير " أم " ٢: ٤٩٢ - ٤٩٤ / ٣: ٩٧ / ٤: ٢٨٧، ٢٨٨، ثم انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٦.]]
القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر. يقول: إن المساجد إنما تعمر لعبادة الله فيها، لا للكفر به، فمن كان بالله كافرًا، فليس من شأنه أن يعمُرَ مساجد الله.
* *
وأما شهادتهم على أنفسهم بالكفر، فإنها كما:-
١٦٥٥٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ ، يقول: ما ينبغي لهم أن يعمروها. وأما ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ ، فإن النصراني يسأل: ما أنت؟ فيقول: نصراني = واليهودي، فيقول: يهودي = والصابئ، فيقول: صابئ = والمشرك يقول إذا سألته: ما دينك؟ فيقول: مشرك! لم يكن ليقوله أحدٌ إلا العرب.
١٦٥٥٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي، عن أسباط، عن السدي: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ ، قال: يقول: ما كان ينبغي لهم أن يعمروها.
١٦٥٥٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدي: ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾ ، قال: النصراني يقال له: ما أنت؟ فيقول: نصراني = واليهودي يقال له: ما أنت؟ فيقول: يهودي = والصابئ يقال له: ما أنت؟ فيقول: صابئ.
* *
وقوله: ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ ، يقول: بطلت وذهبت أجورها، لأنها لم تكن لله بل كانت للشيطان [[انظر تفسير " حبط " فيما سلف ١١٣: ١١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وفي النار هم خالدون﴾ ، يقول: ماكثون فيها أبدًا، لا أحياءً ولا أمواتًا. [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]]
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله﴾ ، فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿مساجد الله﴾ ، على الجماع. [[في المطبوعة: " على الجمع "، وأثبت ما في المخطوطة، في هذا الموضوع ما يليه جميعا.]]
* *
وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: ﴿مَسْجِدَ اللهِ﴾ ، على التوحيد، بمعنى المسجد الحرام.
* *
قال أبو جعفر: وهم جميعًا مجمعون على قراءة قوله: [[يعني أبو جعفر أن جميع القرأة مجمعون على قراءة الآية التالية: " إنما يعمر مساجد الله "، على الجماع، بلا خلاف بينهم في ذلك ولذلك زدت تمام الآية، وكان في المطبوعة والمخطوطة: " مساجد الله "، دون: " إنما يعمر ".]] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ، على الجماع، لأنه إذا قرئ كذلك، احتمل معنى الواحد والجماع، لأن العرب قد تذهب بالواحد إلى الجماع، وبالجماع إلى الواحد، كقولهم: "عليه ثوب أخلاق". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٦، ٤٢٧.]]
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ، المصدِّق بوحدانية الله، المخلص له العبادة = ﴿واليوم الآخر﴾ ، يقول: الذي يصدق ببعث الله الموتى أحياءً من قبورهم يوم القيامة [[انظر تفسير " اليوم الآخر " فيما سلف من فهارس اللغة (آخر) .]] = ﴿وأقام الصلاة﴾ ، المكتوبة، بحدودها = وأدَّى الزكاة الواجبة عليه في ماله إلى من أوجبها الله له [[انظر تفسير " إقامة الصلاة " و " إيتاء الزكاة " فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) ، (أتى) .]] = ﴿ولم يخش إلا الله﴾ ، يقول: ولم يرهب عقوبة شيء على معصيته إياه، سوى الله [[انظر تفسير " الخشية " فيما سلف ص: ١٥٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ ، يقول: فخليق بأولئك الذين هذه صفتهم، أن يكونوا عند الله ممن قد هداه الله للحق وإصابة الصواب. [[انظر تفسير " عسى " فيما سلف ١٣: ٤٥، تعليق ١، والمراجع هناك.
= وتفسير " الاهتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]]
١٦٥٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ ، يقول: من وحَّد الله، وآمن باليوم الآخر. يقول: أقرّ بما أنزل الله = ﴿وأقام الصلاة﴾ ، يعني الصلوات الخمس = ﴿ولم يخش إلا الله﴾ ، يقول: ثم لم يعبد إلا الله = قال: ﴿فعسى أولئك﴾ ، يقول: إن أولئك هم المفلحون، كقوله لنبيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ، [سورة الإسراء: ٧٩] : يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا محمودًا، وهي الشفاعة، وكل "عسى"، في القرآن فهي واجبة.
١٦٥٥٦- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر قول قريش: إنَّا أهلُ الحرم، وسُقاة الحاج، وعُمَّار هذا البيت، ولا أحد أفضل منا! فقال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ ، أي: إن عمارتكم ليست على ذلك، ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ، أي: من عمرها بحقها = ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾ = فأولئك عمارها = ﴿فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ ، و"عسى" من الله حق. [[الأثر: ١٦٥٥٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٥٣٩.]]
القول في تأويل قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا توبيخ من الله تعالى ذكره لقوم افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم جل ثناؤه أن الفخر في الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، لا في الذي افتخروا به من السِّدانة والسقاية. [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]
* *
وبذلك جاءت الآثار وتأويل أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٥٧- حدثنا أبو الوليد الدمشقي أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني معاوية بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج! وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام! وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم! فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلت على رسول الله ﷺ فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ . [[الأثر: ١٦٥٥٧ - " أحمد بن عبد الرحمن بن بكار القرشي، الدمشقي "، " أبو الوليد "، شيخ الطبري، مضى مرارا، آخرها رقم: ١١٤١٦.
و" الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي "، سلف مرارا، آخرها رقم: ٩٠٧١ روى له الجماعة.
و" معاوية بن سلام بن أبي سلام ممطور الحبشي "، " أبو سلام الدمشقي "، روى له الجماعة، روى عن جده أبي سلام. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /١ / ٣٣٥، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٨٣.
و" أبو سلام الأسود " واسمه " ممطور "، تابعي ثقة، مضى برقم: ١٥٦٥٤، ١٥٦٥٥.
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه (١٣: ٢٥، ٢٦) ، من طريق أبي توبة، عن معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام قال: حدثني النعمان بن بشير، ثم رواه من طريق يحيى بن حسان، عن معاوية، عن زيد، بمثله.
وذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ١٣١، ونسبه لأبي داود، ولم استطع أن عليه في السنن.
وزاد السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢١٨ نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
وسيأتي بإسناد آخر رقم: ١٦٥٦٠، من طريق أخرى مرسلة.]]
١٦٥٥٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر﴾ ، قال العباس بن عبد المطلب حين أسر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني! [[" العاني "، الأسير.]] قال الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ ، إلى قوله: ﴿الظالمين﴾ ، يعني أن ذلك كان في الشرك، ولا أقبل ما كان في الشرك.
١٦٥٥٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ ، إلى قوله: ﴿الظالمين﴾ ، وذلك أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية، خير ممن آمن وجاهد، وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون، [[في المطبوعة: " يستكبرون به "، بزيادة " به "، وليست في المخطوطة، وفيها " يستكثرون " وهو خطأ.]] من أجل أنهم أهله وعُمَّاره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم، فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٦، ٦٧] ، يعني أنهم يستكبرون بالحرم. وقال: ﴿به سامرًا﴾ ، لأنهم كانوا يسمرون، ويهجرون القرآن والنبيَّ ﷺ. فخيَّر الإيمان بالله والجهاد مع نبي الله ﷺ، على عمران المشركين البيتَ وقيامهم على السقاية. ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، أن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه. قال الله: ﴿لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ، يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة، فسماهم الله "ظالمين"، بشركهم، فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.
١٦٥٦٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير، أن رجلا قال: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج! وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرامَ! وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم! فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ = وذلك يوم الجمعة = ولكن إذا صلى الجمعة دخلنا عليه! فنزلت: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ ، إلى قوله: ﴿لا يستوون عند الله﴾ ، [[الأثر ١٦٥٦٠ - " يحيى بن أبي كثير الطافي "، ثقة، روى له الجماعة، روى عن زيد بن سلام بن أبي سلام، وأرسل عن أبي سلام الحبشي وغيره وهذا من مرسله عن النعمان بن بشير، أو عن أبي سلام. وقد مضى برقم: ٩١٨٩، ١١٥٠٥ - ١١٥٠٧.]]
١٦٥٦١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن قال: نزلت في علي، وعباس، وعثمان، وشيبة، تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا! فقال رسول الله ﷺ: "أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرًا.
١٦٥٦٢- ... قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: نزلت في علي، والعباس، تكلما في ذلك.
١٦٥٦٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرت عن أبي صخر قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة، أنا صاحب البيت، معي مفتاحه، لو أشاء بِتُّ فيه! وقال عباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، ولو أشاء بِتُّ في المسجد! وقال علي: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد! فأنزل الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ ، الآية كلها.
١٦٥٦٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن قال: لما نزلت ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ ، قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا! فقال النبي ﷺ "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا".
