John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah At-Tawba

Tafsir al-Tabari · The Repentance · 129 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس على أهل الزمانة وأهل العجز عن السفر والغزو، [[انظر تفسير " الضعفاء " فيما سلف ٥: ٥٥١ \ ٨: ١٩.]] ولا على المرضى، ولا على من لا يجد نفقة يتبلَّغ بها إلى مغزاه = "حرج"، وهو الإثم، [[انظر تفسير " الحرج " فيما سلف ١٢: ٢٩٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] يقول: ليس عليهم إثم، إذا نصحوا لله ولرسوله في مغيبهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ = ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ ، يقول: ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلّفه عن رسول الله ﷺ عن الجهاد معه، لعذر يعذر به، طريقٌ يتطرَّق عليه فيعاقب من قبله [[انظر تفسير " المحسن " و " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) ، (سبل) .]] = ﴿والله غفور رحيم﴾ ، يقول: والله ساتر على ذنوب المحسنين، يتغمدها بعفوه لهم عنها = ﴿رحيم﴾ ، بهم، أن يعاقبهم عليها. [[انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]

* *

وذكر أن هذه الآية نزلت في "عائذ بن عمرو المزني".

* *

وقال بعضهم في "عبد الله بن مغفل".

* *

ذكر من قال: نزلت في "عائذ بن عمرو".

١٧٠٧٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾ ، نزلت في عائذ بن عمرو.

* *

ذكر من قال: نزلت في "ابن مغفل".

١٧٠٧٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى﴾ ، إلى قوله: ﴿حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم "عبد الله بن مغفل المزني"، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله ﷺ: والله ما أجد ما أحملكم عليه! فتولوا ولهم بكاءٌ، وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، [[في المطبوعة: " وعز عليهم "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو محض صواب.]] ولا يجدون نفقةً ولا محملا. فلما رأى الله حرصَهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ ، إلى قوله: ﴿فهم لا يعلمون﴾ .

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولا سبيل أيضًا على النفر الذين إذا ما جاءوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد، قلت لهم: لا أجد حَمُولةً أحملكم عليها = ﴿تولوا﴾ ، يقول: أدبروا عنك، [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .]] = ﴿وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا﴾ ، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، [[انظر تفسير " تفيض من الدمع " فيما سلف ١٠: ٥٠٧]] ويتحمَّلون به للجهادِ في سبيل الله.

* *

وذكر بعضهم: أن هذه الآية نزلت في نفر من مزينة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٨٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ ، قال: هم من مزينة.

١٧٠٨١- حدثني المثنى قال: أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، قال: هم بنو مُقَرِّنٍ، من مزينة.

١٧٠٨٢- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، إلى قوله: ﴿حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون﴾ ، قال: هم بنو مقرِّن. من مزينة.

١٧٠٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، قال: هم بنو مقرِّن من مزينة.

١٧٠٨٤-...... قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن عروة، عن ابن مغفل المزني، وكان أحد النفر الذين أنزلت فيهم: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، الآية.

١٧٠٨٥- حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا﴾ ، قال: منهم ابن مقرِّن = وقال سفيان: قال الناس: منهم عرباض بن سارية.

* *

وقال آخرون: بل نزلت في عِرْباض بن سارية.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٨٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا دخلنا على عرباض بن سارية، وهو الذي أنزل فيه: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٧٠٨٦ - " عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي "، ثقة، مترجم في التهذيب. و " حجر بن حجر الكلاعي "، ثقة، مترجم في التهذيب.]]

١٧٠٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا ثور، عن خالد، عن عبد الرحمن بن عمرو، وحجر بن حجر بنحوه.

* *

وقال آخرون: بل نزلت في نفر سبعة، من قبائل شتى.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٨٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب وغيره قال: جاء ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ يستحملونه، فقال: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾ ! فأنزل الله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، الآية. قال: هم سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير = ومن بني واقف: هرمي بن عمرو [[في المطبوعة والمخطوطة: " حرمي بن عمرو "، والصواب " هرمي " بالهاء، انظر ترجمته في الإصابة.]] = ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، يكنى أبا ليلى = ومن بني المعلى: سلمان بن صخر = ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد، أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضِه فقبله الله منه = ومن بني سَلِمة: عمرو بن غنمه، وعبد الله بن عمرو المزني.

١٧٠٨٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ ، إلى قوله: ﴿حزنًا﴾ ، وهم البكاؤون، كانوا سبعة. [[الأثر: ١٧٠٨٩ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٧، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧٠٧٧، وليس فيه في هذا الموضع قوله: " وهم سبعة ". وأما عدتهم عند ابن إسحاق فقد ذكرها ابن هشام في سيرته ٤: ١٦١، وقال: " وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم "، ثم عددهم.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما السبيل بالعقوبة على أهل العذر، يا محمد، ولكنها على الذين يستأذنونك في التخلف خِلافَك، وترك الجهاد معك، وهم أهل غنى وقوّةٍ وطاقةٍ للجهاد والغزو، نفاقًا وشكًّا في وعد الله ووعيده [[انظر تفسير " السبيل " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ ، يقول: رضوا بأن يجلسوا بعدك مع النساء = وهن "الخوالف"، خلف الرجال في البيوت، ويتركوا الغزو معك، [[انظر تفسير " الخوالف " فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وطبع الله على قلوبهم﴾ ، يقول: وختم الله على قلوبهم بما كسبوا من الذنوب [[انظر تفسير " الطبع " فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿فهم لا يعلمون﴾ ، سوء عاقبتهم، بتخلفهم عنك، وتركهم الجهاد معك، وما عليهم من قبيح الثناء في الدنيا، وعظيم البلاء في الآخرة.

القول في تأويل قوله: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يعتذر إليكم، أيها المؤمنون بالله، هؤلاء المتخلفون خلاف رسول الله ﷺ، التاركون جهاد المشركين معكم من المنافقين، بالأباطيل والكذب، إذا رجعتم إليهم من سفركم وجهادكم = "قل"، لهم، يا محمد، = ﴿لا تعتذروا لن نؤمن لكم﴾ ، يقول: لن نصدِّقكم على ما تقولون = ﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾ ، يقول: قد أخبرنا الله من أخباركم، وأعلمنا من أمركم ما قد علمنا به كذبَكم [[انظر تفسير " نبأ " فيما سلف ص: ٣٤٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾ ، يقول: وسيرى الله ورسوله فيما بعدُ عملكم، أتتوبون من نفاقكم، أم تقيمون عليه؟ = ﴿ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ ، يقول: ثم ترجعون بعد مماتكم = ﴿إلى عالم الغيب والشهادة﴾ ، يعني: الذي يعلم السرَّ والعلانية، الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم وظواهرها [[انظر تفسير " عالم الغيب والشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) ، (شهد) .]] = ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ، فيخبركم بأعمالكم كلها سيِّئها وحسنها، [[في المخطوطة: " سيئها " وأسقط " وحسنها "، والصواب ما في المطبوعة.]] فيجازيكم بها: الحسنَ منها بالحسن، والسيئَ منها بالسيئ.

القول في تأويل قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سيحلف، أيها المؤمنون بالله، لكم هؤلاء المنافقون الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله = ﴿إذا انقلبتم إليهم﴾ ، يعني: إذا انصرفتم إليهم من غزوكم [[انظر تفسير " الانقلاب " فيما سلف ١٣: ٣٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿لتعرضوا عنهم﴾ ، فلا تؤنبوهم = ﴿فأعرضوا عنهم﴾ ، يقول جل ثناؤه للمؤمنين: فدعوا تأنيبهم، وخلوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق [[انظر تفسير " الإعراض " فيما سلف ص: ٣٦٩، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: إنهم نجس [[انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ١٢: ١٩٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ومأواهم جهنم﴾ ، يقول: ومصيرهم إلى جهنم، وهي مسكنهم الذي يأوُونه في الآخرة [[انظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص: ٣٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، [[في المطبوعة والمخطوطة " جزاء بما كانوا يعملون "، سهو من الناسخ فيما أرجح.]] يقول: ثوابًا بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من معاصي الله. [[انظر تفسير " الجزاء " فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) .

= وتفسير "الكسب" فيما سلف من فهارس اللغة (كسب) .]]

* *

وذكر أن هذه الآية نزلت في رجلين من المنافقين، قالا ما:-

١٧٠٩٠- حدثنا به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا﴾ ، إلى: ﴿بما كانوا يكسبون﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ قيل له: ألا تغزو بني الأصفر، [["بنو الأصفر"، هم الروم.]] لعلك أن تصيب بنت عظيم الرُّوم، فإنهنّ حِسان! [[في المطبوعة والمخطوطة " فإنهم حسان " والصواب ما أثبت.]] فقال رجلان: قد علمت، يا رسول الله، أن النساء فتنة، فلا تفتنَّا بهنَّ! فأذن لنا! فأذن لهما. فلما انطلقا، قال أحدهما: إن هو إلا شَحْمةٌ لأوّل آكلٍ! [[" الشحمة "، عنى بها قطعة من " شحم سنام البعير "، وشحمة السنام من أطايب البعير، يسرع إليها الآكل، قال زفر بن الحارث الكلابي: وكُنَّا حَسِبْنا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ... لَيالِيَ قارَعْنا جُذَامَ وحمِيرَا

فَلَمَّا قَرَعْنا النَّبْعَ بالنَّبْعِ، بَعضَهُ ... بِبَعضٍ، أَبَتْ عِيدانُهُ أَنْ تكَسَّرا

وفي المثل: "ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة".]] فسار رسول الله ﷺ، ولم ينزل عليه في ذلك شيء، فلما كان ببعض الطريق، نزل عليه وهو على بعض المياه: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ [سورة التوبة: ٤٢] ، ونزل عليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٤٣] ، ونزل عليه: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة: ٤٤] ، ونزل عليه: ﴿إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ . فسمع ذلك رجل ممن غزا مع النبي ﷺ، فأتاهم وهم خلفهم، فقال: تعلمون أنْ قَد نزل على رسول الله ﷺ بعدَكم قرآن؟ قالوا: ما الذي سمعت؟ قال: ما أدري، غير أني سمعت أنه يقول: "إنهم رجس"! فقال رجل يدعى "مخشيًّا"، [[في المخطوطة: " مخشي "، والصواب ما في المطبوعة وهو " مخشي بن حمير الأشجعي "، انظر ترجمته في الإصابة.]] والله لوددت أني أجلد مئة جلدة، وأني لست معكم! فأتى رسول الله ﷺ، فقال: ما جاء بك؟ فقال: وجْهُ رسول الله ﷺ تسفَعه الريح، وأنا في الكِنّ!! [["سفعته النار، والشمس، والسموم، تسفعه سفعًا "، لفحته لفحًا يسيرًا فغيرت لون بشرته وسودته. و "الكن" (بكسر الكاف) : ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن، وكل ما ستر من الشمس والسموم فهو كن.]] فأنزل الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [سورة التوبة: ٤٩] ، ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [سورة التوبة: ٨١] ، ونزل عليه في الرجل الذي قال: "لوددت أني أجْلد مئة جلدة" قولُ الله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٤] ، فقال رجل مع رسول الله: لئن كان هؤلاء كما يقولون، ما فينا خير! فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ، فقال له: أنت صاحب الكلمة التي سمعتُ؟ " فقال: لا والذي أنزل عليك الكتاب! فأنزل الله فيه: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٤] ، وأنزل فيه: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٤٧] .

١٧٠٩١- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعبَ بن مالك يقول: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك، جلس للناس. فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيَتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصَدَقته حديثي. فقال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطُّ، بعد أن هداني للإسلام، أعظمَ في نفسي من صدْق رسول الله ﷺ، أن لا أكون كذبتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، [[في المطبوعة والمخطوطة: " حين أنزل الوحي ما قال لأحد "، بإسقاط " شر "، وهو لا يستقيم، وأثبته من نص روايته في صحيح مسلم.]] شرَّ ما قال لأحد: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، إلى قوله: ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ . [[الأثر: ١٧٠٩١ - هذا مختصر من الخبر الطويل في توبة كعب بن مالك، رواه مسلم في صحيحه ١٧: ٨٧ - ١٠٠، من هذه الطريق، وقد مضى جزء آخر منه برقم: ١٦١٤٧.]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يحلف لكم، أيها المؤمنون بالله، هؤلاء المنافقون، اعتذارًا بالباطل والكذب = ﴿لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ ، يقول: فإن أنتم، أيها المؤمنون، رضيتم عنهم وقبلتم معذرتهم، إذ كنتم لا تعلمون صِدْقهم من كذبهم، فإن رضاكم عنهم غيرُ نافعهم عند الله، لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون، ومن خفيّ اعتقادهم ما تجهلون، وأنهم على الكفر بالله......... [[لا أشك أن موضع هذه النقط خرم في كلام أبي جعفر، من ناسخ كتابه، وكأن صواب الكلام: " وأنهم على الكفر بالله مقيمون، وأنهم هم الفاسقون، يعني: أنهم الخارجون. . . "، أو كلامًا شبيهًا بهذا.]] يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله، ومن الطاعة إلى المعصية. [[انظر تفسير " الفسق " فيما سلف ص: ٤٠٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الأعراب أشدُّ جحودًا لتوحيد الله، وأشدّ نفاقًا، من أهل الحضر في القرى والأمصار. وإنما وصفهم جل ثناؤه بذلك، لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلُّ علمًا بحقوق الله.

* *

وقوله: ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ ، يقول: وأخلق أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، [[انظر تفسير " حدود الله " فيما سلف ٨: ٦٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] وذلك فيما قال قتادة: السُّنن.

١٧٠٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ ، قال: هم أقل علمًا بالسُّنن.

١٧٠٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صَوْحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوَنْد، فقال: والله إنّ حديثك ليعجبني، وإن يدك لَتُرِيبُني! فقال زيد: وما يُريبك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري، اليمينَ يقطعون أم الشمالَ؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله: ﴿الأعرابُ أشدُّ كفرًا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزلَ الله على رسوله﴾ . [[الأثر: ١٧٠٩٣ - " عبد الرحمن بن مغراء الدوسي "، ثقة، متكلم فيه. مضى برقم: ١١٨٨١. وكان في المطبوعة: " عبد الرحمن بن مقرن "، لم يحسن قراءة المخطوطة، فبدل من عند نفسه.

و"زيد بن صوحان العبدي "، أدرك النبي ﷺ، ثقة قليل الحديث، مضى برقم: ١٣٤٨٦.

وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات ٦: ٨٤، ٨٥ من طريق يعلي بن عبيد، عن الأعمش، عن إبراهيم.]]

* *

وقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ ، يقول: ﴿والله عليم﴾ ، بمن يعلم حدودَ ما أنزل على رسوله، والمنافق من خلقه، والكافرِ منهم، لا يخفى عليه منهم أحد = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيره إياهم، وفي حلمه عن عقابهم، مع علمه بسرائرهم وخِداعهم أولياءَه. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يَعُدُّ نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده = ﴿مغرما﴾ ، يعني: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا = ﴿ويتربص بكم الدوائر﴾ ، يقول: وينتظرون بكم الدوائر، [[انظر تفسير " التربص " فيما سلف ص: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] أن تدور بها الأيام والليالي إلى مكروهٍ ومجيء محبوب، [[في المطبوعة " ونفى محبوب "، وأثبت ما في المخطوطة، وهي سيئة الكتابة.]] وغلبة عدوٍّ لكم. [[انظر تفسير " الدوائر " فيما سلف ١٠: ٤٠٤.]] يقول الله تعالى ذكره: ﴿عليهم دائرة السوء﴾ ، يقول: جعل الله دائرة السوء عليهم، ونزول المكروه بهم لا عليكم أيها المؤمنون، ولا بكم = ﴿والله سميع﴾ ، لدعاء الداعين = ﴿عليم﴾ بتدبيرهم، وما هو بهم نازلٌ من عقاب الله، وما هم إليه صائرون من أليم عقابه. [[انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٩٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر﴾ ، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول: ﴿ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء﴾ ؟

* *

واختلفت القرأة في قراءه ذلك.

فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين، بمعنى النعت لـ "الدائرة"، وإن كانت "الدائرة" مضافة إليه، كقولهم: "هو رجل السَّوْء"، "وامرؤ الصدق"، من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: "سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٤٩، ٤٥٠.]]

* *

وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين: ﴿عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ﴾ ، بضم السين، كأنه جعله اسمًا، كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: "عليهم دائرة السُّوء" فضم، لم يقل: "هذا رجل السُّوء" بالضم، و"الرجل السُّوء"، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٠.]] وقال الشاعر: [[هو الفرزدق.]]

وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا ... بِصَاحِبِه يَوْمًا أحَالَ عَلَى الدَّمِ [[ديوانه: ٧٤٩، وطبقات فحول الشعراء: ٣٠٦، والحيوان ٥: ٣١٩، ٦: ٢٩٨، واللسان (حول) ، وغيرها كثير، من أبيات لها خبر طويل. وقوله: " أحال على الدم "، أي: أقبل عليه. والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله، وترك الإنسان (من كلام الجاحظ) . وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله: فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ، إن رَأَى ... بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهْوَ آكِلُهُ

.]] قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا بفتح السين، بمعنى: عليهم الدائرة التي تَسُوءهم سوءًا. كما يقال: "هو رجل صِدْق"، على وجه النعت.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الأعراب من يصدِّق الله ويقرّ بوحدانيته، وبالبعث بعد الموت، والثواب والعقاب، وينوي بما ينفق من نفقة في جهاد المشركين، [[في المطبوعة: "ينوي بما ينفق"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] وفي سفره مع رسول الله ﷺ ﴿قربات عند الله﴾ ، و"القربات" جمع "قربة"، وهو ما قرَّبه من رضى الله ومحبته = ﴿وصلوات الرسول﴾ ، يعني بذلك: ويبتغي بنفقة ما ينفق، مع طلب قربته من الله، دعاءَ الرسول واستغفارَه له.

وقد دللنا، فيما مضى من كتابنا، على أن من معاني "الصلاة"، الدعاء، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (صلا) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ﴿وصلوات الرسول﴾ ، يعني: استغفار النبيّ عليه الصلاة والسلام.

١٧٠٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول﴾ ، قال: دعاء الرسول: قال: هذه ثَنِيَّةُ الله من الأعراب. [[" الثنية "، ما استثنى من شيء، وفي حديث كعب الأحبار: " الشهداء ثنية الله في الأرض "، يعني هم من الذين استثناهم الله من الصعقة الأولى، تأول ذلك في قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) ، فجعل منهم الشهداء، لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.]]

١٧٠٩٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ ، قال: هم بنو مقرِّن، من مزينة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ ، [سورة التوبة: ٩٢] . قال: هم بنو مقرّن، من مزينة = قال: حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ ، ثم استثنى فقال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ ، الآية.

١٧٠٩٨- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا جعفر، عن البختريّ بن المختار العبدي قال، سمعت عبد الرحمن بن معْقل قال: كنا عشرة ولد مقرّن، فنزلت فينا: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ ، إلى آخر الآية. [[الأثر: ١٧٠٩٨ - " البختري بن المختار العبدي "، ثقة. مترجم في الكبير ١ \ ٢ \ ١٣٦ وابن أبي حاتم ١ \ ١ \ ٤٢٧.

و" عبد الرحمن بن معقل المزني "، تابعي ثقة، وعده بعضهم في الصحابة لهذا الحديث.

فقال الحافظ بن حجر: " إنما عنى بقوله: كنا = أباه وأعمامه، وأما هو فيصغر عن ذلك. ومن أعمامه عبد الرحمن بن مقرن، ذكره ابن سعد في الصحابة ". وهو مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ١٢٢، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ٢٨٤.

وكان في المطبوعة: " عبد الله بن مغفل "، غير ما في المخطوطة، وبدل، وصحف، وأساء إساءة لا يعذر فيها.]]

* *

قال أبو جعفر: قال الله: ﴿ألا إنها قُرْبة لهم﴾ ، يقول تعالى ذكره: ألا إنّ صلوات الرسول قربة لهم من الله.

وقد يحتمل أن يكون معناه: ألا إنّ نفقته التي ينفقها كذلك، قربةٌ لهم عند الله = ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ ، يقول: سيدخلهم الله فيمن رحمه فأدخله برحمته الجنة = ﴿إن الله غفورٌ﴾ ، لما اجترموا = ﴿رحيم﴾ ، بهم مع توبتهم وإصلاحهم أن يعذبهم. [[انظر تفسير " غفور " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولا إلى الإيمان بالله ورسوله = ﴿من المهاجرين﴾ ، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم [[انظر تفسير " الهجرة " فيما سلف ص: ١٧٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] = ﴿والأنصار﴾ ، الذين نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله [[انظر تفسير " الأنصار " فيما سلف ١٠: ٤٨١، تعليق: ٥، والمراجع هناك.]] = ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ ، يقول: والذين سَلَكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلبَ رضا الله [[انظر تفسير " الإحسان " فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) .]] = ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ .

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿والسابقون الأوّلون﴾ .

فقال بعضهم: هم الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، أو أدْركوا.

ذكر من قال ذلك:

١٧٠٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن إسماعيل، عن عامر: ﴿والسابقون الأوّلون﴾ ، قال: من أدرك بيعة الرضوان.

١٧١٠٠-...... قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عامر قال: ﴿المهاجرون الأوّلون﴾ ، من أدرك البيعة تحت الشجرة.

١٧١٠١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: ﴿المهاجرون الأولون﴾ ، الذين شهدوا بيعة الرضوان.

١٧١٠٢- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان عن مطرف، عن الشعبي قال: "المهاجرون الأولون"، من كان قبل البيعة إلى البيعة، فهم المهاجرون الأوّلون، ومن كان بعد البيعة، فليس من المهاجرين الأولين.

١٧١٠٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل ومطرف، عن الشعبي قال: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ، هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.

١٧١٠٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن داود، عن عامر قال: فَصْل ما بين الهجرتين بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية.

١٧١٠٥- حدثني المثني قال، أخبرنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ومطرف، عن الشعبي قال: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان.

١٧١٠٦- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبثر أبو زبيد، عن مطرف، عن الشعبي قال: المهاجرون الأولون، من أدرك بيعة الرضوان. [[الأثر: ١٧١٠٦ - " عبثر، أبو زبيد "، هو " عبثر بن القاسم الزبيدي، أبو زبيد "، مضى برقم: ١٢٤٠٢، وغيرها.]]

* *

وقال آخرون: بل هم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٠٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن قيس، عن عثمان الثقفي، عن مولى لأبي موسى، عن أبي موسى قال: المهاجرون الأولون، من صلى القبلتين مع النبيّ ﷺ.

١٧١٠٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن مولى لأبي موسى قال: سألت أبا موسى الأشعري عن قوله: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.

١٧١٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي هلال، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: لم سُمُّوا "المهاجرين الأولين"؟ قال: من صلى مع النبي ﷺ القبلتين جميعًا، فهو من المهاجرين الأولين.

١٧١١٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: المهاجرون الأولون، الذين صلوا القبلتين.

١٧١١١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قوله: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.

١٧١١٢- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، مثله.

١٧١١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن بعض أصحابه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب = وعن أشعث، عن ابن سيرين = في قوله: ﴿والسابقون الأولون﴾ ، قال: هم الذين صلوا القبلتين.

١٧١١٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا ابن عون، عن محمد، قال: المهاجرون الأولون: الذين صلوا القبلتين.

١٧١١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ، قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا.

* *

وأما الذين اتبعوا المهاجرون الأولين والأنصار بإحسان، فهم الذين أسلموا لله إسلامَهم، وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير. كما: -

١٧١١٦- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب قال: مرّ عمر برجل وهو يقرأ هذه الآية: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان﴾ ، قال: من أقرأك هذه الآية؟ [[استفهام عمر، كما سيظهر في رقم: ١٧١١٨، عن قراءة الآية بخفض " الأنصار " بالواو في " والذين "، وقراءته هو، رفع " الأنصار " وبغير واو في قوله " الذين اتبعوهم ".]] قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب. قال: لا تفارقْني حتى أذهب بك إليه! فأتاه فقال: أنت أقرأت هذا هذه الآية؟ قال: نعم! قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ؟! قال: [نعم!] . [[الزيادة بين القوسين لا بد منها، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة، ونقلتها من تفسير ابن كثير ٤: ٢٢٩.]] لقد كنتُ أرانا رُفِعنا رَفْعَةً لا يبلُغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: تصديق ذلك في أول الآية التي في أول الجمعة، [[في المطبوعة والمخطوطة: " قال: وتصديق ذلك في أول الآية ". وهو غير مستقيم صوابه من تفسير ابن كثير ٤: ٢٢٩، وانظر الأثر التالي.]] وأوسط الحشر، وآخر الأنفال. أما أول الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ ،، [سورة الجمعة: ٣] ، وأوسط الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ ، [سورة الحشر: ١٠] ، وأما آخر الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة الأنفال: ٧٥] .

١٧١١٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ ، حتى بلغ: ﴿ورضوا عنه﴾ ، قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب! فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه! فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم! قال: أنت سمعتها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم! قال: لقد كنت أظن أنّا رُفِعنا رَفْعة لا يبلغها أحدٌ بعدنا! فقال أبيّ: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ ، إلى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ ، وفي الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ ، إلى آخر الآية.

* *

وروي عن عمر في ذلك ما:

١٧١١٨- حدثني به أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن حبيب بن الشهيد، وعن ابن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ، فرفع "الأنصار" ولم يلحق الواو في "الذين"، فقال له زيد بن ثابت "والذين اتبعوهم بإحسان"، فقال عمر: "الذين اتبعوهم بإحسان"، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم! فقال عمر: ائتوني بأبيّ بن كعب. فأتاه، فسأله عن ذلك، فقال أبي: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾ ، فقال عمر: إذًا نتابع أبَيًّا.

* *

قال أبو جعفر: والقراءة على خفض "الأنصار"، عطفًا بهم على "المهاجرين".

* *

وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ: ﴿الأنْصَارُ﴾ ، بالرفع، عطفًا بهم على "السابقين".

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفضُ في ﴿الأنْصَارِ﴾ ، لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأن السابق كان من الفريقين جميعًا، من المهاجرين والأنصار، وإنما قصد الخبر عن السابق من الفريقين، دون الخبر عن الجميع = وإلحاق "الواو" في "الذين اتبعوهم بإحسان"، [[قوله: " وإلحاق الواو " معطوف على قوله: " والقراءة التي لا أستجيز غيرها، الخفض. . . ".]] لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين جميعًا، على أن "التابعين بإحسان"، غير "المهاجرين والأنصار"، وأما "السابقون"، فإنهم مرفوعون بالعائد من ذكرهم في قوله: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ .

* *

ومعنى الكلام: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيّه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه = ورضي عنه السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام = ﴿وأعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار﴾ ، يدخلونها = ﴿خالدين فيها﴾ ، لابثين فيها [[انظر تفسير " الخلد " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] = ﴿أبدًا﴾ ، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها [[انظر تفسير " أبدًا " فيما سلف ص: ١٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ذلك الفوز العظيم﴾ . [[انظر تفسير " الفوز " فيما سلف ص: ٤١٥، تعليق: ٨، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن القوم الذين حول مدينتكم من الأعراب منافقون، ومن أهل مدينتكم أيضًا أمثالهم أقوامٌ منافقون.

