Islam · Tafsir · Tafsir Ibn Kathir
Surah An-Nisaa
Tafsir Ibn Kathir · The Women · 176 ayat · ayat 151–176 · Quran text →
يَتَوَعَّدُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ر، أ.]] تَعَالَى الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَيْثُ فَرّقوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فِي الْإِيمَانِ، فَآمَنُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَادَةِ، وَمَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، لَا عَنْ دَلِيلٍ قَادَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ. فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ-آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ إلا عيسى ومحمد عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِخَاتَمِهِمْ وَأَشْرَفِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالسَّامِرَةُ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ يُوشَعَ خَلِيفَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَالْمَجُوسُ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ر، أ: "اسمه".]] زَرَادِشْتُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِشَرْعِهِ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَنْ رَدَّ نُبُوَّتَهُ لِلْحَسَدِ أَوِ الْعَصَبِيَّةِ أَوِ التَّشَهِّي تَبَيَّنَ أَنَّ إِيمَانَهُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ إِيمَانًا شَرْعِيًّا، إِنَّمَا هُوَ عَنْ غَرَضٍ وَهَوًى وَعَصَبِيَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فَوَسْمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: فِي الْإِيمَانِ ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أَيْ: كُفْرُهُمْ مُحَقَّقٌ لَا مَحَالَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا، إِذْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وَبِمَنْ هُوَ أَوْضَحُ دَلِيلًا وَأَقْوَى بُرْهَانًا مِنْهُ، لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ فِي نُبُوَّتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أَيْ: كَمَا اسْتَهَانُوا بِمَنْ كَفَرُوا بِهِ إِمَّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى جَمْعِ حُطَامِ الدُّنْيَا مِمَّا لَا ضَرُورَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِمَّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَعَادُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ الْمَوْصُولَ بِالذُّلِّ الْأُخْرَوِيِّ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦١] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُمُ الْجَزَاءَ الْجَزِيلَ وَالثَّوَابَ الْجَلِيلَ وَالْعَطَاءَ الْجَمِيلَ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ عَلَى مَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ أَيْ: إِنْ كَانَ لبعضهم ذنوب.
يَتَوَعَّدُ [تَبَارَكَ وَ] [[زيادة من ر، أ.]] تَعَالَى الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، حَيْثُ فَرّقوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فِي الْإِيمَانِ، فَآمَنُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْعَادَةِ، وَمَا أَلْفَوْا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ، لَا عَنْ دَلِيلٍ قَادَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ. فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ-آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ إلا عيسى ومحمد عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ وَكَفَرُوا بِخَاتَمِهِمْ وَأَشْرَفِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالسَّامِرَةُ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ يُوشَعَ خَلِيفَةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَالْمَجُوسُ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ [[في ر، أ: "اسمه".]] زَرَادِشْتُ، ثُمَّ كَفَرُوا بِشَرْعِهِ، فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَاجِبٌ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَنْ رَدَّ نُبُوَّتَهُ لِلْحَسَدِ أَوِ الْعَصَبِيَّةِ أَوِ التَّشَهِّي تَبَيَّنَ أَنَّ إِيمَانَهُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ إِيمَانًا شَرْعِيًّا، إِنَّمَا هُوَ عَنْ غَرَضٍ وَهَوًى وَعَصَبِيَّةٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فَوَسْمَهُمْ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: فِي الْإِيمَانِ ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ أَيْ: طَرِيقًا وَمَسْلَكًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أَيْ: كُفْرُهُمْ مُحَقَّقٌ لَا مَحَالَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الْإِيمَانَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا، إِذْ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وَبِمَنْ هُوَ أَوْضَحُ دَلِيلًا وَأَقْوَى بُرْهَانًا مِنْهُ، لَوْ نَظَرُوا حَقَّ النَّظَرِ فِي نُبُوَّتِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أَيْ: كَمَا اسْتَهَانُوا بِمَنْ كَفَرُوا بِهِ إِمَّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ وَإِقْبَالِهِمْ عَلَى جَمْعِ حُطَامِ الدُّنْيَا مِمَّا لَا ضَرُورَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِمَّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَعَادُوهُ وَقَاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ الْمَوْصُولَ بِالذُّلِّ الْأُخْرَوِيِّ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦١] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَبِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ [وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ] [[زيادة من: ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٥] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لَهُمُ الْجَزَاءَ الْجَزِيلَ وَالثَّوَابَ الْجَلِيلَ وَالْعَطَاءَ الْجَمِيلَ، فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ عَلَى مَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ أَيْ: إِنْ كَانَ لبعضهم ذنوب.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ: سَأَلَ الْيَهُودُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَكْتُوبَةً.
قَالَ ابْنُ جُرَيج: سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مِنَ اللَّهِ مَكْتُوبَةً إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، بِتَصْدِيقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ وَالْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، كَمَا سَأَلَ كفارُ قُرَيْشٍ قَبْلَهُمْ نَظِيرَ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ": ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٠، ٩٣] الْآيَاتِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أَيْ: بِطُغْيَانِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَهَذَا مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٥، ٥٦] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي بِلَادِ مِصْرَ وَمَا كَانَ مِنْ إِهْلَاكِ عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ [[في أ: "فرعون هو".]] وَجَمِيعِ جُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، فَمَا جَاوَزُوهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى [[في د، ر، أ: "يا موسى".]] ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيتين".]] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨، ١٣٩] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى قِصَّةَ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ مَبْسُوطَةً [[في ر: "مبسوط".]] فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ"، وَفِي سُورَةِ "طَهَ" بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى إِلَى مُنَاجَاةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ وَكَانَ مَا كَانَ، جَعَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ مِنَ الَّذِي صَنَعُوهُ وَابْتَدَعُوهُ: أَنْ يقتُلَ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ الْعِجْلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَهُ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "قال الله تعالى".]] ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وَذَلِكَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الِالْتِزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ إِبَاءٌ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَفَعَ اللَّهُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ جَبَلًا ثُمَّ أُلْزِمُوا فَالْتَزَمُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أَيْ: فَخَالَفُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ بَيْتِ الْقُدْسِ سُجَّدًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ. أَيْ: اللَّهُمَّ حُطَّ [[في د: "احطط".]] عَنَّا ذُنُوبَنَا فِي تَرْكِنَا الْجِهَادَ وَنُكُولِنَا عَنْهُ، حَتَّى تُهْنَا فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أَيْ: وُصَّيْنَاهُمْ بِحِفْظِ السَّبْتِ وَالْتِزَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، مَا دَامَ مَشْرُوعًا لَهُمْ ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أَيْ: شَدِيدًا، فَخَالَفُوا وعَصَوْا وَتَحَيَّلُوا عَلَى ارْتِكَابِ مَنَاهِي اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٦٣-١٦٦] الْآيَاتِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠١] ، وفيه: "وعليكم -خاصة يهود-أن لا تعدوا في السبت".
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ: سَأَلَ الْيَهُودُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ. كَمَا نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى مَكْتُوبَةً.
قَالَ ابْنُ جُرَيج: سَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ صُحُفًا مِنَ اللَّهِ مَكْتُوبَةً إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ، بِتَصْدِيقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ. وَهَذَا إِنَّمَا قَالُوهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ وَالْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، كَمَا سَأَلَ كفارُ قُرَيْشٍ قَبْلَهُمْ نَظِيرَ ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ": ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٠، ٩٣] الْآيَاتِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أَيْ: بِطُغْيَانِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَهَذَا مُفَسَّرٌ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٥، ٥٦] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي بِلَادِ مِصْرَ وَمَا كَانَ مِنْ إِهْلَاكِ عَدُوِّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ [[في أ: "فرعون هو".]] وَجَمِيعِ جُنُودِهِ فِي الْيَمِّ، فَمَا جَاوَزُوهُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، فَقَالُوا لِمُوسَى [[في د، ر، أ: "يا موسى".]] ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيتين".]] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٣٨، ١٣٩] . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى قِصَّةَ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ مَبْسُوطَةً [[في ر: "مبسوط".]] فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ"، وَفِي سُورَةِ "طَهَ" بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى إِلَى مُنَاجَاةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ وَكَانَ مَا كَانَ، جَعَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ مِنَ الَّذِي صَنَعُوهُ وَابْتَدَعُوهُ: أَنْ يقتُلَ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ الْعِجْلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَهُ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "قال الله تعالى".]] ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وَذَلِكَ حِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الِالْتِزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ إِبَاءٌ عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَفَعَ اللَّهُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ جَبَلًا ثُمَّ أُلْزِمُوا فَالْتَزَمُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يَنْظُرُونَ إِلَى فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أَيْ: فَخَالَفُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ بَيْتِ الْقُدْسِ سُجَّدًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِطَّةٌ. أَيْ: اللَّهُمَّ حُطَّ [[في د: "احطط".]] عَنَّا ذُنُوبَنَا فِي تَرْكِنَا الْجِهَادَ وَنُكُولِنَا عَنْهُ، حَتَّى تُهْنَا فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى اسْتَاهِهِمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أَيْ: وُصَّيْنَاهُمْ بِحِفْظِ السَّبْتِ وَالْتِزَامِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، مَا دَامَ مَشْرُوعًا لَهُمْ ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أَيْ: شَدِيدًا، فَخَالَفُوا وعَصَوْا وَتَحَيَّلُوا عَلَى ارْتِكَابِ مَنَاهِي اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٦٣-١٦٦] الْآيَاتِ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ، فِي سُورَةِ "سُبْحَانَ" عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ١٠١] ، وفيه: "وعليكم -خاصة يهود-أن لا تعدوا في السبت".
وَهَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتَهُمْ وَطَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهَمْ عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَقْضُهُمُ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: حُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [بِغَيْرِ حَقٍّ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ فِي غِطَاءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ ادعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلُف لِلْعِلْمِ، أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ. رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [[في أ: "تفسيره".]] في سورة البقرة.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غُلْفٍ وَفِي أَكِنَّةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَلْ هُوَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِيمَانِ.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وجُوَيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمَوْهَا وَابْنَهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ [[بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله".]] هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا [[في ر::ذلك".]] الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٦] .
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ [[في أ: "فغضب ذلك".]] الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [[في ر، أ: "متولي البلد".]] ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] .
فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ [[في أ: "هو عيسى".]] ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ [[في د، ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ [[في ر: "وضح".]] اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [[في ر، أ: "كيف كان يكون".]] يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١) .]] وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فيقتلَ مَكَانِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: أُتِيَ عِيسَى وَعِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ وَأَحَاطُوا بِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرهم اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا. لَيَبْرُزَنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنَا عِيسَى -وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى-فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. فَمِنْ ثَمَّ شُبّه لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) ، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/٣٧٤) .]] .قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مِعْقَل: أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا، جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهم وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عليَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ، فَلَا يتعظَّم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وليبذلْ بَعْضُكُمْ نَفْسَهُ لِبَعْضٍ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ. وَأَمَّا حَاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي أَسَتَعِينُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ، وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونَنِي فِيهَا؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا. لَقَدْ كُنَّا نَسْمُر فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَب بِالرَّاعِي [[في ر: "الراعي".]] وَتُفَرَّقُ الغنمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا ينعَي بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الحقَّ، ليَكْفُرن بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، وَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَمعَ صوتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا ودلَّهم عَلَيْهِ، وَكَانَ شُبِّه عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ، وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ، لَهُ: أَنْتَ كُنْتُ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَنْهَرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنْجِي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّه لَهُمْ فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إِنْ أَمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شُبِّه لَهُمْ فَأمُرَا الْحَوَارِيِّينَ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ. وَفَقَدُوا الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاخْتَنَقَ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ كَادَ يَتْبَعُهُمْ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى، قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ، فَانْطَلَقُوا، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ يحدّثُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدَعْهُمْ. سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ اسْمُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بُعِثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يفْظع عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ -فِيمَا ذُكِرَ لِي-فَظَعَه وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-"اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي" وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ ليتفصَّد دَمًا. فَدَخَلَ الْمَدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخلوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ [[في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".]] وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي [[في أ: "ويعقونس وندا".]] وَيُحَنَّسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَارَبِيسُ، وَفِيلِبْسُ، وَأَبْرَثُلْمَا وَمِنَى وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِيَا، وَتدَاوسِيسُ، وَقثَانيَا وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يُوطَا.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ [فِيهِمْ فِيمَا] [[زيادة من أ.]] ذَكَرَ لِي رَجُلٌ اسْمُهُ سِرْجِسُ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبّه لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، أَوْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ [حِينَ دَخَلُوا] [[زيادة من أ.]] وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ: أَنَّ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ [[في ر، أ: "جاءه الوحي".]] مِنَ اللَّهِ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عَلَى أَنْ [[في ر: "حتى".]] يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي، فَيَقْتُلُوهُ فِي مَكَانِي؟ فَقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي. فَجَلَسَ فِيهِ، ورفِع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وشُبّه لَهُمْ بِهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدُوا عِيسَى، فِيمَا يُرَون وَأَصْحَابَهُ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأقَبلهُ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ، فَخُذُوهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل [[في أ: "يشكك".]] أَنَّهُ عِيسَى، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ [[في أ: "فقتله".]] فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ.
ثُمَّ إِنْ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ. أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ". وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ [[رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ حَيًّا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى-يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، فَتَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٨٠) .]] .
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ. وَرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَوْلُ اللَّهُ، [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: "قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِلَيْهِ عِيسَى [إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ بَاعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يُؤْمِنُ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ. ذكرَ مَنْ كَانَ يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ عَلِمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ [[في د: "يعلم".]] لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي دِينِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كُلُّ صَاحِبِ كِتَابٍ يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ -قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ-وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُه حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيد، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ عُجِّلَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنَا عتَّاب بْنُ بَشِير [[في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".]] عَنْ خُصَيْف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾ لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الهُوِيّ. فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُلَجْلج بِهَا لِسَانُهُ.
وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّ ضُرِبَ بالسيف تكلم بِهِ، قَالَ: وَإِنَّ هَوَى تَكَلَّمَ [بِهِ] [[زيادة من ر.]] وَهُوَ يَهْوي.
وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الغَنَوي [[في د: "العوفي".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا صَحّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ وجُوَيْبر، وَالسُّدِّيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ونَقل قِرَاءَةَ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَسَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٧٠) .]]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَمُوتُ النَّصْرَانِيُّ وَلَا الْيَهُودِيُّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ القولُ الأولُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ر، أ.]] هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْآيِ فِي تَقْرِيرِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ، وَتَسْلِيمِ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوا الشَّبِيهَ وَهُمْ لَا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ حَيٌّ، وَإِنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ -الَّتِي سَنُورِدُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا-فَيَقْتُلُ مَسِيحَ [[في أ: "مسيخ".]] الضَّلَالَةِ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ -يَعْنِي: لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ-فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْ [[في د، ر، أ: "أنه".]] يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، الَّذِي زَعَمَ الْيَهُودُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ قُتِلَ وَصُلِبَ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي شَاهَدَهَا مِنْهُمْ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى أَوْ بِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا [الصَّلَاةُ وَ] [[زيادة من أ.]] وَالسَّلَامُ [[في د: "صلى الله عليه وسلم".]] فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ يَتَجَلي له مَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ، إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] [غَافِرٍ: ٨٤، ٨٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ [[في د: "رده".]] هَذَا الْقَوْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ أَوْ بِالْمَسِيحِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِمَا -يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَرِثُهُ أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ أَوْ ضُرب بِسَيْفٍ أَوِ افْتَرَسَهُ سَبُع، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى" فَالْإِيمَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَلَا يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَفْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تأهل هَذَا جَيِّدًا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ، اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ وُجُودِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيُكَذِّبَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ وَتَضَادَّتْ وَتَعَاكَسَتْ وَتَنَاقَضَتْ، وَخَلَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَفَرَّطَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: تَنَقَّصه الْيَهُودُ بِمَا رَمَوْهُ بِهِ وَأَمَّهُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَأَطْرَاهُ النَّصَارَى بِحَيْثُ ادَّعَوْا فِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرَفَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ أُولَئِكَ عَنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وتَقَدّس لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ صَحِيحِهِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ: (نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلَامُ) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ [[في ر: "حسن".]] الحُلْواني وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ﴾ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٣٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَة، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حَنْظَلَةَ [[في أ: "أبي حنظلة".]] بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيُهِلَّن عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا جَمِيعًا".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[المسند (٢/٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَمْحُو الصَّلِيبَ، وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ، وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا" قَالَ: وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] ﴾ فَزَعَمُ حَنْظَلَةُ [[في أ: "أبو حنظلة".]] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، فَلَا أَدْرِي هَذَا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٢/٢٩٠) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ " تَابِعَهُ عُقَيْلٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و (٢/٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا همَّام، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسلام، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ [[في أ: "المسيخ".]] الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُوَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ -وَلَمْ يُورِدْ [[في أ: "يروه".]] عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ سِوَاهُ-عَنْ بِشْر [[في أ: "بشير".]] بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَروبة -كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ-وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُن -صَاحِبُ السِّقَايَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَيُقَاتِلُ النَّاسُ عَلَى الْإِسْلَامِ [[المسند (٢/٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/٣٨٨) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان: عَنْ فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ -أَوْ بِدَابِقٍ-فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَ الرُّومُ: خَلَوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُ أَفْضَلُ الشهداء عند الله [عز وجل] [[زيادة من ر، أ.]] ويفتح الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعدّون لِلْقِتَالِ: يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأمَّهم [[في ر::إمامهم".]] فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبته" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشَب، عَنْ جَبَلة بْنِ [[في ر: "عن".]] سُحَيْم، عَنْ مُؤثر بْنِ عَفَازَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أسري بي إبراهيم وموسى وَعِيسَى، عَلَيْهِ [[في د، ر، أ:"عليهم".]] السَّلَامُ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وجل-أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ [[في ر:"الرضاب".]] قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ، إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا فتعالَ فَاقْتُلْهُ: قَالَ: فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا [[في د: "ولا".]] يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ يَشْكُونَهُمْ، فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الأرضُ مِنْ نَتْن رِيحِهِمْ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ، فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى نَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ المتِمّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا [[في أ: "بولادتها".]] لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشَّار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٠) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضرة قَالَ: أَتَيْنَا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ لِنَعْرِضَ عَلَيْهِ مُصْحَفًا لَنَا عَلَى مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَمَرَنَا فَاغْتَسَلْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا [[في ر: "أتانا".]] بِطِيبٍ فَتَطَيَّبْنَا، ثُمَّ جِئْنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَجَلَسْنَا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ أَمْصَارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَمِصْرٌ بِالْحِيرَةِ، وَمِصْرٌ بِالشَّامِ. فَيَفْزَعُ [[في د: "فزع".]] النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، فَيُهْزَمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَأَوَّلُ مِصْرٍ يَرِدُهُ الْمِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقيم تَقُولُ: نُشَامه نَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ. وَمَعَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمِصْرَ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشَامُّهُ وَنَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ بِغَرْبِ الشَّامِ وَيَنْحَازُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَقَبَةِ أَفِيق فَيَبْعَثُونَ سَرْحًا لَهُمْ، فَيُصَابُ سَرْحهم، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتُصِيبُهُمْ [[في د:"ويصيبهم".]] مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ ليحرقُ وتَرَ قَوْسه [[في ر:"ليحترق وتر قوته".]] فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّحَر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَاكُمُ الْغَوْثُ ثَلَاثًا" فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا لَصَوْت [[في ر: "الصوت".]] رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أَمِيرُهُمْ: رُوح اللَّهِ، تَقَدَّمْ صَلِّ. فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَرَاءُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَيَتَقَدَّمُ أَمِيرُهُمْ فَيُصَلِّي، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِيسَى حَرْبَته، فَيَذْهَبُ نَحْوَ الدَّجال، فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبته بين ثَنْدوَته [[في أ: "ثندوتيه".]] فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ [[في ر: "ويهزم".]] أَصْحَابُهُ، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يُوَارِي أَحَدًا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ. وَيَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/٥١) مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَقَالَ الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٢) : "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَة الشَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامة الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أكثرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ:
"لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّية آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّر أُمَّته الدَّجَّالَ. وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخَرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانيكم، فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي فَكَلٌّ [امرئ] [[زيادة من أ.]] حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] [[زيادة من د.]] يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاثْبُتُوا. وَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي: إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ [[في د: "يقول".]] أَنَا نَبِيٌّ" فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: "أَنَا رَبُّكُمْ"، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ [[في د: "أو غير".]] كَاتِبٍ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ. فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتِ النَّارُ [[في أ: "النار بردا".]] عَلَى إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلّط عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كنتُ بعدُ أَشُدَّ بَصِيرَةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ الرَّجُلُ [[في أ: "وذلك الرجال".]] أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ: قَالَ أَبُو [[في ر: "أبي".]] سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ [[في د: "سبيله".]] .