١٦٥٦٥- حدثني محمد بن الحسن قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله﴾ ، قال: افتخر علي، وعباس، وشيبة بن عثمان، فقال للعباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حُجَّاج بيت الله! وقال شيبة: أنا أعمُر مسجد الله! وقال علي: أنا هاجرت مع رسول الله ﷺ، وأجاهد معه في سبيل الله! فأنزل الله: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾ ، إلى: ﴿نعيم مقيم﴾ .
١٦٥٦٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ ، الآية، أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسرُوا يوم بدر يعيِّرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنَّا نَعمُر المسجدَ الحرام، ونفُكُّ العاني، ونحجب البيتَ، ونسقي الحاج! فأنزل الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ ، الآية.
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أجعلتم، أيها القوم، سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله = ﴿لا يستوون﴾ هؤلاء، وأولئك، ولا تعتدل أحوالهما عند الله ومنازلهما، لأن الله تعالى لا يقبل بغير الإيمان به وباليوم الآخر عملا = ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ، يقول: والله لا يوفّق لصالح الأعمال من كان به كافرًا ولتوحيده جاحدا.
* *
ووضع الاسم موضع المصدر في قوله: ﴿كمن آمن بالله﴾ ، إذ كان معلومًا معناه، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
لَعَمْرُكَ مَا الفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى ... وَلَكِنَّمَا الفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِي [[معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٧، شرح شواهد المغني: ٣٢٥. و " الندي "، السخي.]]
فجعل خبر "الفتيان"، "أن"، وهو كما يقال: "إنما السخاء حاتم، والشعر زهير".
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا قضاءٌ من الله بَيْن فِرَق المفتخرين الذين افتخرَ أحدهم بالسقاية، والآخرُ بالسِّدانة، والآخر بالإيمان بالله والجهاد في سبيله. يقول تعالى ذكره: ﴿الذين أمنوا﴾ بالله، وصدقوا بتوحيده من المشركين = ﴿وهاجروا﴾ دورَ قومهم [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٧.]] = ﴿وجاهدوا﴾ المشركين في دين الله [[انظر تفسير " هاجر " فيما سلف ص: ٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله﴾ ، وأرفع منزلة عنده، [[انظر تفسير " جاهد " فيما سلف ص: ١٦٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] من سُقَاة الحاج وعُمَّار المسجد الحرام، وهم بالله مشركون = ﴿وأولئك﴾ ، يقول: وهؤلاء الذين وصفنا صفتهم، أنهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا = ﴿هم الفائزون﴾ ، بالجنة، الناجون من النار. [[انظر تفسير " الدرجة " فيما سلف: ١٣: ٣٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يبشر هؤلاء الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله [[انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ١١: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ربُّهم برحمة منه﴾ ، لهم، أنه قد رحمهم من أن يعذبهم = وبرضوان منه لهم، بأنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه، وأدائهم ما كلَّفهم [[انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٣١ تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿وجنات﴾ ، يقول: وبساتين [[انظر تفسير " الرضوان " فيما سلف ١١: ٢٤٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿لهم فيها نعيم مقيم﴾ ، لا يزول ولا يبيد، ثابت دائمٌ أبدًا لهم. [[انظر تفسير " النعيم " فيما سلف ١٠: ٤٦١، ٤٦٢.
= وتفسير " مقيم " فيما سلف ١٠: ٢٩٣.]]
١٦٥٦٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله سبحانه: أُعطيكم أفضل من هذا، فيقولون: ربَّنا، أيُّ شيء أفضل من هذا؟ قال: رِضْواني. [[الأثر: ١٦٥٦٧ - مضى هذا الخبر بإسناده ولفظه، وسلف تصحيحه برقم: ٦٥١ (ج ٦: ٢٦٢) . وكان في المطبوعة: " أبو أحمد الموسوي "، خطأ محض، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]
القول في تأويل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره = ﴿خالدين فيها﴾ ، ماكثين فيها، يعنى في الجنات [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ﴿أبدا﴾ ، لا نهاية لذلك ولا حدَّ [[انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ١١: ٢٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿إن الله عنده أجر عظيم﴾ ، يقول: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتَهم جل ثناؤه النعتَ الذي ذكر في هذه الآية = ﴿أجر﴾ ، ثواب على طاعتهم لربّهم، وأدائهم ما كلفهم من الأعمال [[انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) .]] = ﴿عظيم﴾ ، وذلك النعيم الذي وعدَهم أن يعطيهم في الآخرة. [[انظر تفسير " عظيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عظم) .]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسرارَكم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام [[انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿إن استحبُّوا الكفر على الإيمان﴾ ، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده = ﴿ومن يتولهم منكم﴾ ، يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقَام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ ، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمرَ الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره. [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]]
* *
وقيل: إن ذلك نزل نهيًا من الله المؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ ، قال: أمروا بالهجرة، فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج! وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا صاحب الكعبة، فلا نهاجر! فأنزلت: ﴿لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء﴾ ، إلى قوله: ﴿يأتي الله بأمره﴾ ، بالفتح، في أمره إياهم بالهجرة. هذا كله قبل فتح مكة.
القول في تأويل قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره = ﴿خالدين فيها﴾ ، ماكثين فيها، يعنى في الجنات [[انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ﴿أبدا﴾ ، لا نهاية لذلك ولا حدَّ [[انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ١١: ٢٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿إن الله عنده أجر عظيم﴾ ، يقول: إن الله عنده لهؤلاء المؤمنين الذين نعتَهم جل ثناؤه النعتَ الذي ذكر في هذه الآية = ﴿أجر﴾ ، ثواب على طاعتهم لربّهم، وأدائهم ما كلفهم من الأعمال [[انظر تفسير " الأجر " فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) .]] = ﴿عظيم﴾ ، وذلك النعيم الذي وعدَهم أن يعطيهم في الآخرة. [[انظر تفسير " عظيم " فيما سلف من فهارس اللغة (عظم) .]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسرارَكم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المُكْثَ بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام [[انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿إن استحبُّوا الكفر على الإيمان﴾ ، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده = ﴿ومن يتولهم منكم﴾ ، يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقَام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ ، يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمرَ الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره. [[انظر تفسير " الظلم " فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]]
* *
وقيل: إن ذلك نزل نهيًا من الله المؤمنين عن موالاة أقربائهم الذين لم يهاجروا من أرض الشرك إلى دار الإسلام.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام﴾ ، قال: أمروا بالهجرة، فقال العباس بن عبد المطلب: أنا أسقي الحاج! وقال طلحة أخو بني عبد الدار: أنا صاحب الكعبة، فلا نهاجر! فأنزلت: ﴿لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء﴾ ، إلى قوله: ﴿يأتي الله بأمره﴾ ، بالفتح، في أمره إياهم بالهجرة. هذا كله قبل فتح مكة.
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد، للمتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم = وكانت ﴿أموال اقترفتموها﴾ ، يقول: اكتسبتموها [[انظر تفسير " الاقتراف " فيما سلف ١٢: ٧٦: ١٧٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ ، بفراقكم بلدَكم = ﴿ومساكن ترضونها﴾ ، فسكنتموها = ﴿أحب إليكم﴾ ، من الهجرة إلى الله ورسوله، من دار الشرك = ومن جهاد في سبيله، يعني: في نصرة دين الله الذي ارتضاه [[انظر تفسير " الجهاد " فيما سلف من: ١٧٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿فتربصوا﴾ ، يقول: فتنظّروا [[انظر تفسير " التربص " فيما سلف ٩؛ ٣٢٣: تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ، حتى يأتي الله بفتح مكة = ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ ، يقول: والله لا يوفّق للخير الخارِجين عن طاعته وفي معصيته. [[انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .
= وتفسير " الفسق " فيما سلف من فهارس اللغة (فسق)]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٦٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ ، بالفتح.
١٦٥٧٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ، فتح مكة.
١٦٥٧١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها﴾ ، يقول: تخشون أن تكسد فتبيعوها = ﴿ومساكن ترضونها﴾ ، قال: هي القصور والمنازل.
١٦٥٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأموال اقترفتموها﴾ ، يقول: أصبتموها.
القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿لقد نصركم الله﴾ ، أيها المؤمنون = في أماكن حرب توطِّنون فيها أنفسكم على لقاء عدوّكم، ومشاهد تلتقون فيها أنتم وهم كثيرة = ﴿ويوم حنين﴾ ، يقول: وفي يوم حنين أيضًا قد نصركم.
* *
و ﴿حنين﴾ وادٍ، فيما ذكر، بين مكة والطائف. وأجرِيَ، لأنه مذكر اسم لمذكر. وقد يترك إجراؤه، ويراد به أن يجعل اسمًا للبلدة التي هو بها، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٢٩.]] ومنه قول الشاعر: [[هو حسان بن ثابت.]]
نَصَرُوا نَبِيَّهُمْ وَشَدُّوا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَالِ [[ديوانه: ٣٣٤، ومعاني القرآن للفراء ١: ٤٢٩، واللسان (حنن) ، وسيأتي في التفسير ١٦: ١١١ (بولاق) ، وهو بيت مفرد.