* *

وقوله: ﴿مردوا على النفاق﴾ ، يقول: مرَنُوا عليه ودَرِبوا به.

* *

ومنه: "شيطانٌ مارد، ومَرِيد"، وهو الخبيث العاتي. ومنه قيل: "تمرَّد فلان على ربه"، أي: عتَا، ومرنَ على معصيته واعتادها. [[انظر تفسير " مريد " فيما سلف ٩: ٢١١، ٢١٢، وفي المطبوعة: " أي: عتا ومرد على معصيته. . . "، والصواب ما في المخطوطة.]]

* *

وقال ابن زيد في ذلك ما: -

١٧١١٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ ، قال: أقاموا عليه، لم يتوبوا كما تابَ الآخرون.

١٧١٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ ، أي لجُّوا فيه، وأبوْا غيرَه. [[الأثر: ١٧١٢٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧٠٨٩.]]

* *

= ﴿لا تعلمهم﴾ ، يقول لنبيه محمد ﷺ: لا تعلم، يا محمد، أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، ولكنا نحن نعلمهم، كما: -

١٧١٢١- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون﴾ ، إلى قوله: ﴿نحن نعلمهم﴾ ، قال: فما بال أقوام يتكلَّفون علم الناس؟ فلانٌ في الجنة وفلان في النار! فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري! لعمري أنتَ بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك! قال نبي الله نوح عليه السلام: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ،، [سورة الشعراء: ١١٢] ، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [سورة هود: ٨٦] ، وقال الله لنبيه عليه السلام: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ .

* *

وقوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين، إحداهما في الدنيا، والأخرى في القبر.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في التي في الدنيا، ما هي؟

فقال بعضهم: هي فضيحتهم، فضحهم الله بكشف أمورهم، وتبيين سرائرهم للناس على لسان رسول الله ﷺ.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٧١٢٢- حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قول الله: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق﴾ ، إلى قوله: ﴿عذاب عظيم﴾ ، قال: قام رسول الله ﷺ خطيبًا يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق. اخرج، يا فلان، فإنك منافق. فأخرج من المسجد ناسًا منهم، فضحهم. فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة، وظنّ أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر، ظنّوا أنه قد علم بأمرهم. فجاء عمر فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلُّوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر، يا عمر، فقد فضح الله المنافقين اليوم! فهذا العذاب الأول، حين أخرجهم من المسجد. والعذاب الثاني، عذاب القبر. [[الأثر: ١٧١٢٢ - رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٣، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، وهو ضعيف ".]]

١٧١٢٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: كان رسول الله ﷺ يخطب فيذكر المنافقين، فيعذبهم بلسانه، قال: وعذاب القبر.

* *

[وقال آخرون: ما يصيبهم من السبي والقتل والجوع والخوف في الدنيا.] [[هذه الترجمة التي بين القوسين، ليست في المخطوطة ولا المطبوعة، استظهرتها من سياق الأخبار التالية.]]

* *

ذكر من قال ذلك:

١٧١٢٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: القتل والسِّبَاء.

١٧١٢٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، بالجوع، وعذاب القبر. قال: ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ ، يوم القيامة.

١٧١٢٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون، والقاسم، ويحيى بن آدم، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: بالجوع والقتل = وقال يحيى: الخوف والقتل. [[في المطبوعة: " بالجوع. . . "، بالباء في أوله، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٧١٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: بالجوع والقتل.

١٧١٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: بالجوع، وعذاب القبر.

١٧١٢٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: الجوع والقتل. [[في المطبوعة: " بالجوع "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: سنعذبهم عذابًا في الدنيا، وعذابًا في الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، عذاب الدنيا، وعذاب القبر، ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ ، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيكَهم الدُّبيلة، [[" الدبيلة " في اللغة، خراج ودمل كبير، تظهر في الجوف، فتقتل صاحبها غالبا، وهي تصغير " دبلة " (بضم الدال وسكون الباء) ، بمثل معناها.]] سِراج من نار جهنم، يأخذ في كتف أحدهم حتى تُفضي إلى صدره، وستة يموتون موتًا. ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله، كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشُدُك الله، أمنهم أنا؟ قال: لا والله، ولا أومِن منها أحدًا بعدك!

١٧١٣١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: عذاب الدنيا وعذاب القبر.

١٧١٣٢- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء قالا حدثنا بدل بن المحبر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: عذابًا في الدنيا، وعذابًا في القبر.

١٧١٣٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، = ثم يردّون إلى عذاب النار.

* *

وقال آخرون: كان عذابهم إحدى المرتين، مصائبَهم في أموالهم وأولادهم، والمرة الأخرى في جهنم.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: أما عذابٌ في الدنيا، فالأموال والأولاد، وقرأ قول الله: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، [سورة التوبة: ٥٥] ، بالمصائب فيهم، هي لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر. قال: وعذاب في الآخرة، في النار = ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ ، قال: النار.

* *

وقال آخرون: بل إحدى المرتين، الحدود، والأخرى: عذابُ القبر.

ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضًى. [[في المطبوعة: " غير مرضي ". وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وقال آخرون: بل إحدى المرتين، أخذ الزكاة من أموالهم، والأخرى عذابُ القبر. ذكر ذلك عن سليمان بن أرقم، عن الحسن.

* *

وقال آخرون: بل إحدى المرتين، عذابُهم بما يدخل عليهم من الغَيْظِ في أمر الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ ، قال: العذاب الذي وعدَهم مرتين، فيما بلغني، غَمُّهم بما هم فيه من أمر الإسلام، [[في المطبوعة والمخطوطة: " فيما بلغني عنهم ما هم فيه أمر الإسلام "، والصواب من سيرة ابن هشام.]] وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حِسْبة، ثم عذابهم في القبر إذا صاروا إليه، ثم العذاب العظيم الذي يردُّون إليه، عذابُ الآخرة، [[في المطبوعة: " ويخلدون فيه "، وفي المخطوطة: " ويخلد فيه "، وصواب قراءتها من سيرة ابن هشام.]] والخُلْد فيه. [[الأثر: ١٧١٣٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧١٢٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مرَدوا على النفاق مرتين، ولم يضع لنا دليلا يوصِّل به إلى علم صفة ذينك العذابين [[في المطبوعة: " نتوصل به "، وأثبت ما في المخطوطة.]] = وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيٍّ. [[في المطبوعة: " بأي ذلك من بأي، على أن في قوله. . . "، فحرف وبدل وأفسد الكلام إفسادًا.

وانظر القول في " أي ذلك كان من أي " فيما سلف ص: ٣٦٥، تعليق: ١، والمراجع هناك، فقد مضت أخواتها كثيرًا، وحرفها الناسخ.]] غير أن في قوله جل ثناؤه: ﴿ثم يردّون إلى عذاب عظيم﴾ ، دلالة على أن العذاب في المرَّتين كلتيهما قبل دخولهم النار. والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر.

* *

وقوله: ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ ، يقول: ثم يردُّ هؤلاء المنافقون، بعد تعذيب الله إياهم مرتين، إلى عذاب عظيم، وذلك عذاب جهنم.

القول في تأويل قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق، ومنهم "آخرون اعترفوا بذنوبهم"، يقول: أقرُّوا بذنوبهم = ﴿خلطوا عملا صالحًا﴾ ، يعني جل ثناؤه بالعمل الصالح الذي خلطوه بالعمل السيئ: اعترافهم بذنوبهم، وتوبتهم منها، والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله ﷺ، حين خرج غازيًا، وتركهم الجهادَ مع المسلمين.

* *

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ، وإنما الكلام: خلطوا عملا صالحًا بآخر سيئ؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فكان بعض نحويي البصرة يقول: قيل ذلك كذلك، وجائز في العربية أن يكون "بآخر"، [[لا شك أن الناسخ أسقط شيئًا من كلام أبي جعفر، وهو ظاهر لمن تأمل. وانظر التعليق التالي.]] كما تقول "استوى الماء والخشبة"، أي: بالخشبة، "وخلطت الماء واللبن".

وأنكر [آخر] أن يكون نظير قولهم [[الذي بين القوسين في المطبوعة وحدها، ولكنه كان فيها " آخرون ". أما المخطوطة ففيها: " وأنكر أن يكون نظير قولهم. . . "، وهذا أيضا دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام. وانظر التعليق التالي.]] "استوى الماء والخشبة". واعتلَّ في ذلك بأن الفعل في "الخلط" عامل في الأول والثاني، وجائز تقديم كل واحد منهما على صاحبه، وأن تقديم "الخشبة" على "الماء" غير جائز في قولهم: "استوى الماء والخشبة"، وكان ذلك عندهم دليلا على مخالفة ذلك "الخلطَ". [[في المطبوعة: " دليلا عندهم "، وأثبت ما في المخطوطة، ولكن الناشر الأول غيره، لما وضع " آخرون " من عند نفسه. انظر التعليق السالف.

هذا، وقد تركت الكلام على حاله، لأني لا شك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبي جعفر.]] قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه بمعنى قولهم: "خلطت الماء واللبن"، بمعنى: خلطته باللبن.

* *

="عسى الله أن يتوب عليهم"، يقول: لعل الله أن يتوب عليهم= "وعسى" من الله واجب، [[انظر تفسير "عسى" فيما سلف: ص ١٦٧ تعليق ٥، والمراجع هناك.]] وإنما معناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب على ما وصفت= "إن الله غفور رحيم"، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن تاب عن ذنوبه، وساترٌ له عليها = "رحيم"، به أن يعذبه بها. [[انظر تفسير "غفور" و "رحيم" فيما سلف من فهارس اللغة (غفر) ، (رحم) .]]

* *

وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنزلت فيه.

فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّواري عند مَقْدم النبي ﷺ، توبةً منهم من ذنبهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ تخلّفوا عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضرَ رُجوع النبي ﷺ، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، فكان ممرّ النبي ﷺ إذا رجع في المسجد عليهم. [[في المطبوعة: "وكان" وأثبت ما في المخطوطة بالفاء.]]

فلما رآهم قال: "من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسواري؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد] ، حتى تطلقهم، وتعذرهم. [[في المخطوطة والمطبوعة: " تخلفوا عنك يا رسول الله حتى تطلقهم وتعذرهم "، سقط بعض الكلام وتمامه في الدر المنثور: " وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم "، وآثرت ما وضعته بين القوسين.]] فقال النبي عليه السلام: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين! فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا! [[في المطبوعة والمخطوطة: " ونحن بالله "، وآثرت ما كتبت.]] فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم﴾ = و"عسى" من الله واجب. فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعَذَرَهُم.

* *

وقال آخرون: بل كانوا ستة، أحدهم أبو لبابة.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله﴾ ، إلى قوله: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ ، وذلك أن رسول الله ﷺ غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه عن النبي ﷺ. ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا بالهلكة، وقالوا: "نكون في الكِنِّ والطمأنينة مع النساء، ورسول الله والمؤمنون معه في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّواري، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو يطلقنا ويعذرُنا"، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد، وبقي ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله ﷺ من غزوته، وكان طريقه في المسجد، فمرَّ عليهم فقال: من هؤلاء الموثقو أنفسهِم بالسواري؟ فقالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له، تخلفوا عن رسول الله ﷺ، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول الله ﷺ: والله لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم، وقد تخلفوا عني ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم! فأنزل الله برحمته: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ = و"عسى" من الله واجب = فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله ﷺ، وعذرَهم، وتجاوز عنهم.

* *

وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري كانوا ثمانية.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ ، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كرْدَم، ومرداس، وأبو لبابة.

١٧١٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: الذين ربطوا أنفسهم بالسواري: هلال، وأبو لبابة، وكردم، ومرداس، وأبو قيس. [[هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.]]

* *

وقال آخرون: كانوا سبعة.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا عسى الله أن يتوب عليهم﴾ ، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فخلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا: جدُّ بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ ، الآية.

١٧١٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ، قال: هم نفر ممن تخلف عن تبوك، منهم أبو لبابة، ومنهم جد بن قيس، تِيبَ عليهم = قال قتادة: وليسوا بثلاثة.

١٧١٤٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، قال: هم سبعة، منهم أبو لبابة، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك، وليسوا بالثلاثة.

١٧١٤٣- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ، نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله ﷺ من غزوته، وكان قريبًا من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول الله وقالوا: "نكون في الظلال والأطعمة والنساء، ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله ﷺ يطلقنا ويعذرنا! " وأوثقوا أنفسهم، وبقي ثلاثة، لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. [[" بالسواري " زيادة من المخطوطة، ليست في المطبوعة.]] فقدم رسول الله ﷺ من غزوته، فمرّ في المسجد، وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله ﷺ: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين! فأنزل الله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، إلى: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ = و"عسى" من الله واجب = فأطلقهم نبيُّ الله وعذرهم.

* *

وقال آخرون: بل عني بهذه الآية أبو لبابة خاصة، وذنبه الذي اعترف به فتيب عليه فيه، [[في المطبوعة: " فتيب عليه منه "، وأثبت ما في المخطوطة، وهي صواب محض.]] ما كان من أمره في بني قريظة.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، قال: نزلت في أبي لبابة، قال لبني قريظة ما قال.

١٧١٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، قال: أبو لبابة، إذ قال لقريظة ما قال، أشار إلى حلقه: إن محمدًا ذابحكم إن نزلتم على حُكْم الله.

١٧١٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، فذكر نحوه = إلا أنه قال: إن نزلتم على حكمه.

١٧١٤٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية، فقال: لا أحلُّ نفسي حتى يحلني الله ورسوله! قال: فحلَّه النبي ﷺ: وفيه أنزلت هذه الآية: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا) ، الآية.

١٧١٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، قال: نزلت في أبي لبابة.

* *

وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة، بسبب تخلفه عن تبوك.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٤٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الزهري: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: والله لا أحلّ نفسي منها، ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى أموت أو يتوب الله عليّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا، حتى خرّ مغشيا عليه، قال: ثم تاب الله عليه، ثم قيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة! فقال: والله لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو يحلني! قال: فجاء النبي ﷺ فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله، إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله! قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث.

* *

وقال بعضهم: عني بهذه الآية الأعراب.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٥٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ، قال: فقال إنهم من الأعراب.

١٧١٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، إلى: ﴿إن إ لله غفور رحيم﴾ . [[الأثر: ١٧١٥١ - " حجاج بن أبي زينب السلمي "، " أبو يوسف الواسطي "، " الصيقل "، ضعيف، ليس بقوي ولا حافظ. مترجم في التهذيب، والكبير ١ \ ٢ \ ٣٧٣، وابن أبي حاتم ١ \ ٢ \ ١٦١، وميزان الاعتدال ١: ٢١٥. وكان في المطبوعة: " بن أبي ذئب "، وهو خطأ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة.

و" أبو عثمان "، هو النهدي، " عبد الرحمن بن مل "، ثقة، أسلم على عهد رسول الله ولم يلقه. مضى مرارًا، منها رقم: ١٣٠٩٧ - ١٣١٠٠.

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٧٣، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في التوبة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قولُ من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله ﷺ، وتركهم الجهادَ معه، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترفُ بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده. فإذ كان ذلك [كذلك] ، [[ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق.]] وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ ، بالاعتراف بذنوبهم جماعةً، عُلِم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، [[في المطبوعة: " أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد "، أساء قراءة المخطوطة، فحرف وزاد من عنده، ما أفسد الكلام وأهلكه.]] فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذا لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعةَ فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صحَّ ما قلنا في ذلك. وقلنا: "كان منهم أبو لبابة"، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

القول في تأويل قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها = ﴿صدقة تطهرهم﴾ ، من دنس ذنوبهم [[انظر تفسير " التطهير " فيما سلف ١٢: ٥٤٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿وتزكيهم بها﴾ ، يقول: وتنمِّيهم وترفعهم عن خسيس منازل أهل النفاق بها، إلى منازل أهل الإخلاص [[انظر تفسير " التزكية " فيما سلف من فهارس اللغة (زكا) .]] = ﴿وصل عليهم﴾ ، يقول: وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها = ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ، يقول: إن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم [[انظر تفسير " الصلاة " فيما سلف من فهارس اللغة (صلا) .

= وتفسير " سكن " فيما سلف ١١: ٥٥٧.]] = ﴿والله سميع عليم﴾ ، يقول: والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه = ﴿عليم﴾ ، بما تطلب بهم بدعائك ربّك لهم، وبغير ذلك من أمور عباده. [[انظر تفسير " سميع " و " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) ، (علم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٥٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: جاءوا بأموالهم = يعني أبا لبابة وأصحابه = حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا! قال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا! فأنزل الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ، يعني بالزكاة: طاعة الله والإخلاص = ﴿وصل عليهم﴾ ، يقول: استغفر لهم.

١٧١٥٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لما أطلق رسول الله ﷺ أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله ﷺ، فقالوا: خذ من أموالنا فتصدَّق بها عنا، وصلِّ علينا = يقولون: استغفر لنا = وطهرنا. فقال رسول الله ﷺ: لا آخذ منها شيئًا حتى أومر. فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ ، يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله ﷺ جزءًا من أموالهم، فتصدَّق بها عنهم.

١٧١٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم قال: لما أطلق النبي ﷺ أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسَّواري، قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها! فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ ، الآية.

١٧١٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: قال الذين ربطوا أنفسهم بالسواري حين عفا عنهم: يا نبيّ الله؛ طهِّر أموالنا! فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ ، وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله، وكان عَمي منهم اثنان، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِي.

١٧١٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأربعة: جدُّ بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، هم الذين قيل فيهم: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ ، أي وقارٌ لهم، وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدَّقوا.

١٧١٥٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك، قال: لما أطلق نبيّ الله ﷺ أبا لبابة وأصحابه، أتوا نبيّ الله بأموالهم فقالوا: يا نبي الله، خذ من أموالنا فتصدَّق به عنا، وطهَّرنا، وصلِّ علينا! يقولون: استغفر لنا = فقال نبي الله: لا آخذ من أموالكم شيئًا حتى أومر فيها = فأنزل الله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ ، من ذنوبهم التي أصابوا = ﴿وصل عليهم﴾ ، يقول: استغفر لهم. ففعل نبي الله عليه السلام ما أمره الله به.

١٧١٥٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، أبو لبابة وأصحابه = ﴿وصل عليهم﴾ ، يقول: استغفر لهم، لذنوبهم التي كانوا أصابوا.

١٧١٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ ، قال: هؤلاء ناسٌ من المنافقين ممن كان تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، اعترفوا بالنفاق، وقالوا: يا رسول الله، قد ارتبنا ونافقنا وشككنا، ولكن توبةٌ جديدة، وصدقةٌ نخرجها من أموالنا! فقال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ ، بعد ما قال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ، [سورة التوبة: ٨٤] .

* *

واختلف أهل العربية في وجه رفع "تزكيهم".

فقال بعض نحويي البصرة: رفع "تزكيهم بها"، في الابتداء، وإن شئت جعلته من صفة "الصدقة"، ثم جئت بها توكيدًا، وكذلك "تطهرهم".

وقال بعض نحويي الكوفة: إن كان قوله: ﴿تطهرهم﴾ ، للنبي عليه السلام فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعد على "الصدقة" عائد، [[في المطبوعة " بأنه لم يعد "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ﴿وتزكيهم﴾ ، مستأنَفٌ. وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما.

* *

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك من القول، أن قوله: ﴿تطهرهم﴾ ، من صلة "الصدقة"، لأن القرأة مجمعة على رفعها، وذلك دليل على أنه من صلة "الصدقة". وأما قوله: ﴿وتزكيهم بها﴾ ، فخبر مستأنَفٌ، بمعنى: وأنت تزكيهم بها، فلذلك رفع.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ .

فقال بعضهم: رحمة لهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ، يقول: رحمة لهم.

* *

وقال آخرون: بل معناه: إن صلاتك وقارٌ لهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٦١- حدثنا بشر قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ، أي: وقارٌ لهم.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته قرأة المدينة: ﴿إِنَّ صَلوَاتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ بمعنى دعواتك.

* *

وقرأ قرأة العراق وبعض المكيين: ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ ، بمعنى: إن دعاءك.

* *

قال أبو جعفر: وكأنَّ الذين قرأوا ذلك على التوحيد، رأوا أن قراءته بالتوحيد أصحُّ، لأن في التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس في قوله: ﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ ، إذ كانت "الصلوات"، هي جمع لما بين الثلاث إلى العشر من العدد، دون ما هو أكثر من ذلك. والذي قالوا من ذلك، عندنا كما قالوا، وبالتوحيد عندنا القراءةُ لا العلة، لأن ذلك في العدد أكثر من "الصلوات"، [[في المطبوعة: " وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك في العدد. . . "، غير ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي ﷺ وصلواته أنه سكن لهؤلاء القوم، [[في المطبوعة: " وصلاته "، وأثبت ما في المخطوطة.]] لا الخبر عن العدد. وإذا كان ذلك كذلك، كان التوحيد في "الصلاة" أولى.

القول في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره، أخبر به المؤمنين به: أن قبول توبة من تاب من المنافقين، وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها، ليسا إلى نبيّ الله ﷺ = وأن نبيَّ الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه، وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه ﷺ، وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد، وأن محمدًا إنما يفعل ما يفعل من تركٍ وإطلاقٍ وأخذِ صدقةٍ وغير ذلك من أفعاله بأمر الله. فقال جل ثناؤه: ألم يعلم هؤلاء المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين، الموثقو أنفسهم بالسواري، القائلون: "لا نُطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا"، السَّائلو رسولِ الله ﷺ أخذَ صدقة أموالهم، أنَّ ذلك ليس إلى محمد، وأن ذلك إلى الله، وأن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردُّها، ويأخذ صدقة من تصدَّق منهم أو يردُّها عليه دون محمد، فيوجِّهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله، ويقصدوا بذلك قصدَ وجهه دون محمد وغيره، ويخلصوا التوبة له، ويريدوه بصدقتهم، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم؟ = يقول: المراجع لعبيده إلى العفو عنه إذا رجعوا إلى طاعته، الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه. [[انظر تفسير " التوبة "، " التواب "، " الرحيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (رحم) .]]

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: -

١٧١٦٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال الآخرون = يعني الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء، يعني الذين تابوا، كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون، فما لهم؟ فقال الله: ﴿إن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم﴾ . [[انظر تفسير " التوبة "، " التواب "، " الرحيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (توب) ، (رحم) .]]

١٧١٦٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، أخبرني رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه = قال شعبة: قال العوام بن حوشب: هو قتادة، أو ابن قتادة، رجل من محارب = قال: سمعت عبد الله بن السائب = وكان جاره = قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ما من عبدٍ تصدق بصدقة إلا وقعت في يد الله، فيكون هو الذي يضعُها في يد السائل. وتلا هذه الآية: ﴿هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ . [[الأثر: ١٧١٦٣ - " قتادة "، أو " ابن قتادة "، رجل من محارب. لم أجده هكذا.

ولم أجد أحدًا تكلم في أمره أو ذكره. وصريح هذا الإسناد يدل على أن " قتادة " أو " ابن قتادة " المحاربي، هذا، هو الذي أخبر شعبة، وهو الذي كان يأتي حمادًا، ولم يجلس إليه، وأنه هو الذي سمع من عبد الله بن السائب، وكان جاره، وأن " عبد الله بن السائب " هو الذي سمع من عبد الله ابن مسعود. وهذا إشكال:

فإن " عبد الله بن السائب "، هو " عبد الله بن السائب الكندي "، روى عن أبيه، وزادان الكندي. وعبد الله بن معقل بن مقرن، وعبد الله بن قتادة المحاربي (كما سيأتي في الآثار التالية) . وروى عنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيباني، والعوام بن حوشب، وسفيان الثوري. وهو ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ٧٥، ولم يذكروا له رواية عن ابن مسعود كما ترى، بل ذكروا روايته عن " عبد الله بن قتادة المحاربي "، كما سيأتي في الآثار التالية.

فأنا أخشى أن يكون في إسناد هذا الخبر شيء، بدلالة الآثار التي تليه، وهي مستقيمة على ما ذكر في كتب الرجال، وأخشى أن يكون شعبة سمعه عن رجل كان يأتي حمادًا ولم يجلس إليه، عن عبد الله بن السائب، عن قتادة، أو ابن قتادة، رجل من محارب = ثم سمعه من العوام بن حوشب، عن عبد الله بن السائب، عن قتادة، أو قتادة، رجل من محارب = وأن يكون الناسخ قد أفسد الإسناد. وانظر الكلام على " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي " أو " عبد الله بن قتادة " في التعليق على الآثار التالية.]]

١٧١٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة المحاربي، عن عبد الله بن مسعود قال: ما تصدَّق رجلٌ بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، وهو يضعها في يد السائل. ثم قرأ: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات﴾ . [[الآثار: ١٧١٦٤ - ١٧١٦٦ - " عبد الله بن السائب الكندي "، مضى في التعليق السالف.

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي "، فهو هكذا في جميعها، إلا في رقم: ١٧١٦٥، فإنه في المخطوطة: " عبد الله بن قتادة "، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه.

وأما كتب التراجم، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي "، ترجم له ابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٤١ وقال: " روي عن عبد الله بن مسعود، روى عنه عبد الله بن السائب، سمعت أبي يقول ذلك ". وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: ٢٣٣، وقال: " عن ابن مسعود، وعنه عبد الله بن السائب، وثقه ابن حبان "، ثم قال: " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال: روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة، قاله الثوري، عن عبد الله بن السائب، عنه ".

وأما " عبد الله بن أبي قتادة "، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر.

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٧٥، ونسبه إلى عبد الرزاق، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم، والطبراني.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١١، وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه: عبد الله بن قتادة المحاربي، لم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات ".]]

١٧١٦٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن ابن مسعود، بنحوه. [[الآثار: ١٧١٦٤ - ١٧١٦٦ - " عبد الله بن السائب الكندي "، مضى في التعليق السالف.

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي "، فهو هكذا في جميعها، إلا في رقم: ١٧١٦٥، فإنه في المخطوطة: " عبد الله بن قتادة "، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه.

وأما كتب التراجم، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي "، ترجم له ابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٤١ وقال: " روي عن عبد الله بن مسعود، روى عنه عبد الله بن السائب، سمعت أبي يقول ذلك ". وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: ٢٣٣، وقال: " عن ابن مسعود، وعنه عبد الله بن السائب، وثقه ابن حبان "، ثم قال: " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال: روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة، قاله الثوري، عن عبد الله بن السائب، عنه ".

وأما " عبد الله بن أبي قتادة "، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر.

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٧٥، ونسبه إلى عبد الرزاق، والحكم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم، والطبراني.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١١، وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه: عبد الله بن قتادة المحاربي، لم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات ".]]

١٧١٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال، قال عبد الله: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ هذه الآية: ﴿هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ [[الآثار: ١٧١٦٤ - ١٧١٦٦ - " عبد الله بن السائب الكندي "، مضى في التعليق السالف.

وأما " عبد الله بن أبي قتادة المحاربي "، فهو هكذا في جميعها، إلا في رقم: ١٧١٦٥، فإنه في المخطوطة: " عبد الله بن قتادة "، ولكن ناشر المطبوعة زاد " أبي " من عند نفسه.

