John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah At-Tawba

Tafsir al-Tabari · The Repentance · 129 ayat · ayat 121–129 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ"، وسائر ما ذكر = ﴿ولا ينالون من عدوٍّ نيلا﴾ = ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ ، في سبيل الله [[لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة: " ولا كبيرة "، وزدتها لأنها حق الكلام.]] = ﴿ولا يقطعون﴾ ، مع رسول الله في غزوه = ﴿واديًا﴾ إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاءً لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم، كما:-

١٧٤٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ ، الآية، قال: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بُعْدًا إلا ازدادوا من الله قربًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعًا. [[انظر تفسير " النفر " فيما سلف ٨: ٥٣٦ / ١٤: ٢٥٤، ٣٩٩.]]

* *

وقد بينا معنى "الكافة" بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير " الكافة " فيما سلف ٤: ٢٥٧، ٢٥٨ / ١٤: ٢٤٢.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية، وما "النفر"، الذي كرهه لجميع المؤمنين؟

فقال بعضهم: وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله ﷺ يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، انصرفوا عن البادية إلى النبي ﷺ، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه، وممن عُنِي بالآية. فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، وكره انصرافَ جميعهم من البادية إلى المدينة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، قال: ناسٌ من أصحاب محمد ﷺ، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يبتغون الخير = ﴿ليتفقهوا﴾ ، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم = ﴿ولينذروا قومهم﴾ ، الناس كلهم = ﴿إذا رجعوا اللهم لعلهم يحذرون﴾ .

١٧٤٦٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال في حديثه: فقال الله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، خرج بعض، وقعد بعضٌ يبتغون الخير.

١٧٤٦٨-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحو حديثه عن أبي حذيفة.

١٧٤٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة = غير أنه قال في حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم! وقال: ﴿ليتفقهوا﴾ ، ليسمعوا ما في الناس.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوّهم، ويتركوا نبيهم ﷺ وحده، كما:-

١٧٤٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، قال: ليذهبوا كلهم = فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة = ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، ليتفقه المتخلفون مع النبي ﷺ في الدين = ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النبي ﷺ وحده = ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يعني عصبة، يعني السرايا، ولا يتَسرَّوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي ﷺ، قالوا: "إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا، وقد تعلمناه". فيمكث السرايا يتعلَّمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، [ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه] ، [[ما بين القوسين، ليس في المخطوطة، وزاده ناشر المطبوعة من الدر المنثور ٣: ٢٩٢، فيما أرجح.]] ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون. [[كان في المطبوعة: " ويعلمونه "، وفي الدر: " ويعلموه "، وفي المخطوطة: " ويعلموا " عطفا على قوله: " ليفقهوا ".]]

١٧٤٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، قال: هذا إذا بعث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرهم أن لا يُعَرُّوا نبيه، وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.

١٧٤٧٣- حدثنا الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، الآية، كان نبي الله إذا غزا بنفسه لم يحلَّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا، لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن، تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه. فإذا رجعت السرية، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: "إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا"، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، يقول: إذا أقام رسول الله ﷺ = ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعد، ولكن إذا قعد نبيُّ الله، تسرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم، ولكنهم منافقون. ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون، لنفر بعضٌ ليتفقه في الدين، ولينذر قومه إذا رجع إليهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مُضَر بالسِّنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تُقْبل بأسرها حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهْد، ويعتلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيَّقوا على أصحاب النبي ﷺ وأجهدوهم، وأنزل الله يخبر رسول الله ﷺ أنهم ليسوا مؤمنين، فردّهم رسول الله عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ .

* *

وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالثٌ، وهو ما:-

١٧٤٧٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، قال: كان ينطلق من كل حيّ من العرب عصابةٌ، فيأتون النبي ﷺ، فيسألونه عما يريدونه من دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله، وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم؟ قال: فيأمرهم نبيّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: "إن من أسلم فهو منَّا"، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرِّف أباه وأمه. وكان رسول الله ﷺ يخبرهم وينذرون قومهم. [[هكذا جاءت هذه الجملة في المخطوطة والمطبوعة، وهي جملة غريبة التركيب، أخشى أن يكون سقط منها شيء]] فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة.

* *

وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزرَوْا بأعراب المسلمين وغيرهم، [[في المطبوعة: " بأعراب المسلمين وعزروهم "، والصواب ما في المخطوطة.]] في تخلُّفهم خِلاف رسول الله ﷺ، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ، إلى: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ، قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف! فنزلت: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ ، الآية [سورة الشورى: ١٦] .

١٧٤٧٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: سمعته يقول: لما نزلت: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [سورة التوبة: ٣٩] ، و ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ﴾ ، إلى قوله: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ ، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه! وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو، إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ ، الآية.

