John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir

Surah An-Nisaa

Tafsir Ibn Kathir · The Women · 176 ayat · ayat 121–150 · Quran text →

قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [لِمَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٤٨] ، وَذَكَرْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ ثُوَيْر [[في أ: "يزيد".]] بْنِ أَبِي فَاخِتَة سَعِيدِ بْنِ عَلاقَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَحَبَّ إليَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: فَقَدْ سَلَكَ غَيْرَ [[في ر، أ: "عن".]] الطَّرِيقِ الْحَقِّ، وَضَلَّ عَنِ الْهُدَى وَبَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ وَخَسِرَهَا [[في أ: "ضرها".]] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفَاتَتْهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلان، أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ [[في ر، أ: "أنبأنا الحسين".]] بْنُ وَاقِدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جنيَّة.

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ عَبْدِ العزيز بن محمد، عَنْ هِشَامٍ -يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ -عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَتْ: أَوْثَانًا.

وَرَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، [[في أ: "عن".]] وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ جُوَيْبر عَنِ الضَّحَّاكِ فِي [قَوْلِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، قَالَ: اتَّخَذُوهَا أَرْبَابًا وَصَوَّرُوهُنَّ صُوَرَ الْجَوَارِي، فَحَكَمُوا [[في أ: "فحلوا".]] وَقَلَّدُوا، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ يُشْبهن بَنَاتَ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونُ الْمَلَائِكَةَ.

وَهَذَا التَّفْسِيرُ شبيه بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. [مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيات".]] ﴾ [النَّجْمِ: ١٩-٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيتين".]] ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٥٨، ١٥٩] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ: يَعْنِي مَوْتَى.

وَقَالَ مُبَارَكٌ -يَعْنِي ابْنَ فَضَالة -عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: الْإِنَاثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، إِمَّا خَشَبَةٌ يَابِسَةٌ وَإِمَّا حَجَرٌ يَابِسٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم وابن جرير، وهو غريب.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَحَسَّنَهُ لَهُمْ وَزَيَّنَهُ، وَهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ إِبْلِيسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [يس: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا عِبَادَتَهُمْ فِي الدُّنْيَا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ جِوَارِهِ.

وَقَالَ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أَيْ: مُعَيَّنا مقدَّرًا مَعْلُومًا. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ [[في ر: "وتسعين".]] إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ.

﴿وَلأضِلَّنَّهُمْ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ ﴿وَلأمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أَيْ: أُزَيِّنُ لَهُمْ تَرْكَ التَّوْبَةِ، وَأَعِدُهُمُ الْأَمَانِيَ، وَآمُرُهُمْ بِالتَّسْوِيفِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَغُرُّهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا: يَعْنِي تَشْقِيقَهَا [[في ر: "يشققنها"، وفي أ: "نشققها".]] وَجَعْلَهَا سِمَةً وَعَلَامَةً لِلْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ.

﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ خِصَاءَ [[في ر: "خصى".]] الدَّوَابِّ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي عِيَاضٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ النَّهْيُ عن ذلك [[رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/٢٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/٢٤) من طريق نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خصاء الخيل والبهائم" وقال ابن عمر: فيه نماء الخلق.]] .

وقال الحسن ابن أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي بِذَلِكَ الوَشْم. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنِ الْوَشْمِ فِي الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٢١١٧) عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه".]] وَفِي لفظٍ: "لَعَنَ [[في د، ر، أ: "لعنة".]] اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ". وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ والمستوشِمات، وَالنَّامِصَاتِ والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجات للحُسْن الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْرِ: ٧] [[صحيح البخاري برقم (٥٩٤٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمُ النخَعي، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الخُراساني فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: دِينَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ أَمْرًا، أَيْ: لَا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ، وَدَعُوا النَّاسَ عَلَى فِطْرَتِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) ، وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨) .]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَة، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرَانه، ويُمَجِّسَانه، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاء، هَلْ يَحُسّون فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّي خلقتُ عِبَادِي حُنَفَاء، فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فْاجْتَالَتْهُم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرّمت عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ [[في ر: "ما حللت".]] لَهُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتِلْكَ خَسَارَةٌ لَا جَبْرَ لَهَا وَلَا اسْتِدْرَاكَ لِفَائِتِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ وَهَذَا [[في أ: "هذا".]] إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُ أَوْلِيَاءَهُ وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْلِيسَ يَوْمَ الْمَعَادِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ" إلى قوله".]] إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: أَيِ: الْمُسْتَحْسِنُونَ لَهُ فِيمَا وَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ: مَصِيرُهُمْ وَمَآلُهُمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ عَنْهَا مَنْدُوحَةٌ وَلَا مَصْرِفٌ، وَلَا خَلَاصٌ وَلَا مَنَاصٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ السُّعَدَاءِ الْأَتْقِيَاءِ وَمَا لَهُمْ فِي مَآلِهِمْ مِنَ الْكَرَامَةِ التَّامَّةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدّقت قُلُوبُهُمْ وَعَمِلَتْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْخَيِّرَاتِ، وَتَرَكُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أَيْ: هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ وَوَعْدُ اللَّهِ مَعْلُومٌ حَقِيقَةً أَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَى تَحْقِيقِ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ ثُمَّ قَال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أَيْ: لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قَوْلًا وَخَبَرًا، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول فِي خُطْبَتِهِ: "إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْي هَدْي مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثاتها، وَكُلَّ مُحْدَثة بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ".

قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [لِمَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ٤٨] ، وَذَكَرْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ ثُوَيْر [[في أ: "يزيد".]] بْنِ أَبِي فَاخِتَة سَعِيدِ بْنِ عَلاقَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَحَبَّ إليَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٧) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: فَقَدْ سَلَكَ غَيْرَ [[في ر، أ: "عن".]] الطَّرِيقِ الْحَقِّ، وَضَلَّ عَنِ الْهُدَى وَبَعُدَ عَنِ الصَّوَابِ، وَأَهْلَكَ نَفْسَهُ وَخَسِرَهَا [[في أ: "ضرها".]] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفَاتَتْهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلان، أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ [[في ر، أ: "أنبأنا الحسين".]] بْنُ وَاقِدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جنيَّة.

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ عَبْدِ العزيز بن محمد، عَنْ هِشَامٍ -يَعْنِي ابْنَ عُرْوَةَ -عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَتْ: أَوْثَانًا.

وَرَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، [[في أ: "عن".]] وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.

وَقَالَ جُوَيْبر عَنِ الضَّحَّاكِ فِي [قَوْلِهِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، قَالَ: اتَّخَذُوهَا أَرْبَابًا وَصَوَّرُوهُنَّ صُوَرَ الْجَوَارِي، فَحَكَمُوا [[في أ: "فحلوا".]] وَقَلَّدُوا، وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ يُشْبهن بَنَاتَ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونُ الْمَلَائِكَةَ.

وَهَذَا التَّفْسِيرُ شبيه بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. [مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيات".]] ﴾ [النَّجْمِ: ١٩-٢٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيتين".]] ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٥٨، ١٥٩] .

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ: يَعْنِي مَوْتَى.

وَقَالَ مُبَارَكٌ -يَعْنِي ابْنَ فَضَالة -عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قَالَ الْحَسَنُ: الْإِنَاثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، إِمَّا خَشَبَةٌ يَابِسَةٌ وَإِمَّا حَجَرٌ يَابِسٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حاتم وابن جرير، وهو غريب.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَحَسَّنَهُ لَهُمْ وَزَيَّنَهُ، وَهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ إِبْلِيسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [يس: ٦٠] وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا عِبَادَتَهُمْ فِي الدُّنْيَا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سَبَأٍ: ٤١] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أَيْ: طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ جِوَارِهِ.

وَقَالَ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أَيْ: مُعَيَّنا مقدَّرًا مَعْلُومًا. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ [[في ر: "وتسعين".]] إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ.

﴿وَلأضِلَّنَّهُمْ﴾ أَيْ: عَنِ الْحَقِّ ﴿وَلأمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أَيْ: أُزَيِّنُ لَهُمْ تَرْكَ التَّوْبَةِ، وَأَعِدُهُمُ الْأَمَانِيَ، وَآمُرُهُمْ بِالتَّسْوِيفِ وَالتَّأْخِيرِ، وَأَغُرُّهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ﴾ قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمَا: يَعْنِي تَشْقِيقَهَا [[في ر: "يشققنها"، وفي أ: "نشققها".]] وَجَعْلَهَا سِمَةً وَعَلَامَةً لِلْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ.

﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ خِصَاءَ [[في ر: "خصى".]] الدَّوَابِّ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي عِيَاضٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ النَّهْيُ عن ذلك [[رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٢/٢٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/٢٤) من طريق نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم عن خصاء الخيل والبهائم" وقال ابن عمر: فيه نماء الخلق.]] .

وقال الحسن ابن أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي بِذَلِكَ الوَشْم. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنِ الْوَشْمِ فِي الْوَجْهِ [[صحيح مسلم برقم (٢١١٧) عَنْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه".]] وَفِي لفظٍ: "لَعَنَ [[في د، ر، أ: "لعنة".]] اللَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ". وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ والمستوشِمات، وَالنَّامِصَاتِ والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجات للحُسْن الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الْحَشْرِ: ٧] [[صحيح البخاري برقم (٥٩٤٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمُ النخَعي، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ الخُراساني فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: دِينَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ أَمْرًا، أَيْ: لَا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ، وَدَعُوا النَّاسَ عَلَى فِطْرَتِهِمْ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٨٥) ، وصحيح مسلم برقم (٢٦٥٨) .]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطْرَة، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرَانه، ويُمَجِّسَانه، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاء، هَلْ يَحُسّون فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَار قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّي خلقتُ عِبَادِي حُنَفَاء، فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فْاجْتَالَتْهُم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرّمت عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ [[في ر: "ما حللت".]] لَهُمْ" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتِلْكَ خَسَارَةٌ لَا جَبْرَ لَهَا وَلَا اسْتِدْرَاكَ لِفَائِتِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ وَهَذَا [[في أ: "هذا".]] إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُ أَوْلِيَاءَهُ وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ كَذَبَ وَافْتَرَى فِي ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِبْلِيسَ يَوْمَ الْمَعَادِ: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ" إلى قوله".]] إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .

* *

وَقَوْلُهُ: أَيِ: الْمُسْتَحْسِنُونَ لَهُ فِيمَا وَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أَيْ: مَصِيرُهُمْ وَمَآلُهُمْ يَوْمَ حِسَابِهِمْ ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ عَنْهَا مَنْدُوحَةٌ وَلَا مَصْرِفٌ، وَلَا خَلَاصٌ وَلَا مَنَاصٌ.

ثُمَّ ذَكَرَ حَالَ السُّعَدَاءِ الْأَتْقِيَاءِ وَمَا لَهُمْ فِي مَآلِهِمْ مِنَ الْكَرَامَةِ التَّامَّةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: صَدّقت قُلُوبُهُمْ وَعَمِلَتْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْخَيِّرَاتِ، وَتَرَكُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ أَيْ: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا زَوَالٍ وَلَا انْتِقَالٍ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أَيْ: هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ وَوَعْدُ اللَّهِ مَعْلُومٌ حَقِيقَةً أَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالْمَصْدَرِ الدَّالِّ عَلَى تَحْقِيقِ الْخَبَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ ثُمَّ قَال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أَيْ: لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قَوْلًا وَخَبَرًا، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول فِي خُطْبَتِهِ: "إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْي هَدْي مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثاتها، وَكُلَّ مُحْدَثة بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ".

قَالَ قَتَادَةُ: ذُكرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ وَكَذَا رَوَى العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تخاصَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا الْإِسْلَامُ. وَكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمرْتُم وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا. فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وخَيَّر بَيْنَ الْأَدْيَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر.]] ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتِ الْعَرَبُ: لَنْ نبْعث وَلَنْ نُعذَّب. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] .

وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَيْسَ كُلّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَالَ: "إِنَّهُ هُوَ المُحق" سُمِعَ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ وَلَا لَهُمُ النَّجَاةُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، بَلِ الْعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ مَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ الْكِرَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: أخْبرْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُل سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "غَفَر اللَّهُ لكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ألستَ تَمْرضُ؟ ألستَ تَنْصَب؟ أَلَسْتَ تَحْزَن؟ أَلَسْتَ تُصيبك اللَّأْوَاءُ [[في أ: "ألست يصيبك أذى".]] ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فهو ما تُجْزَوْنَ به".

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي يَعلى، عَنْ أَبِي خَيْثَمة، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ [[المسند (١/١١) وسنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٦) وصحيح ابن حبان برقم (١٧٣٤) "موارد" والمستدرك (٣/٧٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" [[المسند (١/٦) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هُشَيْم بْنِ جُهَيْمَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا الْمَكَانَ الَّذِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا وَلَا تمرُّنَّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَهَا الْغُلَامُ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ثَلَاثًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا صَوَّامًا قَوَّامًا وَصَّالًا [[في ر، أ: "وصولا".]] لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ مَعَ مُتَسَاوِي مَا أصبتَ أَلَّا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَهَا. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا فِي الدُّنْيَا يُجْزَ بِهِ".

وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ [[مسند البزار برقم (٢١) ، وقال الدارقطني في العلل (٤/٢٢٣) : "رواه زياد الجصاص واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن عطاء عن زياد عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عمر عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العباداني فرواه عن زياد الجصاص عن سالم عن ابن عمر عن عمر، وليس فيه شيء يثبت".]] مُخْتَصَرًا. وَقَدْ قَالَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ العُروفي [[في ر، أ: "العوفي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَيّان، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي حَيَّانَ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا خُبيب، سَمِعْتُ أَبَاكَ -يَعْنِي الزُّبَيْرَ-يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[مسند البزار برقم (٩٦٢) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢) "فيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"، والظاهر أنه عبد الرحيم، كما في العلل للدارقطني (٤/٢٢٣) حين سئل عن طريق سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر فقال: يقوله عبد الرحمن بن سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، وقال مرة: عن أبيه عن نافع عن ابن عمر، وعبد الرحيم ضعيف، وزياد ضعيف".]]

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبيدة، حدثني مولى بن سِبَاع قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِيهَا فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انقصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّأْتُ [[في ر، أ: "تمطأت لها".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مالك يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَإِنَّا لمجْزيُّون بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمُوسَى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سِبَاعٍ مَجْهُولٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٩) .]] .

[وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْغُلَامُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ الْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا"] [[زيادة من أ.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ الصِّدِّيقِ: قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيح، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] [[زيادة من أ.]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَصَائِبُ وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَحْزَانُ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/١١٩) من هذا الطريق به، وفيه محمد السعدي كان يكذب ويضع.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذ [[في أ: "نمير".]] عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا نَعْمَلُ نُؤَاخَذُ بِهِ؟ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ يُصِيبُكَ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ كَفَّارَةٌ" [[تفسير الطبري (٩/٢٤٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سِوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي يَزِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَلَا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّا لنُجْزَى بِكُلِّ عَمَل [[في أ: "عمل عملنا".]] ؟ هَلَكْنَا إذًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ، يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، فِي نَفْسِهِ، فِي جَسَدِهِ، فِيمَا يُؤْذِيهِ" [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٩) ورواه أحمد في المسند (٦/٦٥) من طريق عبد الله بن وهب به.]] .

طَرِيقٌ [[في أ: "حديث".]] أُخْرَى: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ: "مَا هِيَ يَا عَائِشَةُ؟ " قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: "هُوَ مَا يُصِيبُ العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها".

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ الْخَزَّازِ [[في ر، أ: "الجزار".]] بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٣) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا عَائِشَةُ، هَذِهِ مُبَايَعَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مِمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى والنَّكْبَة وَالشَّوْكَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةُ فيضعها فِي كُمِّه فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي جَيْبِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الكِير" [[مسند الطيالسي برقم (١٥٨٤) ورواه أحمد في المسند (٦/٢١٨) من طريق حماد بن سلمة به.

تنبيه: وقع عند الطيالسي "معاتبة" بدل: "مبايعة" وعند أحمد "متابعة".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ [[في ر: "أبو".]] إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُرَيج [[في ر، أ: "شريح".]] بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الفَيْظ [[في ر: "الغيض"، وفي أ: "الغيط". الفيظ: خروج الروح.]] عِنْدَ الْمَوْتِ".

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بالحَزَن ليُكَفِّرها عَنْهُ" [[المسند (٦/١٥٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِن، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَة، يُخْبِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَدِّدوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكها، والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا".

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٤) والمسند (٢/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٤) ، وسنن الترمذي برقم (٥٠٢٩) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَردُويه مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ وَمُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكَمَا نَزَلَتْ، وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وسَدِّدوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ أحدًا منكم فِي الدُّنْيَا إِلَّا كفَّر اللَّهُ بِهَا خَطِيئَتَهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكها أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ" [[وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزمي ضعيف.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصب وَلَا وَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمّه، إِلَّا كُفّر بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٤١، ٥٦٤٢) . وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بنُ عُجْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؟ مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: "كَفَّارَاتٌ". قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: "وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا" قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ الْوَعْك حَتَّى يَمُوتَ، فِي أَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ إِلَّا وَجَدَ حَرَّهُ، حَتَّى مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٣/٢٣) ، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/٢٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٠١) : "رجاله ثقات".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجزَ بِهَا عَشْرًا. فَهَلَكَ مَنْ غَلَبَ وَاحِدَتُهُ [[في ر: "واحد" وفي أ: "واحدة".]] عَشْرًا" [[وإسناده ضعيف جدا كما سبق في المقدمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: الْكَافِرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سَبَأٍ: ١٧] .

وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا فَسَّرَا السُّوءَ هَاهُنَا بِالشِّرْكِ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ عامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] [[زيادة من و، أ، وفي هـ "الآية".]] ﴾ لَمَّا ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ مُسْتَحَقَّهَا مِنَ الْعَبْدِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا -وَهُوَ الْأَجْوَدُ لَهُ -وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالصَّفْحَ وَالْعَفْوَ وَالْمُسَامَحَةَ -شَرَعَ فِي بَيَانِ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادِهِ ذُكْرَانهم وَإِنَاثِهِمْ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَلَا يَظْلِمُهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا مِقْدَارَ النَّقِيرِ، وَهُوَ: النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَتِيلِ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي فِي شِقِّ النَّوَاةِ، وَهَذَا النَّقِيرُ وَهُمَا فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَكَذَا الْقِطْمِيرُ وَهُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، الثَّلَاثَةُ فِي القرآن.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِرَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيِ: اتَّبَعَ فِي عَمَلِهِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهَذَانَ الشَّرْطَانِ لَا يَصِحُّ عَمَلُ عَامِلٍ بِدُونِهِمَا، أَيْ: يَكُونُ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلشَّرِيعَةِ فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فَقَدَ الْعَمَلُ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَسَدَ. فَمَنْ فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون النَّاسَ، وَمَنْ فَقَدَ الْمُتَابَعَةَ كَانَ ضَالًّا جَاهِلًا. وَمَتَى جَمَعَهُمَا فَهُوَ عَمَلُ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ [قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [[زيادة من أ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] وَ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أَيْ تَارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَمُقْبِلٌ عَلَى الْحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لَا يَصُدُّهُ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّهُ عَنْهُ رَادٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ، حَيْثُ وَصَلَ إِلَى غَايَةِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الخُلَّة الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ مَقَامَاتِ الْمُحِبَّةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَمَا وَصَفَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] قَالَ كَثِيرُونَ [[في د: "كثير".]] مِنَ السَّلَفِ: أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ ووفَّى [[في أ: "به وفى".]] كُلَّ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ أَمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، وَلَا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] [[زيادة من ر.]] ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠-١٢٢] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهِمْ: فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرّت عينُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْب، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -لِيَمْتَارَ طَعَامًا لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا قَرُب مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ، فَقَالَ: لَوْ مَلَأْتُ غَرَائري مِنْ هَذَا الرَّمْلِ، لِئَلَّا أغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَةٍ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ وقام أهله ففتحوا الغرائر، فَوَجَدُوا دَقِيقًا فَعَجَنُوا وَخَبَزُوا مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا، فَقَالُوا: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ. فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ خَلِيلًا.

وَفِي صِحَّةِ هَذَا وَوُقُوعِهِ نَظَرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا إِسْرَائِيلِيًّا لَا يُصدَّق وَلَا يُكذَّب، وَإِنَّمَا سُمّي خَلِيلَ اللَّهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ، لِمَا قَامَ لَهُ [[في أ: "لديه".]] مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "رواية".]] أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَهُمْ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِ جُنْدُب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" [[أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٢) ، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦١٦) ، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْد، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزجاني بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله".]] الحَنَفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَام، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبًا إِنِ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ! وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا! وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ! وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ! فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَتَعَجُّبَكُمْ [[في أ: "عجبكم".]] أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ، وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَآدَمَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَإِنِّي حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مشَفع وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ".

وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٦١٦) وقال: "هذا حديث غريب".]] وَغَيْرِهَا.

وَقَالَ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الخُلَّة لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سابق - حَدَّثَنَا عَمْرٌو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عُبَيْد بْنِ عُمَير قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أُبَشِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ [[في أ: "لأتيته".]] ثُمَّ [[في أ: "ثم قال لا ".]] لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ. قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فِيمَ اتَّخَذَنِي اللَّهُ خَلِيلًا؟ قَالَ: إِنَّكَ تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ [[وإسناده مرسل.]] .

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الوَجَل، حَتَّى إِنْ كَانَ خفقانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ [[في ر: "بعد".]] كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. وَهَكَذَا جَاءَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجل مِنَ الْبُكَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا رَادَّ لِمَا قَضَى، وَلَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، لِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أَيْ: عِلْمُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا تَخْفَى [[في ر: "يخفي".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يعْزُب عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ ذَرَّةٌ لِمَا [[في ر: "الذرة أما".]] تَرَاءَى لِلنَّاظِرِينَ وَمَا تَوَارَى.

قَالَ قَتَادَةُ: ذُكرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ وَكَذَا رَوَى العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تخاصَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا الْإِسْلَامُ. وَكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمرْتُم وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا. فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وخَيَّر بَيْنَ الْأَدْيَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر.]] ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتِ الْعَرَبُ: لَنْ نبْعث وَلَنْ نُعذَّب. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] .

وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَيْسَ كُلّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَالَ: "إِنَّهُ هُوَ المُحق" سُمِعَ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ وَلَا لَهُمُ النَّجَاةُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، بَلِ الْعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ مَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ الْكِرَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: أخْبرْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُل سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "غَفَر اللَّهُ لكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ألستَ تَمْرضُ؟ ألستَ تَنْصَب؟ أَلَسْتَ تَحْزَن؟ أَلَسْتَ تُصيبك اللَّأْوَاءُ [[في أ: "ألست يصيبك أذى".]] ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فهو ما تُجْزَوْنَ به".

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي يَعلى، عَنْ أَبِي خَيْثَمة، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ [[المسند (١/١١) وسنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٦) وصحيح ابن حبان برقم (١٧٣٤) "موارد" والمستدرك (٣/٧٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" [[المسند (١/٦) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هُشَيْم بْنِ جُهَيْمَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا الْمَكَانَ الَّذِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا وَلَا تمرُّنَّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَهَا الْغُلَامُ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ثَلَاثًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا صَوَّامًا قَوَّامًا وَصَّالًا [[في ر، أ: "وصولا".]] لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ مَعَ مُتَسَاوِي مَا أصبتَ أَلَّا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَهَا. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا فِي الدُّنْيَا يُجْزَ بِهِ".

وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ [[مسند البزار برقم (٢١) ، وقال الدارقطني في العلل (٤/٢٢٣) : "رواه زياد الجصاص واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن عطاء عن زياد عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عمر عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العباداني فرواه عن زياد الجصاص عن سالم عن ابن عمر عن عمر، وليس فيه شيء يثبت".]] مُخْتَصَرًا. وَقَدْ قَالَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ العُروفي [[في ر، أ: "العوفي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَيّان، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي حَيَّانَ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا خُبيب، سَمِعْتُ أَبَاكَ -يَعْنِي الزُّبَيْرَ-يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[مسند البزار برقم (٩٦٢) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢) "فيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"، والظاهر أنه عبد الرحيم، كما في العلل للدارقطني (٤/٢٢٣) حين سئل عن طريق سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر فقال: يقوله عبد الرحمن بن سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، وقال مرة: عن أبيه عن نافع عن ابن عمر، وعبد الرحيم ضعيف، وزياد ضعيف".]]

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبيدة، حدثني مولى بن سِبَاع قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِيهَا فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انقصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّأْتُ [[في ر، أ: "تمطأت لها".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مالك يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَإِنَّا لمجْزيُّون بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمُوسَى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سِبَاعٍ مَجْهُولٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٩) .]] .

[وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْغُلَامُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ الْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا"] [[زيادة من أ.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ الصِّدِّيقِ: قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيح، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] [[زيادة من أ.]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَصَائِبُ وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَحْزَانُ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/١١٩) من هذا الطريق به، وفيه محمد السعدي كان يكذب ويضع.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذ [[في أ: "نمير".]] عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا نَعْمَلُ نُؤَاخَذُ بِهِ؟ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ يُصِيبُكَ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ كَفَّارَةٌ" [[تفسير الطبري (٩/٢٤٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سِوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي يَزِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَلَا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّا لنُجْزَى بِكُلِّ عَمَل [[في أ: "عمل عملنا".]] ؟ هَلَكْنَا إذًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ، يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، فِي نَفْسِهِ، فِي جَسَدِهِ، فِيمَا يُؤْذِيهِ" [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٩) ورواه أحمد في المسند (٦/٦٥) من طريق عبد الله بن وهب به.]] .

طَرِيقٌ [[في أ: "حديث".]] أُخْرَى: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ: "مَا هِيَ يَا عَائِشَةُ؟ " قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: "هُوَ مَا يُصِيبُ العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها".

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ الْخَزَّازِ [[في ر، أ: "الجزار".]] بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٣) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا عَائِشَةُ، هَذِهِ مُبَايَعَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مِمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى والنَّكْبَة وَالشَّوْكَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةُ فيضعها فِي كُمِّه فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي جَيْبِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الكِير" [[مسند الطيالسي برقم (١٥٨٤) ورواه أحمد في المسند (٦/٢١٨) من طريق حماد بن سلمة به.

تنبيه: وقع عند الطيالسي "معاتبة" بدل: "مبايعة" وعند أحمد "متابعة".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ [[في ر: "أبو".]] إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُرَيج [[في ر، أ: "شريح".]] بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الفَيْظ [[في ر: "الغيض"، وفي أ: "الغيط". الفيظ: خروج الروح.]] عِنْدَ الْمَوْتِ".

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بالحَزَن ليُكَفِّرها عَنْهُ" [[المسند (٦/١٥٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِن، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَة، يُخْبِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَدِّدوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكها، والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا".

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٤) والمسند (٢/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٤) ، وسنن الترمذي برقم (٥٠٢٩) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَردُويه مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ وَمُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكَمَا نَزَلَتْ، وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وسَدِّدوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ أحدًا منكم فِي الدُّنْيَا إِلَّا كفَّر اللَّهُ بِهَا خَطِيئَتَهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكها أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ" [[وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزمي ضعيف.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصب وَلَا وَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمّه، إِلَّا كُفّر بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٤١، ٥٦٤٢) . وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بنُ عُجْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؟ مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: "كَفَّارَاتٌ". قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: "وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا" قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ الْوَعْك حَتَّى يَمُوتَ، فِي أَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ إِلَّا وَجَدَ حَرَّهُ، حَتَّى مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٣/٢٣) ، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/٢٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٠١) : "رجاله ثقات".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجزَ بِهَا عَشْرًا. فَهَلَكَ مَنْ غَلَبَ وَاحِدَتُهُ [[في ر: "واحد" وفي أ: "واحدة".]] عَشْرًا" [[وإسناده ضعيف جدا كما سبق في المقدمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: الْكَافِرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سَبَأٍ: ١٧] .

وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا فَسَّرَا السُّوءَ هَاهُنَا بِالشِّرْكِ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ عامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] [[زيادة من و، أ، وفي هـ "الآية".]] ﴾ لَمَّا ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ مُسْتَحَقَّهَا مِنَ الْعَبْدِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا -وَهُوَ الْأَجْوَدُ لَهُ -وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالصَّفْحَ وَالْعَفْوَ وَالْمُسَامَحَةَ -شَرَعَ فِي بَيَانِ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادِهِ ذُكْرَانهم وَإِنَاثِهِمْ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَلَا يَظْلِمُهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا مِقْدَارَ النَّقِيرِ، وَهُوَ: النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَتِيلِ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي فِي شِقِّ النَّوَاةِ، وَهَذَا النَّقِيرُ وَهُمَا فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَكَذَا الْقِطْمِيرُ وَهُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، الثَّلَاثَةُ فِي القرآن.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِرَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيِ: اتَّبَعَ فِي عَمَلِهِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهَذَانَ الشَّرْطَانِ لَا يَصِحُّ عَمَلُ عَامِلٍ بِدُونِهِمَا، أَيْ: يَكُونُ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلشَّرِيعَةِ فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فَقَدَ الْعَمَلُ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَسَدَ. فَمَنْ فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون النَّاسَ، وَمَنْ فَقَدَ الْمُتَابَعَةَ كَانَ ضَالًّا جَاهِلًا. وَمَتَى جَمَعَهُمَا فَهُوَ عَمَلُ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ [قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [[زيادة من أ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] وَ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أَيْ تَارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَمُقْبِلٌ عَلَى الْحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لَا يَصُدُّهُ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّهُ عَنْهُ رَادٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ، حَيْثُ وَصَلَ إِلَى غَايَةِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الخُلَّة الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ مَقَامَاتِ الْمُحِبَّةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَمَا وَصَفَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] قَالَ كَثِيرُونَ [[في د: "كثير".]] مِنَ السَّلَفِ: أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ ووفَّى [[في أ: "به وفى".]] كُلَّ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ أَمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، وَلَا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] [[زيادة من ر.]] ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠-١٢٢] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهِمْ: فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرّت عينُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْب، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -لِيَمْتَارَ طَعَامًا لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا قَرُب مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ، فَقَالَ: لَوْ مَلَأْتُ غَرَائري مِنْ هَذَا الرَّمْلِ، لِئَلَّا أغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَةٍ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ وقام أهله ففتحوا الغرائر، فَوَجَدُوا دَقِيقًا فَعَجَنُوا وَخَبَزُوا مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا، فَقَالُوا: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ. فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ خَلِيلًا.

وَفِي صِحَّةِ هَذَا وَوُقُوعِهِ نَظَرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا إِسْرَائِيلِيًّا لَا يُصدَّق وَلَا يُكذَّب، وَإِنَّمَا سُمّي خَلِيلَ اللَّهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ، لِمَا قَامَ لَهُ [[في أ: "لديه".]] مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "رواية".]] أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَهُمْ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِ جُنْدُب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" [[أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٢) ، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦١٦) ، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْد، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزجاني بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله".]] الحَنَفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَام، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبًا إِنِ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ! وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا! وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ! وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ! فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَتَعَجُّبَكُمْ [[في أ: "عجبكم".]] أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ، وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَآدَمَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَإِنِّي حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مشَفع وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ".

وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٦١٦) وقال: "هذا حديث غريب".]] وَغَيْرِهَا.

وَقَالَ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الخُلَّة لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سابق - حَدَّثَنَا عَمْرٌو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عُبَيْد بْنِ عُمَير قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أُبَشِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ [[في أ: "لأتيته".]] ثُمَّ [[في أ: "ثم قال لا ".]] لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ. قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فِيمَ اتَّخَذَنِي اللَّهُ خَلِيلًا؟ قَالَ: إِنَّكَ تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ [[وإسناده مرسل.]] .

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الوَجَل، حَتَّى إِنْ كَانَ خفقانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ [[في ر: "بعد".]] كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. وَهَكَذَا جَاءَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجل مِنَ الْبُكَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا رَادَّ لِمَا قَضَى، وَلَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، لِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أَيْ: عِلْمُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا تَخْفَى [[في ر: "يخفي".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يعْزُب عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ ذَرَّةٌ لِمَا [[في ر: "الذرة أما".]] تَرَاءَى لِلنَّاظِرِينَ وَمَا تَوَارَى.

قَالَ قَتَادَةُ: ذُكرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ وَكَذَا رَوَى العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تخاصَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا الْإِسْلَامُ. وَكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمرْتُم وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا. فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وخَيَّر بَيْنَ الْأَدْيَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر.]] ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتِ الْعَرَبُ: لَنْ نبْعث وَلَنْ نُعذَّب. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] .

وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَيْسَ كُلّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَالَ: "إِنَّهُ هُوَ المُحق" سُمِعَ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ وَلَا لَهُمُ النَّجَاةُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، بَلِ الْعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ مَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ الْكِرَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: أخْبرْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُل سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "غَفَر اللَّهُ لكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ألستَ تَمْرضُ؟ ألستَ تَنْصَب؟ أَلَسْتَ تَحْزَن؟ أَلَسْتَ تُصيبك اللَّأْوَاءُ [[في أ: "ألست يصيبك أذى".]] ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فهو ما تُجْزَوْنَ به".

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي يَعلى، عَنْ أَبِي خَيْثَمة، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ [[المسند (١/١١) وسنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٦) وصحيح ابن حبان برقم (١٧٣٤) "موارد" والمستدرك (٣/٧٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" [[المسند (١/٦) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هُشَيْم بْنِ جُهَيْمَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا الْمَكَانَ الَّذِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا وَلَا تمرُّنَّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَهَا الْغُلَامُ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ثَلَاثًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا صَوَّامًا قَوَّامًا وَصَّالًا [[في ر، أ: "وصولا".]] لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ مَعَ مُتَسَاوِي مَا أصبتَ أَلَّا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَهَا. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا فِي الدُّنْيَا يُجْزَ بِهِ".

وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ [[مسند البزار برقم (٢١) ، وقال الدارقطني في العلل (٤/٢٢٣) : "رواه زياد الجصاص واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن عطاء عن زياد عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عمر عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العباداني فرواه عن زياد الجصاص عن سالم عن ابن عمر عن عمر، وليس فيه شيء يثبت".]] مُخْتَصَرًا. وَقَدْ قَالَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ العُروفي [[في ر، أ: "العوفي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَيّان، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي حَيَّانَ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا خُبيب، سَمِعْتُ أَبَاكَ -يَعْنِي الزُّبَيْرَ-يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[مسند البزار برقم (٩٦٢) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢) "فيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"، والظاهر أنه عبد الرحيم، كما في العلل للدارقطني (٤/٢٢٣) حين سئل عن طريق سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر فقال: يقوله عبد الرحمن بن سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، وقال مرة: عن أبيه عن نافع عن ابن عمر، وعبد الرحيم ضعيف، وزياد ضعيف".]]

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبيدة، حدثني مولى بن سِبَاع قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِيهَا فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انقصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّأْتُ [[في ر، أ: "تمطأت لها".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مالك يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَإِنَّا لمجْزيُّون بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمُوسَى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سِبَاعٍ مَجْهُولٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٩) .]] .

[وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْغُلَامُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ الْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا"] [[زيادة من أ.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ الصِّدِّيقِ: قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيح، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] [[زيادة من أ.]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَصَائِبُ وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَحْزَانُ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/١١٩) من هذا الطريق به، وفيه محمد السعدي كان يكذب ويضع.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذ [[في أ: "نمير".]] عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا نَعْمَلُ نُؤَاخَذُ بِهِ؟ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ يُصِيبُكَ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ كَفَّارَةٌ" [[تفسير الطبري (٩/٢٤٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سِوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي يَزِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَلَا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّا لنُجْزَى بِكُلِّ عَمَل [[في أ: "عمل عملنا".]] ؟ هَلَكْنَا إذًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ، يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، فِي نَفْسِهِ، فِي جَسَدِهِ، فِيمَا يُؤْذِيهِ" [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٩) ورواه أحمد في المسند (٦/٦٥) من طريق عبد الله بن وهب به.]] .

طَرِيقٌ [[في أ: "حديث".]] أُخْرَى: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ: "مَا هِيَ يَا عَائِشَةُ؟ " قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: "هُوَ مَا يُصِيبُ العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها".

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ الْخَزَّازِ [[في ر، أ: "الجزار".]] بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٣) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا عَائِشَةُ، هَذِهِ مُبَايَعَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مِمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى والنَّكْبَة وَالشَّوْكَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةُ فيضعها فِي كُمِّه فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي جَيْبِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الكِير" [[مسند الطيالسي برقم (١٥٨٤) ورواه أحمد في المسند (٦/٢١٨) من طريق حماد بن سلمة به.

تنبيه: وقع عند الطيالسي "معاتبة" بدل: "مبايعة" وعند أحمد "متابعة".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ [[في ر: "أبو".]] إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُرَيج [[في ر، أ: "شريح".]] بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الفَيْظ [[في ر: "الغيض"، وفي أ: "الغيط". الفيظ: خروج الروح.]] عِنْدَ الْمَوْتِ".