وأما كتب التراجم، فلم تذكر سوى " عبد الله بن قتادة المحاربي "، ترجم له ابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٤١ وقال: " روي عن عبد الله بن مسعود، روى عنه عبد الله بن السائب، سمعت أبي يقول ذلك ". وترجم له أيضا الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة: ٢٣٣، وقال: " عن ابن مسعود، وعنه عبد الله بن السائب، وثقه ابن حبان "، ثم قال: " كلام البخاري يدل على أنه لم يرو شيئًا مسندا فإنه قال: روي عن ابن مسعود قوله في الصدقة، قاله الثوري، عن عبد الله بن السائب، عنه ".

وأما " عبد الله بن أبي قتادة "، فلم أجد ذكره هكذا إلا في تفسير أبي جعفر.

وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٢٧٥، ونسبه إلى عبد الرزاق، والحكم الترمذي في نوادر الأصول، وابن أبي حاتم، والطبراني.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١١، وقال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه: عبد الله بن قتادة المحاربي، لم يضعفه أحد، وبقية رجاله ثقات ".]]

١٧١٦٨- حدثنا أبو كريب [قال، حدثنا وكيع] قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدكم مُهْرَه، حتى إن اللقمة لتصيرُ مثل أُحُدٍ. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ ، [[هكذا جاءت الآية في المخطوطة " وهو الذي يقبل التوبة "، كما رواه أحمد في المسند أيضا رقم: ١٠٠٩٠، بهذا الإسناد، بمثل هذا الخطأ، فإن التلاوة: " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة. . . "، وقد استظهر أخي السيد أحمد أنه خطأ قديم، كما قال في التعليق على الخبر رقم: ٦٢٥٣ فيما سلف. وأما في المطبوعة، فقد صححها الناشر " أن الله هو يقبل التوبة. . . ".وأثبت ما في المخطوطة ليعلم هذا الخطأ.]] و ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ، [[الأثر: ١٧١٦٨ - سلف هذا الخبر بهذا الإسناد برقم: ٦٢٥٣، وخرجه أخي السيد أحمد هناك.]] [سورة البقرة: ٢٧٦]

١٧١٦٩- حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع الرَّقى قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم، عن أبي هريرة، ولا أراه إلا قد رفعه قال: إن الله يقبل الصدقة = ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١٧١٦٩ - " سليمان بن عمر بن خالد الأقطع الرقي "، مضى برقم: ٦٢٥٤، وكان في المطبوعة " الربى "، لم يحسن قراءة المخطوطة، وصواب قراءتها " الرقى ".

مضى برقم: ٦٢٥٤، وخرجه أخي السيد أحمد فيما سلف.]]

١٧١٧٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة قال: إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيِّب، ويأخذها بيمينه، وإن الرّجل يتصدق بمثل اللقمة، فيربِّيها الله له كما يربِّي أحدكم فصيله أو مُهْره، فتربو في كف الله = أو قال: في يد الله = حتى تكون مثل الجبل. [[الأثر: ١٧١٧٠ - مضى برقم: ٦٢٥٦، من طريق محمد بن عبد الملك، عن عبد الرزاق، عن معمر، بنحوه. وخرجه أخي السيد أحمد هناك، وأشار إلى رواية الطبري في هذا الموضع، وصحح إسناده هذا.]]

١٧١٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ ، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "والذي نفس محمد بيده، لا يتصدق رجلٌ بصدقة فتقع في يد السائل، حتى تقع في يد الله!

١٧١٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وأن الله هو التواب الرحيم﴾ ، يعني: إن استقاموا.

القول في تأويل قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿وقل﴾ ، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك = ﴿اعملوا﴾ ، لله بما يرضيه، من طاعته، وأداء فرائضه = ﴿فسيرى الله عملكم ورسوله﴾ ، يقول: فسيرى الله إن عملتم عملكم، ويراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا = ﴿وستردون﴾ ، يوم القيامة، إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم، فلا يخفى عليه شيء من باطن أموركم وظواهرها [[انظر تفسير " عالم الغيب والشهادة " فيما سلف من فهارس اللغة (غيب) ، (شهد) .]] = ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ، يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون، [[انظر تفسير " النبأ " فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ) .]] وما منه خالصًا، وما منه رياءً، وما منه طاعةً، وما منه لله معصية، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

* *

١٧١٧٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ ، قال: هذا وعيدٌ. [[عند هذا الموضع انتهى الجزء الحادي عشر من مخطوطتنا، وفي نهايته ما نصه:

" نجز المجلد الحادي عشر من كتاب البيان، بحمد الله وعونه وحُسْن توفيقه يتلوه في الجزء الثاني عشر، إن شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

وكان الفراغ من نسخه في شهر شعبان المبارك سنة خمس عشرة وسبعمائة. غفر الله لمؤلفه، ولصاحبه، ولكاتبه، ولجميع المسلمين.

آمين، آمين، آمين، آمين "

ثم يتلوه الجزء الثاني عشر، وأوله:

" بسم الله الرحمن الرحيم رَبِّ يَسِّرْ ".]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء المتخلفين عنكم حين شخصتم لعدوّكم، أيها المؤمنون، آخرون.

* *

ورفع قوله: "آخرون"، عطفًا على قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحًا وآخر سيئًا﴾ .

* *

= ﴿وآخرون مرجون﴾ ، يعني: مُرْجئون لأمر الله وَقضائه.

* *

يقال منه: "أرجأته أرجئه إرجاء وهو مرجَأ"، بالهمز وترك الهمز، وهما لغتان معناهما واحد. وقد قرأت القرأة بهما جميعا. [[انظر تفسير " الإرجاء " فيما سلف ١٣: ٢٠، ٢١.]]

* *

وقيل: عُني بهؤلاء الآخرين، نفرٌ ممن كان تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فندموا على ما فعلوا، ولم يعتذروا إلى رسول الله ﷺ عند مقدمه، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجأ الله أمرهم إلى أن صحَّت توبتهم، فتاب عليهم وعفا عنهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: وكان ثلاثة منهم = يعني: من المتخلفين عن غزوه تبوك = لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، أرجئوا سَبْتَةً، [[قوله: " سبتة "، أي برهة من الدهر.]] لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ ، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ، [سورة التوبة: ١١٧، ١١٨] .

١٧١٧٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية = يعني قوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ = أخذ رسول الله ﷺ من أموالهم = يعني من أموال أبي لبابة وصاحبيه = فتصدَّق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، ولم يوثقوا، ولم يذكروا بشيء، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت. وهم الذين قال الله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ . فجعل الناس يقولون: هلكوا! إذ لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفرَ لهم! فصاروا مرجئين لأمر الله، حتى نزلت: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ ، الذين خرجوا معه إلى الشام = ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، ثم قال: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ، يعني المرجئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة، فعُمُّوا بها، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .

١٧١٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، قال: هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا.

١٧١٧٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، قال: هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج.

١٧١٧٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، هلال بن أمية، ومرارة بن ربعيّ، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج. [[الأثر: ١٧١٧٧ - " مرارة بن ربعي "، هكذا جاء في المخطوطة في هذا الخبر، وفي الذي يليه. وصححه في المطبوعة: " مرارة بن الربيع " ثم جاء في رقم: ١٧١٨٣ في المخطوطة: " مرارة بن ربيعة "، وكلاهما غير المشهور المعروف في كتب تراجم الصحابة، والكتب الصحاح، فهو فيها جميعا " مرارة بن الربيع الأنصاري "، من بني عمرو بن عوف.

وأما " مرارة بن ربعي بن عدي بن يزيد بن جشم "، فلم يذكره غير ابن الكلبي، وقال: " كان أحد البكائين ".

فأثبت ما في مخطوطة الطبري، لاتفاق الاسم بذلك في مواضع، وأخشى أن يكون في اسمه خلاف لم يقع إلي خبره. وانظر ما سيأتي برقم: ١٧٤٣٦.

ثم انظر رقم: ١٧٤٣٣، وما بعده، وفيها " ابن ربيعة " و " ابن الربيع ".]]

١٧١٧٩-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٧١٨٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٧١٨١-...... قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

١٧١٨٢- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، هم الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة = يريد: غير أبي لبابة وأصحابه = ولم ينزل الله عذرهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت. وكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: "هلكوا"، حين لم ينزل الله فيهم ما أنزل في أبي لبابة وأصحابه.

وتقول فرقة أخرى: "عسى الله أن يعفو عنهم! "، وكانوا مرجئين لأمر الله. ثم أنزل الله رحمته ومغفرته فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، وأنزل: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ، الآية.

١٧١٨٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، قال: كنا نُحدَّث أنهم الثلاثة الذين خُلّفوا: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، رهط من الأنصار. [[الأثر: ١٧١٨٣ - " مرارة بن ربيعة "، المعروف " مرارة بن الربيع "، ولكن هكذا جاء في المخطوطة، وصححه الناشر في المطبوعة. وانظر رقم: ١٧١٧٧.]]

١٧١٨٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ ، قال: هم الثلاثة الذين خُلّفوا.

١٧١٨٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾ ، وهم الثلاثة الذين خلفوا، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرهم، حتى أتتهم توبتهم من الله. [[الأثر: ١٧١٨٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٨، ١٩٩، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٧١٣٥.]]

* *

وأما قوله: ﴿إما يعذبهم﴾ ، فإنه يعني: إما أن يحجزهم الله عن التوبة بخذلانه، فيعذبهم بذنوبهم التي ماتوا عليها في الآخرة = ﴿وإما يتوب عليهم﴾ ، يقول: وإما يوفقهم للتوبة فيتوبوا من ذنوبهم، فيغفر لهم = ﴿والله عليم حكيم﴾ ، يقول: والله ذو علم بأمرهم وما هم صائرون إليه من التوبة والمقام على الذنب = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيرهم وتدبير من سواهم من خلقه، لا يدخل حكمه خَلَلٌ. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) و (حكم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا، وهم، فيما ذكر، اثنا عشر نفسًا من الأنصار.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا: أقبل رسول الله ﷺ = يعني: من تبوك = حتى نزل بذي أوان = بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار. وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهّز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلّة والحاجة والليلة المطِيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه! فقال: إني على جناح سفر وحال شُغْلٍ = أو كما قال رسول الله ﷺ = ولو قَدْ قَدمنا أتيناكم إن شاء الله، فصلَّينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان، أتاه خبرُ المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدُّخْشُم، أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي = أو أخاه: عاصم بن عدي = أخا بني العجلان فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه! فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنْظِرني حتى أخرج إليك بنارٍ من أهلي! فدخل [إلى] أهله، فأخذ سَعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرّقاه وهدماه، وتفرقوا عنه. ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا خِذَام بن خالد، من بني عبيد بن زيد، [[في المطبوعة والمخطوطة: " خذام بن خالد بن عبيد "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.]] أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق = وثعلبة بن حاطب، من بني عبيد، وهو إلى بني أمية بن زيد = ومعتب بن قشير، من بني ضبيعة بن زيد = وأبو حبيبة بن الأزعر، من بني ضبيعة بن زيد = وعباد بن حنيف، أخو سهل بن حنيف، من بني عمرو بن عوف = وجارية بن عامر، وابناه: مجمع بن جارية، وزيد بن جارية، ونبتل بن الحارث، وهم من بني ضبيعة = وبَحْزَج، [[في المطبوعة: " وبخدج "، والصواب ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام.]] وهو إلى بني ضبيعة = وبجاد بن عثمان، وهو من بني ضبيعة = ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية، رهط أبي لبابة بن عبد المنذر. [[الأثر: ١٧١٨٦ - سيرة ابن هشام ٤: ١٧٣، ١٧٤.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: والذين ابتنوا مسجدًا ضرارًا لمسجد رسول الله ﷺ، وكفرًا بالله لمحادّتهم بذلك رسولَ الله ﷺ، ويفرِّقوا به المؤمنين، ليصلي فيه بعضهم دون مسجد رسول الله ﷺ، وبعضهم في مسجد رسول الله ﷺ، فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا = ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ ، يقول: وإعدادًا له، لأبي عامر الكافر الذي خالف الله ورسوله، وكفر بهما، وقاتل رسول الله = ﴿من قبل﴾ ، يعني من قبل بنائهم ذلك المسجد. وذلك أن أبا عامر هو الذي كان حزَّب الأحزاب = يعني: حزّب الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ = فلما خذله الله، لحق بالروم يطلب النَّصْر من ملكهم على نبي الله، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار [[انظر تفسير " الضرار " فيما سلف ٥: ٧، ٨، ٤٦، ٥٣ / ٦: ٨٥ - ٩١.]] يأمرهم ببناء المسجد الذي كانوا بنوه، فيما ذكر عنه، ليصلي فيه، فيما يزعم، إذا رجع إليهم. ففعلوا ذلك. وهذا معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ .

= ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ ، يقول جل ثناؤه: وليحلفن بانوه: "إن أردنا إلا الحسنى"، ببنائناه، إلا الرفق بالمسلمين، والمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ للصلاة فيه، [[في المطبوعة: " ومن عجز عن المسير "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] وتلك هي الفعلة الحسنة = ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ ، في حلفهم ذلك، وقيلهم: "ما بنيناه إلا ونحن نريد الحسنى! "، ولكنهم بنوه يريدون ببنائه السُّوآى، ضرارًا لمسجد رسول الله ﷺ، وكفرًا بالله، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لأبي عامر الفاسق.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧١٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن ابن عباس قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا﴾ ، وهم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم، واستعدُّوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه! فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحبُّ أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة! فأنزل الله فيه: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .

١٧١٨٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين) ، قال: لما بنى رسول الله ﷺ مسجد قُباء، خرج رجالٌ من الأنصار، منهم: بحزج، [[في المطبوعة: " بخدج "، وأثبت ما في سيرة ابن هشام ٤: ١٧٤، كما سلف في رقم: ١٧١٨٦. ورأيت بعد في المحبر: ٤٧: " بخدج " ولم أتمكن من تصحيحه. ثم انظر جمهرة الأنساب لابن حزم: ٣١٦ في نسب " سهل بن حنيف "، و " عثمان بن حنيف "، و " عباد بن حنيف ". وانظر التعليق التالي.]] جدُّ عبد الله بن حنيف، [[ما أدري قوله: " جد عبد الله بن حنيف "، ولست أدري أهو من كلام ابن عباس أو من كلام غيره، وإن كنت أرجح أنه من كلام غيره، لأني لم أجد في الصحابة ولا التابعين " عبد الله بن حنيف "، وجده " بحزج ". والمذكور في المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار: " عباد بن حنيف "، أخو " سهل بن حنيف ". فأخشى أن يكون سقط من الخبر شيء، فاختلط الكلام. وفي نسب " سهل بن حنيف " " عمرو، وهو بحزج، بن حنش بن عوف بن عمرو " (انظر ابن سعد ٣ / ٢ / ٣٩، ثم: ٥: ٥٩) ، وجمهرة الأنساب لابن حزم: ٣١٦، ولكن هذا قديم جدا في الجاهلية، وهو بلا شك غير " بحزج "، الذي كان من أمره ما كان في مسجد الضرار.

فهذا الذي هنا يحتاج إلى فضل تحقيق، لم أتمكن من بلوغه.]] ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبَنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله ﷺ لبحزج [[في المطبوعة: " لبخدج "، وانظر التعليقات السالفة.]] ويلك! ما أردت إلى ما أرى! فقال: يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى! وهو كاذب، فصدَّقه رسول الله وأراد أن يعذِره، فأنزل الله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله﴾ ، يعني رجلا منهم يقال له "أبو عامر" كان محاربًا لرسول الله ﷺ، وكان قد انطلق إلى هرقل، فكانوا يرصدون [إذا قدم] أبو عامر أن يصلي فيه، [[في المطبوعة، ساق الكلام سياقا واحدا هكذا: " وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه "، وفي المخطوطة: "وكانوا يرصدون أبو عامر أن يصلي فيه"، وبين الكلامين بياض، وفي الهامش حرف (ط) دلالة على الخطأ، وأثبت ما بين القوسين من الدر المنثور ١: ٢٧٦، وروى الخبر من طريق ابن مردويه، وابن أبي حاتم. وهذا الذي أثبته يطابق في معناه ما سيأتي في الآثار التالية.]] وكان قد خرج من المدينة محاربًا لله ولرسوله = ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ .

١٧١٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ ، قال: أبو عامر الراهب، انطلق إلى قيصر، فقالوا: "إذا جاء يصلي فيه"، كانوا يرون أنه سيظهر على محمد ﷺ.

١٧١٩٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، قال المنافقون = ﴿لمن حارب الله ورسوله﴾ ، لأبي عامر الراهب.

١٧١٩١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٧١٩٢-...... قال، حدثنا أبو إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين﴾ ، قال: نزلت في المنافقين = وقوله: ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ ، قال: هو أبو عامر الراهب.

١٧١٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

١٧١٩٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، قال: هم بنو غنم بن عوف.

١٧١٩٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، قال: هم حيّ يقال لهم: "بنو غنم".

١٧١٩٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، قال: هم حي يقال لهم: "بنو غنم" = قال أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله﴾ ، أبو عامر الراهب انطلق إلى الشأم، فقال الذين بنوا مسجد الضرار: إنما بنيناه ليصلي فيه أبو عامر.

١٧١٩٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا﴾ ، الآية، عمد ناسٌ من أهل النفاق، فابتنوا مسجدًا بقباء، ليضاهوا به مسجد رسول الله ﷺ، ثم بعثوا إلى رسول الله ليصلِّي فيه. ذكر لنا أنه دعا بقميصه ليأتيهم، حتى أطلعه الله على ذلك = وأما قوله: ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله﴾ ، فإنه كان رجلا يقال له: "أبو عامر"، فرّ من المسلمين فلحق بالمشركين، فقتلوه بإسلامه. [[قوله: " فقتلوه بإسلامه "، كلام صحيح، وإن ظن بعضهم أنه لا يستقيم، وذلك أن أبا عامر الراهب، لما خرج إلى الروم مات هناك سنة تسع أو عشر. (الإصابة في ترجمة ولده: حنظلة غسيل الملائكة بن أبي عامر) . فكأنه يقال أيضا أن الروم قتلته بإسلامه، كما جاء في هذا الخبر. وأما قوله بعد: " قال: إذا جاء صلى فيه "، فهو من كلام قتادة. وانظر الأخبار التالية، فإنه يقال إنه تنصر.]] قال: إذا جاء صلى فيه، فأنزل الله: ﴿لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى﴾ ، الآية.

١٧١٩٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ ، هم ناس من المنافقين، بنوا مسجدًا بقباء يُضارُّون به نبيّ الله والمسلمين = ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله﴾ ، كانوا يقولون: إذا رجع أبو عامر من عند قيصر من الروم صلى فيه! وكانوا يقولون: إذا قدم ظهر على نبيّ الله ﷺ.

١٧١٩٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ ، قال: مسجد قباء، كانوا يصلون فيه كلهم. وكان رجل من رؤساء المنافقين يقال له: "أبو عامر"، أبو: "حنظلة غسيل الملائكة"، و"صيفي"، [واحق] . [[في المطبوعة: " وأخيه "، والذي في المخطوطة كما أثبته غير مقروء قراءة ترتضي. وممكن أن تكون " وأخوه "، ولكنه عندئذ خطأ، صوابه أن يكون و " أخيه "، كما أثبته ناشر المطبوعة.

بيد أن السياق يدل على أن ما بين القوسين اسم ثالث، وهو اسم أخي حنظلة، وصيفي، ولم استطع أن أجد خبر ذلك.

وأما " صيفي "، فقد ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة " صيفي "، وأنه كان ممن شهد أحدا، ونسب ذلك إلى ابن سعد والطبراني، ولم أجده في المطبوع من طبقات ابن سعد.]] وكان هؤلاء الثلاثة من خيار المسلمين، فخرج أبو عامر هاربًا هو وابن عبد ياليل، من ثقيف، [[الذي جاء في المخطوطة والمطبوعة: " ابن بالين "، وإن كان في المخطوطة غير منقوط.

وهو خطأ لا شك فيه عندي، وأن صوابه: " وابن عبد ياليل " كما أثبته. فإن ابن عبد البر في الاستيعاب: ١٠٥، في ترجمة " حنظلة الغسيل "، ذكر أن أبا عمر الفاسق لما فتحت مكة، لحق بهرقل هاربا إلى الروم، فمات كافرا عند هرقل، وكان معه هناك " كنانة بن عبد ياليل " و " علقمة بن علاثة "، فاختصما في ميراثه إلى هرقل، فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل، وقال لعلقمة: هما من أهل المدر، وأنت من أهل الوبر.

و" كنانة بن عبد ياليل الثقفي "، ترجم له ابن حجر في القسم الرابع، وذكره ابن سلام الجمحي، في طبقات فحول الشعراء ص: ٢١٧، في شعراء الطائف، ولم يورد له خبرا بعد ذكره.]] وعلقمة بن علاثة، من قيس، من رسول الله ﷺ حتى لحقوا بصاحب الروم. فأما علقمة وابن عبد ياليل، [[في المطبوعة والمخطوطة: " وابن بالين "، وفي المخطوطة غير منقوطة. انظر التعليق السالف.]] فرجعا فبايعا النبي ﷺ وأسلما. وأما أبو عامر، فتنصر وأقام. قال: وبنى ناسٌ من المنافقين مسجد الضرار لأبي عامر، قالوا: "حتى يأتي أبو عامر يصلي فيه"، وتفريقًا بين المؤمنين، يفرقون به جماعتهم، [[في المطبوعة: " بين جماعتهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء. وجاءوا يخدعون النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ربما جاء السيلُ، فيقطع بيننا وبين الوادي، [[في المطبوعة: " يقطع "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ويحول بيننا وبين القوم، ونصلي في مسجدنا، [[في المطبوعة: " فنصلي "، وأثبت ما في المخطوطة.]] فإذا ذهب السيل صلينا معهم! قال: وبنوه على النفاق. قال: وانهار مسجدهم على عهد رسول الله ﷺ. قال: وألقى الناس عليه التِّبن والقُمامة، [[في المطبوعة: " النتن والقامة " والصواب ما في المخطوطة. و " التبن " عصيفة الزرع، فهو الذي يلقى. وأما " النتن " فالرائحة الكريهة، فكأنه ظن أن " النتن " مجاز لمعنى " الأقذار "، لنتن رائحتها! وهو باطل.]] فأنزل الله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين﴾ ، لئلا يصلي في مسجد قباء جميعُ المؤمنين = ﴿وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾ ، أبي عامر = ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ .

١٧٢٠٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن أبي جعفر، عن ليث: أن شقيقًا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلُّوا بعدُ! فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بُني على ضرار، وكل مسجد بُنِيَ ضرارًا أو رياءً أو سمعة، فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني على ضرار.

القول في تأويل قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه هؤلاء المنافقون، ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله. ثم أقسم جل ثناؤه فقال: ﴿لمسجد أسِّس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم﴾ ، أنت = ﴿فيه﴾ .

* *

يعني بقوله: ﴿أسس على التقوى﴾ ، ابتدئ أساسه وأصله على تقوى الله وطاعته = ﴿من أول يوم﴾ ، ابتدئ في بنائه = ﴿أحق أن تقوم فيه﴾ ، يقول: أولى أن تقوم فيه مصلِّيًا.

* *

وقيل: معنى قوله: ﴿من أول يوم﴾ ، مبدأ أول يوم كما تقول العرب: "لم أره من يوم كذا"، بمعنى: مبدؤه = و"من أول يوم"، يراد به: من أول الأيام، كقول القائل: "لقيت كلَّ رجل"، بمعنى كل الرجال.

* *

واختلف أهل التأويل في المسجد الذي عناه بقوله: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ .

فقال بعضهم: هو مسجد رسول الله ﷺ الذي فيه منبره وقبره اليوم.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٧٢٠١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن إبراهيم بن طهمان، عن عثمان بن عبيد الله قال: أرسلني محمد بن أبي هريرة إلى ابن عمر، أسأله عن المسجد الذي أسس على التقوى، أيّ مسجد هو؟ مسجد المدينة، أو مسجد قباء؟ قال: لا مسجد المدينة. [[الأثر: ١٧٢٠١ - " إبراهيم بن طهمان الخراساني "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٣٧٦٢، ٣٧٢٧، ٤٩٣١.

و" عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع "، مولى سعيد بن العاص. رأى أبا هريرة، وأبا قتادة، وابن عمر، وأبا أسيد، يضفرون لحاهم. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٥٦. وسيأتي في الأثرين التاليين رقم: ١٧٢٠٢، ١٧٢٠٣.

وأما قوله: " أرسلني محمد بن أبي هريرة "، فإني أرتاب فيه كل الارتياب، وأرجح أنه: " محرر بن أبي هريرة "، ولم أجد لأبي هريرة ولد يقال له " محمد "، بل ولده هم " المحرر بن هريرة "، و " وعبد الرحمن بن أبي هريرة "، و " بلال بن أبي هريرة ". ومضى " المحرر بن أبي هريرة " برقم: ٢٨٦٣، ١٦٣٦٨ - ١٦٣٧٠.]]

١٧٢٠٢-...... قال، حدثنا القاسم بن عمرو العنقزي، عن الدراوردي، عن عثمان بن عبيد الله، عن ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد الرسول. [[الأثر: ١٧٢٠٢ - " القاسم بن عمرو بن محمد العنقزي "، مولى قريش، سمع أباه. مترجم في الكبير ٤ / ١ / ١٧٢، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١١٥، ولم يذكرا فيه جرحا.

" الدراوردي "، هو " عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٠٦٧٦، ١٥٧١٤.

و" عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع "، مضى في الأثر السالف.]]

١٧٢٠٣-...... قال، حدثنا أبي، عن ربيعة بن عثمان، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع قال: سألت ابن عمر عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: هو مسجد الرسول. [[الأثر: ١٧٢٠٣ - " ربيعة بن عثمان بن ربيعة التيمي "، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ٢٦٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٧٦.

و" عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع "، مضى في الأثرين السالفين.]]

١٧٢٠٤-...... قال، حدثنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد قال: هو مسجد النبي ﷺ.

١٧٢٠٥-...... قال، حدثنا أبي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن زيد قال: هو مسجد الرسول.

١٧٢٠٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مر بي عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال لي: [قال أبي] [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، استظهرتها من لفظ حديث مسلم. ولو قلت " قال قال أبي "، لكان مطابقا لما في المسند.]] أتيت رسول الله ﷺ، فدخلت عليه في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أيُّ مسجدٍ الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا! = [فقلت] : [[في المخطوطة: " ثم هكذا سمعت أباك يذكر "، وفي المطبوعة حذف " ثم " وجعل " يذكر "، " يذكره ". فزدت ما بين القوسين إتماما للسياق. ونص روايته مسلم: " قالت فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره ".]] هكذا سمعت أباك يذكره. [[الأثر: ١٧٢٠٦ - رواه مسلم في صحيحه ٩: ١٦٨، ١٦٩ من هذه الطريق نفسها، مع اختلاف يسير في بعض لفظه.

ورواه أحمد في مسنده ٣: ٢٤، من هذه الطريق، نفسها مع خلاف في بعض لفظه.]]