* *

واختلف الذين قالوا: "عُنى بذلك النهيُ عن نَفْر الجميع في السرية، وترك النبيّ عليه السلام وحده" في المعنيِّين بقوله: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ .

فقال بعضهم: عُنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله ﷺ. وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد، ليتفقه المتخلفون في الدين، ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم؟ وذلك قول قتاده، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه، من رواية سعيد بن أبي عروبة، [[انظر ما سلف رقم: ١٧٤٧٢.]] وقد:-

١٧٤٧٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ الآية، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله = ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.

١٧٤٧٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، قالا كافة، ويَدَعوا النبيَّ ﷺ.

* *

وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة، وتحذر النافرةُ المتخلفةَ.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٨٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ ، قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يُريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهادٍ وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله ﷺ وحيدًا. ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب = وهي الفرقة [[انظر تفسير " الفريق " و " الفرقة " فيما سلف: ص: ٥٣٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿طائفة﴾ ، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، [[انظر تفسير " طائفة " فيما سلف: ص: ٤٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما قال الله جل ثناؤه: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يقول: فهلا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة؟ [[انظر تفسير " لولا " فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وهذا إلى هاهنا، على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة.

وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله ﷺ على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول ﷺ، ومن الأعراب، لغير عذر يُعذرون به، إذا خرج رسول الله لغزوٍ وجهادِ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، فكان معلومًا بذلك = إذْ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازمَ لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه في حال غزو رسول الله ﷺ، وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خِلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم = أن يكون عَقِيب تعريفهم ذلك، تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله ﷺ بمدينته، وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.

* *

وأما قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، [[انظر تفسير " التفقه " فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهلَ دينه وأصحابَ رسوله، على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من مُعاينته حقيقةَ علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك = إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم = ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، [[انظر تفسير " الحذر " فيما سلف ١٠: ٥٧٥ / ١٤: ٣٣١.]] يقول: لعل قومهم، إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبِروا خبرَهم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه، [[انظر ما سلف رقم: ١٧٤٨٠.]] لأن "النفر" قد بينا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء، أنَّ الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو. [[انظر ما سلف ص: ٢٥١ - ٢٥٦.]] فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل ثناؤه قال: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ ، علم أن قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ ، إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام.

* *

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟

قيل: ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أن نَفْر الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه.

* *

وبعدُ، فإنه قال جل ثناؤه: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، عطفًا به على قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدّم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ، فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفةَ النافرةَ، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقَّهما بأن يوصف به، الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به، ما لم تعاين المقيمة. ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تنذر من حَيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه: أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: "ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ"، وسائر ما ذكر = ﴿ولا ينالون من عدوٍّ نيلا﴾ = ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ ، في سبيل الله [[لم يكن في المخطوطة ولا المطبوعة: " ولا كبيرة "، وزدتها لأنها حق الكلام.]] = ﴿ولا يقطعون﴾ ، مع رسول الله في غزوه = ﴿واديًا﴾ إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاءً لهم عليه، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم، كما:-

١٧٤٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ ، الآية، قال: ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بُعْدًا إلا ازدادوا من الله قربًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعًا. [[انظر تفسير " النفر " فيما سلف ٨: ٥٣٦ / ١٤: ٢٥٤، ٣٩٩.]]

* *

وقد بينا معنى "الكافة" بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير " الكافة " فيما سلف ٤: ٢٥٧، ٢٥٨ / ١٤: ٢٤٢.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بهذه الآية، وما "النفر"، الذي كرهه لجميع المؤمنين؟

فقال بعضهم: وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية، بعثهم رسول الله ﷺ يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، انصرفوا عن البادية إلى النبي ﷺ، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه، وممن عُنِي بالآية. فأنزل الله في ذلك عذرهم بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، وكره انصرافَ جميعهم من البادية إلى المدينة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٦٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، قال: ناسٌ من أصحاب محمد ﷺ، خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا! فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ، فقال الله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يبتغون الخير = ﴿ليتفقهوا﴾ ، وليسمعوا ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم = ﴿ولينذروا قومهم﴾ ، الناس كلهم = ﴿إذا رجعوا اللهم لعلهم يحذرون﴾ .

١٧٤٦٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال في حديثه: فقال الله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، خرج بعض، وقعد بعضٌ يبتغون الخير.

١٧٤٦٨-...... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحو حديثه عن أبي حذيفة.

١٧٤٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث المثنى عن أبي حذيفة = غير أنه قال في حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم! وقال: ﴿ليتفقهوا﴾ ، ليسمعوا ما في الناس.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا إلى عدوّهم، ويتركوا نبيهم ﷺ وحده، كما:-

١٧٤٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، قال: ليذهبوا كلهم = فلولا نفر من كل حي وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة = ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، ليتفقه المتخلفون مع النبي ﷺ في الدين = ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.