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بالحَزَن ليُكَفِّرها عَنْهُ" [[المسند (٦/١٥٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِن، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَة، يُخْبِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَدِّدوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكها، والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا".

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٤) والمسند (٢/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٤) ، وسنن الترمذي برقم (٥٠٢٩) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَردُويه مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ وَمُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكَمَا نَزَلَتْ، وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وسَدِّدوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ أحدًا منكم فِي الدُّنْيَا إِلَّا كفَّر اللَّهُ بِهَا خَطِيئَتَهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكها أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ" [[وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزمي ضعيف.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصب وَلَا وَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمّه، إِلَّا كُفّر بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٤١، ٥٦٤٢) . وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بنُ عُجْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؟ مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: "كَفَّارَاتٌ". قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: "وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا" قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ الْوَعْك حَتَّى يَمُوتَ، فِي أَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ إِلَّا وَجَدَ حَرَّهُ، حَتَّى مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٣/٢٣) ، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/٢٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٠١) : "رجاله ثقات".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجزَ بِهَا عَشْرًا. فَهَلَكَ مَنْ غَلَبَ وَاحِدَتُهُ [[في ر: "واحد" وفي أ: "واحدة".]] عَشْرًا" [[وإسناده ضعيف جدا كما سبق في المقدمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: الْكَافِرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سَبَأٍ: ١٧] .

وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا فَسَّرَا السُّوءَ هَاهُنَا بِالشِّرْكِ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ عامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] [[زيادة من و، أ، وفي هـ "الآية".]] ﴾ لَمَّا ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ مُسْتَحَقَّهَا مِنَ الْعَبْدِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا -وَهُوَ الْأَجْوَدُ لَهُ -وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالصَّفْحَ وَالْعَفْوَ وَالْمُسَامَحَةَ -شَرَعَ فِي بَيَانِ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادِهِ ذُكْرَانهم وَإِنَاثِهِمْ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَلَا يَظْلِمُهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا مِقْدَارَ النَّقِيرِ، وَهُوَ: النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَتِيلِ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي فِي شِقِّ النَّوَاةِ، وَهَذَا النَّقِيرُ وَهُمَا فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَكَذَا الْقِطْمِيرُ وَهُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، الثَّلَاثَةُ فِي القرآن.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِرَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيِ: اتَّبَعَ فِي عَمَلِهِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهَذَانَ الشَّرْطَانِ لَا يَصِحُّ عَمَلُ عَامِلٍ بِدُونِهِمَا، أَيْ: يَكُونُ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلشَّرِيعَةِ فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فَقَدَ الْعَمَلُ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَسَدَ. فَمَنْ فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون النَّاسَ، وَمَنْ فَقَدَ الْمُتَابَعَةَ كَانَ ضَالًّا جَاهِلًا. وَمَتَى جَمَعَهُمَا فَهُوَ عَمَلُ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ [قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [[زيادة من أ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] وَ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أَيْ تَارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَمُقْبِلٌ عَلَى الْحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لَا يَصُدُّهُ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّهُ عَنْهُ رَادٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ، حَيْثُ وَصَلَ إِلَى غَايَةِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الخُلَّة الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ مَقَامَاتِ الْمُحِبَّةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَمَا وَصَفَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] قَالَ كَثِيرُونَ [[في د: "كثير".]] مِنَ السَّلَفِ: أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ ووفَّى [[في أ: "به وفى".]] كُلَّ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ أَمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، وَلَا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] [[زيادة من ر.]] ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠-١٢٢] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهِمْ: فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرّت عينُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْب، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -لِيَمْتَارَ طَعَامًا لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا قَرُب مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ، فَقَالَ: لَوْ مَلَأْتُ غَرَائري مِنْ هَذَا الرَّمْلِ، لِئَلَّا أغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَةٍ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ وقام أهله ففتحوا الغرائر، فَوَجَدُوا دَقِيقًا فَعَجَنُوا وَخَبَزُوا مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا، فَقَالُوا: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ. فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ خَلِيلًا.

وَفِي صِحَّةِ هَذَا وَوُقُوعِهِ نَظَرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا إِسْرَائِيلِيًّا لَا يُصدَّق وَلَا يُكذَّب، وَإِنَّمَا سُمّي خَلِيلَ اللَّهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ، لِمَا قَامَ لَهُ [[في أ: "لديه".]] مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "رواية".]] أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَهُمْ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِ جُنْدُب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" [[أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٢) ، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦١٦) ، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْد، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزجاني بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله".]] الحَنَفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَام، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبًا إِنِ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ! وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا! وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ! وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ! فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَتَعَجُّبَكُمْ [[في أ: "عجبكم".]] أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ، وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَآدَمَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَإِنِّي حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مشَفع وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ".

وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٦١٦) وقال: "هذا حديث غريب".]] وَغَيْرِهَا.

وَقَالَ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الخُلَّة لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سابق - حَدَّثَنَا عَمْرٌو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عُبَيْد بْنِ عُمَير قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أُبَشِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ [[في أ: "لأتيته".]] ثُمَّ [[في أ: "ثم قال لا ".]] لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ. قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فِيمَ اتَّخَذَنِي اللَّهُ خَلِيلًا؟ قَالَ: إِنَّكَ تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ [[وإسناده مرسل.]] .

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الوَجَل، حَتَّى إِنْ كَانَ خفقانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ [[في ر: "بعد".]] كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. وَهَكَذَا جَاءَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجل مِنَ الْبُكَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا رَادَّ لِمَا قَضَى، وَلَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، لِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أَيْ: عِلْمُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا تَخْفَى [[في ر: "يخفي".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يعْزُب عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ ذَرَّةٌ لِمَا [[في ر: "الذرة أما".]] تَرَاءَى لِلنَّاظِرِينَ وَمَا تَوَارَى.

قَالَ قَتَادَةُ: ذُكرَ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ نَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ. فَأَفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَمَسْرُوقٍ، وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ وَكَذَا رَوَى العَوْفيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: تخاصَمَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ فَقَالَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: كِتَابُنَا خَيْرُ الْكُتُبِ، وَنَبِيُّنَا خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ: لَا دِينَ إِلَّا الْإِسْلَامُ. وَكِتَابُنَا نَسَخَ كُلَّ كِتَابٍ، وَنَبِيُّنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمرْتُم وَأُمِرْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكِتَابِكُمْ وَنَعْمَلَ بِكِتَابِنَا. فَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وخَيَّر بَيْنَ الْأَدْيَانِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا] [[زيادة من ر.]] ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتِ الْعَرَبُ: لَنْ نبْعث وَلَنْ نُعذَّب. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] وَقَالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [الْبَقَرَةِ: ٨٠] .

وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَيْسَ كُلّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَالَ: "إِنَّهُ هُوَ المُحق" سُمِعَ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ بُرْهَانٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ وَلَا لَهُمُ النَّجَاةُ بِمُجَرَّدِ التَّمَنِّي، بَلِ الْعِبْرَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ مَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ الْكِرَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧، ٨] .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْر، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: أخْبرْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلَاحُ بَعْدَ هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُل سُوءٍ عَمِلْنَاهُ جُزِينَا بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "غَفَر اللَّهُ لكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، ألستَ تَمْرضُ؟ ألستَ تَنْصَب؟ أَلَسْتَ تَحْزَن؟ أَلَسْتَ تُصيبك اللَّأْوَاءُ [[في أ: "ألست يصيبك أذى".]] ؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: "فهو ما تُجْزَوْنَ به".

وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي يَعلى، عَنْ أَبِي خَيْثَمة، عَنْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهِ [[المسند (١/١١) وسنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٦) وصحيح ابن حبان برقم (١٧٣٤) "موارد" والمستدرك (٣/٧٤) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "من يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا" [[المسند (١/٦) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هُشَيْم بْنِ جُهَيْمَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: انْظُرُوا الْمَكَانَ الَّذِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَصْلُوبًا وَلَا تمرُّنَّ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَهَا الْغُلَامُ، فَإِذَا ابْنُ عُمَرَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ثَلَاثًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا صَوَّامًا قَوَّامًا وَصَّالًا [[في ر، أ: "وصولا".]] لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ مَعَ مُتَسَاوِي مَا أصبتَ أَلَّا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَهَا. قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا فِي الدُّنْيَا يُجْزَ بِهِ".

وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، بِهِ [[مسند البزار برقم (٢١) ، وقال الدارقطني في العلل (٤/٢٢٣) : "رواه زياد الجصاص واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب بن عطاء عن زياد عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابن عمر عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العباداني فرواه عن زياد الجصاص عن سالم عن ابن عمر عن عمر، وليس فيه شيء يثبت".]] مُخْتَصَرًا. وَقَدْ قَالَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ العُروفي [[في ر، أ: "العوفي".]] حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَيّان، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي حَيَّانَ بْنِ بِسْطَامٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَصْلُوبٌ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا خُبيب، سَمِعْتُ أَبَاكَ -يَعْنِي الزُّبَيْرَ-يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ الزُّبَيْرِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [[مسند البزار برقم (٩٦٢) ، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢) "فيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"، والظاهر أنه عبد الرحيم، كما في العلل للدارقطني (٤/٢٢٣) حين سئل عن طريق سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر فقال: يقوله عبد الرحمن بن سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، وقال مرة: عن أبيه عن نافع عن ابن عمر، وعبد الرحيم ضعيف، وزياد ضعيف".]]

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عبيدة، حدثني مولى بن سِبَاع قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، هَلْ أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْرَأَنِيهَا فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انقصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّأْتُ [[في ر، أ: "تمطأت لها".]] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مالك يَا أَبَا بَكْرٍ؟ " قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وَإِنَّا لمجْزيُّون بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمُوسَى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سِبَاعٍ مَجْهُولٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٣٩) .]] .

[وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْغُلَامُ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّمَا هِيَ الْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا"] [[زيادة من أ.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ الصِّدِّيقِ: قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيح، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] [[زيادة من أ.]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْمَصَائِبُ وَالْأَمْرَاضُ وَالْأَحْزَانُ فِي الدُّنْيَا جَزَاءٌ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/١١٩) من هذا الطريق به، وفيه محمد السعدي كان يكذب ويضع.]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذ [[في أ: "نمير".]] عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ مَا نَعْمَلُ نُؤَاخَذُ بِهِ؟ فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ يُصِيبُكَ كَذَا وَكَذَا؟ فَهُوَ كَفَّارَةٌ" [[تفسير الطبري (٩/٢٤٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سِوَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي يَزِيدَ حَدَّثَهُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَلَا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: إِنَّا لنُجْزَى بِكُلِّ عَمَل [[في أ: "عمل عملنا".]] ؟ هَلَكْنَا إذًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ، يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، فِي نَفْسِهِ، فِي جَسَدِهِ، فِيمَا يُؤْذِيهِ" [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٩) ورواه أحمد في المسند (٦/٦٥) من طريق عبد الله بن وهب به.]] .

طَرِيقٌ [[في أ: "حديث".]] أُخْرَى: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ أَبِي عَامِرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ. فَقَالَ: "مَا هِيَ يَا عَائِشَةُ؟ " قُلْتُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَ: "هُوَ مَا يُصِيبُ العبد المؤمن حتى النَّكْبَة يَنْكُبها".

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، بِهِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَامِرٍ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ الْخَزَّازِ [[في ر، أ: "الجزار".]] بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٤٦) وسنن أبي داود برقم (٣٠٩٣) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقال: "يَا عَائِشَةُ، هَذِهِ مُبَايَعَةُ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، مِمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى والنَّكْبَة وَالشَّوْكَةِ، حَتَّى الْبِضَاعَةُ فيضعها فِي كُمِّه فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي جَيْبِهِ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الكِير" [[مسند الطيالسي برقم (١٥٨٤) ورواه أحمد في المسند (٦/٢١٨) من طريق حماد بن سلمة به.

تنبيه: وقع عند الطيالسي "معاتبة" بدل: "مبايعة" وعند أحمد "متابعة".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ [[في ر: "أبو".]] إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُرَيج [[في ر، أ: "شريح".]] بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الفَيْظ [[في ر: "الغيض"، وفي أ: "الغيط". الفيظ: خروج الروح.]] عِنْدَ الْمَوْتِ".

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا، ابْتَلَاهُ اللَّهُ بالحَزَن ليُكَفِّرها عَنْهُ" [[المسند (٦/١٥٧) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ سَعِيدُ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِن، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَة، يُخْبِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَدِّدوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ فِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكها، والنَّكْبَة يَنْكُبُهَا".

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، بِهِ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٦٩٤) والمسند (٢/٢٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٤) ، وسنن الترمذي برقم (٥٠٢٩) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٢٢) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَردُويه مِنْ حَدِيثِ رَوْحٍ وَمُعْتَمِرٍ كِلَاهُمَا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ [[في أ: "زيد".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَكَمَا نَزَلَتْ، وَلَكِنْ أَبْشِرُوا وَقَارِبُوا وسَدِّدوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ أحدًا منكم فِي الدُّنْيَا إِلَّا كفَّر اللَّهُ بِهَا خَطِيئَتَهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكها أَحَدُكُمْ فِي قَدَمِهِ" [[وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزمي ضعيف.]] .

وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصب وَلَا وَصَب وَلَا سَقَم وَلَا حَزَن، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمّه، إِلَّا كُفّر بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ" أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري برقم (٥٦٤١، ٥٦٤٢) . وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ كَعْبِ بنُ عُجْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؟ مَا لَنَا بِهَا؟ قَالَ: "كَفَّارَاتٌ". قَالَ أُبَيٌّ: وَإِنْ قَلَّتْ؟ قَالَ: "وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا" قَالَ: فَدَعَا أُبَيٌّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ الْوَعْك حَتَّى يَمُوتَ، فِي أَلَّا يَشْغَلَهُ عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَمَا مَسَّهُ إِنْسَانٌ إِلَّا وَجَدَ حَرَّهُ، حَتَّى مَاتَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٣/٢٣) ، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/٢٨١) وقال الهيثمي في المجمع (٢/٣٠١) : "رجاله ثقات".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجزَ بِهَا عَشْرًا. فَهَلَكَ مَنْ غَلَبَ وَاحِدَتُهُ [[في ر: "واحد" وفي أ: "واحدة".]] عَشْرًا" [[وإسناده ضعيف جدا كما سبق في المقدمة.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ: الْكَافِرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ [سَبَأٍ: ١٧] .

وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُمَا فَسَّرَا السُّوءَ هَاهُنَا بِالشِّرْكِ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ عامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا] [[زيادة من و، أ، وفي هـ "الآية".]] ﴾ لَمَّا ذَكَرَ الْجَزَاءَ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ مُسْتَحَقَّهَا مِنَ الْعَبْدِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا -وَهُوَ الْأَجْوَدُ لَهُ -وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَنَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالصَّفْحَ وَالْعَفْوَ وَالْمُسَامَحَةَ -شَرَعَ فِي بَيَانِ إِحْسَانِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادِهِ ذُكْرَانهم وَإِنَاثِهِمْ، بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَلَا يَظْلِمُهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا مِقْدَارَ النَّقِيرِ، وَهُوَ: النَّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِ نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْفَتِيلِ، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي فِي شِقِّ النَّوَاةِ، وَهَذَا النَّقِيرُ وَهُمَا فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ، وَكَذَا الْقِطْمِيرُ وَهُوَ اللِّفَافَةُ الَّتِي عَلَى نَوَاةِ التَّمْرَةِ، الثَّلَاثَةُ فِي القرآن.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِرَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَعَمِلَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيِ: اتَّبَعَ فِي عَمَلِهِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، وَمَا أَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَهَذَانَ الشَّرْطَانِ لَا يَصِحُّ عَمَلُ عَامِلٍ بِدُونِهِمَا، أَيْ: يَكُونُ خَالِصًا صَوَابًا، وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلشَّرِيعَةِ فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فَقَدَ الْعَمَلُ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَسَدَ. فَمَنْ فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون النَّاسَ، وَمَنْ فَقَدَ الْمُتَابَعَةَ كَانَ ضَالًّا جَاهِلًا. وَمَتَى جَمَعَهُمَا فَهُوَ عَمَلُ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ [فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَحْقَافِ: ١٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٦٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ [قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [[زيادة من أ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] وَ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الشِّرْكِ قَصْدًا، أَيْ تَارِكًا لَهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، وَمُقْبِلٌ عَلَى الْحَقِّ بِكُلِّيَّتِهِ، لَا يَصُدُّهُ عَنْهُ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّهُ عَنْهُ رَادٌّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّرْغِيبِ فِي اتِّبَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ، حَيْثُ وَصَلَ إِلَى غَايَةِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ انْتَهَى إِلَى دَرَجَةِ الخُلَّة الَّتِي هِيَ أَرْفَعُ مَقَامَاتِ الْمُحِبَّةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِرَبِّهِ، كَمَا وَصَفَهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] قَالَ كَثِيرُونَ [[في د: "كثير".]] مِنَ السَّلَفِ: أَيْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ ووفَّى [[في أ: "به وفى".]] كُلَّ مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ أَمْرٌ جَلِيلٌ عَنْ حَقِيرٍ، وَلَا كَبِيرٌ عَنْ صَغِيرٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ١٢٤] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] [[زيادة من ر.]] ﴾ [النَّحْلِ: ١٢٠-١٢٢] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى الصُّبْحَ بِهِمْ: فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرّت عينُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْب، فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ -لِيَمْتَارَ طَعَامًا لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَله، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ. فَلَمَّا قَرُب مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ، فَقَالَ: لَوْ مَلَأْتُ غَرَائري مِنْ هَذَا الرَّمْلِ، لِئَلَّا أغُمّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَةٍ، وَلِيَظُنُّوا أَنِّي أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ وقام أهله ففتحوا الغرائر، فَوَجَدُوا دَقِيقًا فَعَجَنُوا وَخَبَزُوا مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا، فَقَالُوا: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ. فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ خَلِيلًا.