١٧٢٠٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: المسجد الذي أسس على التقوى، هو مسجدُ النبيِّ الأعظمُ.

١٧٢٠٨- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن سعيد بن المسيب قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، هو مسجد المدينة الأكبر.

١٧٢٠٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود قال، قال سعيد بن المسيب، فذكر مثله = إلا أنه قال: الأعظم.

١٧٢١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: هو مسجد النبي ﷺ.

١٧٢١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد = قال: أحسبه عن أبيه = قال: مسجد النبي ﷺ، الذي أسس على التقوى.

* *

وقال آخرون: بل عني بذلك مسجد قُباء.

ذكر من قال ذلك:

١٧٢١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ ، يعني مسجد قُباء.

١٧٢١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، نحوه.

١٧٢١٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ ، هو مسجد قباء.

١٧٢١٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن صالح بن حيان، عن ابن بريدة قال: مسجد قُباء، الذي أسس على التقوى، بناه نبي الله ﷺ. [[الأثر: ١٧٢١٥ - " صالح بن حيان القرشي "، ضعيف الحديث، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٢٧٦، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٩٨، وميزان الاعتدال ١: ٤٥٥.

" ابن بريدة "، هو " عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي "، ثقة، مضى برقم: ١٢٥٢٣.]]

١٧٢١٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجد قباء.

١٧٢١٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير: الذين بُني فيهم المسجدُ الذي أسس على التقوى، بنو عمرو بن عوف.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو مسجد الرسول ﷺ، لصحة الخبَر بذلك عن رسول الله. [[يعني الخبر الذي رواه أحمد ومسلم وأبو جعفر آنفا برقم: ١٧٢٠٦، وما سيأتي من الأخبار.]]

ذكر الرواية بذلك.

١٧٢١٨- حدثنا أبو كريب وابن وكيع = قال أبو كريب: حدثنا وكيع = وقال ابن وكيع: حدثنا أبي = عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس، رجل من الأنصار، عن سهل بن سعد قال، اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد النبيّ! وقال الآخر: هو مسجد قباء! فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه، فقال: هو مسجدي هذا = اللفظ لحديث أبي كريب، وحديث سفيان نحوه. [[الأثر: ١٧٢١٨ - " ربيعة بن عثمان التيمي "، ثقة، مضى برقم: ١٧٢٠٣.

و" عمران بن أبي أنس العامري المصري " ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ ٢٩٤.

وأما قول أبي جعفر " رجل من الأنصار "، فظني أن ذلك لأنه يقال إنه مولى " أبي خراش السلمي، أو الأسلمي "، قال ابن سعد: " كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤى، والناس يقولون إنهم موالي، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن ".

ولم أجدهم ذكروا له سماعا من سهل بن سعد الأنصاري، وهو خليق أن يروى عنه، لأن سهل بن سعد مات سنة ٨٨، وعمران مات سنة ١١٧.

و" سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري "، له ولأبيه صحبة، روى عن رسول الله ﷺ، وعن أبي بن كعب، وعاصم بن عدي، وعمرو بن عبسة، ومروان بن الحكم، وهو دونه.

وهذا الخبر تفرد به أحمد من هذه الطريق نفسها، في مسنده ٥: ٣٣١، ثم رواه في ص: ٣٣٥، من طريق عبد الله بن عامر، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، وانظر الخبر التالي.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٤، وقال: " رواه أحمد والطبراني باختصار، ورجالهما رجال الصحيح ".]]

١٧٢١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبيّ بن كعب: أن النبي ﷺ سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدي هذا. [[الأثر: ١٧٢١٩ - " عبد الله بن عامر الأسلمي "، ضعيف، ذاهب الحديث، مضى برقم: ١٥٥٨٦.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ١١٧، من طريق أبي نعيم، عن عبد الله بن عامر الأسلمي، ومن طريق عبد الله بن الحارث الأسلمي، عن عبد الله بن عامر.

وهذا إسناد ضعيف، لضعف " عبد الله بن عامر الأسلمي ".]]

١٧٢٢٠- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، حدثني الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء! وقال آخر: هو مسجد رسول الله ﷺ! فقال رسول الله: هو مسجدي هذا. [[الأثر: ١٧٢٢٠ - هذا حديث صحيح، رواه الترمذي في كتاب التفسير، ورواه أحمد في مسنده ٣: ٨، ٨٩، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح. وقد روى هذا عن أبي سعيد من غير هذا الوجه، رواه أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد "، وهو ما سيرويه، أبو جعفر من رقم: ١٧٢٢٢ - ١٧٢٢٤.]]

١٧٢٢١- حدثني بحر بن نصر الخولاني قال، قرئ على شعيب بن الليث، عن أبيه، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري قال: تمارى رجلان، فذكر مثله. [[الأثر: ١٧٢٢١ - " بحر بن نصر بن سابق الخولاني "، شيخ أبي جعفر، مضى برقم: ١٠٥٨٨، ١٠٦٤٧.

وهذا الخبر، ذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٤٣، من مسند أحمد قال: " حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد قال: تمارى رجلان ". ولم أستطع أن أستخرجه من المسند في ساعتي هذه، وقال ابن كثير: " تفرد به أحمد ".]]

١٧٢٢٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سَحْبَل بن محمد بن أبي يحيى قال، سمعت عمي أنيس بن أبي يحيى يحدث، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: المسجد الذي أسس على التقوى، مسجدي هذا، وفي كلٍّ خيرٌ. [[الأثر: ١٧٢٢٢ - " سحبل بن محمد بن أبي يحيى سمعان الأسلمي "، هو " عبد الله بن محمد بن أبي يحيى "، وقد ينسب إلى جده. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٥٦.

وفي بعض الكتب غير مضبوط " سحيل " بالياء، وضبطه في التقريب بفتح السين المهملة، وسكون الحاء، بعدها موحدة. وكان في المطبوعة: " سجل "، والصواب ما في المخطوطة.

و" أنيس بن أبي يحيى سمعان الأسلمي "، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٤٣، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٣٤.

وأبوه " سمعان "، " أبو يحيى، الأسلمي "، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٢٠٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣١٦.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٣: ٢٣ من طريق: يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، بنحوه.

ثم رواه أيضا ٣: ٩١ من طريق صفوان، عن أنيس، بنحوه (رواه أبو جعفر برقم: ١٧٢٢٤) .

وإسناده صحيح. وسيأتي من طرق أخرى بعده.]]

١٧٢٢٣- حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا عبد العزيز، عن أنيس، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الأثر: ١٧٢٢٣ - مكرر الذي قبله.]]

١٧٢٢٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا صفوان بن عيسى قال، أخبرنا أنيس بن أبي يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد: أن رجلا من بني خُدْرة ورجلا من بني عمرو بن عوف، امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدريُّ: هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العوفي: هو مسجد قباء. فأتيا النبي ﷺ وسألاه فقال: هو مسجدي هذا، وفي كلٍّ خيرٌ. [[الأثر: ١٧٢٢٤ - رواه أحمد في مسنده، كما أشرت إليه في التعليق على رقم: ١٧٢٢٢.

و" صفوان بن عيسى الزهري "، من شيوخ أحمد، ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣١٠، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٢٥.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: في حاضري المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، رجال يحبُّون أن ينظفوا مقاعدَهم بالماء إذا أتوا الغائط، والله يحبّ المتطهّرين بالماء.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٢٢٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما نزل: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، قال رسول الله ﷺ: ما الطُّهور الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: يا رسول الله، نغسل أثر الغائط. [[الأثر: ١٧٢٢٥ - حديث شهر بن حوشب المرسل، سيأتي ذكره في التعليق على رقم: ١٧٢٢٨، بعده.]]

١٧٢٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال لأهل قُباء: "إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطُّهور، فما تصنعون؟ " قالوا: إنا نغسل عنَّا أثر الغائط والبوْل.

١٧٢٢٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: لما نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، قال النبي ﷺ: يا معشر الأنصار، ما هذا الطُّهور الذي أثنى الله عليكم فيه؟ قالوا: إنا نَسْتطيب بالماء إذا جئنا من الغائط.

١٧٢٢٨- حدثني جابر بن الكردي قال، حدثنا محمد سابق قال، حدثنا مالك بن مغول، عن سيَّارٍ أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: قام علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا أخبروني، فإن الله قد أثنى عليكم بالطُّهور خيرًا؟ فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد عندنا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. [[الأثر: ١٧٢٢٨ - حديث شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام، سيأتي من طرق، هذا ثم: ١٧٢٢٩ - ١٧٢٣١، ١٧٢٤٠.

" جابر بن الكردي بن جابر الواسطي "، شيخ الطبري، ثقة مضى برقم: ٧٢١٦.

و"محمد بن سابق التميمي"، ثقة، قيل إنه ليس ممن يوصف بالضبط في الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١١١، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٨٣، ولم يذكرا فيه جرحا.

و" مالك بن مغول بن عاصم البجلي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٥٤٣١، ١٠٨٧٢، ١٤٢٦٨.

و" سيار، أبو الحكم العنزي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٣٩.

و" شهر بن حوشب الأشعري "، ثقة، مضى برقم: ١٤٨٩، ٥٢٤٤، ٦٦٥٠ - ٦٦٥٢، وبعدها كثير.

و" محمد بن عبد الله بن سلام بن الحارث الخزرجي الإسرائيبلي "، له رؤية ورواية محفوظة. مترجم في تعجيل المنفعة: ٣٦٦، ٣٦٧، والكبير ١ / ١ / ١٨، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٩٧، والاستيعاب: ٢٣٤، ٢٣٥، وأسد الغابة ٤: ٣٢٤، والإصابة، في ترجمته.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٦: ٦، من طريق " يحيى بن آدم، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - قال سمعت سيارا أبا الحكم غير مرة يحدث عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله. . . ".

ورواه البخاري في التاريخ الكبير ١ / ١ / ١٨ من طريق محمد بن يوسف، عن مالك بن مغول، بنحوه، ثم قال: " وقال إسحاق، عن جرير، عن ليث، عن رجل من الأنصار من أهل قباء: لما نزلت، بهذا ". فبين الاختلاف فيه على شهر بن حوشب، وأنه أبهم الرجل من الأنصار.

وأشار إليه الحافظ ابن عبد البر في ترجمته وقال: " حديثه مخرج في التفسير، ويختلف في إسناد حديثه هذا، ومنهم من يجعله مرسلا "، والمرسل هو رواية الطبري السالفة رقم: ١٧٢٢٥، وقال ابن حجر في الإصابة: " قال ابن منده: رواه داود بن أبي هند، عن شهر مرسلا، لم يذكر محمد ولا أباه ".

ورواه ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمته.

وسيأتي في رقم: ١٧٢٣٠، قول يحيى بن آدم " ولا أعلم إلا عن أبيه ". فانظر التعليق على الأثر هناك.]]

١٧٢٢٩- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا [يحيى بن رافع] ، عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم غير مرة، يحدث، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﷺ على أهل قُباء قال: إن الله قد أثنى عليكم بالطهور خيرا = يعني قوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، قالوا: إنا نجده مكتوبًا عندنا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. [[الأثر: ١٧٢٢٩ - " يحيى بن رافع "، هكذا جاء في الموضعين في مطبوعة الطبري ومخطوطته، ولا أدري كيف وقع هذا، فليس في هذه الطبقة من الرواة من أعرفه يقال له " يحيى بن رافع "، وأما "يحيى بن رافع الثقفي"، فهذا قديم جدا سمع عثمان وأبا هريرة، ومضى برقم: ٥٧٧٧، ولكنه لما وقع هكذا في الموضعين أثبته على حاله.

أما الذي لا أكاد أشك فيه، فالصواب أنه " يحيى بن آدم "، كما جاء في مسند أحمد، وكما ذكره الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة، والإصابة، وذكر أيضا رواية أبي هشام الرفاعي عن يحيى بن آدم، كما سترى بعد، من طريق البغوي.

وهذا الخبر، رواه ابن حجر في الإصابة، وقال: " أخرجه أحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن قانع، والبغوي ". وانظر التعليق على رقم: ١٧٢٢٨، وعلى رقم: ١٧٢٣٠.]]

١٧٢٣٠- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا [يحيى بن رافع] ، قال، حدثنا مالك بن مغول، عن سيار، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام = قال يحيى: ولا أعلمه إلا عن أبيه = قال قال النبي ﷺ لأهل قباء: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا! قالوا: إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء. وفيه نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ . [[الأثر: ١٧٢٣٠ - هكذا " يحيى بن رافع "، والصواب المرجح " يحيى بن آدم " كما سلف في التعليق الماضي.

ومن هذا الطريق ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وتعجيل المنفعة، وفيه زيادة " ولا أعلمه إلا عن أبيه "، ونسبه إلى البغوي في الصحابة، ثم أعقبه بقوله: " قال قال أبو هشام (يعني الرفاعي) ، وكتبته من أصل كتاب يحيى بن آدم، ليس فيه عن أبيه " ثم قال: " وقال البغوي: حدث به الفريابي، عن مالك بن مغول، عن سيار، عن شهر، عن النبي ﷺ، لم يذكر أباه ".

ثم قال: " روى سلمة بن رجاء، عن مالك بن مغول، فزاد فيه: عن أبيه. وقال أبو زرعة الرازي: الصحيح عندنا عن محمد، ليس فيه: عن أبيه ".

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢١٢، ٢١٣ على محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، ثم قال: " رواه الطبراني في الكبير، وفيه شهر بن حوشب، وقد اختلفوا فيه. ولكنه وثقه أحمد وابن معين، وأبو زرعة، ويعقوب بن أبي شيبة " ثم خرجه عن محمد بن عبد الله بن سلام، ثم قال: " رواه أحمد عن محمد بن عبد الله بن سلام، ولم يقل: عن أبيه، كما قال الطبراني. وفيه شهر أيضا ".

فهذا الذي ذكرته دال، أولا، على أن صواب الاسم " يحيى بن آدم "، لا " يحيى بن رافع " كما وقع في المخطوطة والمطبوعة. ودال أيضا على الاختلاف في هذا الخبر اختلافا يوجب النظر.

ثم بقي شيء آخر، لم أجد من ذكره في الكلام على هذا الخبر، أرجو أن أكون أصبت في ذكره وبيانه.

وذلك أن الثناء من الله على رجال يحبون أن يتطهروا، كانوا يلزمون المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، وهو مسجد قباء بلا شك. وأن رسول الله ﷺ إنما سأل هؤلاء عن ثناء الله عليهم. وهؤلاء الرجال هم من بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، ومنزلهم بقباء. وهم قوم عرب على دينهم في الجاهلية، لم يذكر أحد أنهم كانوا يهودا.

وخبر شهر بن حوشب هذا، عن محمد بن عبد الله بن سلام، ذكر فيه ثناء الله على هؤلاء الرجال، وأن جوابهم كان: " إنا نجد عندنا مكتوبا في التوراة، الاستنجاء بالماء "، فظاهر هذا الخبر يدل على أن دينهم كان اليهودية. وذلك ما لم أجد قائلا قال به.

و" محمد بن عبد الله بن سلام "، وأبوه " عبد الله بن سلام بن الحارث "، من بني قينقاع، من اليهود، من ذرية يوسف النبي عليه السلام، وكان عبد الله بن سلام حليف القواقل من الخزرج، وهم بنو عمرو بن عوف بن الخزرج، وليسوا من " بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس " في شيء، ومنازل هؤلاء غير منازل هؤلاء. وفي إسلام عبد الله بن سلام (سيرة ابن هشام ٢: ١٦٣) ، أنه قال، وذكر رسول الله ﷺ وهجرته: " فلما نزل بقباء، في بني عمرو بن عوف، أقبل رجل حتى أخبر بقدومه، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها "، فعبد الله بن سلام، وولده لم يكن منهم أحد بقباء.

فقوله في الخبر رقم: ١٧٢٢٨ " قام علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا أخبروني. . . "، إلى آخر الخبر، مشكل جدا، لأن الخبر خبر محمد بن عبد الله بن سلام، والضمير فيه راجع إليه وإلى قومه أو حلفائه بني عمرو بن عوف بن الخزرج، وهذا لا يصح البتة، بدليل قوله في الذي يليه: أن ذلك كان " لما قدم النبي ﷺ على أهل قباء ".

وهذا الذي ذكرت اضطراب شديد في صلب الخبر، لا يرفعه شيء. ومهما يكن من أمر إسناده، واختلاف المختلفين فيه على شهر بن حوشب، فإن علته في سياقه، أشد من علته في إسناده عندي. والله أعلم من أين أتى هذا الاضطراب؟ والذي لا شك فيه: أنه بعيد جدا أن يكون هذا الجواب من كلام بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وأنه أشبه بأن يكون كلام أحد من حلفائهم اليهود.

وأوضح منه ما جاء في خبر عويم بن ساعدة (رقم: ١٧٢٣١) ، وهو: " ما نعلم شيئا، إلا أن جيرانا لنا من اليهود، رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا ". فهذا أبين، وأقرب إلى سياق ما سئلوا عنه، وأدنى إلى رفع الاضطراب. والله تعالى أعلم.]]

١٧٢٣١- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكري قال، حدثنا أبو أويس المدني، عن شرحبيل بن سعد، عن عويم بن ساعدة، وكان من أهل بدر قال: قال رسول الله ﷺ لأهل قباء: إني أسمع الله قد أثنى عليكم الثَّناء في الطهور، [[في المسند: " قد أحسن عليكم الثناء "، ولو قرئ ما في المخطوطة: " قد أسنى " بمعنى: رفع، لكان حسنا.]] فما هذا الطهور؟ قالوا: يا رسول الله، ما نعلم شيئًا، إلا أن جيرانًا لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. [[الأثر: ١٧٢٣١ - " عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى بن هلال الأسدي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ١١١٢٥.

و" إسماعيل بن صبيح اليشكري "، ثقة، مضى برقم: ٢٩٩٦، ٨٦٤٠، ١١١٥٨.

و" أبو أويس المدني "، هو " عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الصبحي "، صدوق، ليس بحجة، مضى برقم: ٨٦٤٠.

و" شرحبيل بن سعد الخطمي "، قال أخي السيد أحمد فيما سلف رقم: ٨٣٩٦: " الحق أنه ثقة، إلا أنه اختلط في آخر عمره، إذ جاوز المئة. وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: ٢١٠٤. وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والكلام في تضعيفه شديد، وذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب، روايته عن عويم بن ساعدة فقال: " وفي سماعه من عويم بن ساعدة نظر، لأن عويما مات في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويقال: في خلافة عمر رضي الله عنه ".

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٣: ٤٢٢ من طريق حسين بن محمد، عن أبي أويس، بنحوه.

وذكره ابن كثير في تفسير ٤: ٤١، ثم قال: " ورواه ابن خزيمة في صحيحه ". وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٢١٢، وقال: " رواه أحمد، والطبراني في الثلاثة. وفيه شرحبيل بن سعد، ضعفه مالك، وابن معين، وأبو زرعة، وثقه ابن حبان ".]]

١٧٢٣٢- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا محمد بن سعيد قال، حدثنا إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ، قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط.

١٧٢٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي ليلى، عن عامر قال: كان ناس من أهل قُباء يستنجون بالماء، فنزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ .

١٧٢٣٤- حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا شبابة بن سوار، عن شعبة، عن مسلم القُرِّيّ قال: قلت لابن عباس: أصبُّ على رأسي؟ = وهو محرم = قال: ألم تسمع الله يقول: ﴿إن الله يحب التوّابين ويحب المتطهرين﴾ ؟ [[الأثر: ١٧٢٣٤ - " مسلم القري " بضم القاف وتشديد الراء، نسبة إلى بني قرة، من عبد القيس وهو مولاهم = هو: " مسلم بن مخراق العبدي الفريابي "، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٧١، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩٤.]]

١٧٢٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن داود، وابن أبي ليلى، عن الشعبي، قال، لما نزلت: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، قال رسول الله ﷺ لأهل قباء: ما هذا الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا: ما منَّا من أحدٍ إلا وهو يستنجي من الخلاء.

١٧٢٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال لعويم بن ساعدة: ما هذا الذي أثنى الله عليكم: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ؟ قال: نوشك أن نغسل الأدبار بالماء! [[الأثر: ١٧٢٣٦ - " عبد الحميد المدني ". ظني أنه " عبد الحميد بن سليمان الخزاعي، أبو عمر المدني الضرير "، روى عن أبي حازم، وأبي الزناد، وروى عنه هشيم، وهو من أقرانه، ضعيف الحديث. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٤.

و" إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري "، ظني أيضا أنه " إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري المدني "، روى عن الزهري وغيره، وهو ضعيف أيضا، كثير الوهم. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٢٧١، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨٤.

وفي تفسير ابن كثير ٤: ٢٤١ " عن إبراهيم بن المعلى الأنصاري "، ولم أجد له ذكرا في كتب الرجال.]]

١٧٢٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر، عن حصين، عن موسى بن أبي كثير قال: بدء حديث هذه الآية في رجال من الأنصار من أهل قباء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ، فسألهم النبي ﷺ، قالوا: نستنجي بالماء. [[الأثر: ١٧٢٣٧ - " عبد الرحمن بن سعد "، هو " عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي "، مضى برقم: ١٠٦٦٦، ١٠٨٥٥، ١٧٠١١.

و" أبو جعفر " هو " أبو جعفر الرازي "، مضى مرارا كثيرة.

و" حصين " هو " حصين بن عبد الرحمن السلمي "، مضى مرارا آخرها: ١٦٦٧١.

و" موسى بن أبي كثير الأنصاري "، ثقة، في الحديث: مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٢٩٣، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٧.]]

١٧٢٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أصبغ بن الفرج قال، أخبرني ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن أبي الزناد قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عويم بن ساعدة، من بني عمرو بن عوف، ومعن بن عدي، من بني العجلان، وأبي الدحداح = فأما عويم بن ساعدة، فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله ﷺ: مَنِ الذين قال الله فيهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم الرجال، منهم عويم بن ساعدة = لم يبلغنا أنه سمّى منهم رجلا غير عويم. [[الأثر: ١٧٢٣٨ - " أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الأموي "، الفقيه المصري، ثقة كان وراق ابن وهب، وكان من أجل أصحابه، وكان من أعلم خلق الله كلهم برأي مالك، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٣٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٢١.

وهذا الخبر جزء من حديث السقيفة (الفتح ١٢: ١٣٣) ، وعلق عليه الحافظ ابن حجر هناك، وذكر طرقه. وذكره في الإصابة في ترجمة " عويم بن ساعدة "، وذكر هذه الزيادة عن الإسماعيلي قال: " وزاد الإسماعيلي في روايته قال الزهري، فأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقياهما، هما: عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، فأما عويم، فهو الذي بلغنا. . . "، بنحوه.

وخبر السقيفة، رواه البخاري (الفتح ١٢: ١٢٨ - ١٣٩) من طريق عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس.

ورواه أحمد في مسنده رقم: ٣٩١، من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب الزهري. (وفي المسند: " عويمر بن ساعدة "، وهو خطأ، صوابه: عويم بن ساعدة) .

ورواه ابن سعد الطبقات ٣ / ٢ / ٣١، مختصرا، وفيه نحو خبر لفظ أبي جعفر، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، وفيه " قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير أن الرجلين اللذين لقومهما، عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي. فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا. . . "، بنحوه.]]

١٧٢٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشام بن حسان قال، حدثنا الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ ، قال رسول الله ﷺ: ما هذا الذي ذكركم الله به في أمر الطهور، فأثنى به عليكم؟ قالوا: نغسل أثر الغائِطِ والبول.

١٧٢٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مالك بن مغول قال، سمعت سيارًا أبا الحكم يحدّث، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة = أو قال: قدم علينا رسول الله = فقال: إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا أفلا تخبروني؟ " قالوا: يا رسول الله، إنا نجد علينا مكتوبًا في التوراة، الاستنجاءُ بالماء = قال مالك: يعني قوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ . [[الأثر: ١٧٢٤٠ - هذا مكرر الآثار السالفة من رقم: ١٧٢٢٥، ثم رقم: ١٧٢٢٨ - ١٧٢٣٠، فانظر التعليق عليها هناك.]]

١٧٢٤١- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، سألهم رسول الله ﷺ: ما طهوركم هذا الذي ذكرَ الله؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نستنجي بالماء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام لم ندعْه. قال: فلا تدَعوه.

١٧٢٤٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان في مسجد قُباء رجال من الأنصار يوضِّئون سَفِلَتهم بالماء، [[قوله: " يوضئون سفلتهم " يعني، يغسلون أدبارهم. و " السفلة " بمعنى المقعدة والدبر، لم تذكر في كتب اللغة، والمذكور بهذا المعنى " السافلة ". وضبطتها " بفتح السين وكسر الفاء " قياسا على قولهم: " سفلة البعير "، وهي قوائمه، لأنها أسفل.]] يدخلون النخل والماء يجري فيتوضئون، فأثنى الله بذلك عليهم فقال: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ ، الآية.

١٧٢٤٣- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء قال: أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء، فنزلت فيهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾ .

* *

وقيل: ﴿والله يحب المطهرين﴾ ، وإنما هو: "المتطهِّرين"، ولكن أدغمت التاء في الطاء، فجعلت طاء مشددة، لقرب مخرج إحداهما من الأخرى. [[انظر تفسير " المطهر " فيما سلف ٤: ٣٨٤.]]

القول في تأويل قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿أفمن أسس بنيانه﴾ .

فقرأ ذلك بعض قرأة أهل المدينة: (أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمَّنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ) ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله في الحرفين كليهما.

* *

وقرأت ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: "أَفَمَنْ أُسِّس أبُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أُسِّس بُنْيَانَهُ "، على وصف "من" بأنه الفاعل الذي أسس بنيانه. [[في المطبوعة: " على وصف من بناء الفاعل "، وهو خلط في الكلام، صوابه ما في المخطوطة، وهو ما أثبته.]]

* *

قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. غير أن قراءته بتوجيه الفعل إلى "من"، إذ كان هو المؤسس، [[في المطبوعة: " إذا كان من المؤسس" وأثبت ما في المخطوطة، وهو محض صواب.]] أعجبُ إليّ.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: أيُّ هؤلاء الذين بنوا المساجد خير، أيها الناس، عندكم: الذين ابتدأوا بناء مسجدهم على اتقاء الله، بطاعتهم في بنائه، وأداء فرائضه ورضًى من الله لبنائهم ما بنوه من ذلك، وفعلهم ما فعلوه = خيرٌ، أم الذين ابتدأوا بناءَ مسجدهم على شفا جُرفٍ هارٍ؟

يعني بقوله: ﴿على شفا جرف﴾ ، على حرف جُرُف. [[انظر تفسير " الشفا " فيما سلف ٧: ٨٥، ٨٦.]]

* *

و"الجرف"، من الركايا، ما لم يُبْنَ له جُولٌ [[في المطبوعة: " من الركي "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٦٩، وهذا نص كلامه.

و" الركايا " جمع " ركية "، وتجمع أيضا على " ركي "، بحذف التاء، وهي البئر. و " الجول " (بضم الجيم) ، هو جانب البئر والقبر إلى أعلاها من أسفلها.