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطر، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ، [وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُر بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تبقى لهم سائمة إِلَّا هَلَكَتْ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ. حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وأمَدّه خَوَاصِرَ، وَأَدَرَّهُ ضُروعا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْب مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلتة، حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظّرَيب [[في د: "الضرب"، وفي ر: ":الضريب".]] الْأَحْمَرِ، عِنْدَ مُنْقَطع السَّبخَة، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفات، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَنْفى الخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، ويُدعى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ.
فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيك بِنْتُ أَبِي العَكَر [[في ر: "العكم".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصلي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ [عَلَيْهِمْ] [[زيادة من أ، وابن ماجة".]] عِيسَى [ابْنُ مَرْيَمَ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ، يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ لِيُقَدِّمَ [[في ر: "ليتقدم".]] عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ. فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ. فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ [[في أ: "إليهم".]] الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِنْ لِي فِيكَ ضَرْبَة لَنْ تَسْتَبِقَنِي بِهَا. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابَ لُدّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، وَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] يَتَوَارَى بِهِ الْيَهُودِيُّ [[في د: "يهودي".]] إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَائِطَ، وَلَا دَابَّةَ -إِلَّا الغَرْقدة فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ-إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ [[في د: "فيقال".]] اقْتُلْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ". فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] كَيْفَ نُصَلِّي، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تُقَدِّرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تُقَدِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ صَلّوا".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسطا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ [[في د، أ: "ويذبح".]] الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ، وَتَرْتَفِعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وتُنزع حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي [[في ر، أ: "في في".]] الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ، وتُفرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرَّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الأرضُ مِنَ السِّلْمِ [[في ر: "المسلم".]] كَمَا يُمْلأ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ تُنْبِتُ نَبَاتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القِطْف مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا، مِنَ الْمَالِ، ويَكون [[في د: "وتكون".]] الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ [[في د: "يركب".]] لِحَرْبٍ أَبَدًا" قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغلي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "تُحْرث الْأَرْضُ كُلُّهَا".
وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ [[في د: "خروجه".]] [الدَّجَّالِ] ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ، يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ [الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ] [[زيادة من د، ر، وابن ماجه.]] الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ، فَلَا تَقْطر قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَحْبِسَ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا تُنْبتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظلْف إِلَّا هَلَكَتْ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ".
فَقِيلَ: فَمَا يُعِيشُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ".
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٧٧) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال ابن معين: "يروي المناكير عن المجهولين"، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسر حديثه بروايته عن المجهولين.
وهو هنا يروي عن إسماعيل بن رافع المدني، وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها مما فيه نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ فِي جُمْلَةِ الضعفاء".]] ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ وَلْنَذْكُرْ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ هَاهُنَا لِشَبَهِهِ بِسِيَاقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفَير الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْران الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْر، بْنِ نُفَيْر، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فخفَّض فِيهِ ورَفَّع، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رَحَلْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فخفَّضت فِيهِ ورفَّعت حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجيجه دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ شابٌّ قَططُ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أَشْبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، مِنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خارجُ خَلَّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا": قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا [[في ر:"فما".]] لَبْثَتَه [[في أ:"لبثه".]] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيْامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ [[في د: "وذلك".]] الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى قَوْمٍ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارحتُهم أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَي، وَأَسْبَغَهُ ضُروعا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بالخَرِبة فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلتين رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبلُ وَيَتَهَلَّلُ [[في د: "متهلل".]] وَجْهُهُ وَيَضْحَكُ [[في و: "وجهه يضحك]] فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكين، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحدّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحل لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفسه إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي [[في ر: "تنتهي".]] حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدّ فَيَقْتُلُهُ.
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويحدِّثهم بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا [[في د: "فبينما هم وهو".]] هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسلون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرية [[في ر: "الطبرية".]] فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ [[في ر: "أحدهم".]] فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّة مَاءٌ. ويُحْصَر نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْت، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يكُن [[في ر: "يمكن".]] مِنْهُ بَيْتُ مَدَر وَلَا وَبَر فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزلَفَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَخْرِجِي ثَمَرَك ورُدّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العُصَابة مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقَحْفِها، وَيُبَارِكُ اللَّهُ فِي الرَّسْل حَتَّى إِنَّ اللَّقْحَة مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللَّقْحَةَ مِنَ الفَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تحت آباطهم، فتقبض الله رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُون فِيهَا تهارُجَ الحُمُر، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣٧) والمسند (٤/١٨٢) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢١) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٧٥) .]] .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ. وسنذكره أيضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ العَنْبِريّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ-: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحدث بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى [[في أ: "على".]] كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؟! -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لَقَدْ هممتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ:إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا: يُحرِّق الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ [[في د: "حبة خردل".]] -أَوْ إِيمَانٍ-إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَد جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبضَه" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خفَّة الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ-مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ-نُعْمَان الشَّاكُّ [[في أ: "بعمان السيل".]] -فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] قَالَ: "ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ [[في د، ر، أ: "قال وذلك يوم".]] ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٧] وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢] .
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٢٩) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في د: "عبيد الله بن عبد الله".]] بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ [[في "هـ": زيد.]] الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدّ -أَوْ: إِلَى جَانِبِ لُدّ" [[المسند (٣/٤٢٠) .]] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عمه مُجَمِّع ابن جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُد".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَرْزَة، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وكَيْسان، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَمُرة بْنِ جُنْدب، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضي الله عنهم أجمعين".]] [[المسند (٣/٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٤) .]] .
وَمُرَادُهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا فِيهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ. فَأَمَّا أَحَادِيثُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ فَقَطْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ لِانْتِشَارِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [[وقد ذكر هذه الأحاديث وبسط الكلام عليها المؤلف الحافظ ابن كثير في كتابه: النهاية في الفتن والملاحم.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَاري قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولُ [[في د، أ: "وخروج".]] عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمُشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ -أَوْ تَحْشُرُ-النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ فُرَات الْقَزَّازِ [[المسند (٤/٦) بسياق مختلف، وهذا هو سياق رواية ابن مهدي عن سفيان، وهي في المسند (٤/٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١) وأبو داود في السنن برقم (٤٣١١) والترمذي في السنن برقم (٢١٨٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠٥٥) .]] بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَريحَة حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيد الْغِفَارِيِّ، مَوْقُوفًا [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ومُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] وَأَبِي سَرِيحة وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِفَةِ نُزُولِهِ وَمَكَانِهِ، مِنْ أَنَّهُ بِالشَّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ، عِنْدَ الْمَنَارَةِ [[في د: "منارته".]] الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلصُّبْحِ [[في د:"عند إقامة صلاة الصبح".]] وَقَدْ بُنِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَنَارَةٌ لِلْجَامِعِ الأمَويّ بَيْضَاءُ، مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ، عِوَضا عَنِ الْمَنَارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الْحَرِيقِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَنِيعِ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وكان أكثر عمارتها مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَوِيَتِ الظُّنُونُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا [الْمَسِيحُ] [[زيادة من د، أ.]] عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَتَقْرِيرٌ وَتَشْرِيعٌ وَتَسْوِيغٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْزَاحُ عِلَلُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ شُبَهُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَلِهَذَا كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مُتَابَعَة لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى يَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من: د، ر، أ.]] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦١] وَقُرِئَ: "عَلَم" بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ إِشَارَةٌ [[في د، أ: "أمارة".]] وَدَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَقْتُلُهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".]] وَيَبْعَثُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من د.]] بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦، ٩٧] .
صِفَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ". وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودتين وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مَثَلُ جُمَان اللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَه "فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ [[في د: "قال حسبته مضطرب".]] رجْلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨) .]] الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا [[في د: "أما".]] عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدُ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزّط" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٨) وقد رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٨٤) أن الصواب عن ابن عباس لا عن ابن عمر فليراجع هناك.]] .
وَلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَر النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَم، كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجْل الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[في د: "قالوا هو المسيح".]] ثُمَّ رَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَن، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ". تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٩، ٣٤٤٠) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٩) .]] .
ثُمَّ رَوَاهُ [[في د: "روى".]] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكِّي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ لِعِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْط الشَّعْرِ، يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطف رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهرَاق رَأْسُهُ مَاءً-فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْد الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَن". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤١) .]] .
هَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتوفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَجْمُوعَ إِقَامَتِهِ فِيهَا قَبْلَ رَفْعِهِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُفع وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَشَاذٌّ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ تَارِيخِهِ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تاريخ دمشق (١٤/١٠٦ المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/١٥٤) بإسناده إلى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسَالَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ [[في د: "بعبودية الله".]] عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] .
وَهَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتَهُمْ وَطَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهَمْ عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَقْضُهُمُ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: حُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [بِغَيْرِ حَقٍّ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ فِي غِطَاءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ ادعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلُف لِلْعِلْمِ، أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ. رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [[في أ: "تفسيره".]] في سورة البقرة.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غُلْفٍ وَفِي أَكِنَّةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَلْ هُوَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِيمَانِ.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وجُوَيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمَوْهَا وَابْنَهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ [[بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله".]] هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا [[في ر::ذلك".]] الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٦] .
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ [[في أ: "فغضب ذلك".]] الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [[في ر، أ: "متولي البلد".]] ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] .
فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ [[في أ: "هو عيسى".]] ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ [[في د، ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ [[في ر: "وضح".]] اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [[في ر، أ: "كيف كان يكون".]] يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١) .]] وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فيقتلَ مَكَانِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: أُتِيَ عِيسَى وَعِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ وَأَحَاطُوا بِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرهم اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا. لَيَبْرُزَنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنَا عِيسَى -وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى-فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. فَمِنْ ثَمَّ شُبّه لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) ، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/٣٧٤) .]] .قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مِعْقَل: أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا، جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهم وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عليَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ، فَلَا يتعظَّم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وليبذلْ بَعْضُكُمْ نَفْسَهُ لِبَعْضٍ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ. وَأَمَّا حَاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي أَسَتَعِينُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ، وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونَنِي فِيهَا؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا. لَقَدْ كُنَّا نَسْمُر فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَب بِالرَّاعِي [[في ر: "الراعي".]] وَتُفَرَّقُ الغنمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا ينعَي بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الحقَّ، ليَكْفُرن بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، وَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَمعَ صوتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا ودلَّهم عَلَيْهِ، وَكَانَ شُبِّه عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ، وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ، لَهُ: أَنْتَ كُنْتُ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَنْهَرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنْجِي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّه لَهُمْ فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إِنْ أَمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شُبِّه لَهُمْ فَأمُرَا الْحَوَارِيِّينَ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ. وَفَقَدُوا الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاخْتَنَقَ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ كَادَ يَتْبَعُهُمْ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى، قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ، فَانْطَلَقُوا، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ يحدّثُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدَعْهُمْ. سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ اسْمُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بُعِثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يفْظع عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ -فِيمَا ذُكِرَ لِي-فَظَعَه وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-"اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي" وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ ليتفصَّد دَمًا. فَدَخَلَ الْمَدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخلوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ [[في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".]] وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي [[في أ: "ويعقونس وندا".]] وَيُحَنَّسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَارَبِيسُ، وَفِيلِبْسُ، وَأَبْرَثُلْمَا وَمِنَى وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِيَا، وَتدَاوسِيسُ، وَقثَانيَا وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يُوطَا.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ [فِيهِمْ فِيمَا] [[زيادة من أ.]] ذَكَرَ لِي رَجُلٌ اسْمُهُ سِرْجِسُ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبّه لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، أَوْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ [حِينَ دَخَلُوا] [[زيادة من أ.]] وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ: أَنَّ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ [[في ر، أ: "جاءه الوحي".]] مِنَ اللَّهِ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عَلَى أَنْ [[في ر: "حتى".]] يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي، فَيَقْتُلُوهُ فِي مَكَانِي؟ فَقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي. فَجَلَسَ فِيهِ، ورفِع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وشُبّه لَهُمْ بِهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدُوا عِيسَى، فِيمَا يُرَون وَأَصْحَابَهُ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأقَبلهُ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ، فَخُذُوهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل [[في أ: "يشكك".]] أَنَّهُ عِيسَى، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ [[في أ: "فقتله".]] فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ.
ثُمَّ إِنْ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ. أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ". وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ [[رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ حَيًّا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى-يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، فَتَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٨٠) .]] .
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ. وَرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَوْلُ اللَّهُ، [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: "قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِلَيْهِ عِيسَى [إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ بَاعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يُؤْمِنُ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ. ذكرَ مَنْ كَانَ يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ عَلِمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ [[في د: "يعلم".]] لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي دِينِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كُلُّ صَاحِبِ كِتَابٍ يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ -قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ-وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُه حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيد، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ عُجِّلَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنَا عتَّاب بْنُ بَشِير [[في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".]] عَنْ خُصَيْف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾ لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الهُوِيّ. فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُلَجْلج بِهَا لِسَانُهُ.
وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّ ضُرِبَ بالسيف تكلم بِهِ، قَالَ: وَإِنَّ هَوَى تَكَلَّمَ [بِهِ] [[زيادة من ر.]] وَهُوَ يَهْوي.
وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الغَنَوي [[في د: "العوفي".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا صَحّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ وجُوَيْبر، وَالسُّدِّيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ونَقل قِرَاءَةَ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَسَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٧٠) .]]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَمُوتُ النَّصْرَانِيُّ وَلَا الْيَهُودِيُّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ القولُ الأولُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ر، أ.]] هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْآيِ فِي تَقْرِيرِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ، وَتَسْلِيمِ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوا الشَّبِيهَ وَهُمْ لَا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ حَيٌّ، وَإِنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ -الَّتِي سَنُورِدُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا-فَيَقْتُلُ مَسِيحَ [[في أ: "مسيخ".]] الضَّلَالَةِ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ -يَعْنِي: لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ-فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْ [[في د، ر، أ: "أنه".]] يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، الَّذِي زَعَمَ الْيَهُودُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ قُتِلَ وَصُلِبَ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي شَاهَدَهَا مِنْهُمْ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى أَوْ بِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا [الصَّلَاةُ وَ] [[زيادة من أ.]] وَالسَّلَامُ [[في د: "صلى الله عليه وسلم".]] فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ يَتَجَلي له مَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ، إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] [غَافِرٍ: ٨٤، ٨٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ [[في د: "رده".]] هَذَا الْقَوْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ أَوْ بِالْمَسِيحِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِمَا -يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَرِثُهُ أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ أَوْ ضُرب بِسَيْفٍ أَوِ افْتَرَسَهُ سَبُع، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى" فَالْإِيمَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَلَا يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَفْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تأهل هَذَا جَيِّدًا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ، اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ وُجُودِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيُكَذِّبَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ وَتَضَادَّتْ وَتَعَاكَسَتْ وَتَنَاقَضَتْ، وَخَلَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَفَرَّطَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: تَنَقَّصه الْيَهُودُ بِمَا رَمَوْهُ بِهِ وَأَمَّهُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَأَطْرَاهُ النَّصَارَى بِحَيْثُ ادَّعَوْا فِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرَفَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ أُولَئِكَ عَنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وتَقَدّس لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ صَحِيحِهِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ: (نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلَامُ) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ [[في ر: "حسن".]] الحُلْواني وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ﴾ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٣٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَة، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حَنْظَلَةَ [[في أ: "أبي حنظلة".]] بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيُهِلَّن عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا جَمِيعًا".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[المسند (٢/٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَمْحُو الصَّلِيبَ، وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ، وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا" قَالَ: وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] ﴾ فَزَعَمُ حَنْظَلَةُ [[في أ: "أبو حنظلة".]] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، فَلَا أَدْرِي هَذَا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٢/٢٩٠) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ " تَابِعَهُ عُقَيْلٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و (٢/٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا همَّام، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسلام، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ [[في أ: "المسيخ".]] الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُوَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ -وَلَمْ يُورِدْ [[في أ: "يروه".]] عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ سِوَاهُ-عَنْ بِشْر [[في أ: "بشير".]] بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَروبة -كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ-وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُن -صَاحِبُ السِّقَايَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَيُقَاتِلُ النَّاسُ عَلَى الْإِسْلَامِ [[المسند (٢/٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/٣٨٨) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان: عَنْ فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ -أَوْ بِدَابِقٍ-فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَ الرُّومُ: خَلَوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُ أَفْضَلُ الشهداء عند الله [عز وجل] [[زيادة من ر، أ.]] ويفتح الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعدّون لِلْقِتَالِ: يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأمَّهم [[في ر::إمامهم".]] فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبته" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشَب، عَنْ جَبَلة بْنِ [[في ر: "عن".]] سُحَيْم، عَنْ مُؤثر بْنِ عَفَازَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أسري بي إبراهيم وموسى وَعِيسَى، عَلَيْهِ [[في د، ر، أ:"عليهم".]] السَّلَامُ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وجل-أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ [[في ر:"الرضاب".]] قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ، إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا فتعالَ فَاقْتُلْهُ: قَالَ: فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا [[في د: "ولا".]] يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ يَشْكُونَهُمْ، فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الأرضُ مِنْ نَتْن رِيحِهِمْ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ، فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى نَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ المتِمّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا [[في أ: "بولادتها".]] لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشَّار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٠) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضرة قَالَ: أَتَيْنَا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ لِنَعْرِضَ عَلَيْهِ مُصْحَفًا لَنَا عَلَى مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَمَرَنَا فَاغْتَسَلْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا [[في ر: "أتانا".]] بِطِيبٍ فَتَطَيَّبْنَا، ثُمَّ جِئْنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَجَلَسْنَا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ أَمْصَارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَمِصْرٌ بِالْحِيرَةِ، وَمِصْرٌ بِالشَّامِ. فَيَفْزَعُ [[في د: "فزع".]] النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، فَيُهْزَمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَأَوَّلُ مِصْرٍ يَرِدُهُ الْمِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقيم تَقُولُ: نُشَامه نَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ. وَمَعَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمِصْرَ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشَامُّهُ وَنَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ بِغَرْبِ الشَّامِ وَيَنْحَازُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَقَبَةِ أَفِيق فَيَبْعَثُونَ سَرْحًا لَهُمْ، فَيُصَابُ سَرْحهم، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتُصِيبُهُمْ [[في د:"ويصيبهم".]] مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ ليحرقُ وتَرَ قَوْسه [[في ر:"ليحترق وتر قوته".]] فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّحَر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَاكُمُ الْغَوْثُ ثَلَاثًا" فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا لَصَوْت [[في ر: "الصوت".]] رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أَمِيرُهُمْ: رُوح اللَّهِ، تَقَدَّمْ صَلِّ. فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَرَاءُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَيَتَقَدَّمُ أَمِيرُهُمْ فَيُصَلِّي، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِيسَى حَرْبَته، فَيَذْهَبُ نَحْوَ الدَّجال، فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبته بين ثَنْدوَته [[في أ: "ثندوتيه".]] فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ [[في ر: "ويهزم".]] أَصْحَابُهُ، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يُوَارِي أَحَدًا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ. وَيَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/٥١) مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَقَالَ الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٢) : "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَة الشَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامة الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أكثرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ:
"لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّية آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّر أُمَّته الدَّجَّالَ. وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخَرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانيكم، فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي فَكَلٌّ [امرئ] [[زيادة من أ.]] حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] [[زيادة من د.]] يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاثْبُتُوا. وَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي: إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ [[في د: "يقول".]] أَنَا نَبِيٌّ" فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: "أَنَا رَبُّكُمْ"، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ [[في د: "أو غير".]] كَاتِبٍ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ. فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتِ النَّارُ [[في أ: "النار بردا".]] عَلَى إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلّط عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كنتُ بعدُ أَشُدَّ بَصِيرَةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ الرَّجُلُ [[في أ: "وذلك الرجال".]] أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ: قَالَ أَبُو [[في ر: "أبي".]] سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ [[في د: "سبيله".]] .
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطر، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ، [وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُر بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تبقى لهم سائمة إِلَّا هَلَكَتْ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ. حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وأمَدّه خَوَاصِرَ، وَأَدَرَّهُ ضُروعا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْب مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلتة، حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظّرَيب [[في د: "الضرب"، وفي ر: ":الضريب".]] الْأَحْمَرِ، عِنْدَ مُنْقَطع السَّبخَة، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفات، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَنْفى الخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، ويُدعى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ.
فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيك بِنْتُ أَبِي العَكَر [[في ر: "العكم".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصلي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ [عَلَيْهِمْ] [[زيادة من أ، وابن ماجة".]] عِيسَى [ابْنُ مَرْيَمَ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ، يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ لِيُقَدِّمَ [[في ر: "ليتقدم".]] عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ. فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ. فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ [[في أ: "إليهم".]] الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِنْ لِي فِيكَ ضَرْبَة لَنْ تَسْتَبِقَنِي بِهَا. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابَ لُدّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، وَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] يَتَوَارَى بِهِ الْيَهُودِيُّ [[في د: "يهودي".]] إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَائِطَ، وَلَا دَابَّةَ -إِلَّا الغَرْقدة فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ-إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ [[في د: "فيقال".]] اقْتُلْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ". فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] كَيْفَ نُصَلِّي، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تُقَدِّرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تُقَدِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ صَلّوا".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسطا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ [[في د، أ: "ويذبح".]] الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ، وَتَرْتَفِعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وتُنزع حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي [[في ر، أ: "في في".]] الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ، وتُفرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرَّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الأرضُ مِنَ السِّلْمِ [[في ر: "المسلم".]] كَمَا يُمْلأ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ تُنْبِتُ نَبَاتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القِطْف مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا، مِنَ الْمَالِ، ويَكون [[في د: "وتكون".]] الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ [[في د: "يركب".]] لِحَرْبٍ أَبَدًا" قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغلي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "تُحْرث الْأَرْضُ كُلُّهَا".
وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ [[في د: "خروجه".]] [الدَّجَّالِ] ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ، يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ [الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ] [[زيادة من د، ر، وابن ماجه.]] الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ، فَلَا تَقْطر قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَحْبِسَ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا تُنْبتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظلْف إِلَّا هَلَكَتْ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ".
فَقِيلَ: فَمَا يُعِيشُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ".
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٧٧) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال ابن معين: "يروي المناكير عن المجهولين"، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسر حديثه بروايته عن المجهولين.
وهو هنا يروي عن إسماعيل بن رافع المدني، وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها مما فيه نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ فِي جُمْلَةِ الضعفاء".]] ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ وَلْنَذْكُرْ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ هَاهُنَا لِشَبَهِهِ بِسِيَاقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفَير الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْران الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْر، بْنِ نُفَيْر، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فخفَّض فِيهِ ورَفَّع، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رَحَلْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فخفَّضت فِيهِ ورفَّعت حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجيجه دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ شابٌّ قَططُ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أَشْبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، مِنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خارجُ خَلَّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا": قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا [[في ر:"فما".]] لَبْثَتَه [[في أ:"لبثه".]] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيْامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ [[في د: "وذلك".]] الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى قَوْمٍ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارحتُهم أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَي، وَأَسْبَغَهُ ضُروعا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بالخَرِبة فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلتين رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبلُ وَيَتَهَلَّلُ [[في د: "متهلل".]] وَجْهُهُ وَيَضْحَكُ [[في و: "وجهه يضحك]] فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكين، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحدّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحل لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفسه إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي [[في ر: "تنتهي".]] حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدّ فَيَقْتُلُهُ.
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويحدِّثهم بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا [[في د: "فبينما هم وهو".]] هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسلون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرية [[في ر: "الطبرية".]] فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ [[في ر: "أحدهم".]] فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّة مَاءٌ. ويُحْصَر نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْت، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يكُن [[في ر: "يمكن".]] مِنْهُ بَيْتُ مَدَر وَلَا وَبَر فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزلَفَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَخْرِجِي ثَمَرَك ورُدّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العُصَابة مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقَحْفِها، وَيُبَارِكُ اللَّهُ فِي الرَّسْل حَتَّى إِنَّ اللَّقْحَة مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللَّقْحَةَ مِنَ الفَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تحت آباطهم، فتقبض الله رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُون فِيهَا تهارُجَ الحُمُر، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣٧) والمسند (٤/١٨٢) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢١) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٧٥) .]] .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ. وسنذكره أيضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ العَنْبِريّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ-: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحدث بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى [[في أ: "على".]] كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؟! -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لَقَدْ هممتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ:إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا: يُحرِّق الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ [[في د: "حبة خردل".]] -أَوْ إِيمَانٍ-إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَد جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبضَه" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خفَّة الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ-مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ-نُعْمَان الشَّاكُّ [[في أ: "بعمان السيل".]] -فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] قَالَ: "ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ [[في د، ر، أ: "قال وذلك يوم".]] ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٧] وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢] .
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٢٩) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في د: "عبيد الله بن عبد الله".]] بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ [[في "هـ": زيد.]] الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدّ -أَوْ: إِلَى جَانِبِ لُدّ" [[المسند (٣/٤٢٠) .]] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عمه مُجَمِّع ابن جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُد".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَرْزَة، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وكَيْسان، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَمُرة بْنِ جُنْدب، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضي الله عنهم أجمعين".]] [[المسند (٣/٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٤) .]] .
وَمُرَادُهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا فِيهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ. فَأَمَّا أَحَادِيثُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ فَقَطْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ لِانْتِشَارِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [[وقد ذكر هذه الأحاديث وبسط الكلام عليها المؤلف الحافظ ابن كثير في كتابه: النهاية في الفتن والملاحم.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَاري قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولُ [[في د، أ: "وخروج".]] عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمُشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ -أَوْ تَحْشُرُ-النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ فُرَات الْقَزَّازِ [[المسند (٤/٦) بسياق مختلف، وهذا هو سياق رواية ابن مهدي عن سفيان، وهي في المسند (٤/٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١) وأبو داود في السنن برقم (٤٣١١) والترمذي في السنن برقم (٢١٨٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠٥٥) .]] بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَريحَة حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيد الْغِفَارِيِّ، مَوْقُوفًا [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ومُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] وَأَبِي سَرِيحة وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِفَةِ نُزُولِهِ وَمَكَانِهِ، مِنْ أَنَّهُ بِالشَّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ، عِنْدَ الْمَنَارَةِ [[في د: "منارته".]] الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلصُّبْحِ [[في د:"عند إقامة صلاة الصبح".]] وَقَدْ بُنِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَنَارَةٌ لِلْجَامِعِ الأمَويّ بَيْضَاءُ، مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ، عِوَضا عَنِ الْمَنَارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الْحَرِيقِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَنِيعِ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وكان أكثر عمارتها مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَوِيَتِ الظُّنُونُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا [الْمَسِيحُ] [[زيادة من د، أ.]] عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَتَقْرِيرٌ وَتَشْرِيعٌ وَتَسْوِيغٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْزَاحُ عِلَلُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ شُبَهُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَلِهَذَا كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مُتَابَعَة لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى يَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من: د، ر، أ.]] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦١] وَقُرِئَ: "عَلَم" بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ إِشَارَةٌ [[في د، أ: "أمارة".]] وَدَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَقْتُلُهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".]] وَيَبْعَثُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من د.]] بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦، ٩٧] .
صِفَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ". وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودتين وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مَثَلُ جُمَان اللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَه "فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ [[في د: "قال حسبته مضطرب".]] رجْلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨) .]] الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا [[في د: "أما".]] عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدُ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزّط" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٨) وقد رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٨٤) أن الصواب عن ابن عباس لا عن ابن عمر فليراجع هناك.]] .
وَلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَر النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَم، كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجْل الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[في د: "قالوا هو المسيح".]] ثُمَّ رَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَن، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ". تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٩، ٣٤٤٠) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٩) .]] .
ثُمَّ رَوَاهُ [[في د: "روى".]] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكِّي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ لِعِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْط الشَّعْرِ، يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطف رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهرَاق رَأْسُهُ مَاءً-فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْد الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَن". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤١) .]] .
هَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتوفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَجْمُوعَ إِقَامَتِهِ فِيهَا قَبْلَ رَفْعِهِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُفع وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَشَاذٌّ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ تَارِيخِهِ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تاريخ دمشق (١٤/١٠٦ المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/١٥٤) بإسناده إلى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسَالَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ [[في د: "بعبودية الله".]] عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] .
وَهَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتَهُمْ وَطَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهَمْ عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَقْضُهُمُ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: حُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [بِغَيْرِ حَقٍّ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ فِي غِطَاءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ ادعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلُف لِلْعِلْمِ، أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ. رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [[في أ: "تفسيره".]] في سورة البقرة.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غُلْفٍ وَفِي أَكِنَّةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَلْ هُوَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِيمَانِ.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وجُوَيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمَوْهَا وَابْنَهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ [[بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله".]] هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا [[في ر::ذلك".]] الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٦] .
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ [[في أ: "فغضب ذلك".]] الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [[في ر، أ: "متولي البلد".]] ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] .
فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ [[في أ: "هو عيسى".]] ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ [[في د، ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ [[في ر: "وضح".]] اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [[في ر، أ: "كيف كان يكون".]] يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١) .]] وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فيقتلَ مَكَانِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: أُتِيَ عِيسَى وَعِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ وَأَحَاطُوا بِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرهم اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا. لَيَبْرُزَنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنَا عِيسَى -وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى-فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. فَمِنْ ثَمَّ شُبّه لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) ، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/٣٧٤) .]] .قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مِعْقَل: أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا، جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهم وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عليَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ، فَلَا يتعظَّم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وليبذلْ بَعْضُكُمْ نَفْسَهُ لِبَعْضٍ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ. وَأَمَّا حَاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي أَسَتَعِينُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ، وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونَنِي فِيهَا؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا. لَقَدْ كُنَّا نَسْمُر فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَب بِالرَّاعِي [[في ر: "الراعي".]] وَتُفَرَّقُ الغنمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا ينعَي بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الحقَّ، ليَكْفُرن بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، وَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَمعَ صوتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا ودلَّهم عَلَيْهِ، وَكَانَ شُبِّه عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ، وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ، لَهُ: أَنْتَ كُنْتُ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَنْهَرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنْجِي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّه لَهُمْ فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إِنْ أَمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شُبِّه لَهُمْ فَأمُرَا الْحَوَارِيِّينَ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ. وَفَقَدُوا الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاخْتَنَقَ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ كَادَ يَتْبَعُهُمْ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى، قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ، فَانْطَلَقُوا، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ يحدّثُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدَعْهُمْ. سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ اسْمُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بُعِثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يفْظع عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ -فِيمَا ذُكِرَ لِي-فَظَعَه وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-"اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي" وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ ليتفصَّد دَمًا. فَدَخَلَ الْمَدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخلوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ [[في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".]] وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي [[في أ: "ويعقونس وندا".]] وَيُحَنَّسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَارَبِيسُ، وَفِيلِبْسُ، وَأَبْرَثُلْمَا وَمِنَى وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِيَا، وَتدَاوسِيسُ، وَقثَانيَا وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يُوطَا.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ [فِيهِمْ فِيمَا] [[زيادة من أ.]] ذَكَرَ لِي رَجُلٌ اسْمُهُ سِرْجِسُ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبّه لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، أَوْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ [حِينَ دَخَلُوا] [[زيادة من أ.]] وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ: أَنَّ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ [[في ر، أ: "جاءه الوحي".]] مِنَ اللَّهِ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عَلَى أَنْ [[في ر: "حتى".]] يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي، فَيَقْتُلُوهُ فِي مَكَانِي؟ فَقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي. فَجَلَسَ فِيهِ، ورفِع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وشُبّه لَهُمْ بِهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدُوا عِيسَى، فِيمَا يُرَون وَأَصْحَابَهُ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأقَبلهُ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ، فَخُذُوهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل [[في أ: "يشكك".]] أَنَّهُ عِيسَى، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ [[في أ: "فقتله".]] فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ.
ثُمَّ إِنْ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ. أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ". وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ [[رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ حَيًّا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى-يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، فَتَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٨٠) .]] .
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ. وَرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَوْلُ اللَّهُ، [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: "قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِلَيْهِ عِيسَى [إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ بَاعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يُؤْمِنُ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ. ذكرَ مَنْ كَانَ يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ عَلِمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ [[في د: "يعلم".]] لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي دِينِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كُلُّ صَاحِبِ كِتَابٍ يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ -قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ-وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُه حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيد، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ عُجِّلَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنَا عتَّاب بْنُ بَشِير [[في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".]] عَنْ خُصَيْف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾ لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الهُوِيّ. فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُلَجْلج بِهَا لِسَانُهُ.
وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّ ضُرِبَ بالسيف تكلم بِهِ، قَالَ: وَإِنَّ هَوَى تَكَلَّمَ [بِهِ] [[زيادة من ر.]] وَهُوَ يَهْوي.
وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الغَنَوي [[في د: "العوفي".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا صَحّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ وجُوَيْبر، وَالسُّدِّيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ونَقل قِرَاءَةَ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَسَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٧٠) .]]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَمُوتُ النَّصْرَانِيُّ وَلَا الْيَهُودِيُّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ القولُ الأولُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ر، أ.]] هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْآيِ فِي تَقْرِيرِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ، وَتَسْلِيمِ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوا الشَّبِيهَ وَهُمْ لَا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ حَيٌّ، وَإِنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ -الَّتِي سَنُورِدُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا-فَيَقْتُلُ مَسِيحَ [[في أ: "مسيخ".]] الضَّلَالَةِ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ -يَعْنِي: لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ-فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْ [[في د، ر، أ: "أنه".]] يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، الَّذِي زَعَمَ الْيَهُودُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ قُتِلَ وَصُلِبَ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي شَاهَدَهَا مِنْهُمْ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى أَوْ بِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا [الصَّلَاةُ وَ] [[زيادة من أ.]] وَالسَّلَامُ [[في د: "صلى الله عليه وسلم".]] فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ يَتَجَلي له مَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ، إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] [غَافِرٍ: ٨٤، ٨٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ [[في د: "رده".]] هَذَا الْقَوْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ أَوْ بِالْمَسِيحِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِمَا -يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَرِثُهُ أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ أَوْ ضُرب بِسَيْفٍ أَوِ افْتَرَسَهُ سَبُع، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى" فَالْإِيمَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَلَا يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَفْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تأهل هَذَا جَيِّدًا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ، اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ وُجُودِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيُكَذِّبَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ وَتَضَادَّتْ وَتَعَاكَسَتْ وَتَنَاقَضَتْ، وَخَلَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَفَرَّطَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: تَنَقَّصه الْيَهُودُ بِمَا رَمَوْهُ بِهِ وَأَمَّهُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَأَطْرَاهُ النَّصَارَى بِحَيْثُ ادَّعَوْا فِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرَفَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ أُولَئِكَ عَنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وتَقَدّس لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ صَحِيحِهِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ: (نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلَامُ) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ [[في ر: "حسن".]] الحُلْواني وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ﴾ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٣٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَة، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حَنْظَلَةَ [[في أ: "أبي حنظلة".]] بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيُهِلَّن عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا جَمِيعًا".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[المسند (٢/٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَمْحُو الصَّلِيبَ، وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ، وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا" قَالَ: وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] ﴾ فَزَعَمُ حَنْظَلَةُ [[في أ: "أبو حنظلة".]] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، فَلَا أَدْرِي هَذَا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٢/٢٩٠) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ " تَابِعَهُ عُقَيْلٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و (٢/٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا همَّام، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسلام، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ [[في أ: "المسيخ".]] الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُوَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ -وَلَمْ يُورِدْ [[في أ: "يروه".]] عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ سِوَاهُ-عَنْ بِشْر [[في أ: "بشير".]] بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَروبة -كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ-وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُن -صَاحِبُ السِّقَايَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَيُقَاتِلُ النَّاسُ عَلَى الْإِسْلَامِ [[المسند (٢/٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/٣٨٨) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان: عَنْ فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ -أَوْ بِدَابِقٍ-فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَ الرُّومُ: خَلَوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُ أَفْضَلُ الشهداء عند الله [عز وجل] [[زيادة من ر، أ.]] ويفتح الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعدّون لِلْقِتَالِ: يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأمَّهم [[في ر::إمامهم".]] فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبته" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشَب، عَنْ جَبَلة بْنِ [[في ر: "عن".]] سُحَيْم، عَنْ مُؤثر بْنِ عَفَازَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أسري بي إبراهيم وموسى وَعِيسَى، عَلَيْهِ [[في د، ر، أ:"عليهم".]] السَّلَامُ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وجل-أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ [[في ر:"الرضاب".]] قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ، إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا فتعالَ فَاقْتُلْهُ: قَالَ: فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا [[في د: "ولا".]] يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ يَشْكُونَهُمْ، فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الأرضُ مِنْ نَتْن رِيحِهِمْ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ، فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى نَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ المتِمّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا [[في أ: "بولادتها".]] لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشَّار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٠) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضرة قَالَ: أَتَيْنَا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ لِنَعْرِضَ عَلَيْهِ مُصْحَفًا لَنَا عَلَى مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَمَرَنَا فَاغْتَسَلْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا [[في ر: "أتانا".]] بِطِيبٍ فَتَطَيَّبْنَا، ثُمَّ جِئْنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَجَلَسْنَا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ أَمْصَارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَمِصْرٌ بِالْحِيرَةِ، وَمِصْرٌ بِالشَّامِ. فَيَفْزَعُ [[في د: "فزع".]] النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، فَيُهْزَمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَأَوَّلُ مِصْرٍ يَرِدُهُ الْمِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقيم تَقُولُ: نُشَامه نَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ. وَمَعَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمِصْرَ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشَامُّهُ وَنَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ بِغَرْبِ الشَّامِ وَيَنْحَازُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَقَبَةِ أَفِيق فَيَبْعَثُونَ سَرْحًا لَهُمْ، فَيُصَابُ سَرْحهم، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتُصِيبُهُمْ [[في د:"ويصيبهم".]] مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ ليحرقُ وتَرَ قَوْسه [[في ر:"ليحترق وتر قوته".]] فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّحَر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَاكُمُ الْغَوْثُ ثَلَاثًا" فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا لَصَوْت [[في ر: "الصوت".]] رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أَمِيرُهُمْ: رُوح اللَّهِ، تَقَدَّمْ صَلِّ. فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَرَاءُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَيَتَقَدَّمُ أَمِيرُهُمْ فَيُصَلِّي، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِيسَى حَرْبَته، فَيَذْهَبُ نَحْوَ الدَّجال، فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبته بين ثَنْدوَته [[في أ: "ثندوتيه".]] فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ [[في ر: "ويهزم".]] أَصْحَابُهُ، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يُوَارِي أَحَدًا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ. وَيَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/٥١) مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَقَالَ الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٢) : "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَة الشَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامة الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أكثرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ:
"لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّية آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّر أُمَّته الدَّجَّالَ. وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخَرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانيكم، فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي فَكَلٌّ [امرئ] [[زيادة من أ.]] حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] [[زيادة من د.]] يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاثْبُتُوا. وَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي: إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ [[في د: "يقول".]] أَنَا نَبِيٌّ" فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: "أَنَا رَبُّكُمْ"، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ [[في د: "أو غير".]] كَاتِبٍ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ. فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتِ النَّارُ [[في أ: "النار بردا".]] عَلَى إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلّط عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كنتُ بعدُ أَشُدَّ بَصِيرَةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ الرَّجُلُ [[في أ: "وذلك الرجال".]] أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ: قَالَ أَبُو [[في ر: "أبي".]] سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ [[في د: "سبيله".]] .
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطر، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ، [وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُر بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تبقى لهم سائمة إِلَّا هَلَكَتْ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ. حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وأمَدّه خَوَاصِرَ، وَأَدَرَّهُ ضُروعا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْب مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلتة، حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظّرَيب [[في د: "الضرب"، وفي ر: ":الضريب".]] الْأَحْمَرِ، عِنْدَ مُنْقَطع السَّبخَة، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفات، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَنْفى الخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، ويُدعى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ.
فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيك بِنْتُ أَبِي العَكَر [[في ر: "العكم".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصلي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ [عَلَيْهِمْ] [[زيادة من أ، وابن ماجة".]] عِيسَى [ابْنُ مَرْيَمَ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ، يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ لِيُقَدِّمَ [[في ر: "ليتقدم".]] عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ. فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ. فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ [[في أ: "إليهم".]] الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِنْ لِي فِيكَ ضَرْبَة لَنْ تَسْتَبِقَنِي بِهَا. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابَ لُدّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، وَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] يَتَوَارَى بِهِ الْيَهُودِيُّ [[في د: "يهودي".]] إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَائِطَ، وَلَا دَابَّةَ -إِلَّا الغَرْقدة فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ-إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ [[في د: "فيقال".]] اقْتُلْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ". فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] كَيْفَ نُصَلِّي، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تُقَدِّرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تُقَدِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ صَلّوا".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسطا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ [[في د، أ: "ويذبح".]] الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ، وَتَرْتَفِعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وتُنزع حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي [[في ر، أ: "في في".]] الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ، وتُفرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرَّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الأرضُ مِنَ السِّلْمِ [[في ر: "المسلم".]] كَمَا يُمْلأ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ تُنْبِتُ نَبَاتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القِطْف مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا، مِنَ الْمَالِ، ويَكون [[في د: "وتكون".]] الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ [[في د: "يركب".]] لِحَرْبٍ أَبَدًا" قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغلي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "تُحْرث الْأَرْضُ كُلُّهَا".
وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ [[في د: "خروجه".]] [الدَّجَّالِ] ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ، يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ [الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ] [[زيادة من د، ر، وابن ماجه.]] الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ، فَلَا تَقْطر قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَحْبِسَ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا تُنْبتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظلْف إِلَّا هَلَكَتْ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ".
فَقِيلَ: فَمَا يُعِيشُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ".
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٧٧) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال ابن معين: "يروي المناكير عن المجهولين"، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسر حديثه بروايته عن المجهولين.
وهو هنا يروي عن إسماعيل بن رافع المدني، وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها مما فيه نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ فِي جُمْلَةِ الضعفاء".]] ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ وَلْنَذْكُرْ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ هَاهُنَا لِشَبَهِهِ بِسِيَاقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفَير الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْران الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْر، بْنِ نُفَيْر، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فخفَّض فِيهِ ورَفَّع، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رَحَلْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فخفَّضت فِيهِ ورفَّعت حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجيجه دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ شابٌّ قَططُ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أَشْبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، مِنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خارجُ خَلَّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا": قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا [[في ر:"فما".]] لَبْثَتَه [[في أ:"لبثه".]] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيْامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ [[في د: "وذلك".]] الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى قَوْمٍ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارحتُهم أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَي، وَأَسْبَغَهُ ضُروعا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بالخَرِبة فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلتين رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبلُ وَيَتَهَلَّلُ [[في د: "متهلل".]] وَجْهُهُ وَيَضْحَكُ [[في و: "وجهه يضحك]] فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكين، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحدّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحل لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفسه إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي [[في ر: "تنتهي".]] حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدّ فَيَقْتُلُهُ.
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويحدِّثهم بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا [[في د: "فبينما هم وهو".]] هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسلون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرية [[في ر: "الطبرية".]] فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ [[في ر: "أحدهم".]] فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّة مَاءٌ. ويُحْصَر نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْت، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يكُن [[في ر: "يمكن".]] مِنْهُ بَيْتُ مَدَر وَلَا وَبَر فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزلَفَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَخْرِجِي ثَمَرَك ورُدّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العُصَابة مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقَحْفِها، وَيُبَارِكُ اللَّهُ فِي الرَّسْل حَتَّى إِنَّ اللَّقْحَة مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللَّقْحَةَ مِنَ الفَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تحت آباطهم، فتقبض الله رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُون فِيهَا تهارُجَ الحُمُر، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣٧) والمسند (٤/١٨٢) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢١) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٧٥) .]] .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ. وسنذكره أيضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ العَنْبِريّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ-: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحدث بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى [[في أ: "على".]] كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؟! -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لَقَدْ هممتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ:إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا: يُحرِّق الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ [[في د: "حبة خردل".]] -أَوْ إِيمَانٍ-إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَد جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبضَه" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خفَّة الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ-مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ-نُعْمَان الشَّاكُّ [[في أ: "بعمان السيل".]] -فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] قَالَ: "ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ [[في د، ر، أ: "قال وذلك يوم".]] ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٧] وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢] .
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٢٩) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في د: "عبيد الله بن عبد الله".]] بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ [[في "هـ": زيد.]] الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدّ -أَوْ: إِلَى جَانِبِ لُدّ" [[المسند (٣/٤٢٠) .]] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عمه مُجَمِّع ابن جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُد".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَرْزَة، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وكَيْسان، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَمُرة بْنِ جُنْدب، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضي الله عنهم أجمعين".]] [[المسند (٣/٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٤) .]] .
وَمُرَادُهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا فِيهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ. فَأَمَّا أَحَادِيثُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ فَقَطْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ لِانْتِشَارِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [[وقد ذكر هذه الأحاديث وبسط الكلام عليها المؤلف الحافظ ابن كثير في كتابه: النهاية في الفتن والملاحم.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَاري قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولُ [[في د، أ: "وخروج".]] عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمُشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ -أَوْ تَحْشُرُ-النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ فُرَات الْقَزَّازِ [[المسند (٤/٦) بسياق مختلف، وهذا هو سياق رواية ابن مهدي عن سفيان، وهي في المسند (٤/٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١) وأبو داود في السنن برقم (٤٣١١) والترمذي في السنن برقم (٢١٨٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠٥٥) .]] بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَريحَة حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيد الْغِفَارِيِّ، مَوْقُوفًا [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ومُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] وَأَبِي سَرِيحة وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِفَةِ نُزُولِهِ وَمَكَانِهِ، مِنْ أَنَّهُ بِالشَّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ، عِنْدَ الْمَنَارَةِ [[في د: "منارته".]] الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلصُّبْحِ [[في د:"عند إقامة صلاة الصبح".]] وَقَدْ بُنِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَنَارَةٌ لِلْجَامِعِ الأمَويّ بَيْضَاءُ، مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ، عِوَضا عَنِ الْمَنَارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الْحَرِيقِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَنِيعِ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وكان أكثر عمارتها مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَوِيَتِ الظُّنُونُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا [الْمَسِيحُ] [[زيادة من د، أ.]] عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَتَقْرِيرٌ وَتَشْرِيعٌ وَتَسْوِيغٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْزَاحُ عِلَلُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ شُبَهُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَلِهَذَا كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مُتَابَعَة لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى يَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من: د، ر، أ.]] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦١] وَقُرِئَ: "عَلَم" بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ إِشَارَةٌ [[في د، أ: "أمارة".]] وَدَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَقْتُلُهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".]] وَيَبْعَثُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من د.]] بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦، ٩٧] .
صِفَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ". وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودتين وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مَثَلُ جُمَان اللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَه "فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ [[في د: "قال حسبته مضطرب".]] رجْلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨) .]] الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا [[في د: "أما".]] عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدُ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزّط" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٨) وقد رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٨٤) أن الصواب عن ابن عباس لا عن ابن عمر فليراجع هناك.]] .
وَلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَر النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَم، كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجْل الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[في د: "قالوا هو المسيح".]] ثُمَّ رَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَن، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ". تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٩، ٣٤٤٠) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٩) .]] .
ثُمَّ رَوَاهُ [[في د: "روى".]] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكِّي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ لِعِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْط الشَّعْرِ، يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطف رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهرَاق رَأْسُهُ مَاءً-فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْد الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَن". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤١) .]] .
هَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتوفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَجْمُوعَ إِقَامَتِهِ فِيهَا قَبْلَ رَفْعِهِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُفع وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَشَاذٌّ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ تَارِيخِهِ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تاريخ دمشق (١٤/١٠٦ المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/١٥٤) بإسناده إلى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسَالَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ [[في د: "بعبودية الله".]] عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] .
وَهَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتَهُمْ وَطَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهَمْ عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَقْضُهُمُ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: حُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [بِغَيْرِ حَقٍّ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ فِي غِطَاءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ ادعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلُف لِلْعِلْمِ، أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ. رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [[في أ: "تفسيره".]] في سورة البقرة.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غُلْفٍ وَفِي أَكِنَّةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَلْ هُوَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِيمَانِ.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وجُوَيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمَوْهَا وَابْنَهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ [[بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله".]] هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا [[في ر::ذلك".]] الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٦] .
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ [[في أ: "فغضب ذلك".]] الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [[في ر، أ: "متولي البلد".]] ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] .
فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ [[في أ: "هو عيسى".]] ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ [[في د، ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ [[في ر: "وضح".]] اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [[في ر، أ: "كيف كان يكون".]] يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١) .]] وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فيقتلَ مَكَانِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: أُتِيَ عِيسَى وَعِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ وَأَحَاطُوا بِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرهم اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا. لَيَبْرُزَنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنَا عِيسَى -وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى-فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. فَمِنْ ثَمَّ شُبّه لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) ، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/٣٧٤) .]] .قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مِعْقَل: أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا، جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهم وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عليَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ، فَلَا يتعظَّم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وليبذلْ بَعْضُكُمْ نَفْسَهُ لِبَعْضٍ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ. وَأَمَّا حَاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي أَسَتَعِينُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ، وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونَنِي فِيهَا؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا. لَقَدْ كُنَّا نَسْمُر فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَب بِالرَّاعِي [[في ر: "الراعي".]] وَتُفَرَّقُ الغنمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا ينعَي بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الحقَّ، ليَكْفُرن بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، وَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَمعَ صوتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا ودلَّهم عَلَيْهِ، وَكَانَ شُبِّه عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ، وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ، لَهُ: أَنْتَ كُنْتُ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَنْهَرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنْجِي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّه لَهُمْ فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إِنْ أَمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شُبِّه لَهُمْ فَأمُرَا الْحَوَارِيِّينَ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ. وَفَقَدُوا الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاخْتَنَقَ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ كَادَ يَتْبَعُهُمْ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى، قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ، فَانْطَلَقُوا، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ يحدّثُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدَعْهُمْ. سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ اسْمُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بُعِثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يفْظع عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ -فِيمَا ذُكِرَ لِي-فَظَعَه وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-"اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي" وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ ليتفصَّد دَمًا. فَدَخَلَ الْمَدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخلوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ [[في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".]] وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي [[في أ: "ويعقونس وندا".]] وَيُحَنَّسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَارَبِيسُ، وَفِيلِبْسُ، وَأَبْرَثُلْمَا وَمِنَى وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِيَا، وَتدَاوسِيسُ، وَقثَانيَا وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يُوطَا.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ [فِيهِمْ فِيمَا] [[زيادة من أ.]] ذَكَرَ لِي رَجُلٌ اسْمُهُ سِرْجِسُ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبّه لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، أَوْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ [حِينَ دَخَلُوا] [[زيادة من أ.]] وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ: أَنَّ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ [[في ر، أ: "جاءه الوحي".]] مِنَ اللَّهِ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عَلَى أَنْ [[في ر: "حتى".]] يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي، فَيَقْتُلُوهُ فِي مَكَانِي؟ فَقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي. فَجَلَسَ فِيهِ، ورفِع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وشُبّه لَهُمْ بِهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدُوا عِيسَى، فِيمَا يُرَون وَأَصْحَابَهُ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأقَبلهُ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ، فَخُذُوهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل [[في أ: "يشكك".]] أَنَّهُ عِيسَى، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ [[في أ: "فقتله".]] فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ.