وقوله: " تواكل الأبطال "، من قولهم: " تواكل القوم "، إذا اتكل بعضهم على بعض، ولم يعفه في مأزق الحرب. وفي الحديث أنه نهى عن المواكلة، وهو: أن يكل كل امرئ صاحبه إلى نفسه، فلا يعينه فيما ينويه، وهو مفض إلى الضعف والتقاطع وفساد الأمور، أعاذنا الله من كل ذلك.]]
١٦٥٧٣- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال، حدثني أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة قال: "حُنَين"، واد إلى جنب ذي المجاز. [[الأثر: ١٦٥٧٢ - هو جزء من كتاب عروة، إلى عبد الملك بن مروان، الذي خرجته فيما سلف رقم: ١٦٠٨٣، ورواه الطبري في تاريخه، في أثناء خبر طويل ٢: ١٢٥.]]
* *
﴿إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ ، وكانوا ذلك اليوم، فيما ذكر لنا، اثنى عشر ألفًا.
* *
وروي أن النبي ﷺ قال ذلك اليوم: لن نغلب من قِلَّة.
* *
وقيل: قال ذلك رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ.
* *
وهو قول الله: ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا﴾ ، يقول: فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا [[انظر تفسير " أغنى " فيما سلف: ١٣: ٤٤٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾ ، يقول: وضاقت الأرض بسعتها عليكم.
* *
و"الباء" ههنا في معنى "في"، ومعناه: وضاقت عليكم الأرض في رحبها، وبرحبها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٣٠.]]
* *
يقال منه: "مكان رحيب"، أي واسع. وإنما سميت الرِّحاب "رحابًا" لسَعَتَها.
* *
= ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ ، عن عدوكم منهزمين = "مدبرين"، يقول: وليتموهم، الأدبار، وذلك الهزيمة. يخبرهم تبارك وتعالى أن النصر بيده ومن عنده، وأنه ليس بكثرة العدد وشدة البطش، وأنه ينصر القليلَ على الكثير إذا شاء، ويخلِّي الكثيرَ والقليلَ، فَيهْزِم الكثيرُ. [[في المطبوعة: " ويخلي القليل فيهزم الكثير "؛ حذف بسوء رأيه فأفسد الكلام. وإنما أراد أن الله يخلي بين الكثير والقليل فلا ينصر القليل، فيهزم الكثير القليل، على ما جرت به العادة من غلبة الكثير على القليل.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٧٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ ، حتى بلغ: ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾ ، قال: "حنين"، ماء بين مكة والطائف، قاتل عليها نبيُّ الله هوازن وثقيفَ، وعلى هوازن: مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف: عبد يا ليل بن عمرو الثقفيّ. قال: وذُكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا: عشرة آلافٍ من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلقَاء، وذكر لنا أنَّ رجلا قال يومئذٍ: "لن نغلب اليوم بكَثْرة"! قال: وذكر لنا أن الطُّلقَاء انجفَلوا يومئذ بالناس، [[" انجفل القوم عن رئيسهم "، ذعروا، فانقلعوا من حوله، ففروا مسرعين.]] وجلَوْا عن نبي الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذكر لنا أن نبيَّ الله قال: "أي رب، آتني ما وعدتني"! قال: والعباسُ آخذ بلجام بغلةِ رسول الله، فقال له النبي ﷺ: "ناد يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين! "، فجعل ينادي الأنصار فَخِذًا فخِذًا، ثم قال: "نادِ بأصحاب سورة البقرة! ". [[في المطبوعة: " ثم نادى بأصحاب سورة البقرة "، غير ما في المخطوطة عبثا.]] قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا. [[قوله: " عنقا واحدا "، أي: جملة واحدة. ويقال: " جاء القوم عنقا عنقا "، أي: طائفة طائفة. ويقال: " هم عليه عنق "، أي: هم عليه إلب واحد.]] فالتفت نبيُّ الله ﷺ، وإذا عصابة من الأنصار، فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله، والله لو عمدت إلى بَرْك الغِمادِ من ذي يَمَنٍ لكنَّا مَعَك، [[انظر ما سلف في تفسير " برك الغماد " رقم: ١٥٧٢٠.]] ثم أنزل الله نصره، وهزَمَ عدوّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسول الله كفًّا من تراب = أو: قبضةً من حَصْباء = فرمى بها وجوه الكفار، وقال: "شاهت الوجوه! "، فانهزموا. فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرَّانة، فقسم بها مغانم حنين، وتألَّف أناسًا من الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: "أمن الرجل وآثر قومه"! [[في المطبوعة: " حن الرجل إلى قومه "، غير ما في المخطوطة بلا ورع.]] فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قُبَّة له من أَدَم، فقال: "يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلالا فهداكم الله، وكنتم أذلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم! " قال: فقال سعد بن عبادة رحمه الله: ائذن لي فأتكلم! قال: تكلم. قال: أما قولك: "كنتم ضلالا فهداكم الله"، فكنا كذلك = "وكنتم أذلة فأعزكم الله"، فقد علمت العربُ ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لما وراء ظهورهم منَّا! فقال عمر: يا سعد أتدري من تُكلِّم! فقال: نعم أكلّم رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده، لو سلكَتِ الأنصارُ واديًا والناس واديًا لسكت وادي الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنت امرءًا من الأنصار. وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: " الأنصار كَرِشي وَعَيْبتي، فاقبلوا من مُحِسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم". [[" الكرش "، وعاء الطيب، و " العيبة " وعاء من أدم يكون فيه المتاع والثياب.
يقول: الأنصار خاصتي وموضع سري، أثق بهم، وأعتمد عليهم، وهم أنفس ما أحرز.]] ثم قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسولِ الله إلى بيوتكم! فقالت الأنصار: رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله ﷺ! فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ورسوله يصدِّقانكم ويعذِرَانكم". [[الأثر: ١٦٥٧٤ - رواه ابن سعد مختصرا في الطبقات ٤ / ١ / ١١، ١٢.]]
١٦٥٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن أمَّ رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظِئْره من بني سعد بن بكر، أتته فسألته سَبَايا يوم حنين، فقال رسول الله ﷺ: إني لا أملكهم، وإنما لي منهم نصيبي، ولكن ائتيني غدًا فسلِيني والناس عندي، فإني إذا أعطيتُك نصيبي أعطاك الناس. فجاءت الغد، فبسط لها ثوبًا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه. فلما رأى ذلك الناس أعطوْها أنصباءهم.
١٦٥٧٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ ، الآية: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين قال: يا رسول الله، لن نغلب اليوم من قِلّة! وأعجبته كثرة الناس، وكانوا اثني عشر ألفًا. فسار رسول الله ﷺ، فوُكِلوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين يديه. فنادى رسول الله ﷺ: أين الأنصار؟ أين الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله الملائكة بالنصر، فهزموا المشركين يومئذٍ، وذلك قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها﴾ ، الآية.
١٦٥٧٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب، عن أبيه قال: لما كان يوم حنين، التقى المسلمون والمشركون، فولّى المسلمون يومئذٍ. قال: فلقد رأيتُ النبي ﷺ وما معه أحدٌ إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذًا بغَرْزِ النبي ﷺ، لا يألو ما أسرع نحو المشركين. [[" الغرز "، ركاب الدابة. و " لا يألو " لا يقصر.]] قال: فأتيت حتى أخذتُ بلجامه، وهو على بغلةٍ له شهباء، فقال: يا عباس. ناد أصحابَ السمرة! وكنت رجلا صَيِّتًا، [[" الصيت " (على وزن جيد) : البعيد الصوت العاليه.]] فأذَّنت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة! فالتفتوا كأنها الإبل إذا حُشِرت إلى أولادها، [[في المطبوعة: " إذا حنت إلى أولادها "، غير ما في المخطوطة، و " الحشر "، الجمع.
وفي المراجع الأخرى: " لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ". والذي في طبقات ابن سعد، موافق لما في المطبوعة.]] يقولون: "يا لبيك، يا لبَّيك، يا لبيك"، وأقبل المشركون. فالتقوا هم والمسلمون، وتنادت الأنصار: "يا معشر الأنصار"، ثم قُصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، فتنادوا: "يا بني الحارث بن الخزرج"، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاوِل، إلى قتالهم فقال: "هذا حين حَمِي الوَطِيس"! [[" الوطيس ": حفرة تحتفر، فتوقد فيها النار، فإذا حميت يختبز فيها ويشوى، ويقال لها " الإرة " وهذا من بليغ الكلام، ولم تسمع هذه الكلمة من أحد قبل رسول الله ﷺ.]] ثم أخذ بيده من الحصباء فرماهم بها، ثم قال: "انهزموا وربِّ الكعبة، انهزموا ورب الكعبة! " قال: فوالله ما زال أمرُهم مدبرًا، وحدُّهم كليلا حتى هزمهم الله، قال: فلكأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ يركُضُ خلفهم على بَغْلَتِه. [[الأثر: ١٦٥٧٧ - " كثير بن العباس بن عبد المطلب "، ابن عم رسول الله ﷺ، ولد على عهد رسول الله، ولم يسمع منه، تابعي ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٠٧، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٥٣.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ١٧٧٥ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. وفصل أخي السيد أحمد تخريجه هناك، ثم رقم: ١٧٧٦.