وهذا التفسير الذي ذكره أبو عبيدة، لم أجده في تفسير الكلمة في كتب اللغة، ولكنه جائز صحيح المعنى، إن صحت روايته.]]

* *

﴿هار﴾ ، يعني متهوِّر. وإنما هو "هائر"، ولكنه قلب، فأخرت ياؤها فقيل: "هارٍ"، كما قيل: "هو شاكي السلاح"، [[في المطبوعة: " شاك السلاح "، والصواب ما في المخطوطة بالياء في آخره.]] و"شائك"، وأصله من "هار يهور فهو هائر"، وقيل: "هو من هارَ يهار"، إذا انهدم. ومن جعله من هذه اللغة قال: "هِرْت يا جرف"، ومن جعله "من هار يهور"، قال: "هُرْت يا جرف".

* *

قال أبو جعفر: وإنما هذا مَثَلٌ. يقول تعالى ذكره: أيّ هذين الفريقين خير؟ وأيّ هذين البناءين أثبت؟ أمَن ابتدأ أساس بنائه على طاعة الله، وعلمٍ منه بأن بناءه لله طاعة، والله به راضٍ، أم من ابتدأه بنفاق وضلال، وعلى غير بصيرة منه بصواب فعله من خطئه، فهو لا يدري متى يتبين له خطأ فعله وعظيم ذنبه، فيهدمه، كما يأتي البناءُ على جرف ركيَّةٍ لا حابس لماء السيول عنها ولغيره من المياه، ثَرِيّةِ التراب متناثرة، [[في المطبوعة: " ترى به التراب متناثرا "، غير ما في المخطوطة، إذ كانت غير منقوطة، ويقال: " أرض ثرية "، إذا كانت ذات ثرى وندى. و " ثريت الأرض فهي ثرية "، إذا نديت ولانت بعد الجدوبة واليبس.]] لا تُلْبِثه السيول أن تهدمه وتنثره؟

= يقول الله جل ثناؤه: ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ ، يعني فانتثر الجرف الهاري ببنائه في نار جهنم. كما:-

١٧٢٤٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿فانهار به﴾ ، يعني قواعده = ﴿في نار جهنم﴾ . [[في المطبوعة، أسقط " يعني ".]]

١٧٢٤٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿فانهار به﴾ ، يقول: فخرَّ به.

١٧٢٤٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله﴾ ، إلى قوله: ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ ، قال: والله ما تناهَى أنْ وقع في النار. ذكر لنا أنه تحفَّرت بقعة منها، [[في المطبوعة: " أنه حفرت بقعة منه "، وأثبت ما في المخطوطة. وقوله " تحفرت " أي: صارت فيها حفرة، وكأنه غيرها لأنها لم تذكر في كتب اللغة، ولكنها قياس عربي عريق.

وقوله " منها " أي: من أرض مسجد الضرار.]] فرُؤي منها الدخان.

١٧٢٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: بنو عمرو بن عوف. استأذنوا النبي ﷺ في بنيانه، فأذن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فصلوا فيه الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد. قال: وانهار يوم الاثنين. قال: وكان قد استنظرهم ثلاثًا، السبت والأحد والاثنين = ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ ، مسجد المنافقين، انهار فلم يتناهَ دون أن وقع في النار = قال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالا حفروا فيه، فأبصروا الدخان يخرج منه.

١٧٢٤٨- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج، عن طلق بن حبيب، عن جابر قوله: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا﴾ ، قال: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد النبي ﷺ. [[الأثر: ١٧٢٤٨ - " عبد العزيز بن المختار الأنصاري، الدباغ "، ثقة، روى له الجماعة. مضى برقم: ١٦٨٥.

و" عبد الله الداناج "، هو " عبد الله بن فيروز " و " دانا " بالفارسية، العالم. ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٣٦.

و" طلق بن حبيب العنزي "، ثقة، سمع جابرا. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣٦٠، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٩٠.

وهذا خبر صحيح الإسناد، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٧٩، وقال: " أخرجه مسدد في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه، وابن مردويه ". وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه.]]

١٧٢٤٩- حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال، حدثنا أبو سلمة قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال، حدثني طلق العنزي، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. [[الأثر: ١٧٢٤٩ - هو مكرر لأثر السالف.

" محمد بن مرزوق "، هو " محمد بن محمد بن مرزوق الباهلي ". شيخ الطبري، مضى برقم ٢٨: ٨٢٢٤.

و" أبو سلمة "، هو: " موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي "، ثقة. مضى برقم: ١٥٢٠٢.]]

١٧٢٥٠- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا خلف بن ياسين الكوفي قال: حججت مع أبي في ذلك الزمان = يعني: زمان بني أمية = فمررنا بالمدينة، فرأيت مسجد القبلتين = يعني مسجد الرسول = وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر، قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة! فهذا البناءُ الذي ترون، جرى على يَدِ عبد الصمد بن علي. ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله في القرآن، وفيه حجر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مَزْبَلة. [[الأثر: ١٧٢٥٠ - "سلام بن سالم الخزاعي "، شيخ الطبري، مضى برقم: ٢٥٢، ٦٥٢٩.

و" خلف بن ياسين الكوفي "، مضى برقم: ٢٥٢، ورواية " سلام بن سالم الخراعي " عنه. وذكر أخي السيد أحمد هناك أنه قد يكون " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات "، وهو كذاب. والظاهر أنه هو هو، لأن خلفا يروي في هذا الخبر عن أبيه، وأبوه " ياسين بن معاذ الزيات "، وهو أيضا ضعيف متروك الحديث، وكان من كبار فقهاء الكوفة، روى عن الزهري، ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو مترجم في لسان الميزان ٦: ٢٣٨، والكبير ٤ / ٢ / ٤٢٩، وقال: " يتكلمون فيه، منكر الحديث "، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٣١٢، وذكر أنه قد روى عنه ابنه خلف، ولكنه لم يترجم " خلف بن ياسين بن معاذ ". وهذا الخبر الشاهد بأن " ياسين " أبا "خلف"، كان على عهد بني أمية، ورواية خلف ابنه عنه، وشيوخ "ياسين" الذين روى عنهم، كل ذلك دال على صواب ما ذهب إليه أخي، من أن " خلف بن ياسين الكوفي "، هو " خلف بن ياسين بن معاذ الزيات ".]]

* *

قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ ، يقول: والله لا يوفق للرشاد في أفعاله، من كان بانيًا بناءه في غير حقه وموضعه، ومن كان منافقًا مخالفًا بفعله أمرَ الله وأمرَ رسوله.

القول في تأويل قوله: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يزال بنيان هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا = ﴿ريبة﴾ ، يقول: لا يزال مسجدهم الذي بنوه = ﴿ريبة في قلوبهم﴾ ، يعني: شكًّا ونفاقًا في قلوبهم، يحسبون أنهم كانوا في بنائه مُحْسنين [[انظر تفسير " الريبة " فيما سلف ص: ٢٧٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، يعني: إلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا = ﴿والله عليم﴾ ، بما عليه هؤلاء المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار، من شكهم في دينهم، وما قصدوا في بنائهموه وأرادوه، وما إليه صائرٌ أمرهم في الآخرة، وفي الحياة ما عاشوا، وبغير ذلك من أمرهم وأمر غيرهم = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيره إياهم، وتدبير جميع خلقه. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٢٥١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ ، يعني شكًّا = ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، يعني الموت.

١٧٢٥٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿ريبة في قلوبهم﴾ ، قال: شكًّا في قلوبهم = ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، إلا أن يموتوا.

١٧٢٥٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، يقول: حتى يموتوا.

١٧٢٥٤- حدثني مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، قال: إلا أن يموتوا. [[الأثر: ١٧٢٥٤ - " مطر بن محمد الضبي "، انظر ما سلف رقم: ١٢١٩٨، ١٤٦١٠.]]

١٧٢٥٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، قال: يموتوا.

١٧٢٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، قال: يموتوا.

١٧٢٥٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٧٢٥٨-...... قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة والحسن: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ ، قالا شكًّا في قلوبهم.

١٧٢٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الرازي قال، حدثنا أبو سنان، عن حبيب: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ ، قال: غيظًا في قلوبهم.

١٧٢٦٠-...... قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، قال: يموتوا.

١٧٢٦١-...... قال، حدثنا إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن حبيب: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ،: إلا أن يموتوا.

١٧٢٦٢-...... قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن السدي: ﴿ريبة في قلوبهم﴾ ، قال: كفر. قلت: أكفر مجمّع بن جارية؟ قال: لا ولكنها حَزَازة.

١٧٢٦٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ ، قال: حزازة في قلوبهم.

١٧٢٦٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾ ، لا يزال ريبة في قلوبهم راضين بما صنعوا، كما حُبِّب العجل في قلوب أصحاب موسى. وقرأ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ ، [سورة البقرة: ٩٣] قال: حبَّه = ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ ، قال: لا يزال ذلك في قلوبهم حتى يموتوا = يعني المنافقين.

١٧٢٦٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس، عن السدي، عن إبراهيم: ﴿ريبة في قلوبهم﴾ ، قال شكًّا. قال قلت: يا أبا عمران، تقول هذا وقد قرأت القرآن؟ قال: إنما هي حَزَازة.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ .

فقرأ ذلك بعض قرأة الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة: ﴿إِلا أَنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ، بضم التاء من "تقطع"، على أنه لم يسمَّ فاعله، وبمعنى: إلا أن يُقَطِّع الله قلوبهم.

* *

وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ﴿إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ، بفتح التاء من "تقطع"، على أن الفعل للقلوب. بمعنى: إلا أن تنقطّع قلوبهم، ثم حذفت إحدى التاءين.

* *

وذكر أن الحسن كان يقرأ: " إِلَى أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ "، بمعنى: حتى تتقطع قلوبهم. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥٢.]]

* *

وذكر أنها في قراءة عبد الله: ﴿وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، وعلى الاعتبار بذلك قرأ من قرأ ذلك: ﴿إلا أَنْ تُقَطَّع﴾ ، بضم التاء.

* *

قال أبو جعفر: والقول عندي في ذلك أن الفتح في التاء والضم متقاربا المعنى، لأن القلوب لا تتقطع إذا تقطعت، إلا بتقطيع الله إياها، ولا يقطعها الله إلا وهي متقطعة. وهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.

وأما قراءة ذلك: ﴿إلَى أَنْ تَقَطَّعَ﴾ ، فقراءةٌ لمصاحف المسلمين مخالفةٌ، ولا أرى القراءة بخلاف ما في مصاحفهم جائزةً.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله ابتاعَ من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة = ﴿وعدًا عليه حقًّا﴾ = يقول: وعدهم الجنة جل ثناؤه، وعدًا عليه حقًّا أن يوفِّي لهم به، في كتبه المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن، إذا هم وَفَوا بما عاهدوا الله، فقاتلوا في سبيله ونصرةِ دينه أعداءَه، فقَتَلوا وقُتِلوا = ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ ، يقول جل ثناؤه: ومن أحسن وفاءً بما ضمن وشرط من الله = ﴿فاستبشروا﴾ ، يقول ذلك للمؤمنين: فاستبشروا، أيها المؤمنون، الذين صَدَقوا الله فيما عاهدوا، ببيعكم أنفسكم وأموالكم بالذي بعتموها من ربكم به، فإن ذلك هو الفوز العظيم، [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-

١٧٢٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله في عنقه بَيْعة، وَفى بها أو مات عليها، في قول الله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين﴾ ، إلى قوله: ﴿وذلك هو الفوز العظيم﴾ ، ثم حَلاهم فقال: ﴿التائبون العابدون﴾ ، إلى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ .

١٧٢٦٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ ، يعني بالجنة.

١٧٢٦٨-...... قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن يسار، عن قتادة: أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ ، قال: ثامَنَهُم الله، فأغلى لهم الثمن. [[" ثامنت الرجل في المبيع "، إذا قاولته في ثمنه وفاوضته، وساومته على بيعه واشترائه.]]

١٧٢٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ ، قال: بايعهم فأغلى لهم الثمن.

١٧٢٧٠- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ: اشترط لربِّك ولنفسك ما شئت! قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك، فماذا لنا؟ قال: الجنة! قالوا: ربح البيعُ، لا نُقيل ولا نستقيل! [[" أقاله البيع يقيله إقالة "، و " تقايلا البيعان "، إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما. وتكون " الإقالة " في البيعة والعهد. و " استقاله " طلب إليه أن يقيله.]] فنزلت: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين﴾ ، الآية.

١٧٢٧١-...... قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبيد بن طفيل العبسي قال، سمعت الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قوله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ ، الآية، قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ ﴿التائبون العابدون﴾ . [[الأثر: ١٧٢٧١ - " عبيد بن طفيل العبسي "، هو " الغطفاني "، " أبو سيدان "، و " عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان "، ولكنه في كتب الرجال " الغطفاني ". وقد مضى برقم: ٢٥٤٧.]]

القول في تأويل قوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله اشترى من المؤمنين التائبين العابدين أنفسهم وأموالهم = ولكنه رفع، إذ كان مبتدأ به بعد تمام أخرى مثلها. والعرب تفعل ذلك، وقد تقدَّم بياننا ذلك في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [سورة البقرة: ١٨] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٣٣٠، ٣٣١.]]

* *

ومعنى: "التائبون"، الراجعون مما كرهه الله وسخطه إلى ما يحبُّه ويرضاه، [[انظر تفسير " تائب " فيما سلف من فهارس اللغة (توب) .]] كما:-

١٧٢٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله: ﴿التائبون﴾ ، قال: تابوا إلى الله من الذنوب كلها. [[الأثر: ١٧٢٧٢ - " ثعلبة بن سهيل الطهوي "، ثقة، مضى برقم: ١٢٢٧٣. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ١٧٥، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٦٤.]]

١٧٢٧٣- حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثني أبي، عن أبي الأشهب، عن الحسن: أنه قرأ ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.

١٧٢٧٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن أبي الأشهب قال: قرأ الحسن: ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق.

١٧٢٧٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: التائبون من الشرك.

١٧٢٧٦- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿التائبون العابدون﴾ ، قال الحسن: تابوا والله من الشرك، وبرئوا من النفاق.

١٧٢٧٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿التائبون﴾ ، قال: تابوا من الشرك، ثم لم ينافقوا في الإسلام.

١٧٢٧٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿التائبون﴾ ، قال: الذين تابوا من الذنوب، ثم لم يعودوا فيها.

* *

وأما قوله: ﴿العابدون﴾ ، فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته، [[انظر تفسير " العابد " فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) .]] كما:-

١٧٢٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿العابدون﴾ ، قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.

١٧٢٨٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قول الله ﴿العابدون﴾ ، قال: عبدوا الله على أحايينهم كلها، في السراء والضراء.

١٧٢٨١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿العابدون﴾ ، قال: العابدون لربهم.

* *

وأما قوله: ﴿الحامدون﴾ ، فإنهم الذين يحمدون الله على كل ما امتحنهم به من خير وشر، [[انظر تفسير " الحمد " فيما سلف ١: ١٣٥ - ١٤١ / ١١: ٢٤٩.]] كما:-

١٧٢٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿الحامدون﴾ ، قوم حمدوا الله على كل حال.

١٧٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة قال، قال الحسن: ﴿الحامدون﴾ ، الذين حمدوا الله على أحايينهم كلها، في السرّاء والضرّاء.

١٧٢٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الحامدون﴾ ، قال: الحامدون على الإسلام.

* *

وأما قوله: ﴿السائحون﴾ ، فإنهم الصائمون، كما:-

١٧٢٨٥- حدثني محمد بن عيسى الدامغاني وابن وكيع قالا حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عبيد بن عمير =

١٧٢٨٦- وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمرو، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي ﷺ عن "السائحين" فقال: هم الصائمون. [[الأثر: ١٧٢٨٦ - قال ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٤٩: " هذا مرسل جيد "، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٨١، من طريق عبيد بن عمير، عن أبي هريرة، ونسبه إلى الفريابي، ومسدد في مسنده، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان. بيد أن ابن جرير لم يرفعه من هذه الطريق إلى أبي هريرة كما ترى.]]

١٧٢٨٧- حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حكيم بن حزام قال، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ﷺ: "السائحون" هم الصائمون.

١٧٢٨٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون. [[الأثران: ١٧٢٨٧، ١٧٢٨٨ - أولهما مرفوع، والآخر موقوف على أبي هريرة، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٨١، ونسبه إلى ابن جرير وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، مرفوعا، وذكره السيوطي في تفسيره ٤: ٢٤٨، وقال: " وهذا الموقوف أصح ".]]

١٧٢٨٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون. [[الأثر: ١٧٢٨٩ - خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٤، ٣٥، عن عبد الله بن مسعود، ثم قال: " رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة. وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح ".]]

١٧٢٩٠-...... قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان قال، حدثني عاصم، عن زر، عن عبد الله، بمثله.

١٧٢٩١- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله قال، أخبرنا شيبان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن قال: السياحةُ: الصيام.

١٧٢٩٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿السائحون﴾ ،: الصائمون.

١٧٢٩٣- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه = وإسرائيل، عن أشعث = عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٢٩٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٢٩٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

١٧٢٩٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

١٧٢٩٧-...... قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن إسحاق، عن عبد الرحمن قال: ﴿السائحون﴾ ، هم الصائمون.

١٧٢٩٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿السائحون﴾ ، قال: يعني بالسائحين، الصائمين.

١٧٢٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ﴿السائحون﴾ ، هم الصائمون.

١٧٣٠٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٣٠١-...... قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: كل ما ذكر الله في القرآن ذكر السياحة، هم الصائمون. [[في المطبوعة، حذف " ذكر " من قوله: " ذكر السياحة ". والعبارة مضطربة بعض الاضطراب. وانظر أجود منها في رقم: ١٧٣٠٦.]]

١٧٣٠٢-...... قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل، عن أبي عمرو العبدي قال: ﴿السائحون﴾ ، الذين يُديمون الصيام من المؤمنين.

١٧٣٠٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٣٠٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون شهر رمضان.

١٧٣٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٣٠٦-...... قال، حدثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن ﴿السائحون﴾ ، فإنه الصائمون.

١٧٣٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٣٠٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿السائحون﴾ ، يعني الصائمين.

١٧٣٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، ويعلى، وأبو أسامة، عن عبد الملك، عن عطاء قال: ﴿السائحون﴾ ، الصائمون.

١٧٣١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، مثله.

١٧٣١١-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ابن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو: أنه سمع وهب بن منبه يقول: كانت السياحة في بني إسرائيل، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنةً، رأى ما كان يرى السائحون قبله. فساح وَلَدُ بغيٍّ أربعين سنة، فلم ير شيئًا، فقال: أي ربِّ، أرأيت إن أساء أبواي وأحسنت أنا؟ قال: فَأرِي ما رَأى السائحون قبله = قال ابن عيينة: إذا ترك الطعام والشراب والنساء، فهو السائح.

١٧٣١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿السائحون﴾ ، قوم أخذوا من أبدانهم، صومًا لله.

١٧٣١٣- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة قالت: سياحةُ هذه الأمة الصيام. [[الأثر: ١٧٣١٣ - " إبراهيم بن يزيد الخوزي "، متروك الحديث، مضى برقم: ٧٤٨٤، ١٦٢٥٩.

و" الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث "، ثقة، مضى برقم: ١٦٢٥٩، ولم يدرك أن يروي عن عائشة، فهو مرسل عن عائشة.

فهذا خبر ضعيف الإسناد جدا.]]

* *

وقوله: ﴿الراكعون الساجدون﴾ ، يعني المصلين، الراكعين في صلاتهم، الساجدين فيها، [[انظر تفسير " الركوع "، و " السجود " فيما سلف من فهارس اللغة (ركع) ، (سجد) .]] كما:-

١٧٣١٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الراكعون الساجدون﴾ ، قال: الصلاة المفروضة.

* *

وأما قوله: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ ، فإنه يعني أنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم، واتباع الرشد والهدى، والعمل [[انظر تفسير " المعروف " فيما سلف ص: ٣٤٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = وينهونهم عن المنكر، وذلك نهيهم الناسَ عن كل فعل وقول نهى الله عباده عنه. [[انظر تفسير " المنكر" فيما سلف ص: ٣٤٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وقد روي عن الحسن في ذلك ما:-

١٧٣١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ ، لا إله إلا الله = ﴿والناهون عن المنكر﴾ ، عن الشرك.

١٧٣١٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قوله: ﴿الآمرون بالمعروف﴾ ، قال: أمَا إنهم لم يأمروا الناس حتى كانوا من أهلها = ﴿والناهون عن المنكر﴾ ، قال: أمَا إنهم لم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه.

١٧٣١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: كل ما ذكر في القرآن "الأمر بالمعروف"، و"النهي عن المنكر"، فالأمر بالمعروف، دعاءٌ من الشرك إلى الإسلام = والنهي عن المنكر، نهيٌ عن عبادة الأوثان والشياطين.

* *

قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى قبل على صحة ما قلنا: من أن "الأمر بالمعروف" هو كل ما أمر الله به عباده أو رسوله ﷺ، و"النهي عن المنكر"، هو كل ما نهى الله عنه عبادَه أو رسولُه. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أنها عُني بها خصوصٌ دون عموم، ولا خبر عن الرسول، ولا في فطرة عقلٍ، فالعموم بها أولى، لما قد بينا في غير موضع من كُتُبنا.

* *

وأما قوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، فإنه يعني: المؤدّون فرائض الله، المنتهون إلى أمره ونهيه، الذين لا يضيعون شيئًا ألزمهم العملَ به، ولا يرتكبون شيئًا نهاهم عن ارتكابه، [[انظر تفسير " الحفظ " فيما سلف ٥: ١٦٧ / ٨: ٢٩٥ / ١٠: ٥٦٢ / ١١: ٥٣٢.

= وتفسير " الحدود " فيما سلف: ص: ٤٢٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كالذي:-

١٧٣١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، يعني: القائمين على طاعة الله. وهو شرطٌ اشترطه على أهل الجهاد، إذا وَفَوا الله بشرطه، وفى لهم بشرطهم. [[في المطبوعة: " إذا وفوا الله بشرطه، وفى لهم شرطهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٧٣١٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: القائمون على طاعة الله.

١٧٣٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن ثعلبة بن سهيل قال، قال الحسن في قوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: القائمون على أمر الله.

١٧٣٢١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ ، قال: لفرائض الله.

* *

وأما قوله: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، فإنه يعني: وبشّر المصدِّقين بما وعدهم الله إذا هم وفَّوا الله بعهده، أنه مُوفٍّ لهم بما وعدهم من إدخالهم الجنة، [[انظر تفسير " التبشير " فيما سلف ص: ١٧٤، تعليق ١، والمراجع هناك.]] كما:-

١٧٣٢٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال، حدثنا عوف، عن الحسن: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ ، حتى ختم الآية، قال الذين وفوا ببيعتهم = ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ ، حتى ختم الآية، فقال: هذا عملهم وسيرهم في الرخاء، ثم لقوا العدوّ فصدَقوا ما عاهدوا الله عليه.

* *

وقال بعضهم: معنى ذلك: وبشر من فعل هذه الأفعال = يعني قوله: ﴿التائبون العابدون﴾ ، إلى آخر الآية = وإن لم يغزوا.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٢٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي إسحاق الفزاري، عن أبي رجاء، عن الحسن: ﴿وبشر المؤمنين﴾ ، قال: الذين لم يغزوا.

القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما كان ينبغي للنبي محمدٍ ﷺ والذين آمنوا به= "أن يستغفروا"، يقول: أن يدعوا بالمغفرة للمشركين، ولو كان المشركون الذين يستغفرون لهم= "أولي قربى"، ذوي قرابة لهم= "من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم"، يقول: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله وعبادة الأوثان، وتبين لهم أنهم من أهل النار، لأن الله قد قضى أن لا يغفر لمشرك، فلا ينبغي لهم أن يسألوا ربهم أن يفعل ما قد علموا أنه لا يفعله. فإن قالوا: فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك؟ فلم يكن استغفارُ إبراهيم لأبيه إلا لموعدة وعدها إياه. فلما تبين له وعلم أنه لله عدوٌّ، خلاه وتركه، وترك الاستغفار له، وآثر الله وأمرَه عليه، فتبرأ منه حين تبين له أمره. [[انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

واختلف أهل التأويل في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه.

فقال بعضهم: نزلت في شأن أبي طالب عم النبي ﷺ، لأن النبي ﷺ أراد أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله عن ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٢٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله! فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال النبي ﷺ: لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك! فنزلت: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، [القصص: ٥٦] .

١٧٣٢٥- حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني يونس، عن الزهري قال، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ، جاء رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله! قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن مِلَّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيدُ له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخرَ ما كلَّمهم: "هو على ملة عبد المطلب"، وأبى أن يقول: "لا إله إلا الله"، فقال رسول الله ﷺ: والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنْهَ عنك! فأنزل الله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٧٣٢٥ - هذا حديث صحيح. رواه البخاري وصححه (الفتح ٣: ١٧٦، ١٧٧) من طريق إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبي صالح، عن ابن شهاب الزهري، ورواه أيضا (الفتح ٨: ٢٥٨) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، ثم رواه أيضا (الفتح: ٨: ٣٨٩) من طريق أبي اليمان، عن شعيب عن الزهري.

ورواه مسلم في صحيحه ١: ٢١٣ - ٢١٦، من طرق، أولها هذه الطريق التي رواها منه أبو جعفر.

ورواه أحمد في مسنده ٥: ٤٣٣، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.

وكلها أسانيد صحاح.

وسيأتي برقم: ١٧٣٢٨، عن سعيد بن المسيب، لم يرفعه عن أبيه، بغير هذا اللفظ.]]

١٧٣٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"، قال: يقول المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافرًا؟ فأنزل الله: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إيّاه"، الآية.

١٧٣٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن عمرو بن دينار: أن النبي ﷺ قال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربّي! فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﷺ لعمه! فأنزل الله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" إلى قوله: "تبرأ منه".

١٧٣٢٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: لما حضر أبا طالب الوفاةُ، أتاه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله ﷺ: أيْ عم، إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا، وأحسنهم عندي يدًا، ولأنت أعظم عليَّ حقًّا من والدي، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة يوم القيامة، قل: لا إله إلا الله = ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور.

* *

وقال آخرون: بل نزلت في سبب أمِّ رسول الله ﷺ، وذلك أنه أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٢٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل، عن عطية قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة وقف على قبر أمّه حتى سخِنت عليه الشمس، رجاءَ أن يؤذن له فيستغفر لها، حتى نزلت: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى"، إلى قوله: "تبرأ منه".

١٧٣٣٠-..... قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا قيس، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي ﷺ أتى رَسْمَ = قال: وأكثر ظني أنه قال: قَبْرٍ [[في المطبوعة: " أتى رسما - وأكبر ظني أنه قال: قبرا "، غير ما في المخطوطة، والصواب ما فيها لأنه ذكر المضاف " أتى رسم " ثم فصل وقال: " قبر "، فيما رجح من ظنه، يعني: " رسم قبر "، على الإضافة.]] = فجلس إليه، فجعل يخاطبُ، ثم قام مُسْتَعْبِرًا، [[في المخطوطة: " ثم قام مستغفرا "، والصواب ما في المطبوعة، وتفسير ابن كثير ٤: ٢٥٠، نقلا عن هذا الموضع من تفسير أبي جعفر.]] فقلت: يا رسول الله، إنّا رأينا ما صنعت! قال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمّي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي. فما رئي باكيًا أكثر من يومئذٍ. [[الأثر: ١٧٣٣٠ - " علقمة بن مرثد الحضرمي "، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١١٣٣٠.

