John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah An-Nisaa

Tafsir Ibn Kathir · The Women · 176 ayat · ayat 1–30 · Quran text →

تَفْسِيرُ سُورَةِ النسَاء

[وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ] [[زيادة من أ.]] قَالَ العَوْفِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ سورةُ النِّسَاءِ بِالْمَدِينَةِ. وَكَذَا رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، ورَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعة، عَنِ أَخِيهِ عِيسَى، عَنْ عِكْرمة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا حَبْس " [[رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/١٦٢) والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٦٥) والدارقطني في السنن (٤/٦٨) ، وقال: "لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان".]] .

وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو البَخْتَرِي [[في جـ، أ: "البحتري".]] عَبْدُ اللَّهِ بن محمد شَاكِرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر العَبْدي، حَدَّثَنَا مِسْعَر بْنُ كِدَام، عَنْ مَعْن بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ لخمسُ آيَاتٍ مَا يَسُرّني أَنَّ لِي بِهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الْآيَةَ، وَ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ، وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الْآيَةَ، وَ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ثُمَّ قَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ [[المستدرك (٢/٣٠٥) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي خَمْسِ آيَاتٍ مِنَ [[في جـ، أ: "في".]] النِّسَاءِ: لَهُنَّ [[في جـ، أ: "هن".]] أَحَبُّ إلَيّ مِنَ الدُّنْيَا جَميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [[في هـ: "من رسله".]] أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: ثماني آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ هِيَ خَيْرٌ [[في جـ، أ: "لهن".]] لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعت عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ، أُولَاهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وَالثَّانِيَةُ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ وَالثَّالِثَةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ .

ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ [[في جـ، ر، أ: "ذكر مثل قول".]] ابْنِ مَسْعُودٍ سَوَاءً، يَعْنِي فِي الْخَمْسَةِ. [[في ر، أ: "الخمس".]] الْبَاقِيَةِ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيم، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة؛ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَلُونِي عَنْ سُورَةِ النِّسَاءِ، فَإِنِّي قَرَأْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا صَغِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ [[المستدرك (٢/٣٠١) .]] صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا خَلْقَهُ بِتَقْوَاهُ، وَهِيَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، ومُنَبّهًا لَهُمْ عَلَى قُدْرَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُمْ بِهَا مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ آدَمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وَهِيَ حَوَّاءُ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، خُلِقَتْ مِنْ ضِلعه الْأَيْسَرِ [[في جـ، ر، أ: "الأقصر".]] مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظَ فَرَآهَا فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَنِسَ إِلَيْهَا وَأَنِسَتْ إِلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خُلقَت الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ، فَجُعِلَ نَهْمَتَها فِي الرَّجُلِ، وَخُلِقَ الرَّجُلُ مِنَ الْأَرْضِ، فَجُعِلَ نَهْمَتُهُ فِي الْأَرْضِ، فَاحْبِسُوا نِسَاءَكُمْ.

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَج" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أَيْ: وذَرَأ مِنْهُمَا، أَيْ: مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً، ونَشَرهم فِي أَقْطَارِ الْعَالَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ، ثُمَّ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَعَادُ وَالْمَحْشَرُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾ أَيْ: وَاتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أَيْ: كَمَا يُقَالُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وبالرَّحِم. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي بِهِ تَعَاقَدُونَ وَتَعَاهَدُونَ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَلَكِنْ بِرُّوهَا وصِلُوها، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَرَأَ [[في أ: "وقال".]] بَعْضُهُمْ: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بِالْخَفْضِ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ فِي بِهِ، أَيْ: تَسَاءَلُونَ بِاللَّهِ وَبِالْأَرْحَامِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أَيْ: هُوَ مُرَاقِبٌ لِجَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الْبُرُوجِ: ٩] .

وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" [[رواه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في التهذيب (٣/١٠٦) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ولعل الحافظ ابن كثير يقصد بهذا الحديث حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٨) ، وفيه "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".]] وَهَذَا إِرْشَادٌ وَأَمْرٌ بِمُرَاقَبَةِ الرَّقِيبِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ أَصْلَ الْخَلْقِ مِنْ أَبٍ [وَاحِدٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] وَأُمٍّ واحدة؛ ليعطفَ بعضهم على بَعْضٍ، وَيُحَنِّنَهُمْ [[في ر: "وتحننهم".]] عَلَى ضُعَفَائِهِمْ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ جَرِير بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ مُضَر -وَهُمْ مُجْتابو النِّمار -أَيْ مِنْ عُريِّهم وفَقْرهم -قَامَ فَخَطَب النَّاسَ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ [[في جـ، ر، أ: جاءت الآية كاملة.]] وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [وَاتَّقُوا اللَّهَ] [[زيادة من جـ، أ.]] ﴾ [الْحَشْرِ:١٨] ثُمَّ حَضَّهم [[في جـ، أ: "حثهم".]] عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ: "تَصَدَّقَ رجُلٌ مِنْ دِينَاره، مِنْ دِرْهَمِه، مِنْ صَاعِ بُرِّه، صَاعِ تَمْره ... " وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ [[صحيح مسلم برقم (١٠١٧) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ [[في جـ، ر، أ: "روى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَة الْحَاجَةِ [[المسند (٤/٣٥٨) .]] وَفِيهَا ثُمَّ يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ هَذِهِ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ.

يَأْمُرُ تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا الحُلُم كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَيَنْهَى عَنْ أَكْلِهَا وضَمِّها إِلَى أَمْوَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: لَا تعْجل بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي قُدِّرَ لَكَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا تبَدَّلوا الْحَرَامَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، يَقُولُ: لَا تُبَذِّرُوا أَمْوَالَكُمُ الْحَلَالَ وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ الْحَرَامَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ: لَا تُعْط مَهْزُولًا وَتَأْخُذْ سَمِينًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي وَالضَّحَّاكُ: لَا تُعْطِ زَائِفًا وَتَأْخُذْ جَيِّدًا.

وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ غَنم الْيَتِيمِ، وَيَجْعَلُ فِيهَا مَكَانَهَا الشَّاةَ الْمَهْزُولَةَ، وَيَقُولُ [[في أ: "فيقول".]] شَاةٌ بِشَاةٍ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الجَيِّد وَيَطْرَحُ مَكَانَهُ الزّيْف، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَالسُّدِّيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَين: أَيْ لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا عَظِيمًا.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سئِل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن قَوْلِهِ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ: "إِثْمًا كَبِيرًا". وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الكُدَيْمي وَهُوَ ضَعِيفٌ [[وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من ألف حديث وقال أبو عبيد الآجري: رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب.]] وَهَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي سِنَان مَثَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: "اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا".

وَرَوَى ابْنُ مَرْدويه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصِلٍ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ طَلَّق امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ كَانَ حُوبًا" قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ سِيرِينَ: الْحُوبُ الْإِثْمُ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٩٦) من طريق يحيى الحماني عن حماد بن زيد عن وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أراد أن يطلق أم أيوب فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إن طلاق أم أيوب لحوب" قال ابن سيرين: الحوب الإثم، قال الهيثمي في المجمع (٩/٢٦٢) : "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف".]] .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هَوْذَة بْنُ خَلِيفَةَ، أَخْبَرَنَا عَوْف، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرَادَ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ فَأَمْسَكَهَا" [[هذا مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل برقم (٢٣٣) عن وهب بن بقية عن خالد عن عوف عن أنس بن سيرين به. وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث كما في تخريج الكشاف للزيلعي (١/٢٧٩) من طريق جرير عن واصل عن أنس بن سيرين به.]] ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ورواه"]] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيد الطَّوِيلِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَرَادَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ يُطَلِّقَ أُمَّ سُليم فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ سُلَيْمٍ لَحُوبٌ" فَكَفَّ [[المستدرك (٢/٣٠٢) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٢٣) وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي: "لا والله فيه على بن عاصم وهو واه".]] .

وَالْمَعْنَى: إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أَيْ: إِذَا كَانَ [[في جـ، ر، أ: "كانت".]] تَحْتَ حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَلَّا يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْق. وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا [فِي الْيَتَامَى] [[زيادة من جـ.]] ﴾ أحسبه قال: كانت شريكَتَه فِي ذَلِكَ العَذْق وَفِي مَالِهِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [[في جـ، أ: "عز وجل".]] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي [[في ر: "أخي".]] هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكه [[في أ: "تشتركه".]] فِي مَالِهِ ويعجبُه مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يَقْسِط فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ [[في جـ، أ: "فنهوا عن أن".]] يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، ويبلغُوا بهنَّ أَعْلَى سُنتهنَّ فِي الصَّدَاقِ، وأمِروا أَنْ ينكحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سواهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ استفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وقولُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٧] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ. فَنُهُوا [[في جـ، ر، أ: "قلت: فنهوا".]] أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجِمَالِهِ مِنْ يَتَامَى [[في ر: "باقي".]] النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُن قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٣، ٤٥٧٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] أَيِ: انْكِحُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ إِنْ [[في جـ، أ: "إذا".]] شَاءَ أَحَدُكُمْ ثِنْتَيْنِ، [وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا] [[زيادة من أ.]] وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فَاطِرٍ: ١] أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَلَا يَنْفِي [[في أ: "ولا ينبغي".]] مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ قَصْرِ الرِّجَالِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَمِنْ [[في جـ، ر، أ: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ دَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبِيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا مَا حُكي عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِلَا حَصْرٍ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ [[في جـ، ر، أ: "رسول الله".]] ﷺ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَلَّقَهُ [[في جـ، ر، أ: "علله".]] الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ. وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ فِي أربع.

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مَعمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمة الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ [[في ر: "نيتك".]] وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا. وَايْمُ اللَّهِ لتراجعنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ أَوْ لأورثُهن مِنْكَ، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ، كَمَا رُجِمَ قبرُ أَبِي رِغَال [[قبر أبي رغال في الطائف، وقد روى ابن إسحاق أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة.

قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم بقبر أبي رغال

ثم قال: والظاهر أنه الثاني. البداية والنهاية (٢/١٥٩) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة وغُنْدَر وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيع وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنْ مَعْمَر -بِإِسْنَادِهِ -مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: اخْتَرْ [[في جـ: "واختر".]] مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. وَبَاقِي [[في أ: "ويأتي".]] الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ [[المسند (٢/١٤) والشافعي في الأم (٥/٤٩) وسنن الترمذي برقم (١١٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٣) وسنن الدارقطني (٣/٢٧١) وسنن البيهقي الكبرى (٧/١٨٢) ، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/١٦٨) والشيخ ناصر الألباني (٦/٢٩٢) وحكم عليه بالصحة.]] وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مُضَعِّفَةٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ: سمعتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْب وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حُدّثتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيد الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتراجعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رغَال.

وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ مَعمر، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا [[المصنف لعبد الرزاق (١٢٦٢١) .]] وَهَكَذَا [[في أ: "وقد".]] رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهُوَ أَصَحُّ [[رواه ابن أبي حاتم في العلل (١/٤٠٠) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا.]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهَذَا وَهْم، إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فَذَكَرَهُ [[العلل لابن أبي حاتم (١/٤٠١) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثقاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ [[في جـ، ر، أ: "على شرط الشيخين".]] ثُمَّ قَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَعْمَر، بَلْ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ [[في أ: "أبو يعلى".]] الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيد عَمْرو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ [[في جـ، أ: "أبو يزيد عمرو بن يزيد الحربي"، وفي ر: "أبو يزيد عمر بن يزيد الجرمي".]] أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيد [[في جـ: "عبد الله".]] حَدَّثَنَا سَرَّار بْنُ مُجَشَّر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وأسلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ: تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بنُ مُجَشر وَهُوَ ثِقَةٌ، وَكَذَا وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدع بْنُ وَاهِبٍ [[في جـ، ر، أ: "وهب".]] عَنْ سَرَّارٍ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ -يَعْنِي حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ [[السنن الكبرى (٧/١٨٣) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله، وهي شاهد جيد على وصل الحديث.]] .

فوجهُ الدَّلَالَةِ أنَّه لَوْ كَانَ يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لسوغَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرَهُنَّ فِي بَقَاءِ الْعَشَرَةِ [[في جـ: "العشر".]] وَقَدْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ وَفِرَاقِ سَائِرِهِنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِحَالٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَامِ، فَفِي الِاسْتِئْنَافِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا [[في ر: "سننيهما".]] مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُمَيضة [[في أ: "حميصة".]] بْنِ الشَّمَرْدَل -وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: بِنْتِ الشَّمَرْدَلِ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ -عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ: الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ [[في جـ، ر، أ: "أن".]] عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثماني نِسْوَةٍ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا".

وَهَذَا الْإِسْنَادُ حَسَنٌ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَضُرُّ مثلُه، لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنَ الشَّوَاهِدِ [[سنن أبي داود برقم (٢٢٤٢، ٢٢٤١) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٢) ورجح المزي أن اسمه "قيس بن الحارث".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، رحمه الله، في مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّناد يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيل بْنِ [[في أ: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيْلِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَرْ [[في جـ، ر، أ: "أمسك".]] أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى"، فَعَمَدت إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٍ عَاقِرٍ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَطَلَّقْتُهَا [[مسند الشافعي برقم (١٦٠٦) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) .]] .

فَهَذِهِ كُلُّهَا شَوَاهِدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ غَيْلان كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[في أ: "رحمة الله عليه".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَإِنْ خَشِيتُمْ [[في أ: "خفتم".]] مِنْ تَعْدَادِ النِّسَاءِ أَلَّا تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٩] فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ، أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِي، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَسْمٌ [[في ر: "القسم".]] بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: [أَيْ] [[زيادة من جـ.]] أَدْنَى أَلَّا تَكْثُرَ عَائِلَتُكُمْ. قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أَيْ [[في جـ، ر: "أو".]] فَقْرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو أحيحة بن الجلاح الأوسي، والبيت في تفسير الطبري (٧/٥٤٩) وفي اللسان مادة (عيل) .]]

فَمَا يَدري الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... ومَا يَدرِي الغَنيُّ مَتَى يُعِيلُ ...

وَتَقُولُ الْعَرَبُ: عَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ عَيْلة، إِذَا افْتَقَرَ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ هَاهُنَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَةُ الْعَائِلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْحَرَائِرِ، كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَادِ السَّرَارِي أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ أَيْ: لَا تَجُورُوا. يُقَالُ: عَالَ فِي الْحُكْمِ: إِذَا قَسَط وَظَلَمَ وَجَارَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:

بِمِيزَانِ قسطٍ لَا يَخيس [[في أ: "تخس".]] شُعَيْرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ [[البيت في تفسير الطبري (٧/٥٥٠) .]]

وَقَالَ هُشَيم: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي شَيْءٍ عَاتَبُوهُ فِيهِ: إِنِّي لَسْتُ بِمِيزَانٍ لَا أَعُولُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدويه، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ [[في أ: "بن".]] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا".

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ: عَنْ عَائِشَةَ. مَوْقُوفٌ [[صحيح ابن حبان برقم (١٧٣٠) "موارد".]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي مَالِكٍ وَأَبِي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنِ حَيَّان: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَمِيلُوا [[في أ: "أن لا تميلوا".]] وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عِكْرمة، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِبَيْتِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَلَكِنَّ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا، وَاخْتَارَ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: نِحْلَةً: فَرِيضَةً. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نِحْلَةً: أَيْ فَرِيضَةً. زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مُسَمَّاهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، يَقُولُ: لَا تَنْكِحْهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ [[في ر: "تكون".]] تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ حَتمًا، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ، كَمَا يَمْنَحُ الْمَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ، فَإِنْ طَابَتْ هِيَ لَهُ بِهِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْهُ حَلَالًا طَيِّبًا؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، فَلْيسأل امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلْيَبْتَعْ بِهَا عَسَلًا ثُمَّ لِيَأْخُذْ مَاءَ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا.

وَقَالَ هُشَيم، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَيْرٍ [[في أ: "عمر".]] الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَاني [[في جـ، ر، أ: "عبد الرحمن السلماني".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أهْلوهُم" [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/١٨٤) وأبو داود في المراسيل برقم (٢١٥) .]] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج بْنِ أرْطاة، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: خَطَبَ [[في جـ، ر، أ: "خطبنا".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَنْكِحُوا الْأَيَامَى" ثَلَاثًا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عليه أهلوهم".

ابْنُ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] ضَعِيفٌ، ثُمَّ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا [[ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤/١٨٦) وسعيد بن منصور في السنن برقم (٦١٩) "الأعظمي" والبيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) كلهم مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ الرحمن البيلماني مولى عمر بن الخطاب قال: فذكره مرسلا، وأظن أن "مولى" تصحفت في النسخ إلى "عن" وأكاد أجزم بذلك لقول الحافظ ابن كثير "فيه انقطاع"، فإن الانقطاع بإرساله، ولو كان عن عمر لكان موصولا.]] .

يَأْمُرُ تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا الحُلُم كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَيَنْهَى عَنْ أَكْلِهَا وضَمِّها إِلَى أَمْوَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: لَا تعْجل بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي قُدِّرَ لَكَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا تبَدَّلوا الْحَرَامَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، يَقُولُ: لَا تُبَذِّرُوا أَمْوَالَكُمُ الْحَلَالَ وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ الْحَرَامَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ: لَا تُعْط مَهْزُولًا وَتَأْخُذْ سَمِينًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي وَالضَّحَّاكُ: لَا تُعْطِ زَائِفًا وَتَأْخُذْ جَيِّدًا.

وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ غَنم الْيَتِيمِ، وَيَجْعَلُ فِيهَا مَكَانَهَا الشَّاةَ الْمَهْزُولَةَ، وَيَقُولُ [[في أ: "فيقول".]] شَاةٌ بِشَاةٍ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الجَيِّد وَيَطْرَحُ مَكَانَهُ الزّيْف، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَالسُّدِّيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَين: أَيْ لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا عَظِيمًا.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سئِل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن قَوْلِهِ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ: "إِثْمًا كَبِيرًا". وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الكُدَيْمي وَهُوَ ضَعِيفٌ [[وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من ألف حديث وقال أبو عبيد الآجري: رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب.]] وَهَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي سِنَان مَثَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: "اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا".

وَرَوَى ابْنُ مَرْدويه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصِلٍ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ طَلَّق امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ كَانَ حُوبًا" قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ سِيرِينَ: الْحُوبُ الْإِثْمُ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٩٦) من طريق يحيى الحماني عن حماد بن زيد عن وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أراد أن يطلق أم أيوب فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إن طلاق أم أيوب لحوب" قال ابن سيرين: الحوب الإثم، قال الهيثمي في المجمع (٩/٢٦٢) : "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف".]] .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هَوْذَة بْنُ خَلِيفَةَ، أَخْبَرَنَا عَوْف، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرَادَ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ فَأَمْسَكَهَا" [[هذا مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل برقم (٢٣٣) عن وهب بن بقية عن خالد عن عوف عن أنس بن سيرين به. وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث كما في تخريج الكشاف للزيلعي (١/٢٧٩) من طريق جرير عن واصل عن أنس بن سيرين به.]] ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ورواه"]] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيد الطَّوِيلِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَرَادَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ يُطَلِّقَ أُمَّ سُليم فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ سُلَيْمٍ لَحُوبٌ" فَكَفَّ [[المستدرك (٢/٣٠٢) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٢٣) وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي: "لا والله فيه على بن عاصم وهو واه".]] .

وَالْمَعْنَى: إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أَيْ: إِذَا كَانَ [[في جـ، ر، أ: "كانت".]] تَحْتَ حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَلَّا يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْق. وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا [فِي الْيَتَامَى] [[زيادة من جـ.]] ﴾ أحسبه قال: كانت شريكَتَه فِي ذَلِكَ العَذْق وَفِي مَالِهِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [[في جـ، أ: "عز وجل".]] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي [[في ر: "أخي".]] هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكه [[في أ: "تشتركه".]] فِي مَالِهِ ويعجبُه مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يَقْسِط فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ [[في جـ، أ: "فنهوا عن أن".]] يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، ويبلغُوا بهنَّ أَعْلَى سُنتهنَّ فِي الصَّدَاقِ، وأمِروا أَنْ ينكحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سواهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ استفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وقولُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٧] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ. فَنُهُوا [[في جـ، ر، أ: "قلت: فنهوا".]] أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجِمَالِهِ مِنْ يَتَامَى [[في ر: "باقي".]] النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُن قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٣، ٤٥٧٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] أَيِ: انْكِحُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ إِنْ [[في جـ، أ: "إذا".]] شَاءَ أَحَدُكُمْ ثِنْتَيْنِ، [وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا] [[زيادة من أ.]] وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فَاطِرٍ: ١] أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَلَا يَنْفِي [[في أ: "ولا ينبغي".]] مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ قَصْرِ الرِّجَالِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَمِنْ [[في جـ، ر، أ: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ دَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبِيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا مَا حُكي عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِلَا حَصْرٍ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ [[في جـ، ر، أ: "رسول الله".]] ﷺ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَلَّقَهُ [[في جـ، ر، أ: "علله".]] الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ. وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ فِي أربع.

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مَعمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمة الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ [[في ر: "نيتك".]] وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا. وَايْمُ اللَّهِ لتراجعنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ أَوْ لأورثُهن مِنْكَ، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ، كَمَا رُجِمَ قبرُ أَبِي رِغَال [[قبر أبي رغال في الطائف، وقد روى ابن إسحاق أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة.

قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم بقبر أبي رغال

ثم قال: والظاهر أنه الثاني. البداية والنهاية (٢/١٥٩) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة وغُنْدَر وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيع وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنْ مَعْمَر -بِإِسْنَادِهِ -مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: اخْتَرْ [[في جـ: "واختر".]] مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. وَبَاقِي [[في أ: "ويأتي".]] الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ [[المسند (٢/١٤) والشافعي في الأم (٥/٤٩) وسنن الترمذي برقم (١١٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٣) وسنن الدارقطني (٣/٢٧١) وسنن البيهقي الكبرى (٧/١٨٢) ، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/١٦٨) والشيخ ناصر الألباني (٦/٢٩٢) وحكم عليه بالصحة.]] وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مُضَعِّفَةٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ: سمعتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْب وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حُدّثتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيد الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتراجعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رغَال.

وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ مَعمر، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا [[المصنف لعبد الرزاق (١٢٦٢١) .]] وَهَكَذَا [[في أ: "وقد".]] رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهُوَ أَصَحُّ [[رواه ابن أبي حاتم في العلل (١/٤٠٠) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا.]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهَذَا وَهْم، إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فَذَكَرَهُ [[العلل لابن أبي حاتم (١/٤٠١) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثقاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ [[في جـ، ر، أ: "على شرط الشيخين".]] ثُمَّ قَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَعْمَر، بَلْ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ [[في أ: "أبو يعلى".]] الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيد عَمْرو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ [[في جـ، أ: "أبو يزيد عمرو بن يزيد الحربي"، وفي ر: "أبو يزيد عمر بن يزيد الجرمي".]] أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيد [[في جـ: "عبد الله".]] حَدَّثَنَا سَرَّار بْنُ مُجَشَّر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وأسلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ: تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بنُ مُجَشر وَهُوَ ثِقَةٌ، وَكَذَا وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدع بْنُ وَاهِبٍ [[في جـ، ر، أ: "وهب".]] عَنْ سَرَّارٍ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ -يَعْنِي حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ [[السنن الكبرى (٧/١٨٣) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله، وهي شاهد جيد على وصل الحديث.]] .

فوجهُ الدَّلَالَةِ أنَّه لَوْ كَانَ يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لسوغَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرَهُنَّ فِي بَقَاءِ الْعَشَرَةِ [[في جـ: "العشر".]] وَقَدْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ وَفِرَاقِ سَائِرِهِنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِحَالٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَامِ، فَفِي الِاسْتِئْنَافِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا [[في ر: "سننيهما".]] مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُمَيضة [[في أ: "حميصة".]] بْنِ الشَّمَرْدَل -وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: بِنْتِ الشَّمَرْدَلِ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ -عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ: الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ [[في جـ، ر، أ: "أن".]] عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثماني نِسْوَةٍ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا".

وَهَذَا الْإِسْنَادُ حَسَنٌ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَضُرُّ مثلُه، لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنَ الشَّوَاهِدِ [[سنن أبي داود برقم (٢٢٤٢، ٢٢٤١) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٢) ورجح المزي أن اسمه "قيس بن الحارث".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، رحمه الله، في مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّناد يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيل بْنِ [[في أ: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيْلِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَرْ [[في جـ، ر، أ: "أمسك".]] أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى"، فَعَمَدت إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٍ عَاقِرٍ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَطَلَّقْتُهَا [[مسند الشافعي برقم (١٦٠٦) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) .]] .

فَهَذِهِ كُلُّهَا شَوَاهِدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ غَيْلان كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[في أ: "رحمة الله عليه".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَإِنْ خَشِيتُمْ [[في أ: "خفتم".]] مِنْ تَعْدَادِ النِّسَاءِ أَلَّا تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٩] فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ، أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِي، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَسْمٌ [[في ر: "القسم".]] بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: [أَيْ] [[زيادة من جـ.]] أَدْنَى أَلَّا تَكْثُرَ عَائِلَتُكُمْ. قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أَيْ [[في جـ، ر: "أو".]] فَقْرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو أحيحة بن الجلاح الأوسي، والبيت في تفسير الطبري (٧/٥٤٩) وفي اللسان مادة (عيل) .]]

فَمَا يَدري الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... ومَا يَدرِي الغَنيُّ مَتَى يُعِيلُ ...

وَتَقُولُ الْعَرَبُ: عَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ عَيْلة، إِذَا افْتَقَرَ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ هَاهُنَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَةُ الْعَائِلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْحَرَائِرِ، كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَادِ السَّرَارِي أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ أَيْ: لَا تَجُورُوا. يُقَالُ: عَالَ فِي الْحُكْمِ: إِذَا قَسَط وَظَلَمَ وَجَارَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:

بِمِيزَانِ قسطٍ لَا يَخيس [[في أ: "تخس".]] شُعَيْرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ [[البيت في تفسير الطبري (٧/٥٥٠) .]]

وَقَالَ هُشَيم: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي شَيْءٍ عَاتَبُوهُ فِيهِ: إِنِّي لَسْتُ بِمِيزَانٍ لَا أَعُولُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدويه، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ [[في أ: "بن".]] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا".

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ: عَنْ عَائِشَةَ. مَوْقُوفٌ [[صحيح ابن حبان برقم (١٧٣٠) "موارد".]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي مَالِكٍ وَأَبِي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنِ حَيَّان: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَمِيلُوا [[في أ: "أن لا تميلوا".]] وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عِكْرمة، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِبَيْتِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَلَكِنَّ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا، وَاخْتَارَ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: نِحْلَةً: فَرِيضَةً. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نِحْلَةً: أَيْ فَرِيضَةً. زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مُسَمَّاهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، يَقُولُ: لَا تَنْكِحْهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ [[في ر: "تكون".]] تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ حَتمًا، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ، كَمَا يَمْنَحُ الْمَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ، فَإِنْ طَابَتْ هِيَ لَهُ بِهِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْهُ حَلَالًا طَيِّبًا؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، فَلْيسأل امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلْيَبْتَعْ بِهَا عَسَلًا ثُمَّ لِيَأْخُذْ مَاءَ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا.

وَقَالَ هُشَيم، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَيْرٍ [[في أ: "عمر".]] الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَاني [[في جـ، ر، أ: "عبد الرحمن السلماني".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أهْلوهُم" [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/١٨٤) وأبو داود في المراسيل برقم (٢١٥) .]] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج بْنِ أرْطاة، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: خَطَبَ [[في جـ، ر، أ: "خطبنا".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَنْكِحُوا الْأَيَامَى" ثَلَاثًا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عليه أهلوهم".

ابْنُ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] ضَعِيفٌ، ثُمَّ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا [[ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤/١٨٦) وسعيد بن منصور في السنن برقم (٦١٩) "الأعظمي" والبيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) كلهم مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ الرحمن البيلماني مولى عمر بن الخطاب قال: فذكره مرسلا، وأظن أن "مولى" تصحفت في النسخ إلى "عن" وأكاد أجزم بذلك لقول الحافظ ابن كثير "فيه انقطاع"، فإن الانقطاع بإرساله، ولو كان عن عمر لكان موصولا.]] .

يَأْمُرُ تَعَالَى بِدَفْعِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى إِلَيْهِمْ إِذَا بَلَغُوا الحُلُم كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَيَنْهَى عَنْ أَكْلِهَا وضَمِّها إِلَى أَمْوَالِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: لَا تعْجل بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الرِّزْقُ الْحَلَالُ الَّذِي قُدِّرَ لَكَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا تبَدَّلوا الْحَرَامَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، يَقُولُ: لَا تُبَذِّرُوا أَمْوَالَكُمُ الْحَلَالَ وَتَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمُ الْحَرَامَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ: لَا تُعْط مَهْزُولًا وَتَأْخُذْ سَمِينًا.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِي وَالضَّحَّاكُ: لَا تُعْطِ زَائِفًا وَتَأْخُذْ جَيِّدًا.

وَقَالَ السُّدِّي: كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ غَنم الْيَتِيمِ، وَيَجْعَلُ فِيهَا مَكَانَهَا الشَّاةَ الْمَهْزُولَةَ، وَيَقُولُ [[في أ: "فيقول".]] شَاةٌ بِشَاةٍ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الجَيِّد وَيَطْرَحُ مَكَانَهُ الزّيْف، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان، وَالسُّدِّيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَين: أَيْ لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا عَظِيمًا.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سئِل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن قَوْلِهِ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قَالَ: "إِثْمًا كَبِيرًا". وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الكُدَيْمي وَهُوَ ضَعِيفٌ [[وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من ألف حديث وقال أبو عبيد الآجري: رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب.]] وَهَكَذَا رُوي عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَأَبِي سِنَان مَثَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: "اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا".

وَرَوَى ابْنُ مَرْدويه بِإِسْنَادِهِ إِلَى وَاصِلٍ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ طَلَّق امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "يَا أَبَا أَيُّوبَ، إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ كَانَ حُوبًا" قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ سِيرِينَ: الْحُوبُ الْإِثْمُ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٩٦) من طريق يحيى الحماني عن حماد بن زيد عن وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أراد أن يطلق أم أيوب فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "إن طلاق أم أيوب لحوب" قال ابن سيرين: الحوب الإثم، قال الهيثمي في المجمع (٩/٢٦٢) : "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف".]] .

ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هَوْذَة بْنُ خَلِيفَةَ، أَخْبَرَنَا عَوْف، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَرَادَ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ فَأَمْسَكَهَا" [[هذا مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل برقم (٢٣٣) عن وهب بن بقية عن خالد عن عوف عن أنس بن سيرين به. وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث كما في تخريج الكشاف للزيلعي (١/٢٧٩) من طريق جرير عن واصل عن أنس بن سيرين به.]] ثُمَّ رَوَاهُ [[في أ: "ورواه"]] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ حُمَيد الطَّوِيلِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَرَادَ أَبُو طَلْحَةَ أَنْ يُطَلِّقَ أُمَّ سُليم فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ سُلَيْمٍ لَحُوبٌ" فَكَفَّ [[المستدرك (٢/٣٠٢) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٢٣) وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي: "لا والله فيه على بن عاصم وهو واه".]] .

وَالْمَعْنَى: إِنَّ أَكْلَكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ إِثْمٌ عَظِيمٌ وَخَطَأٌ كَبِيرٌ فَاجْتَنِبُوهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أَيْ: إِذَا كَانَ [[في جـ، ر، أ: "كانت".]] تَحْتَ حِجْرِ أَحَدِكُمْ يَتِيمَةٌ وَخَافَ أَلَّا يُعْطِيَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، فَلْيَعْدِلْ إِلَى مَا سِوَاهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْق. وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا [فِي الْيَتَامَى] [[زيادة من جـ.]] ﴾ أحسبه قال: كانت شريكَتَه فِي ذَلِكَ العَذْق وَفِي مَالِهِ.

ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [[في جـ، أ: "عز وجل".]] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي [[في ر: "أخي".]] هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكه [[في أ: "تشتركه".]] فِي مَالِهِ ويعجبُه مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يَقْسِط فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ [[في جـ، أ: "فنهوا عن أن".]] يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، ويبلغُوا بهنَّ أَعْلَى سُنتهنَّ فِي الصَّدَاقِ، وأمِروا أَنْ ينكحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سواهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ استفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: وقولُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٧] رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ. فَنُهُوا [[في جـ، ر، أ: "قلت: فنهوا".]] أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجِمَالِهِ مِنْ يَتَامَى [[في ر: "باقي".]] النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُن قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٣، ٤٥٧٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] أَيِ: انْكِحُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ إِنْ [[في جـ، أ: "إذا".]] شَاءَ أَحَدُكُمْ ثِنْتَيْنِ، [وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا] [[زيادة من أ.]] وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فَاطِرٍ: ١] أَيْ: مِنْهُمْ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَلَا يَنْفِي [[في أ: "ولا ينبغي".]] مَا عَدَا ذَلِكَ فِي الْمَلَائِكَةِ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ قَصْرِ الرِّجَالِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَمِنْ [[في جـ، ر، أ: "من".]] هَذِهِ الْآيَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ دَلَّت سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبِيِّنَةُ عَنِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا مَا حُكي عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِلَا حَصْرٍ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بَعْضُهُمْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ [[في جـ، ر، أ: "رسول الله".]] ﷺ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ إِلَى تِسْعٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَمَّا إِحْدَى عَشْرَةَ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ عَلَّقَهُ [[في جـ، ر، أ: "علله".]] الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ بِخَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ مِنْهُنَّ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمَاتَ عَنْ تِسْعٍ. وَهَذَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَّةِ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ فِي أربع.

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا حَدَّثَنَا مَعمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمة الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشَرَةُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ [[في ر: "نيتك".]] وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا. وَايْمُ اللَّهِ لتراجعنَّ نِسَاءَكَ وَلَتَرْجِعَنَّ فِي مَالِكَ أَوْ لأورثُهن مِنْكَ، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمُ، كَمَا رُجِمَ قبرُ أَبِي رِغَال [[قبر أبي رغال في الطائف، وقد روى ابن إسحاق أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة.

قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم بقبر أبي رغال

ثم قال: والظاهر أنه الثاني. البداية والنهاية (٢/١٥٩) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّة وغُنْدَر وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيع وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيِّ، وَالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنْ مَعْمَر -بِإِسْنَادِهِ -مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: اخْتَرْ [[في جـ: "واختر".]] مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. وَبَاقِي [[في أ: "ويأتي".]] الْحَدِيثِ فِي قِصَّةِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَادِ أَحْمَدَ [[المسند (٢/١٤) والشافعي في الأم (٥/٤٩) وسنن الترمذي برقم (١١٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٣) وسنن الدارقطني (٣/٢٧١) وسنن البيهقي الكبرى (٧/١٨٢) ، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/١٦٨) والشيخ ناصر الألباني (٦/٢٩٢) وحكم عليه بالصحة.]] وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مُضَعِّفَةٌ لِمَا عَلَّلَ بِهِ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ: سمعتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْب وَغَيْرُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حُدّثتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيد الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لتراجعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رغَال.

وَهَذَا التَّعْلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ مَعمر، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا [[المصنف لعبد الرزاق (١٢٦٢١) .]] وَهَكَذَا [[في أ: "وقد".]] رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَهُوَ أَصَحُّ [[رواه ابن أبي حاتم في العلل (١/٤٠٠) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا.]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَهَذَا وَهْم، إِنَّمَا هُوَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فَذَكَرَهُ [[العلل لابن أبي حاتم (١/٤٠١) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَاهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ.

وَهَذَا كَمَا عَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثقاتٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ [[في جـ، ر، أ: "على شرط الشيخين".]] ثُمَّ قَدْ رُوي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَعْمَر، بَلْ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ [[في أ: "أبو يعلى".]] الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيد عَمْرو بْنُ يَزِيدَ الْجَرْمِيُّ [[في جـ، أ: "أبو يزيد عمرو بن يزيد الحربي"، وفي ر: "أبو يزيد عمر بن يزيد الجرمي".]] أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُبَيد [[في جـ: "عبد الله".]] حَدَّثَنَا سَرَّار بْنُ مُجَشَّر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ وَسَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمَ وأسلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. هَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ: تَفَرَّدَ بِهِ سَرَّارُ بنُ مُجَشر وَهُوَ ثِقَةٌ، وَكَذَا وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ السَّمَيْدع بْنُ وَاهِبٍ [[في جـ، ر، أ: "وهب".]] عَنْ سَرَّارٍ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِّينَا مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَوِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ -يَعْنِي حَدِيثَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ [[السنن الكبرى (٧/١٨٣) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله، وهي شاهد جيد على وصل الحديث.]] .

فوجهُ الدَّلَالَةِ أنَّه لَوْ كَانَ يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لسوغَ لَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ سَائِرَهُنَّ فِي بَقَاءِ الْعَشَرَةِ [[في جـ: "العشر".]] وَقَدْ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِ أَرْبَعٍ وَفِرَاقِ سَائِرِهِنَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الجمعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ بِحَالٍ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّوَامِ، فَفِي الِاسْتِئْنَافِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا [[في ر: "سننيهما".]] مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُمَيضة [[في أ: "حميصة".]] بْنِ الشَّمَرْدَل -وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: بِنْتِ الشَّمَرْدَلِ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الشَّمَرْذَلِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ -عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ: الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ [[في جـ، ر، أ: "أن".]] عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثماني نِسْوَةٍ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا".

وَهَذَا الْإِسْنَادُ حَسَنٌ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَضُرُّ مثلُه، لِمَا لِلْحَدِيثِ مِنَ الشَّوَاهِدِ [[سنن أبي داود برقم (٢٢٤٢، ٢٢٤١) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٢) ورجح المزي أن اسمه "قيس بن الحارث".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، رحمه الله، في مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ أَبِي الزِّناد يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ سُهَيل بْنِ [[في أ: "عن".]] عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الدِّيْلِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَرْ [[في جـ، ر، أ: "أمسك".]] أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شِئْتَ، وَفَارِقِ الْأُخْرَى"، فَعَمَدت إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٍ عَاقِرٍ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَطَلَّقْتُهَا [[مسند الشافعي برقم (١٦٠٦) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) .]] .

فَهَذِهِ كُلُّهَا شَوَاهِدُ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ غَيْلان كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [[في أ: "رحمة الله عليه".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: فَإِنْ خَشِيتُمْ [[في أ: "خفتم".]] مِنْ تَعْدَادِ النِّسَاءِ أَلَّا تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١٢٩] فَمَنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى وَاحِدَةٍ، أَوْ عَلَى الْجَوَارِي السَّرَارِي، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَسْمٌ [[في ر: "القسم".]] بَيْنَهُنَّ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: [أَيْ] [[زيادة من جـ.]] أَدْنَى أَلَّا تَكْثُرَ عَائِلَتُكُمْ. قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أَيْ [[في جـ، ر: "أو".]] فَقْرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٨] وَقَالَ الشَّاعِرُ [[هو أحيحة بن الجلاح الأوسي، والبيت في تفسير الطبري (٧/٥٤٩) وفي اللسان مادة (عيل) .]]