* *

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا، ويتركوا النبي ﷺ وحده = ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يعني عصبة، يعني السرايا، ولا يتَسرَّوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي ﷺ، قالوا: "إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآنا، وقد تعلمناه". فيمكث السرايا يتعلَّمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، [ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه] ، [[ما بين القوسين، ليس في المخطوطة، وزاده ناشر المطبوعة من الدر المنثور ٣: ٢٩٢، فيما أرجح.]] ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون. [[كان في المطبوعة: " ويعلمونه "، وفي الدر: " ويعلموه "، وفي المخطوطة: " ويعلموا " عطفا على قوله: " ليفقهوا ".]]

١٧٤٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، قال: هذا إذا بعث نبيُّ الله الجيوشَ، أمرهم أن لا يُعَرُّوا نبيه، وتقيم طائفة مع رسول الله ﷺ تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.

١٧٤٧٣- حدثنا الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، الآية، كان نبي الله إذا غزا بنفسه لم يحلَّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا، لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن، تلاه نبي الله على أصحابه القاعدين معه. فإذا رجعت السرية، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: "إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا"، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، يقول: إذا أقام رسول الله ﷺ = ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبيُّ الله قاعد، ولكن إذا قعد نبيُّ الله، تسرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم، ولكنهم منافقون. ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون، لنفر بعضٌ ليتفقه في الدين، ولينذر قومه إذا رجع إليهم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، فإنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ﷺ على مُضَر بالسِّنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تُقْبل بأسرها حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهْد، ويعتلُّوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيَّقوا على أصحاب النبي ﷺ وأجهدوهم، وأنزل الله يخبر رسول الله ﷺ أنهم ليسوا مؤمنين، فردّهم رسول الله عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ .

* *

وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول ثالثٌ، وهو ما:-

١٧٤٧٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، قال: كان ينطلق من كل حيّ من العرب عصابةٌ، فيأتون النبي ﷺ، فيسألونه عما يريدونه من دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله: ما تأمرنا أن نفعله، وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم؟ قال: فيأمرهم نبيّ الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: "إن من أسلم فهو منَّا"، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليعرِّف أباه وأمه. وكان رسول الله ﷺ يخبرهم وينذرون قومهم. [[هكذا جاءت هذه الجملة في المخطوطة والمطبوعة، وهي جملة غريبة التركيب، أخشى أن يكون سقط منها شيء]] فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة.

* *

وقال آخرون: إنما هذا تكذيب من الله لمنافقين أزرَوْا بأعراب المسلمين وغيرهم، [[في المطبوعة: " بأعراب المسلمين وعزروهم "، والصواب ما في المخطوطة.]] في تخلُّفهم خِلاف رسول الله ﷺ، وهم ممن قد عذره الله بالتخلف.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٧٦- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ، إلى: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ، قال ناس من المنافقين: هلك من تخلف! فنزلت: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، إلى: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ ، الآية [سورة الشورى: ١٦] .

١٧٤٧٧- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة قال، حدثنا سليمان الأحول، عن عكرمة، قال: سمعته يقول: لما نزلت: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما﴾ [سورة التوبة: ٣٩] ، و ﴿مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ﴾ ، إلى قوله: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ ، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه! وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو، إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ ، الآية.

* *

واختلف الذين قالوا: "عُنى بذلك النهيُ عن نَفْر الجميع في السرية، وترك النبيّ عليه السلام وحده" في المعنيِّين بقوله: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ .

فقال بعضهم: عُنى به الجماعة المتخلفة مع رسول الله ﷺ. وقالوا: معنى الكلام: فهلا نفر من كل فرقة طائفة للجهاد، ليتفقه المتخلفون في الدين، ولينذروا قومهم الذين نفروا في السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم؟ وذلك قول قتاده، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه، من رواية سعيد بن أبي عروبة، [[انظر ما سلف رقم: ١٧٤٧٢.]] وقد:-

١٧٤٧٨- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ الآية، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبي الله = ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، يقول: لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.

١٧٤٧٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، قالا كافة، ويَدَعوا النبيَّ ﷺ.

* *

وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة، وتحذر النافرةُ المتخلفةَ.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٨٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ ، قال: ليتفقه الذين خرجوا، بما يُريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يقال: تأويلُه: وما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا رسول الله ﷺ وحده، وأن الله نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا في غزو وجهادٍ وغير ذلك من أمورهم، ويدعوا رسول الله ﷺ وحيدًا. ولكن عليهم إذا سَرَّى رسول الله سرية أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب = وهي الفرقة [[انظر تفسير " الفريق " و " الفرقة " فيما سلف: ص: ٥٣٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿طائفة﴾ ، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، [[انظر تفسير " طائفة " فيما سلف: ص: ٤٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] كما قال الله جل ثناؤه: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ ، يقول: فهلا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة؟ [[انظر تفسير " لولا " فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وهذا إلى هاهنا، على أحد الأقوال التي رويت عن ابن عباس، وهو قول الضحاك وقتادة.

وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله ﷺ على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول ﷺ، ومن الأعراب، لغير عذر يُعذرون به، إذا خرج رسول الله لغزوٍ وجهادِ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ ، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ ، فكان معلومًا بذلك = إذْ كان قد عرّفهم في الآية التي قبلها اللازمَ لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه في حال غزو رسول الله ﷺ، وشخوصه عن مدينته لجهاد عدوّ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خِلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم = أن يكون عَقِيب تعريفهم ذلك، تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله ﷺ بمدينته، وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم.

* *

وأما قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، [[انظر تفسير " التفقه " فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهلَ دينه وأصحابَ رسوله، على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من مُعاينته حقيقةَ علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان، من لم يكن فقهه، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك = إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم = ﴿لعلهم يحذرون﴾ ، [[انظر تفسير " الحذر " فيما سلف ١٠: ٥٧٥ / ١٤: ٣٣١.]] يقول: لعل قومهم، إذا هم حذروهم ما عاينوا من ذلك، يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله، حذرًا أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبِروا خبرَهم.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصري الذي رويناه عنه، [[انظر ما سلف رقم: ١٧٤٨٠.]] لأن "النفر" قد بينا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء، أنَّ الأغلب من استعمال العرب إياه في الجهاد والغزو. [[انظر ما سلف ص: ٢٥١ - ٢٥٦.]] فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه، وكان جل ثناؤه قال: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ ، علم أن قوله: ﴿ليتفقهوا﴾ ، إنما هو شرط للنفر لا لغيره، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام.

* *

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون معناه: ليتفقه المتخلِّفون في الدين؟

قيل: ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أن نَفْر الطائفة النافرة، لو كان سببًا لتفقه المتخلفة، وجب أن يكون مقامها معهم سببًا لجهلهم وترك التفقه، وقد علمنا أن مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سببًا لمنعهم من التفقه.

* *

وبعدُ، فإنه قال جل ثناؤه: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ ، عطفًا به على قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ ، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلا والإنذار قد تقدّم من الله إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ، فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفةَ النافرةَ، وقد تساوتا في المعرفة بإنذار الله إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى، لكان أحقَّهما بأن يوصف به، الطائفة النافرة، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به، ما لم تعاين المقيمة. ولكن ذلك إن شاء الله كما قلنا، من أنها تنذر من حَيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه: أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك.

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: "يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، قاتلوا من وليكم من الكفار دون من بَعُد منهم. [[انظر تفسير " ولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] يقول لهم: ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا، دون الأبعد فالأبعد. وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ، الروم، لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ، والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق. فأما بعد أن فتح الله على المؤمنين البلاد، فإن الفرض على أهل كل ناحية، قتالُ من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحي بلاد الإسلام، فإن اضطروا إليهم، لزمهم عونهم ونصرهم، لأن المسلمين يدٌ على من سواهم.

* *

ولصحة كون ذلك كذلك، تأوّل كلُّ من تأوّل هذه الآية، أنّ معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتالَ من وليهم من الأعداء.

ذكر الرواية بذلك:

١٧٤٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن رجل من بني تميم قال، سألت ابن عمر عن قتال الديلم قال: عليك بالروم! [[الأثر: ١٧٤٨١ - " شبيب بن غرقدة البارقي "، والمشهور " السلمي "، مضى برقم: ٣٠٠٨، ٣٠٠٩، وهو تابعي ثقة. وهكذا جاء في المخطوطة كما أثبته، ولكن ناشر المطبوعة كتبه هكذا " عن شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي، عن رجل من بني تميم "، وهو لا يصح أبدا، لأن " عروة البارقي "، هو: " عروة بن أبي الجعد البارقي "، وهو صحابي معروف، مضى أيضا برقم: ٣٠٠٨. والذي حدث هناك أيضا أنه زاد في الإسناد " عروة "، واستظهر أخي أنه زيادة في الإسناد، وهو الصواب، ويؤيده ما حدث في هذا الموضع، من ناسخ أو ناشر. وعذره فيما أظن شهرة " شبيب بن غرقدة " أنه " السلمي "، وأنه يروي عن " عروة البارقي "، فلما رأى " شبيب بن غرقدة البارقي "، ظن أنه خطأ في الإسناد فأضاف " عن عروة " بين " غرقدة "، و " البارقي ".]]

١٧٤٨٢- حدثنا ابن بشار، وأحمد بن إسحاق، وسفيان بن وكيع قالوا، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن يونس، عن الحسن: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ ، قال: الديلم.