و" سليمان بن بريدة بن الحصيب الأسلمي "، ثقة، روى عن أبيه، ثقة، مضى برقم: ١١٣٣٠.

وأبوه "بريدة بن الحصيب الأسلمي "، صحابي، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها. فهذا خبر صحيح الإسناد وذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٣٥، بهذا اللفظ.

ورواه أحمد في مسنده ٥: ٣٥٩، من طريق حسين بن محمد، عن خلف عن خليفة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه بغير هذا اللفظ مطولا.

ورواه من طريق محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه (٥: ٣٥٥) ، ثم من طريق القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي بريدة، عن أبيه (٥: ٣٥٦) .]]

١٧٣٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا"، إلى: "أنهم أصحاب الجحيم"، أن رسول الله ﷺ أراد أن يستغفر لأمّه، فنهاه الله عن ذلك، فقال: وإن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه! فأنزل الله: "وما كان استغفار إبراهيم"، إلى "لأواه حليم".

وقال آخرون: بل نزلت من أجل أن قومًا من أهل الإيمان كانوا يستغفرون لموتاهم من المشركين، فنهوا عن ذلك.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٣٢- حدثني المثنى قال، حدثني عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"، الآية، فكانوا يستغفرون لهم، حتى نزلت هذه الآية. فلما نزلت، أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه"، الآية.

١٧٣٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"، الآية، ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا نبي الله، إن من آبائنا من كان يُحْسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي ﷺ: بلى! والله لأستغفرنّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه! قال: فأنزل الله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" حتى بلغ: "الجحيم"، ثم عذر الله إبراهيم فقال: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إيّاه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"،. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله قال: أوحي إليّ كلمات فدخلن في أذني، ووَقَرْنَ في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فَضْلَ ماله فهو خيرٌ له، ومن أمسك فهو شرٌّ له، ولا يلوم اللهُ على كَفافٍ". [[" الكفاف " (بفتح الكاف) ، وهو من الرزق على قدر حاجة المرء، لا يفضل منه شيء.

وإذا لم يكن عند المرء فضل عن قوته، لم يلمه الله تعالى ذكره، على أن لا يعطي أحدا. وانظر مثل هذا المعنى فيما سلف رقم: ٤١٧٣.]] واختلف أهل العربية في معنى قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين".

فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما كان لهم الاستغفار = وكذلك معنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ﴾ ، وما كان لنفس الإيمان = ﴿إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، [يونس: ١٠٠] .

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: معناه: ما كان ينبغي لهم أن يستغفروا لهم. قال: وكذلك إذا جاءت "أن" مع "كان"، فكلها بتأويل: ينبغي، ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ما كان ينبغي له، ليس هذا من أخلاقه. قال: فلذلك إذا دخلت "أن" لتدل على الاستقبال، [[في المطبوعة والمخطوطة: " تدل " بغير لام، والسياق يقتضي إثباتها.]] لأن "ينبغي" تطلب الاستقبال.

* *

وأما قوله: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه"، فإن أهل العلم اختلفوا في السبب الذي أنزل فيه.

فقال بعضهم: أنزل من أجل أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يستغفرون لموتاهم المشركين، ظنًّا منهم أنّ إبراهيم خليل الرحمن قد فعل ذلك، حين أنزل الله قوله خبرًا عن إبراهيم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] .

وقد ذكرنا الرواية عن بعض من حضرنا ذكره، وسنذكر عمن لم نذكره.

١٧٣٣٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي قال: سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لوالديه وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ قال: فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فأنزل الله: "وما كان استغفار إبراهيم" إلى "تبرأ منه". [[الأثر: ١٧٣٣٤ - " أبو الخليل "، هو " عبد الله بن أبي الخليل الهمداني "، ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٤٥، وابن سعد في الطبقات ٦: ١٦٩، وقال: " روى عن علي ثلاثة أحاديث، من حديث ابن أبي إسحاق ". وفرق بينه وبين " عبد الله بن الخليل الحضرمي " (الطبقات ٦: ١٧٠) ، وكذلك فعل ابن أبي حاتم وغيره.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده رقم: ١٠٨٥ من طريق وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، ومن طريق عبد الرحمن، عن سفيان، عنه، ورواه قبله رقم: ٧٧١، من طريق يحيى بن آدم، عن سفيان. وانظر الخبر التالي.]]

١٧٣٣٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي: أن النبي صلى كان يستغفر لأبويه وهما مشركان، حتى نزلت: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه"، إلى قوله: "تبرأ منه". [[الأثر: ١٧٣٣٥ - رواه أحمد في المسند رقم: ٧٧١، من طريق يحيى بن آدم أيضا، ولكن بغير هذا اللفظ، وأن المستغفر رجل من المسلمين، كالذي سلف. وانظر بيانه في شرح أخي السيد أحمد.]]

وقيل: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة"، ومعناه: إلا من بعد موعدة، كما يقال: "ما كان هذا الأمر إلا عن سبب كذا"، بمعنى: من بعد ذلك السبب، أو من أجله. فكذلك قوله: "إلا عن موعدة"، من أجل موعدة وبعدها. [[انظر تفسير " عن " بمعنى " بعد " فيما سلف ١٠: ٣١٣.]]

* *

وقد تأوّل قوم قولَ الله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى"، الآية، أنّ النهي من الله عن الاستغفار للمشركين بعد مماتهم، لقوله: "من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم". وقالوا: ذلك لا يتبينه أحدٌ إلا بأن يموت على كفره، وأما وهو حيٌّ فلا سبيل إلى علم ذلك، فللمؤمنين أن يستغفروا لهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٣٦- حدثنا سليمان بن عمر الرقي، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: مات رجل يهودي وله ابنٌ مسلم، فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيًا، فإذا مات، وكله إلى شانه! ثم قال: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، لم يدعُ. [[الأثر: ١٧٣٣٦ - " الشيباني " هو " ضرار بن مرة "، " أبو سنان الشيباني " الأكبر، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ٣٤٠، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٦٥. ومضى له ذكر في رقم: ١٠٢٣٨، للتفريق بينه وبين " أبي سنان الشيباني " الأصغر، وهو " سعيد بن سنان البرجمي ".

وسيأتي في الخبر التالي، التصريح باسمه.]]

١٧٣٣٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا فضيل، عن ضرار بن مرة، عن سعيد بن جبير قال: مات رجل نصراني، فوكله ابنه إلى أهل دينه، فأتيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال: ما كان عليه لو مشى معه وأجنَّه واستغفر له؟ [[" أجنه "، واراه في قبره.]] ثم تلا "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعداها إياه"، الآية. [[الأثر: ١٧٣٣٧ - " ضرار بن مرة "، هو الشيباني، سلف في التعليق قبله. وفي لفظ هذا الخبر اضطراب ظاهر، فإن الخبر الأول قبله عن الشيباني، دال على النهي عن الاستغفار له بعد موته، وفي هذا الخبر، إذن بالاستغفار له بعد موته. ولا أدري من أين جاء هذا الاختلاف على الشيباني في لفظه.]]

* *

وتأوّل آخرون "الاستغفارَ"، في هذا الموضع، بمعنى الصلاة. [[في المخطوطة: " بمعنى الصلاح "، والصواب في المطبوعة، كما دل عليه الأثر التالي.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٣٨- حدثني المثني قال، ثنى إسحاق قال، حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان قال، حدثنا حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح قال: ما كنت أدع الصلاةَ على أحدٍ من أهل هذه القبلة، ولو كانت حبشيةً حُبْلى من الزنا، لأني لم أسمع الله يَحْجُب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله: "ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين".

* *

وتأوّله آخرون، بمعنى الاستغفار الذي هو دعاء.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عصمة بن زامل، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلا استغفر لأبي هريرة ولأمّه، قلت: ولأبيه؟ قال: لا إن أبي مات وهو مشرك. [[الأثر: ١٧٣٣٩ - " عصمة بن زامل الطائي "، مترجم في الكبير ٤ / ١ / ٦٣، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٠، ولسان الميزان ٤: ١٦٨، ١٦٩، وقال: " روى عن أبيه، عن أبي هريرة.

وعنه وكيع، وجميل بن حماد الطائي. قال البرقاني: قلت للدارقطني: جميل بن حماد، عن عصمة بن زامل، فذكر هذا الإسناد. فقال: إسناد بدوي، يخرج اعتبارا ".

وكان في المطبوعة: " عصمة بن راشد "، غير ما في المخطوطة كأنه بحث فلم يجده، فظنه تحريفا.

وأبوه: " زامل بن أوس الطائي " مترجم في الكبير ٢ / ١ / ٤٠٥، وابن حاتم ١ / ٢ / ٦١٧، ولسان الميزان ٢: ٤٦٩، وقال الدارقطني: إسناد يروى، يخرج اعتبارا. وذكره ابن حبان في الثقات.]]

* *

قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن معنى "الاستغفار": مسألة العبد ربَّه غفرَ الذنوب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت مسألة العبد ربَّه ذلك قد تكون في الصلاة وفي غير الصلاة، [[انظر تفسير الاستغفار، فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)]] لم يكن أحد القولين اللذين ذكرنا فاسدًا، لأن الله عمَّ بالنهي عن الاستغفار للمشرك، بعد ما تبين له أنه من أصحاب الجحيم، ولم يخصص عن ذلك حالا أباح فيها الاستغفار له.

* *

وأما قوله: "من بعد ما تبيَّن لهم أنهم أصحاب الجحيم"، فإن معناه: ما قد بيَّنتُ، من أنه: من بعد ما يعلمون بموته كافرًا أنه من أهل النار.

* *

وقيل: "أصحاب الجحيم"، لأنهم سكانها وأهلها الكائنون فيها، كما يقال لسكان الدار: "هؤلاء أصحاب هذه الدار"، بمعنى: سكانها. [[انظر تفسير " أصحاب النار " وغيرها فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرازق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: "من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم"، قال: تبيّن للنبي ﷺ أن أبا طالب حين ماتَ أن التوبة قد انقطعت عنه.

١٧٣٤١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: "تبيَّن له" حين مات، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه = يعني في قوله: "من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم".

١٧٣٤٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" الآية، يقول: إذا ماتوا مشركين، يقول الله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ ، [[في المخطوطة والمطبوعة: " ومن يشرك "، وهو سهو، والتلاوة ما أثبت.]] الآية، [المائدة: ٧٢] .

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه".

قال بعضهم: معناه: فلما تبين له بموته مشركًا بالله، تبرأ منه، وترك الاستغفار له.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٤٣- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات = "فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرّأ منه".

١٧٣٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات = فلما مات تبين له أنه عدوّ لله.

١٧٣٤٥- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات لم يستغفر له.

١٧٣٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، يعني: استغفر له ما كان حيًا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له.

١٧٣٤٧- حدثني مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا أبو عاصم وأبو قتيبة مسلم بن قتيبة، قالا حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، قال: لما مات.

١٧٣٤٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

١٧٣٤٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فلما تبين له أنه عدو لله"، قال: موته وهو كافر.

١٧٣٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن شعبة. عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

١٧٣٥١-...... قال، حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، قال: حين مات ولم يؤمن. [[الأثر: ١٧٣٥١ - " ابن أبي غنية "، هو " يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي "، مضى مرارا، آخرها رقم: ١١٠٨٥.

وأبوه: " عبد الملك بن حميد بن أبي غنية "، يروى عن " الحكم بن عتيبة "، مضى أيضا رقم: ١٠٥٩٧، ١١٠٨٥.

وكان في المطبوعة: " حدثنا البراء بن عتبة "، غير ما في المخطوطة، لأن الناسخ أساء نقطه، وصوابه ما أثبت.]]

١٧٣٥٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن عمرو بن دينار: "فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه"،: موته وهو كافر.

١٧٣٥٣-..... قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، قال: لما مات.

١٧٣٥٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، لما مات على شركه = "تبرأ منه".

١٧٣٥٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه"، كان إبراهيم صلوات الله عليه يرجو أن يؤمن أبوه ما دام حيًا، فلما مات على شركه تبرّأ منه.

١٧٣٥٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه"، قال: موته وهو كافر.

١٧٣٥٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله، فلم يستغفر له. [[الأثر: ١٧٣٥٧ - " أحمد بن إسحاق الأهوازي "، شيخ أبي جعفر، مضى مرارا كثيرة، وهو إسناد دائر في التفسير. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا: " محمد بن إسحاق " وهو خطأ محض.]]

١٧٣٥٨-...... قال، حدثنا أبو أحمد قال، أبو إسرائيل، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "فلما تبين له أنه عدو لله"، قال: فلما مات.

* *

وقال آخرون: معناه: فلما تبين له في الآخرة. وذلك أن أباه يتعلَّق به إذا أرادَ أن يجوز الصراط فيمرّ به عليه، حتى إذا كاد أن يجاوزه، حانت من إبراهيم التفاتةٌ، فإذا هو بأبيه في صورة قِرْد أو ضَبُع، فيخلِّي عنه ويتبرأ منه حينئذ. [[في المطبوعة: " فخلى عنه وتبرأ منه "، والصواب ما في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٥٩- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا حفص بن غياث قال، حدثنا عبد الله بن سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: إن إبراهيم يقولُ يوم القيامة: "ربِّ والدي، رَبِّ والدي"! فإذا كان الثالثة، أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضِبْعانٌ، [[" الضبعان " (بكسر فسكون) ، وذكر الضباع، لا يكون بالألف والنون إلا للمذكر.

والأنثى " الضبع " (بفتح فضم) ، ويقال للذكر أيضا " ضبع ". وبالتذكير جاء في كلام الطبري آنفا وسيأتي في الذي يلي هذا الخبر.]] فيتبرأ منه.

١٧٣٦٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن عبيد بن عمير، قال: إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيدٍ واحد، يسمعكم الداعي، وينفُذُكم البصر. قال: فتزفِرُ جهنم زفرةً لا يبْقى مَلك مُقَرَّب ولا نبيٌّ مرسل إلا وقع لركبتيه تُرْعَد فرائصُه! قال: فحسبته يقول: نَفْسي نفسي! ويضربُ الصِّراط على جهنم كحدِّ السيف، [[في المطبوعة: " فيضرب الصراط على جسر جهنم "، زاد " جسر "، وليست في المخطوطة.]] دحْضِ مَزِلَّةٍ، [[في المطبوعة: " وحضر من له "، وهو كلام خلو من كل معنى. وفي المخطوطة " دحصر مزله "، غير منقوطة، وعلى الصاد مثل الألف (أ) ، ومثلها على هاء " مزله "، وهو شك من الكاتب، ولو قرأها قارئ: " وخطر مزلة " لكان له شبه معنى، ولكن واو العطف فساد في الكلام. والصواب ما قرأته إن شاء الله، ويؤيده ما جاء في حديث أبي ذر: " إن خليلي ﷺ قال: إن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ". و " الدحض " (بفتح الدال وسكون الحاء) الزلق. و " المزلة " (بفتح الزاي أو كسرها) الموضع الذي تزل فيه الأقدام. ويقال: " مزلة مدحاض ".

ثم وجدت صواب ما قرأت في المستدرك للحاكم ٤: ٥٨٣، كما سترى بعد.]] وفي جانبيه ملائكة معهم خطاطيف كشوك السَّعْدان. قال: فيمضون كالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الركاب، وكأجاويد الرجال، [[وقوله: " وكأجاويد الركاب، وكأجاويد الرجال "، " الأجاويد " جمع " أجواد "، وهي جمع " جواد "، وهو الفرس السابق الجيد، ثم يقال: " فرس جواد الشد "، إذا كان يجود بحضره وجريه جودا متتابعا، لا يكل. و " الركاب ": الإبل التي يسار عليها، واحدتها " راحلة "، ولا واحد لها من لفظها. وأما " الرجال "، فظني أنه جمع " رجيل "، و " الرجيل " من الخيل، الموطوء الركوب الذي لا يعرق. أو يكون جمع " رجل "، يعني الرجال العدائين، لأنه أتى في مجمع الزوائد: " كجري الفرس، ثم كسعي الرجل ".

بيد أن رواية اللسان في مادة (جود) قال: " وفي حديث الصراط: ومنهم من يمر كأجاويد الخيل "، ورواية الحاكم في المستدرك: " وكأجاويد الخيل والمراكب ".]] والملائكة يقولون: "ربّ سلِّمْ سلِّم"، فناجٍ سالمٌ ومخدوش ناجٍ، ومكدوسٌ في النار، [[" مكدوس "، مدفوع فيها، من " الكدس "، وهو الصرع والإلقاء، " كدس به الأرض "، صرعه، وألصقه بها. و " كدسه ": طرده من ورائه وساقه. وهذه التي هنا هي إحدى الروايتين. والرواية الأخرى " مكردس ". و " المكردس " الذي جمعت يداه ورجلاه وأوثق، ثم ألقي على الأرض، كما يفعل بالأسير. وهذه رواية الحاكم في المستدرك.]] يقول إبراهيم لأبيه: إني كنت آمرك في الدنيا فتعصيني، ولست تاركك اليوم، فخُذْ بحقْوي! [[" الحقو " (بفتح الحاء وكسرها وسكون القاف) : مشد الإزار من الجنب]] فيأخذ بِضَبْعَيْه، [[" الضبع " (بفتح فسكون) : من الإنسان وغيره، وسط العضد بلحمه.]] فيمسخ ضَبُعًا، فإذا رأه قد مُسِخَ تبرَّأ منه. [[الأثر: ١٧٣٦٠ - حديث الصراط، رواه الحاكم في المستدرك ٤: ٥٨٢ - ٥٨٤ من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن المسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، مطولا، وقال: " حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة "، وليس فيه ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام.

ومن حديث الصراط ما خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٣٥٨، ٣٥٩، من حديث عائشة، "ورواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، وقد وثق. وبقية رجاله رجال الصحيح ". وفي هذا الخبر ذكر ما أشرت إليه في التعليق ص: ٥٢٢، " من قوله: " كأجاويد الخيل والركاب " وخرجه الهيثمي أيضا (١٠: ٣٥٩، ٣٦٠) ، عن عبد الله بن مسعود، خبرًا فيه " كجري الفرس، ثم كسعي الرجل " كما أشرت إليه في التعليق رقم: ٢، ص: ٥٢٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ الله، وهو خبره عن إبراهيم أنه لما تبين له أن أباه لله عدوٌّ، يبرأ منه، وذلك حال علمه ويقينه أنه لله عدوٌّ، وهو به مشرك، وهو حالُ موته على شركه.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في "الأوّاه".

فقال بعضهم: هو الدعَّاء. [[" الدعاء " (بتشديد العين) : الكثير الدعاء.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٦١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله قال: "الأوّاه"، الدعّاء.

١٧٣٦٢- حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: "الأوّاه"، الدعّاء.

١٧٣٦٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني جرير بن حازم، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ بن حبيش قال: سألت عبد الله عن "الأواه"، فقال: هو الدعّاء.

١٧٣٦٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

١٧٣٦٥-..... قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عبد الكريم عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "الأوّاه": الدعّاء.

١٧٣٦٦-..... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

١٧٣٦٧- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، وإسرائيل، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله. [[الآثار: ١٧٣٦٣ - ١٧٣٦٧ - حديث زر، عن عبد الله بن مسعود، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٥، وقال: " رواه الطبراني، وفيه عاصم - يعني عاصم بن أبي النجود - وهو ثقة وقد ضعف ".]]

١٧٣٦٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع، قالا حدثنا ابن علية قال، حدثنا داود بن أبي هند، قال: نُبِّئتُ عن عبيد بن عمير، قال: "الأوّاه": الدعاء.

١٧٣٦٩- حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا داود، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن أبيه قال: "الأوّاه": الدعّاء.

* *

وقال آخرون: بل هو الرحيم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٧٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن أبي العُبَيْدَيْنِ، قال: سئل عبد الله عن "الأوّاه"، فقال: الرحيم. [[الأثر: ١٧٣٧٠ - خبر أبي العبيدين، عن عبد الله، رواه الطبري من رقم: ١٧٣٧٠، ١٧٣٧٨، ١٧٣٨٦.

" سلمة "، هو " سلمة بن كهيل الحضرمي " ثقة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٤٥٠٣.

و" مسلم البطين "، هو " مسلم بن عمران ". ثقة. مضى برقم: ١٤٥٠٣ - ١٤٠٥٦.

و" أبو العبيدين "، هو " معاوية بن سبرة بن حصين السوائي العامري الأعمى "، ثقة، كان ابن مسعود يدنيه ويقربه، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٢٩، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٨٧.

وهذا الخبر، خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٥، مطولا وقال: " رواه كله الطبراني بأسانيد، ورجال الروايتين الأوليين، ثقات ".]]

١٧٣٧١- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت يحيى بن الجزار يحدث، عن أبي العبيدين، رجلٍ ضرير البصر: أنه سأل عبد الله عن "الأواه"، فقال: الرحيم. [[الأثر: ١٧٣٧١ - " يحيى بن الجزار العرني "، ثقة، مضى برقم: ٥٤٢٥، ١٦٤٠٦، ١٦٤٠٥، ١٦٤٠٨.]]

١٧٣٧٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي = وحدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل = جميعًا، عن المسعوديّ، عن سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين: أنه سأل ابن مسعود، فقال: ما "الأواه"؟ قال: = الرحيم.

١٧٣٧٣- حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين: أنه جاء إلى عبد الله = وكان ضرير البصر = فقال: يا أبا عبد الرحمن، من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رقَّ له، قال: أخبرني عن "الأوّاه"، قال: الرحيم.

١٧٣٧٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي =، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين، قال: سألت عبد الله عن "الأواه"، فقال: هو الرحيم.

١٧٣٧٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار قال جاء أبو العبيدين إلى عبد الله فقال له: ما حاجتك؟ قال: ما "الأواه"؟ قال: الرحيم.

١٧٣٧٦-..... قال، حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين، رجل من بني سَوَاءَة، قال: جاء رجل إلى عبد الله فسأله عن "الأوّاه"، فقال له عبد الله: الرحيم.

١٧٣٧٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين، عن عبد الله قال: "الأواه"، الرحيم.

١٧٣٧٨- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن شعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العبيدين، رجل من بين نمير = قال يعقوب: كان ضريرَ البصر، وقال ابن وكيع: كان مكفوفَ البصر = سأل ابن مسعود فقال: ما "الأواه"؟ قال: الرحيم.

١٧٣٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، قال: "الأواه": الرحيم.

١٧٣٨٠-..... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله.

١٧٣٨١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، مثله.

١٧٣٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: هو الرحيم.

١٧٣٨٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نحدَّث أن "الأواه" الرحيم.

١٧٣٨٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "إن إبراهيم لأواه"، قال: رحيم.

* *

قال عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود مثل ذلك.

١٧٣٨٥- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: "الأواه": الرحيم.

١٧٣٨٦- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل عبد الله عن "الأواه"، فقال الرحيم.

١٧٣٨٧-...... قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل قال: "الأواه": الرحيم.

١٧٣٨٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن، قال: "الأواه": الرحيم بعباد الله.

١٧٣٨٩-..... قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو خيثمة زهير قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن أبي ميسرة، عن عمرو بن شرحبيل، قال: "الأواه": الرحيم بلحن الحبشة.

* *

وقال آخرون: بل هو الموقن. [[في المخطوطة في هذا الموضع، وفي أكثر المواضع التالية " الموفق "، وفي بعضها " الموقن "، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب، فتركته على حاله، حتى أجد ما يرجحه.]]

ذكر من قال ذلك:

١٧٣٩٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي =، عن سفيان، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "الأواه": الموقن.

١٧٣٩١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن مبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الأواه"، الموقن، بلسان الحبشة.

١٧٣٩٢-..... قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال، "الأواه"، الموقن، بلسانه الحبشة.

١٧٣٩٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز، قال: سمعت سفيان يقول: "الأواه"، الموقن = وقال بعضهم: الفقيه الموقن.

١٧٣٩٤- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن جابر، عن عطاء، قال: "الأواه"، الموقن، بلسان الحبشة.

١٧٣٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن رجل، عن عكرمة، قال: هو الموقن، بلسان الحبشة.

١٧٣٩٦-..... قال، حدثنا ابن نمير، عن الثوري، عن مجالد، عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: "الأواه"، الموقن.

١٧٣٩٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن مسلم، عن مجاهد قال: "الأواه"، الموقن.

١٧٣٩٨-.... قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قابوس، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: "الأواه"، الموقن.

١٧٣٩٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أواه"، موقن.

١٧٤٠٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أواه"، قال: مؤتمن موقن.

١٧٤٠١- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: "إن إبراهيم لأواه حليم"، قال: "الأواه": الموقن.

* *

وقال آخرون: هي كلمة بالحبشة، معناها: المؤمن.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٠٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "لأواه حليم"، قال: "الأواه"، هو المؤمن بالحبشية. [[في المطبوعة والمخطوطة: " بالحبشة "، والصواب ما أثبت، كما سيأتي في المخطوطة في التالية.]]

١٧٤٠٣- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "إن إبراهيم لأواه"، يعني: المؤمن التواب.

١٧٤٠٤- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا حسن بن صالح، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "الأواه": المؤمن.

١٧٤٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: "الأواه"، المؤمن بالحبشية. [[في المطبوعة فقط: " بالحبشة "، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وقال آخرون: هو المسبِّح، الكثير الذكر لله.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٠٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قال: "الأواه": المسبِّح.

١٧٤٠٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يناق: أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبِّح، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: إنه أوَّاه.

١٧٤٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن حيان، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر قال: "الأواه"، الكثير الذكر لله.

* *

وقال آخرون: هو الذي يكثر تلاوة القرآن.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٠٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطأة، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبيّ ﷺ دفن ميتًا، فقال: يرحمك الله، إن كنت لأواهًا! = يعني: تلاءً للقرآن. [[" تلاء " على وزن " فعال " بتشديد العين، من " التلاوة "، يعني كثير التلاوة للقرآن.]]

* *

وقال آخرون: هو من التأوُّه.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤١٠- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي يونس القشيري، عن قاصّ كان بمكة: أن رجلا كان في الطواف، فجعل يقول: أوّه! [[" أوه " بتشديد الواو، وفيها لغات أخرى.]] قال: فشكاه أبو ذر للنبي ﷺ فقال: دعه إنه أوَّاه!

١٧٤١١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي =، عن شعبة، عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلا بمكة كان أصله روميًّا، يحدّث عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: "أوَّه! أوّه"، فذكر للنبي ﷺ فقال: إنه أوَّاه! = زاد أبو كريب في حديثه، قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح. [[الأثران: ١٧٤١٠، ١٧٤١١ - " أبو يونس القشيري "، أو " الباهلي "، هو " حاتم بن أبي صغيرة "، ثقة، مضى برقم: ١٥١٨٠.]]