فَمَا يَدري الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... ومَا يَدرِي الغَنيُّ مَتَى يُعِيلُ ...

وَتَقُولُ الْعَرَبُ: عَالَ الرَّجُلُ يُعِيلُ عَيْلة، إِذَا افْتَقَرَ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ هَاهُنَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ كَمَا يُخْشَى كَثْرَةُ الْعَائِلَةِ مِنْ تَعْدَادِ الْحَرَائِرِ، كَذَلِكَ يُخْشَى مِنْ تَعْدَادِ السَّرَارِي أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ أَيْ: لَا تَجُورُوا. يُقَالُ: عَالَ فِي الْحُكْمِ: إِذَا قَسَط وَظَلَمَ وَجَارَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:

بِمِيزَانِ قسطٍ لَا يَخيس [[في أ: "تخس".]] شُعَيْرَةً ... لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ [[البيت في تفسير الطبري (٧/٥٥٠) .]]

وَقَالَ هُشَيم: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي شَيْءٍ عَاتَبُوهُ فِيهِ: إِنِّي لَسْتُ بِمِيزَانٍ لَا أَعُولُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدويه، وَأَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ [[في أ: "بن".]] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا".

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَالَ أَبِي: هَذَا حَدِيثٌ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ: عَنْ عَائِشَةَ. مَوْقُوفٌ [[صحيح ابن حبان برقم (١٧٣٠) "موارد".]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي مَالِكٍ وَأَبِي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتَادَةَ، والسُّدِّي، ومُقاتل بْنِ حَيَّان: أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا تَمِيلُوا [[في أ: "أن لا تميلوا".]] وَقَدِ اسْتَشْهَدَ عِكْرمة، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِبَيْتِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَلَكِنَّ مَا أَنْشَدَهُ كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ جَيِّدًا، وَاخْتَارَ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: نِحْلَةً: فَرِيضَةً. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نِحْلَةً: أَيْ فَرِيضَةً. زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مُسَمَّاهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، يَقُولُ: لَا تَنْكِحْهَا إِلَّا بِشَيْءٍ وَاجِبٍ لَهَا، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَّا بِصَدَاقٍ وَاجِبٍ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ [[في ر: "تكون".]] تَسْمِيَةُ الصَّدَاقِ كَذِبًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَمَضْمُونُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الصَّدَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ حَتمًا، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ بِذَلِكَ، كَمَا يَمْنَحُ الْمَنِيحَةَ وَيُعْطِي النِّحْلَةَ طَيِّبًا بِهَا، كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ الْمَرْأَةَ صَدَاقَهَا طَيِّبًا بِذَلِكَ، فَإِنْ طَابَتْ هِيَ لَهُ بِهِ بَعْدَ تَسْمِيَتِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَأْكُلْهُ حَلَالًا طَيِّبًا؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِذَا اشْتَكَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا، فَلْيسأل امْرَأَتَهُ ثَلَاثَةَ [[في أ: "بثلاثة".]] دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلْيَبْتَعْ بِهَا عَسَلًا ثُمَّ لِيَأْخُذْ مَاءَ السَّمَاءِ فَيَجْتَمِعُ هَنِيئًا مَرِيئًا شِفَاءً مُبَارَكًا.

وَقَالَ هُشَيم، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَيْرٍ [[في أ: "عمر".]] الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلَمَاني [[في جـ، ر، أ: "عبد الرحمن السلماني".]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ أهْلوهُم" [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/١٨٤) وأبو داود في المراسيل برقم (٢١٥) .]] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ حَجَّاج بْنِ أرْطاة، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: خَطَبَ [[في جـ، ر، أ: "خطبنا".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَنْكِحُوا الْأَيَامَى" ثَلَاثًا، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَرَاضَى عليه أهلوهم".

ابْنُ البَيْلمَاني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] ضَعِيفٌ، ثُمَّ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَيْضًا [[ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤/١٨٦) وسعيد بن منصور في السنن برقم (٦١٩) "الأعظمي" والبيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) كلهم مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَبْدِ الرحمن البيلماني مولى عمر بن الخطاب قال: فذكره مرسلا، وأظن أن "مولى" تصحفت في النسخ إلى "عن" وأكاد أجزم بذلك لقول الحافظ ابن كثير "فيه انقطاع"، فإن الانقطاع بإرساله، ولو كان عن عمر لكان موصولا.]] .

يَنْهَى تَعَالَى عَنْ تَمْكين السُّفَهَاءِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا، أَيْ: تَقُومُ [[في أ: "يقوم".]] بِهَا مَعَايِشُهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ هَاهُنَا يُؤْخَذُ الْحَجْرُ عَلَى السُّفَهَاءِ، وَهُمْ أَقْسَامٌ: فَتَارَةً يَكُونُ الحَجْرُ لِلصِّغَرِ؛ فَإِنَّ الصَّغِيرَ مَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ. وَتَارَةً يَكُونُ الحجرُ لِلْجُنُونِ، وَتَارَةً لِسُوءِ التَّصَرُّفِ لِنَقْصِ الْعَقْلِ أَوِ الدِّينِ، وَتَارَةً يَكُونُ الْحَجْرُ للفَلَس، وَهُوَ مَا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِرَجُلٍ وضاقَ مَالُهُ عَنْ وَفَائِهَا، فَإِذَا سَأَلَ [[في ر: "سألوا".]] الغُرَماء الْحَاكِمَ الحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قَالَ: هُمْ بَنُوك وَالنِّسَاءُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيبة [[في جـ، ر، أ: "عيينة".]] وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: هُمُ الْيَتَامَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُمُ النِّسَاءُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمّار، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَائِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ النِّسَاءَ السُّفَهاء إِلَّا الَّتِي أَطَاعَتْ قَيِّمَها".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مُطَوَّلًا [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٣٣) وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة وقد ضعف في روايته عن علي بن يزيد الألهاني.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ سُرَيج [[في جـ، ر، أ: "شريح".]] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ [[في أ: "مرة".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قَالَ: الْخَدَمُ، وَهُمُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَهُمُ الْخَدَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لَا تَعْمَد إِلَى مَالِكَ وَمَا خَوَّلك اللَّهُ، وَجَعَلَهُ مَعِيشَةً، فتعطيَه امْرَأَتَكَ أَوْ بَنيكَ، ثُمَّ تُنْظُرَ [[في ر: "تنتظر".]] إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ أمْسكْ مَالَكَ وأصلحْه، وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ من كسْوتهم وَمُؤْنَتِهِمْ وَرِزْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فرَاس، عن الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدة، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيّئة الخُلُق فَلَمْ يُطَلقها، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا، وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَلَمْ يُشْهِد عَلَيْهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ انْتَظَمَتِ الْإِحْسَانَ إِلَى الْعَائِلَةِ، ومَنْ تَحْتَ الحَجْر بِالْفِعْلِ، مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الْكَسَاوَى وَالْإِنْفَاقِ [[في جـ، ر، أ: "الأرزاق".]] وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ، وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الحُلُم. قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْبُلُوغُ فِي الْغُلَامِ تَارَةً يَكُونُ بالحُلُم، وَهُوَ أَنْ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَا يُنْزِلُ بِهِ الْمَاءَ الدَّافِقَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ [[في جـ، أ: "بإسناده".]] عَنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُتْم بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَات يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ" [[سنن أبي داود برقم (٢٨٧٣) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتلمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيقظ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيق" أَوْ يَسْتَكْمِلَ [[في جـ، أ: "ويستكمل".]] خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم أحد وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَق وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ فَأَجَازَنِي، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ -إِنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٨٦٨) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْبَاتِ [[في ر: "إثبات".]] الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرْجِ، وَهُوَ الشِّعْرة، هَلْ تَدُل عَلَى بُلُوغٍ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَدُلُّ [[في جـ، أ: "فلا يدل بلوغ".]] عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْمُعَالَجَةِ، وَبَيْنَ صِبْيَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَكُونُ بُلُوغًا فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَجَّلُ بِهَا إِلَّا ضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ، فَلَا يُعَالِجُهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسُ، وَاحْتِمَالُ الْمُعَالَجَةِ بَعِيدٌ، ثُمَّ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَطيَّةَ القُرَظيّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عُرضنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظة فَكَانَ مَنْ أنْبَتَ قُتل، وَمَنْ لَمْ يُنْبت خَلّي سَبِيلَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِت، فَخَلَّى سَبِيلِي.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ بِنَحْوِهِ [[المسند (٤/٣١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٠٤) (٤٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (١٥٨٤) وسنن النسائي (٦/١٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٤١،٢٥٤٢) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ قَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وسَبْي الذُّرِّيَّةِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ [[في جـ، أ: "أبو عبد الله".]] الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ "الْغَرِيبِ": حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ غُلَامًا ابْتَهَرَ جَارِيَةً فِي شِعْرِهِ، فَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْظُرُوا إِلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ أَنْبَتَ، فَدَرَأَ عَنْهُ الحَد. قَالَ أَبُو عُبَيد: ابْتَهَرَهَا: أَيْ قَذَفَهَا، وَالِابْتِهَارُ [[في جـ، ر: "قال: والابتهار".]] أَنْ يَقُولَ: فَعَلْتُ بِهَا وَهُوَ كَاذِبٌ [[في ر: "كذب".]] فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَهُوَ الِابْتِيَارُ، قَالَ الْكُمَيْتُ فِي شِعْرِهِ.

قَبِيحٌ بِمِثْلِي نعتُ الفَتَاة ... إمَّا ابْتِهَارًا وإمَّا ابْتِيَارَا [[غريب الحديث لأبي عبيد (٣/٢٨٩) والبيت في اللسان أيضا مادة (بهر) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي: صَلاحا فِي دِينِهِمْ وَحِفْظًا لِأَمْوَالِهِمْ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَهَكَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ متَى بلغَ الْغُلَامُ مُصْلحًا لِدِينِهِ وَمَالِهِ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ الَّذِي تَحْتَ يَدِ وَلَيِّهِ بِطَرِيقِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ يَنْهَى تَعَالَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ إِسْرَافًا وَمُبَادَرَةً قَبْلَ بُلُوغِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، أ.]] مَنْ كَانَ فِي غُنْية عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَلْيستعففْ عَنْهُ، وَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نَزَلَتْ فِي مَالِ [[في جـ، ر، أ: "والى".]] الْيَتِيمِ.

وَحَدَّثَنَا الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ، قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ [[في جـ، أ: "الأصبهاني وعلي".]] بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي وَالِي الْيَتِيمِ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهِ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَير، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ.

قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ: أجْرَةَ مِثْلِهِ أَوْ قَدَرَ حَاجَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَرُدُّ إِذَا أَيْسَرَ، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وَكَانَ فَقِيرًا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ أَبَاحَتِ الْأَكْلَ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أحمد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِف وَلَا مُبذر وَلَا متأثِّل مَالَا وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ -أَوْ قَالَ: تَفْدِيَ مَالَكَ -بِمَالِهِ" شَكَّ حُسَيْنٌ [[المسند (٣/١٨٦) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُكْتِبُ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي يَتِيمًا عِنْدَهُ مَالٌ -وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مَا -آكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: "بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُسرف".

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٧٢) ، وسنن النسائي (٦/٢٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧١٨) .]] بِهِ.

وَرَوَى أَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الخَزّاز، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَ أَضْرِبُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مَا كنتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ، غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ مِنْهُ مَالًا [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٢٤٤) "الإحسان" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/٨٩) كلاهما من طريق أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ به.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّ فِي حِجْرِي أَيْتَامًا، وَإِنَّ لَهُمْ إِبِلًا وَلِي إِبِلٌ، وَأَنَا أَمْنَحُ [[في أ: "أشبع".]] فِي إِبِلِي وأفْقر فَمَاذَا يَحِلُّ لِي مِنْ أَلْبَانِهَا؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّتَهَا وتهْنَأ جَرْبَاهَا، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا، وَتَسْقِي [[في أ: "وتسعى".]] عَلَيْهَا، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضر بِنَسْلٍ، وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ.

وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [[تفسير الطبري (٧/٥٨٨) وموطأ مالك (٢/٩٣٤) ومن طريق مالك رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٨) ثم قال: "هذا إسناد صحيح".]] بِهِ.

وَبِهَذَا الْقَوْلِ -وَهُوَ عدمُ أَدَاءِ الْبَدَلِ [[في جـ: "وهو رد عدم البدل".]] -يَقُولُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَطِيَّةُ العوْفي، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.

وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ عَلَى الحظْر، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَيَرُدُّ بَدَلَهُ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ لِلْمُضْطَرِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا ابْنُ خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضرَب قَالَ: قَالَ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّى أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ، إِنِ استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فَإِذَا أيسرتُ قَضَيْتُ [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٥) والطبري في تفسيره (٧/٥٨٢) من طريق سفيان وإسرائيل به.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ، رضي الله عنه: إنى أنزلْتُ نفسي من مَالِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أيسَرت رَدَدْتُه، وَإِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ.

إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٦) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.]] وروَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نحوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: الْقَرْضَ. قَالَ: ورُوي عَنْ عُبَيدة، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ -وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ.

ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْديّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: يَأْكُلُ مِنْ مَالِهِ، يَقُوتُ عَلَى يَتِيمِهِ [[في جـ، أ: "على نفسه".]] حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ. قَالَ: ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْران فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالْحَكَمِ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيّ: لَا يَأْكُلْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، كَمَا يُضْطَرُّ إِلَى [أَكْلِ] [[زيادة من جـ.]] الْمَيْتَةِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ قَضَاهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْم القَارئ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَرَبِيعَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَقَالَا [[في جـ: "قال"، وفي أ: "قالا".]] ذَلِكَ فِي الْيَتِيمِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ [[في جـ: "تنفق" وفي أ: "انتفق".]] عَلَيْهِ بِقَدْرِ فَقْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٤] أَيْ: لَا تَقْرَبُوهُ إِلَّا مُصْلِحِينَ لَهُ، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْهِ أَكَلْتُمْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ بُلُوغِهِمُ الْحُلُمَ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ [مِنْهُمْ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَحِينَئِذٍ سَلِّمُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَهَذَا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَوْلِيَاءِ [[في جـ: "هذا أمر الله للأولياء".]] أَنْ يُشْهِدُوا عَلَى الْأَيْتَامِ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ وَسَلَّمُوا [[في جـ، ر: "تسلموا"، وفي أ: "ويسلموا".]] إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ؛ لِئَلَّا يَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أَيْ: وَكَفَى بِاللَّهِ مُحَاسِبًا وَشَهِيدًا وَرَقِيبًا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي حَالِ نَظَرِهِمْ لِلْأَيْتَامِ، وَحَالِ تَسْلِيمِهِمْ [[في و: "تسلمهم الأموال".]] لِلْأَمْوَالِ: هَلْ هِيَ كَامِلَةٌ مُوَفَّرَةٌ، أَوْ مَنْقُوصَةٌ مَبْخوسة مُدْخَلَةٌ مُرَوَّجٌ حِسَابُهَا مُدَلَّسٌ أُمُورُهَا؟ اللَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ كُلِّهُ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٦) .]] .

يَنْهَى تَعَالَى عَنْ تَمْكين السُّفَهَاءِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا، أَيْ: تَقُومُ [[في أ: "يقوم".]] بِهَا مَعَايِشُهُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ هَاهُنَا يُؤْخَذُ الْحَجْرُ عَلَى السُّفَهَاءِ، وَهُمْ أَقْسَامٌ: فَتَارَةً يَكُونُ الحَجْرُ لِلصِّغَرِ؛ فَإِنَّ الصَّغِيرَ مَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ. وَتَارَةً يَكُونُ الحجرُ لِلْجُنُونِ، وَتَارَةً لِسُوءِ التَّصَرُّفِ لِنَقْصِ الْعَقْلِ أَوِ الدِّينِ، وَتَارَةً يَكُونُ الْحَجْرُ للفَلَس، وَهُوَ مَا إِذَا أَحَاطَتِ الدُّيُونُ بِرَجُلٍ وضاقَ مَالُهُ عَنْ وَفَائِهَا، فَإِذَا سَأَلَ [[في ر: "سألوا".]] الغُرَماء الْحَاكِمَ الحَجْرَ عَلَيْهِ حَجَرَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قَالَ: هُمْ بَنُوك وَالنِّسَاءُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيبة [[في جـ، ر، أ: "عيينة".]] وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَير: هُمُ الْيَتَامَى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هُمُ النِّسَاءُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمّار، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَائِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ النِّسَاءَ السُّفَهاء إِلَّا الَّتِي أَطَاعَتْ قَيِّمَها".

وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مُطَوَّلًا [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٣٣) وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة وقد ضعف في روايته عن علي بن يزيد الألهاني.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ سُرَيج [[في جـ، ر، أ: "شريح".]] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ [[في أ: "مرة".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قَالَ: الْخَدَمُ، وَهُمُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَهُمُ الْخَدَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لَا تَعْمَد إِلَى مَالِكَ وَمَا خَوَّلك اللَّهُ، وَجَعَلَهُ مَعِيشَةً، فتعطيَه امْرَأَتَكَ أَوْ بَنيكَ، ثُمَّ تُنْظُرَ [[في ر: "تنتظر".]] إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ أمْسكْ مَالَكَ وأصلحْه، وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ من كسْوتهم وَمُؤْنَتِهِمْ وَرِزْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فرَاس، عن الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدة، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ سَيّئة الخُلُق فَلَمْ يُطَلقها، وَرَجُلٌ أَعْطَى مَالَهُ سَفِيهًا، وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَلَمْ يُشْهِد عَلَيْهِ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي فِي الْبِرِّ وَالصِّلَةِ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ انْتَظَمَتِ الْإِحْسَانَ إِلَى الْعَائِلَةِ، ومَنْ تَحْتَ الحَجْر بِالْفِعْلِ، مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الْكَسَاوَى وَالْإِنْفَاقِ [[في جـ، ر، أ: "الأرزاق".]] وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ، وَتَحْسِينِ الْأَخْلَاقِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: الحُلُم. قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْبُلُوغُ فِي الْغُلَامِ تَارَةً يَكُونُ بالحُلُم، وَهُوَ أَنْ يَرَى فِي مَنَامِهِ مَا يُنْزِلُ بِهِ الْمَاءَ الدَّافِقَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ [[في جـ، أ: "بإسناده".]] عَنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُتْم بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَات يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ" [[سنن أبي داود برقم (٢٨٧٣) .]] .

وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتلمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيقظ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيق" أَوْ يَسْتَكْمِلَ [[في جـ، أ: "ويستكمل".]] خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوم أحد وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَق وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ فَأَجَازَنِي، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -لَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الْحَدِيثُ -إِنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٨٦٨) .]] .

وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْبَاتِ [[في ر: "إثبات".]] الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرْجِ، وَهُوَ الشِّعْرة، هَلْ تَدُل عَلَى بُلُوغٍ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَدُلُّ [[في جـ، أ: "فلا يدل بلوغ".]] عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْمُعَالَجَةِ، وَبَيْنَ صِبْيَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَكُونُ بُلُوغًا فِي حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَجَّلُ بِهَا إِلَّا ضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ، فَلَا يُعَالِجُهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ النَّاسُ، وَاحْتِمَالُ الْمُعَالَجَةِ بَعِيدٌ، ثُمَّ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَطيَّةَ القُرَظيّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: عُرضنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظة فَكَانَ مَنْ أنْبَتَ قُتل، وَمَنْ لَمْ يُنْبت خَلّي سَبِيلَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِت، فَخَلَّى سَبِيلِي.

وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ بِنَحْوِهِ [[المسند (٤/٣١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٠٤) (٤٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (١٥٨٤) وسنن النسائي (٦/١٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٤١،٢٥٤٢) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ قَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وسَبْي الذُّرِّيَّةِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ [[في جـ، أ: "أبو عبد الله".]] الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ "الْغَرِيبِ": حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ غُلَامًا ابْتَهَرَ جَارِيَةً فِي شِعْرِهِ، فَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْظُرُوا إِلَيْهِ. فَلَمْ يُوجَدْ أَنْبَتَ، فَدَرَأَ عَنْهُ الحَد. قَالَ أَبُو عُبَيد: ابْتَهَرَهَا: أَيْ قَذَفَهَا، وَالِابْتِهَارُ [[في جـ، ر: "قال: والابتهار".]] أَنْ يَقُولَ: فَعَلْتُ بِهَا وَهُوَ كَاذِبٌ [[في ر: "كذب".]] فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَهُوَ الِابْتِيَارُ، قَالَ الْكُمَيْتُ فِي شِعْرِهِ.

قَبِيحٌ بِمِثْلِي نعتُ الفَتَاة ... إمَّا ابْتِهَارًا وإمَّا ابْتِيَارَا [[غريب الحديث لأبي عبيد (٣/٢٨٩) والبيت في اللسان أيضا مادة (بهر) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي: صَلاحا فِي دِينِهِمْ وَحِفْظًا لِأَمْوَالِهِمْ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَهَكَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ متَى بلغَ الْغُلَامُ مُصْلحًا لِدِينِهِ وَمَالِهِ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ، فَيُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ الَّذِي تَحْتَ يَدِ وَلَيِّهِ بِطَرِيقِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ يَنْهَى تَعَالَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ إِسْرَافًا وَمُبَادَرَةً قَبْلَ بُلُوغِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، أ.]] مَنْ كَانَ فِي غُنْية عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَلْيستعففْ عَنْهُ، وَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ عَلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.

﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نَزَلَتْ فِي مَالِ [[في جـ، ر، أ: "والى".]] الْيَتِيمِ.

وَحَدَّثَنَا الْأَشَجُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ، قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ.

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَعِيدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ [[في جـ، أ: "الأصبهاني وعلي".]] بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي وَالِي الْيَتِيمِ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهِ.

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَير، عَنْ هِشَامٍ، بِهِ.

قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ: أجْرَةَ مِثْلِهِ أَوْ قَدَرَ حَاجَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يَرُدُّ إِذَا أَيْسَرَ، عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وَكَانَ فَقِيرًا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ أَبَاحَتِ الْأَكْلَ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أحمد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِف وَلَا مُبذر وَلَا متأثِّل مَالَا وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَقِيَ مَالَكَ -أَوْ قَالَ: تَفْدِيَ مَالَكَ -بِمَالِهِ" شَكَّ حُسَيْنٌ [[المسند (٣/١٨٦) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُكْتِبُ، عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي يَتِيمًا عِنْدَهُ مَالٌ -وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مَا -آكُلُ مِنْ مَالِهِ؟ قَالَ: "بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُسرف".

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ [[سنن أبي داود برقم (٢٨٧٢) ، وسنن النسائي (٦/٢٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧١٨) .]] بِهِ.

وَرَوَى أَبُو حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الخَزّاز، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَ أَضْرِبُ يَتِيمِي؟ قَالَ: مَا كنتَ ضَارِبًا مِنْهُ وَلَدَكَ، غَيْرَ وَاقٍ مَالَكَ بِمَالِهِ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ مِنْهُ مَالًا [[رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٢٤٤) "الإحسان" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/٨٩) كلاهما من طريق أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ به.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّ فِي حِجْرِي أَيْتَامًا، وَإِنَّ لَهُمْ إِبِلًا وَلِي إِبِلٌ، وَأَنَا أَمْنَحُ [[في أ: "أشبع".]] فِي إِبِلِي وأفْقر فَمَاذَا يَحِلُّ لِي مِنْ أَلْبَانِهَا؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّتَهَا وتهْنَأ جَرْبَاهَا، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا، وَتَسْقِي [[في أ: "وتسعى".]] عَلَيْهَا، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضر بِنَسْلٍ، وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ.

وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [[تفسير الطبري (٧/٥٨٨) وموطأ مالك (٢/٩٣٤) ومن طريق مالك رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٨) ثم قال: "هذا إسناد صحيح".]] بِهِ.

وَبِهَذَا الْقَوْلِ -وَهُوَ عدمُ أَدَاءِ الْبَدَلِ [[في جـ: "وهو رد عدم البدل".]] -يَقُولُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَطِيَّةُ العوْفي، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.

وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ عَلَى الحظْر، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَيَرُدُّ بَدَلَهُ كَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ لِلْمُضْطَرِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا ابْنُ خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ وَإِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضرَب قَالَ: قَالَ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابِ] [[زيادة من جـ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّى أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ هَذَا الْمَالِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ، إِنِ استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فَإِذَا أيسرتُ قَضَيْتُ [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٥) والطبري في تفسيره (٧/٥٨٢) من طريق سفيان وإسرائيل به.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ، رضي الله عنه: إنى أنزلْتُ نفسي من مَالِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أيسَرت رَدَدْتُه، وَإِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ.

إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٦) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به.]] وروَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نحوَ ذَلِكَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: الْقَرْضَ. قَالَ: ورُوي عَنْ عُبَيدة، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير -فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ -وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ.

ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْديّ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ: يَأْكُلُ مِنْ مَالِهِ، يَقُوتُ عَلَى يَتِيمِهِ [[في جـ، أ: "على نفسه".]] حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ. قَالَ: ورُوي عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْران فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالْحَكَمِ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيّ: لَا يَأْكُلْ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، كَمَا يُضْطَرُّ إِلَى [أَكْلِ] [[زيادة من جـ.]] الْمَيْتَةِ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ قَضَاهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي نُعَيْم القَارئ قَالَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ وَرَبِيعَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَقَالَا [[في جـ: "قال"، وفي أ: "قالا".]] ذَلِكَ فِي الْيَتِيمِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ [[في جـ: "تنفق" وفي أ: "انتفق".]] عَلَيْهِ بِقَدْرِ فَقْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَهَذَا بَعِيدٌ مِنَ السِّيَاقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: مِنْهُمْ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٤] أَيْ: لَا تَقْرَبُوهُ إِلَّا مُصْلِحِينَ لَهُ، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْهِ أَكَلْتُمْ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ بُلُوغِهِمُ الْحُلُمَ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ [مِنْهُمْ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَحِينَئِذٍ سَلِّمُوهُمْ أَمْوَالَهُمْ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وَهَذَا أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَوْلِيَاءِ [[في جـ: "هذا أمر الله للأولياء".]] أَنْ يُشْهِدُوا عَلَى الْأَيْتَامِ إِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ وَسَلَّمُوا [[في جـ، ر: "تسلموا"، وفي أ: "ويسلموا".]] إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ؛ لِئَلَّا يَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أَيْ: وَكَفَى بِاللَّهِ مُحَاسِبًا وَشَهِيدًا وَرَقِيبًا عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي حَالِ نَظَرِهِمْ لِلْأَيْتَامِ، وَحَالِ تَسْلِيمِهِمْ [[في و: "تسلمهم الأموال".]] لِلْأَمْوَالِ: هَلْ هِيَ كَامِلَةٌ مُوَفَّرَةٌ، أَوْ مَنْقُوصَةٌ مَبْخوسة مُدْخَلَةٌ مُرَوَّجٌ حِسَابُهَا مُدَلَّسٌ أُمُورُهَا؟ اللَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ كُلِّهُ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم" [[صحيح مسلم برقم (١٨٢٦) .]] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَالَ لِلرِّجَالِ الْكِبَارِ، وَلَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْأَطْفَالَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، يَسْتَوُونَ فِي أَصْلِ الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لِكُلٍّ مِنْهُمْ، بِمَا يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ وَلَاءٍ. فَإِنَّهُ لُحْمَة كَلُحمة النَّسَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ هَرَاسة [[في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جابر قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ كُجَّة [[في ر: "لجه".]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي هَذَا الحديثُ عِنْدَ آيَتَيِ الْمِيرَاثِ بِسِيَاقٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ ذَوُو الْقُرْبَى مِمَّنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَلْيَرْضَخْ لَهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ نَصِيبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ [[في أ: "مستحب".]] وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيد أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيان، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَة، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الحَكَم، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ قَائِمَةٌ يَعْمَلُ بِهَا.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَلِيَ عُبَيْدَةُ وَصِيَّةً، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، فَأَطْعَمَ أَصْحَابَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي.

وَقَالَ مَالِكٌ، فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ فِي جُزْءٍ مَجْمُوعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُرْوَةَ أعْطى مِنْ مَالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مَالَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَهِيَ مُحْكَمَةٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ مَا طَابَتْ بِهِ الْأَنْفُسُ.

ذِكْرُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ:

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبَى مُلَيكة: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَسَّمَ مِيرَاثَ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ حَية قَالَا فَلَمْ يَدَعْ فِي الدَّارِ مِسْكِينًا وَلَا ذَا قَرَابَةٍ إِلَّا أَعْطَاهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ. قَالَا وَتَلَا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ قَالَ الْقَاسِمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا أَصَابَ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ يزيد الْمَيِّتُ [أَنْ] [[زيادة من أ.]] يُوصِي لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.]] .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ:

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخَةٌ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنزل [[في جـ، أ: "ينزل".]] الْفَرَائِضُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ، فَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَجُعِلَتِ الصَّدَقَةُ فِيمَا سَمى الْمُتَوَفَّى. رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويه.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصبَّاح، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيج وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾

نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَجُعِلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نُصِيبُهُ مِمَّا تَرك الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ -مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ -[نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، أ.]]

وَحَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا [[في جـ، أ: "عن".]] قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، كَانَ مَا تَرَكَ الرَّجُلُ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْيَتِيمُ وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَذَوِي الْقُرْبَى إِذَا حَضروا الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ بِكُلِّ ذِي حَق حَقَّهُ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْ مَالِهِ، يُوصِي بِهَا لِذَوِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَالْوَصِيَّةُ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وزيد ابن أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا [[في أ: "هي".]] مَنْسُوخَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهور الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا غَرِيبًا جَدًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أَيْ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ مَالِ الْوَصِيَّةِ أُولُو قُرَابَةِ الْمَيِّتِ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ﴾ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ إِذَا حَضَرُوا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هَذَا مَضْمُونُ مَا حَاوَلَهُ بَعْدَ طُول الْعِبَارَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا عَلَى مَا سَلَكَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَلِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ مِنَ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرثون، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قِسْمَةَ مَالٍ جَزِيلٍ، فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ تَتُوقُ [[في جـ، ر، أ: "تتشوق".]] إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا شَيْءَ يُعْطَوْنَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى -وَهُوَ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ -أَنْ يُرضَخ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الوسَط يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ [[في أ: "لهم".]] وَصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٤١] وَذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ الْمَالَ [[في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال".]] خِفْيَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الْمَحَاوِيجُ وَذَوُو الْفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [الْقَلَمِ:١٧] أَيْ: بِلَيْلٍ. وَقَالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [الْقَلَمِ:٢٣، ٢٤] ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ:١٠] فَمَنْ جَحَد حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ [[في أ: "عاقبه الله".]] فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَفْسَدَتْهُ" [[رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤) : "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".]] أَيْ: مَنْعُهَا يَكُونُ سَبَبَ مِحَاقِ ذَلِكَ الْمَالِ بالكلية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُره الْمَوْتُ، فَيَسْمَعُهُ الرَّجُلُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضر بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلصَّوَابِ، وَلْيُنْظَرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْد بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ يَعُودُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فالشَّطْر؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنك أن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أَنْ تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون النَّاسَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩) .]] .

قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنْ كَانَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أَغْنِيَاءَ استُحب لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْتَوفي الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ [[في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله".]] وَإِنْ كَانُوا فَقُرَاءَ استُحب أَنْ يَنْقُص الثُّلُثَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، ر.]] فِي مُبَاشَرَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾

حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، يَتَأَيَّدُ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، أَيْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ ذَرِّيَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَعَامِلِ النَّاسَ فِي ذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] إِذَا وَلِيتَهُمْ.

ثُمَّ أَعْلِمْهُمْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَالَ يَتِيمٍ ظُلْمًا فَإِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أَيْ: إِذَا أَكَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ نَارًا تَأجَّج [[في جـ، أ: "تتأجج".]] فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ [[في جـ، أ: "يزيد".]] عَنْ سَالِمٍ أَبِي الغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتولِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ [[في أ: "عبد الله".]] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العمِّى، حدثنا أبو هاروي [[في جـ، ر، أ: "هارون".]] العَبْدي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يا رسول الله، ما رأيت لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "انطَلَق بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَال، كُلُّ رَجُلٍ لَهُ مِشْفَران كَمِشْفَرَيِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ موَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ [[في أ: "يكفون".]] لِحَاءَ [[في ر: "لحيي".]] أَحَدِهِمْ، ثُمَّ يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَتُقْذَف فِي فِي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُمْ [[في ر، أ: "وله".]] خُوار وصُرَاخ. قُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.

قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".]] .

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ [[في ر: "تخرج".]] مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ بِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَوْمُ [[في جـ: "ناس".]] مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّج أَفْوَاهُهُمْ نَارًا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ.

رَوَاهُ [[في جـ، أ: "أخرجه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ عُقْبة بْنِ مُكْرَمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ [[صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ مَردويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، أحمد بْنُ عِصَامٍ [[في أ: "عاصم".]] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبيد الله".]] بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المقبرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفيْن: الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ" [[وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.]] أَيْ [[في أ: "إني".]] أُوصِيكُمْ بِاجْتِنَابِ مَالِهِمَا.

وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ [[في ر: "أو يفسده".]] فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَالَ لِلرِّجَالِ الْكِبَارِ، وَلَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْأَطْفَالَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، يَسْتَوُونَ فِي أَصْلِ الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لِكُلٍّ مِنْهُمْ، بِمَا يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ وَلَاءٍ. فَإِنَّهُ لُحْمَة كَلُحمة النَّسَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ هَرَاسة [[في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جابر قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ كُجَّة [[في ر: "لجه".]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي هَذَا الحديثُ عِنْدَ آيَتَيِ الْمِيرَاثِ بِسِيَاقٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ ذَوُو الْقُرْبَى مِمَّنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَلْيَرْضَخْ لَهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ نَصِيبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ [[في أ: "مستحب".]] وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيد أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيان، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَة، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الحَكَم، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ قَائِمَةٌ يَعْمَلُ بِهَا.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَلِيَ عُبَيْدَةُ وَصِيَّةً، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، فَأَطْعَمَ أَصْحَابَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي.

وَقَالَ مَالِكٌ، فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ فِي جُزْءٍ مَجْمُوعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُرْوَةَ أعْطى مِنْ مَالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مَالَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَهِيَ مُحْكَمَةٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ مَا طَابَتْ بِهِ الْأَنْفُسُ.

ذِكْرُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ:

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبَى مُلَيكة: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَسَّمَ مِيرَاثَ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ حَية قَالَا فَلَمْ يَدَعْ فِي الدَّارِ مِسْكِينًا وَلَا ذَا قَرَابَةٍ إِلَّا أَعْطَاهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ. قَالَا وَتَلَا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ قَالَ الْقَاسِمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا أَصَابَ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ يزيد الْمَيِّتُ [أَنْ] [[زيادة من أ.]] يُوصِي لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.]] .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ:

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخَةٌ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنزل [[في جـ، أ: "ينزل".]] الْفَرَائِضُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ، فَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَجُعِلَتِ الصَّدَقَةُ فِيمَا سَمى الْمُتَوَفَّى. رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويه.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصبَّاح، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيج وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾

نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَجُعِلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نُصِيبُهُ مِمَّا تَرك الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ -مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ -[نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، أ.]]

وَحَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا [[في جـ، أ: "عن".]] قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، كَانَ مَا تَرَكَ الرَّجُلُ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْيَتِيمُ وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَذَوِي الْقُرْبَى إِذَا حَضروا الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ بِكُلِّ ذِي حَق حَقَّهُ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْ مَالِهِ، يُوصِي بِهَا لِذَوِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَالْوَصِيَّةُ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وزيد ابن أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا [[في أ: "هي".]] مَنْسُوخَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهور الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا غَرِيبًا جَدًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أَيْ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ مَالِ الْوَصِيَّةِ أُولُو قُرَابَةِ الْمَيِّتِ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ﴾ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ إِذَا حَضَرُوا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هَذَا مَضْمُونُ مَا حَاوَلَهُ بَعْدَ طُول الْعِبَارَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا عَلَى مَا سَلَكَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَلِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ مِنَ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرثون، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قِسْمَةَ مَالٍ جَزِيلٍ، فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ تَتُوقُ [[في جـ، ر، أ: "تتشوق".]] إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا شَيْءَ يُعْطَوْنَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى -وَهُوَ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ -أَنْ يُرضَخ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الوسَط يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ [[في أ: "لهم".]] وَصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٤١] وَذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ الْمَالَ [[في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال".]] خِفْيَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الْمَحَاوِيجُ وَذَوُو الْفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [الْقَلَمِ:١٧] أَيْ: بِلَيْلٍ. وَقَالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [الْقَلَمِ:٢٣، ٢٤] ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ:١٠] فَمَنْ جَحَد حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ [[في أ: "عاقبه الله".]] فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَفْسَدَتْهُ" [[رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤) : "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".]] أَيْ: مَنْعُهَا يَكُونُ سَبَبَ مِحَاقِ ذَلِكَ الْمَالِ بالكلية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُره الْمَوْتُ، فَيَسْمَعُهُ الرَّجُلُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضر بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلصَّوَابِ، وَلْيُنْظَرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْد بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ يَعُودُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فالشَّطْر؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنك أن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أَنْ تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون النَّاسَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩) .]] .

قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنْ كَانَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أَغْنِيَاءَ استُحب لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْتَوفي الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ [[في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله".]] وَإِنْ كَانُوا فَقُرَاءَ استُحب أَنْ يَنْقُص الثُّلُثَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، ر.]] فِي مُبَاشَرَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾

حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، يَتَأَيَّدُ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، أَيْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ ذَرِّيَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَعَامِلِ النَّاسَ فِي ذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] إِذَا وَلِيتَهُمْ.

ثُمَّ أَعْلِمْهُمْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَالَ يَتِيمٍ ظُلْمًا فَإِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أَيْ: إِذَا أَكَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ نَارًا تَأجَّج [[في جـ، أ: "تتأجج".]] فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ [[في جـ، أ: "يزيد".]] عَنْ سَالِمٍ أَبِي الغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتولِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ [[في أ: "عبد الله".]] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العمِّى، حدثنا أبو هاروي [[في جـ، ر، أ: "هارون".]] العَبْدي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يا رسول الله، ما رأيت لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "انطَلَق بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَال، كُلُّ رَجُلٍ لَهُ مِشْفَران كَمِشْفَرَيِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ موَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ [[في أ: "يكفون".]] لِحَاءَ [[في ر: "لحيي".]] أَحَدِهِمْ، ثُمَّ يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَتُقْذَف فِي فِي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُمْ [[في ر، أ: "وله".]] خُوار وصُرَاخ. قُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.

قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".]] .

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ [[في ر: "تخرج".]] مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ بِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَوْمُ [[في جـ: "ناس".]] مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّج أَفْوَاهُهُمْ نَارًا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ.

رَوَاهُ [[في جـ، أ: "أخرجه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ عُقْبة بْنِ مُكْرَمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ [[صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ مَردويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، أحمد بْنُ عِصَامٍ [[في أ: "عاصم".]] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبيد الله".]] بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المقبرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفيْن: الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ" [[وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.]] أَيْ [[في أ: "إني".]] أُوصِيكُمْ بِاجْتِنَابِ مَالِهِمَا.

وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ [[في ر: "أو يفسده".]] فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَالَ لِلرِّجَالِ الْكِبَارِ، وَلَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْأَطْفَالَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، يَسْتَوُونَ فِي أَصْلِ الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لِكُلٍّ مِنْهُمْ، بِمَا يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ وَلَاءٍ. فَإِنَّهُ لُحْمَة كَلُحمة النَّسَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ هَرَاسة [[في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جابر قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ كُجَّة [[في ر: "لجه".]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي هَذَا الحديثُ عِنْدَ آيَتَيِ الْمِيرَاثِ بِسِيَاقٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ ذَوُو الْقُرْبَى مِمَّنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَلْيَرْضَخْ لَهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ نَصِيبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ [[في أ: "مستحب".]] وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيد أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيان، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَة، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الحَكَم، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ قَائِمَةٌ يَعْمَلُ بِهَا.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَلِيَ عُبَيْدَةُ وَصِيَّةً، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، فَأَطْعَمَ أَصْحَابَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي.

وَقَالَ مَالِكٌ، فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ فِي جُزْءٍ مَجْمُوعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُرْوَةَ أعْطى مِنْ مَالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مَالَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَهِيَ مُحْكَمَةٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ مَا طَابَتْ بِهِ الْأَنْفُسُ.

ذِكْرُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ:

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبَى مُلَيكة: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَسَّمَ مِيرَاثَ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ حَية قَالَا فَلَمْ يَدَعْ فِي الدَّارِ مِسْكِينًا وَلَا ذَا قَرَابَةٍ إِلَّا أَعْطَاهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ. قَالَا وَتَلَا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ قَالَ الْقَاسِمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا أَصَابَ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ يزيد الْمَيِّتُ [أَنْ] [[زيادة من أ.]] يُوصِي لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.]] .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ:

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخَةٌ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنزل [[في جـ، أ: "ينزل".]] الْفَرَائِضُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ، فَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَجُعِلَتِ الصَّدَقَةُ فِيمَا سَمى الْمُتَوَفَّى. رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويه.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصبَّاح، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيج وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾

نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَجُعِلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نُصِيبُهُ مِمَّا تَرك الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ -مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ -[نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، أ.]]

وَحَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا [[في جـ، أ: "عن".]] قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، كَانَ مَا تَرَكَ الرَّجُلُ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْيَتِيمُ وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَذَوِي الْقُرْبَى إِذَا حَضروا الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ بِكُلِّ ذِي حَق حَقَّهُ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْ مَالِهِ، يُوصِي بِهَا لِذَوِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَالْوَصِيَّةُ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وزيد ابن أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا [[في أ: "هي".]] مَنْسُوخَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهور الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا غَرِيبًا جَدًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أَيْ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ مَالِ الْوَصِيَّةِ أُولُو قُرَابَةِ الْمَيِّتِ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ﴾ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ إِذَا حَضَرُوا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هَذَا مَضْمُونُ مَا حَاوَلَهُ بَعْدَ طُول الْعِبَارَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا عَلَى مَا سَلَكَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَلِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ مِنَ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرثون، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قِسْمَةَ مَالٍ جَزِيلٍ، فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ تَتُوقُ [[في جـ، ر، أ: "تتشوق".]] إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا شَيْءَ يُعْطَوْنَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى -وَهُوَ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ -أَنْ يُرضَخ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الوسَط يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ [[في أ: "لهم".]] وَصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٤١] وَذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ الْمَالَ [[في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال".]] خِفْيَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الْمَحَاوِيجُ وَذَوُو الْفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [الْقَلَمِ:١٧] أَيْ: بِلَيْلٍ. وَقَالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [الْقَلَمِ:٢٣، ٢٤] ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ:١٠] فَمَنْ جَحَد حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ [[في أ: "عاقبه الله".]] فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَفْسَدَتْهُ" [[رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤) : "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".]] أَيْ: مَنْعُهَا يَكُونُ سَبَبَ مِحَاقِ ذَلِكَ الْمَالِ بالكلية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُره الْمَوْتُ، فَيَسْمَعُهُ الرَّجُلُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضر بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلصَّوَابِ، وَلْيُنْظَرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْد بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ يَعُودُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فالشَّطْر؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنك أن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أَنْ تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون النَّاسَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩) .]] .

قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنْ كَانَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أَغْنِيَاءَ استُحب لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْتَوفي الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ [[في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله".]] وَإِنْ كَانُوا فَقُرَاءَ استُحب أَنْ يَنْقُص الثُّلُثَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، ر.]] فِي مُبَاشَرَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾

حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، يَتَأَيَّدُ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، أَيْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ ذَرِّيَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَعَامِلِ النَّاسَ فِي ذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] إِذَا وَلِيتَهُمْ.

ثُمَّ أَعْلِمْهُمْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَالَ يَتِيمٍ ظُلْمًا فَإِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أَيْ: إِذَا أَكَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ نَارًا تَأجَّج [[في جـ، أ: "تتأجج".]] فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ [[في جـ، أ: "يزيد".]] عَنْ سَالِمٍ أَبِي الغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتولِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ [[في أ: "عبد الله".]] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العمِّى، حدثنا أبو هاروي [[في جـ، ر، أ: "هارون".]] العَبْدي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يا رسول الله، ما رأيت لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "انطَلَق بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَال، كُلُّ رَجُلٍ لَهُ مِشْفَران كَمِشْفَرَيِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ موَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ [[في أ: "يكفون".]] لِحَاءَ [[في ر: "لحيي".]] أَحَدِهِمْ، ثُمَّ يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَتُقْذَف فِي فِي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُمْ [[في ر، أ: "وله".]] خُوار وصُرَاخ. قُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.

قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".]] .

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ [[في ر: "تخرج".]] مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ بِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَوْمُ [[في جـ: "ناس".]] مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّج أَفْوَاهُهُمْ نَارًا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ.

رَوَاهُ [[في جـ، أ: "أخرجه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ عُقْبة بْنِ مُكْرَمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ [[صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ مَردويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، أحمد بْنُ عِصَامٍ [[في أ: "عاصم".]] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبيد الله".]] بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المقبرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفيْن: الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ" [[وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.]] أَيْ [[في أ: "إني".]] أُوصِيكُمْ بِاجْتِنَابِ مَالِهِمَا.

وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ [[في ر: "أو يفسده".]] فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠] .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ الْمَالَ لِلرِّجَالِ الْكِبَارِ، وَلَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الْأَطْفَالَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ فِيهِ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، يَسْتَوُونَ فِي أَصْلِ الْوِرَاثَةِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا بِحَسَبِ مَا فَرَضَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لِكُلٍّ مِنْهُمْ، بِمَا يُدْلِي بِهِ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ قَرَابَةٍ، أَوْ زَوْجِيَّةٍ، أَوْ وَلَاءٍ. فَإِنَّهُ لُحْمَة كَلُحمة النَّسَبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ هَرَاسة [[في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة".]] عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عن جابر قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ كُجَّة [[في ر: "لجه".]] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِيَ ابْنَتَيْنِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ﴾ الْآيَةَ، وَسَيَأْتِي هَذَا الحديثُ عِنْدَ آيَتَيِ الْمِيرَاثِ بِسِيَاقٍ آخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ ذَوُو الْقُرْبَى مِمَّنْ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَلْيَرْضَخْ لَهُمْ مِنَ التَّرِكَةِ نَصِيبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ [[في أ: "مستحب".]] وَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حُمَيد أَخْبَرَنَا عُبَيدُ اللَّهِ [[في أ: "عبد الله".]] الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيان، عَنِ الشَّيْباني، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَة، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ. تَابَعَهُ سَعيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا عَبَّاد بْنُ العَوَّام، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الحَكَم، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ قَائِمَةٌ يَعْمَلُ بِهَا.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ، مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَمَكْحُولٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعي، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنِ اسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: وَلِيَ عُبَيْدَةُ وَصِيَّةً، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ، فَأَطْعَمَ أَصْحَابَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي.

وَقَالَ مَالِكٌ، فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ مِنَ التَّفْسِيرِ فِي جُزْءٍ مَجْمُوعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عُرْوَةَ أعْطى مِنْ مَالِ مُصْعَبٍ حِينَ قَسَّمَ مَالَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَهِيَ مُحْكَمَةٌ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ مَا طَابَتْ بِهِ الْأَنْفُسُ.

ذِكْرُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ بِالْوَصِيَّةِ لَهُمْ:

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبَى مُلَيكة: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَسَّمَ مِيرَاثَ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ حَية قَالَا فَلَمْ يَدَعْ فِي الدَّارِ مِسْكِينًا وَلَا ذَا قَرَابَةٍ إِلَّا أَعْطَاهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ. قَالَا وَتَلَا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ قَالَ الْقَاسِمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا أَصَابَ، لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ يزيد الْمَيِّتُ [أَنْ] [[زيادة من أ.]] يُوصِي لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به.]] .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ:

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قَالَ: مَنْسُوخَةٌ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾

وَقَالَ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى﴾ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنزل [[في جـ، أ: "ينزل".]] الْفَرَائِضُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَائِضَ، فَأَعْطَى كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَجُعِلَتِ الصَّدَقَةُ فِيمَا سَمى الْمُتَوَفَّى. رَوَاهُنَّ ابْنُ مَرْدُويه.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ [[في جـ، أ: "الحسين".]] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصبَّاح، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيج وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾

نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَجُعِلَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ نُصِيبُهُ مِمَّا تَرك الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ -مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ -[نَصِيبًا مَفْرُوضًا] [[زيادة من جـ، أ.]]

وَحَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا [[في جـ، أ: "عن".]] قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَانَتْ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، كَانَ مَا تَرَكَ الرَّجُلُ مِنْ مَالٍ أُعْطِيَ مِنْهُ الْيَتِيمُ وَالْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ وَذَوِي الْقُرْبَى إِذَا حَضروا الْقِسْمَةَ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ، فَأَلْحَقَ اللَّهُ بِكُلِّ ذِي حَق حَقَّهُ، وَصَارَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْ مَالِهِ، يُوصِي بِهَا لِذَوِي قَرَابَتِهِ حَيْثُ يَشَاءُ.

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا الْمَوَارِيثُ وَالْوَصِيَّةُ.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وزيد ابن أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهَا [[في أ: "هي".]] مَنْسُوخَةٌ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهور الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِمْ.

وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا قَوْلًا غَرِيبًا جَدًا، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَهُ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أَيْ: وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ مَالِ الْوَصِيَّةِ أُولُو قُرَابَةِ الْمَيِّتِ ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ﴾ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ إِذَا حَضَرُوا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هَذَا مَضْمُونُ مَا حَاوَلَهُ بَعْدَ طُول الْعِبَارَةِ وَالتَّكْرَارِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ وَهِيَ قِسْمَةُ الْمِيرَاثِ. وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا عَلَى مَا سَلَكَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بَلِ الْمَعْنَى: أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءُ مِنَ الْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا يَرثون، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قِسْمَةَ مَالٍ جَزِيلٍ، فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ تَتُوقُ [[في جـ، ر، أ: "تتشوق".]] إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، إِذَا رَأَوْا هَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ وَهَذَا يَأْخُذُ، وَهُمْ يَائِسُونَ لَا شَيْءَ يُعْطَوْنَ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى -وَهُوَ الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ -أَنْ يُرضَخ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الوسَط يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ [[في أ: "لهم".]] وَصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٤١] وَذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ الْمَالَ [[في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال".]] خِفْيَةً؛ خَشْيَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ الْمَحَاوِيجُ وَذَوُو الْفَاقَةِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [الْقَلَمِ:١٧] أَيْ: بِلَيْلٍ. وَقَالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [الْقَلَمِ:٢٣، ٢٤] ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [مُحَمَّدٍ:١٠] فَمَنْ جَحَد حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عَاقَبَهُ [[في أ: "عاقبه الله".]] فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُهُ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَا خَالَطَتِ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَفْسَدَتْهُ" [[رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤) : "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".]] أَيْ: مَنْعُهَا يَكُونُ سَبَبَ مِحَاقِ ذَلِكَ الْمَالِ بالكلية.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُره الْمَوْتُ، فَيَسْمَعُهُ الرَّجُلُ يُوصِي بِوَصِيَّةٍ تَضر بِوَرَثَتِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَيُوَفِّقَهُ وَيُسَدِّدَهُ لِلصَّوَابِ، وَلْيُنْظَرْ لِوَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصْنَعَ بِوَرَثَتِهِ إِذَا خَشِيَ عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْد بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ يَعُودُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةً، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فالشَّطْر؟ قَالَ: "لَا". قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إنك أن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أَنْ تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون النَّاسَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩) .]] .

قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنْ كَانَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ أَغْنِيَاءَ استُحب لِلْمَيِّتِ أَنْ يَسْتَوفي الثُّلُثَ فِي وَصِيَّتِهِ [[في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله".]] وَإِنْ كَانُوا فَقُرَاءَ استُحب أَنْ يَنْقُص الثُّلُثَ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، ر.]] فِي مُبَاشَرَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ﴿وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾

حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ العَوْفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ، يَتَأَيَّدُ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، أَيْ: كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُعَامَلَ ذَرِّيَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَعَامِلِ النَّاسَ فِي ذُرِّيَّاتِهِمْ [[في أ: "ذراريهم".]] إِذَا وَلِيتَهُمْ.

ثُمَّ أَعْلِمْهُمْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَالَ يَتِيمٍ ظُلْمًا فَإِنَّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أَيْ: إِذَا أَكَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ نَارًا تَأجَّج [[في جـ، أ: "تتأجج".]] فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سليمان ابن بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ [[في جـ، أ: "يزيد".]] عَنْ سَالِمٍ أَبِي الغَيْث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنبوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتولِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ".

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ [[في أ: "عبد الله".]] أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ العمِّى، حدثنا أبو هاروي [[في جـ، ر، أ: "هارون".]] العَبْدي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يا رسول الله، ما رأيت لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِكَ؟ قَالَ: "انطَلَق بِي إِلَى خَلْقٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ كَثِيرٍ، رِجَال، كُلُّ رَجُلٍ لَهُ مِشْفَران كَمِشْفَرَيِ الْبَعِيرِ، وَهُوَ موَكَّل بِهِمْ رِجَالٌ يَفُكُّونَ [[في أ: "يكفون".]] لِحَاءَ [[في ر: "لحيي".]] أَحَدِهِمْ، ثُمَّ يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَتُقْذَف فِي فِي أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَلَهُمْ [[في ر، أ: "وله".]] خُوار وصُرَاخ. قُلْتُ [[في أ: "فقلت".]] يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا" [[ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.

قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".]] .

وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهَبُ النَّارِ يَخْرُجُ [[في ر: "تخرج".]] مِنْ فِيهِ وَمِنْ مَسَامِعِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ، يَعْرِفُهُ مَنْ رَآهُ بِأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ؛ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْقَوْمُ [[في جـ: "ناس".]] مِنْ قُبُورِهِمْ تَأَجَّج أَفْوَاهُهُمْ نَارًا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ.

رَوَاهُ [[في جـ، أ: "أخرجه".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي زُرْعة، عَنْ عُقْبة بْنِ مُكْرَمٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُكْرَمٍ [[صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ مَردويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جعفر، أحمد بْنُ عِصَامٍ [[في أ: "عاصم".]] حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبيد الله".]] بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ المقبرِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أُحَرِّجُ مَالَ الضَّعِيفيْن: الْمَرْأَةِ وَالْيَتِيمِ" [[وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني.]] أَيْ [[في أ: "إني".]] أُوصِيكُمْ بِاجْتِنَابِ مَالِهِمَا.

وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بن جبير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَل طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يُفْضِلُ الشَّيْءَ فَيُحْبَس لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ [[في ر: "أو يفسده".]] فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٠] .

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالَّتِي [[في ر: "والذي".]] بَعْدَهَا وَالْآيَةُ الَّتِي هِيَ خَاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ هُنَّ آيَاتُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ، وَهُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِمَّا هِيَ كَالتَّفْسِيرِ لِذَلِكَ وَلنذْكُرْ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الْمَسَائِلِ وَنَصْبُ الْخِلَافِ وَالْأَدِلَّةِ، وَالْحِجَاجُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، فَمَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ" فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ [[في جـ، ر، أ: "وبالله المستعان".]] .

وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ، وَهَذِهِ الْفَرَائِضُ الْخَاصَّةُ [[في جـ، أ: "الخاصة وهي من أهم ذلك".]] مِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ التَّنُوخِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في جـ، ر، أ: "عنهما".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "العِلْمُ ثَلَاثَةٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قائمةٌ، أَوْ فَريضةٌ عَادَلةٌ" [[سنن أبي داود برقم (٢٨٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) والدارقطني في السنن (٤/٦٧) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي به. قال الذهبي في هذا الحديث والذي بعده: الحديثان ضعيفان.]] .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، تَعلَّمُوا الفرائِضَ وعلِّموهُ فَإِنَّهُ نصْف الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ [[في جـ، أ: "علم".]] يُنْتزَع مِنْ أُمَّتِي".

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧١٩) ورواه الدارقطني في السنن (٤/٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف به. قال الذهبي: "فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو واه بمرة".]] .

وَقَدْ رُوي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ [[حديث ابن مسعود "تعلموا الفرائض وعلموها فإني امرؤ مقبوض.." الحديث، رواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٣) .]] وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ. قَالَ [سُفْيَانُ] [[زيادة من: ر، أ.]] ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّمَا سَمَّى الْفَرَائِضَ نصفَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يُبْتَلَى [[في أ: "تبتلى".]] بِهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أن ابن جُرَيج أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ المُنْكدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: عَادَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلمَةَ مَاشِيَيْنِ، فوجَدَني النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَش عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ .

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٣٢٣) .]] بِهِ، وَرَوَاهُ الجماعةُ كُلّهم مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَينة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ [[طريق سفيان رواها البخاري في صحيحه برقم (٥٦٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٦١٦) وأبو داود في السنن برقم (٢٨٨٦) والترمذي في السنن برقم (٢٠٩٧) والنسائي في السنن (١/٨٧) وابن ماجة في السنن برقم (٢٧٢٨) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ جَابِرٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدّثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] الرَّقِّيُّ -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقيل، عن جابر قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبيع إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتل أَبُوهُمَا مَعَكَ فِي أحُد شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا يُنْكَحَان إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ. قَالَ: فَقَالَ: "يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ". قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَأَرْسَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: "أعْطِ ابْنَتي سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيل، بِهِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ [[المسند (٣/٣٥٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٢٠) .]] .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ [[في أ: "أنه".]] حَدِيثَ جَابِرٍ الْأَوَّلَ إِنَّمَا نَزَلَ بِسَبَبِهِ الْآيَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لَهُ إِذْ ذَاكَ أَخَوَاتٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَنَاتٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يُورَثُ كَلَالَةً، وَلَكِنْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ هَاهُنَا تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ هَاهُنَا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ جَابِرٍ أَشْبَهُ بِنُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَقَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أَيْ: يَأْمُرُكُمْ بِالْعَدْلِ فِيهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَجْعَلُونَ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ، وَفَاوَتَ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِاحْتِيَاجِ الرَّجُلِ إِلَى مُؤْنَةِ النَّفَقَةِ وَالْكُلْفَةِ وَمُعَانَاةِ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ وتجشُّم الْمَشَقَّةِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعْطَى ضعْفَيْ مَا تَأْخُذُهُ [[في ر: "ما تأخذ".]] الْأُنْثَى.

وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْأَذْكِيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، حَيْثُ أَوْصَى الْوَالِدَيْنِ بِأَوْلَادِهِمْ، فَعُلِمَ [[في أ: "منكم".]] أَنَّهُ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ في الحديث الصحيح.

وَقَدْ رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْي تَدُورُ عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ أَخَذَتْهُ فألْصَقَتْه بصَدْرها وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "أتَروْن هذهِ طارحةَ وَلَدَهَا [[في جـ: "بولدها".]] فِي النَّارِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ: "فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا".

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فنَسَخ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلزَّوْجَةِ الثَّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٨) .]] .

وَقَالَ العَوفي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا مَا فَرَضَ، لِلْوَلَدِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْأَبَوَيْنِ، كَرِهَهَا النَّاسُ أَوْ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: تُعطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ أَوِ الثُّمُنَ [[في أ: "والثمن".]] وَتُعْطَى الْبِنْتُ [[في ر: "ويعطى الابنة"، وفي جـ: "وتعطى الابنة".]] النِّصْفَ. وَيُعْطَى الْغُلَامُ الصَّغِيرُ. وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُ الْقَوْمَ، وَلَا يَحُوزُ الْغَنِيمَةَ.. اسْكُتُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْسَاهُ، أَوْ نَقُولُ لَهُ فَيُغَيِّرُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُعْطِي الْجَارِيَةَ نِصْفَ مَا تَرَكَ أَبُوهَا، وَلَيْسَتْ تَرْكَبُ الفَرَس، وَلَا تُقَاتِلُ الْقَوْمَ ونُعطِي [[في ر، أ: "ويعطي".]] الصَّبِيَّ الْمِيرَاثَ وَلَيْسَ يُغني [[في ر: "يعني".]] شَيْئًا.. وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ، وَيُعْطُونَهُ الْأَكْبَرَ فَالْأَكْبَرَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَوْلُهُ: ﴿فَوْقَ﴾ زَائِدَةٌ وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ﴾ [الْأَنْفَالِ:١٢] وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّم لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ زَائِدٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا قَالُوهُ لَقَالَ: فَلَهُمَا ثُلُثَا مَا تَرَكَ. وَإِنَّمَا اسْتُفِيدَ كَوْنُ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ [[في جـ، ر: "كون للبنتين الثلثان".]] مِنْ حُكْمِ الْأُخْتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ فِيهَا لِلْأُخْتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ. وَإِذَا وَرِثَ الْأُخْتَانِ الثُّلُثَيْنِ فَلَأَنْ يَرِثَ الْبِنْتَانِ الثُّلُثَيْنِ بِطْرِيقِ الْأَولَى [[في جـ، ر، أ: "الأحرى".]] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ لِابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالثُّلُثَيْنِ، فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فَلَوْ كَانَ لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ [أَيْضًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] لَنَصَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا حَكَمَ بِهِ لِلْوَاحِدَةِ عَلَى انْفِرَادِهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْبِنْتَيْنِ فِي حُكْمِ الثَّلَاثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾

إِلَى آخِرِهِ، الْأَبَوَانِ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ أَحْوَالٌ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَا مَعَ الْأَوْلَادِ، فَيُفْرَضُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ إِلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ، فُرِضَ لَهَا النِّصْفُ، وَلِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَأَخَذَ الْأَبُ السُّدُسَ الْآخَرَ بِالتَّعْصِيبِ، فَيُجْمَعُ [[في أ: "فيجتمع".]] لَهُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -بَيْنَ هَذِهِ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْفَرِدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، فَيُفْرَضُ لِلْأُمِّ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -الثُّلُثُ وَيَأْخُذُ الْأَبُ الْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ الْمَحْضِ، وَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ ضَعْفَيِ مَا فُرِضَ [[في جـ: "ما حصل" وفي ر: "ما فضل".]] لِلْأُمِّ، وَهُوَ الثُّلُثَانِ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا -وَالْحَالَةُ هَذِهِ -زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَخَذَ الزَّوْجُ النِّصْفَ وَالزَّوْجَةُ [[في جـ، ر: "أو الزوجة".]] الرُّبُعَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَا تَأْخُذُ [[في أ: "ماذا تأخذ".]] الْأُمُّ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كَأَنَّهُ [[في أ: "كان".]] جَمِيعُ الْمِيرَاثِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهَا نِصْفَ مَا جَعَلَ لِلْأَبِ فَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي وَيَأْخُذُ ثُلُثَيْهِ [[في ر: "الباقي".]] وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ. وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَإِنَّ الْآيَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ لَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، نَحْوُهُ. وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ اللَّبَّانِ الْبَصْرِيُّ [[في أ: "المصري".]] فِي كِتَابِهِ "الْإِيجَازُ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ".

وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ [مَا] [[زيادة من أ.]] إِذَا اسْتَبَدَّ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَأْخُذُ الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ الْفَرْضَ، وَيَبْقَى الْبَاقِي كَأَنَّهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ، فَتَأْخُذُ ثُلُثَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّهَا تَأْخُذُ الرُّبُعَ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ [[في جـ، ر: "ثلثه".]] مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَتَأْخُذُ الْأُمُّ الثُّلُثَ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، فَيَبْقَى [[في أ: "فبقى".]] خَمْسَةٌ لِلْأَبِ. وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ فَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي؛ لِئَلَّا تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَبِ لَوْ أَخَذَتْ ثُلُثَ الْمَالِ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ [[في جـ، ر: "ثلثه".]] وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ [[في جـ: "الباقي".]] وَهُوَ سَهْمٌ، وَلِلْأَبِ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ سَهْمَانِ. وَيُحْكَى هَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِينَ، مُوَافِقٌ كُلَّا مِنْهُمَا فِي صُورَةٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالْحَالُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَبَوَيْنِ: وَهُوَ اجْتِمَاعُهُمَا مَعَ الْإِخْوَةِ، وَسَوَاءٌ كانوا من الأبوين، أو من الْأَبِ، أَوْ مِنَ الْأُمِّ، فَإِنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، فَيُفْرَضُ لَهَا مَعَ وُجُودِهِمُ السُّدُسُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهَا وَسِوَى الْأَبِ أَخَذَ الْأَبُ الْبَاقِي.

وَحُكْمُ الْأَخَوَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَحُكْمِ الْإِخْوَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخَوَيْنِ لَا يَردان الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فَالْأَخَوَانِ لَيْسَا بِلِسَانِ قَوْمِكَ إِخْوَةٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ مَا كَانَ قَبْلِي، وَمَضَى فِي الْأَمْصَارِ، وَتَوَارَثَ بِهِ النَّاسُ.

وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ نَظَرٌ، فَإِنَّ شُعْبَة هَذَا تكلَّم فِيهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَخِصَّاءُ بِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُهُ.

وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَخَوَانِ تُسَمَّى إِخْوَةٌ [[في جـ، ر، أ: "وتسمى الأخوان إخوة".]] وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُزءًا عَلَى حِدَةٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ﴾ أَضَرُّوا بِالْأُمِّ وَلَا يَرِثُونَ، وَلَا يَحْجُبُهَا الْأَخُ الْوَاحِدُ مِنَ الثُّلُثِ وَيَحْجُبُهَا مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَرون أَنَّهُمْ إِنَّمَا حَجَبُوا أُمَّهُمْ مِنَ الثُّلُثِ أَنَّ أَبَاهُمْ يَلِي إِنْكَاحَهُمْ وَنَفَقَتَهُ [[في جـ: "والنفقة".]] عَلَيْهِمْ دُونَ أُمِّهِمْ.

وَهَذَا كَلَامٌ [[في جـ: "الكلام".]] حَسَنٌ. لَكِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ السُّدُسَ الَّذِي حَجَبُوهُ عَنْ أُمِّهِمْ يَكُونُ لَهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السُّدُسُ الَّذِي حَجَبَتْه الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ لَهُمْ، إِنَّمَا حَجَبُوا أُمَّهُمْ عَنْهُ لِيَكُونَ لَهُمْ دُونَ أَبِيهِمْ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَمْرو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ سَلَفًا وَخَلَفًا: أَنَّ الدَّيْن مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ يُفْهَمُ مِنْ فَحْوَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَصْحَابُ التَّفَاسِيرِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] [[زيادة من أ.]] قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلات، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فيه بعض أهل العلم [[سنن الترمذي برقم (٢٠٩٤) .]] .

قُلْتُ: لَكِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْفَرَائِضِ مُعْتَنِيًا بِهَا وَبِالْحِسَابِ [[قال أبو بكر بن أبي داود: "الحارث كان أفقه وأفرض الناس وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي"، وقيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، كنت أختلف إليه أتعلم الحساب، كان أحسب الناس.

لكن ضعف في روايته للحديث، ضعفه جماعة منهم الشعبي وجرير وابن مهدي وابن المديني ويحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم. انظر: تهذيب الكمال (٥/٢٤٤) .]] فَاللَّهُ [[في ر: "والله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أَيْ: إِنَّمَا فَرَضْنَا لِلْآبَاءِ وَلِلْأَبْنَاءِ، وَسَاوَيْنَا بَيْنَ الْكُلِّ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ كَوْنِ الْمَالِ لِلْوَلَدِ وَلِلْوَالِدَيْنِ [[في ر، أ: "وللأبوين".]] الْوَصِيَّةُ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِنَّمَا نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى هَذَا، فَفَرَضَ لِهَؤُلَاءِ وَلِهَؤُلَاءِ بِحَسَبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفْعُ الدُّنْيَوِيُّ -أَوِ الْأُخْرَوِيُّ أَوْ هُمَا -مِنْ أَبِيهِ مَا لَا يَأْتِيهِ مِنِ ابْنِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أَيْ: كَأَنَّ [[في جـ، ر، أ: "كما أن".]] النَّفْعَ مُتَوَقَّعٌ وَمَرْجُوٌّ مِنْ هَذَا، كَمَا هُوَ مُتَوَقَّعٌ وَمَرْجُوٌّ مِنَ الْآخَرِ؛ فَلِهَذَا فَرَضْنَا لِهَذَا وَلِهَذَا، وَسَاوَيْنَا بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ فِي أَصْلِ الْمِيرَاثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: [مِنْ] [[زيادة من ر.]] هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْمِيرَاثِ، وَإِعْطَاءِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ -هُوَ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ حَكَمَ بِهِ وَقَضَاهُ، وَاللَّهُ [[في جـ، ر، أ: "وهو".]] عَلِيمٌ حَكِيمٌ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا، وَيُعْطِي كُلًّا مَا يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

يَقُولُ تَعَالَى: وَلَكُمْ -أَيُّهَا الرِّجَالُ-نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِذَا مُتْن عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ [وَصِيَّةٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] يُوصِينَ بِهَا أَوْ دِينٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَبَعْدَهُ الْوَصِيَّةُ ثُمَّ الْمِيرَاثُ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَحُكْمُ أَوْلَادِ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفُلُوا حُكْمُ أَوْلَادِ الصُّلْبِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ إِلَخْ، وَسَوَاءٌ فِي الرُّبُعِ أَوِ الثُّمُنِ الزَّوْجَةُ والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن [[في أ: "يشتركون".]] فيه.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إِلَخْ، الْكَلَامُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الْكَلَالَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْإِكْلِيلِ، وَهُوَ الَّذِي يُحِيطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا [[في أ: "هاهنا".]] مَنْ يَرِثُهُ مِنْ حَوَاشِيهِ لَا أُصُولِهِ وَلَا فُرُوعِهِ، كَمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي لِأَسْتَحْيِيَ [[في ر: "إنني لأستحي"، وفي جـ، أ: "إني أستحي".]] أَنْ أُخَالِفَ أَبَا بَكْرٍ فِي رَأْيٍ رَآهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ [[تفسير الطبري (٨/٥٤) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩١) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٤٤) من طريق سفيان عن عاصم الأحول بنحوه.]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: الْقَوْلُ مَا قُلْتُ، وَمَا قُلْتُ [[في ر: "القول".]] وَمَا قُلْتُ. قَالَ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ [[تفسير ابن أبي حاتم (٢/ل١١٥) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٨٩) من طريق سفيان بن عيينة به.]] .

وَهَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَصَحَّ عَنْ [[في جـ، ر، أ: "من".]] غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَكَمُ. وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ [[في جـ، ر: "الخلف والسلف".]] بَلْ جَمِيعِهِمْ. وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ. وَالصَّحِيحُ عَنْهُ الْأَوَّلُ، وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ مَا فُهِمَ عَنْهُ [[في جـ: "ولعل الراوي عنه ما فهم ما أراد".]] مَا أَرَادَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أَيْ: مِنْ أُمٍّ، كَمَا هُوَ فِي قِرَاءَةِ بَعْضِ السَّلَفِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَذَا فَسَّرَهَا أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ فِيمَا رَوَاهُ [[في أ: "فيما روى".]] قَتَادَةُ عَنْهُ، ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾

وَإِخْوَةُ الْأُمِّ يُخَالِفُونَ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ مِنْ وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَعَ مَنْ أَدْلَوْا بِهِ وَهِيَ الْأُمُّ. الثَّانِي: أَنَّ ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ سَوَاءٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَيِّتُهُمْ يُورَثُ كَلَالَةً، فَلَا يَرِثُونَ مَعَ أَبٍ، وَلَا جَدٍّ، وَلَا وَلَدٍ، وَلَا [[في جـ: "وكذا".]] وَلَدِ ابْنٍ. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ لَا يُزَادُونَ [[في أ: "يزدادون".]] عَلَى الثُّلُثِ، وَإِنْ كَثُرَ [[في جـ: "كنا".]] ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ بَيْنَهُمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ الْأُنْثَى [[في ر: "مثل حظ الأنثيين".]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى عُمَرَ قَضَى بِذَلِكَ حَتَّى عَلِمَ بِذَلِكَ [[في جـ: "ذلك".]] مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَهِيَ: زَوْجٌ، وَأَمٌّ أَوْ جَدَّةٌ، وَاثْنَانِ [[في جـ، أ: "وابنان".]] مَنْ وَلَدِ الْأُمِّ وَوَاحِدٌ [[في ر: "وواحدا".]] أَوْ أَكْثَرُ مَنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ. فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ أَوِ الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَلِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَيُشَارِكُهُمْ فِيهِ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ إخوةُ الْأُمِّ.

وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ [[في جـ، ر، أ: "زمان".]] أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَعْطَى الزَّوْجَ النِّصْفَ، وَالْأُمَّ السُّدُسَ، وَجَعَلَ الثُّلُثَ لِأَوْلَادِ الْأُمِّ، فَقَالَ لَهُ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا، أَلَسْنًا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ فَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ.

وَصَحَّ التَّشْرِيكُ عَنْهُ وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَمَسْرُوقٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالثَّوْرِيُّ، وشريك وهو مذهب مالك والشافعي، وإسحاق بن رَاهْوَيْهِ.

وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَا يُشَرِّكُ بَيْنَهُمْ، بَلْ يَجْعَلُ الثُّلُثَ لِأَوْلَادِ الْأُمِّ، وَلَا شَيْءَ لِأَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ. وَقَالَ وَكِيع بْنُ الْجَرَّاحِ: لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ، وزُفَر بْنِ الهُذيل، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ الْفَرَضِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "الْإِيجَازُ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أَيْ: لِتَكُونَ [[في جـ، ر، أ: "لتكن"، وفي أ: "ليكن".]] وَصِيَّتُهُ عَلَى الْعَدْلِ، لَا عَلَى الْإِضْرَارِ وَالْجَوْرِ وَالْحَيْفِ بِأَنْ يَحْرِمَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَنْقُصَهُ، أَوْ يَزِيدَهُ عَلَى مَا قدرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْفَرِيضَةِ فَمَتَى سَعَى فِي ذَلِكَ كَانَ كَمَنْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حِكْمَتِهِ [[في جـ: "حكمه".]] وَقِسْمَتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ الدِّمَشْقِيُّ الْفَرَادِيسِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ".

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْمُغِيرَةِ هَذَا [[تفسير الطبري (٨/٦٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٧١) من طريق عمر بن المغيرة به.]] وَهُوَ أَبُو حَفْصٍ بَصْرِيٌ سَكَنَ الْمِصِّيصَةَ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَيُعْرَفُ بِمُفْتِي الْمَسَاكِينِ. وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: هُوَ شَيْخٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هُوَ مَجْهُولٌ لَا أَعْرِفُهُ. لَكِنْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ حُجْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِر، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا: "الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ عَائِذِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٢) وتفسير الطبري (٨/٦٥) .]] وَفِي بَعْضِهَا: وَيَقْرَأُ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ [[في أ: "ابن جرير".]] وَالصَّحِيحُ الْمَوْقُوفُ.

وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ: هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِصِيغَةِ الْإِقْرَارِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقَّه، فَلَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ". وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَذَهَبَ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ. وَهُوَ مَذْهَبُ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [[في أ: "واختاره أبو عبد الله".]] الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَافع بْنَ خَدِيجٍ أَوْصَى أَلَّا تُكْشَف [[في جـ، ر، أ: "لا يكشف".]] الفَزَارية عَمَّا أغْلقَ عَلَيْهِ بَابُهَا قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِ لِلْوَرَثَةِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِيَّاكُمْ والظنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكذبُ الْحَدِيثِ". وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النِّسَاءِ:٥٨] فَلَمْ يَخُصَّ وَارِثًا وَلَا غَيْرَهُ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ.

فَمَتَى كَانَ الإقرارُ صَحِيحًا مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ جَرَى فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَمَتَى كَانَ حِيلَةً وَوَسِيلَةً إِلَى زِيَادَةِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ وَنُقْصَانِ بَعْضِهِمْ، فَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَبِنَصِّ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [ثُمَّ قَالَ اللَّهُ] [[زيادة من أ.]]

أَيْ: هَذِهِ الْفَرَائِضُ وَالْمَقَادِيرُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِلْوَرَثَةِ بِحَسَبِ قُربهم مِنَ الْمَيِّتِ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ وَفَقْدِهِمْ لَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، هِيَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَلَا تُجَاوِزُوهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيهَا، فَلَمْ يَزِدْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَلَمْ [[في جـ، ر، أ: "ولا"]] يَنْقُصْ بَعْضًا بِحِيلَةٍ وَوَسِيلَةٍ، بَلْ تَرَكَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَفَرِيضَتِهِ وَقِسْمَتِهِ ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ، لِكَوْنِهِ غيَّر مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ [[في جـ، ر: "من".]] عَدَمِ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ، وَلِهَذَا يُجَازِيهِ بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْر ابن حَوْشَب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنةً، فَإِذَا أوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ [[في جـ، ر، أ: "فيختم له".]] بَشَرِّ عَمَلِهِ، فيدخل النار؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيُدْخُلُ [[في ر: "فيدخله"]] الْجَنَّةَ". قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [[المسند (٢/٢٧٨) .]] .

[وَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ [[في جـ، أ: "في".]] سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدَة [[في ر: "عبيدة".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا [نَصْرُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] بْنُ عَلِيٍّ الحُدَّاني، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الحُدَّاني، حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوشَب: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَاران فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ" وَقَالَ: قَرَأَ عَلِيٌّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ هَاهُنَا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿ [وَ] [[زيادة من جـ.]] ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

وَهَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الحُدَّاني بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل [[سنن أبي داود برقم (٢٨٦٧) وسنن الترمذي برقم (٢١١٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٠٤) .]] .

أَيْ: هَذِهِ الْفَرَائِضُ وَالْمَقَادِيرُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِلْوَرَثَةِ بِحَسَبِ قُربهم مِنَ الْمَيِّتِ وَاحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ وَفَقْدِهِمْ لَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، هِيَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَلَا تُجَاوِزُوهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أَيْ: فِيهَا، فَلَمْ يَزِدْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَلَمْ [[في جـ، ر، أ: "ولا"]] يَنْقُصْ بَعْضًا بِحِيلَةٍ وَوَسِيلَةٍ، بَلْ تَرَكَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَفَرِيضَتِهِ وَقِسْمَتِهِ ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أَيْ، لِكَوْنِهِ غيَّر مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ وَضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ [[في جـ، ر: "من".]] عَدَمِ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ، وَلِهَذَا يُجَازِيهِ بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ شَهْر ابن حَوْشَب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنةً، فَإِذَا أوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ [[في جـ، ر، أ: "فيختم له".]] بَشَرِّ عَمَلِهِ، فيدخل النار؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيُدْخُلُ [[في ر: "فيدخله"]] الْجَنَّةَ". قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [[المسند (٢/٢٧٨) .]] .

[وَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ [[في جـ، أ: "في".]] سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَبْدَة [[في ر: "عبيدة".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا [نَصْرُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] بْنُ عَلِيٍّ الحُدَّاني، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الحُدَّاني، حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوشَب: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَاران فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ" وَقَالَ: قَرَأَ عَلِيٌّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ هَاهُنَا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿ [وَ] [[زيادة من جـ.]] ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .

وَهَكَذَا [[في أ: "وكذا".]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الحُدَّاني بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل [[سنن أبي داود برقم (٢٨٦٧) وسنن الترمذي برقم (٢١١٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٠٤) .]] .

كَانَ الْحُكْمُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ فَثَبُتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، حُبست فِي بَيْتٍ فَلَا تُمكن مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يَعْنِي: الزِّنَا ﴿مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ فَالسَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُوَ النَّاسِخُ لِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ النُّورِ فَنَسَخَهَا بِالْجَلْدِ، أَوِ الرَّجْمِ.

وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمة، وسَعيد بْنِ جُبَيْر، وَالْحَسَنِ، وعَطاء الخُراساني، وَأَبِي صَالِحٍ، وَقَتَادَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّان بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقاشِي، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَثَّرَ عَلَيْهِ وَكَرُبَ لِذَلِكَ وتَرَبّد وَجْهُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبكرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ورَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْى سَنَةٍ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حطَّان [[في ر: "خطاب".]] عَنْ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ: " خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (٥/٣١٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٣٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٠) .]]

وَهَكَذَا [[في جـ، ر: "وكذا".]] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالة، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عُرف ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [وَ] [[في جميع النسخ: "فلما" بدل الواو.]] ارْتَفَعَ الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذُوا خُذُوا، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا البكْرُ بالبكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنفيُ سَنَةٍ، والثَّيِّب بالثيبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ".

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَكِيع بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَم، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قُبَيْصَة بْنِ حُرَيث، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّق قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ".

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، كَانَ قَصَّابًا بِوَاسِطَ [[المسند (٣/٤٧٦) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البكْرَان يُجْلَدان ويُنفيَانِ، وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ ويُرجَمانِ، والشَّيْخانِ يُرجَمان". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[وفي إسناده عمرو بن عبد الغفار الفقيمي. قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث، وقال العقيلي: منكر الحديث. ميزان الاعتدال برقم (٦٤٠٣) .]] .

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنِ أَخِيهِ عِيسَى بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ" [[المعجم الكبير (١١/٣٦٥) وابن لهيعة وأخوه ضعيفان.]] .

وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الثَّيِّبَ الزَّانِي إِنَّمَا يُرجم فَقَطْ مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ، قَالُوا: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّيْنِ، وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الجلد [[في ر، أ: "الرجم".]] ليس بِحَتْمٍ، بَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أَيْ: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِ [[في جـ، ر، أ: "يفعلان".]] الْفَاحِشَةَ فَآذَوْهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا: أَيْ بِالشَّتْمِ وَالتَّعْيِيرِ، وَالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ، وَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَهُ اللَّهُ بِالْجَلْدِ أَوِ الرَّجْمِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا زَنَيَا.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْفِتْيَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الرَّجُلَيْنِ إِذَا فَعَلَا لَا يُكَنِّي، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ اللِّوَاطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رأيتُمُوه يَعَمَلُ عَمَل قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفاعلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٤٦٢) والترمذي في السنن برقم (١٤٥٥) وابن ماجة في السنن برقم (٢٥٦١) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أَيْ: أَقْلَعَا وَنَزَعَا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ، وصَلُحت أَعْمَالُهُمَا وَحَسُنَتْ ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أَيْ: لَا تُعَنِّفُوهما بِكَلَامٍ قَبِيح بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ "إِذَا زَنَتْ أمَة أحدكُم فَلْيَجْلدْها الحدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" أَيْ: ثُمَّ لَا يُعَيِّرُهَا بِمَا صَنَعتْ بَعْدَ الْحَدِّ، الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ لِمَا صَنَعتْ.

كَانَ الْحُكْمُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا زَنَتْ فَثَبُتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، حُبست فِي بَيْتٍ فَلَا تُمكن مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ إِلَى أَنْ تَمُوتَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يَعْنِي: الزِّنَا ﴿مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ فَالسَّبِيلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُوَ النَّاسِخُ لِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ النُّورِ فَنَسَخَهَا بِالْجَلْدِ، أَوِ الرَّجْمِ.

وَكَذَا رُوي عَنْ عِكْرِمة، وسَعيد بْنِ جُبَيْر، وَالْحَسَنِ، وعَطاء الخُراساني، وَأَبِي صَالِحٍ، وَقَتَادَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالضَّحَّاكِ: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ. وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّان بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقاشِي، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَثَّرَ عَلَيْهِ وَكَرُبَ لِذَلِكَ وتَرَبّد وَجْهُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبكرِ، الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ، ورَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ، وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْى سَنَةٍ".

وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حطَّان [[في ر: "خطاب".]] عَنْ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَفْظُهُ: " خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (٥/٣١٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٣٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٠) .]]

وَهَكَذَا [[في جـ، ر: "وكذا".]] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالة، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ عُرف ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [وَ] [[في جميع النسخ: "فلما" بدل الواو.]] ارْتَفَعَ الْوَحْيُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذُوا خُذُوا، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا البكْرُ بالبكرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنفيُ سَنَةٍ، والثَّيِّب بالثيبِ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ".

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَكِيع بْنِ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَم، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قُبَيْصَة بْنِ حُرَيث، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّق قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ".

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ بِالْحَافِظِ، كَانَ قَصَّابًا بِوَاسِطَ [[المسند (٣/٤٧٦) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البكْرَان يُجْلَدان ويُنفيَانِ، وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ ويُرجَمانِ، والشَّيْخانِ يُرجَمان". هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[وفي إسناده عمرو بن عبد الغفار الفقيمي. قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث، وقال العقيلي: منكر الحديث. ميزان الاعتدال برقم (٦٤٠٣) .]] .

وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعة، عَنِ أَخِيهِ عِيسَى بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ" [[المعجم الكبير (١١/٣٦٥) وابن لهيعة وأخوه ضعيفان.]] .

وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الثَّيِّبَ الزَّانِي إِنَّمَا يُرجم فَقَطْ مِنْ غَيْرِ جَلْدٍ، قَالُوا: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّيْنِ، وَلَمْ يَجْلِدْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الجلد [[في ر، أ: "الرجم".]] ليس بِحَتْمٍ، بَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أَيْ: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِ [[في جـ، ر، أ: "يفعلان".]] الْفَاحِشَةَ فَآذَوْهُمَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا: أَيْ بِالشَّتْمِ وَالتَّعْيِيرِ، وَالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ، وَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَهُ اللَّهُ بِالْجَلْدِ أَوِ الرَّجْمِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا زَنَيَا.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْفِتْيَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي الرَّجُلَيْنِ إِذَا فَعَلَا لَا يُكَنِّي، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ اللِّوَاطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ رأيتُمُوه يَعَمَلُ عَمَل قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفاعلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٤٤٦٢) والترمذي في السنن برقم (١٤٥٥) وابن ماجة في السنن برقم (٢٥٦١) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أَيْ: أَقْلَعَا وَنَزَعَا عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ، وصَلُحت أَعْمَالُهُمَا وَحَسُنَتْ ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أَيْ: لَا تُعَنِّفُوهما بِكَلَامٍ قَبِيح بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ "إِذَا زَنَتْ أمَة أحدكُم فَلْيَجْلدْها الحدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" أَيْ: ثُمَّ لَا يُعَيِّرُهَا بِمَا صَنَعتْ بَعْدَ الْحَدِّ، الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ لِمَا صَنَعتْ.

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ التَّوْبَةَ مِمَّنْ عَمِلَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُ وَلَوْ قَبْلَ مُعَايَنَةِ المَلَك [لِقَبْضِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رُوحِهِ قَبْلَ الغَرْغَرَة.

قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ خَطَأً أَوْ عَمدًا فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنِ الذَّنْبِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ ذَنْبٍ أَصَابَهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَوْا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُصي بِهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ، عَمْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ عَامِلٍ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ [[في أ: "بمعصيته".]] فَهُوَ جَاهِلٌ حِينَ عَمِلَهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عطاء بن أبي رباح نحوَه.

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ جَهالته عَمِلَ السُّوءَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قَالَ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَك الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا كَانَ دُونَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَا دَامَ فِي صِحَّتِهِ. وَهُوَ مُرْوِيٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ مَا لَمْ يُغَرْغر. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الدُّنْيَا كُلُّهَا قَرِيبٌ.

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] وَعِصَامُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ جُبَير بْنِ نُفَيْر [[في ر: "نصير".]] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقْبلُ تَوْبَةَ العبدِ مَا لَمْ يُغَرغِر".

[وَ] [[زيادة من ر، أ.]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، بِهِ [[المسند (٢/١٣٢) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٥٣) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَوَقَعَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو. وَهُوَ وَهْم، إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ.

حَدِيثٌ آخَرُ [[في ر، أ: "طريق أخرى".]] عَنِ ابْنِ عُمَر: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ [[في أ: "يعمر".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابِلُتِّيُّ [[في جـ، أ: "الباهلي".]] حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيك الْحَلَبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَر، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِن يَتُوبُ قَبْلَ الموتِ بِشَهْرٍ إِلَّا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ، وأدْنَى مِنْ ذَلِكَ، وقَبْل مَوْتِهِ بِيَوْمٍ وَسَاعَةٍ، يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ التَّوْبَةَ والإخلاصَ إِلَيْهِ إِلَّا قَبِل مِنْهُ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٣٢٠) من طريق يحيى بن عبد الله عن أيوب بن نهيك، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به أيوب بن نهيك.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مَنْ مِلْحَان [[في جـ، ر، أ: "بلحارث".]] يُقَالُ لَهُ: أَيُّوبُ -قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تِيب عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمُعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فَقَالَ: إِنَّمَا أُحدِّثك مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. [[مسند الطيالسي (ص ٣٠١) وهو عنده من مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ورواه أحمد في مسنده (٢/٢٠٦) من طريق عفان عن شعبة بنحوه، من مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٧) : "فيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات".]] وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [[في هـ: "أبو الوليد" وهو خطأ.]] الطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ الحَوْضي، وَأَبُو عَامِرٍ العَقدي، عَنْ شُعْبَةَ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسين بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مطَرَّف، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلماني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَة العبدِ قَبْلَ أَنْ يموتَ بيومٍ". فَقَالَ الْآخَرُ: أنتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِنِصْفِ يَوْمٍ" فَقَالَ الثَّالِثُ: أنتَ سمعتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بضَحْو". قَالَ [[في أ: "وقال".]] الرَّابِعُ: أنتَ سمعتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ [[في أ: "قبل أن".]] يُغَرغر بِنَفَسِهِ". وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَرَاوَرْدي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ [[في ر: "السلماني".]] فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ [[المسند (٣/٤٢٥) وسنن سعيد بن منصور برقم (٥٩٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَقبل تَوْبَة عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[وفي إسناده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد، قال السليماني: فيه نظر وهو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك رحمهما الله تعالى، وقال أبو الشيخ: كان يرمى بالرفض. لسان الميزان (٤/٣٤٧) .]] .

أَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ:

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْف، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:

بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقْبلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغرْ" هَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٩٦) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/٤٦٣) .]] . عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغرْ" [[تفسير الطبري (٨/٩٦) .]] .

وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٨/٩٦) وقتادة لم يسمع من عبادة بن الصامت]] .

أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، عن قتادة قال: كنا عند أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَثَمَّ أَبُو قِلابة، فَحَدَّثَ أَبُو قِلابة فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظرة فَقَالَ: وعِزَّتِك وَجَلَالِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ. فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي [[في أ: "عز وجل".]] لَا أَمْنَعُهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ.

وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوارِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إِبْلِيسُ: وعِزَّتِك لَا أزَالُ أُغْوِيهم مَا دَامَتْ أرْوَاحهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ [[في جـ، ر، أ: "ولا أزال".]] أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُوني" [[المسند (٣/٧٦) .]] .

فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَرْجُو الْحَيَاةَ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ [مِنْهُ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَأَمَّا مَتَى وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَايَنَ الْمَلَكَ، وحَشْرَجَتِ الرُّوحُ فِي الْحَلْقِ، وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ، وَبَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَغَرْغَرَتِ النَّفْسُ صَاعِدَةً فِي الغَلاصِم -فَلَا تَوْبَةَ مُتَقَبَّلَةٌ حِينَئِذٍ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ، [غَافِرٍ:٨٤، ٨٥] وَكَمَا حَكَمَ تَعَالَى بِعَدَمِ تَوْبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِذَا عَايَنُوا الشَّمْسَ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، وفي أ: "في قوله".]] ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ:١٥٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ لَا يَنْفَعُهُ نَدَمُهُ وَلَا تَوْبَتُهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَدِيَةٌ وَلَوْ بِمَلْءِ الْأَرْضِ [ذَهَبًا] [[زيادة من جـ، أ.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قَالُوا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ نُعَيْمٍ حَدَّثَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ سَلْمَانَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِه -أَوْ يَغْفِرُ لِعَبْدِهِ-مَا لَمْ يَقَعِ الحِجَاب". قِيلَ: وَمَا وُقُوع الْحِجَابِ؟ قَالَ: "أَنْ تَخرجَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكة" [[المسند (٥/١٧٤) .]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَيْ: موجعا شديدا مقيما.

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ التَّوْبَةَ مِمَّنْ عَمِلَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ، ثُمَّ يَتُوبُ وَلَوْ قَبْلَ مُعَايَنَةِ المَلَك [لِقَبْضِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رُوحِهِ قَبْلَ الغَرْغَرَة.

قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ خَطَأً أَوْ عَمدًا فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنِ الذَّنْبِ.

وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ ذَنْبٍ أَصَابَهُ عَبْدٌ فَهُوَ بِجَهَالَةٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَأَوْا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عُصي بِهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ، عَمْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٢) .]] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُلُّ عَامِلٍ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ [[في أ: "بمعصيته".]] فَهُوَ جَاهِلٌ حِينَ عَمِلَهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ لِي عطاء بن أبي رباح نحوَه.

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ جَهالته عَمِلَ السُّوءَ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قَالَ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَك الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا كَانَ دُونَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَا دَامَ فِي صِحَّتِهِ. وَهُوَ مُرْوِيٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ مَا لَمْ يُغَرْغر. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الدُّنْيَا كُلُّهَا قَرِيبٌ.

ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاش [[في أ: "عباس".]] وَعِصَامُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ جُبَير بْنِ نُفَيْر [[في ر: "نصير".]] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقْبلُ تَوْبَةَ العبدِ مَا لَمْ يُغَرغِر".

[وَ] [[زيادة من ر، أ.]] رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، بِهِ [[المسند (٢/١٣٢) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٥٣) .]] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَوَقَعَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو. وَهُوَ وَهْم، إِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر بْنِ الْخَطَّابِ.

حَدِيثٌ آخَرُ [[في ر، أ: "طريق أخرى".]] عَنِ ابْنِ عُمَر: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ [[في أ: "يعمر".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابِلُتِّيُّ [[في جـ، أ: "الباهلي".]] حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نَهِيك الْحَلَبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَر، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِن يَتُوبُ قَبْلَ الموتِ بِشَهْرٍ إِلَّا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ، وأدْنَى مِنْ ذَلِكَ، وقَبْل مَوْتِهِ بِيَوْمٍ وَسَاعَةٍ، يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ التَّوْبَةَ والإخلاصَ إِلَيْهِ إِلَّا قَبِل مِنْهُ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٣٢٠) من طريق يحيى بن عبد الله عن أيوب بن نهيك، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به أيوب بن نهيك.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مَنْ مِلْحَان [[في جـ، ر، أ: "بلحارث".]] يُقَالُ لَهُ: أَيُّوبُ -قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: مَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ تِيب عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِجُمُعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ تِيبَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَاعَةٍ تِيبَ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فَقَالَ: إِنَّمَا أُحدِّثك مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. [[مسند الطيالسي (ص ٣٠١) وهو عنده من مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ورواه أحمد في مسنده (٢/٢٠٦) من طريق عفان عن شعبة بنحوه، من مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٧) : "فيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات".]] وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [[في هـ: "أبو الوليد" وهو خطأ.]] الطَّيَالِسِيُّ، وَأَبُو عُمَرَ الحَوْضي، وَأَبُو عَامِرٍ العَقدي، عَنْ شُعْبَةَ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسين بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مطَرَّف، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البَيْلماني [[في جـ، ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَة العبدِ قَبْلَ أَنْ يموتَ بيومٍ". فَقَالَ الْآخَرُ: أنتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِنِصْفِ يَوْمٍ" فَقَالَ الثَّالِثُ: أنتَ سمعتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قال: نَعَمْ. قَالَ: وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بضَحْو". قَالَ [[في أ: "وقال".]] الرَّابِعُ: أنتَ سمعتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ وَأَنَا سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ [[في أ: "قبل أن".]] يُغَرغر بِنَفَسِهِ". وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَرَاوَرْدي، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ [[في ر: "السلماني".]] فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ [[المسند (٣/٤٢٥) وسنن سعيد بن منصور برقم (٥٩٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا عَوْف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَقبل تَوْبَة عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" [[وفي إسناده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد، قال السليماني: فيه نظر وهو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك رحمهما الله تعالى، وقال أبو الشيخ: كان يرمى بالرفض. لسان الميزان (٤/٣٤٧) .]] .

أَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُرْسَلَةٌ:

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ عَوْف، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:

بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقْبلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغرْ" هَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٩٦) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/٤٦٣) .]] . عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغرْ" [[تفسير الطبري (٨/٩٦) .]] .

وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[تفسير الطبري (٨/٩٦) وقتادة لم يسمع من عبادة بن الصامت]] .

أَثَرٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ، عن قتادة قال: كنا عند أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَثَمَّ أَبُو قِلابة، فَحَدَّثَ أَبُو قِلابة فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ سَأَلَهُ النَّظرة فَقَالَ: وعِزَّتِك وَجَلَالِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ. فَقَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي [[في أ: "عز وجل".]] لَا أَمْنَعُهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ.

وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أَبِي عَمْرٍو وَأَبِي الْهَيْثَمِ العُتْوارِي كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ إِبْلِيسُ: وعِزَّتِك لَا أزَالُ أُغْوِيهم مَا دَامَتْ أرْوَاحهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا أَزَالُ [[في جـ، ر، أ: "ولا أزال".]] أغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُوني" [[المسند (٣/٧٦) .]] .

فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَرْجُو الْحَيَاةَ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ [مِنْهُ] [[زيادة من أ.]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَأَمَّا مَتَى وَقَعَ الْإِيَاسُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَايَنَ الْمَلَكَ، وحَشْرَجَتِ الرُّوحُ فِي الْحَلْقِ، وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ، وَبَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَغَرْغَرَتِ النَّفْسُ صَاعِدَةً فِي الغَلاصِم -فَلَا تَوْبَةَ مُتَقَبَّلَةٌ حِينَئِذٍ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ، [غَافِرٍ:٨٤، ٨٥] وَكَمَا حَكَمَ تَعَالَى بِعَدَمِ تَوْبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِذَا عَايَنُوا الشَّمْسَ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، وفي أ: "في قوله".]] ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الْآيَةَ [الْأَنْعَامِ:١٥٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] يَعْنِي: أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَشِرْكِهِ لَا يَنْفَعُهُ نَدَمُهُ وَلَا تَوْبَتُهُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَدِيَةٌ وَلَوْ بِمَلْءِ الْأَرْضِ [ذَهَبًا] [[زيادة من جـ، أ.]] .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قَالُوا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ نُعَيْمٍ حَدَّثَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ سَلْمَانَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِه -أَوْ يَغْفِرُ لِعَبْدِهِ-مَا لَمْ يَقَعِ الحِجَاب". قِيلَ: وَمَا وُقُوع الْحِجَابِ؟ قَالَ: "أَنْ تَخرجَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكة" [[المسند (٥/١٧٤) .]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَيْ: موجعا شديدا مقيما.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتل، حَدَّثَنَا أسْبَاط بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْباني عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السَّوَائي، وَلَا أظُنُّه ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لَمْ يُزَوِّجوها، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدُويه، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ -وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ-عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ السُّوَائِيِّ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، كُوفِيٌّ أَعْمَى-كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا تَقَدَّمَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٩) وسنن أبي داود برقم (٦٠٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ المَرْوزي، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَين، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ [[في ر: "كما".]] يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيَعْضلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُد إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فأحكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٠٩٠) .]] وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ [[في ر: "نحو".]] ذَلِكَ، فَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَةَ، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تُوفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [[ورواه الطبري في التفسير (٨/١٠٨) من طريق ابن وكيع عن وكيع به إلا أنه أوقفه على مقسم.]] .

وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَةً، أَلْقَى [[في ر: "وألقى".]] عَلَيْهَا حَمِيمُهُ [[في أ: "خيمة".]] ثَوْبَهُ، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

وَرَوَى [[في ر: "وقال".]] الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: كَانَ الرَّجُلُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حميمُ أَحَدِهِمْ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَورِث نِكَاحَهَا وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَحَبَسَهَا عِنْدَهُ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "في قوله".]] [ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِث امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ، وَكَانَ يعضُلها حَتَّى يَرِثَهَا، أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ، وَكَانَ أَهْلُ تُهامة يُسِيء الرَّجُلُ صُحْبَةَ [[في جـ، أ: "صحبته".]] الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ إِلَّا مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى [[في أ: "محمد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْنِ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، بِهِ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا هَلَك الرَّجُلُ وَتَرَكَ امْرَأَةً، حَبَسَهَا أهلُه عَلَى الصَّبِيِّ يَكُونُ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفي كَانَ ابْنُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، يَنْكِحُهَا إِنْ شَاءَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَهَا، أَوْ يُنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوِ ابْنَ أَخِيهِ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْن بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْأَوْسِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قيس ابن الْأَسْلَتِ، فجنَحَ عَلَيْهَا ابنُه، فَجَاءَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي، وَلَا أَنَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا، جَاءَ وَلَيُّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخٌ حَبَسَهَا حَتَّى يَشب [[في أ: "يشيب".]] أَوْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا، فَإِنْ هِيَ انْفَلَتَتْ فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَلَمْ يُلْقِ عَلَيْهَا ثَوْبًا نَجَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ فِي حِجْرِهِ الْيَتِيمَةُ هُوَ يَلِي أَمْرَهَا، فَيَحْبِسَهَا رَجَاءَ أَنْ تَمُوتَ امْرَأَتُهُ، فَيَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا ابْنَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ: ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي مِجْلَز، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان -نحوُ ذلك.

قُلْتُ: فَالْآيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكُلَّ مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ: لَا تُضارّوهن فِي العِشرة لِتَتْرُكَ لَكَ مَا أَصْدَقْتَهَا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْكَ، أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ لَهَا وَالِاضْطِهَادِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَقُولُ: وَلَا تَقْهَرُوهُنَّ ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ [[في جـ، ر، أ: "يكون له المرأة".]] وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهرٌ فيَضرها [[في أ: "فيضربها".]] لِتَفْتَدِيَ.

وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ [وَغَيْرُ وَاحِدٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِمَاك بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ البَيْلمَاني [[في ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْأُخْرَى فِي أمرالإسلام. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فِي الْإِسْلَامِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرَمَة، وعَطاء الْخُرَاسَانِيُّ، والضَّحَّاك، وَأَبُو قِلابةَ، وَأَبُو صَالِحٍ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذَا زَنَتْ فَلَكَ أَنْ تَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَيْتَهَا وتُضَاجرهَا حَتَّى تَتْرُكَهُ لَكَ وَتُخَالِعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ:٢٢٩] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: الْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ: النُّشوز والعِصْيان.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّه يَعُم ذَلِكَ كلَّه: الزِّنَا، وَالْعِصْيَانَ، وَالنُّشُوزَ، وبَذاء اللِّسَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

يَعْنِي: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبيح مُضَاجَرَتَهَا حَتَّى تُبْرئه مِنْ حَقِّهَا أَوْ بَعْضِهِ وَيُفَارِقَهَا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيعضُلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ [[في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال".]] عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّيَاقُ كُلُّهُ كَانَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ العَضْل فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، ينكحُ الرجلُ الْمَرْأَةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقُهُ، فَيُفَارِقَهَا عَلَى أَنْ [[في جـ، أ: "أنه".]] لَا تُزوّج [[في أ: "تتزوج".]] إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ، فَإِذَا خَطَبَهَا الْخَاطِبُ فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ [[في ر: "فأذن".]] لَهَا، وَإِلَّا عَضلها. قَالَ: فَهَذَا قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هُوَ كَالْعَضْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٨] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي" [[جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عباس.

وقال البوصيري في الزوائد (٢/١١٧) : "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.

وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.]] وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أحملَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حملتُ اللحمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بتلْك" [[رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة به.]] وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْه الرِّداء وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ [[في ر، أ: "فدخل".]] مَنْزِلَهُ يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤانسهم بِذَلِكَ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١] .

وَأَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ"، ولله الحمد.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ أَيْ: فعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ مَعَ [[في أ: "على".]] إِمْسَاكِكُمْ لَهُنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ فِيهِ، خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَعْطف عَلَيْهَا، فيرزقَ مِنْهَا وَلَدًا. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ [[في ر: "كبير".]] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَةً وَيَسْتَبْدِلَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَ الْأُولَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ قِنْطَارًا مِنْ مَالٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِنْطَارِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْإِصْدَاقِ بِالْمَالِ الْجَزِيلِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ كَثْرَةِ الْإِصْدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في أ: "مسهر".]] بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، قَالَ: نُبِّئْت عَنْ أَبِي العَجْفَاء السُّلميِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَلَا لَا تُغْلُوا فِي صَداق [[في جـ، ر، أ: "صدق".]] النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أصْدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصدِقَت امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّة، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَق القِرْبة، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ -وَاسْمُهُ هَرِمُ ابن مُسَيب الْبَصْرِيُّ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمُجَالِدِ [[في جـ: "مجالد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صُدُق النِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابه وإنماالصدقات فِيمَا بَيْنَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ كَرَامَةً [[في جـ، ر، أ: "أو مكرمة".]] لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا. فَلا أعرفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: [[في جـ، أ. "فقالت له".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ صَدَاقَهُمْ [[في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [[في جـ، أ: "ما قال الله".]] فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: وَأَيُّ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النساء: ٢٠] قال: فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. ثُمَّ [[في أ: "قال: ثم".]] رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنِّي [[في جـ، أ: "أيها الناس، إني".]] كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ [[في جـ، أ: "في صدقهن" وفي ر: "صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ. قَالَ أَبُو يَعْلَى: وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ [[ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩٨) "الأعظمي" ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٣) فقال: أخبرنا هيثم أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فذكر بنحوه.

انظر: إرواء الغليل (٦/٣٤٨) للشيخ ناصر الألباني فقد بين ضعف هذه الرواية ومخالفتها لما في السنن.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَبِيعٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "مهر".]] النِّسَاءِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ". قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ [[رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٠٤٢٠) من طريق قيس بن الربيع به. قال الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل (١/٣٤٨) : "إسناد ضعيف فيه علتان:

الأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.

الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ عُمَرَ فِيهَا انْقِطَاعٌ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّي قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "لا يزيد في مهر".]] النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ ذي الغُصّة -يعني يزيد ابن الْحُصَيْنِ الْحَارِثِيَّ -فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ-مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ طَوِيلَةٌ، فِي أَنْفِهَا فَطَس -: مَا ذَاكَ لَكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ [[في ر: "صابت".]] وَرَجُلٌ أَخْطَأَ [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٦٦) ونسبه للزبير في الموفقيات. قال الحافظ ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٣) : "فيه انقطاع".]] .

وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مُنْكِرًا: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَ الصَّدَاقَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ أَفْضَيْتَ إِلَيْهَا وأفضَتْ إِلَيْكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْجِمَاعَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ" ثَلَاثًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي -يَعْنِي: مَا أُصْدِقُهَا [[في أ: "ما أصدقتها".]] -قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا [[صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْتَمَ [[في جـ، ر، أ: "بصرة بن أبي بصرة".]] أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِكْرًا فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا هِيَ حَامِلٌ [[في جـ، أ: "حبلى".]] مِنَ الزِّنَا، فَأَتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذَلِكَ لَهُ. فَقَضَى لَهَا بِالصَّدَاقِ وفرَق بَيْنَهُمَا، وَأَمَرَ بِجَلْدِهَا، وَقَالَ: "الْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ" [[سنن أبي داود برقم (٢١٣١) .]] .

فَالصَّدَاقُ فِي مُقَابَلَةِ البُضْع، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ العَقْد.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا [غَلِيظًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ قَالَ: قَوْلُهُ: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ-نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا".]] هُوَ قَوْلُهُ: أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ "كَلِمَةَ اللَّهِ" هِيَ التَّشَهُّدُ فِي الْخُطْبَةِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ لَهُ: جَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطبة حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي خُطبة حِجة الْوَدَاعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهَا: "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجهن بِكَلِمَة اللَّهِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ يُحَرم تَعَالَى زَوْجَاتِ الْآبَاءِ تَكْرِمَةً لهم، وإعذظامًا وَاحْتِرَامًا أَنْ تُوطَأَ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى إِنَّهَا لَتَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّار، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس -يَعْنِي ابْنَ الْأَسْلَتِ-وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ، فَخَطَبَ ابنَه قَيْسٌ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أعُدُّكَّ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنْ آتِي [[في أ: "أتيت".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِرُهُ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالت: إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوفِّي. فَقَالَ: "خَيْرًا". ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وَهُوَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا كُنْتُ أَعُدُّهُ وَلَدًا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ [[في جـ، ر، أ، "قال".]] لَهَا: "ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ] [[زيادة من ج، ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا، حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عِكْرمة فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] قال: نزلت في أبي قيس ابن الْأَسْلَتِ، خُلِّفَ عَلَى أُمِّ عُبَيْدِ [[في أ: "عبد".]] اللَّهِ بِنْتِ صَخْرٍ [[في جـ، ر، أ: "ضمرة".]] وَكَانَتْ تَحْتَ الْأَسْلَتِ أَبِيهِ، وَفِي الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفَ، وَكَانَ خَلَفَ عَلَى ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثمان بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِيهِ خَلَف، وَفِي فاخِتَة ابْنَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، كَانَتْ عِنْدَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، فخُلِّف عَلَيْهَا صفوان ابن أُمَيَّةَ [[تفسير الطبري (٨/١٣٣) .]] .

وَقَدْ زَعَمَ السُّهيلي أَنَّ نِكَاحَ نِسَاءِ الْآبَاءِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كِنَانة بْنُ خُزَيْمَةَ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَهُ النضْر بْنَ كِنَانَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ﷺ: "وُلِدتُ مِنْ نِكاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ". قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أنَّه كَانَ سَائِغًا لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يَعُدُّونَهُ نِكَاحًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ [[في أ: "المحرمي".]] حَدَّثَنَا قُرَاد، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمون مَا حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَلَكِنْ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنْ قِصَّةِ كِنَانَةَ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، مُبَشَّع غَايَةَ التَّبَشُّعِ [[في ر: "التبشيع".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "وقد قال".]] [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٥١] وَقَالَ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٣٢] فَزَادَ هَاهُنَا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: بُغْضًا، أَيْ هُوَ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مَقْتِ الِابْنِ أَبَاهُ بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ يُبْغِضُ مَنْ كَانَ زَوْجَهَا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتٌ، لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ كَالْأَبِ [لِلْأُمَّةِ] [[زيادة من أ.]] بَلْ حَقُّهُ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْآبَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ حُبُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حُبِّ النُّفُوسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَبِئْسَ طَرِيقًا لِمَنْ سَلَكَهُ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَعَاطَاهُ بَعْدَ هَذَا فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَيُقْتَلُ، وَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ خَالِهِ أَبِي [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بُرْدَةَ -وَفِي رِوَايَةِ: ابْنِ عُمَرَ-وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب قال: مرَّ بِي عَمِّي الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ [[في ر: "رسول الله".]] ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبِيُّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ؟ قَالَ: بَعَثَنِي إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ [[المسند (٤/٣٩٢) .]] .

مَسْأَلَةٌ:

وَقَدْ أَجْمَعَ [[في أ: "اجتمع".]] العلماءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ وَطَئَهَا الأبُ بِتَزْوِيجٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ دُونَ الْجِمَاعِ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. فَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ أَيْضًا بِذَلِكَ. قَدْ رَوَى [الْحَافِظُ] [[زيادة من أ.]] ابْنُ [[في أ: "أبو".]] عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ خُدَيْج الحِصْنِيّ [[في جـ، أ: "الحمصي"، ولم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق لابن عساكر ولا في المختصر لابن منظور.]] مَوْلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: اشْتَرَى لِمُعَاوِيَةَ جَارِيَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مُجَرَّدَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ. فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى مَتَاعِهَا وَيَقُولُ: هَذَا الْمَتَاعُ لَوْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ! اذْهَبْ بِهَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. ثُمَّ قَالَ: لَا ادْعُ لِي رَبِيعَةَ بْنَ عَمْرٍو الجُرَشِي -وَكَانَ فَقِيهًا-فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ أُتِيتُ بِهَا مُجَرَّدَةً، فَرَأَيْتُ مِنْهَا ذَاكَ وَذَاكَ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَبْعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ، فَدَعَوْتُهُ، وَكَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، فَقَالَ: دُونَكَ هَذِهِ، بَيض بِهَا وَلَدَكَ. قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من جـ، أ.]] كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا وَهَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ النَّاسِ عَلَى عَلِي [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتل، حَدَّثَنَا أسْبَاط بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْباني عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السَّوَائي، وَلَا أظُنُّه ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لَمْ يُزَوِّجوها، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدُويه، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ -وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ-عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ السُّوَائِيِّ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، كُوفِيٌّ أَعْمَى-كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا تَقَدَّمَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٩) وسنن أبي داود برقم (٦٠٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ المَرْوزي، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَين، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ [[في ر: "كما".]] يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيَعْضلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُد إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فأحكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٠٩٠) .]] وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ [[في ر: "نحو".]] ذَلِكَ، فَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَةَ، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تُوفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [[ورواه الطبري في التفسير (٨/١٠٨) من طريق ابن وكيع عن وكيع به إلا أنه أوقفه على مقسم.]] .

وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَةً، أَلْقَى [[في ر: "وألقى".]] عَلَيْهَا حَمِيمُهُ [[في أ: "خيمة".]] ثَوْبَهُ، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

وَرَوَى [[في ر: "وقال".]] الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: كَانَ الرَّجُلُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حميمُ أَحَدِهِمْ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَورِث نِكَاحَهَا وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَحَبَسَهَا عِنْدَهُ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "في قوله".]] [ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِث امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ، وَكَانَ يعضُلها حَتَّى يَرِثَهَا، أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ، وَكَانَ أَهْلُ تُهامة يُسِيء الرَّجُلُ صُحْبَةَ [[في جـ، أ: "صحبته".]] الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ إِلَّا مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى [[في أ: "محمد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْنِ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، بِهِ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا هَلَك الرَّجُلُ وَتَرَكَ امْرَأَةً، حَبَسَهَا أهلُه عَلَى الصَّبِيِّ يَكُونُ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفي كَانَ ابْنُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، يَنْكِحُهَا إِنْ شَاءَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَهَا، أَوْ يُنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوِ ابْنَ أَخِيهِ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْن بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْأَوْسِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قيس ابن الْأَسْلَتِ، فجنَحَ عَلَيْهَا ابنُه، فَجَاءَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي، وَلَا أَنَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا، جَاءَ وَلَيُّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخٌ حَبَسَهَا حَتَّى يَشب [[في أ: "يشيب".]] أَوْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا، فَإِنْ هِيَ انْفَلَتَتْ فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَلَمْ يُلْقِ عَلَيْهَا ثَوْبًا نَجَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ فِي حِجْرِهِ الْيَتِيمَةُ هُوَ يَلِي أَمْرَهَا، فَيَحْبِسَهَا رَجَاءَ أَنْ تَمُوتَ امْرَأَتُهُ، فَيَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا ابْنَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ: ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي مِجْلَز، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان -نحوُ ذلك.

قُلْتُ: فَالْآيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكُلَّ مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ: لَا تُضارّوهن فِي العِشرة لِتَتْرُكَ لَكَ مَا أَصْدَقْتَهَا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْكَ، أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ لَهَا وَالِاضْطِهَادِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَقُولُ: وَلَا تَقْهَرُوهُنَّ ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ [[في جـ، ر، أ: "يكون له المرأة".]] وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهرٌ فيَضرها [[في أ: "فيضربها".]] لِتَفْتَدِيَ.

وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ [وَغَيْرُ وَاحِدٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِمَاك بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ البَيْلمَاني [[في ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْأُخْرَى فِي أمرالإسلام. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فِي الْإِسْلَامِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرَمَة، وعَطاء الْخُرَاسَانِيُّ، والضَّحَّاك، وَأَبُو قِلابةَ، وَأَبُو صَالِحٍ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذَا زَنَتْ فَلَكَ أَنْ تَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَيْتَهَا وتُضَاجرهَا حَتَّى تَتْرُكَهُ لَكَ وَتُخَالِعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ:٢٢٩] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: الْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ: النُّشوز والعِصْيان.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّه يَعُم ذَلِكَ كلَّه: الزِّنَا، وَالْعِصْيَانَ، وَالنُّشُوزَ، وبَذاء اللِّسَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

يَعْنِي: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبيح مُضَاجَرَتَهَا حَتَّى تُبْرئه مِنْ حَقِّهَا أَوْ بَعْضِهِ وَيُفَارِقَهَا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيعضُلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ [[في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال".]] عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّيَاقُ كُلُّهُ كَانَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ العَضْل فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، ينكحُ الرجلُ الْمَرْأَةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقُهُ، فَيُفَارِقَهَا عَلَى أَنْ [[في جـ، أ: "أنه".]] لَا تُزوّج [[في أ: "تتزوج".]] إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ، فَإِذَا خَطَبَهَا الْخَاطِبُ فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ [[في ر: "فأذن".]] لَهَا، وَإِلَّا عَضلها. قَالَ: فَهَذَا قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هُوَ كَالْعَضْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٨] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي" [[جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عباس.

وقال البوصيري في الزوائد (٢/١١٧) : "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.

وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.]] وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أحملَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حملتُ اللحمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بتلْك" [[رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة به.]] وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْه الرِّداء وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ [[في ر، أ: "فدخل".]] مَنْزِلَهُ يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤانسهم بِذَلِكَ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١] .

وَأَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ"، ولله الحمد.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ أَيْ: فعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ مَعَ [[في أ: "على".]] إِمْسَاكِكُمْ لَهُنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ فِيهِ، خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَعْطف عَلَيْهَا، فيرزقَ مِنْهَا وَلَدًا. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ [[في ر: "كبير".]] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَةً وَيَسْتَبْدِلَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَ الْأُولَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ قِنْطَارًا مِنْ مَالٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِنْطَارِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْإِصْدَاقِ بِالْمَالِ الْجَزِيلِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ كَثْرَةِ الْإِصْدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في أ: "مسهر".]] بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، قَالَ: نُبِّئْت عَنْ أَبِي العَجْفَاء السُّلميِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَلَا لَا تُغْلُوا فِي صَداق [[في جـ، ر، أ: "صدق".]] النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أصْدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصدِقَت امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّة، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَق القِرْبة، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ -وَاسْمُهُ هَرِمُ ابن مُسَيب الْبَصْرِيُّ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمُجَالِدِ [[في جـ: "مجالد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صُدُق النِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابه وإنماالصدقات فِيمَا بَيْنَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ كَرَامَةً [[في جـ، ر، أ: "أو مكرمة".]] لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا. فَلا أعرفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: [[في جـ، أ. "فقالت له".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ صَدَاقَهُمْ [[في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [[في جـ، أ: "ما قال الله".]] فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: وَأَيُّ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النساء: ٢٠] قال: فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. ثُمَّ [[في أ: "قال: ثم".]] رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنِّي [[في جـ، أ: "أيها الناس، إني".]] كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ [[في جـ، أ: "في صدقهن" وفي ر: "صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ. قَالَ أَبُو يَعْلَى: وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ [[ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩٨) "الأعظمي" ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٣) فقال: أخبرنا هيثم أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فذكر بنحوه.

انظر: إرواء الغليل (٦/٣٤٨) للشيخ ناصر الألباني فقد بين ضعف هذه الرواية ومخالفتها لما في السنن.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَبِيعٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "مهر".]] النِّسَاءِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ". قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ [[رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٠٤٢٠) من طريق قيس بن الربيع به. قال الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل (١/٣٤٨) : "إسناد ضعيف فيه علتان:

الأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.

الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ عُمَرَ فِيهَا انْقِطَاعٌ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّي قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "لا يزيد في مهر".]] النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ ذي الغُصّة -يعني يزيد ابن الْحُصَيْنِ الْحَارِثِيَّ -فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ-مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ طَوِيلَةٌ، فِي أَنْفِهَا فَطَس -: مَا ذَاكَ لَكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ [[في ر: "صابت".]] وَرَجُلٌ أَخْطَأَ [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٦٦) ونسبه للزبير في الموفقيات. قال الحافظ ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٣) : "فيه انقطاع".]] .

وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مُنْكِرًا: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَ الصَّدَاقَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ أَفْضَيْتَ إِلَيْهَا وأفضَتْ إِلَيْكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْجِمَاعَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ" ثَلَاثًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي -يَعْنِي: مَا أُصْدِقُهَا [[في أ: "ما أصدقتها".]] -قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا [[صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْتَمَ [[في جـ، ر، أ: "بصرة بن أبي بصرة".]] أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِكْرًا فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا هِيَ حَامِلٌ [[في جـ، أ: "حبلى".]] مِنَ الزِّنَا، فَأَتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذَلِكَ لَهُ. فَقَضَى لَهَا بِالصَّدَاقِ وفرَق بَيْنَهُمَا، وَأَمَرَ بِجَلْدِهَا، وَقَالَ: "الْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ" [[سنن أبي داود برقم (٢١٣١) .]] .

فَالصَّدَاقُ فِي مُقَابَلَةِ البُضْع، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ العَقْد.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا [غَلِيظًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ قَالَ: قَوْلُهُ: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ-نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا".]] هُوَ قَوْلُهُ: أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ "كَلِمَةَ اللَّهِ" هِيَ التَّشَهُّدُ فِي الْخُطْبَةِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ لَهُ: جَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطبة حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي خُطبة حِجة الْوَدَاعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهَا: "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجهن بِكَلِمَة اللَّهِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ يُحَرم تَعَالَى زَوْجَاتِ الْآبَاءِ تَكْرِمَةً لهم، وإعذظامًا وَاحْتِرَامًا أَنْ تُوطَأَ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى إِنَّهَا لَتَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّار، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس -يَعْنِي ابْنَ الْأَسْلَتِ-وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ، فَخَطَبَ ابنَه قَيْسٌ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أعُدُّكَّ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنْ آتِي [[في أ: "أتيت".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِرُهُ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالت: إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوفِّي. فَقَالَ: "خَيْرًا". ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وَهُوَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا كُنْتُ أَعُدُّهُ وَلَدًا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ [[في جـ، ر، أ، "قال".]] لَهَا: "ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ] [[زيادة من ج، ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا، حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عِكْرمة فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] قال: نزلت في أبي قيس ابن الْأَسْلَتِ، خُلِّفَ عَلَى أُمِّ عُبَيْدِ [[في أ: "عبد".]] اللَّهِ بِنْتِ صَخْرٍ [[في جـ، ر، أ: "ضمرة".]] وَكَانَتْ تَحْتَ الْأَسْلَتِ أَبِيهِ، وَفِي الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفَ، وَكَانَ خَلَفَ عَلَى ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثمان بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِيهِ خَلَف، وَفِي فاخِتَة ابْنَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، كَانَتْ عِنْدَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، فخُلِّف عَلَيْهَا صفوان ابن أُمَيَّةَ [[تفسير الطبري (٨/١٣٣) .]] .

وَقَدْ زَعَمَ السُّهيلي أَنَّ نِكَاحَ نِسَاءِ الْآبَاءِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كِنَانة بْنُ خُزَيْمَةَ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَهُ النضْر بْنَ كِنَانَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ﷺ: "وُلِدتُ مِنْ نِكاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ". قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أنَّه كَانَ سَائِغًا لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يَعُدُّونَهُ نِكَاحًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ [[في أ: "المحرمي".]] حَدَّثَنَا قُرَاد، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمون مَا حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَلَكِنْ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنْ قِصَّةِ كِنَانَةَ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، مُبَشَّع غَايَةَ التَّبَشُّعِ [[في ر: "التبشيع".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "وقد قال".]] [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٥١] وَقَالَ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٣٢] فَزَادَ هَاهُنَا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: بُغْضًا، أَيْ هُوَ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مَقْتِ الِابْنِ أَبَاهُ بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ يُبْغِضُ مَنْ كَانَ زَوْجَهَا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتٌ، لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ كَالْأَبِ [لِلْأُمَّةِ] [[زيادة من أ.]] بَلْ حَقُّهُ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْآبَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ حُبُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حُبِّ النُّفُوسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَبِئْسَ طَرِيقًا لِمَنْ سَلَكَهُ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَعَاطَاهُ بَعْدَ هَذَا فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَيُقْتَلُ، وَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ خَالِهِ أَبِي [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بُرْدَةَ -وَفِي رِوَايَةِ: ابْنِ عُمَرَ-وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب قال: مرَّ بِي عَمِّي الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ [[في ر: "رسول الله".]] ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبِيُّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ؟ قَالَ: بَعَثَنِي إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ [[المسند (٤/٣٩٢) .]] .

مَسْأَلَةٌ:

وَقَدْ أَجْمَعَ [[في أ: "اجتمع".]] العلماءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ وَطَئَهَا الأبُ بِتَزْوِيجٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ دُونَ الْجِمَاعِ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. فَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ أَيْضًا بِذَلِكَ. قَدْ رَوَى [الْحَافِظُ] [[زيادة من أ.]] ابْنُ [[في أ: "أبو".]] عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ خُدَيْج الحِصْنِيّ [[في جـ، أ: "الحمصي"، ولم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق لابن عساكر ولا في المختصر لابن منظور.]] مَوْلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: اشْتَرَى لِمُعَاوِيَةَ جَارِيَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مُجَرَّدَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ. فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى مَتَاعِهَا وَيَقُولُ: هَذَا الْمَتَاعُ لَوْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ! اذْهَبْ بِهَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. ثُمَّ قَالَ: لَا ادْعُ لِي رَبِيعَةَ بْنَ عَمْرٍو الجُرَشِي -وَكَانَ فَقِيهًا-فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ أُتِيتُ بِهَا مُجَرَّدَةً، فَرَأَيْتُ مِنْهَا ذَاكَ وَذَاكَ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَبْعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ، فَدَعَوْتُهُ، وَكَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، فَقَالَ: دُونَكَ هَذِهِ، بَيض بِهَا وَلَدَكَ. قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من جـ، أ.]] كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا وَهَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ النَّاسِ عَلَى عَلِي [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتل، حَدَّثَنَا أسْبَاط بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْباني عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السَّوَائي، وَلَا أظُنُّه ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لَمْ يُزَوِّجوها، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدُويه، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ -وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ-عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ السُّوَائِيِّ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، كُوفِيٌّ أَعْمَى-كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا تَقَدَّمَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٩) وسنن أبي داود برقم (٦٠٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ المَرْوزي، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَين، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ [[في ر: "كما".]] يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيَعْضلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُد إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فأحكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٠٩٠) .]] وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ [[في ر: "نحو".]] ذَلِكَ، فَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَةَ، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تُوفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [[ورواه الطبري في التفسير (٨/١٠٨) من طريق ابن وكيع عن وكيع به إلا أنه أوقفه على مقسم.]] .

وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَةً، أَلْقَى [[في ر: "وألقى".]] عَلَيْهَا حَمِيمُهُ [[في أ: "خيمة".]] ثَوْبَهُ، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

وَرَوَى [[في ر: "وقال".]] الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: كَانَ الرَّجُلُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حميمُ أَحَدِهِمْ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَورِث نِكَاحَهَا وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَحَبَسَهَا عِنْدَهُ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "في قوله".]] [ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِث امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ، وَكَانَ يعضُلها حَتَّى يَرِثَهَا، أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ، وَكَانَ أَهْلُ تُهامة يُسِيء الرَّجُلُ صُحْبَةَ [[في جـ، أ: "صحبته".]] الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ إِلَّا مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى [[في أ: "محمد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْنِ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، بِهِ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا هَلَك الرَّجُلُ وَتَرَكَ امْرَأَةً، حَبَسَهَا أهلُه عَلَى الصَّبِيِّ يَكُونُ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفي كَانَ ابْنُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، يَنْكِحُهَا إِنْ شَاءَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَهَا، أَوْ يُنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوِ ابْنَ أَخِيهِ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْن بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْأَوْسِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قيس ابن الْأَسْلَتِ، فجنَحَ عَلَيْهَا ابنُه، فَجَاءَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي، وَلَا أَنَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا، جَاءَ وَلَيُّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخٌ حَبَسَهَا حَتَّى يَشب [[في أ: "يشيب".]] أَوْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا، فَإِنْ هِيَ انْفَلَتَتْ فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَلَمْ يُلْقِ عَلَيْهَا ثَوْبًا نَجَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ فِي حِجْرِهِ الْيَتِيمَةُ هُوَ يَلِي أَمْرَهَا، فَيَحْبِسَهَا رَجَاءَ أَنْ تَمُوتَ امْرَأَتُهُ، فَيَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا ابْنَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ: ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي مِجْلَز، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان -نحوُ ذلك.

قُلْتُ: فَالْآيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكُلَّ مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ: لَا تُضارّوهن فِي العِشرة لِتَتْرُكَ لَكَ مَا أَصْدَقْتَهَا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْكَ، أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ لَهَا وَالِاضْطِهَادِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَقُولُ: وَلَا تَقْهَرُوهُنَّ ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ [[في جـ، ر، أ: "يكون له المرأة".]] وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهرٌ فيَضرها [[في أ: "فيضربها".]] لِتَفْتَدِيَ.

وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ [وَغَيْرُ وَاحِدٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِمَاك بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ البَيْلمَاني [[في ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْأُخْرَى فِي أمرالإسلام. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فِي الْإِسْلَامِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرَمَة، وعَطاء الْخُرَاسَانِيُّ، والضَّحَّاك، وَأَبُو قِلابةَ، وَأَبُو صَالِحٍ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذَا زَنَتْ فَلَكَ أَنْ تَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَيْتَهَا وتُضَاجرهَا حَتَّى تَتْرُكَهُ لَكَ وَتُخَالِعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ:٢٢٩] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: الْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ: النُّشوز والعِصْيان.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّه يَعُم ذَلِكَ كلَّه: الزِّنَا، وَالْعِصْيَانَ، وَالنُّشُوزَ، وبَذاء اللِّسَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

يَعْنِي: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبيح مُضَاجَرَتَهَا حَتَّى تُبْرئه مِنْ حَقِّهَا أَوْ بَعْضِهِ وَيُفَارِقَهَا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيعضُلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ [[في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال".]] عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّيَاقُ كُلُّهُ كَانَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ العَضْل فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، ينكحُ الرجلُ الْمَرْأَةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقُهُ، فَيُفَارِقَهَا عَلَى أَنْ [[في جـ، أ: "أنه".]] لَا تُزوّج [[في أ: "تتزوج".]] إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ، فَإِذَا خَطَبَهَا الْخَاطِبُ فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ [[في ر: "فأذن".]] لَهَا، وَإِلَّا عَضلها. قَالَ: فَهَذَا قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هُوَ كَالْعَضْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٨] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي" [[جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عباس.

وقال البوصيري في الزوائد (٢/١١٧) : "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.

وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.]] وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أحملَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حملتُ اللحمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بتلْك" [[رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة به.]] وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْه الرِّداء وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ [[في ر، أ: "فدخل".]] مَنْزِلَهُ يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤانسهم بِذَلِكَ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١] .

وَأَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ"، ولله الحمد.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ أَيْ: فعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ مَعَ [[في أ: "على".]] إِمْسَاكِكُمْ لَهُنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ فِيهِ، خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَعْطف عَلَيْهَا، فيرزقَ مِنْهَا وَلَدًا. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ [[في ر: "كبير".]] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَةً وَيَسْتَبْدِلَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَ الْأُولَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ قِنْطَارًا مِنْ مَالٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِنْطَارِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْإِصْدَاقِ بِالْمَالِ الْجَزِيلِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ كَثْرَةِ الْإِصْدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في أ: "مسهر".]] بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، قَالَ: نُبِّئْت عَنْ أَبِي العَجْفَاء السُّلميِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَلَا لَا تُغْلُوا فِي صَداق [[في جـ، ر، أ: "صدق".]] النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أصْدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصدِقَت امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّة، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَق القِرْبة، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ -وَاسْمُهُ هَرِمُ ابن مُسَيب الْبَصْرِيُّ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمُجَالِدِ [[في جـ: "مجالد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صُدُق النِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابه وإنماالصدقات فِيمَا بَيْنَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ كَرَامَةً [[في جـ، ر، أ: "أو مكرمة".]] لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا. فَلا أعرفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: [[في جـ، أ. "فقالت له".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ صَدَاقَهُمْ [[في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [[في جـ، أ: "ما قال الله".]] فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: وَأَيُّ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النساء: ٢٠] قال: فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. ثُمَّ [[في أ: "قال: ثم".]] رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنِّي [[في جـ، أ: "أيها الناس، إني".]] كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ [[في جـ، أ: "في صدقهن" وفي ر: "صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ. قَالَ أَبُو يَعْلَى: وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ [[ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩٨) "الأعظمي" ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٣) فقال: أخبرنا هيثم أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فذكر بنحوه.

انظر: إرواء الغليل (٦/٣٤٨) للشيخ ناصر الألباني فقد بين ضعف هذه الرواية ومخالفتها لما في السنن.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَبِيعٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "مهر".]] النِّسَاءِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ". قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ [[رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٠٤٢٠) من طريق قيس بن الربيع به. قال الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل (١/٣٤٨) : "إسناد ضعيف فيه علتان:

الأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.

الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ عُمَرَ فِيهَا انْقِطَاعٌ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّي قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "لا يزيد في مهر".]] النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ ذي الغُصّة -يعني يزيد ابن الْحُصَيْنِ الْحَارِثِيَّ -فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ-مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ طَوِيلَةٌ، فِي أَنْفِهَا فَطَس -: مَا ذَاكَ لَكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ [[في ر: "صابت".]] وَرَجُلٌ أَخْطَأَ [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٦٦) ونسبه للزبير في الموفقيات. قال الحافظ ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٣) : "فيه انقطاع".]] .

وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مُنْكِرًا: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَ الصَّدَاقَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ أَفْضَيْتَ إِلَيْهَا وأفضَتْ إِلَيْكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْجِمَاعَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ" ثَلَاثًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي -يَعْنِي: مَا أُصْدِقُهَا [[في أ: "ما أصدقتها".]] -قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا [[صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْتَمَ [[في جـ، ر، أ: "بصرة بن أبي بصرة".]] أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِكْرًا فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا هِيَ حَامِلٌ [[في جـ، أ: "حبلى".]] مِنَ الزِّنَا، فَأَتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذَلِكَ لَهُ. فَقَضَى لَهَا بِالصَّدَاقِ وفرَق بَيْنَهُمَا، وَأَمَرَ بِجَلْدِهَا، وَقَالَ: "الْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ" [[سنن أبي داود برقم (٢١٣١) .]] .

فَالصَّدَاقُ فِي مُقَابَلَةِ البُضْع، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ العَقْد.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا [غَلِيظًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ قَالَ: قَوْلُهُ: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ-نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا".]] هُوَ قَوْلُهُ: أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ "كَلِمَةَ اللَّهِ" هِيَ التَّشَهُّدُ فِي الْخُطْبَةِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ لَهُ: جَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطبة حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي خُطبة حِجة الْوَدَاعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهَا: "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجهن بِكَلِمَة اللَّهِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ يُحَرم تَعَالَى زَوْجَاتِ الْآبَاءِ تَكْرِمَةً لهم، وإعذظامًا وَاحْتِرَامًا أَنْ تُوطَأَ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى إِنَّهَا لَتَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّار، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس -يَعْنِي ابْنَ الْأَسْلَتِ-وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ، فَخَطَبَ ابنَه قَيْسٌ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أعُدُّكَّ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنْ آتِي [[في أ: "أتيت".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِرُهُ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالت: إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوفِّي. فَقَالَ: "خَيْرًا". ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وَهُوَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا كُنْتُ أَعُدُّهُ وَلَدًا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ [[في جـ، ر، أ، "قال".]] لَهَا: "ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ] [[زيادة من ج، ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا، حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عِكْرمة فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] قال: نزلت في أبي قيس ابن الْأَسْلَتِ، خُلِّفَ عَلَى أُمِّ عُبَيْدِ [[في أ: "عبد".]] اللَّهِ بِنْتِ صَخْرٍ [[في جـ، ر، أ: "ضمرة".]] وَكَانَتْ تَحْتَ الْأَسْلَتِ أَبِيهِ، وَفِي الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفَ، وَكَانَ خَلَفَ عَلَى ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثمان بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِيهِ خَلَف، وَفِي فاخِتَة ابْنَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، كَانَتْ عِنْدَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، فخُلِّف عَلَيْهَا صفوان ابن أُمَيَّةَ [[تفسير الطبري (٨/١٣٣) .]] .

وَقَدْ زَعَمَ السُّهيلي أَنَّ نِكَاحَ نِسَاءِ الْآبَاءِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كِنَانة بْنُ خُزَيْمَةَ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَهُ النضْر بْنَ كِنَانَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ﷺ: "وُلِدتُ مِنْ نِكاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ". قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أنَّه كَانَ سَائِغًا لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يَعُدُّونَهُ نِكَاحًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ [[في أ: "المحرمي".]] حَدَّثَنَا قُرَاد، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمون مَا حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَلَكِنْ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنْ قِصَّةِ كِنَانَةَ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، مُبَشَّع غَايَةَ التَّبَشُّعِ [[في ر: "التبشيع".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "وقد قال".]] [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٥١] وَقَالَ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٣٢] فَزَادَ هَاهُنَا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: بُغْضًا، أَيْ هُوَ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مَقْتِ الِابْنِ أَبَاهُ بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ يُبْغِضُ مَنْ كَانَ زَوْجَهَا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتٌ، لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ كَالْأَبِ [لِلْأُمَّةِ] [[زيادة من أ.]] بَلْ حَقُّهُ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْآبَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ حُبُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حُبِّ النُّفُوسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَبِئْسَ طَرِيقًا لِمَنْ سَلَكَهُ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَعَاطَاهُ بَعْدَ هَذَا فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَيُقْتَلُ، وَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ خَالِهِ أَبِي [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بُرْدَةَ -وَفِي رِوَايَةِ: ابْنِ عُمَرَ-وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب قال: مرَّ بِي عَمِّي الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ [[في ر: "رسول الله".]] ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبِيُّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ؟ قَالَ: بَعَثَنِي إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ [[المسند (٤/٣٩٢) .]] .

مَسْأَلَةٌ:

وَقَدْ أَجْمَعَ [[في أ: "اجتمع".]] العلماءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ وَطَئَهَا الأبُ بِتَزْوِيجٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ دُونَ الْجِمَاعِ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. فَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ أَيْضًا بِذَلِكَ. قَدْ رَوَى [الْحَافِظُ] [[زيادة من أ.]] ابْنُ [[في أ: "أبو".]] عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ خُدَيْج الحِصْنِيّ [[في جـ، أ: "الحمصي"، ولم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق لابن عساكر ولا في المختصر لابن منظور.]] مَوْلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: اشْتَرَى لِمُعَاوِيَةَ جَارِيَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مُجَرَّدَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ. فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى مَتَاعِهَا وَيَقُولُ: هَذَا الْمَتَاعُ لَوْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ! اذْهَبْ بِهَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. ثُمَّ قَالَ: لَا ادْعُ لِي رَبِيعَةَ بْنَ عَمْرٍو الجُرَشِي -وَكَانَ فَقِيهًا-فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ أُتِيتُ بِهَا مُجَرَّدَةً، فَرَأَيْتُ مِنْهَا ذَاكَ وَذَاكَ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَبْعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ، فَدَعَوْتُهُ، وَكَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، فَقَالَ: دُونَكَ هَذِهِ، بَيض بِهَا وَلَدَكَ. قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من جـ، أ.]] كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا وَهَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ النَّاسِ عَلَى عَلِي [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتل، حَدَّثَنَا أسْبَاط بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْباني عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السَّوَائي، وَلَا أظُنُّه ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ، إِنْ شَاءَ بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لَمْ يُزَوِّجوها، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.

هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدُويه، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ -وَاسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ-عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ السُّوَائِيِّ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، كُوفِيٌّ أَعْمَى-كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَا تَقَدَّمَ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٧٩) وسنن أبي داود برقم (٦٠٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ المَرْوزي، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَين، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ [[في ر: "كما".]] يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيَعْضلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُد إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فأحكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ [[سنن أبي داود برقم (٢٠٩٠) .]] وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِ [[في ر: "نحو".]] ذَلِكَ، فَقَالَ وَكِيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ بُذَيْمَةَ، عَنْ مِقْسم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا تُوفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [[ورواه الطبري في التفسير (٨/١٠٨) من طريق ابن وكيع عن وكيع به إلا أنه أوقفه على مقسم.]] .

وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَةً، أَلْقَى [[في ر: "وألقى".]] عَلَيْهَا حَمِيمُهُ [[في أ: "خيمة".]] ثَوْبَهُ، فَمَنَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

وَرَوَى [[في ر: "وقال".]] الْعَوْفِيُّ عَنْهُ: كَانَ الرَّجُلُ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حميمُ أَحَدِهِمْ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَورِث نِكَاحَهَا وَلَمْ يَنْكِحْهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَحَبَسَهَا عِنْدَهُ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "في قوله".]] [ ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] كَانَ أَهْلُ يَثْرِبَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَرِث امْرَأَتَهُ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ، وَكَانَ يعضُلها حَتَّى يَرِثَهَا، أَوْ يُزَوِّجَهَا مَنْ أَرَادَ، وَكَانَ أَهْلُ تُهامة يُسِيء الرَّجُلُ صُحْبَةَ [[في جـ، أ: "صحبته".]] الْمَرْأَةِ حَتَّى يُطَلِّقَهَا، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ إِلَّا مَنْ أَرَادَ حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا أَعْطَاهَا، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبراهيم، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى [[في أ: "محمد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْنِ الْأَسْلَتِ أَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، بِهِ. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيج قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا هَلَك الرَّجُلُ وَتَرَكَ امْرَأَةً، حَبَسَهَا أهلُه عَلَى الصَّبِيِّ يَكُونُ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الْآيَةَ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تُوُفي كَانَ ابْنُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ، يَنْكِحُهَا إِنْ شَاءَ، إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَهَا، أَوْ يُنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوِ ابْنَ أَخِيهِ.

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْن بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْأَوْسِ، تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قيس ابن الْأَسْلَتِ، فجنَحَ عَلَيْهَا ابنُه، فَجَاءَتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي، وَلَا أَنَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا، جَاءَ وَلَيُّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ أَوْ أَخٌ حَبَسَهَا حَتَّى يَشب [[في أ: "يشيب".]] أَوْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا، فَإِنْ هِيَ انْفَلَتَتْ فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَلَمْ يُلْقِ عَلَيْهَا ثَوْبًا نَجَتْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي الْآيَةِ: كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ فِي حِجْرِهِ الْيَتِيمَةُ هُوَ يَلِي أَمْرَهَا، فَيَحْبِسَهَا رَجَاءَ أَنْ تَمُوتَ امْرَأَتُهُ، فَيَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا ابْنَهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. ثُمَّ قَالَ: ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَأَبِي مِجْلَز، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّان -نحوُ ذلك.

قُلْتُ: فَالْآيَةُ تَعُمُّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مُجَاهِدٌ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَكُلَّ مَا كَانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أَيْ: لَا تُضارّوهن فِي العِشرة لِتَتْرُكَ لَكَ مَا أَصْدَقْتَهَا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْكَ، أَوْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ لَهَا وَالِاضْطِهَادِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يَقُولُ: وَلَا تَقْهَرُوهُنَّ ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يَعْنِي: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ [[في جـ، ر، أ: "يكون له المرأة".]] وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهرٌ فيَضرها [[في أ: "فيضربها".]] لِتَفْتَدِيَ.

وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ [وَغَيْرُ وَاحِدٍ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي سِمَاك بْنُ الْفَضْلِ، عَنِ ابْنِ البَيْلمَاني [[في ر، أ: "السلماني".]] قَالَ: نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْأُخْرَى فِي أمرالإسلام. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فِي الْإِسْلَامِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وعِكْرَمَة، وعَطاء الْخُرَاسَانِيُّ، والضَّحَّاك، وَأَبُو قِلابةَ، وَأَبُو صَالِحٍ، والسُّدِّي، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الزِّنَا، يَعْنِي: إِذَا زَنَتْ فَلَكَ أَنْ تَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الَّذِي أَعْطَيْتَهَا وتُضَاجرهَا حَتَّى تَتْرُكَهُ لَكَ وَتُخَالِعَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ:٢٢٩] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: الْفَاحِشَةُ الْمُبَيِّنَةُ: النُّشوز والعِصْيان.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّه يَعُم ذَلِكَ كلَّه: الزِّنَا، وَالْعِصْيَانَ، وَالنُّشُوزَ، وبَذاء اللِّسَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ.

يَعْنِي: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يُبيح مُضَاجَرَتَهَا حَتَّى تُبْرئه مِنْ حَقِّهَا أَوْ بَعْضِهِ وَيُفَارِقَهَا، وَهَذَا جَيِّدٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من أ.]] فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرِثُ امْرَأَةَ ذِي قَرَابَتِهِ، فيعضُلها حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، أَيْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.

قَالَ [[في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال".]] عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ السِّيَاقُ كُلُّهُ كَانَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَكِنْ نُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ العَضْل فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، ينكحُ الرجلُ الْمَرْأَةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقُهُ، فَيُفَارِقَهَا عَلَى أَنْ [[في جـ، أ: "أنه".]] لَا تُزوّج [[في أ: "تتزوج".]] إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيُشْهِدُ، فَإِذَا خَطَبَهَا الْخَاطِبُ فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ [[في ر: "فأذن".]] لَهَا، وَإِلَّا عَضلها. قَالَ: فَهَذَا قوله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ هُوَ كَالْعَضْلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٢٨] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي" [[جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَمِّهِ عُمَارَةَ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عباس.

وقال البوصيري في الزوائد (٢/١١٧) : "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.

وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة.

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري.]] وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: سَابَقَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أحملَ اللَّحْمَ، ثُمَّ سَابَقْتُهُ بَعْدَ مَا حملتُ اللحمَ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هذِهِ بتلْك" [[رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة به.]] وَيَجْتَمِعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ الْعَشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلِهَا. وَكَانَ يَنَامُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ كَتِفَيْه الرِّداء وَيَنَامُ بِالْإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ [[في ر، أ: "فدخل".]] مَنْزِلَهُ يَسْمُر مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤانسهم بِذَلِكَ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٢١] .

وَأَحْكَامُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ مَوْضِعُهُ كِتَابُ "الْأَحْكَامِ"، ولله الحمد.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ أَيْ: فعَسَى أَنْ يَكُونَ صَبْرُكُمْ مَعَ [[في أ: "على".]] إِمْسَاكِكُمْ لَهُنَّ وَكَرَاهَتِهِنَّ فِيهِ، خَيْرٌ كَثِيرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَعْطف عَلَيْهَا، فيرزقَ مِنْهَا وَلَدًا. وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ [[في ر: "كبير".]] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا يَفْرَك مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَةً وَيَسْتَبْدِلَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِمَّا كَانَ أَصْدَقَ الْأُولَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ قِنْطَارًا مِنْ مَالٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِنْطَارِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْإِصْدَاقِ بِالْمَالِ الْجَزِيلِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ كَثْرَةِ الْإِصْدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ [[في أ: "مسهر".]] بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرين، قَالَ: نُبِّئْت عَنْ أَبِي العَجْفَاء السُّلميِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: أَلَا لَا تُغْلُوا فِي صَداق [[في جـ، ر، أ: "صدق".]] النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ، مَا أصْدَقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصدِقَت امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّة، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كَلِفْتُ إِلَيْكِ عَلَق القِرْبة، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ -وَاسْمُهُ هَرِمُ ابن مُسَيب الْبَصْرِيُّ-وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[المسند (١/٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْمُجَالِدِ [[في جـ: "مجالد".]] بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا إِكْثَارُكُمْ فِي صُدُق النِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابه وإنماالصدقات فِيمَا بَيْنَهُمْ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ كَرَامَةً [[في جـ، ر، أ: "أو مكرمة".]] لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إِلَيْهَا. فَلا أعرفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ: [[في جـ، أ. "فقالت له".]] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ صَدَاقَهُمْ [[في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [[في جـ، أ: "ما قال الله".]] فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: وَأَيُّ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] [[زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النساء: ٢٠] قال: فقال: اللَّهُمَّ غَفْرًا، كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. ثُمَّ [[في أ: "قال: ثم".]] رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنِّي [[في جـ، أ: "أيها الناس، إني".]] كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ [[في جـ، أ: "في صدقهن" وفي ر: "صدقاتهن".]] عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ. قَالَ أَبُو يَعْلَى: وَأَظُنُّهُ قَالَ: فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ فَلْيَفْعَلْ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ [[ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩٨) "الأعظمي" ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٣) فقال: أخبرنا هيثم أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فذكر بنحوه.

انظر: إرواء الغليل (٦/٣٤٨) للشيخ ناصر الألباني فقد بين ضعف هذه الرواية ومخالفتها لما في السنن.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رَبِيعٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "مهر".]] النِّسَاءِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ". قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا" فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ امْرَأَةً خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصَمَتْهُ [[رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٠٤٢٠) من طريق قيس بن الربيع به. قال الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل (١/٣٤٨) : "إسناد ضعيف فيه علتان:

الأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.

الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنْ عُمَرَ فِيهَا انْقِطَاعٌ: قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّي قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا تَزِيدُوا فِي مُهُورِ [[في أ: "لا يزيد في مهر".]] النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ ذي الغُصّة -يعني يزيد ابن الْحُصَيْنِ الْحَارِثِيَّ -فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْتُ الزِّيَادَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ-مِنْ صُفَّة النِّسَاءِ طَوِيلَةٌ، فِي أَنْفِهَا فَطَس -: مَا ذَاكَ لَكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ أَصَابَتْ [[في ر: "صابت".]] وَرَجُلٌ أَخْطَأَ [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٦٦) ونسبه للزبير في الموفقيات. قال الحافظ ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٣) : "فيه انقطاع".]] .

وَلِهَذَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] مُنْكِرًا: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أَيْ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَ الصَّدَاقَ مِنَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ أَفْضَيْتَ إِلَيْهَا وأفضَتْ إِلَيْكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ الْجِمَاعَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا: "اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ" ثَلَاثًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي -يَعْنِي: مَا أُصْدِقُهَا [[في أ: "ما أصدقتها".]] -قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ إِنْ كُنْتَ صدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا [[صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] .

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ بَصْرَةَ بْنِ أَكْتَمَ [[في جـ، ر، أ: "بصرة بن أبي بصرة".]] أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِكْرًا فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا هِيَ حَامِلٌ [[في جـ، أ: "حبلى".]] مِنَ الزِّنَا، فَأَتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذَلِكَ لَهُ. فَقَضَى لَهَا بِالصَّدَاقِ وفرَق بَيْنَهُمَا، وَأَمَرَ بِجَلْدِهَا، وَقَالَ: "الْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ" [[سنن أبي داود برقم (٢١٣١) .]] .

فَالصَّدَاقُ فِي مُقَابَلَةِ البُضْع، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ العَقْد.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا [غَلِيظًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ قَالَ: قَوْلُهُ: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ-نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي الْآيَةِ [[في جـ، ر، أ: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا".]] هُوَ قَوْلُهُ: أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ "كَلِمَةَ اللَّهِ" هِيَ التَّشَهُّدُ فِي الْخُطْبَةِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ لَهُ: جَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطبة حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ جَابِرٍ فِي خُطبة حِجة الْوَدَاعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهَا: "وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُروجهن بِكَلِمَة اللَّهِ" [[صحيح مسلم برقم (١٢١٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ يُحَرم تَعَالَى زَوْجَاتِ الْآبَاءِ تَكْرِمَةً لهم، وإعذظامًا وَاحْتِرَامًا أَنْ تُوطَأَ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى إِنَّهَا لَتَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّار، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس -يَعْنِي ابْنَ الْأَسْلَتِ-وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ، فَخَطَبَ ابنَه قَيْسٌ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أعُدُّكَّ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنْ آتِي [[في أ: "أتيت".]] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْتَأْمِرُهُ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالت: إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوفِّي. فَقَالَ: "خَيْرًا". ثُمَّ قَالَتْ: إِنَّ ابْنَهُ قَيْسًا خَطَبَنِي وَهُوَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا كُنْتُ أَعُدُّهُ وَلَدًا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ [[في جـ، ر، أ، "قال".]] لَهَا: "ارْجِعِي إِلَى بَيْتِكِ". قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إِلا مَا قَدْ سَلَفَ] [[زيادة من ج، ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، حَدَّثَنَا، حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عِكْرمة فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الْآيَةَ] [[زيادة من أ.]] قال: نزلت في أبي قيس ابن الْأَسْلَتِ، خُلِّفَ عَلَى أُمِّ عُبَيْدِ [[في أ: "عبد".]] اللَّهِ بِنْتِ صَخْرٍ [[في جـ، ر، أ: "ضمرة".]] وَكَانَتْ تَحْتَ الْأَسْلَتِ أَبِيهِ، وَفِي الْأَسْوَدِ بْنِ خَلَفَ، وَكَانَ خَلَفَ عَلَى ابْنَةِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ عُثمان بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِيهِ خَلَف، وَفِي فاخِتَة ابْنَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، كَانَتْ عِنْدَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، فخُلِّف عَلَيْهَا صفوان ابن أُمَيَّةَ [[تفسير الطبري (٨/١٣٣) .]] .