ورواه مسلم في صحيحه ١٢: ١١٣، من طريق يونس، عن الزهري. ثم رواه أيضا (١٢: ١١٧) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، ومن طريق سفيان بن عيينه عن الزهري.
ورواه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٢٧، من طريق يونس، عن الزهري.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢ = ٤ / ١ / ١١، الثاني طريق محمد بن عبد الله، عن عمه، عن ابن شهاب الزهري، والأول من طريق محمد بن حميد العبدي، عن معمر، عن الزهري.
ثم انظر تاريخ الطبري ٣: ١٢٨، حديث ابن إسحاق، في سيرة ابن هشام ٤: ٨٧، ٨٨.]]
١٦٥٧٨- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أنهم أصابوا يومئذٍ ستة آلاف سَبْيٍ، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله: أنت خيرُ الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالَنا! فقال النبي ﷺ: إن عندي من ترونَ! وإن خير القولِ أصدقُه، اختاروا: إما ذَراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم. قالوا: ما كنا نعدِل بالأحساب شيئًا! فقام رسول الله ﷺ فقال: إن هؤلاء جاءوني مسلمين، وإنا خيَّرناهم بين الذَّراريّ والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده منهم شيء فطابت نفسُه أن يردَّه فليفعل ذلك، ومن لا فليُعْطِنا، وليكن قَرْضًا علينا حتى نصيب شيئًا، فنعطيه مكانه. فقالوا: يا نبي الله، رضينا وسلَّمنا! فقال: "إني لا أدري لعلَّ منكم من لا يرضَى، فَمُروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا. فرفعتْ إليه العُرَفاء أن قد رضوا وسلموا. [[الأثر: ١٦٥٧٨ - رواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢. ٨٧، ٨٨.]]
١٦٥٧٩- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا يعلى بن عطاء، عن أبي همام، عن أبي عبد الرحمن = يعني الفهريّ = قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة حنين، فلما رَكَدت الشمس، [[" ركدت الشمس "، ثبتت، وذلك حين يقوم قائم الظهيرة.]] لبستُ لأمَتي، [[" اللأمة " الدرع، وسلاح الحرب كله.]] وركبت فرسي، حتى أتيت النبي ﷺ وهو في ظِلّ شجرة، فقلت: يا رسول الله، قد حان الرَّواح، فقال: أجل! فنادى: "يا بِلال! يا بلال! " فقام بلال من تحت سمرة، فأقبل كأن ظله ظلُّ طير، فقال: لبيك وسعديك، ونفسي فداؤك، يا رسول الله! فقال له النبي ﷺ: أسرج فرسي! فأخرج سَرْجًا دَفَّتَاه حشْوهما ليفٌ، ليس فيهما أَشَرٌ ولا بَطَرٌ [[" الأشر "، المرح والخيلاء. و " البطر "، الطغيان في النعمة من قلة احتمالها.]] قال: فركب النبي ﷺ، فصافَفْناهم يومَنا وليلتنا، فلما التقى الخيلان ولَّى المسلمون مدبرين، كما قال الله. فنادى رسول الله ﷺ: "يا عباد الله، يا معشر المهاجرين! ". قال: ومال النبي ﷺ عن فرسه، فأخذ حَفْنَةً من تراب فرمى بها وجوههم، فولوا مدبرين = قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي مِنَّا أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب. [[الأثر: ١٦٥٧٩ - " يعلى بن عطاء العامري الطائفي "، ثقة مضى برقم: ٢٨٥٨، ١١٥٢٧، ١١٥٢٩.
و" أبو همام " هو " عبد الله بن يسار "، روى عن عمرو بن حريث. وأبي عبد الرحمن الفهري. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٠٢.
و" أبو عبد الرحمن الفهري "، صحابي مختلف في اسمه، مترجم في الإصابة، والتهذيب، وأسد الغابة ٥: ٢٤٥، ٢٤٦، والاستيعاب: ٦٧٦.
وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ٢٨٦ من طريق بهز عن حماد بن سلمة، ومن طريق عفان، عن حماد.
ورواه ابن سعد في الطبقات ٢ / ١ / ١١٢، ١١٣، من طريق عفان، عن حماد بن سلمة.
ورواه أبو داود في سننه ٤: ٤٨٥، ٤٨٦، برقم: ٥٢٣٣ من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد مختصرا.
ورواه ابن عبد البر في الاستيعاب ٦٧٦، بغير إسناد.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ١٨١، ١٨٢، وقال: " رواه البزار، والطبراني، ورجالها ثقات ".]]
١٦٥٨٠- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل من قيس: فَرَرتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال البراء: لكن رسول الله لم يفرَّ، وكانت هَوازن يومئذ رُماةً، وإنَّا لما حملنا عليهم انكشَفُوا فأكبَبْنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها وهو يقول:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عبدِ المُطَّلِبْ [[الأثران: ١٦٥٨٠، ١٦٥٨١ - خبر البراء بن عازب، رواه مسلم من طرق كثيرة في صحيحه ١٢: ١١٧ - ١٢١، ورواه من طريق شعبة، عن أبي إسحاق في ١٢: ١٢١.
ورواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٤) من طرق.]]
١٦٥٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: سأله رجل: يا أبا عُمارة، وليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن رسول الله لم يولِّ يومئذ دُبُره، وأبو سفيان يقود بغلته. فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عبدِ المُطَّلِبْ
فما رُؤي يومئذ أحد من الناس كان أشدَّ منه.
١٦٥٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني جعفر بن سليمان، عن عوف الأعرابي، عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال، حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحابَ محمد عليه السلام، لم يقفوا لنا حَلَبَ شاةٍ أن كشفناهم، فبينا نحن نسوقهم، إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، فتلقانا رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا"! فرجعنا، وركبنا القوم، فكانت إياها. [[الأثر: ١٦٥٨٢ - " عبد الرحمن، مولى أم برثن "، هو " عبد الرحمن بن آدم، صاحب السقاية ". وكانت أم برثن تعالج الطيب، فأصابت غلاما لقطة، فربته حتى أدرك، وسمته عبد الرحمن، فكان مما يقال له " عبد الرحمن بن أم برثن "، وإنما قيل له: " عبد الرحمن بن آدم، نسب إلى أبي البشر جميعا، " آدم " عليه السلام، لم يكن يعرف له أب، وهو ثقة، مضى برقم: ٧١٤٥.
وكان في المخطوطة: " مولى برثن "، وهو خطأ، وانظر الخبر التالي رقم: ١٩٥٨٧ من طريق أخرى.
وقوله: " لم يقفوا لنا حلب شاة "، يعني: إلا قدر ما تحلب شاة، كناية من قلة الزمن، كما يقال: " فواق ناقة "، و " الفواق " ما بين الحلبتين إذا قبض الجانب على الضرع ثم أرسله.
قوله: " فكانت إياها "، يعني، فكانت الهزيمة التي تعلم. وفي حديث معاوية بن عطاء:
" كان معاوية رضي الله عنه إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة كانت إياها ". قالوا: اسم " كان " ضمير " السجدة "، و " إياها " الخبر، أي: كانت هي هي، أي: كان يرفع منها وينهض قائما إلى الركعة الأخرى من غير أن يقعد قعدة الاستراحة.]]
١٦٥٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: أمدَّ الله نبيه ﷺ يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين. قال: ويومئذ سمَّى الله الأنصار "مؤمنين". قال: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم يَروها﴾ .
١٦٥٨٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا﴾ ، قال: كانوا اثني عشر ألفًا.
١٦٥٨٥- حدثنا محمد بن يزيد الأدَميّ قال، حدثنا معن بن عيسى، عن سعيد بن السائب الطائفي، عن أبيه، عن يزيد بن عامر قال: لما كانت انكشافةُ المسلمين حين انكشفوا يوم حنين، ضَرَب النبي ﷺ يَده إلى الأرض، فأخذ منها قبضة من تراب، فأقبل بها على المشركين وهم يتْبعون المسلمين، فحثَاها في وجوهم وقال: "ارجعوا: شاهت الوجوه! ". قال: فانصرفنا، ما يلقى أحدٌ أحدًا إلا وهو يمسَحُ القَذَى عن عينيه. [[الأثر: ١٦٥٨٥ - " محمد بن يزيد الأدمي الخراز "، شيخ الطبري، ثقة زاهد، مضى برقم: ٤٨٩٤.
و" معن بن عيسى الأشجعي، القزاز "، أحد أئمة الحديث، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٩٠، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٧٧.
و" سعيد بن السائب الطائفي "، ثقة، مضى برقم: ١٥٤٠٢.
وأبوه " السائب بن أبي حفص الطائفي "، ثقة، مترجم في الكبير ٢ / ٢ / ١٥٦، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٤٥.
و" يزيد بن عامر السوائي " " أبو حاجز " صحابي، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٣١٦، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٢٨١.