١٧٤٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن: أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم، تلا هذه الآية: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ .

١٧٤٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب قال، حدثنا عمران أخي قال: سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقلت: ما ترى في قتال الديلم؟ فقال: قاتلوهم ورابطوهم، فإنهم من الذين قال الله: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ . [[الأثر: ١٧٤٨٤ - " يعقوب بن عبد الله القمي "، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٦٩٦٠.

وهو يروي عن أخويه: " عبد الرحمن، وعمران "، ولم أجد لأخيه " عمران " ترجمة.]]

١٧٤٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن الربيع، عن الحسن: أنه سئل عن الشأم والديلم، فقال: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ ، الديلم.

١٧٤٨٦- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا الوليد قال، سمعت أبا عمرو، وسعيد بن عبد العزيز يقولان: يرابط كل قوم ما يليهم من مَسَالحهم وحصونهم، ويتأوَّلان قول الله: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ .

١٧٤٨٧- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار﴾ ، قال: كان الذين يلونهم من الكفار العربُ، فقاتلهم حتى فرغ منهم. فلما فرغ قال الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، حتى بلغ، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ، [سورة التوبة: ٢٩] . قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب، أمره بجهاد أهل الكتاب. قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند الله.

* *

وأما قوله: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ ، فإن معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم = ﴿فيكم﴾ ، أي: منكم شدةً عليهم [[انظر تفسير " الغلظة " فيما سلف ٧: ٣٤١ / ١٤: ٣٦٠.]] = ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ ، يقول: وأيقنوا، عند قتالكم إياهم، أن الله معكم، وهو ناصركم عليهم، فإن اتقيتم الله وخفتموه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن الله ناصر من اتقاه ومعينه.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن على نبيه محمد ﷺ، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله في هذه السورة من يقول: أيها الناس، أيكم زادته هذه السورة إيمانًا؟ يقول: تصديقًا بالله وبآياته. يقول الله: ﴿فأما الذين آمنوا﴾ ، من الذين قيل لهم ذلك = ﴿فزادتهم﴾ ، السورة التي أنزلت = ﴿إيمانا﴾ ، وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين. [[انظر تفسير " استبشر " فيما سلف ٧: ٣٩٦.]]

* *

فإن قال قائل: أو ليس "الإيمان"، في كلام العرب، التصديق والإقرارُ؟ [[انظر تفسير " الإيمان " فيما سلف من فهارس اللغة (أمن) .]] قيل: بلى!

فإن قيل: فكيف زادتهم السورة تصديقًا وإقرارًا؟

قيل: زادتهم إيمانًا حين نزلت، لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن لزمهم فرضُ الإقرار بها والعمل بها بعينها، إلا في جملة إيمانهم بأن كل ما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله فحقٌّ. فلما أنزل الله السورة، لزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه، فكان ذلك هو الزيادة التي زادتهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٨٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا﴾ ، قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها، فزادهم الله إيمانًا وتصديقًا، وكانوا يستبشرون.

١٧٤٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿فزادتهم إيمانًا﴾ ، قال: خشيةً.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾ ، نفاق وشك في دين الله، [[انظر تفسير " المرض " فيما سلف ١: ٢٧٨ - ٢٨١ / ١٠: ٤٠٤ / ١٤: ١٢.]] فإن السورة التي أنزلت = ﴿زادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾ ، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، فلم يؤمنوا بها ولم يصدّقوا، فكان ذلك زيادة شكٍّ حادثةٍ في تنزيل الله، لزمهم الإيمان به عليهم، بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة نَتْنٍ من أفعالهم، إلى ما سلف منهم نظيره من النتن والنفاق. وذلك معنى قوله: ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾ [[انظر تفسير " الرجس " فيما سلف ص: ٤٢٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك]] = ﴿وماتوا﴾ ، يعني: هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا = ﴿وهم كافرون﴾ ، يعني: وهم كافرون بالله وآياته.

القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءه قوله: ﴿أولا يرون﴾ .

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿أو لا يرون﴾ ، بالياء، بمعنى: أو لا يرى هؤلاء الذين في قلوبهم مرضُ النفاق؟

وقرأ ذلك حمزة: ﴿أَوَ لا تَرَوْنَ﴾ ، بالتاء، بمعنى: أو لا ترون أنتم، أيها المؤمنون، أنهم يفتنون؟

قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القراءة في ذلك، الياءُ، على وجه التوبيخ من الله لهم، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه، وصحة معناه.

* *

فتأويل الكلام إذًا: أو لا يرى هؤلاء المنافقون أنَّ الله يختبرهم في كل عام مرة أو مرتين، بمعنى أنه يختبرهم في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ثم لا يتوبون﴾ ، يقول: ثم هم مع البلاء الذي يحلّ بهم من الله، والاختبار الذي يعرض لهم، لا ينيبون من نفاقهم، ولا يتوبون من كفرهم، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيتعظوا بها، ولكنهم مصرُّون على نفاقهم؟

واختلف أهل التأويل في معنى "الفتنة" التي ذكر الله في هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها.