ثُمَّ إِنْ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ. أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ". وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ [[رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ حَيًّا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى-يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، فَتَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٨٠) .]] .
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ. وَرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَوْلُ اللَّهُ، [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: "قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِلَيْهِ عِيسَى [إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ بَاعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يُؤْمِنُ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ. ذكرَ مَنْ كَانَ يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ عَلِمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ [[في د: "يعلم".]] لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي دِينِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كُلُّ صَاحِبِ كِتَابٍ يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ -قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ-وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُه حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيد، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ عُجِّلَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنَا عتَّاب بْنُ بَشِير [[في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".]] عَنْ خُصَيْف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾ لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الهُوِيّ. فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُلَجْلج بِهَا لِسَانُهُ.
وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّ ضُرِبَ بالسيف تكلم بِهِ، قَالَ: وَإِنَّ هَوَى تَكَلَّمَ [بِهِ] [[زيادة من ر.]] وَهُوَ يَهْوي.
وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الغَنَوي [[في د: "العوفي".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا صَحّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ وجُوَيْبر، وَالسُّدِّيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ونَقل قِرَاءَةَ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَسَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٧٠) .]]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَمُوتُ النَّصْرَانِيُّ وَلَا الْيَهُودِيُّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ القولُ الأولُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ر، أ.]] هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْآيِ فِي تَقْرِيرِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ، وَتَسْلِيمِ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوا الشَّبِيهَ وَهُمْ لَا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ حَيٌّ، وَإِنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ -الَّتِي سَنُورِدُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا-فَيَقْتُلُ مَسِيحَ [[في أ: "مسيخ".]] الضَّلَالَةِ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ -يَعْنِي: لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ-فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْ [[في د، ر، أ: "أنه".]] يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، الَّذِي زَعَمَ الْيَهُودُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ قُتِلَ وَصُلِبَ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي شَاهَدَهَا مِنْهُمْ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى أَوْ بِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا [الصَّلَاةُ وَ] [[زيادة من أ.]] وَالسَّلَامُ [[في د: "صلى الله عليه وسلم".]] فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ يَتَجَلي له مَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ، إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] [غَافِرٍ: ٨٤، ٨٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ [[في د: "رده".]] هَذَا الْقَوْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ أَوْ بِالْمَسِيحِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِمَا -يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَرِثُهُ أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ أَوْ ضُرب بِسَيْفٍ أَوِ افْتَرَسَهُ سَبُع، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى" فَالْإِيمَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَلَا يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَفْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تأهل هَذَا جَيِّدًا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ، اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ وُجُودِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيُكَذِّبَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ وَتَضَادَّتْ وَتَعَاكَسَتْ وَتَنَاقَضَتْ، وَخَلَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَفَرَّطَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: تَنَقَّصه الْيَهُودُ بِمَا رَمَوْهُ بِهِ وَأَمَّهُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَأَطْرَاهُ النَّصَارَى بِحَيْثُ ادَّعَوْا فِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرَفَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ أُولَئِكَ عَنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وتَقَدّس لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ صَحِيحِهِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ: (نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلَامُ) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ [[في ر: "حسن".]] الحُلْواني وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ﴾ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٣٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَة، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حَنْظَلَةَ [[في أ: "أبي حنظلة".]] بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيُهِلَّن عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا جَمِيعًا".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[المسند (٢/٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَمْحُو الصَّلِيبَ، وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ، وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا" قَالَ: وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] ﴾ فَزَعَمُ حَنْظَلَةُ [[في أ: "أبو حنظلة".]] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، فَلَا أَدْرِي هَذَا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٢/٢٩٠) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ " تَابِعَهُ عُقَيْلٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و (٢/٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا همَّام، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسلام، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ [[في أ: "المسيخ".]] الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُوَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ -وَلَمْ يُورِدْ [[في أ: "يروه".]] عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ سِوَاهُ-عَنْ بِشْر [[في أ: "بشير".]] بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَروبة -كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ-وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُن -صَاحِبُ السِّقَايَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَيُقَاتِلُ النَّاسُ عَلَى الْإِسْلَامِ [[المسند (٢/٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/٣٨٨) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان: عَنْ فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ -أَوْ بِدَابِقٍ-فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَ الرُّومُ: خَلَوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُ أَفْضَلُ الشهداء عند الله [عز وجل] [[زيادة من ر، أ.]] ويفتح الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعدّون لِلْقِتَالِ: يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأمَّهم [[في ر::إمامهم".]] فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبته" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشَب، عَنْ جَبَلة بْنِ [[في ر: "عن".]] سُحَيْم، عَنْ مُؤثر بْنِ عَفَازَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أسري بي إبراهيم وموسى وَعِيسَى، عَلَيْهِ [[في د، ر، أ:"عليهم".]] السَّلَامُ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وجل-أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ [[في ر:"الرضاب".]] قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ، إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا فتعالَ فَاقْتُلْهُ: قَالَ: فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا [[في د: "ولا".]] يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ يَشْكُونَهُمْ، فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الأرضُ مِنْ نَتْن رِيحِهِمْ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ، فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى نَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ المتِمّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا [[في أ: "بولادتها".]] لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشَّار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٠) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضرة قَالَ: أَتَيْنَا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ لِنَعْرِضَ عَلَيْهِ مُصْحَفًا لَنَا عَلَى مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَمَرَنَا فَاغْتَسَلْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا [[في ر: "أتانا".]] بِطِيبٍ فَتَطَيَّبْنَا، ثُمَّ جِئْنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَجَلَسْنَا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ أَمْصَارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَمِصْرٌ بِالْحِيرَةِ، وَمِصْرٌ بِالشَّامِ. فَيَفْزَعُ [[في د: "فزع".]] النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، فَيُهْزَمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَأَوَّلُ مِصْرٍ يَرِدُهُ الْمِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقيم تَقُولُ: نُشَامه نَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ. وَمَعَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمِصْرَ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشَامُّهُ وَنَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ بِغَرْبِ الشَّامِ وَيَنْحَازُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَقَبَةِ أَفِيق فَيَبْعَثُونَ سَرْحًا لَهُمْ، فَيُصَابُ سَرْحهم، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتُصِيبُهُمْ [[في د:"ويصيبهم".]] مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ ليحرقُ وتَرَ قَوْسه [[في ر:"ليحترق وتر قوته".]] فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّحَر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَاكُمُ الْغَوْثُ ثَلَاثًا" فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا لَصَوْت [[في ر: "الصوت".]] رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أَمِيرُهُمْ: رُوح اللَّهِ، تَقَدَّمْ صَلِّ. فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَرَاءُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَيَتَقَدَّمُ أَمِيرُهُمْ فَيُصَلِّي، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِيسَى حَرْبَته، فَيَذْهَبُ نَحْوَ الدَّجال، فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبته بين ثَنْدوَته [[في أ: "ثندوتيه".]] فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ [[في ر: "ويهزم".]] أَصْحَابُهُ، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يُوَارِي أَحَدًا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ. وَيَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/٥١) مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَقَالَ الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٢) : "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَة الشَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامة الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أكثرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ:
"لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّية آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّر أُمَّته الدَّجَّالَ. وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخَرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانيكم، فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي فَكَلٌّ [امرئ] [[زيادة من أ.]] حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] [[زيادة من د.]] يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاثْبُتُوا. وَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي: إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ [[في د: "يقول".]] أَنَا نَبِيٌّ" فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: "أَنَا رَبُّكُمْ"، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ [[في د: "أو غير".]] كَاتِبٍ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ. فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتِ النَّارُ [[في أ: "النار بردا".]] عَلَى إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلّط عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كنتُ بعدُ أَشُدَّ بَصِيرَةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ الرَّجُلُ [[في أ: "وذلك الرجال".]] أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ: قَالَ أَبُو [[في ر: "أبي".]] سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ [[في د: "سبيله".]] .
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطر، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ، [وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُر بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تبقى لهم سائمة إِلَّا هَلَكَتْ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ. حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وأمَدّه خَوَاصِرَ، وَأَدَرَّهُ ضُروعا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْب مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلتة، حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظّرَيب [[في د: "الضرب"، وفي ر: ":الضريب".]] الْأَحْمَرِ، عِنْدَ مُنْقَطع السَّبخَة، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفات، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَنْفى الخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، ويُدعى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ.
فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيك بِنْتُ أَبِي العَكَر [[في ر: "العكم".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصلي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ [عَلَيْهِمْ] [[زيادة من أ، وابن ماجة".]] عِيسَى [ابْنُ مَرْيَمَ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ، يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ لِيُقَدِّمَ [[في ر: "ليتقدم".]] عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ. فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ. فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ [[في أ: "إليهم".]] الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِنْ لِي فِيكَ ضَرْبَة لَنْ تَسْتَبِقَنِي بِهَا. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابَ لُدّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، وَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] يَتَوَارَى بِهِ الْيَهُودِيُّ [[في د: "يهودي".]] إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَائِطَ، وَلَا دَابَّةَ -إِلَّا الغَرْقدة فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ-إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ [[في د: "فيقال".]] اقْتُلْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ". فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] كَيْفَ نُصَلِّي، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تُقَدِّرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تُقَدِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ صَلّوا".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسطا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ [[في د، أ: "ويذبح".]] الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ، وَتَرْتَفِعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وتُنزع حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي [[في ر، أ: "في في".]] الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ، وتُفرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرَّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الأرضُ مِنَ السِّلْمِ [[في ر: "المسلم".]] كَمَا يُمْلأ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ تُنْبِتُ نَبَاتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القِطْف مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا، مِنَ الْمَالِ، ويَكون [[في د: "وتكون".]] الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ [[في د: "يركب".]] لِحَرْبٍ أَبَدًا" قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغلي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "تُحْرث الْأَرْضُ كُلُّهَا".
وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ [[في د: "خروجه".]] [الدَّجَّالِ] ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ، يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ [الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ] [[زيادة من د، ر، وابن ماجه.]] الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ، فَلَا تَقْطر قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَحْبِسَ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا تُنْبتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظلْف إِلَّا هَلَكَتْ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ".
فَقِيلَ: فَمَا يُعِيشُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ".
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٧٧) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال ابن معين: "يروي المناكير عن المجهولين"، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسر حديثه بروايته عن المجهولين.
وهو هنا يروي عن إسماعيل بن رافع المدني، وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها مما فيه نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ فِي جُمْلَةِ الضعفاء".]] ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ وَلْنَذْكُرْ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ هَاهُنَا لِشَبَهِهِ بِسِيَاقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفَير الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْران الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْر، بْنِ نُفَيْر، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فخفَّض فِيهِ ورَفَّع، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رَحَلْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فخفَّضت فِيهِ ورفَّعت حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجيجه دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ شابٌّ قَططُ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أَشْبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، مِنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خارجُ خَلَّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا": قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا [[في ر:"فما".]] لَبْثَتَه [[في أ:"لبثه".]] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيْامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ [[في د: "وذلك".]] الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى قَوْمٍ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارحتُهم أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَي، وَأَسْبَغَهُ ضُروعا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بالخَرِبة فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلتين رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبلُ وَيَتَهَلَّلُ [[في د: "متهلل".]] وَجْهُهُ وَيَضْحَكُ [[في و: "وجهه يضحك]] فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكين، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحدّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحل لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفسه إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي [[في ر: "تنتهي".]] حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدّ فَيَقْتُلُهُ.
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويحدِّثهم بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا [[في د: "فبينما هم وهو".]] هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسلون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرية [[في ر: "الطبرية".]] فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ [[في ر: "أحدهم".]] فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّة مَاءٌ. ويُحْصَر نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْت، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يكُن [[في ر: "يمكن".]] مِنْهُ بَيْتُ مَدَر وَلَا وَبَر فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزلَفَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَخْرِجِي ثَمَرَك ورُدّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العُصَابة مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقَحْفِها، وَيُبَارِكُ اللَّهُ فِي الرَّسْل حَتَّى إِنَّ اللَّقْحَة مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللَّقْحَةَ مِنَ الفَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تحت آباطهم، فتقبض الله رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُون فِيهَا تهارُجَ الحُمُر، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣٧) والمسند (٤/١٨٢) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢١) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٧٥) .]] .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ. وسنذكره أيضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ العَنْبِريّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ-: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحدث بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى [[في أ: "على".]] كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؟! -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لَقَدْ هممتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ:إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا: يُحرِّق الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ [[في د: "حبة خردل".]] -أَوْ إِيمَانٍ-إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَد جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبضَه" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خفَّة الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ-مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ-نُعْمَان الشَّاكُّ [[في أ: "بعمان السيل".]] -فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] قَالَ: "ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ [[في د، ر، أ: "قال وذلك يوم".]] ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٧] وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢] .
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٢٩) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في د: "عبيد الله بن عبد الله".]] بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ [[في "هـ": زيد.]] الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدّ -أَوْ: إِلَى جَانِبِ لُدّ" [[المسند (٣/٤٢٠) .]] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عمه مُجَمِّع ابن جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُد".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَرْزَة، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وكَيْسان، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَمُرة بْنِ جُنْدب، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضي الله عنهم أجمعين".]] [[المسند (٣/٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٤) .]] .
وَمُرَادُهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا فِيهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ. فَأَمَّا أَحَادِيثُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ فَقَطْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ لِانْتِشَارِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [[وقد ذكر هذه الأحاديث وبسط الكلام عليها المؤلف الحافظ ابن كثير في كتابه: النهاية في الفتن والملاحم.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَاري قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولُ [[في د، أ: "وخروج".]] عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمُشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ -أَوْ تَحْشُرُ-النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ فُرَات الْقَزَّازِ [[المسند (٤/٦) بسياق مختلف، وهذا هو سياق رواية ابن مهدي عن سفيان، وهي في المسند (٤/٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١) وأبو داود في السنن برقم (٤٣١١) والترمذي في السنن برقم (٢١٨٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠٥٥) .]] بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَريحَة حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيد الْغِفَارِيِّ، مَوْقُوفًا [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ومُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] وَأَبِي سَرِيحة وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِفَةِ نُزُولِهِ وَمَكَانِهِ، مِنْ أَنَّهُ بِالشَّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ، عِنْدَ الْمَنَارَةِ [[في د: "منارته".]] الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلصُّبْحِ [[في د:"عند إقامة صلاة الصبح".]] وَقَدْ بُنِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَنَارَةٌ لِلْجَامِعِ الأمَويّ بَيْضَاءُ، مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ، عِوَضا عَنِ الْمَنَارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الْحَرِيقِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَنِيعِ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وكان أكثر عمارتها مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَوِيَتِ الظُّنُونُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا [الْمَسِيحُ] [[زيادة من د، أ.]] عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَتَقْرِيرٌ وَتَشْرِيعٌ وَتَسْوِيغٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْزَاحُ عِلَلُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ شُبَهُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَلِهَذَا كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مُتَابَعَة لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى يَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من: د، ر، أ.]] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦١] وَقُرِئَ: "عَلَم" بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ إِشَارَةٌ [[في د، أ: "أمارة".]] وَدَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَقْتُلُهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".]] وَيَبْعَثُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من د.]] بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦، ٩٧] .
صِفَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ". وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودتين وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مَثَلُ جُمَان اللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَه "فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ [[في د: "قال حسبته مضطرب".]] رجْلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨) .]] الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا [[في د: "أما".]] عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدُ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزّط" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٨) وقد رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٨٤) أن الصواب عن ابن عباس لا عن ابن عمر فليراجع هناك.]] .
وَلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَر النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَم، كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجْل الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[في د: "قالوا هو المسيح".]] ثُمَّ رَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَن، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ". تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٩، ٣٤٤٠) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٩) .]] .
ثُمَّ رَوَاهُ [[في د: "روى".]] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكِّي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ لِعِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْط الشَّعْرِ، يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطف رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهرَاق رَأْسُهُ مَاءً-فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْد الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَن". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤١) .]] .
هَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتوفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَجْمُوعَ إِقَامَتِهِ فِيهَا قَبْلَ رَفْعِهِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُفع وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَشَاذٌّ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ تَارِيخِهِ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تاريخ دمشق (١٤/١٠٦ المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/١٥٤) بإسناده إلى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسَالَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ [[في د: "بعبودية الله".]] عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] .
وَهَذِهِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا، مِمَّا أَوْجَبَ لَعْنَتَهُمْ وَطَرْدَهُمْ وَإِبْعَادَهَمْ عَنِ الْهُدَى، وَهُوَ نَقْضُهُمُ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، وَكُفْرُهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ، أَيْ: حُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
قَوْلُهُ [[في أ: "وقوله".]] ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ إِجْرَامِهِمْ وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا جَمًّا غَفِيرًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ [بِغَيْرِ حَقٍّ] [[زيادة من أ.]] عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَير، وَعِكْرِمَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَيْ فِي غِطَاءٍ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] . وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ ادعَوْا أَنَّ قُلُوبَهُمْ غُلُف لِلْعِلْمِ، أَيْ: أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ قَدْ حَوَتْهُ وَحَصَّلَتْهُ. رَوَاهُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [[في أ: "تفسيره".]] في سورة البقرة.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهُمْ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِأَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا تَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّهَا فِي غُلْفٍ وَفِي أَكِنَّةٍ، قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] بَلْ هُوَ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَكَسَ عَلَيْهِمْ مَا ادَّعَوْه مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ: مَرَدت قُلُوبُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ وَقِلَّةِ الْإِيمَانِ.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يَعْنِي أَنَّهُمْ رَمَوْهَا بِالزِّنَا". وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ، وجُوَيْبِر، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّهُمْ رَمَوْهَا وَابْنَهَا بِالْعَظَائِمِ، فَجَعَلُوهَا زَانِيَةً، وَقَدْ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ -زَادَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ حَائِضٌ -فَعَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلِهِمْ: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أَيْ [[بعدها في أ: "وبدعواهم البهتان والكذب والإفك والعدوان في قولهم: "إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله".]] هَذَا الَّذِي يَدَّعِي لِنَفْسِهِ هَذَا [[في ر::ذلك".]] الْمَنْصِبَ قَتَلْنَاهُ. وَهَذَا مِنْهُمْ مَنْ بَابِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الْحِجْرِ: ٦] .