وَفِي صِحَّةِ هَذَا وَوُقُوعِهِ نَظَرٌ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا إِسْرَائِيلِيًّا لَا يُصدَّق وَلَا يُكذَّب، وَإِنَّمَا سُمّي خَلِيلَ اللَّهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، لَهُ، لِمَا قَامَ لَهُ [[في أ: "لديه".]] مِنَ الطَّاعَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ [[في أ: "رواية".]] أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَطَبَهُمْ فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٨٢) ولفظه: "صاحبكم خليل الله" هي من حديث عبد الله بن مسعود، رواه مسلم برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَجَاءَ مِنْ طَرِيقِ جُنْدُب بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمرو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "إن اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا" [[أما حديث جندب بن عبد الله فرواه مسلم في صحيحه برقم (٥٣٢) ، وأما حديث عبد الله بن عمرو فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٦١٦) ، وأما حديث عبد الله بن مسعود، فرواه مسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٣) .]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَيْد، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجَوْزجاني بِمَكَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ [[في د، ر: "عبد الله".]] الحَنَفي، حَدَّثَنَا زَمْعة بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَام، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبًا إِنِ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ! وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا! وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ! وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ! فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ: "قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَتَعَجُّبَكُمْ [[في أ: "عجبكم".]] أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ، وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ، وَآدَمَ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَإِنِّي حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مشَفع وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَق الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ".

وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ فِي الصِّحَاحِ [[ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٦١٦) وقال: "هذا حديث غريب".]] وَغَيْرِهَا.

وَقَالَ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الخُلَّة لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ، وَالْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدَكَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ سابق - حَدَّثَنَا عَمْرٌو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ -عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عُبَيْد بْنِ عُمَير قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أُبَشِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ [[في أ: "لأتيته".]] ثُمَّ [[في أ: "ثم قال لا ".]] لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ. قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فِيمَ اتَّخَذَنِي اللَّهُ خَلِيلًا؟ قَالَ: إِنَّكَ تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ [[وإسناده مرسل.]] .

وَحَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الوَجَل، حَتَّى إِنْ كَانَ خفقانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بَعِيدٍ [[في ر: "بعد".]] كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. وَهَكَذَا جَاءَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المرْجل مِنَ الْبُكَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا رَادَّ لِمَا قَضَى، وَلَا مُعَقِّبَ لِمَا حَكَمَ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، لِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أَيْ: عِلْمُهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، لَا تَخْفَى [[في ر: "يخفي".]] عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يعْزُب عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ، وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ ذَرَّةٌ لِمَا [[في ر: "الذرة أما".]] تَرَاءَى لِلنَّاظِرِينَ وَمَا تَوَارَى.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي [[في ر: "عن أبيه".]] عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ، هُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا قَدْ شَرِكته فِي مَالِهِ، حَتَّى فِي العَذْق، فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يزوِّجها رَجُلًا فَيَشْرَكَهُ فِي مَالِهِ بِمَا شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيب، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥١٣١) وصحيح مسلم برقم (٣٠١٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ استفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأَوْلَى الَّتِي قَالَ اللَّهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاءِ: ٣] .

وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حِجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجِمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجِمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.

وَأَصْلُهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الأيْلي، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٥٠٦٤) وصحيح مسلم برقم (٣٠١٨) .]] .

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ فِي حِجْرِهِ يَتِيمَةٌ يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا، فَتَارَةً يَرْغَبُ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُمْهِرَهَا أُسْوَةَ أَمْثَالِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَعْدِلْ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ، فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى الَّتِي فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. وَتَارَةً لَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ فِيهَا رَغْبَةٌ لِدَمَامَتِهَا عِنْدَهُ، أَوْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعضِلها عَنِ الْأَزْوَاجِ خَشْيَةَ أَنْ يَشْركوه فِي مَالِهِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاء [اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ، فَكَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ، فَيُلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبَهُ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ [بِهَا] [[زيادة من أ.]] لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يتَزَوّجها أَبَدًا، فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَهَوِيَهَا تَزَوَّجَها وَأَكَلَ مَالَهَا، وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَةً مَنْعَهَا الرِّجَالَ أَبَدًا حَتَّى تَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَتْ وَرِثَهَا. فَحَرَّم اللَّهُ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ.

وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُورِثُونَ الصِّغَارَ وَلَا الْبَنَاتَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وبيَّن لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، فَقَالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.

وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ كَمَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جِمَالٍ وَمَالٍ نَكَحْتَهَا وَاسْتَأْثَرْتَ بِهَا، كَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جِمَالٍ وَلَا مَالٍ فَانْكِحْهَا وَاسْتَأْثِرْ بِهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجًا [[في ر: "تهييج".]] عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ [[في أ: "الأوامر".]] وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَالِمٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَسَيَجْزِي عَلَيْهِ أوفر الجزاء وأتمه.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَمُشَرِّعًا عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ: تَارَةً فِي حَالِ نُفُورِ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَتَارَةً فِي حَالِ اتِّفَاقِهِ مَعَهَا، وَتَارَةً فِي حَالِ [[في أ: "عند".]] فِرَاقِهِ لَهَا.

فَالْحَالَةُ الْأُولَى: مَا إِذَا خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَنْفِرَ عَنْهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا أَوْ بَعْضَهُ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ مَبِيتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا جَنَاحَ [[في ر، أ: "فلا حرج".]] عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا ذَلِكَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْفِرَاقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أَيِ الصُّلْحُ عِنْدَ المُشَاحَّة خَيْرٌ مِنَ الْفِرَاقِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَة عَزْمَ [[في أ: "وعزم".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاقِهَا، فَصَالَحَتْهُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَتَتْرُكَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَقَبِل ذَلِكَ مِنْهَا وَأَبْقَاهَا عَلَى ذَلِكَ.

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ:

قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشيت سَوْدَة أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ [[في أ: "فنزلت".]] هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٠) .]]

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ [[الأم (٥/٩٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَبرْت سودةُ بنتُ زَمعة وهبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٢١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٦٣) .]] .

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوُهُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ [[في ر، أ: "عن هشام بن عروة عن أبيه".]] قَالَ: أَنْزَلَ [[في ر، أ: "لما أنزل".]] اللَّهُ تَعَالَى فِي سَوْدَةَ [[في أ: "أنزلت في سودة".]] وَأَشْبَاهِهَا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سَوْدَةَ كَانَتِ امْرَأَةً قَدْ أَسَنَّتْ، فَفَزِعَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، وضنَّت بِمَكَانِهَا مِنْهُ، وَعَرَفَتْ مِنْ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ وَمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٧٠٢) وسنن البيهقي الكبرى (٧/٢٩٧) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّناد [[في هـ: "عن الحسن بن أبي الزناد" وهو تحريف.]] مَوْصُولًا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ رَوَاهَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ [[في ر: "عن".]] عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيس، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى مَنْ هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعة -حِينَ أَسَنَّتْ وفَرِقت أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هَذَا لِعَائِشَةَ. فَقَبِل ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/١٨٦) ووافقه الذهبي، وسنن أبي داود برقم (٢١٣٥) .]] .

وَقَدْ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ] [[زيادة من: ر، أ.]] بْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِ نَحْوَهُ. وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ [[في ر: "عن".]] مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولي فِي أَوَّلِ مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوائي، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزّة قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَنْ أَتَاهَا جَلَسَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كَلَامَهُ [[في ر، أ: "كتابه".]] وَاصْطَفَاكَ عَلَى خَلْقِهِ لمَّا رَاجَعْتَنِي، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّجَالِ، لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ نِسَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَاجَعَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي [[في أ: "فإن".]] جَعَلْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِحبّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا غَرِيبٌ مُرْسَلٌ [[ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٥٤) من طريق مسلم بن إبراهيم به.]] .

وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ [[في ر: "قال".]] الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حَلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [[في ر: "يصالحا".]] بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَتْ: هَذَا فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَكُونَ يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا وَلَدٌ، وَلَهَا صُحْبَةٌ فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حمَّاد بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هشام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَرْأَتَانِ: إِحْدَاهُمَا قَدْ كَبِرَتْ، أَوْ هِيَ دَمِيمة [[في أ: "وهى ذميمة".]] وَهُوَ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [[تفسير الطبري (٩/٢٧١) وصحيح البخاري برقم (٥٢٠٦) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢١) .]] بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا ابْنُ حُمَيد وابنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ، فكَرِه ذَلِكَ وَضَرْبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فَقَالَ: عَنْ مِثْلِ هَذَا فَسَلُوا. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، قَدْ خَلَا مِنْ سِنِّهَا، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ يَلْتَمِسُ وَلَدَهَا، فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجاني، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قَالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، فَتَنْبُو عَيْنَاهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَتِهَا، أَوْ كِبَرِهَا، أَوْ سُوءِ خُلُقِهَا، أَوْ قُذَذِهَا، فَتَكْرَهُ فِرَاقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَتْ لَهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَلَا حَرَجَ.

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سِمَاك، بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٦٩) .]] وَكَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْر، والشُّعَبِي، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَعَطَاءٌ، وَعَطِيَّةُ العوْفي وَمَكْحُولٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ [فِي ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيَّب: أَنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة كانت عِنْدَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِكْرِهَ مِنْهَا أَمْرًا إِمَّا كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِأَطْوَلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ [[المستدرك (٢/٣٠٨) ورواه الواحدي في أسباب النزول برقم (١٢٨) من طريق الربيع عن الشافعي به.]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَني، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار: أَنَّ السُّنَّة فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِمَا نُشُوزَ الْمَرْءِ وَإِعْرَاضَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الْمَرْءَ [[في ر، أ: "المراد".]] إِذَا نَشَزَ عَنِ امْرَأَتِهِ وَآثَرَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ أَثَرَةٍ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرِهَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا آثَرَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَصَالَحَهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا تَرْضَاهُ وَتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، صَلَحَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَازَ صُلْحُهَا عَلَيْهِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ المسيَّب وَسُلَيْمَانُ الصُّلحَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر﴾ .

وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُدَيْج الْأَنْصَارِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً، وَآثَرَ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدنه الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا: مَا شئتِ، إِنَّمَا بَقِيَتْ لَكِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ شئتِ استقررتِ عَلَى مَا تَريْن مِنَ الْأَثَرَةِ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ. فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ صُلْحَهُمَا، وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ رَضِيَتْ [[في أ: "عليها أنها حين رضيت".]] أَنْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِيمَا آثَرَ بِهِ عَلَيْهَا.

وَهَذَا رَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[السنن الكبرى (٧/٢٩٦) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي التَّخْيِيرَ، أَنْ يُخَيِّرَ الزَّوْجُ لَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفِرَاقِ، خَيْرٌ مِنْ تَمَادِي الزَّوْجِ عَلَى أَثَرَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا.

وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ، وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعة عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةٍ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾

بَلِ الطَّلَاقُ بَغِيضٌ إِلَيْهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُعَرِّف بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ [[في ر، أ: "الله سبحانه وتعالى".]] الطَّلَاقُ".

ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ مُعَرِّف، بن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... فَذَكَرَ مَعْنَاهُ مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٢١٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٨) من حديث ابن عمر.

وقال أبو حاتم: "إنما هو محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" العلل (١/٤٣١) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (٢١٧٧) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (٢٠٤٠) بما يكفي فليراجع.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَإِنْ تَتَجَشَّمُوا مَشَقَّةَ الصَّبْرِ عَلَى مَنْ تَكْرَهُونَ مِنْهُنَّ، وَتُقْسِمُوا لَهُنَّ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَسَيَجْزِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أَيْ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُسَاوُوا بَيْنَ النِّسَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ القسْم الصُّورِيُّ: لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيْدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعَفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فِي عَائِشَةَ. يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ حمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" يَعْنِي: الْقَلْبَ.

لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ [[سنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧١) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أَيْ: فَإِذَا مِلْتُمْ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ [[في ر، أ: "منهن" وهو الصحيح".]] فَلَا تُبَالِغُوا فِي الْمَيْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أَيْ: فَتَبْقَى هَذِهِ الْأُخْرَى مُعَلَّقة.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مَعْنَاهُ لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً.

وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: أَنْبَأَنَا هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بشير بن نَهِيك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ همَّام بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ همَّام، ورواه هشام الدستوائي عَنْ قَتَادَةَ -قَالَ: "كَانَ يُقَالُ". وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ همَّام [[مسند الطيالسي برقم (١٥٩٧) والمسند (١/٤٧١) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٣) وسنن الترمذي برقم (١١٤١) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٦٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: وَإِنْ أَصْلَحْتُمْ فِي أُمُورِكُمْ، وَقَسَمْتُمْ بِالْعَدْلِ فِيمَا تَمْلِكُونَ، وَاتَّقَيْتُمِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْ مَيْلٍ إِلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْفِرَاقِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ، بِأَنْ يُعَوِّضَهُ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَيُعَوِّضَهَا عَنْهُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: وَاسْعَ الْفَضْلِ عَظِيمَ الْمَنِّ، حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْدَارِهِ وَشَرْعِهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَمُشَرِّعًا عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ: تَارَةً فِي حَالِ نُفُورِ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَتَارَةً فِي حَالِ اتِّفَاقِهِ مَعَهَا، وَتَارَةً فِي حَالِ [[في أ: "عند".]] فِرَاقِهِ لَهَا.

فَالْحَالَةُ الْأُولَى: مَا إِذَا خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَنْفِرَ عَنْهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا أَوْ بَعْضَهُ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ مَبِيتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا جَنَاحَ [[في ر، أ: "فلا حرج".]] عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا ذَلِكَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْفِرَاقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أَيِ الصُّلْحُ عِنْدَ المُشَاحَّة خَيْرٌ مِنَ الْفِرَاقِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَة عَزْمَ [[في أ: "وعزم".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاقِهَا، فَصَالَحَتْهُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَتَتْرُكَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَقَبِل ذَلِكَ مِنْهَا وَأَبْقَاهَا عَلَى ذَلِكَ.

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ:

قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشيت سَوْدَة أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ [[في أ: "فنزلت".]] هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٠) .]]

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ [[الأم (٥/٩٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَبرْت سودةُ بنتُ زَمعة وهبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٢١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٦٣) .]] .

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوُهُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ [[في ر، أ: "عن هشام بن عروة عن أبيه".]] قَالَ: أَنْزَلَ [[في ر، أ: "لما أنزل".]] اللَّهُ تَعَالَى فِي سَوْدَةَ [[في أ: "أنزلت في سودة".]] وَأَشْبَاهِهَا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سَوْدَةَ كَانَتِ امْرَأَةً قَدْ أَسَنَّتْ، فَفَزِعَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، وضنَّت بِمَكَانِهَا مِنْهُ، وَعَرَفَتْ مِنْ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ وَمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٧٠٢) وسنن البيهقي الكبرى (٧/٢٩٧) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّناد [[في هـ: "عن الحسن بن أبي الزناد" وهو تحريف.]] مَوْصُولًا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ رَوَاهَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ [[في ر: "عن".]] عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيس، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى مَنْ هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعة -حِينَ أَسَنَّتْ وفَرِقت أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هَذَا لِعَائِشَةَ. فَقَبِل ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/١٨٦) ووافقه الذهبي، وسنن أبي داود برقم (٢١٣٥) .]] .

وَقَدْ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ] [[زيادة من: ر، أ.]] بْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِ نَحْوَهُ. وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ [[في ر: "عن".]] مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولي فِي أَوَّلِ مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوائي، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزّة قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَنْ أَتَاهَا جَلَسَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كَلَامَهُ [[في ر، أ: "كتابه".]] وَاصْطَفَاكَ عَلَى خَلْقِهِ لمَّا رَاجَعْتَنِي، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّجَالِ، لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ نِسَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَاجَعَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي [[في أ: "فإن".]] جَعَلْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِحبّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا غَرِيبٌ مُرْسَلٌ [[ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٥٤) من طريق مسلم بن إبراهيم به.]] .

وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ [[في ر: "قال".]] الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حَلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [[في ر: "يصالحا".]] بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَتْ: هَذَا فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَكُونَ يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا وَلَدٌ، وَلَهَا صُحْبَةٌ فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حمَّاد بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هشام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَرْأَتَانِ: إِحْدَاهُمَا قَدْ كَبِرَتْ، أَوْ هِيَ دَمِيمة [[في أ: "وهى ذميمة".]] وَهُوَ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [[تفسير الطبري (٩/٢٧١) وصحيح البخاري برقم (٥٢٠٦) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢١) .]] بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا ابْنُ حُمَيد وابنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ، فكَرِه ذَلِكَ وَضَرْبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فَقَالَ: عَنْ مِثْلِ هَذَا فَسَلُوا. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، قَدْ خَلَا مِنْ سِنِّهَا، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ يَلْتَمِسُ وَلَدَهَا، فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجاني، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قَالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، فَتَنْبُو عَيْنَاهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَتِهَا، أَوْ كِبَرِهَا، أَوْ سُوءِ خُلُقِهَا، أَوْ قُذَذِهَا، فَتَكْرَهُ فِرَاقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَتْ لَهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَلَا حَرَجَ.

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سِمَاك، بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٦٩) .]] وَكَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْر، والشُّعَبِي، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَعَطَاءٌ، وَعَطِيَّةُ العوْفي وَمَكْحُولٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ [فِي ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيَّب: أَنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة كانت عِنْدَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِكْرِهَ مِنْهَا أَمْرًا إِمَّا كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِأَطْوَلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ [[المستدرك (٢/٣٠٨) ورواه الواحدي في أسباب النزول برقم (١٢٨) من طريق الربيع عن الشافعي به.]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَني، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار: أَنَّ السُّنَّة فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِمَا نُشُوزَ الْمَرْءِ وَإِعْرَاضَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الْمَرْءَ [[في ر، أ: "المراد".]] إِذَا نَشَزَ عَنِ امْرَأَتِهِ وَآثَرَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ أَثَرَةٍ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرِهَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا آثَرَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَصَالَحَهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا تَرْضَاهُ وَتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، صَلَحَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَازَ صُلْحُهَا عَلَيْهِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ المسيَّب وَسُلَيْمَانُ الصُّلحَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر﴾ .

وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُدَيْج الْأَنْصَارِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً، وَآثَرَ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدنه الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا: مَا شئتِ، إِنَّمَا بَقِيَتْ لَكِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ شئتِ استقررتِ عَلَى مَا تَريْن مِنَ الْأَثَرَةِ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ. فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ صُلْحَهُمَا، وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ رَضِيَتْ [[في أ: "عليها أنها حين رضيت".]] أَنْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِيمَا آثَرَ بِهِ عَلَيْهَا.

وَهَذَا رَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[السنن الكبرى (٧/٢٩٦) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي التَّخْيِيرَ، أَنْ يُخَيِّرَ الزَّوْجُ لَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفِرَاقِ، خَيْرٌ مِنْ تَمَادِي الزَّوْجِ عَلَى أَثَرَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا.

وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ، وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعة عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةٍ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾

بَلِ الطَّلَاقُ بَغِيضٌ إِلَيْهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُعَرِّف بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ [[في ر، أ: "الله سبحانه وتعالى".]] الطَّلَاقُ".

ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ مُعَرِّف، بن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... فَذَكَرَ مَعْنَاهُ مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٢١٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٨) من حديث ابن عمر.

وقال أبو حاتم: "إنما هو محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" العلل (١/٤٣١) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (٢١٧٧) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (٢٠٤٠) بما يكفي فليراجع.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَإِنْ تَتَجَشَّمُوا مَشَقَّةَ الصَّبْرِ عَلَى مَنْ تَكْرَهُونَ مِنْهُنَّ، وَتُقْسِمُوا لَهُنَّ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَسَيَجْزِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أَيْ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُسَاوُوا بَيْنَ النِّسَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ القسْم الصُّورِيُّ: لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيْدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعَفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فِي عَائِشَةَ. يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ حمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" يَعْنِي: الْقَلْبَ.

لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ [[سنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧١) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أَيْ: فَإِذَا مِلْتُمْ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ [[في ر، أ: "منهن" وهو الصحيح".]] فَلَا تُبَالِغُوا فِي الْمَيْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أَيْ: فَتَبْقَى هَذِهِ الْأُخْرَى مُعَلَّقة.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مَعْنَاهُ لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً.

وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: أَنْبَأَنَا هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بشير بن نَهِيك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ همَّام بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ همَّام، ورواه هشام الدستوائي عَنْ قَتَادَةَ -قَالَ: "كَانَ يُقَالُ". وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ همَّام [[مسند الطيالسي برقم (١٥٩٧) والمسند (١/٤٧١) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٣) وسنن الترمذي برقم (١١٤١) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٦٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: وَإِنْ أَصْلَحْتُمْ فِي أُمُورِكُمْ، وَقَسَمْتُمْ بِالْعَدْلِ فِيمَا تَمْلِكُونَ، وَاتَّقَيْتُمِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْ مَيْلٍ إِلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْفِرَاقِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ، بِأَنْ يُعَوِّضَهُ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَيُعَوِّضَهَا عَنْهُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: وَاسْعَ الْفَضْلِ عَظِيمَ الْمَنِّ، حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْدَارِهِ وَشَرْعِهِ.

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا وَمُشَرِّعًا عَنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ: تَارَةً فِي حَالِ نُفُورِ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ، وَتَارَةً فِي حَالِ اتِّفَاقِهِ مَعَهَا، وَتَارَةً فِي حَالِ [[في أ: "عند".]] فِرَاقِهِ لَهَا.

فَالْحَالَةُ الْأُولَى: مَا إِذَا خَافَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَنْفِرَ عَنْهَا، أَوْ يُعْرِضَ عَنْهَا، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا أَوْ بَعْضَهُ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ مَبِيتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا جَنَاحَ [[في ر، أ: "فلا حرج".]] عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا ذَلِكَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أَيْ: مِنَ الْفِرَاقِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أَيِ الصُّلْحُ عِنْدَ المُشَاحَّة خَيْرٌ مِنَ الْفِرَاقِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَة عَزْمَ [[في أ: "وعزم".]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاقِهَا، فَصَالَحَتْهُ عَلَى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَتَتْرُكَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَقَبِل ذَلِكَ مِنْهَا وَأَبْقَاهَا عَلَى ذَلِكَ.

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ:

قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَشيت سَوْدَة أَنْ يُطَلِّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تُطَلِّقْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَفَعَلَ، وَنَزَلَتْ [[في أ: "فنزلت".]] هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، بِهِ. وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ [[سنن الترمذي برقم (٣٠٤٠) .]]

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ [[الأم (٥/٩٨) .]] .

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَبرْت سودةُ بنتُ زَمعة وهبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَةَ [[صحيح البخاري برقم (٥٢١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٦٣) .]] .

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، نَحْوُهُ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ [[في ر، أ: "عن هشام بن عروة عن أبيه".]] قَالَ: أَنْزَلَ [[في ر، أ: "لما أنزل".]] اللَّهُ تَعَالَى فِي سَوْدَةَ [[في أ: "أنزلت في سودة".]] وَأَشْبَاهِهَا: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سَوْدَةَ كَانَتِ امْرَأَةً قَدْ أَسَنَّتْ، فَفَزِعَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ، وضنَّت بِمَكَانِهَا مِنْهُ، وَعَرَفَتْ مِنْ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَائِشَةَ وَمَنْزِلَتِهَا مِنْهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ [[سنن سعيد بن منصور برقم (٧٠٢) وسنن البيهقي الكبرى (٧/٢٩٧) .]] .

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّناد [[في هـ: "عن الحسن بن أبي الزناد" وهو تحريف.]] مَوْصُولًا. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ رَوَاهَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ فَقَالَ:

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّناد، عَنْ هِشَامِ بْنِ [[في ر: "عن".]] عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيس، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى مَنْ هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا، وَلَقَدْ قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعة -حِينَ أَسَنَّتْ وفَرِقت أَنْ يُفَارِقَهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هَذَا لِعَائِشَةَ. فَقَبِل ذَلِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/١٨٦) ووافقه الذهبي، وسنن أبي داود برقم (٢١٣٥) .]] .

وَقَدْ رَوَاهُ [الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ] [[زيادة من: ر، أ.]] بْنُ مَرْدُويه مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِلَالٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِ نَحْوَهُ. وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ [[في ر: "عن".]] مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولي فِي أَوَّلِ مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوائي، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزّة قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعة بِطَلَاقِهَا، فَلَمَّا أَنْ أَتَاهَا جَلَسَتْ لَهُ عَلَى طَرِيقِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ لَهُ: أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ كَلَامَهُ [[في ر، أ: "كتابه".]] وَاصْطَفَاكَ عَلَى خَلْقِهِ لمَّا رَاجَعْتَنِي، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّجَالِ، لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ نِسَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَرَاجَعَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي [[في أ: "فإن".]] جَعَلْتُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِحبّة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا غَرِيبٌ مُرْسَلٌ [[ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٥٤) من طريق مسلم بن إبراهيم به.]] .

وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتِ [[في ر: "قال".]] الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حَلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآية.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [[في ر: "يصالحا".]] بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَتْ: هَذَا فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَلَّا يَكُونَ يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا، وَلَا يَكُونُ لَهَا وَلَدٌ، وَلَهَا صُحْبَةٌ فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حمَّاد بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هشام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْمَرْأَتَانِ: إِحْدَاهُمَا قَدْ كَبِرَتْ، أَوْ هِيَ دَمِيمة [[في أ: "وهى ذميمة".]] وَهُوَ لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي.

وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [[تفسير الطبري (٩/٢٧١) وصحيح البخاري برقم (٥٢٠٦) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢١) .]] بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثْنَا ابْنُ حُمَيد وابنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ، فكَرِه ذَلِكَ وَضَرْبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَأَلَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فَقَالَ: عَنْ مِثْلِ هَذَا فَسَلُوا. ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، قَدْ خَلَا مِنْ سِنِّهَا، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ يَلْتَمِسُ وَلَدَهَا، فَمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الهِسِنْجاني، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاك بْنِ حَرْبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ الله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قَالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، فَتَنْبُو عَيْنَاهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَتِهَا، أَوْ كِبَرِهَا، أَوْ سُوءِ خُلُقِهَا، أَوْ قُذَذِهَا، فَتَكْرَهُ فِرَاقَهُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وَإِنْ جَعَلَتْ لَهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَلَا حَرَجَ.

وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَأَبِي الْأَحْوَصِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سِمَاك، بِهِ [[تفسير الطبري (٩/٢٦٩) .]] وَكَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْر، والشُّعَبِي، وَسَعِيدُ بْنُ جبَيْر، وَعَطَاءٌ، وَعَطِيَّةُ العوْفي وَمَكْحُولٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، وَلَا أَعْلَمُ [فِي ذَلِكَ] [[زيادة من أ.]] خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المسيَّب: أَنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمة كانت عِنْدَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِكْرِهَ مِنْهَا أَمْرًا إِمَّا كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَاقْسِمْ لِي مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ.

وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِأَطْوَلِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ [[المستدرك (٢/٣٠٨) ورواه الواحدي في أسباب النزول برقم (١٢٨) من طريق الربيع عن الشافعي به.]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَني، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَار: أَنَّ السُّنَّة فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِمَا نُشُوزَ الْمَرْءِ وَإِعْرَاضَهُ عَنِ امْرَأَتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إِلَى تَمَامِ الْآيَتَيْنِ، أَنَّ الْمَرْءَ [[في ر، أ: "المراد".]] إِذَا نَشَزَ عَنِ امْرَأَتِهِ وَآثَرَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى مَا كَانَتْ مِنْ أَثَرَةٍ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَرِهَتْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا آثَرَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ، وَصَالَحَهَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ مَالِهِ مَا تَرْضَاهُ وَتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِي القَسْم مِنْ مَالِهِ وَنَفْسِهِ، صَلَحَ لَهُ ذَلِكَ، وَجَازَ صُلْحُهَا عَلَيْهِ، كَذَلِكَ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ المسيَّب وَسُلَيْمَانُ الصُّلحَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْر﴾ .

وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُدَيْج الْأَنْصَارِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ-كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً، وَآثَرَ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حَتَّى إِذَا كَادَتْ تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَمْهَلَهَا، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدنه الطَّلَاقَ فَقَالَ لَهَا: مَا شئتِ، إِنَّمَا بَقِيَتْ لَكِ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ شئتِ استقررتِ عَلَى مَا تَريْن مِنَ الْأَثَرَةِ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ. فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ صُلْحَهُمَا، وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ رَضِيَتْ [[في أ: "عليها أنها حين رضيت".]] أَنْ تَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ فِيمَا آثَرَ بِهِ عَلَيْهَا.

وَهَذَا رَوَاهُ بِتَمَامِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [[السنن الكبرى (٧/٢٩٦) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي التَّخْيِيرَ، أَنْ يُخَيِّرَ الزَّوْجُ لَهَا بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفِرَاقِ، خَيْرٌ مِنْ تَمَادِي الزَّوْجِ عَلَى أَثَرَةِ غَيْرِهَا عَلَيْهَا.

وَالظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ، وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ، خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعة عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ، وَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةٍ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من ر.]] مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾

بَلِ الطَّلَاقُ بَغِيضٌ إِلَيْهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ مُعَرِّف بْنِ وَاصِلٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَار، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ [[في ر، أ: "الله سبحانه وتعالى".]] الطَّلَاقُ".

ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنْ مُعَرِّف، بن مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ... فَذَكَرَ مَعْنَاهُ مُرْسَلًا [[سنن أبي داود برقم (٢١٧٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٨) من حديث ابن عمر.

وقال أبو حاتم: "إنما هو محارب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل" العلل (١/٤٣١) والطريق المرسلة رواها أبو داود في السنن برقم (٢١٧٧) وقد توسع الشيخ ناصر الألباني في الكلام على هذا الحديث في كتابه إرواء الغليل (٢٠٤٠) بما يكفي فليراجع.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] وَإِنْ تَتَجَشَّمُوا مَشَقَّةَ الصَّبْرِ عَلَى مَنْ تَكْرَهُونَ مِنْهُنَّ، وَتُقْسِمُوا لَهُنَّ أُسْوَةَ أَمْثَالِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَسَيَجْزِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أَيْ: لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُسَاوُوا بَيْنَ النِّسَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ القسْم الصُّورِيُّ: لَيْلَةً وَلَيْلَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وعُبَيْدة السَّلْمَاني، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ.

وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعَفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكة قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فِي عَائِشَةَ. يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ حمَّاد بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" يَعْنِي: الْقَلْبَ.

لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مُرْسَلًا قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ [[سنن أبي داود برقم (٢١٣٤) وسنن الترمذي برقم (١١٤٠) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧١) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أَيْ: فَإِذَا مِلْتُمْ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ [[في ر، أ: "منهن" وهو الصحيح".]] فَلَا تُبَالِغُوا فِي الْمَيْلِ بِالْكُلِّيَّةِ ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أَيْ: فَتَبْقَى هَذِهِ الْأُخْرَى مُعَلَّقة.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مَعْنَاهُ لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا مُطَلَّقَةً.

وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: أَنْبَأَنَا هَمَّام، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بشير بن نَهِيك، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ حَدِيثِ همَّام بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ همَّام، ورواه هشام الدستوائي عَنْ قَتَادَةَ -قَالَ: "كَانَ يُقَالُ". وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ همَّام [[مسند الطيالسي برقم (١٥٩٧) والمسند (١/٤٧١) وسنن أبي داود برقم (٢١٣٣) وسنن الترمذي برقم (١١٤١) وسنن النسائي (٧/٦٣) وسنن ابن ماجه برقم (١٩٦٩) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: وَإِنْ أَصْلَحْتُمْ فِي أُمُورِكُمْ، وَقَسَمْتُمْ بِالْعَدْلِ فِيمَا تَمْلِكُونَ، وَاتَّقَيْتُمِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ مَا كَانَ مِنْ مَيْلٍ إِلَى بَعْضِ النِّسَاءِ دُونَ بَعْضٍ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْفِرَاقِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ، بِأَنْ يُعَوِّضَهُ بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَيُعَوِّضَهَا عَنْهُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: وَاسْعَ الْفَضْلِ عَظِيمَ الْمَنِّ، حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْدَارِهِ وَشَرْعِهِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْحَاكِمُ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أَيْ: وَصَّيْنَاكُمْ بِمَا وَصَّيْنَاهُمْ بِهِ، مِنْ تَقْوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وِمَا فِي الأرْضِ [وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] ، وَقَالَ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ٦] أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، ﴿حَمِيدٌ﴾ أَيْ: مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَشْرَعُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ أَيْ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلَى كل شيء.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِكُمْ وَتَبْدِيلِكُمْ بِغَيْرِكُمْ إِذَا عَصَيْتُمُوهُ، وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من: د.]] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠] أَيْ: مَا هُوَ عَلَيْهِ بِمُمْتَنِعٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: يَا مَنْ لَيْسَ [[في د، ر: "وليس له".]] هَمُّه إِلَّا الدُّنْيَا، اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ أَعْطَاكَ وَأَغْنَاكَ وَأَقْنَاكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا [وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠-٢٠٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الشُّورَى:٢٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨-٢١] .

وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَعِنْدَ اللَّهِ [[في د، ر، أ: "أي وعنده".]] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَجَعَلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا] [[زيادة من ر، أ.]] وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُودٍ: ١٥، ١٦] .

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْآيَةَ الْأَوْلَى بِهَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيْ: بِيَدِهِ هَذَا وَهَذَا، فَلَا يقْتَصِرَنَّ قَاصِرُ الْهِمَّةِ عَلَى السَّعْيِ لِلدُّنْيَا فَقَطْ، بَلْ لِتَكُنْ هِمَّتُهُ سَامِيَةٌ إِلَى نَيْلِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي قَدْ قَسَّمَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَدَلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمَهُ فِيهِمْ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّ [[في أ: "وعدل بينهم بمن يستحق هذا ومن يستحق هذا".]] هَذَا؛ وَلِهَذَا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْحَاكِمُ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أَيْ: وَصَّيْنَاكُمْ بِمَا وَصَّيْنَاهُمْ بِهِ، مِنْ تَقْوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وِمَا فِي الأرْضِ [وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] ، وَقَالَ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ٦] أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، ﴿حَمِيدٌ﴾ أَيْ: مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَشْرَعُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ أَيْ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلَى كل شيء.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِكُمْ وَتَبْدِيلِكُمْ بِغَيْرِكُمْ إِذَا عَصَيْتُمُوهُ، وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من: د.]] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠] أَيْ: مَا هُوَ عَلَيْهِ بِمُمْتَنِعٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: يَا مَنْ لَيْسَ [[في د، ر: "وليس له".]] هَمُّه إِلَّا الدُّنْيَا، اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ أَعْطَاكَ وَأَغْنَاكَ وَأَقْنَاكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا [وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠-٢٠٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الشُّورَى:٢٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨-٢١] .

وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَعِنْدَ اللَّهِ [[في د، ر، أ: "أي وعنده".]] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَجَعَلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا] [[زيادة من ر، أ.]] وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُودٍ: ١٥، ١٦] .

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْآيَةَ الْأَوْلَى بِهَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيْ: بِيَدِهِ هَذَا وَهَذَا، فَلَا يقْتَصِرَنَّ قَاصِرُ الْهِمَّةِ عَلَى السَّعْيِ لِلدُّنْيَا فَقَطْ، بَلْ لِتَكُنْ هِمَّتُهُ سَامِيَةٌ إِلَى نَيْلِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي قَدْ قَسَّمَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَدَلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمَهُ فِيهِمْ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّ [[في أ: "وعدل بينهم بمن يستحق هذا ومن يستحق هذا".]] هَذَا؛ وَلِهَذَا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْحَاكِمُ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أَيْ: وَصَّيْنَاكُمْ بِمَا وَصَّيْنَاهُمْ بِهِ، مِنْ تَقْوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وِمَا فِي الأرْضِ [وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] ، وَقَالَ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ٦] أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، ﴿حَمِيدٌ﴾ أَيْ: مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَشْرَعُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ أَيْ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلَى كل شيء.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِكُمْ وَتَبْدِيلِكُمْ بِغَيْرِكُمْ إِذَا عَصَيْتُمُوهُ، وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من: د.]] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠] أَيْ: مَا هُوَ عَلَيْهِ بِمُمْتَنِعٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: يَا مَنْ لَيْسَ [[في د، ر: "وليس له".]] هَمُّه إِلَّا الدُّنْيَا، اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ أَعْطَاكَ وَأَغْنَاكَ وَأَقْنَاكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا [وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠-٢٠٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الشُّورَى:٢٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨-٢١] .

وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَعِنْدَ اللَّهِ [[في د، ر، أ: "أي وعنده".]] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَجَعَلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا] [[زيادة من ر، أ.]] وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُودٍ: ١٥، ١٦] .