وهذا الخبر، رواه البخاري في تاريخه ٤ / ٢ / ٣١٦ من طريق إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى.
ورواه ابن الأثير في أسد الغابة ٥: ١١٥، ١١٦.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ١٨٢، ١٨٣) ، حديثان، كما جاء هنا في التفسير، وقال في الأول والثاني " رواه الطبراني، ورجاله ثقات ".]]
١٦٥٨٦- وبه، عن يزيد بن عامر السُّوائي قال: قيل له: يا أبا حاجز، الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين، ماذا وجدتم؟ قال: وكان أبو حاجز مع المشركين يوم حنين، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطَّستِ فيطنُّ، ثم يقول: كان في أجوافِنَا مثل هذا! [[١٦٥٨٦ - مكرر الأثر السالف، وتخريجه هناك.]]
١٦٥٨٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف قال، سمعت عبد الرحمن مولى أم برثن = أو: أم برثم = قال، حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: لما التقينا نحن وأصحابَ رسول الله ﷺ يوم حنين، لم يقوموا لنا حَلَب شاة. قال: فلما كشفناهم جعلنا نسُوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ. قال: فتلقانا عندَه رجالٌ بيضٌ حسانُ الوجوه فقالوا لنا: "شاهت الوجوه، ارجعوا! "، قال: فانهزمنا، وركِبُوا أكتافنا، فكانت إيَّاهَا. [[الأثر: ١٦٥٨٧ - " عبد الرحمن، مولى أم برثن، أو: أم برثم "، بإبدال النون ميما، مضى في الأثر رقم: ١٦٥٨٢، وكان في المطبوعة هنا: " أو: أم مريم "، وهو خطأ محض، وتصرف في رسم المخطوطة، وهي غير منقوطة.]]
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم من بعد ما ضاقت عليكم الأرض بما رحبت، وتوليتكم الأعداءَ أدباركم، كشف الله نازل البلاء عنكم، بإنزاله السكينة = وهي الأمنة والطمأنينة = عليكم.
* *
= وقد بينا أنها "فعيلة"، من "السكون"، فيما مضى من كتابنا هذا قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير " السكينة " فيما سلف ٣: ٦٦، ٧٠ /٥: ٣٢٦ - ٣٣٠.]]
* *
= ﴿وأنزل جنودًا لم تروها﴾ ، وهي الملائكة التي ذكرتُ في الأخبار التي قد مضى ذكرها = ﴿وعذب الذين كفروا﴾ ، يقول: وعذب الله الذين جحدوا وحدانيّته ورسالةَ رسوله محمدٍ ﷺ، بالقتل وسَبْي الأهلين والذراريّ، وسلب الأموال والذلة = ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾ ، يقول: هذا الذي فعلنا بهم من القتل والسبي = ﴿جزاء الكافرين﴾ ، يقول: هو ثواب أهل جحود وحدانيته ورسالة رسوله. [[انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) .]]
١٦٥٨٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وعذب الذين كفروا﴾ ، يقول: قتلهم بالسيف.
١٦٥٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد: ﴿وعذب الذين كفروا﴾ ، قال: بالهزيمة والقتل.
١٦٥٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾ ، قال: من بَقي منهم.
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذي به عذَّب من هلك منهم قتلا بالسيف = ﴿على من يشاء﴾ ، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته = ﴿والله غفور﴾ ، لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها = ﴿رحيم﴾ ، بهم، فلا يعذبهم بعد توبتهم، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم. [[انظر تفسير " التوبة "، و " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (غفر) ، (رحم) .]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرُّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَس.
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "النجس"، وما السبب الذي من أجله سمَّاهم بذلك.
فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام = لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، في قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ،: لا أعلم قتادة إلا قال: "النجس"، الجنابة.
١٦٥٩٢- وبه، عن معمر قال: وبلغني أن النبي ﷺ لقي حذيفة، وأخذ النبيُّ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جُنُب! فقال: إنّ المؤمن لا ينجُس.
١٦٥٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ ، أي: أجْنَابٌ.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب.
وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكرَه.
* *
وقوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم. وإنما عنى بذلك منعَهم من دخول الحرم، لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٤- حدثنا بشر، وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد. قال: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ ، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرَّةٍ.
وذكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:-
١٦٥٩٥- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو: أن عمر بن عبد العزيز كتب: "أنِ آمنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين"، وأَتْبَعَ في نهيه قولَ الله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ .
١٦٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، قال: لا تصافحوهم، فمن صافحَهم فليتوضَّأ.
* *
وأما قوله: ﴿بعد عامهم هذا﴾ ، فإنه يعني: بعد العام الذي نادَى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عام حجَّ بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة، كما:-
١٦٥٩٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله ﷺ. وحجَّ نبيُّ الله ﷺ من العام المقبل حجّة الوداع، لم يحجَّ قبلها ولا بعدها.
* *
وقوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ ، يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقَةً وفقرًا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام = ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ .
* *
يقال منه: عال يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا ومنه قول الشاعر: [[هو أحيحة بن الجلاح.]]
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ... وَمَا يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه، فيما سلف ٧: ٤٥٩، وانظر مجاز القرآن ١: ٢٥٥.]]
وقد حكي عن بعضهم أنّ من العرب من يقولُ في الفاقة: "عال يعول" بالواو. [[انظر تفسير " عال " فيما سلف ٧: ٥٤٨، ٥٤٩.]]
* *
وذكر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوّل قوله [[" عمرو بن فائد "، أبو علي الأسواري، وردت عنه الرواية في حروف من القرآن.
مترجم في طبقات القراء ١: ٦٠٢ رقم: ٢٤٦٢، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٥٣، ولسان الميزان ٤: ٣٧٢، وميزان الاعتدال، ٢: ٢٩٨، وهو في الحديث ليس بشيء، بل هو منكر الحديث، متروك.]] ﴿وإن خفتم عيلة﴾ ، بمعنى: وإذ خفتم. ويقول: كان القوم قد خافُوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه: "إن كنت أبي فأكرمني"، بمعنى: إذ كنت أبي.
* *
وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك. وأمَّنهم الله من العيلة، وعوَّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم، ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ، إلى: ﴿صَاغِرُون﴾ .
* *
وقال قوم: بإدرار المطر عليهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِيَ المشركون وانقطعت عنهم العيرُ! [[في المطبوعة: " وانقطعت عنكم " وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] فقال الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) ، فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
١٦٥٩٩- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام، وَيتَّجرون فيه. فلما نُهُوا أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا طعام؟ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ، فأنزل عليهم المطر، وكثر خيرهم، حتى ذهب عنهم المشركون.
١٦٦٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، الآية = ثم ذكر نحو حديث هنّاد، عن أبي الأحوص.
١٦٦٠١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فنزلت: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ . [[الأثران: ١٦٦٠١، ١٦٦٠٢ - " واقد، ولي زيد بن خليدة "، ثقة، سلف برقم: ١١٤٥٠.]]
١٦٦٠٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن سعيد بن جبير، قال: كان المشركون يقدَمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿عيلة﴾ ، قال: الفقر = ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ .
١٦٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية العوفي قال: قال المسلمون: قد كنّا نصيب من تجارتهم وبِياعاتهم، فنزلت: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿من فضله﴾ .
١٦٦٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي =أحسِبه قال: أنبأنا أبو جعفر، عن عطية، قال: لما قيل: ولا يحج بعد العام مشرك! قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم. قال: فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.
١٦٦٠٥- حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن يمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، قال: الجزية.
١٦٦٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان وأبو معاوية، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، قال: أخرج المشركون من مكة، فشقَّ ذلك على المسلمين وقالوا: كنا نُصيب منهم التجارة والميرة. فأنزل الله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ،
١٦٦٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، كان ناس من المسلمين يتألَّفون العير؛ فلما نزلت "براءة" بقتال المشركين حيثما ثقفوا، وأن يقعدُوا لهم كل مرصد، قذف الشيطان في قلوب المؤمنين: فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير؟ فعلم الله من ذلك ما علم، فقال: أطيعوني، وامضوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإني سوف أغنيكم من فضلي. فتوكل لهم الله بذلك.
١٦٦٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ، قال: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين! فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، عوضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع أول "براءة" في القراءة، ومع آخرها في التأويل [[في المطبوعة: " من أول براءة. . . ومن آخرها "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، إلى قوله: ﴿عن يد وهم صاغرون﴾ ، حين أمر محمد وأصحابه بغزْوة تبوك.
١٦٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٦٠٩م- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، شقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون بِبَيْعَات ينتفع بذلك المسلمون. [[في المطبوعة: " ببياعات "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، فأغناهم بهذا الخراج، الجزيةَ الجاريةَ عليهم، يأخذونها شهرًا شهرًا، عامًا عامًا، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجزية، أو عبد رجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمّة.
١٦٦١١-...... قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: إلا صاحب جزية، أو عبد لرجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٢- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ ، إلا أن يكون عبدًا، أو أحدًا من أهل الجزية.