فقال بعضهم: ذلك اختبارُ الله إياهم بالقحط والشدة.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٩٠- حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: بالسَّنة والجوع.

١٧٤٩١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يفتنون﴾ ، قال: يبتلون = ﴿في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: بالسنة والجوع.

١٧٤٩٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: يبتلون بالعذاب في كل عام مرة أو مرتين.

١٧٤٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: بالسنة والجوع.

* *

وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بالغزو والجهاد.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أوَ لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: يبتلون بالغزو في سبيل الله في كل عام مرة أو مرتين.

١٧٤٩٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، مثله.

* *

وقال آخرون: بل معناه: أنهم يختبرون بما يُشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله ﷺ وأصحابه، فيفتتن بذلك الذين في قلوبهم مرض.

ذكر من قال ذلك:

١٧٤٩٦- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن أبي الضحى، عن حذيفة: ﴿أوَ لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ ، قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئامٌ من الناس كثير.

١٧٤٩٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن أبي الضحى، عن حذيفة، قال: كان لهم في كل عام كذبة أو كذبتان.

* *

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله عجَّب عبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووبَّخ المنافقين في أنفسهم بقلّة تذكرهم، وسوء تنبههم لمواعظ الله التي يعظهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظُ الشدائدَ التي ينزلها بهم من الجوع والقحط = وجائزٌ أن تكون ما يريهم من نُصرة رسوله على أهل الكفر به، ويرزقه من إظهار كلمته على كلمتهم = وجائزٌ أن تكون ما يظهر للمسلمين من نفاقهم وخبث سرائرهم، بركونهم إلى ما يسمعون من أراجيف المشركين برسول الله ﷺ وأصحابه = ولا خبر يوجب صحةَ بعض ذلك دون بعض، من الوجه الذي يجب التسليم له. ولا قول في ذلك أولى بالصواب من التسليم لظاهر قول الله وهو: أو لا يرون أنهم يختبرون في كل عام مرة أو مرتين، بما يكون زاجرًا لهم، ثم لا ينزجرون ولا يتعظون؟

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ ، من القرآن، فيها عيبُ هؤلاء المنافقين الذين وصفَ جل ثناؤه صفتهم في هذه السورة، وهم عند رسول الله ﷺ = ﴿نظر بعضهم إلى بعض﴾ ، فتناظروا = ﴿هل يراكم من أحد﴾ ، إن تكلمتم أو تناجيتم بمعايب القوم يخبرهم به، ثم قاموا فانصرفوا من عند رسول الله ﷺ، ولم يستمعوا قراءة السورة التي فيها معايبهم. ثم ابتدأ جل ثناؤه قوله: ﴿صرف الله قلوبهم﴾ ، فقال: صرف الله عن الخير والتوفيق والإيمان بالله ورسوله قلوبَ هؤلاء المنافقين [[انظر تفسير " الصرف " فيما سلف ٣: ١٩٤ / ١١: ٢٨٦ / ١٣: ١١٢.]] = ﴿ذلك بأنهم قوم لا يفقهون﴾ ، يقول: فعل الله بهم هذا الخذلان، وصرف قلوبهم عن الخيرات، من أجل أنهم قوم لا يفقهون عن الله مواعظه، استكبارًا، ونفاقا. [[انظر تفسير " الفقه " فيما سلف ص: ٥٧٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

واختلف أهل العربية في الجالب حرفَ الاستفهام.

فقال بعض نحويي البصرة، قال: ﴿نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد﴾ ، كأنه قال: "قال بعضهم لبعض"، لأن نظرهم في هذا المكان كان إيماءً وشبيهًا به، [[في المطبوعة " وتنبيها به "، وصواب قراءته ما أثبت.]] والله أعلم.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: إنما هو: وإذا ما أنزلت سورة قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ وقال آخر منهم: هذا "النظر" ليس معناه "القول"، ولكنه النظر الذي يجلب الاستفهام، كقول العرب: "تناظروا أيهم أعلم"، و"اجتمعوا أيهم أفقه"، أي: اجتمعوا لينظروا = فهذا الذي يجلب الاستفهام.

* *

١٧٤٩٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: لا تقولوا: "انصرفنا من الصلاة"، فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: "قد قضينا الصلاة".