وَقَدْ زَعَمَ السُّهيلي أَنَّ نِكَاحَ نِسَاءِ الْآبَاءِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قَالَ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كِنَانة بْنُ خُزَيْمَةَ، تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَهُ النضْر بْنَ كِنَانَةَ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ﷺ: "وُلِدتُ مِنْ نِكاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ". قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أنَّه كَانَ سَائِغًا لَهُمْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يَعُدُّونَهُ نِكَاحًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ [[في أ: "المحرمي".]] حَدَّثَنَا قُرَاد، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمون مَا حَرَّمَ اللَّهُ، إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ﴾ وَهَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ. وَلَكِنْ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ مِنْ قِصَّةِ كِنَانَةَ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، مُبَشَّع غَايَةَ التَّبَشُّعِ [[في ر: "التبشيع".]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ وَلِهَذَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "وقد قال".]] [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الْأَنْعَامِ:١٥١] وَقَالَ ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٣٢] فَزَادَ هَاهُنَا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: بُغْضًا، أَيْ هُوَ أَمْرٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى مَقْتِ الِابْنِ أَبَاهُ بَعْدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ يُبْغِضُ مَنْ كَانَ زَوْجَهَا قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا حُرِّمَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتٌ، لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ كَالْأَبِ [لِلْأُمَّةِ] [[زيادة من أ.]] بَلْ حَقُّهُ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْآبَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ حُبُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حُبِّ النُّفُوسِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَطاء بْنُ أَبِي رَباح فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَقْتًا﴾ أَيْ: يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿وَسَاءَ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَبِئْسَ طَرِيقًا لِمَنْ سَلَكَهُ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَعَاطَاهُ بَعْدَ هَذَا فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَيُقْتَلُ، وَيَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ خَالِهِ أَبِي [[في ر: "أبو" وهو خطأ.]] بُرْدَةَ -وَفِي رِوَايَةِ: ابْنِ عُمَرَ-وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب قال: مرَّ بِي عَمِّي الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَعَهُ لِوَاءٌ قَدْ عَقَدَهُ لَهُ النَّبِيُّ [[في ر: "رسول الله".]] ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، أَيْنَ بَعَثَكَ النَّبِيُّ [ﷺ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ؟ قَالَ: بَعَثَنِي إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ [[المسند (٤/٣٩٢) .]] .

مَسْأَلَةٌ:

وَقَدْ أَجْمَعَ [[في أ: "اجتمع".]] العلماءُ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ وَطَئَهَا الأبُ بِتَزْوِيجٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ أَيْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ بَاشَرَهَا بِشَهْوَةٍ دُونَ الْجِمَاعِ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً. فَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ أَيْضًا بِذَلِكَ. قَدْ رَوَى [الْحَافِظُ] [[زيادة من أ.]] ابْنُ [[في أ: "أبو".]] عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ خُدَيْج الحِصْنِيّ [[في جـ، أ: "الحمصي"، ولم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق لابن عساكر ولا في المختصر لابن منظور.]] مَوْلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: اشْتَرَى لِمُعَاوِيَةَ جَارِيَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، فَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مُجَرَّدَةً وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ. فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى مَتَاعِهَا وَيَقُولُ: هَذَا الْمَتَاعُ لَوْ كَانَ لَهُ مَتَاعٌ! اذْهَبْ بِهَا إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. ثُمَّ قَالَ: لَا ادْعُ لِي رَبِيعَةَ بْنَ عَمْرٍو الجُرَشِي -وَكَانَ فَقِيهًا-فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ أُتِيتُ بِهَا مُجَرَّدَةً، فَرَأَيْتُ مِنْهَا ذَاكَ وَذَاكَ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَبْعَثَ بِهَا إِلَى يَزِيدَ. فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ، فَدَعَوْتُهُ، وَكَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، فَقَالَ: دُونَكَ هَذِهِ، بَيض بِهَا وَلَدَكَ. قَالَ: وَ [قَدْ] [[زيادة من جـ، أ.]] كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ هَذَا وَهَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ فَرَبَّتْهُ ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ النَّاسِ عَلَى عَلِي [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ آيَةُ تَحْرِيمِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحَارِمِ بِالصِّهْرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: حُرمت عَلَيْكُمْ سَبْعٌ نَسَبًا، وَسَبْعٌ صِهْرًا، وَقَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ [[في جـ، أ: "بن جابر".]] عَنْ عُمَير مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ﴾ فَهُنَّ [[في جـ، ر، أ: "فهذا".]] النَّسَبُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ ؛ فَإِنَّهَا بِنْتٌ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَدْ حُكيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ فِي إِبَاحَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتًا شَرْعِيَّةً، فَكَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ لَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أَيْ كَمَا تَحْرُمُ [[في ر: "يحرم".]] عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي أَرْضَعَتْكَ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ"، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُم مِنَ النَّسَبِ" [[صحيح البخاري رقم (٣١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٤) وموطأ مالك (في الرضاع) .]] .

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: كَمَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ إِلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِتِّ صُوَرٍ، هِيَ [[في ر: "وهي".]] مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مِثْلُ بَعْضِهَا فِي النَّسَبِ، وَبَعْضُهَا إِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ جِهَةِ الصِّهْرِ، فَلَا يَرِدُ [[في أ: "لا يزد".]] عَلَى الْحَدِيثِ شَيْءٌ أَصْلًا الْبَتَّةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الْمُحَرِّمَةِ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ مُجَرَّدُ الرَّضَاعِ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وعُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِي.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحرِّم المصةُ وَالْمَصَّتَانِ" [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٠) لكنه من طريق ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير عن عائشة.

وقد رواه النسائي في السنن الكبرى مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وابن الزبير برقم (٥٤٥٨) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لَا تُحرم الرَّضْعَة وَلَا الرَّضْعَتَانِ، والمصَّة [[في جـ، أ: "ولا المصة".]] وَلَا الْمَصَّتَانِ"، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: "لَا تُحَرِّمُ الإمْلاجَة وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥١)]] .

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيُحْكَى [[في جـ، أ: "هو محكى".]] عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ الْفَضْلِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرة [[في جـ، ر، أ: "عن عروة".]] عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ ذَلِكَ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٢) .]] .

وَفِي حَدِيثِ سَهْلة بِنْتِ سُهَيْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُرضِع مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ [[وانظر قصتها في المسند (٦/٢٠١) .]] وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَنْ يُرْضع خَمْسَ رَضَعَاتٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّضَاعَةُ فِي سِنِّ الصِّغَرِ دُونَ الْحَوْلَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَكَمَا [[في جـ، ر، أ: "وقد".]] قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [الْآيَةَ: ٢٣٣] .

وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُحَرِّمُ لَبَنُ الفَحْل، كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؟ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ الرَّضَاعُ بِالْأُمِّ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَشِرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَبِ كَمَا هُوَ لِبَعْضِ السَّلَفِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، [[زيادة من جـ، ر، أ.]] تَحْرِيرُ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامُ الْكَبِيرُ ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَمَّا [[في ر: "أن".]] أَمُّ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ فَلَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى أُمِّهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، أ.]] فِي تَزْوِيجِهِنَّ، فَهَذَا خَاصٌّ بِالرَّبَائِبِ وَحْدَهُنَّ.

وَقَدْ فَهِمَ بعضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْأُمَّهَاتِ [وَ] [[زيادة من ر.]] الرَّبَائِبِ فَقَالَ: لَا تَحْرُمُ وَاحِدَةٌ مِنَ الأم ولا الْبِنْتِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُخْرَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾

وَقَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال"]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس بْنِ عَمْرو، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَيَتَزَوَّجُ أُمَّهَا؟ قَالَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِيبَةِ.

وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ [[في ج، ر: "عن".]] سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَاتَتْ عِنْدَهُ وَأَخَذَ مِيرَاثَهَا كُره أَنْ يَخْلُفَ عَلَى أُمِّهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ [[في أ: "عن".]] عُوَيْمِرٍ الْأَجْدَعِ أَنَّ [[في جـ، ر: "من" وفي أ: "عن".]] بَكْرَ بْنَ كِنَانَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَنْكَحَهُ امْرَأَةً بِالطَّائِفِ قَالَ: فَلَمْ أُجَامِعْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَمي عَنْ أُمِّهَا، وَأُمُّهَا ذَاتُ مَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ أَبِي: هَلْ لَكَ فِي أُمِّهَا؟ قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ [[في أ: "بالخبر".]] فَقَالَ: انْكِحْ أُمَّهَا. قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا. فَأَخْبَرْتُ أَبِي مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَخْبَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَر وَابْنُ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَا أُحِلُّ مَا حَرم اللَّهُ، وَلَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَأَنْتَ وَذَاكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. فَلَمْ يَنْهَ [[في جـ، ر، أ: "ينهنى".]] وَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَانْصَرَفَ أَبِي عَنْ أُمِّهَا فَلَمْ يَنْكِحْهَا [[في أ "ينكحنيها".]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ سِمَاك بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: الرَّبِيبَةُ وَالْأُمُّ سَوَاءٌ، لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يُدْخَلْ بِالْمَرْأَةِ. وَفِي [[في جـ، ر: "في".]] إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ [[في أ: "متهم".]] لَمْ يُسَمَّ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ لَهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أَرَادَ [[في جـ، ر، أ: "أريد".]] بِهِمَا الدُّخُولَ جَمِيعًا [[في أ: "جمعا".]] فَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ كَمَا تَرَى عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ [[في جـ، ر: "ومجاهد بن جبير" وفي أ: "مجاهد بن جبر".]] وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، فِيمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ. [وَقَدْ خَالَفَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَرَأَوْا أَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ، وَأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الرَّبِيبَةِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] .

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَزْرة [[في جـ، أ: "عروة".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ لَمْ تَحِلَّ [[في أ: "لا يمل".]] لَهُ أُمُّهَا، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مُبْهَمَةٌ، فكرهها.

ثُمَّ قَالَ: ورُويَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَين، وَمَسْرُوقٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ، أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: "الْأُمُّ مِنَ الْمُبْهَمَاتِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْرُطْ [[في أ: "يشترط".]] مَعَهُنَّ الدُّخُولَ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ مَعَ أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مُتَّفِقَةً عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ، غَيْرَ أنَّ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرًا، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده عن النبي صلىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دُخِلَ بِالْبِنْتِ أَوْ لَمْ يُدْخَلَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأُمَّ [[في أ: "بالأم".]] فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ [[تفسير الطبري (٨/١٤٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٦٠) من طريق به، ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح غير قوي".]] .

ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ، فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ مُسْتَغْنى عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهِ بِغَيْرِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فَجُمْهُورُ [[في ر: "جمهور".]] الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّبِيبَةَ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ، قَالُوا: وَهَذَا الْخِطَابُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣]

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبيبة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ -وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ-قَالَ: "أَوْ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بمُخْليَة، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحل [[في أ: "لا تحل".]] لِي". قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ [[في ر: "قالت".]] بنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ " قَالَتْ [[في جـ، ر: "قلت".]] نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَبِنْتُ [[في جـ، ر: "لابنة".]] أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَة فَلَا تَعْرضْن عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِنِّي لَوْ لَمْ أَتَزَوَّجْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي" [[صحيح البخاري برقم (٥١٠١) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٩) .]] .

فَجَعَلَ الْمَنَاطَ فِي التَّحْرِيمِ مُجَرَّدُ تَزْوِيجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ وَحَكَمَ بِالتَّحْرِيمِ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ. وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا تَحْرُمُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ، وَقَدْ وَلَدَتْ لِي، فوجِدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَالَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهِيَ بِالطَّائِفِ. قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا هِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: فَانْكِحْهَا. قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حجْرك، إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِكَ.

هَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَأَصْحَابُهُ. وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَحَكَى لِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ عَرَض هَذَا عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَاسْتَشْكَلَهُ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[بدائع الفوائد (١/٥٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ قَالَ: فِي بُيُوتِكُمْ.

وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئلَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا [[في أ: "وربيبتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا. يُرِيدُ أَنْ أطَأهُمَا جَمِيعًا بِمِلْكِ يَمِينِي. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ.

وَقَالَ سُنَيد بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا مَمْلُوكِينَ [[في جـ، ر، أ: "مملوكتين".]] لَهُ؟ فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَلَمْ [[في جـ، أ: "فلم".]] أَكُنْ لِأَفْعَلَهُ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَر بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أنَّه لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا [[في أ: "وبنتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، قَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وَمِلْكُ الْيَمِينِ هُمْ [[في جـ، ر، أ: "عندهم".]] تَبَعٌ لِلنِّكَاحِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَلَا مَنْ تَبِعَهُمْ. وَرَوَى [[في ر، أ: "قال".]] هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ: بِنْتُ الرَّبِيبَةِ وَبِنْتُ ابْنَتِهَا لَا تَصْلُحُ وَإِنْ كَانَتْ أَسْفَلَ بِبُطُونٍ كَثِيرَةٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أَيْ: نَكَحْتُمُوهُنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: هُوَ أَنْ تُهْدَى إِلَيْهِ فَيَكْشِفُ وَيُفَتِّشُ وَيَجْلِسُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا. قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ لَا يُحرم [[في جـ، ر، أ: "لا تحرم".]] ابْنَتَهَا عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا ومُبَاشرتها أَوْ قَبْلَ [[في جـ، ر، أ: "وقيل".]] النَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِالْجِمَاعِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أَيْ: وحُرمت عَلَيْكُمْ زَوْجَاتُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ وَلَّدْتُمُوهُمْ مِنْ أَصْلَابِكُمْ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَدْعِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَونهم فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قَالَ: كُنَّا نُحَدِّث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ: "النبي".]] ﷺ لَمَّا نَكَحَ امْرَأَةَ زَيْدٍ، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤] . وَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٠] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُرْحُ [[في جـ، ر، أ: "خالد".]] بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ [[في أ: "الحسن ومحمد".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مُبْهَمَاتٍ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ نَحْوُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: مَعْنَى [[في ر: "يعني".]] مُبْهَمَاتٍ: أَيْ عَامَّةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ، فَتَحْرُمُ [[في أ: "فيحرم".]] بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَحْرُمُ امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكِيهِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعِ [[في أ: "الرضاعة".]] مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] [[زيادة من جـ، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَعًا فِي التَّزْوِيجِ، وَكَذَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَغَفَرْنَاهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيمَا [[في ر، أ: "بما".]] سَلَفَ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدُّخَانِ:٥٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [[في جـ: "الموت فيهما".]] أَبَدًا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ خُيِّرَ، فَيُمْسِكُ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] وَيُطَلِّقُ الْأُخْرَى لَا مَحَالَةَ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ أَبِي وهْب الجيْشاني عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فأمَرني النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] .

ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَهْبٍ الجَيْشاني. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَاسْمُهُ دَيْلَمُ بْنُ الهُوشَع، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا [[في جـ: "أيهما".]] شِئْتَ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٤/٢٣٢) وسنن أبي داود برقم (٢٢٤٣) وسنن الترمذي برقم (١٢٢٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥١) .]] .

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي خِرَاشٍ الرُّعَيْني [[في جـ، أ: "عن أبي خراش الرعيني عن الديلمي".]] قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي أُخْتَانِ تَزَوجْتُهما فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: "إِذَا رَجَعْتَ فَطلقْ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] " [[سنن ابن ماجة برقم (١٩٥٠) وقد سقط اسم الديلمي هنا (١٨/٣٢٨) من طريق إسحاق بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عن أبي خراش الرعينى عن الديلمي به، وقد خولف إسحاق بن أبي فروة: خالفه يزيد بن حبيب فرواه عن أبي وهب عن الديلمي به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) ثم قال: "زاد إسحاق بن أبي فروة في إسناده أبا خراش وإسحاق لا يحتج به، ورواية يزيد بن أبي حبيب أصح".]] .

قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا خِرَاشٍ هَذَا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ أَبُو [[في جـ، أ: "ابن".]] وَهْبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنِ اثْنَيْنِ، عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْخَوْلَانِيُّ [[في جـ، ر، أ: "الحلواتي".]] حَدَّثَنَا هَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوة عَنْ رُزَيق [[في جـ، ر: "زريق".]] بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ تَحْتِي أُخْتَيْنِ؟ قَالَ: "طَلق أَيَّهُمَا شِئْتَ" [[في إسناده إسحاق بن أبي فروة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه.]] .

فَالدَّيْلَمِيُّ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ يَصْحَبُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَالثَّانِي هُوَ أَبُو فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَرَاءِ بِالْيَمَنِ الَّذِينَ وُلُّوا قَتْلَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ [[في أ: "العبسي".]] الْمُتَنَبِّئِ لَعَنَهُ اللَّهُ.

وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَحَرَامٌ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عِنَبَةَ -أَوْ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ [[في أ: "بين الأمتين الأختين".]] الْأُخْتَيْنِ، فَكَرِهَهُ، فَقَالَ لَهُ-يَعْنِي السَّائِلَ-: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَبَعِيرُكَ مما ملكت يمينك.

وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ قَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبيصة بْنِ ذُؤيب: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ عَنِ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وحَرمتهما آيَةٌ، وَمَا كُنْتُ لِأَصْنَعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكَالًا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أرَاه عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَثَلُ ذَلِكَ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَري، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "الِاسْتِذْكَارِ": إِنَّمَا كَنَّى قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لِصُحْبَتِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَكَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ ذِكْرَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ: أَنَّ خَلَفَ بْنَ مُطَرِّفٍ حَدَّثَهُمْ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَسَعِيدُ [[في ر، أ: "معبد".]] بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ [[في أ: "المقبري".]] عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عَمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أُخْتَيْنِ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينِي، اتَّخَذْتُ إِحْدَاهُمَا سُرِّيَّةً فَوَلَدَتْ لِي أَوْلَادًا، ثُمَّ رَغِبْتُ فِي الْأُخْرَى، فَمَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعْتِقُ الَّتِي كُنْتَ تطَأُ ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: بَلْ تَزَوّجها ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتَ إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَلَيْسَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ؟ لَأَنْ تَعْتِقَهَا أَسْلَمُ لَكَ. ثُمَّ أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِي فَقَالَ لِي: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ -أَوْ قَالَ: إِلَّا الْأَرْبَعَ-ويَحْرُم عَلَيْكَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ النَّسَبِ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ رِحْلَةٌ [[في ر: "رحلة رجل".]] لَوْ لَمْ يُصِبِ الرَّجُلُ مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ [[في جـ، ر: "أقصى المغرب أو المشرق".]] إِلَى مَكَّةَ غَيْرَهُ لَمَا خَابَتْ رِحْلَتُهُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/٢٥٢) .]] .

قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ [[في أ: "ما روى".]] عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن مردويه:

حدثنا محمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ [[في أ: "المخزومي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ -يَعْنِي الْأُخْتَيْنِ-قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحَرِّمْهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ، وَلَا يُحَرِّمْهُنَّ عَلَىَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ -يَعْنِي الْإِمَاءَ-وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يُحَرِّمُونَ مَا تُحَرَّمون إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَمَّا جاء الإسلام أنزل الله [عز وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يَعْنِي: فِي النِّكَاحِ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[في جـ، أ: "وروى عن أحمد" وفي ر: "وروى أحمد".]] بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ الْإِمَاءِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ مَثَلُ ذَلِكَ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُثْمَانَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْحِجَازِ وَلَا بِالْعِرَاقِ وَلَا مَا وَرَاءَهُمَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَلَا بِالشَّامِ وَلَا الْمَغْرِبِ، إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ ونَفْي الْقِيَاسِ، وَقَدْ تَرَكَ مَنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ [[في جـ، أ: "ذلك ظاهرا".]] مَا اجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ، كَمَا لَا يَحِلُّ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: أَنَّ النِّكَاحَ وَمِلْكَ [[في جـ، ر، أ: "يملك".]] الْيَمِينِ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِنَّ سَوَاءٌ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا وَقِيَاسًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ. وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وَهُمُ الْحُجَّةُ الْمَحْجُوجُ بِهَا مَنْ خَالَفَهَا وَشَذَّ عَنْهَا، وَاللَّهُ الْمَحْمُودُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٠-٢٥١) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْمُحْصَنَاتُ وهي الْمُزَوَّجَاتُ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَعْنِي: إِلَّا مَا [[في أ: "يعنى الإماء".]] مَلَكْتُمُوهُنَّ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَكُمْ وَطْؤُهُنَّ إِذَا اسْتَبْرَأْتُمُوهُنَّ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ البَتِّي، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا نِسَاءً [[في أ: "سبيًا".]] مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسَ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَاسْتَحْلَلْنَا فُرُوجَهُنَّ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ هُشَيم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارِيِّ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ صَالِحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَذَكَرَهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الخليل، عن أبي سعيد، به [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وتفسير الطبري (٨/١٥٣) .]] .

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابُوا سَبَايَا يَوْمَ أَوَطَاسَ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَكَأَنَّ أُنَاسًا [[في أ: "وكان ناس".]] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَفُّوا وَتَأَثَّمُوا [[في جـ، ر: "أو تأثموا".]] مِنْ غَشَيَانِهِنَّ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة -زَادَ مُسْلِمٌ: وَشُعْبَةُ-وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَ أَبَا عَلْقَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرَ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيدٌ وَشُعْبَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[المسند (٣/٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وسنن أبي داود برقم (٢١٥٥) وسنن النسائي (٦/١١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٦) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَبَايَا خَيْبَرَ، وَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ يَكُونُ طَلَاقًا لَهَا مِنْ زَوْجِهَا، أَخْذًا بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ سُئل عَنِ الْأَمَةِ تُبَاعُ وَلَهَا زَوْجٌ؟ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ [[في أ: "شقيق".]] عَنْ منصور، ومغيرة والأعمشن عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا بِيعَتِ الْأَمَةُ وَلَهَا زَوْجٌ فَسَيِّدُهَا أَحَقُّ بِبُضْعِهَا.

وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالُوا: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَاقُ الْأَمَةِ سِتٌّ [[المذكور في رواية كل النسخ خمس لا ست.]] بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَعِتْقُهَا طَلَاقُهَا، وَهِبَتُهَا طَلَاقُهَا، وَبَرَاءَتُهَا طَلَاقُهَا، وَطَلَاقُ زَوْجِهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَناَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ: هُن [[في جـ، ر، أ: "هذه".]] ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [[في ر: "يمينك فيها".]] فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا وقال معمر: وقال الحسن مثل ذلك.

وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ: بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وبيعُه طلاقُها.

فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ مِنَ السَّلَفِ [رَحِمَهُمُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَقَدْ خَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَرَأَوْا أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ طَلَاقُهَا [[في ر، أ: "طلاقا لهما".]] ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَائِبٌ عَنِ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعَ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ وَبَاعَهَا مَسْلُوبَةً عَنْهَا، وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْهَا وَنَجَّزَتْ عِتْقَهَا، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْبَقَاءِ، فَاخْتَارَتِ الْفَسْخَ، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كَانَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا -كَمَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قاله".]] هَؤُلَاءِ لَمَا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا خَيَّرَهَا دَلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْمَسْبِيَّاتُ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَعْنِي: الْعَفَائِفَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَمْلِكُوا عِصْمَتَهُنَّ بِنِكَاحٍ وَشُهُودٍ وَمُهُورٍ وَوَلِيٍّ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ [[في أ: "واحد أو اثنين".]] أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَطَاوُسٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ عُمَر وَعُبَيْدَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ مَا عَدَا الْأَرْبَعِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا التَّحْرِيمُ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَالْزَمُوا كِتَابَهُ، وَلَا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِهِ، وَالْزَمُوا شَرْعَهُ وَمَا فَرَضَهُ.

وَقَدْ قَالَ عُبَيْدَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي الْأَرْبَعَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن مِنَ الْمَحَارِمِ هُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عُبَيْدَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَطَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ [[في جـ، ر، أ: "هي الآية".]] الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنِ احْتَجَّ عَلَى تَحْلِيلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ [[في أ: "أحلتها آية وحرمتها آية".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أَيْ: تَحَصَّلُوا بِأَمْوَالِكُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ إِلَى أَرْبَعٍ أَوِ السَّرَارِي مَا شِئْتُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أَيْ: كَمَا تَسْتَمْتِعُونَ بِهِنَّ فَآتَوْهُنَّ مُهُورَهُنَّ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ [[في أ: "بعضهم".]] إِلَى بَعْضٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٢١] وَكَقَوْلِهِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وكقوله [النساء:٤] ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أُبِيحَ مَرَّةً، ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُبَحْ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَدْ رُويَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ القولُ بِإِبَاحَتِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّي يَقْرَءُونَ: "فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالْعُمْدَةُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ [[صحيح البخاري رقم (٤٢١٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٧) .]] وَلِهَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُقَرَّرَةٌ هِيَ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ".

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَة بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: "يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرم ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ [[في أ: "منه".]] شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ [[صحيح مسلم برقم (١٤٠٦) .]] وَلَهُ أَلْفَاظٌ مَوْضِعُهَا كِتَابُ "الْأَحْكَامُ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالَ: فَلَا [[في جـ:"لا جناح".]] جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ أَنْ تَرَاضَوْا [[في جـ: "تتراضوا"]] عَلَى زِيَادَةٍ بِهِ وَزِيَادَةٍ لِلْجُعْلِ [[في جـ: "الجعل".]] .

قَالَ السُّدِّيُّ: إِنْ شَاءَ أَرْضَاهَا مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى -يَعْنِي الْأَجْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا عَلَى تَمَتُّعِهِ بِهَا-قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَتَمَتَّعُ مِنْكِ أَيْضًا بِكَذَا وَكَذَا، فَازْدَادَ [[في جـ، ر:"فإن زاد".]] قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ رَحِمَهَا يَوْمَ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ .

قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهِيَ مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ مَا فِي رَحِمِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَلَا [[في جـ، أ: "ليس".]] يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النِّسَاءِ: ٤] أَيْ: إِذَا فَرَضْتَ [[في ر: "فرضتم".]] لَهَا صَدَاقًا فَأَبْرَأَتْكَ مِنْهُ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قال: زعم الْحَضْرَمِيُّ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَفْرِضُونَ [[في أ: "يقرضون".]] الْمَهْرَ، ثُمَّ عَسَى أَنْ يُدْرِكَ أَحَدُهُمُ الْعُسْرَةُ، فَقَالَ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرَيضَةِ﴾ يَعْنِي: إِنْ وَضَعَتْ لَكَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَكَ سَائِغٌ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ وَالتَّرَاضِي أَنْ يُوَفيها صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرَهَا، وَيَعْنِي [[في أ: "بعد".]] فِي الْمُقَامِ أَوِ الْفِرَاقِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُنَاسِبُ ذِكْرِ هَذَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بَعْدَ شَرْعِ هَذِهِ الْمُحْرِمَاتِ [الْعَظِيمَةِ] [[زيادة من جـ، أ.]] .

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ هِيَ آيَةُ تَحْرِيمِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحَارِمِ بِالصِّهْرِ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنان، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: حُرمت عَلَيْكُمْ سَبْعٌ نَسَبًا، وَسَبْعٌ صِهْرًا، وَقَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ الْآيَةَ.

وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ [[في جـ، أ: "بن جابر".]] عَنْ عُمَير مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ﴾ فَهُنَّ [[في جـ، ر، أ: "فهذا".]] النَّسَبُ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ الزَّانِي عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ ؛ فَإِنَّهَا بِنْتٌ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَدْ حُكيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ فِي إِبَاحَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتًا شَرْعِيَّةً، فَكَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَلِكَ لَا تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أَيْ كَمَا تَحْرُمُ [[في ر: "يحرم".]] عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْكَ أُمُّكَ الَّتِي أَرْضَعَتْكَ؛ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ"، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُم مِنَ النَّسَبِ" [[صحيح البخاري رقم (٣١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٤) وموطأ مالك (في الرضاع) .]] .

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: كَمَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ إِلَّا فِي أَرْبَعِ صُوَرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِتِّ صُوَرٍ، هِيَ [[في ر: "وهي".]] مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مِثْلُ بَعْضِهَا فِي النَّسَبِ، وَبَعْضُهَا إِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ جِهَةِ الصِّهْرِ، فَلَا يَرِدُ [[في أ: "لا يزد".]] عَلَى الْحَدِيثِ شَيْءٌ أَصْلًا الْبَتَّةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ الْمُحَرِّمَةِ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يُحَرِّمُ مُجَرَّدُ الرَّضَاعِ لِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وعُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِي.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحرِّم المصةُ وَالْمَصَّتَانِ" [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٠) لكنه من طريق ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير عن عائشة.

وقد رواه النسائي في السنن الكبرى مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وابن الزبير برقم (٥٤٥٨) .]] .

وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "لَا تُحرم الرَّضْعَة وَلَا الرَّضْعَتَانِ، والمصَّة [[في جـ، أ: "ولا المصة".]] وَلَا الْمَصَّتَانِ"، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: "لَا تُحَرِّمُ الإمْلاجَة وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥١)]] .

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَيُحْكَى [[في جـ، أ: "هو محكى".]] عَنْ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ الْفَضْلِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُحَرِّمُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرة [[في جـ، ر، أ: "عن عروة".]] عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.

وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ ذَلِكَ [[صحيح مسلم برقم (١٤٥٢) .]] .

وَفِي حَدِيثِ سَهْلة بِنْتِ سُهَيْلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُرضِع مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ [[وانظر قصتها في المسند (٦/٢٠١) .]] وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَنْ يُرْضع خَمْسَ رَضَعَاتٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّضَاعَةُ فِي سِنِّ الصِّغَرِ دُونَ الْحَوْلَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَكَمَا [[في جـ، ر، أ: "وقد".]] قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [الْآيَةَ: ٢٣٣] .

وَاخْتَلَفُوا: هَلْ يُحَرِّمُ لَبَنُ الفَحْل، كَمَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؟ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ الرَّضَاعُ بِالْأُمِّ فَقَطْ، وَلَا يَنْتَشِرُ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَبِ كَمَا هُوَ لِبَعْضِ السَّلَفِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، [[زيادة من جـ، ر، أ.]] تَحْرِيرُ هَذَا كُلِّهِ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامُ الْكَبِيرُ ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَمَّا [[في ر: "أن".]] أَمُّ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ. وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ فَلَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى أُمِّهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِنْ طَلَّقَ الْأُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من جـ، أ.]] فِي تَزْوِيجِهِنَّ، فَهَذَا خَاصٌّ بِالرَّبَائِبِ وَحْدَهُنَّ.

وَقَدْ فَهِمَ بعضُهم عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى الْأُمَّهَاتِ [وَ] [[زيادة من ر.]] الرَّبَائِبِ فَقَالَ: لَا تَحْرُمُ وَاحِدَةٌ مِنَ الأم ولا الْبِنْتِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُخْرَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾

وَقَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال"]] ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلاس بْنِ عَمْرو، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَيَتَزَوَّجُ أُمَّهَا؟ قَالَ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الرَّبِيبَةِ.

وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ [[في ج، ر: "عن".]] سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَاتَتْ عِنْدَهُ وَأَخَذَ مِيرَاثَهَا كُره أَنْ يَخْلُفَ عَلَى أُمِّهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ [[في أ: "عن".]] عُوَيْمِرٍ الْأَجْدَعِ أَنَّ [[في جـ، ر: "من" وفي أ: "عن".]] بَكْرَ بْنَ كِنَانَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَنْكَحَهُ امْرَأَةً بِالطَّائِفِ قَالَ: فَلَمْ أُجَامِعْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ عَمي عَنْ أُمِّهَا، وَأُمُّهَا ذَاتُ مَالٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ أَبِي: هَلْ لَكَ فِي أُمِّهَا؟ قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ [[في أ: "بالخبر".]] فَقَالَ: انْكِحْ أُمَّهَا. قَالَ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: لَا تَنْكِحْهَا. فَأَخْبَرْتُ أَبِي مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَخْبَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِمَا قَالَ ابْنُ عُمَر وَابْنُ عَبَّاسٍ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَا أُحِلُّ مَا حَرم اللَّهُ، وَلَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ [اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَأَنْتَ وَذَاكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. فَلَمْ يَنْهَ [[في جـ، ر، أ: "ينهنى".]] وَلَمْ يَأْذَنْ لِي، فَانْصَرَفَ أَبِي عَنْ أُمِّهَا فَلَمْ يَنْكِحْهَا [[في أ "ينكحنيها".]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ سِمَاك بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: الرَّبِيبَةُ وَالْأُمُّ سَوَاءٌ، لَا بَأْسَ بِهَا إِذَا لَمْ يُدْخَلْ بِالْمَرْأَةِ. وَفِي [[في جـ، ر: "في".]] إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ [[في أ: "متهم".]] لَمْ يُسَمَّ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ [[في أ: "ابن جرير".]] أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ مُجَاهِدًا قَالَ لَهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أَرَادَ [[في جـ، ر، أ: "أريد".]] بِهِمَا الدُّخُولَ جَمِيعًا [[في أ: "جمعا".]] فَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ كَمَا تَرَى عَنْ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَابْنِ جُبَيْرٍ [[في جـ، ر: "ومجاهد بن جبير" وفي أ: "مجاهد بن جبر".]] وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَوَقَّفَ فِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّابُونِيِّ، فِيمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ. [وَقَدْ خَالَفَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، فَرَأَوْا أَنَّ الرَّبِيبَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ، وَأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ، بِخِلَافِ الْأُمِّ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الرَّبِيبَةِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] .

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَزْرة [[في جـ، أ: "عروة".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَةً قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ لَمْ تَحِلَّ [[في أ: "لا يمل".]] لَهُ أُمُّهَا، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا مُبْهَمَةٌ، فكرهها.

ثُمَّ قَالَ: ورُويَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَين، وَمَسْرُوقٍ، وَطَاوُسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَقَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ، أَعْنِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: "الْأُمُّ مِنَ الْمُبْهَمَاتِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشْرُطْ [[في أ: "يشترط".]] مَعَهُنَّ الدُّخُولَ كَمَا شَرَطَ ذَلِكَ مَعَ أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا إِجْمَاعٌ مِنَ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مُتَّفِقَةً عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرٌ، غَيْرَ أنَّ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرًا، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده عن النبي صلىالله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دُخِلَ بِالْبِنْتِ أَوْ لَمْ يُدْخَلَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأُمَّ [[في أ: "بالأم".]] فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ [[تفسير الطبري (٨/١٤٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٦٠) من طريق به، ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح غير قوي".]] .

ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مَا فِيهِ، فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ مُسْتَغْنى عَنْ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِحَّتِهِ بِغَيْرِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فَجُمْهُورُ [[في ر: "جمهور".]] الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّبِيبَةَ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ، قَالُوا: وَهَذَا الْخِطَابُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا مَفْهُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النُّورِ: ٣٣]

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبيبة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ -وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ-قَالَ: "أَوْ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بمُخْليَة، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحل [[في أ: "لا تحل".]] لِي". قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ [[في ر: "قالت".]] بنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ " قَالَتْ [[في جـ، ر: "قلت".]] نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا لَبِنْتُ [[في جـ، ر: "لابنة".]] أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَة فَلَا تَعْرضْن عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِنِّي لَوْ لَمْ أَتَزَوَّجْ أُمَّ سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي" [[صحيح البخاري برقم (٥١٠١) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٩) .]] .

فَجَعَلَ الْمَنَاطَ فِي التَّحْرِيمِ مُجَرَّدُ تَزْوِيجِهِ أُمَّ سَلَمَةَ وَحَكَمَ بِالتَّحْرِيمِ لِذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَجُمْهُورِ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ. وَقَدْ قِيلَ بِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا تَحْرُمُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ -يَعْنِي ابْنَ يُوسُفَ-عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ، وَقَدْ وَلَدَتْ لِي، فوجِدْت عَلَيْهَا، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: مَالَكَ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ الْمَرْأَةُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَهَا ابْنَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهِيَ بِالطَّائِفِ. قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِكَ؟ قُلْتُ: لَا هِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: فَانْكِحْهَا. قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حجْرك، إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَتْ فِي حِجْرِكَ.

هَذَا إِسْنَادٌ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ وَأَصْحَابُهُ. وَحَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَحَكَى لِي شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ عَرَض هَذَا عَلَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَاسْتَشْكَلَهُ، وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[بدائع الفوائد (١/٥٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ قَالَ: فِي بُيُوتِكُمْ.

وَأَمَّا الرَّبِيبَةُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئلَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا [[في أ: "وربيبتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا. يُرِيدُ أَنْ أطَأهُمَا جَمِيعًا بِمِلْكِ يَمِينِي. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ.

وَقَالَ سُنَيد بْنُ دَاوُدَ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا مَمْلُوكِينَ [[في جـ، ر، أ: "مملوكتين".]] لَهُ؟ فَقَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَلَمْ [[في جـ، أ: "فلم".]] أَكُنْ لِأَفْعَلَهُ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَر بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أنَّه لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا [[في أ: "وبنتها".]] مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، قَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وَمِلْكُ الْيَمِينِ هُمْ [[في جـ، ر، أ: "عندهم".]] تَبَعٌ لِلنِّكَاحِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَلَا مَنْ تَبِعَهُمْ. وَرَوَى [[في ر، أ: "قال".]] هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ: بِنْتُ الرَّبِيبَةِ وَبِنْتُ ابْنَتِهَا لَا تَصْلُحُ وَإِنْ كَانَتْ أَسْفَلَ بِبُطُونٍ كَثِيرَةٍ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أَيْ: نَكَحْتُمُوهُنَّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ: هُوَ أَنْ تُهْدَى إِلَيْهِ فَيَكْشِفُ وَيُفَتِّشُ وَيَجْلِسُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا. قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأَتِهِ لَا يُحرم [[في جـ، ر، أ: "لا تحرم".]] ابْنَتَهَا عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِيسِهَا ومُبَاشرتها أَوْ قَبْلَ [[في جـ، ر، أ: "وقيل".]] النَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ هُوَ الْوُصُولُ إِلَيْهَا بِالْجِمَاعِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ أَيْ: وحُرمت عَلَيْكُمْ زَوْجَاتُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ وَلَّدْتُمُوهُمْ مِنْ أَصْلَابِكُمْ، يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنِ الْأَدْعِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَونهم فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْأَحْزَابِ: ٣٧] .

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ قَالَ: كُنَّا نُحَدِّث، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [[في جـ: "النبي".]] ﷺ لَمَّا نَكَحَ امْرَأَةَ زَيْدٍ، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "فقال".]] الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤] . وَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٤٠] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْجُرْحُ [[في جـ، ر، أ: "خالد".]] بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ [[في أ: "الحسن ومحمد".]] أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مُبْهَمَاتٍ: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتُ نِسَائِكُم﴾ ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ نَحْوُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: مَعْنَى [[في ر: "يعني".]] مُبْهَمَاتٍ: أَيْ عَامَّةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ، فَتَحْرُمُ [[في أ: "فيحرم".]] بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ تَحْرُمُ امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْكِيهِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "يَحْرُم مِنَ الرَّضَاعِ [[في أ: "الرضاعة".]] مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا] [[زيادة من جـ، أ، وفي الأصل: "الآية".]] ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَعًا فِي التَّزْوِيجِ، وَكَذَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَغَفَرْنَاهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيمَا [[في ر، أ: "بما".]] سَلَفَ، كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدُّخَانِ:٥٦] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [[في جـ: "الموت فيهما".]] أَبَدًا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ خُيِّرَ، فَيُمْسِكُ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] وَيُطَلِّقُ الْأُخْرَى لَا مَحَالَةَ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ أَبِي وهْب الجيْشاني عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أُخْتَانِ، فأمَرني النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أُطَلِّقَ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] .

ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَهْبٍ الجَيْشاني. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَاسْمُهُ دَيْلَمُ بْنُ الهُوشَع، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، بِهِ وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا [[في جـ: "أيهما".]] شِئْتَ". ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[المسند (٤/٢٣٢) وسنن أبي داود برقم (٢٢٤٣) وسنن الترمذي برقم (١٢٢٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥١) .]] .