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ [[في أ: "فغضب ذلك".]] الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ [[في ر، أ: "متولي البلد".]] ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من، أ.]] تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥] .
فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ [[في أ: "هو عيسى".]] ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ [[في د، ر، أ: "فالله".]] أَعْلَمُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ [[في ر: "وضح".]] اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ [[في ر، أ: "كيف كان يكون".]] يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ [[في د: "اثني عشر"، وفي ر: "اثنا عشر".]] مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩١) .]] وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فيقتلَ مَكَانِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ القُمّي، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه قَالَ: أُتِيَ عِيسَى وَعِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ وَأَحَاطُوا بِهِمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرهم اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا. لَيَبْرُزَنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنَا عِيسَى -وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى-فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ. فَمِنْ ثَمَّ شُبّه لَهُمْ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) ، وقد صوب قول وهب بن منبه مع أن الحافظ هنا استغربه. انظر: تفسير الطبري (٩/٣٧٤) .]] .قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبٍ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مِعْقَل: أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا، جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهم وَقَامَ يَخْدُمُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عليَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ، مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ، فَلَا يتعظَّم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وليبذلْ بَعْضُكُمْ نَفْسَهُ لِبَعْضٍ، كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ. وَأَمَّا حَاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي أَسَتَعِينُكُمْ عَلَيْهَا فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ، وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخَّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً تُعِينُونَنِي فِيهَا؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا. لَقَدْ كُنَّا نَسْمُر فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَب بِالرَّاعِي [[في ر: "الراعي".]] وَتُفَرَّقُ الغنمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا ينعَي بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الحقَّ، ليَكْفُرن بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وليبيعنّي أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، وَأَخَذُوا شَمْعُونَ أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ. ثُمَّ سَمعَ صوتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا ودلَّهم عَلَيْهِ، وَكَانَ شُبِّه عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَخَذُوهُ فَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ، وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ وَيَقُولُونَ، لَهُ: أَنْتَ كُنْتُ تُحْيِي الْمَوْتَى، وَتَنْهَرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنْجِي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَصَلَبُوا مَا شُبِّه لَهُمْ فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إِنْ أَمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ فَقَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شُبِّه لَهُمْ فَأمُرَا الْحَوَارِيِّينَ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ. وَفَقَدُوا الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاخْتَنَقَ، وَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ كَادَ يَتْبَعُهُمْ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى، قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ، فَانْطَلَقُوا، فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ يحدّثُ بِلُغَةِ قَوْمِهِ، فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدَعْهُمْ. سِيَاقٌ غَرِيبٌ جِدًّا [[تفسير الطبري (٩/٣٦٨) .]] .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ اسْمُ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي بُعِثَ إِلَى عِيسَى لِيَقْتُلَهُ رَجُلًا مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا لِذَلِكَ مِنْهُ، لَمْ يفْظع عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ بِالْمَوْتِ -فِيمَا ذُكِرَ لِي-فَظَعَه وَلَمْ يَجْزَعْ مِنْهُ جَزَعَهُ، وَلَمْ يَدْعُ اللَّهُ فِي صَرْفِهِ عَنْهُ دُعَاءَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ -فِيمَا يَزْعُمُونَ-"اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَاصْرِفْهَا عَنِّي" وَحَتَّى إِنَّ جِلْدَهُ مِنْ كَرْبِ ذَلِكَ ليتفصَّد دَمًا. فَدَخَلَ الْمَدْخَلَ الَّذِي أَجْمَعُوا أَنْ يَدْخلوا عَلَيْهِ فِيهِ لِيَقْتُلُوهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ -وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فُطْرُسُ [[في ر: "فرطوس"، وفي أ: "قطوس".]] وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي [[في أ: "ويعقونس وندا".]] وَيُحَنَّسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَارَبِيسُ، وَفِيلِبْسُ، وَأَبْرَثُلْمَا وَمِنَى وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِيَا، وَتدَاوسِيسُ، وَقثَانيَا وَيُودِسُ زَكَرِيَّا يُوطَا.
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ: قَالَ سَلَمَةُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ [فِيهِمْ فِيمَا] [[زيادة من أ.]] ذَكَرَ لِي رَجُلٌ اسْمُهُ سِرْجِسُ، فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِوَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَحَدَتْهُ النَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شُبّه لِلْيَهُودِ مَكَانَ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ؟ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشْرَ، أَوْ كَانَ ثَالِثَ عَشَرَ، فَجَحَدُوهُ حِينَ أَقَرُّوا لِلْيَهُودِ بِصَلْبِ عِيسَى، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ. فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ حِينَ دَخَلُوا وَهُمْ بِعِيسَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا الْمَدْخَلَ [حِينَ دَخَلُوا] [[زيادة من أ.]] وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ: أَنَّ عِيسَى حِينَ جَاءَهُ [[في ر، أ: "جاءه الوحي".]] مِنَ اللَّهِ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عَلَى أَنْ [[في ر: "حتى".]] يُشَبَّهَ لِلْقَوْمِ فِي صُورَتِي، فَيَقْتُلُوهُ فِي مَكَانِي؟ فَقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، يَا رُوحَ اللَّهِ. قَالَ: فَاجْلِسْ فِي مَجْلِسِي. فَجَلَسَ فِيهِ، ورفِع عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ، فَكَانَ هُوَ الَّذِي صَلَبُوهُ وشُبّه لَهُمْ بِهِ، وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ حِينَ دَخَلُوا مَعَ عِيسَى مَعْلُومَةً، قَدْ رَأَوْهُمْ وَأَحْصَوْا عِدَّتَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَأْخُذُوهُ وَجَدُوا عِيسَى، فِيمَا يُرَون وَأَصْحَابَهُ، وَفَقَدُوا رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، فَهُوَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ عِيسَى، حَتَّى جَعَلُوا لِيُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ وَيُعَرِّفَهُمْ إِيَّاهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأقَبلهُ، وَهُوَ الَّذِي أُقَبِّلُ، فَخُذُوهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا وَقَدْ رُفِعَ عِيسَى، ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشكل [[في أ: "يشكك".]] أَنَّهُ عِيسَى، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ [[في أ: "فقتله".]] فَأَخَذُوهُ فَصَلَبُوهُ.
ثُمَّ إِنْ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَ نَفْسَهُ، وَهُوَ مَلْعُونٌ فِي النَّصَارَى، وَقَدْ كَانَ أَحَدَ الْمَعْدُودِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ يُودِسَ زَكَرِيَّا يُوطَا هُوَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، فَصَلَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: "إِنِّي لَسْتُ بِصَاحِبِكُمْ. أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ". وَاللَّهُ [[في ر: "فالله".]] أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ [[رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٧١) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شَبَّهُوهُ بِعِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ حَيًّا.
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شَبَهَ عِيسَى أُلْقِيَ عَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ يَعْنِي بِعِيسَى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى-يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَهُمْ يُصَدِّقُونَ بِهِ إِذَا نَزَلَ لِقَتْلِ الدَّجَّالِ، فَتَصِيرُ الْمِلَلُ كُلُّهَا وَاحِدَةً، وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةُ، دِينُ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حُصَين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ [[تفسير الطبري (٩/٣٨٠) .]] .
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ من أهل الكتاب إلا آمن به.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ خَاصَّةً. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي النَّجَاشِيَّ وَأَصْحَابَهُ. وَرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. وَاللَّهِ إِنَّهُ الْآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أَجْمَعُونَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ اللَّاحِقِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَوْلُ اللَّهُ، [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: "قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى. إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ إِلَيْهِ عِيسَى [إِلَيْهِ] [[زيادة من أ.]] وَهُوَ بَاعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَقَامًا يُؤْمِنُ بِهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ".
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدُ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ. ذكرَ مَنْ كَانَ يُوَجه ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ عَلِمَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ [[في د: "يعلم".]] لَهُ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ فِي دِينِهِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عباس قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، حَدَّثَنَا شِبْل، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كُلُّ صَاحِبِ كِتَابٍ يُؤْمِنُ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِهِ -قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِ الْكِتَابِ-وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُه حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى.
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيد، حَدَّثَنَا أَبُو نُمَيْلة يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَمُوتُ الْيَهُودِيُّ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَلَوْ عُجِّلَ عَلَيْهِ بِالسِّلَاحِ.
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حَدَّثَنَا عتَّاب بْنُ بَشِير [[في د: "غياث بن بشير"، وفي ر: "عتاب بن يشكر".]] عَنْ خُصَيْف، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: هِيَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِمْ﴾ لَيْسَ يَهُودِيٌّ يَمُوتُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى. قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الهُوِيّ. فَقِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَتْ عُنُقُ أَحَدٍ مِنْهُمْ؟ قَالَ: يُلَجْلج بِهَا لِسَانُهُ.
وَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ خَصِيفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنَّ ضُرِبَ بالسيف تكلم بِهِ، قَالَ: وَإِنَّ هَوَى تَكَلَّمَ [بِهِ] [[زيادة من ر.]] وَهُوَ يَهْوي.
وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الغَنَوي [[في د: "العوفي".]] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَا صَحّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الضَّحَّاكُ وجُوَيْبر، وَالسُّدِّيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ونَقل قِرَاءَةَ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ".
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَالَ: لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْحَسَنِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ [[تفسير عبد الرزاق (١/١٧٠) .]]
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ مَوْتِ الْكِتَابِيِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهال، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَمُوتُ النَّصْرَانِيُّ وَلَا الْيَهُودِيُّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ القولُ الأولُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ نُزُولِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ [اللَّهُ] [[زيادة من ر، أ.]] هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ سِيَاقِ الْآيِ فِي تَقْرِيرِ بُطْلَانِ مَا ادَّعَتْهُ الْيَهُودُ مِنْ قَتْلِ عِيسَى وَصَلْبِهِ، وَتَسْلِيمِ مَنْ سَلَّمَ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى الْجَهَلَةِ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا شُبِّهَ لَهُمْ فَقَتَلُوا الشَّبِيهَ وَهُمْ لَا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ حَيٌّ، وَإِنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَوَاتِرَةُ -الَّتِي سَنُورِدُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَرِيبًا-فَيَقْتُلُ مَسِيحَ [[في أ: "مسيخ".]] الضَّلَالَةِ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ -يَعْنِي: لَا يَقْبَلُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، بَلْ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ أَوِ السَّيْفَ-فَأَخْبَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنْ [[في د، ر، أ: "أنه".]] يُؤْمِنَ بِهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْكِتَابِ حِينَئِذٍ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، الَّذِي زَعَمَ الْيَهُودُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ قُتِلَ وَصُلِبَ.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أَيْ: بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِي شَاهَدَهَا مِنْهُمْ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ. فَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّ كُلَّ كِتَابِيٍّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِعِيسَى أَوْ بِمُحَمَّدٍ، عَلَيْهِمَا [الصَّلَاةُ وَ] [[زيادة من أ.]] وَالسَّلَامُ [[في د: "صلى الله عليه وسلم".]] فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ يَتَجَلي له مَا كَانَ جَاهِلًا بِهِ، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيمَانًا نَافِعًا لَهُ، إِذَا كَانَ قَدْ شَاهَدَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي [أَوَّلِ] [[زيادة من أ.]] هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ﴾ الْآيَةَ [النِّسَاءِ: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأَْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بَاللهِ وَحْدَهُ [وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَتَيْنِ [[في أ: "الآية".]] [غَافِرٍ: ٨٤، ٨٥] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِي رَدِّ [[في د: "رده".]] هَذَا الْقَوْلِ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، لَكَانَ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ أَوْ بِالْمَسِيحِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِهِمَا -يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا، وَحِينَئِذٍ لَا يَرِثُهُ أَقْرِبَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. فَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِيمَانِهِ فِي حَالَةٍ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلَوْ تَرَدَّى مِنْ شَاهِقٍ أَوْ ضُرب بِسَيْفٍ أَوِ افْتَرَسَهُ سَبُع، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى" فَالْإِيمَانُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَيْسَ بِنَافِعٍ، وَلَا يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَفْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ تأهل هَذَا جَيِّدًا وَأَمْعَنَ النَّظَرَ، اتَّضَحَ لَهُ أَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِعَ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ المرادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَذَا، بَلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْرِيرِ وُجُودِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقَاءِ حَيَاتِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ سَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيُكَذِّبَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ وَتَضَادَّتْ وَتَعَاكَسَتْ وَتَنَاقَضَتْ، وَخَلَتْ عَنِ الْحَقِّ، فَفَرَّطَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَأَفْرَطَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى: تَنَقَّصه الْيَهُودُ بِمَا رَمَوْهُ بِهِ وَأَمَّهُ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَأَطْرَاهُ النَّصَارَى بِحَيْثُ ادَّعَوْا فِيهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَرَفَعُوهُ فِي مُقَابَلَةِ أُولَئِكَ عَنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وتَقَدّس لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:
قَالَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِ ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْ صَحِيحِهِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ: (نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ-عَلَيْهِ السَّلَامُ) : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ [[في ر: "حسن".]] الحُلْواني وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ كِلَاهُمَا، عَنْ يَعْقُوبَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٨) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٤٧٦) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٢٢٢) وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلا يَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، وَتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ﴾ مَوْتِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٣٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَة، عَنِ الزُّهْري، عَنْ حَنْظَلَةَ [[في أ: "أبي حنظلة".]] بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيُهِلَّن عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بفَجِّ الرَّوْحَاء بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ لَيُثَنِّيَنَّهُمَا جَمِيعًا".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ [[المسند (٢/٥١٣) وصحيح مسلم برقم (١٢٥٢) .]] .
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ حُسَيْنٍ-عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَمْحُو الصَّلِيبَ، وَتُجْمَعُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُعْطِي الْمَالَ حَتَّى لَا يُقْبَلَ، وَيَضَعُ الْخَرَاجَ، وَيَنْزِلُ الرَّوْحَاءَ فَيَحُجُّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرُ أَوْ يَجْمَعُهُمَا" قَالَ: وَتَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] ﴾ فَزَعَمُ حَنْظَلَةُ [[في أ: "أبو حنظلة".]] أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى، فَلَا أَدْرِي هَذَا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٌ قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ.
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ [[المسند (٢/٢٩٠) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ " تَابِعَهُ عُقَيْلٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٩) والمسند (٢/٢٧٢) من رواية عبد الرزاق و (٢/٣٣٦) من رواية عثمان بن عمر، وصحيح مسلم برقم (١٥٥) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا همَّام، أَنْبَأَنَا قَتَادَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلات أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الإسلام، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ [[في أ: "المسيخ".]] الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ، حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُوَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ".
وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ هُدْبَة بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ -وَلَمْ يُورِدْ [[في أ: "يروه".]] عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ سِوَاهُ-عَنْ بِشْر [[في أ: "بشير".]] بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَروبة -كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ-وَهُوَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُن -صَاحِبُ السِّقَايَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ: فَيُقَاتِلُ النَّاسُ عَلَى الْإِسْلَامِ [[المسند (٢/٤٠٦) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢٤) وتفسير الطبري (٩/٣٨٨) .]] .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
ثُمَّ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَان: عَنْ فُلَيْح بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤٣) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنِي زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُعَلى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ -أَوْ بِدَابِقٍ-فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَ الرُّومُ: خَلَوْا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، ويُقْتَلُ ثُلُثُهُ أَفْضَلُ الشهداء عند الله [عز وجل] [[زيادة من ر، أ.]] ويفتح الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ، إذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ. فَإِذَا جَاؤُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعدّون لِلْقِتَالِ: يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فأمَّهم [[في ر::إمامهم".]] فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبته" [[صحيح مسلم برقم (٢٨٩٧) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنِ العَوَّام بْنِ حَوْشَب، عَنْ جَبَلة بْنِ [[في ر: "عن".]] سُحَيْم، عَنْ مُؤثر بْنِ عَفَازَة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَقِيتُ لَيْلَةَ أسري بي إبراهيم وموسى وَعِيسَى، عَلَيْهِ [[في د، ر، أ:"عليهم".]] السَّلَامُ، فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ السَّاعَةِ، فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَا. فَرَدُّوا أَمْرَهُمْ إِلَى عِيسَى، فَقَالَ: أَمَّا وَجْبَتُهَا فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وجل-أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ قَالَ: وَمَعِي قَضِيبَانِ، فَإِذَا رَآنِي ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ [[في ر:"الرضاب".]] قَالَ: فَيُهْلِكُهُ اللَّهُ إِذَا رَآنِي حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ يَقُولُ: يَا مُسْلِمُ، إِنَّ تَحْتِي كَافِرًا فتعالَ فَاقْتُلْهُ: قَالَ: فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ يأجوج ومأجوج، وهم من كل حَدَب ينسلون، فَيَطَؤُونَ بِلَادَهُمْ، فَلَا [[في د: "ولا".]] يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، قَالَ: ثُمَّ يَرْجِعُ النَّاسُ إِلَيَّ يَشْكُونَهُمْ، فَأَدْعُو اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَيُهْلِكُهُمْ وَيُمِيتُهُمْ، حَتَّى تَجْوَى الأرضُ مِنْ نَتْن رِيحِهِمْ، وَيُنْزِلُ اللَّهُ الْمَطَرَ، فَيَجْتَرِفُ أَجْسَادَهُمْ حَتَّى نَقْذِفَهُمْ فِي الْبَحْرِ، فَفِيمَا عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ-أَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ كَالْحَامِلِ المتِمّ، لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادِهَا [[في أ: "بولادتها".]] لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بشَّار، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَب، بِهِ نَحْوَهُ [[المسند (١/٣٧٥) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٨١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/٢٦٠) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضرة قَالَ: أَتَيْنَا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ لِنَعْرِضَ عَلَيْهِ مُصْحَفًا لَنَا عَلَى مُصْحَفِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ أَمَرَنَا فَاغْتَسَلْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا [[في ر: "أتانا".]] بِطِيبٍ فَتَطَيَّبْنَا، ثُمَّ جِئْنَا الْمَسْجِدَ فَجَلَسْنَا إِلَى رَجُلٍ، فَحَدَّثَنَا عَنِ الدَّجَّالِ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ فَقُمْنَا إِلَيْهِ، فَجَلَسْنَا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ أَمْصَارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، وَمِصْرٌ بِالْحِيرَةِ، وَمِصْرٌ بِالشَّامِ. فَيَفْزَعُ [[في د: "فزع".]] النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، فَيُهْزَمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَأَوَّلُ مِصْرٍ يَرِدُهُ الْمِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقَى الْبَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقيم تَقُولُ: نُشَامه نَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ. وَمَعَ الدَّجَّالِ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ وَأَكْثَرُ مِنْ مَعَهُ الْيَهُودُ وَالنِّسَاءُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمِصْرَ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَصِيرُ أَهْلُهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشَامُّهُ وَنَنْظُرُ مَا هُوَ؟ وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْأَعْرَابِ، وَفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالْمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ بِغَرْبِ الشَّامِ وَيَنْحَازُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَقَبَةِ أَفِيق فَيَبْعَثُونَ سَرْحًا لَهُمْ، فَيُصَابُ سَرْحهم، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتُصِيبُهُمْ [[في د:"ويصيبهم".]] مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ ليحرقُ وتَرَ قَوْسه [[في ر:"ليحترق وتر قوته".]] فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّحَر: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَتَاكُمُ الْغَوْثُ ثَلَاثًا" فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا لَصَوْت [[في ر: "الصوت".]] رَجُلٍ شَبْعَانَ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أَمِيرُهُمْ: رُوح اللَّهِ، تَقَدَّمْ صَلِّ. فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأُمَّةُ أُمَرَاءُ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَيَتَقَدَّمُ أَمِيرُهُمْ فَيُصَلِّي، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ أَخَذَ عِيسَى حَرْبَته، فَيَذْهَبُ نَحْوَ الدَّجال، فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، فَيَضَعُ حَرْبته بين ثَنْدوَته [[في أ: "ثندوتيه".]] فَيَقْتُلُهُ وَيَنْهَزِمُ [[في ر: "ويهزم".]] أَصْحَابُهُ، فَلَيْسَ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يُوَارِي أَحَدًا، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَةَ لَتَقُولُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ. وَيَقُولُ الْحَجَرُ: يَا مُؤْمِنُ، هَذَا كَافِرٌ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٤/٢١٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/٥١) مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَقَالَ الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٢) : "فيه علي بن زيد، وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَشْهُورَةِ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَة الشَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَبِي أُمَامة الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أكثرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ عَنِ الدَّجَّالِ، وَحَذَّرَنَاهُ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ قَالَ:
"لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّية آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّر أُمَّته الدَّجَّالَ. وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخَرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانيكم، فَأَنَا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَإِنْ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِي فَكَلٌّ [امرئ] [[زيادة من أ.]] حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ خَلّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فيعيث يمينًا ويعيث شمالا".
" [ألا] [[زيادة من د.]] يَا عِبَادَ اللَّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَاثْبُتُوا. وَإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي: إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ [[في د: "يقول".]] أَنَا نَبِيٌّ" فَلَا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: "أَنَا رَبُّكُمْ"، وَلَا تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا. وَإِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيْرِ [[في د: "أو غير".]] كَاتِبٍ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً وَنَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ. فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بِاللَّهِ وَلْيَقْرَأْ فَوَاتِحَ الْكَهْفِ، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، كَمَا كَانَتِ النَّارُ [[في أ: "النار بردا".]] عَلَى إِبْرَاهِيمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَقُولَ لِأَعْرَابِيِّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعَثْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأُمَّكَ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَتَمَثَّلُ لَهُ شَيْطَانَانِ فِي صُورَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَقُولَانِ: يَا بُنَيَّ، اتَّبِعْهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يُسَلّط عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتُلُهَا وَيَنْشُرُهَا بِالْمِنْشَارِ، حَتَّى يُلْقَى شِقَّيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، فَإِنِّي أَبْعَثُهُ الْآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي. فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَبِيثُ: مَنْ رَبُّكَ، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَأَنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ، الدَّجَّالُ، وَاللَّهِ مَا كنتُ بعدُ أَشُدَّ بَصِيرَةً بك مني اليوم". قال أبو حسن الطَّنَافِسيّ: فَحَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ذَلِكَ الرَّجُلُ [[في أ: "وذلك الرجال".]] أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ".
قَالَ: قَالَ أَبُو [[في ر: "أبي".]] سَعِيدٍ: وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ [[في د: "سبيله".]] .
قَالَ [[في ر: "ثم قال".]] الْمُحَارِبِيُّ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطر، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرَ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ، [وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُر بِالْحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تبقى لهم سائمة إِلَّا هَلَكَتْ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ، فَتُمْطِرَ، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تُنْبِتَ، فَتُنْبِتَ. حَتَّى تَرُوحَ مَوَاشِيهِمْ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَسْمَنَ مَا كَانَتْ وَأَعْظَمَهُ، وأمَدّه خَوَاصِرَ، وَأَدَرَّهُ ضُروعا، وَإِنَّهُ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا وَطِئَهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِيهِمَا مِنْ نَقْب مِنْ نِقَابِهِمَا إِلَّا لَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلتة، حَتَّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظّرَيب [[في د: "الضرب"، وفي ر: ":الضريب".]] الْأَحْمَرِ، عِنْدَ مُنْقَطع السَّبخَة، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفات، فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ، فَتَنْفى الخَبَثَ مِنْهَا كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، ويُدعى ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْخَلَاصِ.
فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيك بِنْتُ أَبِي العَكَر [[في ر: "العكم".]] يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "هُمْ قَلِيلٌ، وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصلي بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ [عَلَيْهِمْ] [[زيادة من أ، وابن ماجة".]] عِيسَى [ابْنُ مَرْيَمَ] [[زيادة من أ، وابن ماجه.]] عَلَيْهِ السَّلَامُ، الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ، يَمْشِي الْقَهْقَرَى؛ لِيُقَدِّمَ [[في ر: "ليتقدم".]] عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ. فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ. فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ [[في أ: "إليهم".]] الدَّجَّالُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] إِنْ لِي فِيكَ ضَرْبَة لَنْ تَسْتَبِقَنِي بِهَا. فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابَ لُدّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، وَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى [[في أ: "عز وجل".]] يَتَوَارَى بِهِ الْيَهُودِيُّ [[في د: "يهودي".]] إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَائِطَ، وَلَا دَابَّةَ -إِلَّا الغَرْقدة فَإِنَّهَا مِنْ شَجَرِهِمْ لَا تَنْطِقُ-إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ، هَذَا يَهُودِيٌّ، فَتَعَالَ [[في د: "فيقال".]] اقْتُلْهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَإِنَّ أَيَّامَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَآخِرُ أَيَّامِهِ كَالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَبْلُغُ بَابَهَا الْآخَرَ حَتَّى يُمْسِيَ". فَقِيلَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ [[في أ: "يا رسول الله".]] كَيْفَ نُصَلِّي، فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْقِصَارِ؟ قَالَ: "تُقَدِّرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ كَمَا تُقَدِّرُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الطِّوَالِ. ثُمَّ صَلّوا".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَيَكُونُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسطا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ [[في د، أ: "ويذبح".]] الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ، وَتَرْتَفِعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وتُنزع حُمَة كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي [[في ر، أ: "في في".]] الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ، وتُفرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرَّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الأرضُ مِنَ السِّلْمِ [[في ر: "المسلم".]] كَمَا يُمْلأ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللَّهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّةِ تُنْبِتُ نَبَاتَهَا كَعَهْدِ آدَمَ، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى القِطْف مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونُ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا، مِنَ الْمَالِ، ويَكون [[في د: "وتكون".]] الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ [[في د: "يركب".]] لِحَرْبٍ أَبَدًا" قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغلي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "تُحْرث الْأَرْضُ كُلُّهَا".
وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ [[في د: "خروجه".]] [الدَّجَّالِ] ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ، يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ [الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللَّهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ] [[زيادة من د، ر، وابن ماجه.]] الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ، فَلَا تَقْطر قَطْرَةً، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ أَنْ تَحْبِسَ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا تُنْبتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظلْف إِلَّا هَلَكَتْ، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ".
فَقِيلَ: فَمَا يُعِيشُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ".
قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنَّ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[سنن ابن ماجة برقم (٤٠٧٧) ، وفي إسناده عبد الرحمن بن محمد المحاربي. قال ابن معين: "يروي المناكير عن المجهولين"، وقال أبو حاتم: صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسر حديثه بروايته عن المجهولين.
وهو هنا يروي عن إسماعيل بن رافع المدني، وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها مما فيه نَظَرٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ فِي جُمْلَةِ الضعفاء".]] ، وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ؛ وَلْنَذْكُرْ حَدِيثَ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ هَاهُنَا لِشَبَهِهِ بِسِيَاقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ:
حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَير بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفَير الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْران الرَّازِّيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْر، بْنِ نُفَيْر، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعان قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ، فخفَّض فِيهِ ورَفَّع، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رَحَلْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ؟ " قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فخفَّضت فِيهِ ورفَّعت حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجيجه دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ شابٌّ قَططُ عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أَشْبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَن، مِنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خارجُ خَلَّة بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فعاثَ يَمِينًا وعاثَ شِمَالًا. يَا عِبَادَ اللَّهِ، فَاثْبُتُوا": قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا [[في ر:"فما".]] لَبْثَتَه [[في أ:"لبثه".]] فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "أَرْبَعِينَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيْامِهِ كَأَيَّامِكُمْ".
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ [[في د: "وذلك".]] الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: "لَا اقْدِرُوا لَهُ قَدْرَهُ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ [[في ر: "فقال".]] كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى قَوْمٍ فَيَدْعُوهُمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأْمُرُ السماءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سارحتُهم أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَي، وَأَسْبَغَهُ ضُروعا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحلين لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَيَمُرُّ بالخَرِبة فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ. فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ. ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَقْطَعُهُ جزْلتين رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فيُقْبلُ وَيَتَهَلَّلُ [[في د: "متهلل".]] وَجْهُهُ وَيَضْحَكُ [[في و: "وجهه يضحك]] فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكين، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَر، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحدّر مِنْهُ جُمَان كَاللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحل لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفسه إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي [[في ر: "تنتهي".]] حيث ينتهي طَرفه، فيطليه حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدّ فَيَقْتُلُهُ.
ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَوْمًا قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ ويحدِّثهم بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا [[في د: "فبينما هم وهو".]] هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ.
وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسلون، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرية [[في ر: "الطبرية".]] فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ [[في ر: "أحدهم".]] فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرّة مَاءٌ. ويُحْصَر نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا [[في أ: "خير".]] مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ ونَتْنُهم، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ البُخْت، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يكُن [[في ر: "يمكن".]] مِنْهُ بَيْتُ مَدَر وَلَا وَبَر فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كالزلَفَة، ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَخْرِجِي ثَمَرَك ورُدّي بَرَكَتَكِ. فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ العُصَابة مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بقَحْفِها، وَيُبَارِكُ اللَّهُ فِي الرَّسْل حَتَّى إِنَّ اللَّقْحَة مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ وَاللَّقْحَةَ مِنَ الفَم لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً، فَتَأْخُذُهُمْ تحت آباطهم، فتقبض الله رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُون فِيهَا تهارُجَ الحُمُر، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ" [[صحيح مسلم برقم (٢١٣٧) والمسند (٤/١٨٢) وسنن أبي داود برقم (٤٣٢١) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٤٠٣٧٥) .]] .
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، بِهِ. وسنذكره أيضًا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [[في ر: "عبد الله".]] بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ العَنْبِريّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْقُوبَ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو -وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ-: مَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي تُحدث بِهِ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى [[في أ: "على".]] كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ؟! -أَوْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-لَقَدْ هممتُ أَلَّا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلْتُ:إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ أَمْرًا عَظِيمًا: يُحرِّق الْبَيْتُ، وَيَكُونُ وَيَكُونُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا، أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَيَبْعَثُ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ [[في د: "حبة خردل".]] -أَوْ إِيمَانٍ-إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبَد جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبضَه" قَالَ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خفَّة الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا، وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوط حَوْضَ إِبِلِهِ، قَالَ: فَيَصْعَقُ ويَصعَقُ النَّاسُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللَّهُ-مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّل -أَوْ قَالَ: الظِّلُّ-نُعْمَان الشَّاكُّ [[في أ: "بعمان السيل".]] -فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٢٤] قَالَ: "ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ". قَالَ [[في د، ر، أ: "قال وذلك يوم".]] ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ:١٧] وَذَلِكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [الْقَلَمِ: ٤٢] .
ثُمَّ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٩٤٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٢٩) .]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ [[في د: "عبيد الله بن عبد الله".]] بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ [[في "هـ": زيد.]] الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدّ -أَوْ: إِلَى جَانِبِ لُدّ" [[المسند (٣/٤٢٠) .]] .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حديث الليث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزُّهري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عمه مُجَمِّع ابن جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُد".
وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنِ اللَّيْثِ، بِهِ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَنَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي بَرْزَة، وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وكَيْسان، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وسَمُرة بْنِ جُنْدب، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [[في أ: "رضي الله عنهم أجمعين".]] [[المسند (٣/٤٢٠) وسنن الترمذي برقم (٢٢٤٤) .]] .
وَمُرَادُهُ بِرِوَايَةِ هَؤُلَاءِ مَا فِيهِ ذِكْرُ الدَّجَّالِ. وَقَتْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ. فَأَمَّا أَحَادِيثُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ فَقَطْ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ لِانْتِشَارِهَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ وَالْمَسَانِيدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ [[وقد ذكر هذه الأحاديث وبسط الكلام عليها المؤلف الحافظ ابن كثير في كتابه: النهاية في الفتن والملاحم.]] .
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَات، عَنْ أَبِي الطُّفَيل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَاري قَالَ: أَشْرَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ، فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْنَ عَشْرَ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، والدُّخَان، وَالدَّابَّةُ، وَخُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَنُزُولُ [[في د، أ: "وخروج".]] عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالدَّجَّالُ، وَثَلَاثَةُ خُسوف: خَسْف بِالْمُشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن، تَسُوقُ -أَوْ تَحْشُرُ-النَّاسَ، تَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وتَقيل مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ فُرَات الْقَزَّازِ [[المسند (٤/٦) بسياق مختلف، وهذا هو سياق رواية ابن مهدي عن سفيان، وهي في المسند (٤/٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٩٠١) وأبو داود في السنن برقم (٤٣١١) والترمذي في السنن برقم (٢١٨٣) وابن ماجة في السنن برقم (٤٠٥٥) .]] بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي سَريحَة حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيد الْغِفَارِيِّ، مَوْقُوفًا [[صحيح مسلم برقم (٢٩٠١)]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَهَذِهِ أَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، وَالنَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ومُجَمِّع بْنِ جَارِيَةَ [[في أ: "حارثة".]] وَأَبِي سَرِيحة وَحُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْد، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى صِفَةِ نُزُولِهِ وَمَكَانِهِ، مِنْ أَنَّهُ بِالشَّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ، عِنْدَ الْمَنَارَةِ [[في د: "منارته".]] الشَّرْقِيَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِلصُّبْحِ [[في د:"عند إقامة صلاة الصبح".]] وَقَدْ بُنِيَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ مَنَارَةٌ لِلْجَامِعِ الأمَويّ بَيْضَاءُ، مِنْ حِجَارَةٍ مَنْحُوتَةٍ، عِوَضا عَنِ الْمَنَارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الْحَرِيقِ الْمَنْسُوبِ إِلَى صَنِيعِ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-وكان أكثر عمارتها مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَوِيَتِ الظُّنُونُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا [الْمَسِيحُ] [[زيادة من د، أ.]] عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ، وَتَقْرِيرٌ وَتَشْرِيعٌ وَتَسْوِيغٌ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، حَيْثُ تَنْزَاحُ عِلَلُهُمْ، وَتَرْتَفِعُ شُبَهُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَلِهَذَا كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مُتَابَعَة لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى يَدَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من: د، ر، أ.]] ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٦١] وَقُرِئَ: "عَلَم" بِالتَّحْرِيكِ، أَيْ إِشَارَةٌ [[في د، أ: "أمارة".]] وَدَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَقْتُلُهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً" [[صحيح البخاري برقم (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ولفظه: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء".]] وَيَبْعَثُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ [بِهِ] [[زيادة من د.]] بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الْآيَةَ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٦، ٩٧] .
صِفَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ". وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ: "فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودتين وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مَثَلُ جُمَان اللُّؤْلُؤِ، وَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ ونَفَسُه يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُه".
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى"، قَالَ: فَنَعَتَه "فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:-مُضْطَرِبٌ [[في د: "قال حسبته مضطرب".]] رجْلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ". قَالَ: "وَلَقِيتُ عِيسَى" فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "رَبْعَة أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٧) وصحيح مسلم برقم (١٦٨) .]] الْحَدِيثَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "رَأَيْتُ مُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا [[في د: "أما".]] عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدُ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزّط" [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٨) وقد رجح الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٦/٤٨٤) أن الصواب عن ابن عباس لا عن ابن عمر فليراجع هناك.]] .
وَلَهُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَر النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَاني النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عنَبَةٌ طَافِيَةٌ وَأَرَانِي اللَّهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَم، كَأَحْسَنِ مَا تَرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لمَّته بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجْل الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[في د: "قالوا هو المسيح".]] ثُمَّ رَأَيْتُ وَرَاءَهُ رَجُلًا جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَن، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ". تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٩، ٣٤٤٠) ، وصحيح مسلم برقم (١٦٩) .]] .