١٦٦١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا.
١٦٦١٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشركٌ ولا ذميٌّ.
١٦٦١٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة﴾ ، وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المَرافق! [[في المطبوعة: " فنزل: وإن خفتم "، ولم تكن " فنزل " في المخطوطة، سها الكاتب وتجاوز ما كان ينقل منه، وأثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.]] فقال الله عز وجل: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، من وجه غير ذلك = ﴿إن شاء﴾ ، إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾ ، ففي هذا عوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطَاهم من أعْناق أهلِ الكتاب من الجزية. [[الأثر: ١٦٦١٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، ١٩٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٥٥٦.]]
* *
وأما قوله: ﴿إن الله عليم حكيم﴾ ، فإن معناه: ﴿إن الله عليم﴾ ، بما حدثتكم به أنفسكم، أيها المؤمنون، من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عباده = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم يتفضل الله بتوفيقه للتوبة والإنابة إليه، من بعد عذابه الذي به عذَّب من هلك منهم قتلا بالسيف = ﴿على من يشاء﴾ ، أي يتوب الله على من يشاء من الأحياء، يُقْبِل به إلى طاعته = ﴿والله غفور﴾ ، لذنوب من أناب وتاب إليه منهم ومن غيرهم منها = ﴿رحيم﴾ ، بهم، فلا يعذبهم بعد توبتهم، ولا يؤاخذهم بها بعد إنابتهم. [[انظر تفسير " التوبة "، و " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (غفر) ، (رحم) .]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرُّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نَجَس.
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "النجس"، وما السبب الذي من أجله سمَّاهم بذلك.
فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام = لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، في قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ،: لا أعلم قتادة إلا قال: "النجس"، الجنابة.
١٦٥٩٢- وبه، عن معمر قال: وبلغني أن النبي ﷺ لقي حذيفة، وأخذ النبيُّ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله، إني جُنُب! فقال: إنّ المؤمن لا ينجُس.
١٦٥٩٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ ، أي: أجْنَابٌ.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب.
وهذا قولٌ رُوِي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكرَه.
* *
وقوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم. وإنما عنى بذلك منعَهم من دخول الحرم، لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.
فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٤- حدثنا بشر، وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: الحرمُ كله قبلةٌ ومسجد. قال: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ ، لم يعن المسجدَ وحده، إنما عنى مكة والحرم. قال ذلك غير مرَّةٍ.
وذكر عن عمر بن عبد العزيز في ذلك ما:-
١٦٥٩٥- حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، حدثنا أبو عمرو: أن عمر بن عبد العزيز كتب: "أنِ آمنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين"، وأَتْبَعَ في نهيه قولَ الله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ .
١٦٥٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن الحسن: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، قال: لا تصافحوهم، فمن صافحَهم فليتوضَّأ.
* *
وأما قوله: ﴿بعد عامهم هذا﴾ ، فإنه يعني: بعد العام الذي نادَى فيه علي رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عام حجَّ بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة، كما:-
١٦٥٩٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان، وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله ﷺ. وحجَّ نبيُّ الله ﷺ من العام المقبل حجّة الوداع، لم يحجَّ قبلها ولا بعدها.
* *
وقوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾ ، يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقَةً وفقرًا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام = ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ .
* *
يقال منه: عال يَعِيلُ عَيْلَةً وعُيُولا ومنه قول الشاعر: [[هو أحيحة بن الجلاح.]]
وَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتَى غِنَاه ... وَمَا يَدْرِي الغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه، فيما سلف ٧: ٤٥٩، وانظر مجاز القرآن ١: ٢٥٥.]]
وقد حكي عن بعضهم أنّ من العرب من يقولُ في الفاقة: "عال يعول" بالواو. [[انظر تفسير " عال " فيما سلف ٧: ٥٤٨، ٥٤٩.]]
* *
وذكر عن عمرو بن فائد أنه كان تأوّل قوله [[" عمرو بن فائد "، أبو علي الأسواري، وردت عنه الرواية في حروف من القرآن.
مترجم في طبقات القراء ١: ٦٠٢ رقم: ٢٤٦٢، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٥٣، ولسان الميزان ٤: ٣٧٢، وميزان الاعتدال، ٢: ٢٩٨، وهو في الحديث ليس بشيء، بل هو منكر الحديث، متروك.]] ﴿وإن خفتم عيلة﴾ ، بمعنى: وإذ خفتم. ويقول: كان القوم قد خافُوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه: "إن كنت أبي فأكرمني"، بمعنى: إذ كنت أبي.
* *
وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم، انقطاع تجاراتهم، ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك. وأمَّنهم الله من العيلة، وعوَّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم، ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ، إلى: ﴿صَاغِرُون﴾ .
* *
وقال قوم: بإدرار المطر عليهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنى معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: لما نَفَى الله المشركين عن المسجد الحرام، ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن، قال: من أين تأكلون، وقد نُفِيَ المشركون وانقطعت عنهم العيرُ! [[في المطبوعة: " وانقطعت عنكم " وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] فقال الله: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) ، فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
١٦٥٩٩- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام، وَيتَّجرون فيه. فلما نُهُوا أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا طعام؟ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ، فأنزل عليهم المطر، وكثر خيرهم، حتى ذهب عنهم المشركون.
١٦٦٠٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، الآية = ثم ذكر نحو حديث هنّاد، عن أبي الأحوص.
١٦٦٠١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: مَنْ يأتينا بطعامنا، ومن يأتينا بالمتاع؟ فنزلت: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ . [[الأثران: ١٦٦٠١، ١٦٦٠٢ - " واقد، ولي زيد بن خليدة "، ثقة، سلف برقم: ١١٤٥٠.]]
١٦٦٠٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن واقد مولى زيد بن خليدة، عن سعيد بن جبير، قال: كان المشركون يقدَمون عليهم بالتجارة، فنزلت هذه الآية: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿عيلة﴾ ، قال: الفقر = ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ .
١٦٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية العوفي قال: قال المسلمون: قد كنّا نصيب من تجارتهم وبِياعاتهم، فنزلت: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿من فضله﴾ .
١٦٦٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي =أحسِبه قال: أنبأنا أبو جعفر، عن عطية، قال: لما قيل: ولا يحج بعد العام مشرك! قالوا: قد كنا نصيب من بياعاتهم في الموسم. قال: فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، يعني: بما فاتهم من بياعاتهم.
١٦٦٠٥- حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا حدثنا ابن يمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، قال: الجزية.
١٦٦٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان وأبو معاوية، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك، قال: أخرج المشركون من مكة، فشقَّ ذلك على المسلمين وقالوا: كنا نُصيب منهم التجارة والميرة. فأنزل الله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ،
١٦٦٠٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، كان ناس من المسلمين يتألَّفون العير؛ فلما نزلت "براءة" بقتال المشركين حيثما ثقفوا، وأن يقعدُوا لهم كل مرصد، قذف الشيطان في قلوب المؤمنين: فمن أين تعيشون وقد أمرتم بقتال أهل العير؟ فعلم الله من ذلك ما علم، فقال: أطيعوني، وامضوا لأمري، وأطيعوا رسولي، فإني سوف أغنيكم من فضلي. فتوكل لهم الله بذلك.
١٦٦٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ ، إلى قوله: ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ، قال: قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين! فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله، عوضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية مع أول "براءة" في القراءة، ومع آخرها في التأويل [[في المطبوعة: " من أول براءة. . . ومن آخرها "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، إلى قوله: ﴿عن يد وهم صاغرون﴾ ، حين أمر محمد وأصحابه بغزْوة تبوك.
١٦٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
١٦٦٠٩م- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام، شقَّ ذلك على المسلمين، وكانوا يأتون بِبَيْعَات ينتفع بذلك المسلمون. [[في المطبوعة: " ببياعات "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، فأغناهم بهذا الخراج، الجزيةَ الجاريةَ عليهم، يأخذونها شهرًا شهرًا، عامًا عامًا، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم بحالٍ، إلا صاحب الجزية، أو عبد رجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في قوله: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمّة.
١٦٦١١-...... قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: إلا صاحب جزية، أو عبد لرجلٍ من المسلمين.
١٦٦١٢- حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا حجاج، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. قال، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول في هذه الآية: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ ، إلا أن يكون عبدًا، أو أحدًا من أهل الجزية.
١٦٦١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، قال: أغناهم الله بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا، وعامًا فعامًا.
١٦٦١٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ، قال: لا يقرب المسجد الحرام بعد عامه هذا مشركٌ ولا ذميٌّ.
١٦٦١٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة﴾ ، وذلك أن الناس قالوا: لتقطعنَّ عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبنّ ما كنا نصيب فيها من المَرافق! [[في المطبوعة: " فنزل: وإن خفتم "، ولم تكن " فنزل " في المخطوطة، سها الكاتب وتجاوز ما كان ينقل منه، وأثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.]] فقال الله عز وجل: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ ، من وجه غير ذلك = ﴿إن شاء﴾ ، إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾ ، ففي هذا عوَض مما تخوَّفتم من قطع تلك الأسواق، فعوَّضهم الله بما قطع عنهم من أمر الشرك، ما أعطَاهم من أعْناق أهلِ الكتاب من الجزية. [[الأثر: ١٦٦١٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٢، ١٩٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٥٥٦.]]