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ أَبِي خِرَاشٍ الرُّعَيْني [[في جـ، أ: "عن أبي خراش الرعيني عن الديلمي".]] قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي أُخْتَانِ تَزَوجْتُهما فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: "إِذَا رَجَعْتَ فَطلقْ إِحْدَاهُمَا [[في أ: "أحديهما".]] " [[سنن ابن ماجة برقم (١٩٥٠) وقد سقط اسم الديلمي هنا (١٨/٣٢٨) من طريق إسحاق بْنِ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي وَهْبٍ الْجَيْشَانِيِّ عن أبي خراش الرعينى عن الديلمي به، وقد خولف إسحاق بن أبي فروة: خالفه يزيد بن حبيب فرواه عن أبي وهب عن الديلمي به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤) ثم قال: "زاد إسحاق بن أبي فروة في إسناده أبا خراش وإسحاق لا يحتج به، ورواية يزيد بن أبي حبيب أصح".]] .

قُلْتُ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا خِرَاشٍ هَذَا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ أَبُو [[في جـ، أ: "ابن".]] وَهْبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنِ اثْنَيْنِ، عَنْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ ابْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْخَوْلَانِيُّ [[في جـ، ر، أ: "الحلواتي".]] حَدَّثَنَا هَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوة عَنْ رُزَيق [[في جـ، ر: "زريق".]] بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ تَحْتِي أُخْتَيْنِ؟ قَالَ: "طَلق أَيَّهُمَا شِئْتَ" [[في إسناده إسحاق بن أبي فروة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه.]] .

فَالدَّيْلَمِيُّ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ يَصْحَبُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَالثَّانِي هُوَ أَبُو فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُمَرَاءِ بِالْيَمَنِ الَّذِينَ وُلُّوا قَتْلَ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ [[في أ: "العبسي".]] الْمُتَنَبِّئِ لَعَنَهُ اللَّهُ.

وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَحَرَامٌ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:

حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عِنَبَةَ -أَوْ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ [[في أ: "بين الأمتين الأختين".]] الْأُخْتَيْنِ، فَكَرِهَهُ، فَقَالَ لَهُ-يَعْنِي السَّائِلَ-: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَبَعِيرُكَ مما ملكت يمينك.

وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ قَدْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ قَبيصة بْنِ ذُؤيب: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ عَنِ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وحَرمتهما آيَةٌ، وَمَا كُنْتُ لِأَصْنَعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَجَدْتُ أَحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكَالًا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أرَاه عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ: قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَثَلُ ذَلِكَ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَري، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "الِاسْتِذْكَارِ": إِنَّمَا كَنَّى قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤيب عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لِصُحْبَتِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَكَانُوا يَسْتَثْقِلُونَ ذِكْرَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ: أَنَّ خَلَفَ بْنَ مُطَرِّفٍ حَدَّثَهُمْ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَسَعِيدُ [[في ر، أ: "معبد".]] بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ [[في أ: "المقبري".]] عَنْ مُوسَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ، حَدَّثَنِي عَمِّي إِيَاسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَقُلْتُ: إِنَّ لِي أُخْتَيْنِ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينِي، اتَّخَذْتُ إِحْدَاهُمَا سُرِّيَّةً فَوَلَدَتْ لِي أَوْلَادًا، ثُمَّ رَغِبْتُ فِي الْأُخْرَى، فَمَا أَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعْتِقُ الَّتِي كُنْتَ تطَأُ ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. قُلْتُ: فَإِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: بَلْ تَزَوّجها ثُمَّ تَطَأُ الْأُخْرَى. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتَ إِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا أَلَيْسَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ؟ لَأَنْ تَعْتِقَهَا أَسْلَمُ لَكَ. ثُمَّ أَخَذَ عَلِيٌّ بِيَدِي فَقَالَ لِي: إِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ -أَوْ قَالَ: إِلَّا الْأَرْبَعَ-ويَحْرُم عَلَيْكَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ النَّسَبِ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا الْحَدِيثُ رِحْلَةٌ [[في ر: "رحلة رجل".]] لَوْ لَمْ يُصِبِ الرَّجُلُ مِنْ أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ [[في جـ، ر: "أقصى المغرب أو المشرق".]] إِلَى مَكَّةَ غَيْرَهُ لَمَا خَابَتْ رِحْلَتُهُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/٢٥٢) .]] .

قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ [[في أ: "ما روى".]] عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بن مردويه:

حدثنا محمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِيُّ [[في أ: "المخزومي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوان، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ -يَعْنِي الْأُخْتَيْنِ-قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُحَرِّمْهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ، وَلَا يُحَرِّمْهُنَّ عَلَىَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ -يَعْنِي الْإِمَاءَ-وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يُحَرِّمُونَ مَا تُحَرَّمون إِلَّا امْرَأَةَ الْأَبِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَمَّا جاء الإسلام أنزل الله [عز وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يَعْنِي: فِي النِّكَاحِ.

ثُمَّ قَالَ أَبُو عُمَرَ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [[في جـ، أ: "وروى عن أحمد" وفي ر: "وروى أحمد".]] بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَحْرُمُ مِنَ الْإِمَاءِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْحَرَائِرِ إِلَّا الْعَدَدَ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ مَثَلُ ذَلِكَ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُثْمَانَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَالْحِجَازِ وَلَا بِالْعِرَاقِ وَلَا مَا وَرَاءَهُمَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَلَا بِالشَّامِ وَلَا الْمَغْرِبِ، إِلَّا مَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ ونَفْي الْقِيَاسِ، وَقَدْ تَرَكَ مَنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ [[في جـ، أ: "ذلك ظاهرا".]] مَا اجْتَمَعْنَا عَلَيْهِ، وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ، كَمَا لَا يَحِلُّ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ: أَنَّ النِّكَاحَ وَمِلْكَ [[في جـ، ر، أ: "يملك".]] الْيَمِينِ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِنَّ سَوَاءٌ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا وَقِيَاسًا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ. وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وَهُمُ الْحُجَّةُ الْمَحْجُوجُ بِهَا مَنْ خَالَفَهَا وَشَذَّ عَنْهَا، وَاللَّهُ الْمَحْمُودُ [[الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٠-٢٥١) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أَيْ: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمُ الْأَجْنَبِيَّاتُ الْمُحْصَنَاتُ وهي الْمُزَوَّجَاتُ ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يَعْنِي: إِلَّا مَا [[في أ: "يعنى الإماء".]] مَلَكْتُمُوهُنَّ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَكُمْ وَطْؤُهُنَّ إِذَا اسْتَبْرَأْتُمُوهُنَّ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ -هُوَ الثَّوْرِيُّ-عَنْ عُثْمَانَ البَتِّي، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَصَبْنَا نِسَاءً [[في أ: "سبيًا".]] مِنْ سَبْيِ أَوْطَاسَ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [قَالَ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَاسْتَحْلَلْنَا فُرُوجَهُنَّ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ هُشَيم، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارِيِّ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ صَالِحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَذَكَرَهُ، وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الخليل، عن أبي سعيد، به [[تفسير عبد الرزاق (١/١٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وتفسير الطبري (٨/١٥٣) .]] .

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصَابُوا سَبَايَا يَوْمَ أَوَطَاسَ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَكَأَنَّ أُنَاسًا [[في أ: "وكان ناس".]] مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كَفُّوا وَتَأَثَّمُوا [[في جـ، ر: "أو تأثموا".]] مِنْ غَشَيَانِهِنَّ قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة -زَادَ مُسْلِمٌ: وَشُعْبَةُ-وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَ أَبَا عَلْقَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مَا ذَكَرَ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ. كَذَا قَالَ. وَقَدْ تَابَعَهُ سَعِيدٌ وَشُعْبَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[المسند (٣/٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وسنن أبي داود برقم (٢١٥٥) وسنن النسائي (٦/١١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٦) .]] .

وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي سَبَايَا خَيْبَرَ، وَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ يَكُونُ طَلَاقًا لَهَا مِنْ زَوْجِهَا، أَخْذًا بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّهُ سُئل عَنِ الْأَمَةِ تُبَاعُ وَلَهَا زَوْجٌ؟ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ [[في أ: "الآيات".]] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ [[في أ: "شقيق".]] عَنْ منصور، ومغيرة والأعمشن عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِذَا بِيعَتِ الْأَمَةُ وَلَهَا زَوْجٌ فَسَيِّدُهَا أَحَقُّ بِبُضْعِهَا.

وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالُوا: بَيْعُهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، [حَدَّثَنَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَلَاقُ الْأَمَةِ سِتٌّ [[المذكور في رواية كل النسخ خمس لا ست.]] بَيْعُهَا طَلَاقُهَا، وَعِتْقُهَا طَلَاقُهَا، وَهِبَتُهَا طَلَاقُهَا، وَبَرَاءَتُهَا طَلَاقُهَا، وَطَلَاقُ زَوْجِهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُحْصَناَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قَالَ: هُن [[في جـ، ر، أ: "هذه".]] ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، حَرَّمَ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [[في ر: "يمينك فيها".]] فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا وقال معمر: وقال الحسن مثل ذلك.

وَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قَالَ: إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَبَيْعُهَا طَلَاقُهَا.

وَقَالَ عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ: بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وبيعُه طلاقُها.

فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ مِنَ السَّلَفِ [رَحِمَهُمُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَقَدْ خَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَرَأَوْا أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ طَلَاقُهَا [[في ر، أ: "طلاقا لهما".]] ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ نَائِبٌ عَنِ الْبَائِعِ، وَالْبَائِعَ كَانَ قَدْ أَخْرَجَ عَنْ مِلْكِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ وَبَاعَهَا مَسْلُوبَةً عَنْهَا، وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْهَا وَنَجَّزَتْ عِتْقَهَا، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا مُغِيثٍ، بَلْ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْبَقَاءِ، فَاخْتَارَتِ الْفَسْخَ، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ، فَلَوْ كَانَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا -كَمَا قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قاله".]] هَؤُلَاءِ لَمَا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا خَيَّرَهَا دَلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ الْمَسْبِيَّاتُ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يَعْنِي: الْعَفَائِفَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَمْلِكُوا عِصْمَتَهُنَّ بِنِكَاحٍ وَشُهُودٍ وَمُهُورٍ وَوَلِيٍّ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ [[في أ: "واحد أو اثنين".]] أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَطَاوُسٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ عُمَر وَعُبَيْدَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ مَا عَدَا الْأَرْبَعِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: هَذَا التَّحْرِيمُ كِتَابٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَالْزَمُوا كِتَابَهُ، وَلَا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِهِ، وَالْزَمُوا شَرْعَهُ وَمَا فَرَضَهُ.

وَقَدْ قَالَ عُبَيْدَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُم﴾ يَعْنِي الْأَرْبَعَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن مِنَ الْمَحَارِمِ هُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ، قَالَهُ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عُبَيْدَةُ وَالسُّدِّيُّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مَا دُونَ الْأَرْبَعِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عَطَاءٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي: مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ هِيَ [[في جـ، ر، أ: "هي الآية".]] الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنِ احْتَجَّ عَلَى تَحْلِيلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ [[في أ: "أحلتها آية وحرمتها آية".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أَيْ: تَحَصَّلُوا بِأَمْوَالِكُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ إِلَى أَرْبَعٍ أَوِ السَّرَارِي مَا شِئْتُمْ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أَيْ: كَمَا تَسْتَمْتِعُونَ بِهِنَّ فَآتَوْهُنَّ مُهُورَهُنَّ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ [[في أ: "بعضهم".]] إِلَى بَعْضٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٢١] وَكَقَوْلِهِ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وكقوله [النساء:٤] ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ نُسِخَ، مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ آخَرُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أُبِيحَ مَرَّةً، ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُبَحْ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَقَدْ رُويَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ القولُ بِإِبَاحَتِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر، والسُّدِّي يَقْرَءُونَ: "فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالْعُمْدَةُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من جـ.]] قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ [[صحيح البخاري رقم (٤٢١٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٧) .]] وَلِهَذَا الْحَدِيثِ أَلْفَاظٌ مُقَرَّرَةٌ هِيَ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ".

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَة بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: "يَأَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرم ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ [[في أ: "منه".]] شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ [[صحيح مسلم برقم (١٤٠٦) .]] وَلَهُ أَلْفَاظٌ مَوْضِعُهَا كِتَابُ "الْأَحْكَامُ".

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى قَالَ: فَلَا [[في جـ:"لا جناح".]] جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ أَنْ تَرَاضَوْا [[في جـ: "تتراضوا"]] عَلَى زِيَادَةٍ بِهِ وَزِيَادَةٍ لِلْجُعْلِ [[في جـ: "الجعل".]] .

قَالَ السُّدِّيُّ: إِنْ شَاءَ أَرْضَاهَا مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ الْأُولَى -يَعْنِي الْأَجْرَ الَّذِي أَعْطَاهَا عَلَى تَمَتُّعِهِ بِهَا-قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَتَمَتَّعُ مِنْكِ أَيْضًا بِكَذَا وَكَذَا، فَازْدَادَ [[في جـ، ر:"فإن زاد".]] قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ رَحِمَهَا يَوْمَ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ .

قَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، وَهِيَ مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ مَا فِي رَحِمِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَلَا [[في جـ، أ: "ليس".]] يَرِثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.

وَمَنْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ جَعَلَ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [النِّسَاءِ: ٤] أَيْ: إِذَا فَرَضْتَ [[في ر: "فرضتم".]] لَهَا صَدَاقًا فَأَبْرَأَتْكَ مِنْهُ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ قال: زعم الْحَضْرَمِيُّ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَفْرِضُونَ [[في أ: "يقرضون".]] الْمَهْرَ، ثُمَّ عَسَى أَنْ يُدْرِكَ أَحَدُهُمُ الْعُسْرَةُ، فَقَالَ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرَيضَةِ﴾ يَعْنِي: إِنْ وَضَعَتْ لَكَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَكَ سَائِغٌ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من ر، أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ وَالتَّرَاضِي أَنْ يُوَفيها صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرَهَا، وَيَعْنِي [[في أ: "بعد".]] فِي الْمُقَامِ أَوِ الْفِرَاقِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُنَاسِبُ ذِكْرِ هَذَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بَعْدَ شَرْعِ هَذِهِ الْمُحْرِمَاتِ [الْعَظِيمَةِ] [[زيادة من جـ، أ.]] .

يَقُولُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴿طَوْلا﴾ أَيْ: سَعَةً وَقُدْرَةً ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيِ الْحَرَائِرَ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْب: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، عَنْ رَبِيعَةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قَالَ رَبِيعَةُ الطوْل الْهَوَى، يَنْكِحَ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ هَوَاهُ فِيهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

ثُمَّ شَرَعَ يُشَنِّعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ويَرُدّه ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: فَتَزَوَّجُوا مِنَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ اللَّاتِي يَمْلِكُهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: فَلْيَنْكِحْ مِنْ إِمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّان.

ثُمَّ اعْتَرَضَ [[في جـ، ر، أ: "أعرض".]] بِقَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَسَرَائِرِهَا، وَإِنَّمَا لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الظَّاهِرُ مِنَ الْأُمُورِ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدلَّ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ وَلِيُّ أَمَتِهِ لَا تُزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ وَلِيُّ عَبْدِهِ، لَيْسَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ إِلَّا [[في جـ: "بغير".]] بِإِذْنِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّج بِغَيْرِ إِذَنْ مَوَاليه فَهُوَ عَاهِر" [[رواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٧٨) والترمذي في السنن برقم (١١١١) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن.]] أي زان.

فَإِنْ كَانَ مَالِكُ الْأَمَةِ امْرَأَةٌ زَوَّجَهَا مَنْ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ بِإِذْنِهَا؛ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَا تُزَوِّجُ المرأةُ [المرأةَ، وَلَا المرأةُ نَفْسَهَا] [[زيادة من جـ، أ، وابن ماجه.]] فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا" [[رواه ابن ماجة في سننه برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ: وَادْفَعُوا [[في أ: "فادفعوا".]] مُهُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْكُمْ، وَلَا تَبْخَسُوا [[في أ: "ولا يبخسوهن".]] مِنْهُ شَيْئًا اسْتِهَانَةً بِهِنَّ؛ لِكَوْنِهِنَّ إِمَاءً مَمْلُوكَاتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ أَيْ: عَفَائِفَ عَنِ الزِّنَا لَا [[في ر: "ولا".]] يَتَعَاطَيْنَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وَهُنَّ الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْتَنِعْنَ مَنْ أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُسَافِحَاتُ، هُنَّ الزَّوَانِي الْمُعَالِنَاتُ [[في جـ، ر، أ: "المعلنات".]] يَعْنِي الزَّوَانِي اللَّاتِي لَا يَمْنَعْنَ أَحَدًا أَرَادَهُنَّ بِالْفَاحِشَةِ. (وَمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ) يَعْنِي: أَخِلَّاءَ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالسُّدِّيِّ، قَالُوا: أَخِلَّاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي: الصَّدِيقَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ أَيْضًا: ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذَاتُ الْخَلِيلِ الْوَاحِدِ [الْمَسِيسِ] [[زيادة من جـ، أ.]] الْمُقِرَّةُ بِهِ، نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَعْنِي [عَنْ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] تَزْوِيجِهَا [[في أ: "تزوجها".]] مَا دَامَتْ كَذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اخْتَلَفَ [[في ر: "واختلفت".]] القراءُ فِي ﴿أُحْصِنَّ﴾ فَقَرَأَهُ [[في أ: "فقرأ".]] بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ، مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وقُرئ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالصَّادِ فِعْلٌ لَازِمٌ ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ [[في جـ: "القولين".]] وَاحِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ. رُوي ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وزِرّ بْنِ حُبَيْش، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، إبراهيم النَّخعي، وَالشَّعْبِيِّ، والسُّدِّي. وَرَوَى نَحْوَهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ [[في جـ، ر: "وهذا القول هو".]] الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، وفي أ: "رحمه الله".]] فِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا [ذَلِكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] اسْتِدْلَالًا بِالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [الدِّمَشْقِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قَالَ: "إِحْصَانُهَا إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا". وَقَالَ [[في ر: "وقيل".]] الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ، قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ: اجلدوهن.

[ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

قُلْتُ: وَفِي [[في أ: "في".]] إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، و [مِثْلُهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] لَا [[في جـ، ر، أ: "يقوم".]] تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٤٩٠) .]] .

وَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ: إِحْصَانُهَا: إِسْلَامُهَا وَعَفَافُهَا.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا: التَّزْوِيجُ. وَهُوَ قولُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وعِكْرِمة، وَطَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْإِيضَاحُ" عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ لَيْث بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِحْصَانُ الْأَمَةِ أَنْ يَنْكِحَهَا الْحُرُّ، وَإِحْصَانُ الْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْحُرَّةَ. وَكَذَا رَوَى ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ.

وَقِيلَ [[في جـ، ر: "بل".]] مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُتَبَايِنٌ [[في ر: "شيئان".]] فَمَنْ قَرَأَ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، فَمُرَادُهُ التَّزْوِيجُ، وَمَنْ قَرَأَ "أَحْصَنَّ" بِفَتْحِهَا، فَمُرَادُهُ الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر ابن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَرَّرَهُ وَنَصَرَهُ.

وَالْأَظْهَرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِحْصَانِ هَاهُنَا التَّزْوِيجُ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ سِيَاقُهَا كُلُّهَا [[في أ: "فالسياق كله".]] فِي الْفَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أَيْ: تَزَوَّجْنَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ تَبِعَهُ.

وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْقَوْلَيْنِ إِشْكَالٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ فَعَلَيْهَا خَمْسُونَ جِلْدَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً، مُزَوَّجَةً أَوْ بِكْرًا، مَعَ أَنَّ مَفْهُومَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ مِمَّنْ زَنَا مِنَ الْإِمَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْطُوقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَامَّةٌ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْإِمَاءِ، فَقَدَّمْنَاهَا عَلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أرقَّائكم الْحَدَّ مَنْ أحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَن، فَإنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إنْ جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: "أحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَماثَل [[في ر: "تتماثل".]] " [[صحيح مسلم برقم (١٧٠٥) .]] .

وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ: "فَإِذَا تَعالتْ مِنْ نَفْسِها [[في أ: "نفاسها".]] حدَّها [[في جـ: "فاجلدها".]] خَمْسِينَ".

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إن زنت الثالثة فتبين زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْل مَنْ شَعَر" وَلِمُسْلِمٍ [[في جـ، أ: "أخرجاه، ولمسلم".]] إِذَا زَنتْ ثَلَاثًا فَلْيَبِعْهَا فِي الرَّابِعَةِ" [[صحيح البخاري برقم (٣١٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٥) .]] .

وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عيَّاش [[في ر: "عباس".]] بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ [[في ر: "رستم"]] الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: أمَرَني عُمَر بْنُ الْخَطَّابِ فِي فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَلَدْنَا مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا.

الْجَوَابُ الثَّانِي: جَوَابُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا تُضْرَبُ تَأْدِيبًا، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ طَاوُسٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَأَبُو عُبَيد الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وعمْدتهُم مَفْهُومُ الْآيَةِ وَهُوَ مِنْ مَفَاهِيمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَهُمْ. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئل عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تحْصنْ؟ قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَحِدُّوهَا [[في جـ، ر: "فاجلدوها".]] ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" [[في ر: "بظفير".]] قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي أَبَعْدَ [[في أ: "بعد".]] الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ.

أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٢١٥٣، ٤٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٤) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه.]] وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: الضَّفِيرُ [[في جـ، أ: "والضفير"، وفي ر: "والظفير".]] الْحَبْلُ.

قَالُوا: فَلَمْ يُؤَقَّت فِي هَذَا الْحَدِيثِ [[في جـ، أ: "الجواب".]] عَدَدٌ كَمَا وُقِّتَ فِي الْمُحْصَنَةِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْسَ عَلَى أَمَةٍ حَدٌّ حَتَّى تُحْصَنَ -أَوْ [[في جـ، أ: "يعني"، وفي ر: "أو يعني".]] حَتَّى تُزَوَّجَ-فَإِذَا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْهَا نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ".

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ الْعَابِدِيِّ [[في جـ، ر، أ: "الغامدي".]] عَنْ سُفْيَانَ بِهِ مَرْفُوعًا. وَقَالَ: رَفْعُهُ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ [[السنن الكبرى للبيهقي (٨/٤٢٤) ط - الكتب العلمية، وقال: "رفعه خطأ والموقوف أصح".

وقد رواه سعيد بن منصور في السنن موقوفا على ابن عباس من هذا الطريق برقم (٦١٦) .]] .

قَالُوا: وَحَدِيثُ عَلِيٍّ وَعُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من جـ، أ.]] قَضَايَا أَعْيَانٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ أَجْوِبَةٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الحديث.

الثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْحَدِّ فِي قَوْلِهِ: فَلْيَجْلِدْهَا [[في جـ، أ: "فليقم عليها" وفي ر "عليها الحد".]] الْحَدَّ، لَفْظٌ مُقْحَمٌ [[في ر: "معجمة"، وفي أ: "مقحمة".]] مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، بِدَلِيلِ الْجَوَابِ الثَّالِثِ وَهُوَ:

أَنَّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيَّيْنِ وَذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَطْ، وَمَا كَانَ عَنِ اثْنَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ [[في أ: "بالتقديم".]] مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ عَبَّاد بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ -وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنتِ فاجْلِدوها، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ".

الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ لَفْظَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْجَلْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجَلْدُ اعْتَقَدَ [[في جـ، أ: "لما كان الجلد في الحديث اعتقد".]] أَنَّهُ حَدٌّ، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَةَ الْحَدِّ عَلَى التَّأْدِيبِ، كَمَا أَطْلَقَ الْحَدَّ عَلَى ضَرْبِ مَنْ زَنَى مِنَ الْمَرْضَى بُعثْكال نَخْلٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَعَلَى جَلْدِ مَنْ زَنَى بِأَمَةِ امْرَأَتِهِ إِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِيهَا مِائَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَعْزِيرٌ وَتَأْدِيبٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ. وَإِنَّمَا الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ هُوَ جَلْدُ الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمُ الثَّيِّبِ أَوِ اللَّائِطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: لَا تُضْرَبُ الْأَمَةُ إِذَا زَنَتْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ [[في أ: "ما لم تزوج".]] .

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَنْهُ، وَمَذْهَبٌ غَرِيبٌ إِنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ أَصْلًا لَا حَدًّا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ حَدًّا، وَلَا يَنْفِي ضَرْبَهَا تَأْدِيبًا، فَهُوَ [[في جـ، ر: "فيكون".]] كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الْمُحْصَنَةَ تُحَدُّ نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ، فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَعُمُومَاتُ [[في ر: "بعمومات".]] الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ شَامِلَةٌ لَهَا فِي جَلْدِهَا مِائَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى [[في أ: "لقول الله تعالى".]] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النُّورِ:٢] وَكَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: "خُذوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا البِكر بالبِكْر جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمُهَا بِالْحِجَارَةِ" وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.

وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى [[في أ: "سبحانه".]] إِذَا كَانَ أَمَرَ بِجِلْدِ الْمُحْصَنَةِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنِصْفِ مَا عَلَى الْحُرَّةِ [[في أ: "غيره".]] مِنَ الْعَذَابِ وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةً، فَكَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ أَشَدَّ مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْصَانِ. وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَ، وَهَذَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُهُ أَصْحَابُهُ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "اجْلِدُوهَا" وَلَمْ يَقُلْ مِائَةً، فَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا كَمَا قَالَ [[في أ: "كما زعم".]] دَاوُدُ لَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ [[في جـ، أ: "بعد نزول".]] بَيَانِ حُكْمِ جَلْدِ الْمِائَةِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ فِي الْإِمَاءِ، وَإِلَّا فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِمْ: "وَلَمْ تُحْصَنْ" لعدم الفرق بَيْنَهُمَا لَوْ لَمْ تَكُنِ الْآيَةُ نَزَلَتْ، لَكِنْ لَمَّا عَلِمُوا حُكْمَ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ سَأَلُوا عَنْ حُكْمِ الْحَالِ الْآخَرِ، فَبَيَّنَهُ لَهُمْ. كَمَا [ثَبَتَ] [[زيادة من أ.]] فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَكَرَهَا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ: "وَالسَّلَامُ مَا قَدْ [[في جـ، أ: "كما قد علمتم" وفي ر: "كما علمتم".]] عَلِمْتُمْ" وَفِي لَفْظٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ:٥٦] قَالُوا: هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَّفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا هَذَا السُّؤَالُ [[في أ: "سواء".]] .

الْجَوَابُ الرَّابِعُ -عَنْ مَفْهُومِ الْآيَةِ-: جَوَابُ أَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ قَوْلِ دَاوُدَ مِنْ وُجُوهٍ، ذَلِكَ أَنَّهُ يَقُولُ [[في ر: "وذلك أن نقول".]] فَإِذَا أحْصن فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ [[في جـ، أ: "المحصنات من العذاب أي".]] الْمُزَوَّجَاتِ وَهُوَ الرَّجْمُ، وَهُوَ لَا يَتَنَاصَفُ [[في جـ، ر، أ: "ينتصف".]] فَيَجِبُ أَنْ تُرْجَمَ الْأَمَّةُ الْمُحَصَنَةُ إِذَا زَنَتْ، وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَيَجِبُ جَلْدُهَا خَمْسِينَ. فَأَخْطَأَ فِي فَهْمِ الْآيَةِ وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي الْحُكْمِ، بَلْ قَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي الزِّنَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْمُحْصَنَاتِ لِلْعَهْدِ، وَهُنَّ الْمُحْصَنَاتُ الْمَذْكُورَاتُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وَالْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ فَقَطْ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَزْوِيجِ غَيْرِهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ [[في جـ، ر: "تنصفه" وفي أ: "بنصفه".]] وَهُوَ الْجَلْدُ لَا الرَّجْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ قَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ [حَدِيثًا] [[زيادة من أ.]] نَصا فِي رَدِّ مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ صَفِيَّةَ [[في جـ، ر، أ: "صبية".]] كَانَتْ قَدْ زَنَتْ بِرَجُلٍ مِنَ الْحُمْسِ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَادَّعَاهُ الزَّانِي، فَاخْتَصَمَا إِلَى عُثْمَانَ [بْنِ عَفَّانَ] [[زيادة من جـ، أ.]] فَرَفَعَهُمَا [[في ر: "فرفعها".]] إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَقْضِي فِيهِمَا [[في جـ، ر: "فيها".]] بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "الْوَلَدُ للفِرَاش وللعَاهِر الحَجَر" وَجَلَدَهُمَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ [[المسند (١/١٠٤) .]] .

وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ مِنَ الْمَفْهُومِ التَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، أَيْ: أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ [[في جـ، أ: "من جلد".]] الْحَرَائِرِ فِي الْحَدِّ وَإِنْ كُنَّ مُحْصَنَاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ رَجْمٌ أَصْلًا لَا قَبْلَ النِّكَاحِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ الْجَلْدُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ. قَالَ [[في أ: "في الحالين بالنسبة نقل".]] ذَلِكَ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ [[في ر: "ذكر".]] الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ لَفْظِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا اسْتَفَدْنَا تَنْصِيفَ [[في جـ، ر: "بنصف".]] الْحَدِّ مِنَ الْآيَةِ لَا مِنْ سِوَاهَا، فَكَيْفَ يُفْهَمُ مِنْهَا التَّنْصِيفُ فِيمَا عَدَاهَا، وَقَالَ: بَلْ أُرِيدُ بِأَنَّهَا فِي حَالِ الْإِحْصَانِ لَا يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهَا إِلَّا الْإِمَامُ، وَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ -وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ-فَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْصَانِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَالْحَدُّ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرَّةِ. وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ [[في ر: "لأن".]] لَيْسَ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يدل عليه.

وَلَوْلَا هَذِهِ لَمْ نَدْرِ مَا حُكْمُ الْإِمَامِ [[في جـ، ر، أ: "الإماء".]] فِي التَّنْصِيفِ، وَلَوَجَبَ دُخُولُهُنَّ فِي عُمُومِ الْآيَةِ فِي تَكْمِيلِ الْحَدِّ [[في جـ، أ: "الجلد".]] مِائَةً أَوْ رَجْمُهُنَّ، كَمَا [[في جـ، أ: "بما".]] أُثْبِتَ فِي الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ [[في ر: "فمن".]] أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَ فِيهَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْمُزَوَّجَةِ [[في أ: "الزوجة".]] وَغَيْرِهَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ: "إِذَا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فَتَبَيَّنَ زِناهَا فَليجْلِدها [[في ر: "فليحدها".]] الحدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْها".

مُلَخَّصُ الْآيَةِ: أَنَّهَا [[في أ: "فتلخص في الأمة".]] إِذَا زَنَتْ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أنها [[زيادة من جـ، ر، أ.]] بجلد خَمْسِينَ قَبْلَ الْإِحْصَانِ وَبَعْدَهُ، وَهَلْ تُنْفَى؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:

[أَحَدُهَا] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] أَنَّهَا [[في ر: "أنه".]] تُنْفَى عَنْهُ [[في جـ، أ: "سنة".]] وَالثَّانِي: لَا تُنْفَى عَنْهُ [[في جـ، أ: "لا نفي عليها" وفي ر: "لا تنفى عليها".]] مُطْلَقًا. [وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ] [[زيادة من جـ، أ.]] وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُنْفَى نِصْفَ سَنَةٍ وَهُوَ نَفْيُ نِصْفِ [[في جـ: "نصف نفي".]] الْحُرَّةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَبُو [[في جـ، أ: "وأما مذهب أبي حنيفة".]] حَنِيفَةَ فَعِنْدَهُ أَنَّ النَّفْيَ تَعْزِيرٌ لَيْسَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا هُوَ [[في جـ، ر، أ: "هو إلى".]] رَأْيُ الْإِمَامِ، إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ النَّفْيَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرِّجَالِ، وَأَمَّا [[في جـ، أ: "فأما".]] النِّسَاءُ فَلَا [[في جـ، أ: "فلا ينقين".]] ؛ لِأَنَّ [[في ر: "فإن".]] ذَلِكَ مُضَادٌّ لِصِيَانَتِهِنَّ، [وَمَا وَرَدَ شَيْءٌ مِنَ النَّفْيِ فِي الرِّجَالِ وَلَا فِي النِّسَاءِ نَعَمْ حَدِيثُ عُبَادَة وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ] [[في جـ: "وما ورد من ألفاظ عامة في نفي الرجال والنساء كحديث أبي هريرة وحديث عبادة".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ وَبِإِقَامَةِ [[في جـ، ر: "بإقامة".]] الْحَدِّ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَ [كُلُّ] [[زيادة من جـ، وفي أ: "فكل".]] ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّفْيِ الصَّوْنُ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي نَفْيِ النِّسَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَمَةَ إِذَا زَنَتْ تُجلد خَمْسِينَ بَعْدَ الْإِحْصَانِ، وَتُضْرَبُ [قَبْلَهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] تَأْدِيبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهَا لَا تُضْرَبُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ [[في جـ، ر، أ: "فإن".]] أَرَادَ نَفْيَهُ فَيَكُونُ مَذْهَبًا بِالتَّأْوِيلِ [[في جـ، أ: "ثالثا".]] وَإِلَّا فَهُوَ كَالْقَوْلِ الثَّانِي.

الْقَوْلُ الْآخِرُ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ مِائَةً وَبَعْدَهُ خَمْسِينَ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ دَاوُدَ، وَ [هُوَ] [[زيادة من جـ، ر، أ".]] أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ: أَنَّهَا تُجْلَدُ قَبْلَ الْإِحْصَانِ خَمْسِينَ وَتُرْجَمَ بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يُبَاحُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا، وَشَقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَنِ الْجِمَاعِ، وَعَنَتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ [كُلِّهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ، وَإِنْ تَرَكَ تَزَوُّجَ الْأَمَةِ] [[في جـ: "قله حينئذ أن يتزوج بالأمة وإن ترك تزويجها".]] وَجَاهَدَ نَفْسَهُ فِي الْكَفِّ عَنِ الزِّنَا، فَهُوَ خَيْرٌ له؛ لأنه إذا تزوجها جَاءَ أَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَرَبِيًّا فَلَا تَكُونُ أَوْلَادُهُ مِنْهَا أَرِقَّاءَ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اسْتَدَلَّ جمهورُ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الطَّوْل لِنِكَاحِ الْحَرَائِرِ وَمِنْ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ لِمَا فِي نِكَاحِهِنَّ مِنْ مفْسَدة رِقِّ الْأَوْلَادِ، وَلِمَا فِيهِنَّ مِنَ الدَّنَاءَةِ [[في أ: "من الزنا".]] فِي الْعُدُولِ عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالُوا: مَتَى لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مُزَوَّجًا بِحُرَّةِ جَازَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِدًا الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ أَمْ [[في ر: "أو".]] لَا وَسَوَاءٌ خَافَ الْعَنَتَ أَمْ [[في ر: "أو".]] لَا وَعُمْدَتُهُمْ [[في ر: "وعدتهم".]] فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ [عُمُومُ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥] أَيِ: الْعَفَائِفُ، وَهُوَ يَعُمُّ الْحَرَائِرَ وَالْإِمَاءَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ، وَهَذِهِ [[في جـ، أ: "خاصة وهي".]] أَيْضًا ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ.

وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ.

وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-مَا [[في جـ، ر، أ: "فيما".]] أَحَلَّ لَكُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يَعْنِي: طَرَائِقَهُمُ الْحَمِيدَةَ وَاتِّبَاعَ [[في ر: "في اتباع".]] شَرَائِعِهِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ مِنَ الْإِثْمِ [[في ر، أ: "المأثم".]] وَالْمَحَارِمِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ أَيْ: يُريد [[في ر، أ: "من".]] أَتْبَاعُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالزُّنَاةِ ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أَيْ: فِي شَرَائِعِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَمَا يُقَدِّرُهُ لَكُمْ، وَلِهَذَا أَبَاحَ [نِكَاحَ] [[زيادة من أ.]] الْإِمَاءِ بِشُرُوطِهِ، كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَنَاسَبَهُ [[في أ: "فيناسبه".]] التَّخْفِيفُ؛ لِضِعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَضِعْفِ عَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [الْأَحْمَسِيُّ] [[زيادة من جـ، أ.]] حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنِ أَبِيهِ: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أَيْ: فِي أَمْرِ النِّسَاءِ، وَقَالَ وَكِيعٌ: يَذْهَبُ عَقْلُهُ عِنْدَهُنَّ.

وَقَالَ مُوسَى الْكَلِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [[في جـ، أ: "والتسليم".]] لِنَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ [[في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم".]] عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ مَرَّ عَلَيْهِ رَاجِعًا مِنْ عِنْدِ سدْرة الْمُنْتَهَى، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا فَرَضَ عليكم [[في جـ، أ: "عليك ربك".]] ؟ فقال: "أمرني بخمسين صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ" [[في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة".]] فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ [[في أ: "الناس من".]] قَبْلَكَ عَلَى مَا هُوَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا وَأَبْصَارًا وَقُلُوبًا، فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ خَمْسًا [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا"] [[زيادة من جـ، أ.]] الْحَدِيثَ.

نَهَى [[في أ: ينهى.]] تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا-قَالَ: هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، حدثنا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ: إِنَّهَا [كَلِمَةٌ] [[زيادة من أ.]] مَحْكَمَةٌ، مَا نُسِخَتْ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَيْفَ [[في أ: "فكف".]] لِلنَّاسِ [[في أ: "فكيف للناس عن ذلك".]] ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] الْآيَةَ، [وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ] [[زيادة من أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [[في أ: "بينكم".]] قُرِئَ: تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ [[في أ: "المتجار".]] الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ. كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] .

وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصا، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ، وَخَالَفَ [[في ر، أ: "وخالفوا".]] الجمهورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي المحقَّرات، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بَيْعًا [[في أ: "بيع".]] أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ:

وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ [[في أ: "بن".]] سُلَيْمَانَ الجُعْفي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيْعُ عَنْ تَراض والخِيارُ بَعْدَ الصَّفقة وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ [[في ر: "يضر".]] مُسْلِمًا". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٢١) .]] .

وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرقا" وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] .

وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابُهُمَا، وجمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] [[زيادة من جـ، د، أ.]] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَصَحَّحُوا [[في ر: "فصححوا".]] بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ [[في جـ، أ: "حسين".]] بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَ: فَلَمَّا قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو صَلَّيت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في أ: "نعم يا رسول الله".]] إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ [[في أ: "أن أغتسل".]] أَنْ أهلكَ، فَذَكَرْتُ [[في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".]] قَوْلَ اللَّهِ [عز وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمران بن أبي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ [[المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ البَلْخِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ، حدثنا عُبَيد [[في ر: "عبد".]] عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُب، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤) : "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".]] .

ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويه عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأ بِهَا بَطْنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مُتَرد [[في ر: "متردد".]] فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".

وَهَذَا الْحَدِيثُ [[في ر: "حديث".]] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩) .]] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الجماعَةُ فِي كُتُبهم مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ [[صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥،٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.]] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ [[في ر: "ابن".]] جُنْدب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْح، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتَّى ماتَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت [[في أ: "فحرمت".]] عَلَيْهِ الْجَنَّة" [[صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣) .]] .

وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أَيْ: وَمَنْ يَتَعَاطَى ما نهاه الله عنه متعديا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ، أَيْ: عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، فَلْيحذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ [[في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".]] بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ [[عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣) .]] [يَرْفَعُهُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ " [[مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".]] .

وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم عَنْ مُغِيرة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَرْثَع الضَّبِّي، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قُلْتُ: هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ. قَالَ: "لَكِنْ أدْرِي مَا يَوْمُ الجُمُعَةِ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فيُحسِنُ طُهُوره، ثُمَّ يَأْتِي الجُمُعة فيُنصِت حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ [[في ر: "كانت".]] كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، مَا اجْتُنبت الْمَقْتَلَةُ [[في جـ: "المقتل".]] وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.]] .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ر، أ.]] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمر، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى العُتْوارِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ أكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ [[في أ: "البشرى"]] فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْر النَّعَم، فَقَالَ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزَّكَاةَ، ويَجْتنبُ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُل بسَلامٍ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه [[تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠) .]] .

تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ:

وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، والسِّحرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَهْد بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَوَّلُهَا الإشراكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ حَقِّهَا، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ اليتيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، والفِرَارُ مِنَ [[في أ: "يوم".]] الزَّحْفِ، ورَميُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ" [[مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣) : "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".]] .

فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ [[في ر: "عن".]] قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ شَدَّاد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَان، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ -يَعْنِي عُمَير بْنَ قَتَادَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ المُصَلُّون مَنْ يُقِيم [[في ر، أ: "يقم".]] الصلواتِ الخمسَ الَّتِي كُتبت [[في أ: "التى كتب".]] عَلَيْهِ، ويَصومُ رَمَضَانَ ويَحتسبُ صومَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، ويُعطي زكاةَ مَالِهِ يَحْتسِبها، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا". ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "تِسْعٌ: الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ [[في د، أ: "الحق".]] وفِرارُ يَوْمِ الزّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة [[في أ: "المحصنات".]] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ثُمَّ قَالَ: لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ [[في جـ: "لم يعمل".]] هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤتِي الزَّكَاةَ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ [[في جـ، ر، أ: "مصانعها".]] مِنْ ذَهَبٍ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [[في ج: "والترمذي والنسائي".]] مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عبد الحميد بن سنان [[المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر".

وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".]] .

قُلْتُ: وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سَلْمِ [[في جـ، أ: "سلمة".]] بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ: عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في أ: "والله أعلم".]] [[تفسير الطبري (٨/٢٤١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا أقْسِمُ، لَا أقْسِمُ". ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: ادخُل". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: "بِسَلَامٍ". قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو: أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وإشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاق عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجدات، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَر فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ -بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَة-قَالَ: هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا [[في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".]] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ [[في جـ: "يسحر".]] وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ. قَالَ زِيَادٌ: وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ: فَرَقي. قَالَ: أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ ألَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِي الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَلْمُ [[في جـ، ر، أ: "مسلم".]] بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ طَيْسَلة بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ في ظل أرَاك يوم عَرَفة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ [[في أ: "قال: قلت".]] أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ الْقَتْلِ [[في ر، أ: "قتل النفس".]] ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَغْمَا -وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وإلْحاد بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، قبْلَتكم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [[تفسير الطبري (٨/٢٤٠) .]] .

هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] [[زيادة من أ.]] قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ تَحْتَ ظلِّ أرَاكة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هُنّ سَبْعٌ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنّ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ [[في د: "المحصنات".]] -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ [[في جـ: "قتل".]] الدَّمِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرُغْمًا -وقتلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ، والسِّحرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَإِلْحَادٌ [[في جـ، ر، أ: "والإلحاد".]] بِالْبَيْتِ الحرامِ قِبْلَتَكُم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا".

وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ -وَفِيهِ ضَعْفٌ [[رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨) .]] -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَديّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ [[في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".]] عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان: أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ" فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، والفِرار يَوْمَ الزَّحْف".

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ بَقِيَّةَ [[المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ أبو بكر ابن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: "إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، ورَمْي الْمُحْصَنَةِ، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١.]] بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ -أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ-فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ". وَقَالَ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ" "شَهَادَةُ الزُّورِ" [[المسند (٣/١٣١) .]] .

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨) .]] بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[في ر: "نحوه".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ [[في أ: "أخرجاه".]] الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَكْبَرُ-قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدا وَهُوَ خَلَقكَ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "أَنْ تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٨] [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

حَدِيثٌ] آخَرُ [ [[زيادةمن أ.]] فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَدّثه عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بالحِجْر [[في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".]] بِمَكَّةَ وسُئل عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشيخُ مِثْلِي يكذبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "على نبي الله".]] ﷺ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: "هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ [[في ر: "ثم".]] شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ" [[ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".]] غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "طريق".]] عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُمَر بن الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، جَلَسُوا [[في ر: "كانوا جلوسًا".]] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن مَلِكا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فخيَّره بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يُزَانِيَ [[في أ: "أو يزنى".]] أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ [[في أ: "أو يقتلوه".]] فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ [[في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".]] وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْء أَرَادَهُ [[في أ: "أرادوه".]] مِنْهُ، وَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ ميتَةً جَاهِلِيَّةً".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمار [[في د: "اليمانى".]] الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو وَفِيهِ ذكْرُ الْيَمِينِ الغَمُوس. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْل النَّفْس -شُعْبَةُ الشَّاكُّ-وَالْيَمِينُ الغَمُوس". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ: زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ، كِلَاهُمَا عن فراس، بِهِ [[المسند (٢/٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/٦٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: "قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ [[في ر، أ: "من أكبر".]] الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوس، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْر فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ] الْإِمَامُ [ [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] فِي تَفْسِيرِهِ [ [[زيادة من أ.]] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ] بِهِ [ [[زيادة من أ.]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا يُعْرَفُ [[في أ: "ولا نعرف".]] اسْمُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ [[سنن الترمذي (٣٠٢) .]] .

قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ. فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ.

قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدُويه وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ طريق عبد الرحمن بن إِسْحَاقَ [[في ر: "إسماعيل.]] كَمَا ذَكَرَهُ [[في أ: "كما ذكر".]] شَيْخُنَا، فسَح اللهُ فِي أَجْلِهِ [[تحفة الأشراف (٤/٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعر وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُم الرجلُ وَالِدَيْهِ": قَالُوا: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦٤) من طريق وكيع به.]] .

وقد أخر هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَن الرجلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أُمَّهُ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢) .]] .

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" [[رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، والسَّبَّتَان والسَّبَّة [[في د: "والمستبان بالسبة.]] " [[ذكره السيوطي في الدر المنثور]] .

هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ [[في أ: "إن من أكبر".]] الْكَبَائِرِ استطالةُ المرْءِ [[في ر: "المسب".]] فِي عِرْضِ رجلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ [[في د: "المستبان".]] بِالسَّبَّةِ".

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر [[في ر، أ: "بن زيد".]] عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِي ذكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتين مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ ثُمَّ قَالَ: حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] هُوَ أَبُو [[في أ: "هذا أبو".]] عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ [[في ر: "هو".]] حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [[سنن الترمذي برقم (١٨٨) .]] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ [[في أ: "حسن".]] بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي الْعَدَوِيَّ-قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كتابُ عُمَرَ: مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ -يَعْنِي بِغَيْرِ [[في أ: "من غير".]] عُذْرِ-والفِرَار مِنَ الزَّحْفِ، والنُّهْبَة.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصلاةِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " [[صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ [[في ر: "وبينهم ترك الصلاة".]] الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفر" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حبطَ عَمَلُه" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/٢٣٦) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" [[رواه النسائي (١/٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية رضي الله عنه.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ اليأسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والأمنُ مِنْ مَكْر اللَّهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيب بْنُ بِشْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ".

وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ [[في د:"الشرك".]] بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل".

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوُ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠٤) : "رجاله موثقون".]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبْرة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ [[في ج، ر، د، أ: "اليأس".]] مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبْرة، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُق عِدَّةٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ. [[تفسير الطبري (٨/٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به.

ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.]]

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ؛ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدار، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ [[في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".]] حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ [[في أ: "أبو حذيفة إسحاق".]] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ [[زيادة من أ.]] "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ التَّعَرُّبُ [[في ر "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ [[في أ: "وقال".]] أَبُو بَكْرِ بْنُ مرْدويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ محمد بن سهل ابن أَبِي حَثْمة [[في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وقَذْفُ المحصَنَة، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ".

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ [[وله شاهد من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/١٠٤) : "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".]] وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حثْمة [[في ر، أ: "خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْكُوفَةِ-وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُب الناسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْكَبَائِرُ [[في أ: "إن الكبائر".]] سَبْعٌ فَأَصَاخَ [[في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".]] الناسُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ لَا [[في أ: "قال ألا".]] تَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [[في أ: "حرم الله قتلها".]] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، التَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٥) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي شَيْبَانَ-عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا". قَالَ: فَمَا أَنَا [[في أ: "فما لنا".]] بِأَشَحَّ [[في ر: "بأشج".]] عَلَيْهِنَّ مِنِّي، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[المسند (٤/٣٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في جـ، د، ر: "رسول الله".]] ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، فَقَالُوا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَالْغُلُولُ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٧٧] ؟! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٥١) .]] .

ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ:

قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا [[في جـ، د، أ: "لقوا".]] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أمَرَ أَنْ يُعمل بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ، فَلَقِيَهُ [[في جـ، د، ر، أ: "فلقى".]] عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ؟ قَالَ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا [[في أ: "لا".]] يُعْمَلُ بِهَا [[في جـ، د: "لا يعمل" وفي ر: "نعمل بها فلا نعمل".]] فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اجْمَعْهُمْ لِي. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُّهُ قَالَ: فِي بَهْو-فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في د: "أنشدك".]] بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَخَصَمَهُ. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ: "هل".]] أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ [[في أ: "في أثرك".]] ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ. قَالَ: فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ. أتكلِّفونه أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؟! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ [[في جـ، د، ر، "سيكون".]] لَنَا سَيِّئَاتٌ. قَالَ: وَتَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ -أَوْ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ-بِمَا [[في جـ، أ: "فيما".]] قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ.

إِسْنَادٌ حَسَنٌ [[في جـ، أ: "جيد".]] وَمَتْنٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ [[في جـ، د، أ، ر: "يشتهر".]] فَتَكْفِي [[في جـ، أ: "فيكفي".]] شُهْرَتُهُ [[تفسير الطبري (٨/٢٥٥) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ المحصنَة، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْف، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، والسِّحْر، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ.

وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَرَوَى ابْنُ [[في د: "عن".]] جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا. وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبيشِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ، وَمَنْعُ طُرُوقِ [[في د: "عروق".]] الفحل إلا بجُعْلٍ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُمنَع فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وَفِيهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا ينظرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبيل"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ وفَضْلَ الكَلأ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنَبَة [[في جـ، د، ر، أ، "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أُخِذ عَلَى النِّساء مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي [[في أ: "تعنى".]] قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ [وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٢] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْراق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى [[في جـ: "عز وجل".]] ثُمَّ [[في أ: "فقال: ثم".]] لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ. ثُمَّ سَكَتَ هُنية [[في د، أ: "هنيهة".]] ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا [[في ر: "ما خلقنا".]] رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا وَلَهَا، ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .

أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ:

رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ [[في جـ، ر: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: هِيَ سَبْعٌ، فَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُبَيْصَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ.

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [[في د: "ذكرها".]] اللَّهُ؟ مَا هُنَّ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ [[في أ: "السبع".]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَكَذَا قَالَ أبو العالية الرياحي، رحمه الله.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ، بِهِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفة [فِيهِ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: هِيَ النَّظْرَةُ.

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ [[في جـ: "قال".]] هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ.

أَقْوَالُ التَّابِعِينَ

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَبِيدة عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْبُهْتَانُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَالسِّحْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا [[في أ: "كثيرا".]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَاربي [[في ر: "المغازي".]] حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَير قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الْحَجِّ:٣١] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٢٣] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٥] ، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٥] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٣] .

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيد، بنحوه.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ-قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وعقُوق الْوَالِدَيْنِ، والفِرَار مِنَ الزَّحْف.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مِنَ الْكَبَائِرِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ [[في جـ، د، ر: "يبغض".]] أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيَّاش، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قال: قال".]] زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مِنَ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] مَعَهُ عَمَلٌ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْكَبائر، وسَدِّدُوا، وأبْشِرُوا".

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي" [[أما حديث أنس فله طرق منها: ما يرويه أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٣١) .

وما يرويه عن ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٢٥٨) وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٢) ، وقال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر.

وما يرويه جعفر بن سليم الضبعي عن مالك بن دينار عن أنس. رواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/٧٩) ، وقال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر.

وما يرويه بسطان بن حريث الصدفي عن أشعث عن أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (٢٣٧) .

وما يرويه أبو جناب سمع زياد النميري سمع أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٣٧) . وأما حديث جابر فقد رواه ابن ماجة في سننه برقم (٤٣١٠) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ.]] وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَفاعتي لأهْلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتِي". فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "شرطيهما"، وفي ر: "شرط الشيخين".]] وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ عَبَّاسٍ العَنْبري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي بر قم (٢٤٣٥) .]] وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ: "أترَوْنَها لِلْمُؤْمِنِينَ المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المُتَلَوِّثِينَ".

وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيْهِ حدٌّ في الشرع.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِهِ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] عَنْهُمْ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ [[في أ: "وللأصحاب".]] فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ، وَهُوَ [[في جـ، أ: "وهم".]] وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ [[في جـ، ر، أ: "تفصيل".]] الْكَبَائِرِ.

وَالثَّالِثُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْإِرْشَادِ" وَغَيْرِهِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ.

وَالرَّابِعُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ [[في جـ، ر: "أبو سعد".]] الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ: كُلُّ فِعْل نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَمِينِ.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ.

ثُمَّ قَالَ: وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ. وَزَادَ فِي "الشَّامِلِ" عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزُّورِ. وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ: أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، بِلَا عُذْرٍ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا [[في أ: "بغير".]] حَقٍّ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمْدًا، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ [[في أ: "من مكره".]] وَيُقَالُ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ.

ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ.

قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ [[وقد طبع في بيروت بتحقيق الأستاذ/محي الدين مستو.]] الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً، وَإِذَا قيل: إن الكبيرة [هى] [[زيادة من جـ، أ.]] ما توعد الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَاللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] أَعْلَمُ.

نَهَى [[في أ: ينهى.]] تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ، أَيْ: بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ: إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا-قَالَ: هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حرب الموصلي، حدثنا ابن فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] قَالَ: إِنَّهَا [كَلِمَةٌ] [[زيادة من أ.]] مَحْكَمَةٌ، مَا نُسِخَتْ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَيْفَ [[في أ: "فكف".]] لِلنَّاسِ [[في أ: "فكيف للناس عن ذلك".]] ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ﴾ [النُّورِ: ٦١] الْآيَةَ، [وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ] [[زيادة من أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [[في أ: "بينكم".]] قُرِئَ: تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ [[في أ: "المتجار".]] الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ. كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ [الدخان: ٥٦] .

وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [رَحِمَهُ اللَّهُ] [[زيادة من جـ، أ.]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصا، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ، وَخَالَفَ [[في ر، أ: "وخالفوا".]] الجمهورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ فِي المحقَّرات، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بَيْعًا [[في أ: "بيع".]] أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ثُمَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ:

وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ [[في أ: "بن".]] سُلَيْمَانَ الجُعْفي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "البَيْعُ عَنْ تَراض والخِيارُ بَعْدَ الصَّفقة وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ [[في ر: "يضر".]] مُسْلِمًا". هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٢١) .]] .

وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرقا" وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" [[صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١) .]] .

وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ [بْنُ حَنْبَلٍ] [[زيادة من أ.]] وَأَصْحَابُهُمَا، وجمهورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، [كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] [[زيادة من جـ، د، أ.]] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَصَحَّحُوا [[في ر: "فصححوا".]] بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ: بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أَيْ: فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ [[في جـ، أ: "حسين".]] بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمْران بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَير، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ، قَالَ: فَلَمَّا قدمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا عَمْرُو صَلَّيت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[في أ: "نعم يا رسول الله".]] إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ [[في أ: "أن أغتسل".]] أَنْ أهلكَ، فَذَكَرْتُ [[في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".]] قَوْلَ اللَّهِ [عز وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عمران بن أبي أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْهُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ [[المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ البَلْخِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ، حدثنا عُبَيد [[في ر: "عبد".]] عبد اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُب، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ [[ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤) : "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب".]] .

ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويه عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأ بِهَا بَطْنه يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مُتَرد [[في ر: "متردد".]] فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".

وَهَذَا الْحَدِيثُ [[في ر: "حديث".]] ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩) .]] وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، وَعَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَه بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَقَدْ أَخْرَجَهُ الجماعَةُ فِي كُتُبهم مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ [[صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥،٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا.]] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ [[في ر: "ابن".]] جُنْدب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ [[في أ: "فيمن".]] كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْح، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فَمَا رَقأ الدَّمُ حَتَّى ماتَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت [[في أ: "فحرمت".]] عَلَيْهِ الْجَنَّة" [[صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣) .]] .

وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أَيْ: وَمَنْ يَتَعَاطَى ما نهاه الله عنه متعديا فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ، أَيْ: عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، فَلْيحذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ . أَيْ: إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ [[في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد".]] بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ [[عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣) .]] [يَرْفَعُهُ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، يَقُولُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ " [[مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف".]] .

وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ:

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم عَنْ مُغِيرة، عَنْ أَبِي مَعْشَر، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ قَرْثَع الضَّبِّي، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ؟ " قُلْتُ: هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ. قَالَ: "لَكِنْ أدْرِي مَا يَوْمُ الجُمُعَةِ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فيُحسِنُ طُهُوره، ثُمَّ يَأْتِي الجُمُعة فيُنصِت حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ، إِلَّا كَانَ [[في ر: "كانت".]] كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، مَا اجْتُنبت الْمَقْتَلَةُ [[في جـ: "المقتل".]] وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ [[المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه.]] .

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [[زيادة من ر، أ.]] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ المُجْمر، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى العُتْوارِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ" -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-ثُمَّ أكَبَّ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ [[في أ: "البشرى"]] فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْر النَّعَم، فَقَالَ [ﷺ] [[زيادة من جـ.]] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزَّكَاةَ، ويَجْتنبُ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، إِلَّا فُتِحتْ لَهُ أبوابُ الجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ادْخُل بسَلامٍ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّان فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولم يخرجاه [[تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠) .]] .

تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ:

وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْر بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، والسِّحرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَهْد بْنُ عَوْف، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ عَمْرو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَوَّلُهَا الإشراكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَتْل النَّفْس بِغَيْرِ حَقِّهَا، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مَالِ اليتيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ، والفِرَارُ مِنَ [[في أ: "يوم".]] الزَّحْفِ، ورَميُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ" [[مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣) : "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما".]] .

فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ [[في ر: "عن".]] قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْب بْنُ شَدَّاد، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَان، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ -يَعْنِي عُمَير بْنَ قَتَادَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ المُصَلُّون مَنْ يُقِيم [[في ر، أ: "يقم".]] الصلواتِ الخمسَ الَّتِي كُتبت [[في أ: "التى كتب".]] عَلَيْهِ، ويَصومُ رَمَضَانَ ويَحتسبُ صومَهُ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، ويُعطي زكاةَ مَالِهِ يَحْتسِبها، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا". ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "تِسْعٌ: الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ [[في د، أ: "الحق".]] وفِرارُ يَوْمِ الزّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة [[في أ: "المحصنات".]] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ثُمَّ قَالَ: لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ [[في جـ: "لم يعمل".]] هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، ويُؤتِي الزَّكَاةَ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ [[في جـ، ر، أ: "مصانعها".]] مِنْ ذَهَبٍ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ [[في ج: "والترمذي والنسائي".]] مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عبد الحميد بن سنان [[المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقى في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخى -يعنى الحاكم- السحر".

وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".]] .

قُلْتُ: وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّان فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ.

وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ، عَنْ سَلْمِ [[في جـ، أ: "سلمة".]] بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَير، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ: عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[في أ: "والله أعلم".]] [[تفسير الطبري (٨/٢٤١) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا أقْسِمُ، لَا أقْسِمُ". ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ: "أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبعَ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: ادخُل". قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: "بِسَلَامٍ". قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو: أَسْمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ: "عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وإشْرَاكٌ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا" [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ: قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاق عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجدات، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَر فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ -بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَة-قَالَ: هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا [[في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها".]] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ [[في جـ: "يسحر".]] وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ. قَالَ زِيَادٌ: وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ: فَرَقي. قَالَ: أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ ألَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِي الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا سَلْمُ [[في جـ، ر، أ: "مسلم".]] بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ، عَنْ طَيْسَلة بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ في ظل أرَاك يوم عَرَفة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ [[في أ: "قال: قلت".]] أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: هِيَ تِسْعٌ. قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ الْقَتْلِ [[في ر، أ: "قتل النفس".]] ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرَغْمَا -وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وإلْحاد بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، قبْلَتكم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا [[تفسير الطبري (٨/٢٤٠) .]] .

هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، عَنْ أَيُّوبَ بن عتبة، عن طيسلة بن علي [النهدي] [[زيادة من أ.]] قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وَهُوَ تَحْتَ ظلِّ أرَاكة، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "هُنّ سَبْعٌ". قَالَ: قُلْتُ: وَمَا هُنّ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ [[في د: "المحصنات".]] -قَالَ: قُلْتُ: قَبْلَ [[في جـ: "قتل".]] الدَّمِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَرُغْمًا -وقتلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحفِ، والسِّحرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَإِلْحَادٌ [[في جـ، ر، أ: "والإلحاد".]] بِالْبَيْتِ الحرامِ قِبْلَتَكُم أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا".

وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ -وَفِيهِ ضَعْفٌ [[رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطى في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفه. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨) .]] -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَديّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، عَنْ بَحير بْنُ سَعْدٍ [[في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد".]] عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان: أَنَّ أَبَا رُهْم السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، واجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ -أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ" فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ [[في ر: "قال".]] الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، والفِرار يَوْمَ الزَّحْف".

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ بَقِيَّةَ [[المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْحَافِظُ أبو بكر ابن مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: "إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والفِرارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، ورَمْي الْمُحْصَنَةِ، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهرى وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عُبَيد اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١.]] بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ -أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ-فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ". وَقَالَ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " قَالَ: "قَوْلُ الزُّورِ -أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ". قَالَ شُعْبَةُ: أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ" "شَهَادَةُ الزُّورِ" [[المسند (٣/١٣١) .]] .

أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨) .]] بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ [[في ر: "نحوه".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: أَخْرَجَهُ [[في أ: "أخرجاه".]] الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرة، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ" وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: "أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ". فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٦) وصحيح مسلم برقم (٨٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَكْبَرُ-قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدا وَهُوَ خَلَقكَ" قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَم مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: "أَنْ تُزاني حَلِيلَةَ جارِك" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ.]] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الْفَرْقَانِ: ٦٨] [[صحيح البخاري برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٦٨) .]] .

حَدِيثٌ] آخَرُ [ [[زيادةمن أ.]] فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَدّثه عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بالحِجْر [[في جـ، ر، أ: "وهو في الحجر".]] بِمَكَّةَ وسُئل عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشيخُ مِثْلِي يكذبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ [[في أ: "على نبي الله".]] ﷺ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ: "هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ، مَنْ [[في ر: "ثم".]] شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ" [[ورواه الطبراني من طريق آخر كما في المجمع (٥/٦٨) وقال الهيثمي: "عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف".]] غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

طَرِيقٌ أُخْرَى: رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "طريق".]] عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعُمَر بن الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، جَلَسُوا [[في ر: "كانوا جلوسًا".]] بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أن مَلِكا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فخيَّره بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يُزَانِيَ [[في أ: "أو يزنى".]] أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلَهُ [[في أ: "أو يقتلوه".]] فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ [[في جـ، د، ر: "فاختار أن يشرب الخمر".]] وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْء أَرَادَهُ [[في أ: "أرادوه".]] مِنْهُ، وَإِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّم اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فإنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ ميتَةً جَاهِلِيَّةً".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمار [[في د: "اليمانى".]] الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ [[ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٣٨) "مجمع البحرين" كلاهما من طريق سعيد بن أبي مريم عن الدراوردى به.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو وَفِيهِ ذكْرُ الْيَمِينِ الغَمُوس. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وعُقُوق الْوَالِدَيْنِ، أَوْ قَتْل النَّفْس -شُعْبَةُ الشَّاكُّ-وَالْيَمِينُ الغَمُوس". وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ: زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ، كِلَاهُمَا عن فراس، بِهِ [[المسند (٢/٢٠١) وصحيح البخاري برقم (٦٦٧٥) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢١) وسنن النسائي (٨/٦٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ: "قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَكْبَرُ [[في ر، أ: "من أكبر".]] الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوس، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْر فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ] الْإِمَامُ [ [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ] فِي تَفْسِيرِهِ [ [[زيادة من أ.]] عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ] بِهِ [ [[زيادة من أ.]] ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ، وَلَا يُعْرَفُ [[في أ: "ولا نعرف".]] اسْمُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ [[سنن الترمذي (٣٠٢) .]] .

قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي: وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ. فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ.

قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدُويه وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، مِنْ طريق عبد الرحمن بن إِسْحَاقَ [[في ر: "إسماعيل.]] كَمَا ذَكَرَهُ [[في أ: "كما ذكر".]] شَيْخُنَا، فسَح اللهُ فِي أَجْلِهِ [[تحفة الأشراف (٤/٢٧٥) برقم (٥١٤٧) وصحيح ابن حبان برقم (١١٩١) "موارد".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعر وَسُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُم الرجلُ وَالِدَيْهِ": قَالُوا: وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فيسب أمه" [[ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦٤) من طريق وكيع به.]] .

وقد أخر هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إن مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَن الرجلُ وَالِدَيْهِ". قَالُوا: وكيفَ يَلْعَنُ الرجلُ وَالِدَيْهِ؟! قَالَ: "يَسُبُّ الرجلُ أَبَا الرَّجُلِ فيسبَّ أَبَاهُ، ويسُبُّ أمَّه فَيَسُبُّ أُمَّهُ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ [[صحيح البخاري برقم (٥٩٧٣) وصحيح مسلم برقم (٩٠) وسنن الترمذي برقم (١٩٠٢) .]] .

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتاله كُفْر" [[رواه البخاري برقم (٤٨) ومسلم برقم (٦٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيم، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، والسَّبَّتَان والسَّبَّة [[في د: "والمستبان بالسبة.]] " [[ذكره السيوطي في الدر المنثور]] .

هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَكْبَرِ [[في أ: "إن من أكبر".]] الْكَبَائِرِ استطالةُ المرْءِ [[في ر: "المسب".]] فِي عِرْضِ رجلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ [[في د: "المستبان".]] بِالسَّبَّةِ".

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْر [[في ر، أ: "بن زيد".]] عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ [[سنن أبي داود برقم (٤٨٧٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِي ذكْرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُعَيم بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتين مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ". وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ ثُمَّ قَالَ: حَنَش [[في جـ: حبيش"، وفي أ: "حنيش".]] هُوَ أَبُو [[في أ: "هذا أبو".]] عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ، وَهُوَ [[في ر: "هو".]] حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ [[سنن الترمذي برقم (١٨٨) .]] .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّة، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ [[في أ: "حسن".]] بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي الْعَدَوِيَّ-قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كتابُ عُمَرَ: مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ -يَعْنِي بِغَيْرِ [[في أ: "من غير".]] عُذْرِ-والفِرَار مِنَ الزَّحْفِ، والنُّهْبَة.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصلاةِ بِالْكُلِّيَّةِ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " [[صحيح مسلم برقم (٨٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ [[في ر: "وبينهم ترك الصلاة".]] الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَها فَقَدْ كَفر" [[رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٢١) والنسائي في السنن (١/٢٣١) وابن ماجة في السنن برقم (١٠٧٩) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ فَقَدْ حبطَ عَمَلُه" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٥٣) والنسائي في السنن (١/٢٣٦) من حَدِيثُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] وَقَالَ: "مَنْ فَاتَتْهُ صَلاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ" [[رواه النسائي (١/٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية رضي الله عنه.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ اليأسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والأمنُ مِنْ مَكْر اللَّهِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شَبِيب بْنُ بِشْر، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا الْكَبَائِرُ؟ فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ".

وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الْإِشْرَاكُ [[في د:"الشرك".]] بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عز وجل".

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوُ ذَلِكَ [[مسند البزار برقم (١٠٦) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠٤) : "رجاله موثقون".]] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ وَبْرة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ [[في ج، ر، د، أ: "اليأس".]] مِنْ رَوْح اللَّهِ، والقُنوط مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَبْرة، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُق عِدَّةٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ. [[تفسير الطبري (٨/٢٤٣، ٢٤٤) ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٩٧٠١) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٩/١٧١) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به.

ورواه ابن أبي الدنيا في التوبة برقم (٣١) من طريق الأعمش عن وبرة به.]]

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ؛ قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدار، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ [[في أ: "محمد بن عمر بن مهاجر".]] حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ [[في أ: "أبو حذيفة إسحاق".]] الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ:] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [ [[زيادة من أ.]] "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.

حَدِيثٌ آخَرُ: فِيهِ التَّعَرُّبُ [[في ر "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرو [[في أ: "عمر".]] بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ [[في أ: "وقال".]] أَبُو بَكْرِ بْنُ مرْدويه: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ محمد بن سهل ابن أَبِي حَثْمة [[في جـ، أ: "ابن أبي خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ؟ الشِّركُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النفْسِ، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وقَذْفُ المحصَنَة، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ".

وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ [[وله شاهد من حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، ذكر فيها هذه السبع. رواه الطبراني في المعجم الأوسط (١٢٦) "مجمع البحرين" قال الهيثمى في المجمع (١/١٠٤) : "فيه أبو بلال الأشعرى وهو ضعيف".]] وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حثْمة [[في ر، أ: "خيثمة".]] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ الْكُوفَةِ-وَعَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُب الناسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، الْكَبَائِرُ [[في أ: "إن الكبائر".]] سَبْعٌ فَأَصَاخَ [[في ر: "أضاج"، وفي أ: "فأصاح".]] الناسُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ لَا [[في أ: "قال ألا".]] تَسْأَلُونِي عَنْهَا؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [[في أ: "حرم الله قتلها".]] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ. فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، التَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ [[تفسير الطبري (٨/٢٣٥) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ -يَعْنِي شَيْبَانَ-عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَاف، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا". قَالَ: فَمَا أَنَا [[في أ: "فما لنا".]] بِأَشَحَّ [[في ر: "بأشج".]] عَلَيْهِنَّ مِنِّي، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ [[المسند (٤/٣٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَر بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الإضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ". وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَوْلُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ.

حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيب، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ [[في جـ، د، ر: "رسول الله".]] ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ، فَقَالُوا: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ، وَالْغُلُولُ، وَالسِّحْرُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٧٧] ؟! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ حَسَنٌ [[تفسير الطبري (٨/٢٥١) .]] .

ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ:

قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُليَّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا [[في جـ، د، أ: "لقوا".]] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا: نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أمَرَ أَنْ يُعمل بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ، فَلَقِيَهُ [[في جـ، د، ر، أ: "فلقى".]] عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَتَى قَدِمْتَ؟ فَقَالَ: مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ؟ قَالَ: فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا [[في أ: "لا".]] يُعْمَلُ بِهَا [[في جـ، د: "لا يعمل" وفي ر: "نعمل بها فلا نعمل".]] فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اجْمَعْهُمْ لِي. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَظُنُّهُ قَالَ: فِي بَهْو-فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ: نَشَدْتُكَ [[في د: "أنشدك".]] بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ لَخَصَمَهُ. قَالَ: فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ؟ فَهَلْ [[في جـ: "هل".]] أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ [[في أ: "في أثرك".]] ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ. قَالَ: فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ. أتكلِّفونه أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ؟! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ [[في جـ، د، ر، "سيكون".]] لَنَا سَيِّئَاتٌ. قَالَ: وَتَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ -أَوْ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ-بِمَا [[في جـ، أ: "فيما".]] قَدِمْتُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ.

إِسْنَادٌ حَسَنٌ [[في جـ، أ: "جيد".]] وَمَتْنٌ حَسَنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ [[في جـ، د، أ، ر: "يشتهر".]] فَتَكْفِي [[في جـ، أ: "فيكفي".]] شُهْرَتُهُ [[تفسير الطبري (٨/٢٥٥) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ -يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ-حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفُ المحصنَة، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْف، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، والسِّحْر، وعُقوق الْوَالِدَيْنِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ.

وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.

وَرَوَى ابْنُ [[في د: "عن".]] جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا. وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود، عَنْ زِرّ بْنِ حُبيشِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ، وَمَنْعُ طُرُوقِ [[في د: "عروق".]] الفحل إلا بجُعْلٍ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُمنَع فَضْلُ الماءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ" [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٣) وصحيح مسلم برقم (١٥٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وَفِيهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا ينظرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهم وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بالفَلاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبيل"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٥٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، مِنْ حَدِيثُ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الماءِ وفَضْلَ الكَلأ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/١٧٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنَبَة [[في جـ، د، ر، أ، "شيبة".]] الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا أُخِذ عَلَى النِّساء مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي [[في أ: "تعنى".]] قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ [وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٢] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْراق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّة قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى [[في جـ: "عز وجل".]] ثُمَّ [[في أ: "فقال: ثم".]] لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ. ثُمَّ سَكَتَ هُنية [[في د، أ: "هنيهة".]] ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا [[في ر: "ما خلقنا".]] رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا لَنَا وَلَهَا، ثُمَّ تَلَا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .

أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ:

رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ [[في جـ، ر: "معتمر".]] بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا: هِيَ سَبْعٌ، فَقَالَ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُبَيْصَة، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ.

وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ [[في د: "ذكرها".]] اللَّهُ؟ مَا هُنَّ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ [[في أ: "السبع".]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَكَذَا قَالَ أبو العالية الرياحي، رحمه الله.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبير؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمِ الْكَبَائِرُ؟ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ، بِهِ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قَالَ: الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْكَبَائِرُ: كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفة [فِيهِ] [[زيادة من جـ، أ.]] قَالَ: هِيَ النَّظْرَةُ.

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ [[في جـ: "قال".]] هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ.

أَقْوَالُ التَّابِعِينَ

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيّة، عَنِ ابْنِ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلَتْ عَبِيدة عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْف، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالْبُهْتَانُ. قَالَ: وَيَقُولُونَ: أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فَالسِّحْرُ؟ قَالَ: إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا [[في أ: "كثيرا".]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ المُحَاربي [[في ر: "المغازي".]] حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَير قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الْحَجِّ:٣١] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٢٣] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْفَالِ: ١٥] ، وَالتَّعَرُّبُ [[في ر: "التغرب".]] بَعْدَ الْهِجْرَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [مُحَمَّدٍ: ٢٥] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٩٣] .

وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيد، بنحوه.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ-قَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وعقُوق الْوَالِدَيْنِ، والفِرَار مِنَ الزَّحْف.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، مِنَ الْكَبَائِرِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ [[في جـ، د، ر: "يبغض".]] أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيَّاش، قَالَ [[في جـ، ر، أ: "قال: قال".]] زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ مِنَ الْكَبَائِرِ: الشِّرْكُ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ [[في أ: "لا يصح".]] مَعَهُ عَمَلٌ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الْآيَةَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْكَبائر، وسَدِّدُوا، وأبْشِرُوا".

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أمَّتِي" [[أما حديث أنس فله طرق منها: ما يرويه أبو بكر بن عياش عن حميد عن أنس. أخرجه ابن أبي عاصم في السنة برقم (٨٣١) .

وما يرويه عن ابن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس رواه الطبراني في المعجم الكبير (١/٢٥٨) وابن أبي حاتم في العلل (٢/٢٢٢) ، وقال: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر.

وما يرويه جعفر بن سليم الضبعي عن مالك بن دينار عن أنس. رواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/٧٩) ، وقال: سمعت أبي يقول: هذا حديث منكر.

وما يرويه بسطان بن حريث الصدفي عن أشعث عن أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب برقم (٢٣٧) .

وما يرويه أبو جناب سمع زياد النميري سمع أنس، رواه القضاعي في مسند الشهاب (٢٣٧) . وأما حديث جابر فقد رواه ابن ماجة في سننه برقم (٤٣١٠) من طريق جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ.]] وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "شَفاعتي لأهْلِ الكبائرِ مِنْ أُمَّتِي". فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ [[في د: "شرطيهما"، وفي ر: "شرط الشيخين".]] وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنْ عَبَّاسٍ العَنْبري، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [[سنن الترمذي بر قم (٢٤٣٥) .]] وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ: "أترَوْنَها لِلْمُؤْمِنِينَ المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المُتَلَوِّثِينَ".

وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ: هِيَ مَا عَلَيْهِ حدٌّ في الشرع.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ، فِي كِتَابِهِ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ الشَّهِيرِ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ: ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، رَضِيَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] عَنْهُمْ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ [[في أ: "وللأصحاب".]] فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ، وَهُوَ [[في جـ، أ: "وهم".]] وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ [[في جـ، ر، أ: "تفصيل".]] الْكَبَائِرِ.

وَالثَّالِثُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي "الْإِرْشَادِ" وَغَيْرِهِ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ.

وَالرَّابِعُ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ [[في جـ، ر: "أبو سعد".]] الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ: كُلُّ فِعْل نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ، وَالرِّوَايَةِ، وَالْيَمِينِ.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ.

ثُمَّ قَالَ: وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ: قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةُ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا، وَالْقَذْفُ. وَزَادَ فِي "الشَّامِلِ" عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ: شَهَادَةَ الزُّورِ. وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ: أَكْلَ الرِّبَا، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، بِلَا عُذْرٍ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا [[في أ: "بغير".]] حَقٍّ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عَمْدًا، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ [[في أ: "من مكره".]] وَيُقَالُ: الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ. وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ: الظِّهَارُ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ.

ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ.

قُلْتُ: وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ [[وقد طبع في بيروت بتحقيق الأستاذ/محي الدين مستو.]] الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً، وَإِذَا قيل: إن الكبيرة [هى] [[زيادة من جـ، أ.]] ما توعد الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَإِذَا قِيلَ: كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا، وَاللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من جـ.]] أَعْلَمُ.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com