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْآيَةَ الْأَوْلَى بِهَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيْ: بِيَدِهِ هَذَا وَهَذَا، فَلَا يقْتَصِرَنَّ قَاصِرُ الْهِمَّةِ عَلَى السَّعْيِ لِلدُّنْيَا فَقَطْ، بَلْ لِتَكُنْ هِمَّتُهُ سَامِيَةٌ إِلَى نَيْلِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي قَدْ قَسَّمَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَدَلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمَهُ فِيهِمْ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّ [[في أ: "وعدل بينهم بمن يستحق هذا ومن يستحق هذا".]] هَذَا؛ وَلِهَذَا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْحَاكِمُ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أَيْ: وَصَّيْنَاكُمْ بِمَا وَصَّيْنَاهُمْ بِهِ، مِنْ تَقْوَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وِمَا فِي الأرْضِ [وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] ، وَقَالَ ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ٦] أَيْ: غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، ﴿حَمِيدٌ﴾ أَيْ: مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَشْرَعُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ أَيْ: هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلَى كل شيء.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِكُمْ وَتَبْدِيلِكُمْ بِغَيْرِكُمْ إِذَا عَصَيْتُمُوهُ، وَكَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من: د.]] ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا أَهْوَنَ الْعِبَادَ عَلَى اللَّهِ إِذَا أَضَاعُوا أَمْرَهُ! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠] أَيْ: مَا هُوَ عَلَيْهِ بِمُمْتَنِعٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: يَا مَنْ لَيْسَ [[في د، ر: "وليس له".]] هَمُّه إِلَّا الدُّنْيَا، اعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ اللَّهِ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا سَأَلْتَهُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ أَعْطَاكَ وَأَغْنَاكَ وَأَقْنَاكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا [وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٠٠-٢٠٢] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الشُّورَى:٢٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٨-٢١] .

وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْمَغَانِمِ وَغَيْرِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالآخِرَةِ﴾ أَيْ: وَعِنْدَ اللَّهِ [[في د، ر، أ: "أي وعنده".]] ثَوَابُ الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَا ادَّخَرَهُ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَجَعَلَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا] [[زيادة من ر، أ.]] وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُودٍ: ١٥، ١٦] .

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْنَاهَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْآيَةَ الْأَوْلَى بِهَذَا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ ظَاهِرٌ فِي حُضُورِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَيْ: بِيَدِهِ هَذَا وَهَذَا، فَلَا يقْتَصِرَنَّ قَاصِرُ الْهِمَّةِ عَلَى السَّعْيِ لِلدُّنْيَا فَقَطْ، بَلْ لِتَكُنْ هِمَّتُهُ سَامِيَةٌ إِلَى نَيْلِ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى الَّذِي بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي قَدْ قَسَّمَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَعَدَلَ بَيْنَهُمْ فِيمَا عَلِمَهُ فِيهِمْ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ هَذَا، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّ [[في أ: "وعدل بينهم بمن يستحق هذا ومن يستحق هذا".]] هَذَا؛ وَلِهَذَا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، أَيْ بِالْعَدْلِ، فَلَا يَعْدِلُوا عَنْهُ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا وَلَا تَأْخُذَهُمْ فِي اللَّهِ [[في ر: "لا يأخذهم في الحق لومة لائم".]] لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا يَصْرِفَهُمْ عَنْهُ صَارِفٌ، وَأَنْ يَكُونُوا مُتَعَاوِنِينَ مُتَسَاعِدِينَ مُتَعَاضِدِينَ مُتَنَاصِرِينَ فِيهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كَمَا قَالَ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أَيْ: لِيَكُنْ أَدَاؤُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ صَحِيحَةً عَادِلَةً حَقًّا، خَالِيَةً مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْكِتْمَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْ: اشْهَدِ الْحَقَّ [[في ر: "بالحق".]] وَلَوْ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْكَ وَإِذَا سُئِلت عَنِ الْأَمْرِ فَقُلِ الْحَقَّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَضرة عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لِمَنْ أَطَاعَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَضِيقُ عَلَيْهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى وَالِدَيْكَ وَقَرَابَتِكَ، فَلَا تُراعهم فِيهَا، بَلِ اشْهَدْ بِالْحَقِّ وَإِنَّ عَادَ ضَرَرُهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْحَقَّ حَاكِمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أَيْ: لَا تَرْعَاهُ [[في أ: "لا يرضاه".]] لِغِنَاهِ، وَلَا تُشْفِقْ عَلَيْهِ لِفَقْرِهِ، اللَّهُ يَتَوَلَّاهُمَا، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكَ، وَأَعْلَمُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمَا.

* *

وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أَيْ: فَلَا يَحْمِلْنَّكُمُ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةُ وبغْضَة النَّاسِ إِلَيْكُمْ، عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِي أُمُورِكُمْ وَشُؤُونِكُمْ، بَلِ الْزَمُوا الْعَدْلَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الْمَائِدَةِ: ٨]

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُصُ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ ثِمَارَهُمْ وَزَرْعَهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يُرْشُوه لِيَرْفُقَ بِهِمْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ الْخَلْقِ إليَّ، وَلْأَنْتَمْ أَبْغَضُ إليَّ مِنْ أَعْدَادِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَمَا يَحْمِلُنِي حُبي إِيَّاهُ وَبُغْضِي لَكُمْ عَلَى أَلَّا أَعْدِلَ فِيكُمْ. فَقَالُوا: "بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ". وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ مُسْنَدًا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من: أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: ﴿تَلْوُوا﴾ أَيْ: تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ وَتُغَيِّرُوهَا، "وَاللَّيُّ" هُوَ: التَّحْرِيفُ وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧٨] . وَ "الْإِعْرَاضُ" هُوَ: كِتْمَانُ الشَّهَادَةِ وَتَرْكُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢٨٣] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسألها". وَلِهَذَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك.

يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ فِي جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ وَأَرْكَانِهِ وَدَعَائِمِهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، بَلْ مِنْ بَابِ تَكْمِيلِ الْكَامِلِ وَتَقْرِيرِهِ وَتَثْبِيتِهِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ. كَمَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الْفَاتِحَةِ: ٦] أَيْ: بَصِّرنا فِيهِ، وَزِدْنَا هُدَى، وَثَبِّتْنَا عَلَيْهِ. فَأَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَهَذَا جِنْسٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿نزلَ﴾ ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلَى الْوَقَائِعِ، بِحَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ وَمَعَاشِهِمْ، وَأَمَّا الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَكَانَتْ تَنْزِلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: فَقَدْ خَرَجَ عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى، وَبَعُدَ عَنِ الْقَصْدِ كُلَّ الْبُعْدِ.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ضَلَالِهِ [[في أ: "ضلالته".]] وَازْدَادَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ لَا تَوْبَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَرَجًا وَلَا مَخْرَجًا، وَلَا طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ جُمَيع، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تَمَّمُوا [[في ر، أ: "تموا".]] عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى مَاتُوا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْمُعَلَّى، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبي، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ، ثَلَاثًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، يُوَالُونَهُمْ وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِذَا خَلَوْا بِهِمْ: إِنَّمَا نَحْنُ مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. أَيْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي إِظْهَارِنَا لَهُمُ الْمُوَافَقَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ ؟

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِزَّةَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِرٍ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] .

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّهْيِيجِ عَلَى طَلَبِ الْعِزَّةِ مِنْ جَنَابِ اللَّهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

ويُنَاسبُ أَنْ يُذْكَرَ [[في ر: "ومناسب أن ذكر".]] هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْد الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَفَخْرًا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٤/١٣٣) قال الهيثمي في المجمع (٨/٨٥) : "رجال أحمد ثقات".]] وَأَبُو رَيْحَانَةَ هَذَا هُوَ أَزْدِيٌّ، وَيُقَالُ: أَنْصَارِيٌّ. اسْمُهُ [[في ر، أ: "واسمه".]] شَمْعُونُ بِالْمُعْجَمَةِ، فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْمُهْمَلَةِ، وَاللَّهُ [[في ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أَيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] فِي الْمَأْثَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَار عَلَيْهَا الخَمْر" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨٠١) من حديث جابر، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف، ورواه أحمد في المسند (١/٢٠) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي إسناده مجهول، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/١٩١) من حديث عبد الله ابن عباس، وفي إسناده يحيى بن أبي سليمان وهو ضعيف.]] .

وَالَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النَّهْيِ فِي [[في ر: "عن".]] ذَلِكَ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٨] قَالَ مُقَاتِلُ بُنُ حَيَّانَ: نَسَخَت هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ. يَعْنِي نُسخَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: كَمَا أَشْرَكُوهُمْ [[في ر، أ: "اشتركوا".]] فِي الْكُفْرِ، كَذَلِكَ شَارَكَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ [[في أ: "عليهم".]] فِي الْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَبَدًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ. وَشَرَابِ [[في ر، أ: "وشرب".]] الْحَمِيمِ والغِسْلين لا الزّلال.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ضَلَالِهِ [[في أ: "ضلالته".]] وَازْدَادَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ لَا تَوْبَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَرَجًا وَلَا مَخْرَجًا، وَلَا طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ جُمَيع، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تَمَّمُوا [[في ر، أ: "تموا".]] عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى مَاتُوا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْمُعَلَّى، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبي، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ، ثَلَاثًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، يُوَالُونَهُمْ وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِذَا خَلَوْا بِهِمْ: إِنَّمَا نَحْنُ مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. أَيْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي إِظْهَارِنَا لَهُمُ الْمُوَافَقَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ ؟

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِزَّةَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِرٍ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] .

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّهْيِيجِ عَلَى طَلَبِ الْعِزَّةِ مِنْ جَنَابِ اللَّهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

ويُنَاسبُ أَنْ يُذْكَرَ [[في ر: "ومناسب أن ذكر".]] هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْد الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَفَخْرًا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٤/١٣٣) قال الهيثمي في المجمع (٨/٨٥) : "رجال أحمد ثقات".]] وَأَبُو رَيْحَانَةَ هَذَا هُوَ أَزْدِيٌّ، وَيُقَالُ: أَنْصَارِيٌّ. اسْمُهُ [[في ر، أ: "واسمه".]] شَمْعُونُ بِالْمُعْجَمَةِ، فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْمُهْمَلَةِ، وَاللَّهُ [[في ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أَيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] فِي الْمَأْثَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَار عَلَيْهَا الخَمْر" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨٠١) من حديث جابر، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف، ورواه أحمد في المسند (١/٢٠) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي إسناده مجهول، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/١٩١) من حديث عبد الله ابن عباس، وفي إسناده يحيى بن أبي سليمان وهو ضعيف.]] .

وَالَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النَّهْيِ فِي [[في ر: "عن".]] ذَلِكَ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٨] قَالَ مُقَاتِلُ بُنُ حَيَّانَ: نَسَخَت هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ. يَعْنِي نُسخَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: كَمَا أَشْرَكُوهُمْ [[في ر، أ: "اشتركوا".]] فِي الْكُفْرِ، كَذَلِكَ شَارَكَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ [[في أ: "عليهم".]] فِي الْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَبَدًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ. وَشَرَابِ [[في ر، أ: "وشرب".]] الْحَمِيمِ والغِسْلين لا الزّلال.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ضَلَالِهِ [[في أ: "ضلالته".]] وَازْدَادَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ لَا تَوْبَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَرَجًا وَلَا مَخْرَجًا، وَلَا طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ جُمَيع، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تَمَّمُوا [[في ر، أ: "تموا".]] عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى مَاتُوا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْمُعَلَّى، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبي، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ، ثَلَاثًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، يُوَالُونَهُمْ وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِذَا خَلَوْا بِهِمْ: إِنَّمَا نَحْنُ مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. أَيْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي إِظْهَارِنَا لَهُمُ الْمُوَافَقَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ ؟

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِزَّةَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِرٍ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] .

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّهْيِيجِ عَلَى طَلَبِ الْعِزَّةِ مِنْ جَنَابِ اللَّهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

ويُنَاسبُ أَنْ يُذْكَرَ [[في ر: "ومناسب أن ذكر".]] هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْد الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَفَخْرًا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٤/١٣٣) قال الهيثمي في المجمع (٨/٨٥) : "رجال أحمد ثقات".]] وَأَبُو رَيْحَانَةَ هَذَا هُوَ أَزْدِيٌّ، وَيُقَالُ: أَنْصَارِيٌّ. اسْمُهُ [[في ر، أ: "واسمه".]] شَمْعُونُ بِالْمُعْجَمَةِ، فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْمُهْمَلَةِ، وَاللَّهُ [[في ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أَيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] فِي الْمَأْثَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَار عَلَيْهَا الخَمْر" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨٠١) من حديث جابر، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف، ورواه أحمد في المسند (١/٢٠) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي إسناده مجهول، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/١٩١) من حديث عبد الله ابن عباس، وفي إسناده يحيى بن أبي سليمان وهو ضعيف.]] .

وَالَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النَّهْيِ فِي [[في ر: "عن".]] ذَلِكَ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٨] قَالَ مُقَاتِلُ بُنُ حَيَّانَ: نَسَخَت هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ. يَعْنِي نُسخَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: كَمَا أَشْرَكُوهُمْ [[في ر، أ: "اشتركوا".]] فِي الْكُفْرِ، كَذَلِكَ شَارَكَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ [[في أ: "عليهم".]] فِي الْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَبَدًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ. وَشَرَابِ [[في ر، أ: "وشرب".]] الْحَمِيمِ والغِسْلين لا الزّلال.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فِيهِ ثُمَّ رَجَعَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ضَلَالِهِ [[في أ: "ضلالته".]] وَازْدَادَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ لَا تَوْبَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَرَجًا وَلَا مَخْرَجًا، وَلَا طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبَدَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ جُمَيع، عَنْ سِمَاك، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تَمَّمُوا [[في ر، أ: "تموا".]] عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى مَاتُوا. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْمُعَلَّى، عَنْ عَامِرٍ الشّعْبي، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ، ثَلَاثًا، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مَعَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ، يُوَالُونَهُمْ وَيُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ إِذَا خَلَوْا بِهِمْ: إِنَّمَا نَحْنُ مَعَكُمْ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. أَيْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي إِظْهَارِنَا لَهُمُ الْمُوَافَقَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ ؟

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الْعِزَّةَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِمَنْ جَعَلَهَا لَهُ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فَاطِرٍ: ١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْمُنَافِقُونَ: ٨] .

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّهْيِيجِ عَلَى طَلَبِ الْعِزَّةِ مِنْ جَنَابِ اللَّهِ، وَالِالْتِجَاءِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَالِانْتِظَامِ فِي جُمْلَةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

ويُنَاسبُ أَنْ يُذْكَرَ [[في ر: "ومناسب أن ذكر".]] هَاهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ حُمَيْد الْكِنْدِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ انْتَسَبَ إِلَى تِسْعَةِ آبَاءٍ كُفَّارٍ، يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وَفَخْرًا، فَهُوَ عَاشِرُهُمْ فِي النَّارِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٤/١٣٣) قال الهيثمي في المجمع (٨/٨٥) : "رجال أحمد ثقات".]] وَأَبُو رَيْحَانَةَ هَذَا هُوَ أَزْدِيٌّ، وَيُقَالُ: أَنْصَارِيٌّ. اسْمُهُ [[في ر، أ: "واسمه".]] شَمْعُونُ بِالْمُعْجَمَةِ، فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْمُهْمَلَةِ، وَاللَّهُ [[في ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر، أ.]] ﴿وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أَيْ: إِذَا ارْتَكَبْتُمِ النَّهْيَ بَعْدَ وُصُولِهِ إِلَيْكُمْ، وَرَضِيتُمْ بِالْجُلُوسِ مَعَهُمْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُكْفَرُ فِيهِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيُسْتَهْزَأُ وَيُنْتَقَصُ بِهَا، وَأَقْرَرْتُمُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ شَارَكْتُمُوهُمْ فِي الَّذِي هُمْ فِيهِ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ر، أ.]] فِي الْمَأْثَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَار عَلَيْهَا الخَمْر" [[رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨٠١) من حديث جابر، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ضعيف، ورواه أحمد في المسند (١/٢٠) من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفِي إسناده مجهول، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/١٩١) من حديث عبد الله ابن عباس، وفي إسناده يحيى بن أبي سليمان وهو ضعيف.]] .

وَالَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النَّهْيِ فِي [[في ر: "عن".]] ذَلِكَ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٦٨] قَالَ مُقَاتِلُ بُنُ حَيَّانَ: نَسَخَت هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَنْعَامِ. يَعْنِي نُسخَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أَيْ: كَمَا أَشْرَكُوهُمْ [[في ر، أ: "اشتركوا".]] فِي الْكُفْرِ، كَذَلِكَ شَارَكَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ [[في أ: "عليهم".]] فِي الْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَبَدًا، وَجَمَعَ بَيْنَهُمْ فِي دَارِ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ، وَالْقُيُودِ وَالْأَغْلَالِ. وَشَرَابِ [[في ر، أ: "وشرب".]] الْحَمِيمِ والغِسْلين لا الزّلال.

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ دَوَائِرَ السُّوءِ، بِمَعْنَى يَنْتَظِرُونَ زَوَالَ دَوْلَتِهِمْ، وَظُهُورَ الْكُفْرِ [[في د، ر، أ: "الكفرة".]] عَلَيْهِمْ، وَذَهَابَ مِلَّتِهِمْ ﴿. فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ: نَصْرٌ وَتَأْيِيدٌ وظَفَر وَغَنِيمَةٌ ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ ؟ أَيْ: يَتَوَدَّدُونَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أَيْ: إِدَالَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، كَمَا وَقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإِنَّ الرُّسُلَ تُبْتَلَى ثُمَّ يَكُونُ لَهَا [[في ر: "تكون لها"، وفي أ: "تكون لهم".]] الْعَاقِبَةُ ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؟ أَيْ: سَاعَدْنَاكُمْ فِي الْبَاطِنِ، وَمَا أَلَوْنَاهُمْ خَبَالًا وَتَخْذِيلًا حَتَّى انْتَصَرْتُمْ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ نَغْلِبْ عَلَيْكُمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٩] وَهَذَا أَيْضًا تَوَدُّدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُصَانِعُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ؛ لِيَحْظَوْا عِنْدَهُمْ وَيَأْمَنُوا كَيْدَهُمْ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعْفِ إِيمَانِهِمْ، وَقِلَّةِ إِيقَانِهِمْ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [[في ر: "بينهم".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ: بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْكُمْ -أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ-مِنِ الْبَوَاطِنِ الرَّدِيئَةِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْكُمْ ظَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، لِمَا لَهُ [تَعَالَى] [[زيادة من: أ.]] فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا تَنْفَعُكُمْ [[في ر: "ينفعكم".]] ظَوَاهِرُكُمْ، بَلْ هُوَ يَوْمٌ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ ويُحَصَّل مَا فِي الصُّدُورِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ذَرّ، عَنْ يُسَيْع الْكِنْدِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: كَيْفَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ادْنُه ادْنُهْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾

وَكَذَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ قَالَ: ذَاكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَذَا رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أي: حجة.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، بِأَنْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِمُ اسْتِيلَاءَ اسْتِئْصَالٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ ظَفَرٌ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ] [[زيادة من ر أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [غَافِرٍ: ٥١، ٥٢] . وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ رَدًّا عَلَى الْمُنَافِقِينَ فِيمَا أَمَلَوْهُ وَتَرَبَّصُوهُ [[في ر: "ويرجوه".]] وَانْتَظَرُوهُ مِنْ زَوَالِ دَوْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِيمَا سَلَكُوهُ مِنْ مُصَانَعَتِهِمُ الْكَافِرِينَ، خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ إِذَا هُمْ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَأْصَلُوهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ [يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] نَادِمِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٢] .

وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ [[في ر، أ: "الفقهاء".]] بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ لِمَا فِي صِحَّةِ ابْتِيَاعِهِ مِنَ التَّسْلِيطِ لَهُ عَلَيْهِ وَالْإِذْلَالِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِالصِّحَّةِ يَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ فِي الْحَالِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾

قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَادَعُ، فَإِنَّهُ الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَمْرَهُمْ كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ وجَرَت عَلَيْهِمْ أحكامُ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا، فَكَذَلِكَ [[في ر: "فلذلك".]] يَكُونُ حُكْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ يَرُوجُ عِنْدَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْلِفُونَ لَهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ نَافِعٌ لَهُمْ عِنْدَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَيَخْذُلُهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ . [الْحَدِيدِ: ١٣-١٥] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ سَمَّع سَمَّع اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧) .]] وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنِ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَيُعْدَلُ بِهِ إِلَى النَّارِ" عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إَلا قَلِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ هَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ فِي أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلِهَا وَخَيْرِهَا، وَهِيَ الصَّلَاةُ. إِذَا قَامُوا إِلَيْهَا قَامُوا وَهُمْ كُسَالَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَلَا إيمانَ لَهُمْ بِهَا وَلَا خَشْيَةَ، وَلَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهَا كَمَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيد اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يكرَه أَنْ يَقُومَ الرجلُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ كَسْلَانُ، وَلَكِنْ يَقُومُ إِلَيْهَا طَلْقَ الْوَجْهِ، عَظِيمَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الْفَرَحِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ اللَّهَ أَمَامَهُ يَغْفِرُ لَهُ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، ثُمَّ يَتْلُو ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

وَرَوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوُهُ.

فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هَذِهِ صِفَةُ ظَوَاهِرِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٤] ثُمَّ ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ: لَا إِخْلَاصَ لَهُمْ [وَلَا مُعَامَلَةَ مع الله بل إنما يشهدون الناس تَقِيَّةً مِنَ النَّاسِ وَمُصَانَعَةً لَهُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] ؛ وَلِهَذَا يَتَخَلَّفُونَ كَثِيرًا عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُرَون غَالِبًا فِيهَا كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقْتَ العَتَمَة، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِ الغَلَس، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَم مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ [[في ر: "في النار".]] " [[صحيح البخاري برقم (٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٥١) .]] .

وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ [[في أ: "لو يعلم أحدكم".]] أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مَرْمَاتين حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَحَرَّقْتُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٤) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا محمد -هو بن أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ [[في أ: "محمد بن أبي بكر المقدسي".]] -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمُ الهَجَري، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أحْسَنَ الصَّلَاةَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَأَسَاءَهَا حَيْثُ يَخْلُو، فَتِلْكَ اسْتِهَانَةٌ، اسْتَهَانَ بِهَا رَبَّهُ عز وجل" [[مسند أبو يعلى (٩/٥٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢١) : "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: فِي صَلَاتِهِمْ لَا يخشعُون [فِيهَا] [[زيادة من د.]] وَلَا يَدْرُونَ [[في د، ر، أ: "ولا يتدبرون".]] مَا يَقُولُونَ، بَلْ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ لَاهُونَ، وَعَمَّا يُرَادُ بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ مُعَرِضُونَ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُب الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَر أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا".

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[الموطأ (١/٢٢٠) وصحيح مسلم برقم (٦٢٢) وسنن أبي داود برقم (٤١٢) وسنن الترمذي برقم (١٦٠) وسنن النسائي (١/٢٥٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ مُحَيَّرِينَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَلَا هُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا مَعَ الْكَافِرِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بَلْ ظَوَاهِرُهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَوَاطِنُهُمْ مَعَ الْكَافِرِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ، فَتَارَةً يَمِيلُ إِلَى هَؤُلَاءِ، وَتَارَةً يَمِيلُ إِلَى أُولَئِكَ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٠] .

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَلَا تَدْرِي أَيَّتَهُمَا تَتَّبِعُ".

تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى مَرَّةً أُخْرَى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ مَرَّتَيْنِ كَذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٣٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٤) .]] .

قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِ مَرْفُوعًا. وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِهِ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ-عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ أَيْضًا صَخْرُ بن جُوَيْرِية، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ [[المسند (٢/٤٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الهُذَيل بْنُ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ بِمَكَّةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُ، فَقَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مَثَلَ الْمُنَافِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالشَّاةِ بَيْنَ الرّبضَين مِنَ الْغَنَمِ، إِنْ أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا" فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ. فَأَثْنَى الْقَوْمُ عَلَى أَبِي خَيْرًا -أَوْ مَعْرُوفًا-فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا أَظُنُّ صَاحِبَكُمْ إلا كما تَقُولُونَ، وَلَكِنِّي شَاهِدُ [[في أ: "شاهدي".]] نَبِيِّ اللَّهِ إِذْ قَالَ: كَالشَّاةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. فَقَالَ: هُوَ سَوَاءٌ. فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ [[المسند (٢/٦٨) .]] .

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: بَيْنَمَا عُبَيْدُ بْنُ عُمير يَقُصُّ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مثل المنافق كالشاة بين ربضين، إِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا، وَإِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا". فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَشَاةٍ بَيْنَ غَنَمَيْنِ". قَالَ: فَاحْتَفَظَ الشَّيْخُ وَغَضِبَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ لَمْ أَرْدُدْ ذَلِكَ عَلَيْكَ [[المسند (٢/٣٢) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ بُودِويه، عَنْ يَعْفُر بْنِ زُوذي قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ وَهُوَ يَقُصُّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الرَّابِضَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ". فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيْلَكُمْ. لَا تَكْذِبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. إِنَّمَا قَالَ ﷺ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ" [[المسند (٢/٨٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ مَثَلُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ انْتَهَوْا إِلَى وَادٍ، فَدَفَعَ أَحَدُهُمْ فَعَبَرَ، ثُمَّ وَقَعَ الْآخَرُ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى نِصْفِ الْوَادِي نَادَاهُ الَّذِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي: وَيْلَكَ. أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إِلَى الْهَلَكَةِ؟ ارْجِعْ عَوْدُكَ عَلَى بَدْئِكَ، وَنَادَاهُ الَّذِي عَبَرَ: هَلُمّ إِلَى النَّجَاةِ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى هَذَا مَرَّةً وَإِلَى هَذَا مَرَّةً، قَالَ: فَجَاءَهُ سَيْلٌ فَأَغْرَقَهُ، فَالَّذِي عَبَرَ الْمُؤْمِنُ، وَالَّذِي غَرِقَ الْمُنَافِقُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ وَالَّذِي مَكَثَ الْكَافِرُ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ [[في ر: "سعيد".]] عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ وَلَا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ. قَالَ: وذُكرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ وَلِلْمُنَافِقِ وَلِلْكَافِرِ، كَمَثَلِ رَهْطٍ ثَلَاثَةٍ دَفَعوا إِلَى نَهْرٍ، فَوَقَعَ الْمُؤْمِنُ فَقَطَعَ، ثُمَّ وَقَعَ الْمُنَافِقُ حَتَّى إِذَا كَادَ يَصِلُ إِلَى الْمُؤْمِنِ نَادَاهُ الْكَافِرُ: أَنْ هَلُمّ إِلَيَّ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ. وَنَادَاهُ الْمُؤْمِنُ: أَنْ هَلُمّ إِلَيَّ، فَإِنِّي عِنْدِي وَعِنْدِي؛ يُحصى لَهُ مَا عِنْدَهُ. فَمَا زَالَ الْمُنَافِقُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَتَى أَذًى فَغَرَّقَهُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَمْ يَزَلْ فِي شَكٍّ وَشُبْهَةٍ، حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ: وذُكرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ ثَاغِيَةٍ بَيْنَ غَنَمَيْنِ، رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَزٍ فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تَعْرِفْ، ثُمَّ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تَعْرِفْ".

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَمَنْ صَرَفَهُ عَنْ طَرِيقِ الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾

فَإِنَّهُ: ﴿مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ النَّجَاةِ فَلَا هَادِيَ لَهُمْ، وَلَا مُنْقِذَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٩] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَادَعُ، فَإِنَّهُ الْعَالِمُ بِالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَمْرَهُمْ كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ وجَرَت عَلَيْهِمْ أحكامُ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا، فَكَذَلِكَ [[في ر: "فلذلك".]] يَكُونُ حُكْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ يَرُوجُ عِنْدَهُ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْلِفُونَ لَهُ: أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ نَافِعٌ لَهُمْ عِنْدَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أَيْ: هُوَ الَّذِي يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَيَخْذُلُهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَالْوُصُولِ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ . [الْحَدِيدِ: ١٣-١٥] وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ سَمَّع سَمَّع اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧) .]] وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنِ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَيُعْدَلُ بِهِ إِلَى النَّارِ" عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إَلا قَلِيلا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ هَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ فِي أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ وَأَفْضَلِهَا وَخَيْرِهَا، وَهِيَ الصَّلَاةُ. إِذَا قَامُوا إِلَيْهَا قَامُوا وَهُمْ كُسَالَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ فِيهَا، وَلَا إيمانَ لَهُمْ بِهَا وَلَا خَشْيَةَ، وَلَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهَا كَمَا رَوَى [[في أ: "رواه".]] ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيد اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يكرَه أَنْ يَقُومَ الرجلُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ كَسْلَانُ، وَلَكِنْ يَقُومُ إِلَيْهَا طَلْقَ الْوَجْهِ، عَظِيمَ الرَّغْبَةِ، شَدِيدَ الْفَرَحِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي اللَّهَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ اللَّهَ أَمَامَهُ يَغْفِرُ لَهُ وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، ثُمَّ يَتْلُو ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

وَرَوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوُهُ.

فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هَذِهِ صِفَةُ ظَوَاهِرِهِمْ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التَّوْبَةِ: ٥٤] ثُمَّ ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أَيْ: لَا إِخْلَاصَ لَهُمْ [وَلَا مُعَامَلَةَ مع الله بل إنما يشهدون الناس تَقِيَّةً مِنَ النَّاسِ وَمُصَانَعَةً لَهُمْ] [[زيادة من ر، أ.]] ؛ وَلِهَذَا يَتَخَلَّفُونَ كَثِيرًا عَنِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُرَون غَالِبًا فِيهَا كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَقْتَ العَتَمَة، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِ الغَلَس، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَم مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ [[في ر: "في النار".]] " [[صحيح البخاري برقم (٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٥١) .]] .

وَفِي رِوَايَةٍ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ [[في أ: "لو يعلم أحدكم".]] أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مَرْمَاتين حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ لَحَرَّقْتُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٤) .]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا محمد -هو بن أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ [[في أ: "محمد بن أبي بكر المقدسي".]] -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمُ الهَجَري، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أحْسَنَ الصَّلَاةَ حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ، وَأَسَاءَهَا حَيْثُ يَخْلُو، فَتِلْكَ اسْتِهَانَةٌ، اسْتَهَانَ بِهَا رَبَّهُ عز وجل" [[مسند أبو يعلى (٩/٥٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢١) : "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: فِي صَلَاتِهِمْ لَا يخشعُون [فِيهَا] [[زيادة من د.]] وَلَا يَدْرُونَ [[في د، ر، أ: "ولا يتدبرون".]] مَا يَقُولُونَ، بَلْ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ لَاهُونَ، وَعَمَّا يُرَادُ بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ مُعَرِضُونَ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُب الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَر أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا".

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ [[الموطأ (١/٢٢٠) وصحيح مسلم برقم (٦٢٢) وسنن أبي داود برقم (٤١٢) وسنن الترمذي برقم (١٦٠) وسنن النسائي (١/٢٥٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ مُحَيَّرِينَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَلَا هُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا مَعَ الْكَافِرِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بَلْ ظَوَاهِرُهُمْ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَوَاطِنُهُمْ مَعَ الْكَافِرِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ، فَتَارَةً يَمِيلُ إِلَى هَؤُلَاءِ، وَتَارَةً يَمِيلُ إِلَى أُولَئِكَ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: ٢٠] .

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَلَا تَدْرِي أَيَّتَهُمَا تَتَّبِعُ".

تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى مَرَّةً أُخْرَى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ مَرَّتَيْنِ كَذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٣٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٤) .]] .

قُلْتُ: وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِ مَرْفُوعًا. وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وَكَذَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِهِ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ -أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ-عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. وَرَوَاهُ أَيْضًا صَخْرُ بن جُوَيْرِية، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ [[المسند (٢/٤٧) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الهُذَيل بْنُ بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ بِمَكَّةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُ، فَقَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ مَثَلَ الْمُنَافِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالشَّاةِ بَيْنَ الرّبضَين مِنَ الْغَنَمِ، إِنْ أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا، وَإِنْ أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا" فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: كَذَبْتَ. فَأَثْنَى الْقَوْمُ عَلَى أَبِي خَيْرًا -أَوْ مَعْرُوفًا-فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا أَظُنُّ صَاحِبَكُمْ إلا كما تَقُولُونَ، وَلَكِنِّي شَاهِدُ [[في أ: "شاهدي".]] نَبِيِّ اللَّهِ إِذْ قَالَ: كَالشَّاةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ. فَقَالَ: هُوَ سَوَاءٌ. فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُهُ [[المسند (٢/٦٨) .]] .

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: بَيْنَمَا عُبَيْدُ بْنُ عُمير يَقُصُّ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مثل المنافق كالشاة بين ربضين، إِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا، وَإِذَا أَتَتْ هَؤُلَاءِ نَطَحَتْهَا". فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَشَاةٍ بَيْنَ غَنَمَيْنِ". قَالَ: فَاحْتَفَظَ الشَّيْخُ وَغَضِبَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ لَمْ أَرْدُدْ ذَلِكَ عَلَيْكَ [[المسند (٢/٣٢) .]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ بُودِويه، عَنْ يَعْفُر بْنِ زُوذي قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ وَهُوَ يَقُصُّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الرَّابِضَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ". فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيْلَكُمْ. لَا تَكْذِبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. إِنَّمَا قَالَ ﷺ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ" [[المسند (٢/٨٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-قَالَ: مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ مَثَلُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ انْتَهَوْا إِلَى وَادٍ، فَدَفَعَ أَحَدُهُمْ فَعَبَرَ، ثُمَّ وَقَعَ الْآخَرُ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى نِصْفِ الْوَادِي نَادَاهُ الَّذِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي: وَيْلَكَ. أَيْنَ تَذْهَبُ؟ إِلَى الْهَلَكَةِ؟ ارْجِعْ عَوْدُكَ عَلَى بَدْئِكَ، وَنَادَاهُ الَّذِي عَبَرَ: هَلُمّ إِلَى النَّجَاةِ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى هَذَا مَرَّةً وَإِلَى هَذَا مَرَّةً، قَالَ: فَجَاءَهُ سَيْلٌ فَأَغْرَقَهُ، فَالَّذِي عَبَرَ الْمُؤْمِنُ، وَالَّذِي غَرِقَ الْمُنَافِقُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ وَالَّذِي مَكَثَ الْكَافِرُ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا بِشْر، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ [[في ر: "سعيد".]] عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ وَلَا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ. قَالَ: وذُكرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَضْرِبُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ وَلِلْمُنَافِقِ وَلِلْكَافِرِ، كَمَثَلِ رَهْطٍ ثَلَاثَةٍ دَفَعوا إِلَى نَهْرٍ، فَوَقَعَ الْمُؤْمِنُ فَقَطَعَ، ثُمَّ وَقَعَ الْمُنَافِقُ حَتَّى إِذَا كَادَ يَصِلُ إِلَى الْمُؤْمِنِ نَادَاهُ الْكَافِرُ: أَنْ هَلُمّ إِلَيَّ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ. وَنَادَاهُ الْمُؤْمِنُ: أَنْ هَلُمّ إِلَيَّ، فَإِنِّي عِنْدِي وَعِنْدِي؛ يُحصى لَهُ مَا عِنْدَهُ. فَمَا زَالَ الْمُنَافِقُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَتَى أَذًى فَغَرَّقَهُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَمْ يَزَلْ فِي شَكٍّ وَشُبْهَةٍ، حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ: وذُكرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ ثَاغِيَةٍ بَيْنَ غَنَمَيْنِ، رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَزٍ فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تَعْرِفْ، ثُمَّ رَأَتْ غَنَمًا عَلَى نَشَز فَأَتَتْهَا وَشَامَّتْهَا فَلَمْ تَعْرِفْ".

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ أَيْ: وَمَنْ صَرَفَهُ عَنْ طَرِيقِ الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾

فَإِنَّهُ: ﴿مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ أَضَلَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ النَّجَاةِ فَلَا هَادِيَ لَهُمْ، وَلَا مُنْقِذَ لَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا مُعَقّب لِحُكْمِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ.

يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي مُصَاحَبَتَهُمْ وَمُصَادَقَتَهُمْ وَمُنَاصَحَتَهُمْ وَإِسْرَارَ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ، وَإِفْشَاءَ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاطِنَةِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] أَيْ: يُحَذِّرُكُمْ عُقُوبَتَهُ فِي ارْتِكَابِكُمْ نَهْيَهُ. وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: حُجَّةً عَلَيْكُمْ فِي عُقُوبَتِهِ إِيَّاكُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبي.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمُ الْغَلِيظِ. قَالَ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: فِي أَسْفَلِ النَّارِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّارُ دَرَكَاتٌ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ. "وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ ذَكْوان أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ تُرْتَجُ عَلَيْهِمْ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ وَكِيع، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ بُيُوتٌ لَهَا أَبْوَابٌ تُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، فَتُوقَدُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَمِنْ فَوْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ خَيْثَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت مِنْ نَارٍ تُطْبِقُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُبْهَمَةٍ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مُبْهَمَةٍ) أَيْ: مُغْلَقَةٍ مُقْفَلَةٍ لَا يُهْتَدَى لِمَكَانِ فَتْحِهَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ [[في ر، أ: "زيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: يُجْعَلُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، فَتُطْبَقُ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكٍ مِنَ النَّارِ.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أَيْ: يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَابَ [مِنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] فِي الدُّنْيَا تَابَ عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وقَبِلَ نَدَمَهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي تَوْبَتِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ، وَاعْتَصَمَ بِرَبِّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أَيْ: بَدَّلوا الرِّيَاءَ بِالْإِخْلَاصِ، فَيَنْفَعُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَإِنَّ قَلَّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَخْلِصْ دِينَكَ، يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٥٧٠) وأبو نعيم في الحلية (١/٢٤٤) وابن أبي الدنيا في الإخلاص برقم (٧٩) من طريق عمرو بن مرة به، وفي إسناده انقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ فإنه لم يسمع منه.]] .

﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فِي زُمْرَتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذِّبُ الْعِبَادَ بِذُنُوبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أَيْ: أَصْلَحْتُمِ الْعَمَلَ وَآمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أَيْ: مَنْ شَكَرَ شَكَرَ لَهُ وَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِهِ عَلِمَهُ، وَجَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي مُصَاحَبَتَهُمْ وَمُصَادَقَتَهُمْ وَمُنَاصَحَتَهُمْ وَإِسْرَارَ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ، وَإِفْشَاءَ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاطِنَةِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] أَيْ: يُحَذِّرُكُمْ عُقُوبَتَهُ فِي ارْتِكَابِكُمْ نَهْيَهُ. وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: حُجَّةً عَلَيْكُمْ فِي عُقُوبَتِهِ إِيَّاكُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبي.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمُ الْغَلِيظِ. قَالَ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: فِي أَسْفَلِ النَّارِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّارُ دَرَكَاتٌ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ. "وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ ذَكْوان أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ تُرْتَجُ عَلَيْهِمْ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ وَكِيع، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ بُيُوتٌ لَهَا أَبْوَابٌ تُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، فَتُوقَدُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَمِنْ فَوْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ خَيْثَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت مِنْ نَارٍ تُطْبِقُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُبْهَمَةٍ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مُبْهَمَةٍ) أَيْ: مُغْلَقَةٍ مُقْفَلَةٍ لَا يُهْتَدَى لِمَكَانِ فَتْحِهَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ [[في ر، أ: "زيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: يُجْعَلُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، فَتُطْبَقُ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكٍ مِنَ النَّارِ.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أَيْ: يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَابَ [مِنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] فِي الدُّنْيَا تَابَ عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وقَبِلَ نَدَمَهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي تَوْبَتِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ، وَاعْتَصَمَ بِرَبِّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أَيْ: بَدَّلوا الرِّيَاءَ بِالْإِخْلَاصِ، فَيَنْفَعُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَإِنَّ قَلَّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَخْلِصْ دِينَكَ، يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٥٧٠) وأبو نعيم في الحلية (١/٢٤٤) وابن أبي الدنيا في الإخلاص برقم (٧٩) من طريق عمرو بن مرة به، وفي إسناده انقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ فإنه لم يسمع منه.]] .

﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فِي زُمْرَتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذِّبُ الْعِبَادَ بِذُنُوبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أَيْ: أَصْلَحْتُمِ الْعَمَلَ وَآمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أَيْ: مَنْ شَكَرَ شَكَرَ لَهُ وَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِهِ عَلِمَهُ، وَجَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي مُصَاحَبَتَهُمْ وَمُصَادَقَتَهُمْ وَمُنَاصَحَتَهُمْ وَإِسْرَارَ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ، وَإِفْشَاءَ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاطِنَةِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] أَيْ: يُحَذِّرُكُمْ عُقُوبَتَهُ فِي ارْتِكَابِكُمْ نَهْيَهُ. وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: حُجَّةً عَلَيْكُمْ فِي عُقُوبَتِهِ إِيَّاكُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبي.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمُ الْغَلِيظِ. قَالَ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: فِي أَسْفَلِ النَّارِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّارُ دَرَكَاتٌ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ. "وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ ذَكْوان أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ تُرْتَجُ عَلَيْهِمْ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ وَكِيع، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ بُيُوتٌ لَهَا أَبْوَابٌ تُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، فَتُوقَدُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَمِنْ فَوْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ خَيْثَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت مِنْ نَارٍ تُطْبِقُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُبْهَمَةٍ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مُبْهَمَةٍ) أَيْ: مُغْلَقَةٍ مُقْفَلَةٍ لَا يُهْتَدَى لِمَكَانِ فَتْحِهَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ [[في ر، أ: "زيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: يُجْعَلُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، فَتُطْبَقُ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكٍ مِنَ النَّارِ.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أَيْ: يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَابَ [مِنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] فِي الدُّنْيَا تَابَ عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وقَبِلَ نَدَمَهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي تَوْبَتِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ، وَاعْتَصَمَ بِرَبِّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أَيْ: بَدَّلوا الرِّيَاءَ بِالْإِخْلَاصِ، فَيَنْفَعُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَإِنَّ قَلَّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَخْلِصْ دِينَكَ، يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٥٧٠) وأبو نعيم في الحلية (١/٢٤٤) وابن أبي الدنيا في الإخلاص برقم (٧٩) من طريق عمرو بن مرة به، وفي إسناده انقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ فإنه لم يسمع منه.]] .

﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فِي زُمْرَتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذِّبُ الْعِبَادَ بِذُنُوبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أَيْ: أَصْلَحْتُمِ الْعَمَلَ وَآمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أَيْ: مَنْ شَكَرَ شَكَرَ لَهُ وَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِهِ عَلِمَهُ، وَجَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

يَنْهَى تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي مُصَاحَبَتَهُمْ وَمُصَادَقَتَهُمْ وَمُنَاصَحَتَهُمْ وَإِسْرَارَ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ، وَإِفْشَاءَ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاطِنَةِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٢٨] أَيْ: يُحَذِّرُكُمْ عُقُوبَتَهُ فِي ارْتِكَابِكُمْ نَهْيَهُ. وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أَيْ: حُجَّةً عَلَيْكُمْ فِي عُقُوبَتِهِ إِيَّاكُمْ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [قَالَ] [[زيادة من أ.]] كُلُّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ وَالنَّضْرُ بْنُ عَرَبي.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمُ الْغَلِيظِ. قَالَ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أَيْ: فِي أَسْفَلِ النَّارِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّارُ دَرَكَاتٌ، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ دَرَجَاتٌ. "وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ ذَكْوان أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ تُرْتَجُ عَلَيْهِمْ. كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ وَكِيع، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، بِهِ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ شَاذَانَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: الدَّرْكُ الْأَسْفَلُ بُيُوتٌ لَهَا أَبْوَابٌ تُطْبَقُ عَلَيْهِمْ، فَتُوقَدُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَمِنْ فَوْقِهِمْ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل، عَنْ خَيْثَمَة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت مِنْ نَارٍ تُطْبِقُ عَلَيْهِمْ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنِ ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قَالَ: فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُبْهَمَةٍ عَلَيْهِمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مُبْهَمَةٍ) أَيْ: مُغْلَقَةٍ مُقْفَلَةٍ لَا يُهْتَدَى لِمَكَانِ فَتْحِهَا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ [[في ر، أ: "زيد".]] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: يُجْعَلُونَ فِي تَوَابِيتَ مِنْ نَارٍ، فَتُطْبَقُ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرَكٍ مِنَ النَّارِ.

﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أَيْ: يُنْقِذَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ مَنْ تَابَ [مِنْهُمْ] [[زيادة من أ.]] فِي الدُّنْيَا تَابَ عَلَيْهِ [[في أ: "عليهم".]] وقَبِلَ نَدَمَهُ إِذَا أَخْلَصَ فِي تَوْبَتِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ، وَاعْتَصَمَ بِرَبِّهِ فِي جَمِيعِ أَمْرِهِ، فَقَالَ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أَيْ: بَدَّلوا الرِّيَاءَ بِالْإِخْلَاصِ، فَيَنْفَعُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَإِنَّ قَلَّ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْران، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَخْلِصْ دِينَكَ، يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ" [[ورواه الحاكم في المستدرك (١/٥٧٠) وأبو نعيم في الحلية (١/٢٤٤) وابن أبي الدنيا في الإخلاص برقم (٧٩) من طريق عمرو بن مرة به، وفي إسناده انقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ فإنه لم يسمع منه.]] .

﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: فِي زُمْرَتِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ غِنَاهُ عَمَّا سِوَاهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُعَذِّبُ الْعِبَادَ بِذُنُوبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أَيْ: أَصْلَحْتُمِ الْعَمَلَ وَآمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أَيْ: مَنْ شَكَرَ شَكَرَ لَهُ وَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِهِ عَلِمَهُ، وَجَازَاهُ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ.

قَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يَقُولُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، فَإِنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.

وَقَالَ [[في ر: "وقد قال".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُرق لَهَا شَيْءٌ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ [[في أ: "فقال رسول الله"]] ﷺ "لَا تُسَبّخي عنه" [[سنن أبي داود برقم (٤٩٠٩) .]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يَدْعُ عَلَيْهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ، وَاسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَريّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، وَلَكِنْ إِنِ افْتَرَى عَلَيْكَ فَلَا تَفْتَرِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤١] .

وَقَالَ [[في أ: "وقد قال".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ" [[سنن أبي داود برقم (٤٨٩٤) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ قَالَ: ضَافَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ حَقَّ ضِيَافَتِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْبَرَ النَّاسَ، فَقَالَ: "ضِفْتُ فُلَانًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيَّ حَقَّ ضِيَافَتِي". فَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مِنْ ظُلِمَ، حِينَ لَمْ يُؤَدِّ الْآخَرُ إِلَيْهِ حَقَّ ضِيَافَتِهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ قَالَ: قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِنُ ضِيَافَتَهُ، فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: "أَسَاءَ ضِيَافَتِي، وَلَمْ يُحْسِنْ". وَفِي رِوَايَةٍ هُوَ الضَّيْفُ الْمُحَوَّلُ رحلُه، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ لِصَاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوُ هَذَا. وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ سِوَى النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ -وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة-كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا [[في ر: "بعثتنا".]] فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونا، فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "إِذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ" [[صحيح البخاري برقم (٢٤٦١، ٦١٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٢٧) وسنن أبي داود برقم (٣٧٥٢) وسنن الترمذي برقم (١٥٨٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٧٦) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شعبة، سَمِعْتُ أَبَا الْجُودِيِّ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا مسلمٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ حَقًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرَه حَتَّى يَأْخُذَ بقِرى لَيْلَتِهِ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/١٣٣) ولم يتفرد به من هذا الوجه، فقد رواه أبو داود في سننه برقم (٣٧٥١) من طريق يحيى عن شعبة به.]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنِ الشَّعْبي عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بفِنَائه مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ".

ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ. وَعَنْ زِيَادِ [[في ر: "زيادة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي. عَنْ وَكِيع، وأبي نُعَيْم، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانة، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ [[المسند (٤/١٣٠-١٣٣) وسنن أبي داود برقم (٣٧٥٠)]] .

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمْثَالِهَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ إِلَى وُجُوبِ الضِّيَافَةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البزَّار.

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنْ لِي جَارًا يُؤْذِينِي، فَقَالَ لَهُ: "أَخْرِجْ مَتَاعَكَ فَضَعْهُ عَلَى الطَّرِيقِ". فَأَخَذَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ فَطَرَحَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ مَرَّ بِهِ قَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: جَارِي يُؤْذِينِي. فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، اللَّهُمَّ أَخْزِهِ! قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ، وَقَالَ [[في د: "والله".]] لَا أُوذِيكَ أَبَدًا".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٥٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٦٥) من طريق صفوان بن عيس به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو على شرط مسلم ووافقه الذهبي.]] .

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ أَبُو جُحَيفة وَهْبُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[أما حديث أبي جحيفة فرواه البزار في مسنده برقم (١٩٠٣) "كشف الأستار". قال الهيثمي في المجمع (٨/١٧٠) : "فيه أبو عمر المنيهي تفرد عنه شريك وبقية رجاله ثقات.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أَيْ: إِنْ تُظْهِرُوا -أَيُّهَا النَّاسُ-خَيْرًا، أَوْ أَخْفَيْتُمُوهُ، أَوْ عَفَوْتُمْ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَيُجْزِلُ ثَوَابَكُمْ لَدَيْهِ، فَإِنَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ عِبَادِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا [[في د: "وما".]] زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ الله" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

قَالَ [عَلِيُّ] [[زيادة من أ.]] بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يَقُولُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، فَإِنَّهُ قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ.

وَقَالَ [[في ر: "وقد قال".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُرق لَهَا شَيْءٌ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ [[في أ: "فقال رسول الله"]] ﷺ "لَا تُسَبّخي عنه" [[سنن أبي داود برقم (٤٩٠٩) .]] .

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا يَدْعُ عَلَيْهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ، وَاسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: قَدْ أُرْخِصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ.

وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الجَزَريّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، وَلَكِنْ إِنِ افْتَرَى عَلَيْكَ فَلَا تَفْتَرِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤١] .

وَقَالَ [[في أ: "وقد قال".]] أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا القَعْنَبِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ" [[سنن أبي داود برقم (٤٨٩٤) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ قَالَ: ضَافَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ حَقَّ ضِيَافَتِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْبَرَ النَّاسَ، فَقَالَ: "ضِفْتُ فُلَانًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيَّ حَقَّ ضِيَافَتِي". فَذَلِكَ الْجَهْرُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مِنْ ظُلِمَ، حِينَ لَمْ يُؤَدِّ الْآخَرُ إِلَيْهِ حَقَّ ضِيَافَتِهِ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ﴾ قَالَ: قَالَ هُوَ الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِنُ ضِيَافَتَهُ، فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: "أَسَاءَ ضِيَافَتِي، وَلَمْ يُحْسِنْ". وَفِي رِوَايَةٍ هُوَ الضَّيْفُ الْمُحَوَّلُ رحلُه، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ لِصَاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ.

وَكَذَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوُ هَذَا. وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ سِوَى النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ، مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ -وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعة-كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا [[في ر: "بعثتنا".]] فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونا، فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "إِذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ، فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ" [[صحيح البخاري برقم (٢٤٦١، ٦١٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٢٧) وسنن أبي داود برقم (٣٧٥٢) وسنن الترمذي برقم (١٥٨٩) وسنن ابن ماجة برقم (٣٦٧٦) .]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا شعبة، سَمِعْتُ أَبَا الْجُودِيِّ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَيُّمَا مسلمٍ ضَافَ قَوْمًا، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإِنَّ حَقًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرَه حَتَّى يَأْخُذَ بقِرى لَيْلَتِهِ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ".

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/١٣٣) ولم يتفرد به من هذا الوجه، فقد رواه أبو داود في سننه برقم (٣٧٥١) من طريق يحيى عن شعبة به.]] وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنِ الشَّعْبي عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِنْ أَصْبَحَ بفِنَائه مَحْرُومًا كَانَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اقْتَضَاهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ".

ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ غُنْدَر عَنْ شُعْبَةَ. وَعَنْ زِيَادِ [[في ر: "زيادة".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البكَّائي. عَنْ وَكِيع، وأبي نُعَيْم، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانة، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِ [[المسند (٤/١٣٠-١٣٣) وسنن أبي داود برقم (٣٧٥٠)]] .

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمْثَالِهَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ إِلَى وُجُوبِ الضِّيَافَةِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ البزَّار.

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلان، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنْ لِي جَارًا يُؤْذِينِي، فَقَالَ لَهُ: "أَخْرِجْ مَتَاعَكَ فَضَعْهُ عَلَى الطَّرِيقِ". فَأَخَذَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ فَطَرَحَهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ مَرَّ بِهِ قَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: جَارِي يُؤْذِينِي. فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، اللَّهُمَّ أَخْزِهِ! قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ، وَقَالَ [[في د: "والله".]] لَا أُوذِيكَ أَبَدًا".

وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٥١٥٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٦٥) من طريق صفوان بن عيس به، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو على شرط مسلم ووافقه الذهبي.]] .

ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَرَوَاهُ أَبُو جُحَيفة وَهْبُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[أما حديث أبي جحيفة فرواه البزار في مسنده برقم (١٩٠٣) "كشف الأستار". قال الهيثمي في المجمع (٨/١٧٠) : "فيه أبو عمر المنيهي تفرد عنه شريك وبقية رجاله ثقات.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أَيْ: إِنْ تُظْهِرُوا -أَيُّهَا النَّاسُ-خَيْرًا، أَوْ أَخْفَيْتُمُوهُ، أَوْ عَفَوْتُمْ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُقَرِّبُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَيُجْزِلُ ثَوَابَكُمْ لَدَيْهِ، فَإِنَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ عِبَادِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحَانَكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا [[في د: "وما".]] زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ الله" [[رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] .

يَتَوَعَّدُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ر، أ.]] تَعَالَى الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَيْثُ فَرّقوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فِي الْإِيمَانِ، فَآمَنُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَادَةِ، وَمَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، لَا عَنْ دَلِيلٍ قَادَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ. فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ-آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ إلا عيسى ومحمد عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِخَاتَمِهِمْ وَأَشْرَفِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالسَّامِرَةُ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ يُوشَعَ خَلِيفَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَالْمَجُوسُ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ر، أ: "اسمه".]] زَرَادِشْتُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِشَرْعِهِ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَنْ رَدَّ نُبُوَّتَهُ لِلْحَسَدِ أَوِ الْعَصَبِيَّةِ أَوِ التَّشَهِّي تَبَيَّنَ أَنَّ إِيمَانَهُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ إِيمَانًا شَرْعِيًّا، إِنَّمَا هُوَ عَنْ غَرَضٍ وَهَوًى وَعَصَبِيَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فَوَسْمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: فِي الْإِيمَانِ ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أَيْ: كُفْرُهُمْ مُحَقَّقٌ لَا مَحَالَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا، إِذْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وَبِمَنْ هُوَ أَوْضَحُ دَلِيلًا وَأَقْوَى بُرْهَانًا مِنْهُ، لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ فِي نُبُوَّتِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أَيْ: كَمَا اسْتَهَانُوا بِمَنْ كَفَرُوا بِهِ إِمَّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى جَمْعِ حُطَامِ الدُّنْيَا مِمَّا لَا ضَرُورَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِمَّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَعَادُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ الْمَوْصُولَ بِالذُّلِّ الْأُخْرَوِيِّ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦١] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] .

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُمُ الْجَزَاءَ الْجَزِيلَ وَالثَّوَابَ الْجَلِيلَ وَالْعَطَاءَ الْجَمِيلَ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ عَلَى مَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ أَيْ: إِنْ كَانَ لبعضهم ذنوب.

Source. Tafsir Ibn Kathir, Hafiz Ibn Kathir — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/22. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com