* *
وأما قوله: ﴿إن الله عليم حكيم﴾ ، فإن معناه: ﴿إن الله عليم﴾ ، بما حدثتكم به أنفسكم، أيها المؤمنون، من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عباده = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]
القول في تأويل قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله ﷺ: ﴿قاتلوا﴾ ، أيها المؤمنون، القومَ = ﴿الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، يقول: ولا يصدّقون بجنة ولا نار [[انظر تفسير " اليوم الآخر " فيما سلف من فهارس اللغة (أخر) .]] = ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق﴾ ، يقول: ولا يطيعون الله طاعة الحقِّ، يعني: أنهم لا يطيعون طاعةَ أهل الإسلام [[انظر تفسير " الدين " فيما سلف ١: ١٥٥ /٣: ٥٧١ / ٩: ٥٢٢.]] = ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ ، وهم اليهود والنصارَى.
* *
وكل مطيع ملكًا وذا سلطانٍ، فهو دائنٌ له. يقال منه: دان فلان لفلان فهو يدين له، دينًا"، قال زهير:
لَئِنَ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ ... فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ [[ديوانه: ١٨٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٨٦، من قصيدة من جيد الكلام، أنذر بها الحارث بن ورقاء الصيداوي، من بني أسد، وكان أغار على بني عبد الله بن غطفان، فغنم، واستاق إبل زهير، وراعيه يسارا: يا حَارِ، لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِدَاهِيَةٍ ... لَمْ يَلْقَهَا سُوقَةٌ قَبْلِي ولا مَلِكُ
فَارْدُدْ يَسَارًا، وَلا تَعْنُفْ عَلَيَّ وَلا ... تَمْعَكْ بِعِرْضِكَ إِن الغَادِرَ المَعِكَ
وَلا تَكُونَنْ كَأَقْوَامٍ عَلِمْتَهُمُ ... يَلْوُونَ مَا عَنْدَهُمْ حَتَّى إذَا نَهِكُوا
طَابْتْ نُفُوسُهُمُ عَنْ حَقِّ خَصْمِهِمْ ... مَخَافَهُ الشَّرِّ، فَارْتَدُّوا لِمَا تَرَكُوا
تَعَلَّمَنْ: هَا، لَعَمْرُ اللهِ ذَا ؛ قَسَمًا ... فَاقْصِدْ بِذَرْعِكَ، وانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَلِكَ
لَئِنْ حَلَلْتَ. . . . . .. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لَيَأتِيَنَّكَ مِنِّي مَنْطِقٌ قَذَعٌ ... بَاقٍ، كَمَا دَنَّسَ القُبْطِيَّةَ الوَدَكُ
و" جو " اسم لمواضع كثيرة في الجزيرة، وهذا " الجو " هنا في ديار بني أسد. و " عمرو "، هو: " عمرو بن هند بن المنذر بن ماء السماء "، و " فدك " قرية مشهورة بالحجاز، لها ذكر في السير كثير.]] وقوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ ، يعني: الذين أعطوا كتاب الله، [[انظر تفسير " الإيتاء " فيما سلف من فهارس اللغة (أتى) .]] وهم أهل التوراة والإنجيل = ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ .
* *
و"الجزية": الفِعْلة من: "جزى فلان فلانًا ما عليه"، إذا قضاه، "يجزيه"، و"الجِزْية" مثل "القِعْدة" و"الجِلْسة".
* *
ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراجَ عن رقابهم، الذي يبذلونه للمسلمين دَفْعًا عنها.
* *
وأما قوله: ﴿عن يد﴾ ، فإنه يعني: من يده إلى يد من يدفعه إليه.
* *
وكذلك تقول العرب لكل معطٍ قاهرًا له، شيئًا طائعًا له أو كارهًا: "أعطاه عن يده، وعن يد". وذلك نظير قولهم: "كلمته فمًا لفمٍ"، و"لقيته كَفَّةً لكَفَّةٍ، [[يقال: " لقيته كفة كفة " (بفتح الكاف، ونصب التاء) ، إذا استقبلته مواجهته، كأن كل واحد منهما قد كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره ومنعه. وانظر تفصيل ذلك في مادته في لسان العرب (كفف) .]] وكذلك: "أعطيته عن يدٍ ليد".
* *
وأما قوله: ﴿وهم صاغرون﴾ ، فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون.
* *
يقال للذليل الحقير: "صاغر". [[انظر تفسير " الصغار " فيما سلف ١٣: ٢٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في أمره بحرب الروم، فغزا رسول الله ﷺ بعد نزولها غزوة تبوك.
ذكر من قال ذلك:
١٦٦١٦- حدثني محمد بن عروة قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ، حين أمر محمدٌ وأصحابه بغزوة تبوك.
١٦٦١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه.
* *
واختلف أهل التأويل في معنى "الصغار"، الذي عناه الله في هذا الموضع.
فقال بعضهم: أن يعطيها وهو قائمٌ، والآخذ جالسٌ.
ذكر من قال ذلك:
١٦٦١٨- حدثني عبد الرحمن بن بشر النيسابوري قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ، قال: أي تأخذها وأنت جالس، وهو قائم. [[الأثر: ١٦٦١٨ - " عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري "، شيخ الطبري، ثقة، من شيوخ البخاري، مضى برقم: ١٣٨٠٥.
وفي المطبوعة: " عن ابن سعد "، وهو خطأ، خالف ما في المخطوطة وانظر " أبا سعد " في فهرس الرجال.]]
* *
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ ، عن أنفسهم، بأيديهم يمشون بها، وهم كارهون، وذلك قولٌ رُوي عن ابن عباس، من وجهٍ فيه نظر.
* *
وقال آخرون: إعطاؤهم إياها، هو الصغار.
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في القائل: ﴿عزير ابن الله﴾ .
فقال بعضهم: كان ذلك رجلا واحدًا، هو فِنْحاص.
ذكر من قال ذلك:
١٦٦١٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ ، قال: قالها رجل واحد، قالوا: إن اسمه فنحاص. وقالوا: هو الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٨١] .
وقال آخرون: بل كان ذلك قول جماعة منهم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٦٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسولَ الله ﷺ سَلامُ بن مشكم، ونعمانُ بن أوفى، [[في سيرة ابن هشام: " ونعمان بن أوفى أبو أنس، ومحمود بن دحية، وشاس. . . ".]] وشأسُ بن قيس، ومالك بن الصِّيف، فقالوا: كيف نتّبعك وقد تركت قِبْلتنا، وأنت لا تزعم أنّ عزيرًا ابن الله؟ فأنزل في ذلك من قولهم: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾ ، إلى: ﴿أنى يؤفكون﴾ . [[الأثر: ١٦٦٢٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٩.]]
١٦٦٢١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ ، وإنما قالوا: هو ابن الله من أجل أن عُزَيرًا كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم، فعملوا بها ما شاء الله أن يعملوا، [[في المطبوعة: " يعملون بها ما شاء الله "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التّابوت فيهم. فلما رأى الله أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء، رفع الله عنهم التابوت، وأنساهُم التوراة، ونسخها من صدورهم، وأرسل الله عليهم مرضًا، فاستطلقت بطونهم حتى جعل الرجل يمشي كبدُه، حتى نسوا التوراة، ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثُوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبلُ من علمائهم، فدعا عزيرٌ الله، وابتهل إليه أن يردّ إليه الذي نسخَ من صدره من التوراة. فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله، نزل نور من الله فدخل جَوْفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذّن في قومه فقال: يا قوم، قد آتاني الله التوراةَ وردَّها إليَّ! فعلقَ بهم يعلمهم، [[في المطبوعة: " فعلق يعلمهم "، وفي المخطوطة "فعلق به يعلمهم، ورجحت صواب ما أثبت. يقال: " علقت أفعل كذا " بمعنى: طفقت. من قولهم: " علق بالشيء "، إذا لزمه، قال يزيد بن الطثرية: عَلِقْنَ حَوْلِي يَسْأَلْنَ القِرَى أُصُلا ... وليسَ يَرْضَيْنَ مِنِّي بالمعَاذِيرِ
بمعنى: طفقن (انظر طبقات فحول الشعراء: ٥٨٧، تعليق: ٤) .]] فمكثوا ما شاء الله وهو يعلمهم. ثم إنَّ التابوت نزل بعد ذلك وبعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرَضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلِّمهم، فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله.