١٧٤١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان قال، حدثنا عمران، عن عبيد الله بن رباح، عن كعب، قال: "الأواه": إذا ذكر النار قال: أوّه.

١٧٤١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّي، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: كان إذا ذكر النار قال: أوّه. [[الأثر: ١٧٤١٣ - " عبد العزيز بن عبد الصمد العمي " ثقة، مضى برقم: ٣٣٠٢.

وكان في المطبوعة والمخطوطة، " عبد العزيز، عن عبد الصمد العمي "، وهو خطأ محض، وكان في المطبوعة وحدها " القمي "، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة.

و" أبو عمران الجوني "، هو " عبد الملك بن حبيب الأزدي "، ثقة، مضى برقم: ٨٠، ١٣٠٤٢.

و"عبد الله بن رباح الأنصاري"، ثقة، مضى برقم: ٤٨، ١٣٠٤٢.

و" كعب "، هو " كعب الأحبار " المشهور.]]

١٧٤١٤- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان قال، أخبرنا أبو عمران قال، سمعت عبد الله بن رباح الأنصاري يقول، سمعت كعبًا يقول: "إن إبراهيم لأواه"، قال: إذا ذكر النار قال: "أوّهْ من النار".

* *

وقال آخرون: معناه أنه فقيهٌ.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "إن إبراهيم لأوّاه"، قال: فقيه.

* *

وقال آخرون: هو المتضرع الخاشع.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: بينما رسول الله ﷺ جالسٌ، قال رجل: يا رسول الله، ما "الأوَّاه"، قال: المتضرع، قال: "إن إبراهيم لأوّاه حليم".

١٧٤١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن عبد الحميد، عن شهر، عن عبد الله بن شداد، قال: قال رسول الله ﷺ: "الأوّاه": الخاشعُ المتضرِّع". [[الأثران: ١٧٤١٦، ١٧٤١٧ - " عبد الحميد بن بهرام الفزاري "، ثقة، متكلم في روايته عن شهر بن حوشب. مضى مرارا. انظر رقم: ١٦٠٥، ٤٢٢١، ٦٦٥٠ - ٦٦٥٢.

و" شهر بن حوشب "، ثقة، متكلم فيه، مضى مرارا.

و" عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي "، تابعي ثقة، مضى برقم: ٥٠٨٨. وهذا مرسل.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، القولُ الذي قاله عبد الله بن مسعود، الذي رواه عنه زرٌّ: أنه الدعَّاء. [[انظر ما سلف من رقم ١٧٣٦١ - ١٧٣٦٨.]]

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله ذكر ذلك، ووصف به إبراهيم خليله صلوات الله عليه، بعد وصفه إياه بالدعاء والاستغفار لأبيه، فقال: "وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدوٌّ لله تبرأ منه"، وترك الدعاء والاستغفار له. ثم قال: إن إبراهيم لدعَّاء لربه، شاكٍ له، حليمٌ عمن سبَّه وناله بالمكروه. وذلك أنه صلوات الله عليه وعد أباه بالاستغفار له، ودعاءَ الله له بالمغفرة، عند وعيد أبيه إياه، وتهدُّده له بالشتم، بعد ما ردَّ عليه نصيحته في الله وقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ، فقال له صلوات الله عليه، ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ، [مريم: ٤٦-٤٨] . فوفى لأبيه بالاستغفار له، حتى تبيَّن له أنه عدو لله، فوصفه الله بأنه دَعّاء لربه، حليم عمن سَفِه عليه.

* *

وأصله من "التأوّه"، وهو التضرع والمسألة بالحزن والإشفاق، كما روى عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ [[انظر رقم: ١٧١٤١٦، ١٧١٧.]] = وكما روى عقبة بن عامر، الخبَرَ الذي حدَّثنيه:-

١٧٤١٨- يحيى بن عثمان بن صالح السهمي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن لهيعة قال، حدثني الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر: أنه قال لرجل يقال له "ذو البجادين": "إنه أواه"! وذلك أنه رجل كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء، ويرفَعُ صوته. [[الأثر: ١٧٤١٨ - " يحيى بن عثمان بن صالح القرشي السهمي، المصري " شيخ الطبري طعن عليه؛ لأنه كان يحدث من غير كتبه. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٧٥.

وأبوه: " عثمان بن صالح بن صفوان السهمي المصري "، ثقة، متكلم فيه. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ١٥٤ قال أبو حاتم: " كان شيخا صالحا سليم الناحية، قيل: كان يلقن؟ قال: لا ".

و" ابن لهيعة " مضى مرارا، وذكر الكلام فيه.

و" الحارث بن زبيد الحضرمي المصري "، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٢٨٣. وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٩٣.

و" علي بن رباح بن قصير اللخمي المصري "، ثقة، مضى برقم: ٤٧٤٧، ١٠٣٤١.

و" عقبة بن عامر الجهني "، صحابي، ولي إمرة مصر.

و" ذو البجادين "، هو " عبد الله بن عبد نهم المزني "، وهو مترجم في الإصابة، في اسمه هذا، وفي الاستيعاب: ٣٤٩، في " عبد الله ذو البجادين المزني "، وفي مثله في أسد الغابة ٣: ١٢٣.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٤: ١٥٩، من هذه الطريق نفسها، وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ٣٦٩، وقال: " رواه أحمد، والطبراني، وإسنادهما حسن ". وخرجه الحافظ بن حجر في الإصابة قال: " وأخرجه أحمد، وجعفر بن محمد الغريابي في كتاب الذكر، من طريق ابن لهيعة. . . " وساق الإسناد والخبر.

وفي أمر " عبد الله ذي البجادين "، إشكال هذا موضع عرضه مختصرا، وذلك أن صاحب الإصابة، ذكر في ترجمته أنه كان دليل النبي ﷺ في هجرته، وذكر خبرا، رواه الهجري في نوادره (مخطوط) قال:

" قال عبد الله بن ذي البجادين المزني، وساق بالنبيّ ﷺ ساندا في الغَائر من الرَّكوبة، من الأبيض، جبل العرج في مُهاجَره: تَعَرَّضِي مَدَارِجًا وَسُومِي ... تَعَرُّضَ الجوْزاء لِلنُّجُومِ

هذَا أبُو القاسمِ فاسْتَقِيمي

وذكر الحافظ هذا الشعر في خبره، وذكر صاحب لسان العرب خبر دلالته لنبينا ﷺ في مادة (بجد) ، وذكر الشعر في مادة (درج) ، و (عرض) ، وفيه خبر الهجري، و (سوم) .

والرجز يقوله لناقته، يقول لها: " تعرضي "، أي: خذي يمنة ويسرة، وتنكبي الثنايا الغلاظ بين الجبال، وهي " المدارج " - و " سومي " من السوم، وهو سرعة المر، مع قصد الصوب في السير - " تعرض الجوزاء "؛ لأن الجوزاء تمر على جنب معارضة، ليست بمستقيمة في السماء.

ويقال في سبب تسميته " ذا البجادين " أنه حين أراد المسير إلى النبي ﷺ قطعت أمه بجادا باثنين، فاتزر بواحد، وارتدى بالآخر. ويقال إنه لما هاجر رسول الله ﷺ قال عبد الله لأبيه: " دعني أدله على الطريق "! فأبى، ونزع ثيابه عنه وتركه عريانا. فاتخذ بجادا من شعر وطرحه على عورته، ثم لحقهم، وأخذ بزمام ناقة النبي ﷺ، وأنشأ يرتجز، بما ذكرناه من رجزه.

والذي رأيناه في السير، أن دليل رسول الله ﷺ في مهاجره هو: " عبد الله بن أريقط الليثي "، و " عبد الله " هذا لم يكن مسلما، ولا وجد من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك، وكان مستأجرا.

(ابن هشام ٢: ١٣٦ / الروض الأنف ٢: ٢٨، ثم ترجمته في الإصابة وغيرها) . وهو بلا شك غير ذي البجادين، لأن ذا البجادين، مزني؛ ولأنه مات في تبوك، ولأنهم ذكروا أن النبي ﷺ لم ينزل في قبر أحد، إلا خمسة، منهم عبد الله المزني، ذو البجادين.

فإذا عرف هذا تباعد الإشكال الموهم أنهما رجل واحد، واحتاج أمر دلالة ذي البجادين، إلى إيضاح لم تذكره كتب السير.]] ولذلك قيل للمتوجع من ألم أو مرض: "لا تتأوه"، [[في المطبوعة: " لم تتأوه "، فعل ذلك لأن كاتب المخطوطة خلط في كتابه " لا "، فاجتهد الناشر، والصواب ما أثبت.]] كما قال المُثَقِّب العَبْدي:

إذَا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ [[ديوانه: ٢٩، المفضليات: ٥٨٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٧٠ طبقات فحول الشعراء: ٢٣١، واللسان (أوه) ، ومر ذكره هذا البيت، في التعليق على بيت من القصيدة فيما سلف ٢: ٥٤٨ تعليق: ١. وعنى بذلك ناقته، تحن إلى ديارها وأوطانها.]]

ومنه قول الجَعْديَ:

ضَرُوحٍ مَرُوحٍ تُتْبِعُ الْوُرْقَ بَعْدَما ... يُعَرِّسْنَ شَكْوَى، آهَةً وَتَنَمَّرَا [[ديوانه: ٣٣، ٥٢، وجمهرة أشعار العرب: ١٤٦، والمعاني الكبير: ٣١٥، من قصيدة النابغة، التي سمعها رسول الله ﷺ، بأبي هو وأمي، فلما بلغ قوله: بَلَغْنا السَّمَاءَ مَجْدُنا وجُدُودُنا ... وَإنا لَنَبْغِي بَعْدَ ذَلكَ مَظْهَرا

فقال له: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: الجنة! قال: أجل، إن شاء الله ثم أنشده ما فيها من الحكمة قال: " لا يفضض الله فاك "، فبقي عمره أحسن الناس ثغرا، كلما سقطت سن عادت أخرى، وكان النابغة معمرا.

وقوله: " ضروح "، أي تضرح برجلها، رمحت بها، أراد نشاطها وإبعادها في سيرها. ويروى " خنوف " و " طروح " = و " مروح " شديدة النشاط، من المرح. وقوله " تتبع الورق "، هكذا في المخطوطة، ورواية ديوانه " تبعث الورق "، و " تعجل الورق "، وذلك أن تذعرها، فتجعلها عن التعريس، وهما روايتان واضحتا المعنى. وأما رواية التفسير، فإن صحت، فقد أراد أنها تتبع الشكوى والتأوه، فتنزعج فتذعر. و " الورق " عني بها القطا. و " القطا " ورق الألوان. وكان في المطبوعة " الودق " وهو خطأ. وقوله: " وتنمرا "، كان في المطبوعة: " وتشمرا "، وهو خطأ لا شك فيه، والمخطوطة غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. و " التنمر " الغضب. ورواية الديوان وغيره " وتذمرا "، وهي أوضح وأبين. وقوله: " آهة "، أي تأوهًا.

ورواية العجز في الديوان: " يعرس تشكوا آهة وتذمرا "، والذي في المخطوطة مطابق لما في المعاني الكبير لابن قتيبة " شكوى ".]] ولا تكاد العرب تنطق منه: بـ "فعل يفعل"، وإنما تقول فيه: "تَفَعَّلَ يَتَفَعَّل"، مثل: "تأوّه يتأوه"، "وأوّه يؤوِّه".

كما قال الراجز:

فَأَوَّهَ الرّاعِي وَضَوْضَى أكْلُبُه [[لم أعرف قائله. " ضوضى "، ضجت وصاحت. وفي الحديث حين ذكر رؤيته ﷺ النار، أعاذنا الله من عذابها: " أنه رأى فيها قوما إذا أتاهم لهبها ضوضوا "، أي أحدثوا ضوضاء من صياحهم وجلبتهم.]]

وقالوا أيضًا: "أوْهِ منك! "، ذكر الفراء أن أبا الجرّاح أنشده:

فَأَوْهِ مِنَ الذِّكْرَى إذَا مَا ذَكَرْتُها ... وَمِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنَا وَسَمَاءِ [[لسان العرب (أوه) ، لم أعرف قائله، وذكر اختلاف روايته هناك.]]

قال: وربما أنشدنا: ﴿فَأَوٍّ مِنَ الذِّكْرَى﴾ ، بغيرها. ولو جاء "فعل" منه على الأصل لكان: "آه، يَئوهُ أوْهًا".

* *

= ولأن معنى ذلك: "توجَّع، وتحزّن، وتضرع"، اختلف أهل التأويل فيه الاختلافَ الذي ذكرتُ. فقال من قال: معناه "الرحمة": أن ذلك كان من إبراهيم على وجه الرِّقة على أبيه، والرحمة له، ولغيره من الناس.

وقال آخرون: إنما كان ذلك منه لصحة يقينه، وحسن معرفته بعظمة الله، وتواضعه له.

وقال آخرون: كان لصحة إيمانه بربِّه.

وقال آخرون: كان ذلك منه عند تلاوته تنزيل الله أحد الذي أنزله عليه.

وقال آخرون: كان ذلك منه عند ذكر رَبِّه.

= وكلُّ ذلك عائد إلى ما قلتُ، وتَقَارَبَ معنى بعض ذلك من بعض، لأن الحزين المتضرِّع إلى ربه، الخاشع له بقلبه، ينوبه ذلك عند مسألته ربَّه، ودعائه إياه في حاجاته، وتعتوره هذه الخلال التي وجَّه المفسرون إليها تأويل قول الله: "إن إبراهيم لأوّاه حليمٌ".

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما كان الله ليقضي عليكم، في استغفاركم لموتاكم المشركين، بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدَّم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا الانتهاء عنه. فأما قبل أن يبين لكم كراهية ذلك بالنهي عنه، ثم تتعدوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليكم بالضلال، لأن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهيّ، فأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائنٍ مطيعًا أو عاصيًا فيما لم يؤمَرْ به ولم ينه عنه = "إن الله بكل شيء عليم"، يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما خالط أنفسكم عند نهي الله إياكم من الاستغفار لموتاكم المشركين، من الجزع على ما سلف منكم من الاستغفار لهم قبل تقدمه إليكم بالنهي عنه، وبغير ذلك من سرائر أموركم وأمور عباده وظواهرها، فبيَّن لكم حلمه في ذلك عليكم، ليضع عنكم ثِقَل الوَجْد بذلك. [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

١٧٤١٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: بيانُ الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُه ومعصيته، فافعلوا أو ذَرُوا.

١٧٤٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: بيانُ الله للمؤمنين: أن لا يستغفروا للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعتُه ومعصيته عامة، فافعلوا أو ذَرُوا.

١٧٤٢١-..... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

١٧٤٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: "وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"، قال: يبين الله للمؤمنين في أن لا يستغفروا للمشركين في بيانه في طاعته وفي معصيته، فافعلوا أو ذروا.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الله، أيها الناس له سلطان السماوات والأرض وملكهما، وكل من دونه من الملوك فعبيده ومماليكه، بيده حياتهم وموتهم، يحيي من يشاء منهم، ويميت من يشاء منهم، فلا تجزعوا، أيها المؤمنون، من قتال من كفر بي من الملوك، ملوك الروم كانوا أو ملوك فارس والحبشة، أو غيرهم، واغزوهم وجاهدوهم في طاعتي، فإني المعزُّ من أشاء منهم ومنكم، والمذلُّ من أشاء.

وهذا حضٌّ من الله جل ثناؤه المؤمنين على قتال كلّ من كفر به من المماليك، وإغراءٌ منه لهم بحربهم.

وقوله: ﴿وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير﴾ ، يقول: وما لكم من أحد هو لكم حليفٌ من دون الله يظاهركم عليه، إن أنتم خالفتم أمرَ الله فعاقبكم على خلافكم أمرَه، يستنقذكم من عقابه = ﴿ولا نصير﴾ ، ينصركم منه إن أراد بكم سوءًا. يقول: فبالله فثقوا، وإياه فارهبوا، وجاهدوا في سبيله من كفر به، فإنه قد اشترى منكم أنفسكم وأموالكم بأن لكم الجنة، تقاتلون في سبيله فتَقْتُلُون وتُقْتَلُون. [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته، نبيّه محمدًا ﷺ، والمهاجرين ديارَهم وعشيرتَهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله [[انظر تفسير " المهاجر " فيما سلف ص: ٤٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = الذين اتبعوا رَسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء [[انظر تفسير " العسرة " فيما سلف ٦: ٢٨، ٢٩.]] = ﴿من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ ، يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك في دينه ويرتاب، بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه [[انظر تفسير " الزيغ " فيما سلف ٦: ١٨٣، ١٨٤.

= وتفسير " فريق " فيما سلف ١٢: ٣٨٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم تاب عليهم﴾ ، يقول: ثم رزقهم جلّ ثناؤه الإنابة والرجوع إلى الثبات على دينه، وإبصار الحق الذي كان قد كاد يلتبس عليهم = ﴿إنه بهم رءوف رحيم﴾ ، يقول: إن ربكم بالذين خالط قلوبَهم ذلك لما نالهم في سفرهم من الشدة والمشقة رءوف بهم = ﴿رحيم﴾ ، أن يهلكهم، فينزع منهم الإيمان بعد ما قد أبلَوْا في الله ما أبلوا مع رسوله، وصبروا عليه من البأساء والضراء. [[انظر تفسير " رؤوف " و " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (رأف) ، (رحم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٢٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿في ساعة العسرة﴾ ، في غزوة تبوك.

١٧٤٢٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل: ﴿في ساعة العسرة﴾ ، قال: خرجوا في غزوةٍ، [[في المطبوعة: " في غزوة تبوك "، زاد من عنده، وليست في المخطوطة، وهي بلا شك غزوة تبوك.]] الرجلان والثلاثة على بعير. وخرجوا في حرٍّ شديد، وأصابهم يومئذ عطش شديد، فجعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها، ويشربون ماءه، [[في المطبوعة: " ماءها "، والذي في المخطوطة صواب أيضا.]] وكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من الظهر، وعسرة من النفقة. [[الأثر: ١٧٤٢٤ - " عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي "، منكر الحديث ليس بمتقن، لا يحتجون بحديثه من جهة حفظه. مضى برقم: ٤٨٧، وانظر الخبر رقم: ١٧٤٢٧.]]

١٧٤٢٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ساعة العسرة﴾ ، قال: غزوة تبوك، قال: "العسرة"، أصابهم جَهْدٌ شديد، حتى إن الرجلين ليشقَّان التمرة بينهما، وأنهم ليمصُّون التمرة الواحدة، ويشربون عليها الماء.

١٧٤٢٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ ، قال: غزوة تبوك.

١٧٤٢٧-...... قال، حدثنا زكريا بن عدي، عن ابن مبارك، عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ ، قال: عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. [[الأثر: ١٧٤٢٧ - " زكريا بن عدي بن زريق التميمي "، ثقة، مضى برقم: ١٥٦٦، ١٥٤٤٦، ١٦٩٤٥. وكان في المطبوعة: " زكريا بن علي "، والصواب ما في المخطوطة، ولكن لم يحسن قراءته.

" عبد الله بن محمد بن عقيل "، سلف برقم: ١٧٤٢٤.]]

١٧٤٢٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة﴾ ، الآية، الذين اتبعوا رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قِبَل الشأم في لهَبَانِ الحرّ على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصُّها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم.

١٧٤٢٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه في شأن العسرة، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمسُ الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فَرْثه فيشربه، [[" الفرث "، سرجين الكرش ما دام في الكرش.]] ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع لنا! قال: تحب ذلك؟ قال: نعم! فرفع يديه، فلم يَرْجِعهما حتى قالت السماء، فأظلّت، ثم سكبت، [[" قالت السماء "، أي: أقبلت بالسحاب، وكان في المطبوعة: "مالت " وأثبت ما في المخطوطة. وهو مطابق لما في مجمع الزوائد، وفي ابن كثير، وغيره " سالت " وليست بشيء. وهذا تعبير عزيز جيد.

وقوله: " فأظلت "، أي: جاء السحاب بالظل، وفي ابن كثير وغيره " فأهطلت "، وليست بشيء. وفي مجمع الزوائد: " فأطلت "، وكأنه تصحيف.]] فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها، [[في المطبوعة: " ثم رجعنا ننظر فلم نجدها، جاوزت العسكر "، غير ما كان في المخطوطة، وهو صواب مطابق لما في المراجع. وقوله: " ذهبنا ننظر "، العرب تضع " ذهب " في الكلام ظرفا للفعل، انظر ما سلف ١١: ١٢٨، تعليق: ١، ثم ص: ٢٥٠، في كلام أبي جعفر، والتعليق: ١، ثم رقم: ١٦٢٠٦.]] جاوزت العسكر. [[الأثر: ١٧٤٢٩ - " عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري ". ثقة متقن، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٣٥٧٠، ١٦٧٣٢.

و" سعيد بن أبي هلال الليثي المصري "، ثقة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٣٥٧٠.

و" عتبة بن أبي عتبة ". هو " عتبة بن مسلم التيمي "، ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٧٤.

و" نافع بن جبير بن مطعم ". تابعي ثقة، أحد الأئمة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٨٢، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٥١.

ورجال إسناد هذا الخبر ثقات.

وهذا الخبر خرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ١٩٤، ١٩٥، وقال: " رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات ". وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٢٨٦، ونسبه إلى ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي في الدلائل.

وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم ص: ١٩٠ في باب " ذكر ما كان في غزوة تبوك ".، بهذا الإسناد.

وذكره ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٥٧، ٢٥٨، والبغوي بهامشه.]]

١٧٤٣٠- حدثني إسحاق بن زيادة العطار قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد الله بن وهب قال، حدثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب رحمة الله عليه: حدِّثنا عن شأن جيش العسرة! فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٤٣٠ - " إسحاق بن زياد العطار "، شيخ الطبري، مضى برقم: ١٤١٤٦، ولم نجد له ذكرا، وقد مضى هناك: " إسحاق بن زياد العطار النصري " بغير تاء في " زياد " في المطبوعة والمخطوطة. وغير ممكن فصل القول في ذلك، ما لم نجد له ترجمة تهدي إلى الصواب.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار﴾ = ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا﴾ ، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم﴾ [سورة التوبة: ١٠٦] ، فتاب عليهم عز ذكره وتفضل عليهم.

وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ص: ٤٦٤ - ٤٦٧.]]

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم الله عن التوبة، فأرجأهم عمَّن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله ﷺ، كما:-

١٧٤٣١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عمن سمع عكرمة في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: خُلِّفوا عن التوبة.

١٧٤٣٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أما قوله: ﴿خلفوا﴾ ، فخلِّفوا عن التوبة.

* *

﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ ، يقول: بسعتها، [[انظر تفسير " رحب " فيما سلف. ص: ١٧٩.]] غمًّا وندمًا على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله ﷺ = ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ ، بما نالهم من الوَجْد والكرْب بذلك = ﴿وظنوا أن لا ملجأ﴾ ، يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجأون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء، [[انظر تفسير " الظن " فيما سلف ٢: ١٧ - ٢٠، ٢٦٥ / ٥: ٣٥٢.

= وتفسير " الملجأ " فيما سبق ص: ٢٩٨.]] بتخلفهم خِلافَ رسول الله ﷺ، ينجيهم من كربه، ولا مما يحذرون من عذاب الله، إلا الله، ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يرضيه عنهم، لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه = ﴿إن الله هو التواب الرحيم﴾ ، يقول: إن الله هو الوهّاب لعباده الإنابة إلى طاعته، الموفقُ من أحبَّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه = ﴿الرحيم﴾ ، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة، أو يخذل من أراد منهم التوبةَ والإنابةَ ولا يتوب عليه. [[انظر تفسير " التواب "، " والرحيم "، فيما سلف من فهارس اللغة (ثوب) ، (رحم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٣٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر في قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. [[الأثر: ١٧٤٣٣ - " مرارة بن ربيعة "، المشهور: " مرارة بن الربيع "، ولكنه هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة هنا. ثم جاء في الأخبار التالية " الربيع ". وقد مضى مثل هذا الاختلاف وأشد منه فيما سلف في التعليق على رقم ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، ١٧١٨٣. وذكر ابن كثير في تفسيره ٤: ٢٦٤، وذكر هذا الخبر فقال: " وكذا في مسلم: ربيعة، في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع ".]]

١٧٤٣٤- حدثني عبيد بن محمد الوراق قال، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه = إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع، أو: ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة. [[الأثر: ١٧٤٣٤ - " عبيد بن محمد الوراق "، هو " عبيد بن محمد بن القاسم بن سليمان بن أبي مريم "، " أبو محمد الوراق النيسابوري "، سكن بغداد، وحدث بها عن موسى بن هلال العبدي وأبي النضر هاشم بن القاسم، والحسن بن موسى الأشيب، ويعقوب بن محمد الزهري، وبشر بن الحارث. كان ثقة، مات سنة ٢٥٥، ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد ١١: ٩٧، وروى عنه الطبري في موضعين من تاريخه ٢: ٢٠٢، ٢٥٠، روى عن روح بن عبادة.

وكان في المطبوعة: " عبيد بن الوراق "، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتب " عبيد بن محمد " كلمة واحدة مشتبكة الحروف.

وأما " مرارة بن الربيع " أو " ابن ربيعة "، فانظر التعليق السالف.]]

١٧٤٣٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: أرْجئوا، في أوسط "براءة".

١٧٤٣٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: الذين أرجئوا في أوسط "براءة"، قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ ، [سورة التوبة: ١٠٦] هلال بن أمية، ومرارة بن رِبْعيّ، وكعب بن مالك. [[الأثر: ١٧٤٣٦ - " مرارة بن ربعي "، هكذا في المخطوطة كما أثبته، وفي المطبوعة " ابن ربيعة " ولكن هكذا، جاء هنا، كالذي مضى في رقم: ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، فانظر التعليق هناك.]]

١٧٤٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، الذين أرجئوا في وسط "براءة".

١٧٤٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.

١٧٤٣٩-...... قال، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: الذين أرجئوا.

١٧٤٤٠-...... قال، حدثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد قال: ﴿الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، كعب بن مالك وكان شاعرا، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أمية، وكلهم أنصاريّ. [[في المطبوعة: " أنصار "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]]

١٧٤٤١-...... قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، والمحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك.

١٧٤٤٢- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هاشم، عن جويبر، عن الضحاك قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، كلهم من الأنصار.

١٧٤٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، إلى قوله: ﴿ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾ ، كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية، فقال: لا أطلقها = أو لا أطلق نفسي [[في المطبوعة: " لا أطلقها، أو لا أطلق نفسي "، وأثبت ما في المخطوطة.]] = حتى يُطلقني رسول الله ﷺ! فقال رسول الله: والله لا أطلقه حتى يطلقه ربُّه إن شاء! وأما الآخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك، [[" الحائط "، هو البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. ويقال لها أيضا " حديقة "، لإحداق سوره بها. فإذا لم يكن عليها حائط، فهي " ضاحية "، لبروزها للعين. و " أدرك الثمر "، أي بلغ نضجه.]] فجعله صدقة في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمه! وأما الآخر فركب المفاوز يتبع رسول الله، ترفعه أرض وتَضَعه أخرى، وقدماه تَشَلْشَلان دمًا. [[" تشلشلان "، " تتشلشلان "، على حذف إحدى التائين. " تشلشل الماء والدم "، إذا تبع قطران بعضه بعضا في سيلانه متفرقا.]]