١٧٤٩٩-...... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمير بن تميم الثعلبي، عن ابن عباس قال: لا تقولوا: "انصرفنا من الصلاة"، فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم. [[الأثر: ١٧٤٩٩ - " عمير بن تميم الثعلبي "، هكذا في المخطوطة أيضا، لم أجد له ترجمة في غير الجرح والتعديل ٣ / ١ / ٣٧٨ في " عمير بن قميم الثعلبي " بالقاف. وقال المعلق إنه في إحدى النسخ " عمير بن قثم التغلبي ". وفي الثقات والكنى للدولابي " بن تميم ". وقال ابن أبي حاتم: (قال يحيى بن سعيد، وأبو نعيم، هو " أبو هلال الطائي "، وقال وكيع: هو " أبو تهلل ". روى عن ابن عباس، روى عنه أبو إسحاق الهمداني، ويونس بن أبي إسحاق، سمعت أبي يقول ذلك) .]]

١٧٥٠٠-...... قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: لا تقولوا: "انصرفنا من الصلاة"، فإن قومًا انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: "قد قضينا الصلاة".

١٧٥٠١-...... حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض﴾ ، الآية، قال: هم المنافقون.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-

١٧٥٠٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد﴾ ، ممن سمع خبرَكم، رآكم أحدٌ أخبره؟ [[في المخطوطة: " من يسمع خبركم ولكم أحد أخبره "، وما في المطبوعة مطابق لما في الدر المنثور ٣: ٢٩٣، وهو شبيه بالصواب إن شاء الله.]] إذا نزل شيء يخبر عن كلامهم. قال: وهم المنافقون. قال: وقرأ: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ ، حتى بلغ: ﴿نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد﴾ أخبره بهذا؟ أكان معكم أحد؟ سمع كلامكم أحد يخبره بهذا؟

١٧٥٠٣- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عمن حدثه، عن ابن عباس قال: لا تقل: "انصرفنا من الصلاة"، فإن الله عيَّر قومًا فقال: ﴿انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾ ، ولكن قل: "قد صلَّينا".

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للعرب: ﴿لقد جاءكم﴾ ، أيها القوم، رسول الله إليكم = ﴿من أنفسكم﴾ ، تعرفونه، لا من غيركم، فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم [[انظر تفسير " من أنفسهم " فيما سلف ٧: ٣٦٩.]] = ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ، أي: عزيز عليه عنتكم، وهو دخول المشقة عليهم والمكروه والأذى [[انظر تفسير " عزيز " فيما سلف من فهارس اللغة (عزز)

= وتفسير " العنت " فيما سلف ٤: ٣٦٠ / ٧: ١٤٠ - ١٤٤ / ٨: ٢٠٦.]] = ﴿حريص عليكم﴾ ، يقول: حريص على هُدَى ضُلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق [[انظر تفسير " الحرص " فيما سلف ٩: ٢٨٤.]] = ﴿بالمؤمنين رءوف﴾ ،: أي رفيق = ﴿رحيم﴾ . [[انظر تفسير " رؤوف " فيما سلف ٣: ١٧١: ٢٥١ / ١٤: ٥٣٩.

= وتفسير " رحيم " فيما سلف من فهارس اللغة (رحم) .]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ ، قال: لم يصبه شيء من شركٍ في ولادته.

١٧٥٠٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ، قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. قال: وقال النبي ﷺ: إني خرجت من نكاحٍ، ولم أخرج من سفاح.

١٧٥٠٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، بنحوه.

١٧٥٠٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ ، قال: جعله الله من أنفسهم، فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة. [[في المطبوعة والمخطوطة " ولا يحسدونه " بالواو، والسياق يقتضي ما أثبت.]]

* *

وأما قوله: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: ما ضللتم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٠٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن ابن عباس في قوله: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ، قال: ما ضللتم.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: عزيز عليه عَنت مؤمنكم.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥٠٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ، عزيزٌ عليه عَنَت مؤمنهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ ابن عباس. وذلك أن الله عمَّ بالخبر عن نبيّ الله أنه عزيز عليه ما عنتَ قومَه، ولم يخصص أهل الإيمان به. فكان ﷺ [كما جاء الخبرُ من] الله به، عزيزٌ عليه عَنَتُ جمعهم. [[في المخطوطة، بياض بين " كما "، و " الله به " بقدر كلمتين، وفي المطبوعة أتم الكلام هكذا: " كما وصفه الله به، عزيزا عليه "، والزيادة بين القوسين استظهار مني، وسائره كنص المخطوطة.]]

* *

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف ﷺ بأنه كان عزيزًا عليه عنتُ جميعهم، وهو يقتل كفارَهم، ويسبي ذراريَّهم، ويسلبهم أموالهم؟

قيل: إن إسلامهم، لو كانوا أسلموا، كان أحبَّ إليه من إقامتهم على كفرهم وتكذيبهم إياه، حتى يستحقوا ذلك من الله. وإنما وصفه الله جل ثناؤه بأنه عزيزٌ عليه عنتهم، لأنه كان عزيزًا عليه أن يأتوا ما يُعنتهم، وذلك أن يضلُّوا فيستوجبوا العنت من الله بالقتل والسبي.