١٦٦٢٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ ، إنما قالت ذلك، لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم، وأخذوا التوراة، وذهب علماؤهم الذين بقُوا، وقد دفنوا كتب التوراة في الجبال. [[في المطبوعة: " فدفنوا "، وأثبت ما في المخطوطة.]] وكان عزير غلامًا يتعبَّد في رءوس الجبال، لا ينزل إلا يوم عيد. فجعل الغلام يبكي ويقول: "ربِّ تركتَ بني إسرائيل بغير عالم"! فلم يزل يبكي حتى سقطت أشفارُ عينيه، فنزل مرة إلى العيد، فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلتْ له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه، ويا كاسِياه! فقال لها: ويحك، من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك أو ينفعك قبل هذا الرجل؟ [[في المطبوعة، جعلها جميعًا بالواو على العطف، وأثبت ما في المخطوطة.]] قالت: الله! قال: فإن الله حي لم يمت! قالت: يا عزير، فمن كان يعلِّم العلماء قبلَ بني إسرائيل؟ قال: الله! قالت: فلم تبكي عليهم؟ فلما عرف أنه قد خُصِم، [[" خصم "، أي: غلب في الخصام والحجاج.]] ولَّى مدبرًا، فدعته فقالت: يا عزير، إذا أصبحت غدًا فأت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه، ثم اخرج فصلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخٌ، فما أعطاك فخُذْه. فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر، فاغتسل فيه، ثم خرج فصلى ركعتين. فجاءه الشيخُ فقال: افتح فمك! ففتح فمه، فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة، مجتمع كهيئة القوارير، ثلاث مرار. [[في المطبوعة: " مجتمعا "، وأثبت ما في المخطوطة، والدر المنثور. وهذا الموضع من الخبر، يحتاج إلى نظر في صحته ومعناه.]] فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، إني قد جئتكم بالتوراة! فقالوا: يا عزير، ما كنت كذَّابًا! فعمد فربط على كل إصبع له قلمًا، وكتب بأصابعه كلها، فكتب التوراة كلّها. فلما رجعَ العلماء، أخبروا بشأن عزير، فاستخرج أولئك العلماء كُتبهم التي كانوا دفنوها من التوراة في الجبال، وكانت في خوابٍ مدفونة، [[" خوابي " جمع " خابية "، وهي الجرة الكبيرة.]] فعارضوها بتوراة عزير، فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك الله هذا إلا أنك ابنه!
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ "، لا ينونون "عزيرًا".
* *
وقرأه بعض المكيين والكوفيين: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ الله﴾ ، بتنوين "عزير" قال: هو اسم مجْرًى وإن كان أعجميًّا، لخفته. وهو مع ذلك غير منسوب إلى الله، فيكون بمنزلة قول القائل: "زيدٌ بن عبد الله"، وأوقع "الابن" موقع الخبر. ولو كان منسوبًا إلى الله لكان الوجه فيه، إذا كان الابن خبرًا، الإجراء، والتنوين، فكيف وهو منسوب إلى غير أبيه.
وأما من ترك تنوين "عزير"، فإنه لما كانت الباء من "ابن" ساكنة مع التنوين الساكن، والتقى ساكنان، فحذف الأول منهما استثقالا لتحريكه، قال الراجز: [[لم أعرف قائله.]]
لَتَجدَنِّي بِالأمِيرِ بَرًّا ... وَبِالقَنَاةِ مِدْعَسًا مِكَرَّا
إذَا غُطَيْفُ السُّلَمِيُّ فَرَّا [[نوادر أبي زيد: ٩١، معاني القرآن للفراء ١: ٤٣١. اللسان (صهب) ، (دعس) ، (دعص) ، وغيرها، وقبله في النوادر: جاءُوا يجرُّون الحدِيدَ جَرًّا ... صُهْبَ السِّبالِ يَبتغونَ الشرَّا
في النوادر: " يجرون السود "، وهذه رواية غيره.]]
فحذف النون للساكن الذي استقبلها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ ، بتنوين "عزير"، لأن العرب لا تنون الأسماء إذا كان "الابن" نعتًا للاسم، [وتنونه إذا كان خبرًا] ، كقولهم: "هذا زيدٌ بن عبد الله"، فأرادوا الخبر عن "زيد" بأنه "ابن الله"، [[هذه الجملة كانت في المخطوطة هكذا: " لأن النون العرب من الأسماء إذا كان الابن نعتا للاسم، كقولهم: هذا زيد بن عبد الله، فأرادوا الخبر عن زيد بأنه ابن الله ". وهو كلام مضطرب غاية الاضطراب.
وصححها في المطبوعة هكذا: " لأن العرب لا تنون الأسماء، إذا كان الابن نعتا للاسم، كقولهم: هذا زيد بن عبد الله، فأرادوا الخبر عن عزير بأنه ابن الله "، وهو أيضا مضطرب.
فأبقيت تصحيح الناشر الأول في صدر الجملة، ثم صححت سائر الكلام بما يوافق المخطوطة، ثم زدت فيه ما بين القوسين، حتى يستقيم الكلام على وجه مرضي بعض الرضى. ولا أشك أن الناسخ قد أسقط قدرا من كلام أبي جعفر.]] ولم يريدوا أن يجعلوا "الابن" له نعتًا و"الابن" في هذا الموضع خبر لـ "عزير"، لأن الذين ذكر الله عنهم أنهم قالوا ذلك، إنما أخبروا عن "عزير"، أنه كذلك، وإن كانوا بقيلهم ذلك كانوا كاذبين على الله مفترين.
* *
= ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، يعني قول اليهود: ﴿عزير ابن الله﴾ . يقول: يُشْبه قول هؤلاء في الكذب على الله والفرية عليه ونسبتهم المسيح إلى أنه لله ابنٌ، كذِبَ اليهود وفريتهم على الله في نسبتهم عزيرًا إلى أنه لله ابن، [[في المطبوعة: " نسبة قول هؤلاء. . . ككذب اليهود وفريتهم "، أخطأ في قراءة " يشبه "، فجعلها " نسبة "، ثم زاد في " كذب " كافًا أخرى في أولها، ليستقيم الكلام، فلم يستقم. وقوله: " كذب " مفعول قوله: " يشبه ". وذلك معنى " المضاهأة " كما سيأتي.]] ولا ينبغي أن يكون لله ولدٌ سبحانه، بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٦٢٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، يقول: يُشبِّهون.
١٦٦٢٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم.
١٦٦٢٥- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدّي: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، النصارى يضاهئون قول اليهود في "عزيز".
١٦٦٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، يقول: النصارى، يضاهئون قول اليهود.
١٦٦٢٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ ، يقول: قالوا مثل ما قال أهل الأوثان.
* *
وقد قيل: إن معنى ذلك: يحكون بقولهم قولَ أهل الأوثان، [[في المطبوعة: " أهل الأديان "، والصواب ما أثبت من المخطوطة.]] الذين قالوا: "اللات، والعزَّى، ومناة الثالثة الأخرى". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٣٣.]]
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿يُضَاهُونَ﴾ ، بغير همز.
* *
وقرأه عاصم: ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ ، بالهمز، وهي لغة لثقيف.
* *
وهما لغتان، يقال: "ضاهيته على كذا أضَاهيه مضاهاة" و"ضاهأته عليه مُضَأهاة"، إذا مالأته عليه وأعنته.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءَة في ذلك ترك الهمز، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة الفصحى.
* *
وأما قوله: ﴿قاتلهم الله﴾ ، فإن معناه، فيما ذكر عن ابن عباس، ما:-
١٦٦٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قاتلهم الله﴾ ، يقول: لعنهم الله. وكل شيء في القرآن "قتل"، فهو لعن.
* *
وقال ابن جريج في ذلك ما:-
١٦٦٢٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿قاتلهم الله﴾ ، يعني النصارى، كلمةٌ من كلام العرب. [[يعني أنها كلمة تقولها العرب، لا تريد بها معنى " القتل "، كقولهم: " تربت يداك "، لا يراد بها وقوع الأمر.]]
* *
فأما أهل المعرفة بكلام العرب فإنهم يقولون: معناه: قتلهم الله. والعرب تقول: "قاتعك الله"، و"قاتعها الله"، بمعنى: قاتلك الله. قالوا: و"قاتعك الله" أهون من "قاتله الله".
وقد ذكروا أنهم يقولون: "شاقاه الله ما تاقاه"، يريدون: أشقاه الله ما أبقاه.
قالوا: ومعنى قوله: ﴿قاتلهم الله﴾ ، كقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ ، [سورة الذاريات: ١٠] ، و ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ﴾ ، [سورة البروج: ٤] ، واحدٌ هو بمعنى التعجب.
* *
فإن كان الذي قالوا كما قالوا، فهو من نادر الكلام الذي جاء على غير القياس، لأنّ "فاعلت" لا تكاد أن تجيء فعلا إلا من اثنين، كقولهم: "خاصمت فلانًا"، و"قاتلته"، وما أشبه ذلك. وقد زعموا أن قولهم: "عافاك الله" منه، وأن معناه: أعفاك الله، بمعنى الدعاء لمن دعا له بأن يُعْفيه من السوء.
* *
وقوله: ﴿أنى يؤفكون﴾ ، يقول: أيَّ وجه يُذْهبُ بهم، ويحيدون؟ وكيف يصدُّون عن الحق؟ وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. [[انظر تفسير " الإفك " فيما سلف ١٠: ٤٨٦ / ١١: ٥٥٤.]]