١٧٤٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: ﴿الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، هلال بن أمية، وكعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة.

١٧٤٤٥-...... قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سلام أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، قال: هلال بن أمية، ومرارة، وكعب بن مالك.

١٧٤٤٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون، عن عمر بن كثير بن أفلح قال: قال كعب بن مالك: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغَزاة! قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله ﷺ قلت: "أتجهز غدًا ثم ألحقه"، فأخذت في جَهازي، فأمسيت ولم أفرغ. فلما كان اليوم الثالث، أخذت في جهازي، فأمسيت ولم أفرغ، فقلت: هيهات! سار الناس ثلاثًا! فأقمت. فلما قدم رسول الله ﷺ، جعل الناس يعتذرون إليه، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت: ما كنت في غَزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة! فأعرض عني رسول الله ﷺ، فأمر الناس أن ألا يكلمونا، وأمِرَتْ نساؤنا أن يتحوَّلن عنَّا. قال: فتسوَّرت حائطا ذات يوم، فإذا أنا بجابر بن عبد الله، فقلت: أيْ جابر! نشدتك بالله، هل علمتَني غششت الله ورسوله يومًا قطُّ؟ فسكت عني فجعل لا يكلمني. [[انظر " جعل "، وأنها من حروف الاستعانة فيما سلف ١١: ٢٥٠، في كلام الطبري، والتعليق هناك رقم: ١، والتعليق على الأثر رقم: ١٣٨٦٢.]] فبينا أنا ذات يوم، إذ سمعت رجلا على الثنيَّة يقول: كعب! كعب! حتى دنا مني، فقال: بشِّروا كعبًا. [[الأثر: ١٧٤٤٦ - " عمر بن كثير بن أفلح المدني "، مولى أبي أيوب الأنصاري، ثقة، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين، وكأنه لم يصح عنده لقيه للصحابة. وذكر غيره أنه روى عن كعب بن مالك. وابن عمر، وسفينة. ومضى برقم: ١٢٢٢٣.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٤: ٤٥٤، ٤٥٥، من هذه الطريق نفسها بنحوه.]]

١٧٤٤٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقام بها بضع عشرة ليلة، ولقيه بها وفد أذْرُح ووفد أيلة، فصَالحهم رسول الله ﷺ على الجزية، ثم قَفَل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوا في ساعة العسرة﴾ ، الآية، والثلاثة الذين خلفوا: رَهْطٌ منهم: كعب بن مالك، وهو أحد بني سَلِمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلا. فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صَدَقه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذب سائرهم، فحلفوا لرسول الله ﷺ: ما حبسهم إلا العذر، فقبل منهم رسول الله وبايعهم، ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسول الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حين حدَّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: قد صدقتم، فقوموا حتى يقضى الله فيكم. فلما أنزل الله القرآن، تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ ، حتى بلغ: ﴿لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ٩٥، ٩٦] .

= قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عَمي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدِّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب: لم أتخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتبْ أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبُّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرَ في الناس منها. [[قوله: " أذكر " أي أشهر ذكرا.]]

= فكان من خبري حين تخلفت عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع النبي ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك: الديوان = قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى، ما لم ينزل فيه وَحْيٌ من الله. وغزا رسول الله تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعَرُ. [[" أصعر "، أي: أميل، على وزن " أفعل " التفضيل، وأصله من " الصعر " (بفتحتين) ، وهو ميل في الوجه، كأنه يلتفت إليه شوقا.]] فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، [فأرجع ولم أقض شيئًا، وأقول في نفسي: "أنا قادر على ذلك إذا أردت! "، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى استمرّ بالناس الجدُّ. فأصبح رسول الله ﷺ غاديًا والمسلمون معه] ، [[الذي بين القوسين ساقط من المخطوطة، وأثبته من رواية مسلم في صحيحه. وكان في المطبوعة: ". . . لكي أتجهز معهم، فلم أقضي من جهازي شيئا "، أما المخطوطة، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ قد أسقط من الكلام: ". . . لكي أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ".]] ولم أقض من جَهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل ذلك يتمادى [بي] ، [[الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم.]] حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ، [[" تفارط الغزو "، أي فات وقته، ومثله " تفرط "، وفي الحديث: " أنه نام عن العشاء حتى تفرطت "، أي: فات وقتها.]] وهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، فلم يُقْدَر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي ﷺ يحزنني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلا مغموصًا عليه في النفاق، [[" أسوة "، أي: قدوة ومثلا. و " المغموص عليه "، من قولهم " غمص عليه قولا قاله "، أي: عابه عليه، وطعن به عليه. ويعني: مطعونا في دينه، متهما بالنفاق.]] أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سَلِمَة: يا رسول الله، حبسه بُرْداه، والنظر في عِطْفيْه! [[" النظر في عطفيه "، كناية عن إعجابه بنفسه، واختياله بحسن لباسه. و " العطفان "، الجانبان، فهو يتلفت من شدة خيلائه.]] [فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا] ! [[الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم. وظاهر أن الناسخ أسقطها في نسخه.]] فسكت رسول الله ﷺ، فبينا هو على ذلك، رأى رجلا مُبَيِّضًا يزول به السرابُ، [[" المبيض " (بتشديد الباء وكسرها) ، هو لا بس البياض. و " يزول به السراب "، أي: يرفعه ويخفضه، وإنما يحرك خياله.]] فقال رسول الله ﷺ: كن أبا خيثمة! فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدَّق بصاع التمر، فلمزه المنافقون. [[" لمزه "، عابه وحقره.]]

= قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجَّه قافلا من تبوك، حضرني بثِّي، [[في المطبوعة: " حضرني همي "، لم يحسن قراءة المخطوطة، والذي فيها مطابق لرواية مسلم في صحيحه. و " البث "، أشد الحزن. وذلك أنه إذا اشتد حزن المرء، احتاج أن يفضي بغمه وحزنه إلى صاحب له يواسيه، أو يسليه، أو يتوجع له.]] فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: "بم أخرج من سَخَطه غدًا"؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: "إن رسول الله ﷺ قد أظَلّ قادمًا! "، زاح عني الباطل، [[" أظل قادما "، أي: أقبل ودنا قدومه، كأنه ألقى على المدينة ظله. وقوله: " زاح عني الباطل "، أي: زال وذهب وتباعد.]] حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا، فأجمعت صدقه، [[" أجمعت صدقه "، أي: عزمت على ذلك كل العزم، " أجمع صدقه " و " أجمع على صدقه "، سواء.]] وصَبح رسول الله ﷺ قادمًا، [[في المطبوعة: " وأصبح "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم.]] وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئتُ، فلما سلمت تبسم تبسُّم المغْضَب، ثم قال: تعالَ! فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، لقد أعطيتُ جدلا [[" الجدل "، اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وعلى مقابلة الحجة بالحجة.]] ولكني والله لقد علمت لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يُسْخِطَك عليّ، ولئن حدثتك حديث صِدْق تَجدُ عليّ فيه، [[" تجد " من " الوجد "، وهو الغضب والسخط.]] إني لأرجو فيه عفوَ الله، [[هكذا في المخطوطة: " عفو الله " ومثله في مسند أحمد ٣: ٤٦٠ وفي صحيح مسلم " عقبى الله "، أي: أن يعقبني خيرا، وأن يثبتني عليه.]] والله ما كان لي عُذْر! والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ: أمّا هذا فقد صَدَق، قم حتى يقضي الله فيك! فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا! لقد عجزتَ في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون، [[في المطبوعة حذف " في " من قوله: " لقد عجزت في أن لا تكون "، وهي ثابتة في المخطوطة، وهي مطابقة لما في صحيح مسلم. وأما الذي في المطبوعة، فهو مطابق لما في البخاري من رواية غيره.]] فقد كان كافِيَك ذنبك استغفارُ رسول الله ﷺ لك! قال: فوالله ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذّبَ نفسي! قال: ثم قلت لهم: هل لَقي هذا معي أحدٌ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيع العامري، [[في المطبوعة: " ابن الربيع "، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر روايته في مسلم " مرارة بن ربيعة "، وما قالوا في اختلاف رواه مسلم. وما قالوه أيضا في روايته " العامري "، وأن صوابها " العمري " نسبة إلى بني عمرو بن عوف.]] وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة. [[في المطبوعة: " لي فيهما أسوة "، زاد من عنده ما ليس في المخطوطة، ولا في صحيح مسلم. وإنما هو من رواية البخاري، بغير هذا الإسناد.]] قال: فمضيت حين ذكروهما لي. [[" مضيت "، أي: أنفذت ما رأيت. من قولهم: " مضى في الأمر مضاء "، نفذ، و " أمضاه " أنفذه.]]

= ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة، [[قوله: " أيها الثلاثة "، أي: خصصنا بذلك دون سائر المعتذرين. وهذه اللفظة تقال في الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب، تقول: " أما أنا فأفعل هذا، أيها الرجل "، يعني نفسه. انظر ما سلف ٣: ١٤٧، تعليق: ١، في الخبر رقم: ٢١٨٢.]] من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنا الناسُ وتغيَّروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحدٌ، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: "هل حرك شفتيه بردّ السلام أم لا؟ "، ثم أصلي معه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبي قتادة = وهو ابن عمي، وأحبُّ الناس إليّ = فسلمت عليه، فوالله ما ردّ علي السلام! فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. قال: فعُدْت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتولَّيت حتى تسوَّرت الجدار.

= فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا بنبطيّ من نَبَط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له، حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فقرأته، فإذا فيه: "أما بعدُ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحق بنا نُوَاسِك".

= قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضًا من البلاء!! فتأمَّمتُ به التنُّور فسجرته به. [[" فتأممت "، وهكذا في المخطوطة أيضا، وفي رواية البخاري " فتيممت ". وأما في صحيح مسلم، " فتياممت "، وقال النووي: " هكذا هو في حميع النسخ ببلادنا، وهي لغة في: تيممت، ومعناها: قصدت ". وأما القاضي عياض، فقال في مشارق الأنوار (أمم) : " ومثله: فتيممت بها التنور، كذا رواه البخاري. ولمسلم: فتأممت، وكلاهما بمعنى، سهل الهمزة في رواية، وحققها في أخرى = أي: قصدت ".

ثم انظر تفسير " الأم " و " التأمم " في تفسير أبي جعفر فيما سلف ٥: ٥٥٨ / ٨: ٤٠٧ / ٩: ٤٧١.

وفي المطبوعة: " فتأممت به "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في مسلم والبخاري، إلا أن في مسلم " فسجرتها بها "، وفي البخاري: " فسجرته بها ". وأنث " بها "، إرادة لمعنى الصحيفة، وهي الكتاب، ثم رجع بالضمير إلى " الكتاب ".

" والتنور "، الكانون الذي يخبز فيه.

و" سجر التنور "، أوقده وأحماه وأشبع وقوده، وأراد: أنه زاد التنور التهابا، بإلقائه الصحيفة في ناره. وهذا كلام معجب، أراد به أن يسخر من رسالة ملك غسان إليه.]] حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، [[" استلبث "، أي: أبطأ وتأخر.]] إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلِّقها، أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. [[في المطبوعة: " تكوني عندهم "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم. وفي البخاري بغير هذا الإسناد: " فتكوني ".]]

= قال: فجاءت امرأة هلالٍ رسولَ الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدُمَه؟ فقال: لا ولكن لا يقرَبَنْكِ! قالت فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شيء! ووالله ما زال يبكي مُنْذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا! قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدُمه؟ قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابٌّ!

= فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. [[في صحيح مسلم " حين نهي عن كلامنا "، وضبط " نهي " بالبناء للمجهول، ورواية أبي جعفر، تصحح ضبطه بالبناء للمعلوم أيضا.]] قال: ثم صليت صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلة على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منّا، [[في المطبوعة: " التي ذكر الله عنا "، غير ما في المخطوطة، هو مطابق لما في صحيح مسلم، وهو العربي العريق.]] قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعتُ صوت صارخٍ أوْفى على جبل سَلْع، [[" أوفى عليه "، صعده وارتفع عليه، فأشرف على الوادي منه واطلع.]] يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرجٌ. قال: وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، [[" آذن " أعلم الناس بها. ورواية مسلم: " فآذن رسول الله ﷺ الناس "، والذي هنا مطابق لرواية البخاري، بغير هذا الإسناد.]] فذهب الناس يبشروننا، [[" ذهب "، سلف ما كتبته عن الاستعانة بقولهم: " ذهب " و " جعل ". انظر رقم: ١٧٤٢٩، ص: ٥٤١، تعليق ٣، والمراجع هناك.]] فذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسًا، وسعى ساعٍ من أسْلَم قِبَلي وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرعَ من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ. [[انظر ص: ٥٥٣، تعليق: ١.]]

فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة ويقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك! [[في المخطوطة والمطبوعة: " لتهنك "، وهي كذلك في رواية البخاري بغير هذا الإسناد، وفي صحيح مسلم المطبوع: " لتهنئك "، وذكره القاضي عياض في مشارق الأنوار (هنأ) فقال: " ولتهنك توبة الله، يهمز، ويسهل ". وقد ذكر صاحب لسان العرب (هنأ) أن العرب تقول: " ليهنئك الفارس " بجزم الهمزة، و " ليهنيك الفارس " بياء ساكنة، ولا يجوز " ليهنك " كما تقول العامة "، والذي قاله ونسبه للعامة، صواب لا شك فيه عندي.]] حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهَرول حتى صافحني، وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره = قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة [[قال الحافظ في الفتح: " قالوا: سبب ذلك أن النبي ﷺ كان آخى بينه وبين طلحة، لما آخى بين المهاجرين والأنصار. والذي ذكره أهل المغازي أنه كان أخا الزبير، لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين، فهو أخو أخيه ".]] = قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرُقُ وجهه من السرور: أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك! فقلت: أمن عندك، يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله! وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.

= قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. [[" انخلع من ماله "، أي: خرج من جميع ماله، وتعرى منه كما يتعرى إنسان إذا خلع ثوبه. وأراد: إخراجه متصدقا به.]] فقال رسول الله ﷺ: أمسك بعض مالك، فهو خيرٌ لك! قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإنّ من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيت! قال: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين ابتلاه الله في صِدْق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام، أحسن مما ابتلاني، [[" أبلاه " أي: أنعم عليه.]] والله ما تعمَّدت كِذْبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: ﴿لقد تابَ الله على النبي﴾ ، حتى بلغ: ﴿وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا﴾ ، إلى: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ .

= قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ قطُّ بعد أن هَدَاني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ، أن لا أكون كذبته، [[" أن لا أكون "، " لا " زائدة، كالتي في قوله تعالى: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة: الأعراف: ١٢] . انظر ما سلف في تفسير الآية ١٢: ٣٢٣ - ٣٢٥.]] فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شَرَّ ما قال لأحدٍ: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ ، إلى قوله: ﴿لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ، [سورة التوبة: ٩٥، ٩٦] .

= قال كعب: خُلِّفنا، أيها الثلاثة، [[في المطبوعة: " خلفنا " دون " كنا "، لم يحسن قراءة المخطوطة، وما أثبته مطابق لرواية مسلم في صحيحه.]] عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسول الله ﷺ توبتهم حين حَلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمْرَنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ ، وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا عن الغزو، [[في صحيح مسلم: " مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو "، والذي هنا وفي المخطوطة، مطابق لما فيه رواية البخاري بغير هذا الإسناد.]] إنما هو تخليفه إيّانا، [[في المطبوعة: " ختم الجملة بقوله: " فقبل منهم " بالجمع، خالف ما في المخطوطة، وهو مطابق لما في صحيح مسلم والبخاري.]] وإرجاؤه أمرَنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. [[الأثر: ١٧٤٤٧ - حديث كعب بن مالك، سيرويه أبو جعفر من طرق سأبينها بعد. أما روايته هذه من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، فهو إسناد مسلم في صحيحه ١٧: ٨٧، ٩٨، وانظر التعليق على الأخبار التالية. وانظر الأثرين السالفين رقم: ١٦١٤٧، ١٧٠٩١، والتعليق عليهما.]]

١٧٤٤٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك: أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِي = قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٤٤٨ - من هذه الطريق رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٨٦ - ٩٣) ، وأحمد في مسنده ٣: ٤٥٩، ٤٦٠، الحديث بطوله.]]

١٧٤٤٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبي ﷺ في غَزاة غَزاها إلا بدرًا، ولم يعاتب النبيُّ ﷺ أحدًا تخلف عن بدر، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٤٤٩ - من هذه الطريق، طريق معمر، رواه أحمد في مسنده ٦: ٣٨٧ - ٣٩٠. وانظر أيضا ما رواه أحمد في مسنده ٣: ٤٥٦، روايته من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، الحديث بطوله، وصحيح مسلم ١٧: ٩٨ - ١٠٠.]]

١٧٤٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، ثم السلمي، عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعب، وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره = قال: سمعت أبي كعبَ بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلفت عن رَسول الله ﷺ في غزوة غزاها، غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٤٥٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٧٥ - ١٨١، الحديث بطوله.]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين، معرِّفَهم سبيل النجاة من عقابه، والخلاصِ من أليم عذابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ، بالله ورسوله = ﴿اتقوا الله﴾ ، وراقبوه بأداء فرائضه، وتجنب حدوده = ﴿وكونوا﴾ ، في الدنيا، من أهل ولاية الله وطاعته، تكونوا في الآخرة = ﴿مع الصادقين﴾ ، في الجنة. يعني: مع من صَدَق اللهَ الإيمانَ به، فحقَّق قوله بفعله، ولم يكن من أهل النفاق فيه، الذين يكذِّب قيلَهم فعلُهم.

وإنما معنى الكلام: وكونوا مع الصادقين في الآخرة باتقاء الله في الدنيا، كما قال جل ثناؤه: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ [سورة النساء: ٦٩] .

* *

وإنما قلنا ذلك معنى الكلام، لأن كون المنافق مع المؤمنين غيرُ نافعه بأيّ وجوه الكون كان معهم، إن لم يكن عاملا عملهم. وإذا عمل عملهم فهو منهم، وإذا كان منهم، كان وجْهُ الكلام أن يقال: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، [[في المطبوعة: " كان لا وجه في الكلام أن يقال "، غير ما في المخطوطة، والذي فيها ما أثبته، وهو مستقيم صحيح. والذي جاء به من عنده مفسد للكلام.]] ولتوجيه الكلام إلى ما وجَّهنا من تأويله، فسَّر ذلك من فسَّره من أهل التأويل بأن قال: معناه: وكونوا مع أبي بكر وعمر، أو: مع النبي ﷺ، والمهاجرين رحمة الله عليهم.

* *

ذكر من قال ذلك أو غيره في تأويله:

١٧٤٥١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم، عن نافع في قول الله: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، قال: مع النبي ﷺ وأصحابه.

١٧٤٥٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبويه أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن زيد بن أسلم، عن نافع قال: قيل للثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، محمدٍ وأصحابه.

١٧٤٥٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، عن عبد الرحمن المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ ، قال: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما، رحمةُ الله عليهم.

١٧٤٥٤-...... قال، حدثنا محمد بن يحيى قال، حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم الرمّاني، عن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، قال: مع أبي بكر وعمر، رحمة الله عليهما. [[الأثر: ١٧٤٥٤ - " أبو هاشم الرماني " ثقة، روى له الجماعة. مختلف في اسمه، مضى برقم: ١٠٨١٨.]]

١٧٤٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ ، قال: مع المهاجرين الصادقين.

* *

وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه يقرؤه: ﴿وَكُونُوا مِن الصَّادِقينَ﴾ ، ويتأوّله: أنّ ذلك نَهْىٌ من الله عن الكذب.

ذكر الرواية عنه بذلك:

١٧٤٥٦- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول: قال ابن مسعود: إن الكذب لا يحلُّ منه جدٌّ ولا هزلٌ، اقرءوا إن شئتم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، قال: وكذلك هي قراءة ابن مسعود: ﴿من الصادقين﴾ ، فهل ترون في الكذب رُخْصَة؟

١٧٤٥٧-...... قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة، عن عبد الله، نحوه.

١٧٤٥٨-...... قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا عبيدة يحدِّث عن عبد الله قال: الكذب لا يصلح منه جدٌّ ولا هزل، اقرءوا إن شئتم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ = وهي كذلك في قراءه عبد الله = فهل ترون من رخصة في الكذب؟

١٧٤٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله قال: لا يصلح الكذب في هزلٍ ولا جدٍّ. ثم تلا عبد الله: ﴿اتقوا الله وكونوا﴾ ، ما أدري أقال: ﴿من الصادقين﴾ أو ﴿مع الصادقين﴾ ، وهو في كتابي: ﴿مع الصادقين﴾ .

١٧٤٦٠-...... قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، مثله.

١٧٤٦١-...... قال، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، مثله.

* *

قال أبو جعفر: والصحيح من التأويل في ذلك، هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك. وذلك أنّ رسوم المصاحف كلّها مجمعة على: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ ، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحدٍ القراءةَ بخلافها.

* *

وتأويل عبد الله، رحمة الله عليه، في ذلك على قراءته، تأويلٌ صحيح، غير أن القراءة بخلافها.

القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يكن لأهل المدينة، مدينة رسول الله ﷺ = ﴿ومن حولهم من الأعراب﴾ ، سُكّان البوادي، الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهم من أهل الإيمان به، أن يتخلفوا في أهاليهم ولا دارٍ لهم، [[في المطبوعة: " ولا دارهم "، وأثبت ما في المخطوطة.]] ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه في صحبته في سفره والجهاد معه، ومعاونته على ما يعانيه في غزوه ذلك. [[انظر تفسير " رغب " فيما سلف ٣: ٨٩.]] يقول: إنه لم يكن لهم هذا = ﴿بأنهم﴾ ، من أجل أنهم، وبسبب أنهم = ﴿لا يصيبهم﴾ ، في سفرهم إذا كانوا معه = ﴿ظمأ﴾ ، وهو العطش = ﴿ولا نصب﴾ ، يقول: ولا تعب = ﴿ولا مخمصة في سبيل الله﴾ ، يعني: ولا مجاعة في إقامة دين الله ونصرته، وهدْم مَنَار الكفر [[انظر تفسير " المخمصة " فيما سيأتي ص: ٥٦٤، تعليق: ١.

= وتفسير " سبيل الله " فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] = ﴿ولا يطئون موطئًا﴾ ، يعني: أرضًا، يقول: ولا يطأون أرضًا = ﴿يغيظ الكفار﴾ ، وطؤهم إياها [[انظر تفسير " الغيظ " فيما سلف ٧: ٢١٥ / ١١٤: ١٦.]] = ﴿ولا ينالون من عدوّ نيلا﴾ ، يقول: ولا يصيبون من عدوّ الله وعَدُوّهم شيئًا في أموالهم وأنفسهم وأولادهم = إلا كتب الله لهم بذلك كله، ثوابَ عمل صالح قد ارتضاه [[انظر تفسير " كتب " فيما سلف من فهارس اللغة (كتب) .]] = ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ، يقول: إن الله لا يدع محسنًا من خلقه أحسن في عمله فأطاعه فيما أمره، وانتهى عما نهاه عنه، أن يجازيه على إحسانه، ويثيبه على صالح عمله. [[انظر تفسير " المحسن " فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) .]] فلذلك كتبَ لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ما ذكر في هذه الآية، الثوابَ على كلّ ما فعل، فلم يضيِّع له أجرَ فعله ذلك.

* *

وقد اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية.

* *

فقال بعضهم: هي محكمة، وإنما كان ذلك لرسول الله ﷺ خاصة، لم يكن لأحدٍ أن يتخلف إذا غزا خِلافَه فيقعد عنه، إلا من كان ذا عُذْرٍ. فأما غيره من الأئمة والولاة، فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلَّف خلافه، إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٦٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ ، هذا إذا غزا نبيُّ الله بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف. ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: لولا أن أشقَّ على أمتي ما تخلَّفت خلف سريّة تغزو في سبيل الله، لكني لا أجد سَعةً، فأنطلق بهم معي، ويشقّ علي = أو: أكره = أن أدعهم بعدي.

١٧٤٦٣- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والفزاري، والسبيعي، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، إلى آخر الآية، إنها لأوّل هذه الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله.

* *

وقال آخرون هذه الآية: نزلت وفي أهل الإسلام قلة، فلما كثروا نسخها الله، وأباح التخلف لمن شاء، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ١٢٢]

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٦٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ ، قال: هذا حين كان الإسلام قليلا فلما كثر الإسلام بعدُ قال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، إلى آخر الآية.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٩٠] . ثم قال جل ثناؤه: ﴿ما كان لأهل المدينة﴾ ، الذين تخلفوا عن رسول الله، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه، أن يتخلفوا خِلافَه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. وذلك أن رسول الله ﷺ كان ندب في غزوته تلك كلَّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص، إلا من أذن له، أو أمره بالمقام بعده. فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلُّف. فعدّد جل ثناؤه من تخلف منهم، فأظهر نفاقَ من كان تخلُّفه منهم نفاقًا، وعذر من كان تخلفه لعُذْرٍ، وتاب على من كان تخلُّفه تفريطًا من غير شك ولا ارتياب في أمر الله، إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل. فأما التخلف عنه في حال استغنائه، فلم يكن محظورًا، إذا لم يكن عن كراهةٍ منه ﷺ ذلك. وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم. فليس بفرضٍ على جميعهم النهوضُ معه، إلا في حال حاجته إليهم، لما لا بُدَّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم، فيلزمهم حينئذ طاعته.

وإذا كان ذلك معنى الآية، لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخةً للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافيةً حكم الأخرى من كل وجوهه، ولا جاء خبر يوجِّه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى.

* *

وقد بينا معنى "المخمصة"، وأنها المجاعة بشواهده، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك في موضعٍ غير هذا، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. [[انظر تفسير " المخمصة " فيما سلف ٩: ٥٣٢ - ٥٣٤.]]

* *

وأما "النيل"، فهو مصدر من قول القائل: "نالني ينالني"، و"نلت الشيء فهو مَنيل". وذلك إذا كنت تناله بيدك، وليس من "التناول". وذلك أن "التناول" من "النوال"، يقال منه: "نُلْتُ له، أنول له"، من العطيّة.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: "النيل" مصدر من قول القائل: "نالني بخير ينولني نوالا"، و"أنالني خيرًا إنالةً". وقال: كأن "النيل" من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو. وليس ذلك بمعروف في كلام العرب، بل من شأن العرب أن تصحِّح الواو من ذوات الواو، إذا سكنت وانفتح ما قبلها، كقولهم: "القَوْل"، و"العَوْل"، و"الحول"، ولو جاز ما قال، لجاز "القَيْل". [[انظر تفسير " النيل " فيما سلف ٣: ٢٠ / ٦: ٥٨٧ / ١٢: ٤٠٨، ٤٦٩ / ١٣: ١٣٣ ولم يفسر " النيل " فيما سلف بمثل هذا البيان في هذا الموضع. وهذه ملاحظة نافعة في استخراج المنهج الذي ألف به أبو جعفر تفسيره هذا.]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com