* *

وأما "ما" التي في قوله: ﴿ما عنتم﴾ ، فإنه رفع بقوله: ﴿عزيز عليه﴾ ، لأن معنى الكلام ما ذكرت: عزيز عليه عنتكم.

* *

وأما قوله: ﴿حريص عليكم﴾ ، فإن معناه: ما قد بيَّنت، وهو قول أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٧٥١٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿حريص عليكم﴾ ، حريص على ضالهم أن يهديه الله.

١٧٥١٠م- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿حريص عليكم﴾ ، قال: حريص على من لم يسلم أن يسلم.

القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فإن تولى، يا محمد، هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك من قومك، فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله، وما دعوتهم إليه من النور والهدى [[انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .]] = ﴿فقل حسبي الله﴾ ، يكفيني ربي [[انظر تفسير " حسب " فيما سلف ص: ٣٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿لا إله إلا هو﴾ ، لا معبود سواه = ﴿عليه توكلت﴾ ، وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت، فإنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس [[انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص: ٢٩١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ ، الذي يملك كلَّ ما دونه، والملوك كلهم مماليكه وعبيده. [[انظر تفسير " العرش " فيما سلف ١٢: ٤٨٢.]]

وإنما عنى بوصفه جل ثناؤه نفسه بأنه رب العرش العظيم، الخبرَ عن جميع ما دونه أنهم عبيده، وفي ملكه وسلطانه، لأن "العرش العظيم"، إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه "ذو العرش" دون سائر خلقه، وأنه الملك العظيم دون غيره، وأن من دونه في سلطانه وملكه، جارٍ عليه حكمه وقضاؤه.

١٧٥١١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله﴾ ، يعني الكفار، تولوا عن رسول الله ﷺ. وهذه في المؤمنين.

١٧٥١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عبيد بن عمير قال: كان عمر رحمة الله عليه لا يُثْبت آيةً في المصحف حتى يَشْهَدَ رجلان، فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه﴾ ، فقال عمر: لا أسألك عليهما بيّنةً أبدًا، كذا كان رسول الله ﷺ!

١٧٥١٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن زهير، عن الأعمش، عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله رحيم يحبّ كل رحيم، يضع رحمته على كل رحيم. قالوا: يا رسول الله، إنا لنرحم أنفسنا وأموالنا = قال: وأراه قال: وأزواجنا =؟ قال: ليس كذلك، ولكن كونوا كما قال الله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ . أراهُ قرأ هذه الآية كلها. [[الأثر: ١٧٥١٣ - " أحمد بن عبد الله بن يونس التيمي "، ثقة، مضى مرارا آخرها رقم: ١٦٠٩٥.

و" زهير "، هو " زهير بن معاوية بن حديج الجعفي "، ثقة، مضى مرارا، آخرها رقم: ١٢٧٩٤.

و" أبو صالح الحنفي " تابعي ثقة، مضى برقم: ٣٢٢٦، ١٣٢٩١ - ١٣٢٩٣ وهذا خبر مرسل.]]

١٧٥١٤- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ ، إلى آخر الآية.

١٧٥١٥- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبيّ قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ، الآية. [[الأثران: ١٧٥١٤، ١٧٥١٥ - " علي بن زيد بن جدعان "، سيئ الحفظ، مضى مرارا آخرها رقم: ١٣٤٩٣، ١٦٧٣٦.

و" يوسف بن مهران البصري "، ثقة، مضى مرارا، آخرها: ١٣٤٩٥. وهذا الخبر رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ٥: ١١٧، من طريق محمد بن أبي بكر، عن بشر بن عمر، عن شعبة، بمثله.

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣٦، وقال: " رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيء الحفظ، وبقية رجاله ثقات ".]]

١٧٥١٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن أبيّ قال: أحدثُ القرآن عهدًا بالله هاتان الآيتان: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ ، إلى آخر الآيتين. [[الأثر: ١٧٥١٦ - مكرر الذي قبله، ولكنه مرسل عن أبي.]]

١٧٥١٧- حدثني أبو كريب قال، حدثنا يونس بن محمد قال، حدثنا أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي بن كعب قال: أحدث القرآن عهدًا بالله، الآيتان: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ ، إلى آخر السورة. [[الأثر: ١٧٥١٧ - مرسل، قتادة لم يرو عن أبي بن كعب.]]

* *

آخر تفسير سورة التوبة [[بعد هذا في المخطوطة ما نصه: " والحمد لله رب العالمين يتلوه إن شاء الله تعالى تفسير السورة التي يذكر فيها يونس ".]] تم الجزء الرابع عشر من تفسير الطبري

ويليه الجزء الخامس عشر وأوله:

تفسير السورة التي يذكر فيها يونس

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com