ثُمَّ رَوَاهُ [[في د: "روى".]] الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ المكِّي، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ لِعِيسَى [عَلَيْهِ السَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْط الشَّعْرِ، يَتَهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ يَنْطف رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهرَاق رَأْسُهُ مَاءً-فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ. فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْد الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَن". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٤١) .]] .
هَذِهِ كُلُّهَا أَلْفَاظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتوفى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ يَمْكُثُ سَبْعَ سِنِينَ، فَيُحْتَمَلُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَجْمُوعَ إِقَامَتِهِ فِيهَا قَبْلَ رَفْعِهِ وَبَعْدَ نُزُولِهِ، فَإِنَّهُ رُفِعَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الصَّحِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: أَنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَمِيلَادِ عِيسَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُفع وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، فَشَاذٌّ غَرِيبٌ بَعِيدٌ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ تَارِيخِهِ، عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[تاريخ دمشق (١٤/١٠٦ المخطوط) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٠/١٥٤) بإسناده إلى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.]] .
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسَالَةَ مِنَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ [[في د: "بعبودية الله".]] عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ] [[زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله".]] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] .
يُخْبِرُ، تَعَالَى، أَنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِ الْيَهُودِ بِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، حَرّم عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَ أَحَلَّهَا لَهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المُقْرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو، وَقَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وَهَذَا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّضَهُمْ لِأَنْ تَأَوَّلُوا فِي كِتَابِهِمْ، وحرَّفوا وَبَدَّلُوا أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، تَشْدِيدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَضْيِيقًا وَتَنَطُّعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى حَرّم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنزلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ مَا عَدَا مَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي التَّوْرَاةِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] أَيْ: إِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أَيْ: صَدُّوا النَّاسَ وَصَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ. وَهَذِهِ سَجِيَّة لَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَا مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ؛ وَلِهَذَا كَانُوا أَعْدَاءَ الرُّسُلِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وكذَبوا عِيسَى وَمُحَمَّدًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنِ الرِّبَا فَتَنَاوَلُوهُ وَأَخَذُوهُ، وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَأَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أَيِ: الثَّابِتُونَ فِي الدِّينِ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخَةٌ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَى الرَّاسِخِينَ، وَخَبَرُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ. وَأَسَدِ وَزَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَصَدَّقُوا بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ"، قَالَ: وَالصَّحِيحُ قِرَاءَةُ الْجَمِيعِ. ثُمَّ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَلَطِ الكُتَّاب [[في د، ر، أ: "الكاتب".]] ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] ، قَالُوا: وَهَذَا سَائِغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[وهي الخرنق بنت بدر بن هفان، والبيت في ديوانها: (٢٩) أ. هـ مستفاد من مطبوعة الشعب.]] :
لَا يَبْعَدَن قَوْمِي الَّذِينَ همُو ... سُمّ [[في ر: "أزد" وفي أ: "أسد".]] الْعُدَاةِ وَآفَةُ الجُزرِ ...
النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعَْتركٍ ... والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ ...
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَخْفُوضٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: وَبِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةِ.
وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَيْ: يَعْتَرِفُونَ بِوُجُوبِهَا وَكِتَابَتِهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، يَعْنِي: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْمَلَائِكَةِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ، وَيَحْتَمِلُ زَكَاةَ النُّفُوسِ، وَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ هُوَ الْخَبَرُ عَمَّا تَقَدَّمَ ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة.
يُخْبِرُ، تَعَالَى، أَنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِ الْيَهُودِ بِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، حَرّم عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَ أَحَلَّهَا لَهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المُقْرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو، وَقَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وَهَذَا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّضَهُمْ لِأَنْ تَأَوَّلُوا فِي كِتَابِهِمْ، وحرَّفوا وَبَدَّلُوا أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، تَشْدِيدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَضْيِيقًا وَتَنَطُّعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى حَرّم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنزلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ مَا عَدَا مَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي التَّوْرَاةِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] أَيْ: إِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أَيْ: صَدُّوا النَّاسَ وَصَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ. وَهَذِهِ سَجِيَّة لَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَا مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ؛ وَلِهَذَا كَانُوا أَعْدَاءَ الرُّسُلِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وكذَبوا عِيسَى وَمُحَمَّدًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنِ الرِّبَا فَتَنَاوَلُوهُ وَأَخَذُوهُ، وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَأَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أَيِ: الثَّابِتُونَ فِي الدِّينِ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخَةٌ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَى الرَّاسِخِينَ، وَخَبَرُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ. وَأَسَدِ وَزَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَصَدَّقُوا بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ"، قَالَ: وَالصَّحِيحُ قِرَاءَةُ الْجَمِيعِ. ثُمَّ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَلَطِ الكُتَّاب [[في د، ر، أ: "الكاتب".]] ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] ، قَالُوا: وَهَذَا سَائِغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[وهي الخرنق بنت بدر بن هفان، والبيت في ديوانها: (٢٩) أ. هـ مستفاد من مطبوعة الشعب.]] :
لَا يَبْعَدَن قَوْمِي الَّذِينَ همُو ... سُمّ [[في ر: "أزد" وفي أ: "أسد".]] الْعُدَاةِ وَآفَةُ الجُزرِ ...
النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعَْتركٍ ... والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ ...
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَخْفُوضٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: وَبِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةِ.
وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَيْ: يَعْتَرِفُونَ بِوُجُوبِهَا وَكِتَابَتِهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، يَعْنِي: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْمَلَائِكَةِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ، وَيَحْتَمِلُ زَكَاةَ النُّفُوسِ، وَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ هُوَ الْخَبَرُ عَمَّا تَقَدَّمَ ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة.
يُخْبِرُ، تَعَالَى، أَنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِ الْيَهُودِ بِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، حَرّم عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَ أَحَلَّهَا لَهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المُقْرِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرو، وَقَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ".
وَهَذَا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّضَهُمْ لِأَنْ تَأَوَّلُوا فِي كِتَابِهِمْ، وحرَّفوا وَبَدَّلُوا أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، تَشْدِيدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَضْيِيقًا وَتَنَطُّعًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا بِمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى حَرّم عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنزلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ مَا عَدَا مَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي التَّوْرَاةِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] أَيْ: إِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أَيْ: صَدُّوا النَّاسَ وَصَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ. وَهَذِهِ سَجِيَّة لَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَا مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ؛ وَلِهَذَا كَانُوا أَعْدَاءَ الرُّسُلِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وكذَبوا عِيسَى وَمُحَمَّدًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أَيْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنِ الرِّبَا فَتَنَاوَلُوهُ وَأَخَذُوهُ، وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَأَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أَيِ: الثَّابِتُونَ فِي الدِّينِ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخَةٌ فِي الْعِلْمِ النَّافِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَى الرَّاسِخِينَ، وَخَبَرُهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ. وَأَسَدِ وَزَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَصَدَّقُوا بِمَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ الْأَئِمَّةِ، وَكَذَا هُوَ فِي مُصْحَفِ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ"، قَالَ: وَالصَّحِيحُ قِرَاءَةُ الْجَمِيعِ. ثُمَّ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَلَطِ الكُتَّاب [[في د، ر، أ: "الكاتب".]] ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] ، قَالُوا: وَهَذَا سَائِغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[وهي الخرنق بنت بدر بن هفان، والبيت في ديوانها: (٢٩) أ. هـ مستفاد من مطبوعة الشعب.]] :
لَا يَبْعَدَن قَوْمِي الَّذِينَ همُو ... سُمّ [[في ر: "أزد" وفي أ: "أسد".]] الْعُدَاةِ وَآفَةُ الجُزرِ ...
النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعَْتركٍ ... والطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ ...
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَخْفُوضٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: وَبِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةِ.
وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، أَيْ: يَعْتَرِفُونَ بِوُجُوبِهَا وَكِتَابَتِهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ الْمَلَائِكَةُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، يَعْنِي: يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْمَلَائِكَةِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ، وَيَحْتَمِلُ زَكَاةَ النُّفُوسِ، وَيَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ هُوَ الْخَبَرُ عَمَّا تَقَدَّمَ ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ سُكَين وعَديّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ [[في ر: "ما نعلم أنزل الله".]] عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ فَمَا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ -يَعْنِي عَلَى الْيَهُودِ-وَأَخْبَرَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، جَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا مُوسَى وَلَا عِيسَى، وَلَا عَلَى نَبِيٍّ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فحَلّ حُبْوته، وَقَالَ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩١] .
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٣] ، ثُمَّ ذَكَرَ فَضَائِحَهُمْ وَمَعَايِبَهُمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا أَوْحَى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾
وَالزَّبُورُ: اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَنَذْكُرُ تَرْجَمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، عِنْدَ قَصَصِهِمْ فِي السُّوَرِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، يَعْنِي: فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ نُصَّ [[في د: "نص الله".]] عَلَى أَسْمَائِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ: آدَمُ وَإِدْرِيسُ، وَنُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَلُوطٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَأَيُّوبُ، وَشُعَيْبٌ، وَمُوسَى، وَهَارُونُ، وَيُونُسُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَإِلْيَاسُ، والْيَسَع، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى [عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَكَذَا ذُو الْكِفْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَسَيِّدُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى الله وعليه وَسَلَّمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: خَلْقًا آخَرِينَ لَمْ يُذْكَرُوا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدِ [[في د: "ولذا".]] اختلف في عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي تَفْسِيرِهِ، حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ [[في أ: "يحيى بن يحيى الغساني".]] حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاني، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمّ غَفِير". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاه قِبَلا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَنُوحٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ، وَأَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ النَّبِيِّينَ آدَمُ، وَآخِرُهُمْ نَبِيُّكَ".
قَدْ رَوَى هَذَا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الْأَنْوَاعُ وَالتَّقَاسِيمُ" وَقَدْ وَسَمَه بِالصِّحَّةِ، وَخَالَفَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ "الْمَوْضُوعَاتِ"، وَاتَّهَمَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ هَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ [[صحيح ابن حبان برقم (٩٤) "موارد" ورواه أبو نعيم في الحلية (١/١٦٦) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى به.
وإبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال الذهبي: "وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده".]] فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ [[في ر: "هذا".]] مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامة قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا".
مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامي ضَعِيفٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَالْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ أَيْضًا [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٤٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَعَثَ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَبِيٍّ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى سَائِرِ النَّاسِ".
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ فِيهِ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ، وَشَيْخُهُ الرَّقَاشي أَضْعَفُ مِنْهُ أَيْضًا [[مسند أبي يعلى (٧/١٦٠) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٥٣) من طريق مكي بن إبراهيم به.
قال الهيثمي في المجمع (٨/٢١٠) : "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدًا".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ العَبْدِي، حَدَّثَنَا محمد بن خالد الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ فِيمَنْ خَلَا مِنْ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ كُنْتُ أَنَا" [[مسند أبي يعلى (٧/١٣١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢١١) : "فيه محمد بن ثابت العبدي وهو ضعيف".]] .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَأَخْبَرَنِي الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَسَاكِرَ، أَنْبَأَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّفَارُ، أَخْبَرَتْنَا عَمَّةُ أَبِي، عَائِشَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الصَّفَارِ، أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو السَّنَابِكِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيْدَرٍ القُرَشِي، حَدَّثَنَا الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَراييني قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُعِثْتُ عَلَى إِثْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، رِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ طَارِقٍ هَذَا، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/١٦٢) من طريق مسلم بن خالد الزنجي به. وقال: "غريب".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ الطَّوِيلُ فِي عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفِرْيابي إِمْلَاءً فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الغسَّاني، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانَيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ. قَالَ: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَاسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ؟ قَالَ: "مِنْ سَلِمُ الناسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ هَجَر السَّيِّئَاتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "فَرْضٌ مُجَزِّئٌ وَعِنْدَ اللَّهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِر جَواده وأهرِيق دَمُه". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جَهْد مِنْ مُقِلٍّ، وَسِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ آيَةٍ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ [مِنْهَا] [[زيادة من أ.]] ؟ قَالَ: "آيَةُ الْكُرْسِيِّ". ثُمَّ قَالَ: "يَا أبا ذر، وما السموات السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلاة، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جمٌّ غَفيرٌ كَثِيرٌ طَيِّبٌ". قُلْتُ: فَمَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ [[في د: "ثم نفخ".]] فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وسَوَّاه قَبِيلا [[في أ: "قبلا".]] ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَنُوحٌ. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وَصَالِحٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ الرُّسُلِ [[في د: "النبيين".]] آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: "مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثٍ خَمْسِينَ، صَحِيفَةً، وَعَلَى خَنُوخ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى مِنْ قَبْلِ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفَرْقَانَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ كُلُّهَا: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدَّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا مِثَالٌ: وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ ضَاغِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّة لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسِب كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: "كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالقَدَر ثُمَّ هُوَ يَنْصب، وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ هُوَ لَا يَعْمَلُ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ فِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا فِي أَيْدِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، اقْرَأْ يَا أَبَا ذَرٍّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤-١٩] .
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَوْصِنِي. قَالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ".
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زدْني. قَالَ: "عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وذِكْر اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذكرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، ونورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي. قَالَ: "إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ. فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، ويُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ [[في أ: "للشياطين".]] وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ لَكَ أَلَّا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "أَحْبِبِ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدرُ أَنْ لَا تَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قطَعوك". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "يَرُدَّك عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنَّ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ. أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ".
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْل كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَع كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ" [[الشريعة للآجري (ص ٤٠٤) وفي إسناده إبراهيم بن هشام الغسائي، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقد انفرد به عن أبيه عن جده.]]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُعَان بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ أَمْرَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، والصَدقة، وفَضْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وأفضلَ الشهداءِ، وأفضلَ الرِّقَابِ، وَنُبُوَّةَ آدَمَ، وَأَنَّهُ مُكَلَّم، وعددَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[المسند (٥/٢٦٥) .]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُتَعَالِي بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأمَوي، حَدَّثَنَا مُجَالِد عَنْ أَبِي الوَدَّاك قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ تَقُولُ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي خاتمُ ألفِ نَبِيٍّ أَوْ أكثرَ، وَمَا بُعِثَ نبيٌّ يُتَّبعُ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْهُ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّنَ لِي مَا لَمْ يُبَيَّن [لِأَحَدٍ] [[زيادة من أ، والمسند.]] وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى عَوْرَاءُ جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى، كَأَنَّهَا نُخَامَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّص، وَعَيْنُهِ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، مَعَهُ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ، وَمَعَهُ صُورَةُ الْجَنَّةِ خَضْرَاءُ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ، وَصُورَةُ النَّارِ سَوْدَاءُ تَدْخُن" [[المسند (٣/٧٩) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٦) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي في رواية، وقال في أخري: ليس بالقوي. وضعفه جماعة.]] .
وَقَدْ رُوِّيَنَاهُ فِي الْجُزْءِ الَّذِي فِيهِ رِوَايَةُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعين، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُجَالِد، عَنْ أَبِي الودَّاك، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَخْتِمُ ألفَ ألفَ نبيٍّ أَوْ أكثرَ، مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى قَوْمِهِ إِلَّا حذَّرهم الدجالَ...." وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، هَذَا لَفْظُهُ بِزِيَادَةِ "ألْف" وَقَدْ تَكُونُ مُقْحَمة [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٩٧) من طريق يحيى بن معين به، وقال الذهبي: مجالد وهو ضعيف، وليس فيه زيادة "ألف" وهي مقمحة كما ذكر المؤلف.]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسِيَاقُ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَثْبَتُ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُجَالد، عَنِ الشَّعبي، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لخاتمُ أَلْفِ نبيٍّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نبيٌّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجالَ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّن [[في أ: "تبين".]] لِي مَا لَمْ يُبَيَّن لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعورَ" [[مسند البزار برقم (٣٣٨٠) "كشف الأستار".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَهَذَا تَشْرِيفٌ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال لَهُ: الْكِلِيمُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مَسيحُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ [[في د: "عبد الجليل".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاش فَقَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا قَرَأَ هَذَا إِلَّا كَافِرٌ، قرأتُ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى [يَحْيَى] [[زيادة من أ.]] بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وثَّاب عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٣٢٥) "مجمع البحرين" من طريق مسيح بن حاتم به. وقال الطبراني: "لم يروه عن الأعمش إلا أبو بكر، تفرد به عبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ غَضَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى مَن قَرَأَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَرّف لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَنْ [يَكُونَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهَ كلَّم مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا رُوِّينَاهُ [[في أ: "تروا".]] عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاء، فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] ، يَعْنِي: أَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّحْرِيفَ وَلَا التَّأْوِيلَ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُوَية: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّاب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَ يُبْصِرُ دبيبَ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا صَحَّ مَوْقُوفًا كَانَ جَيِّدًا [[ورواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٧٧) ، من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به، وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٣) : "فيه الحسين بن أبي جعفر الجفري: وهو متروك".]] .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "كان عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ ربُّه جُبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَنَعْلَانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ" [[المستدرك (٢/٣٧٩) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٣٤) من طريق حميد الأعرج به.
قال الحاكم: "على شرط البخاري"، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل ليس على شرطه، وإنما غره أن في إسناده حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظن أنه المكي الصادق.]] .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُوَيْبر، عَنِ الضَّحاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ناجَى مُوسَى بِمِائَةِ أَلْفِ كَلِمَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ، فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَايَا كُلُّهَا، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَقتهم مِمَّا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ جُوَيْبِرًا ضَعِيفٌ، والضَّحاك لَمْ يُدْرِكِ ابنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُويه وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى يَوْمَ الطورِ، كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يَوْمَ نَادَاهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: لَا يَا مُوسَى، أَنَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قوةُ الألْسِنة كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى، صِفْ لَنَا كَلَامَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُهُ. قَالُوا: فَشَّبِهْ لَنَا. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا [[في أ: "تروا".]] إِلَى صَوْتِ الصَّوَاعِقِ فَإِنَّهَا قَرِيبٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الفضلَ هَذَا الرَّقَاشِيَّ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَزْء بْنِ جَابِرٍ الخَثْعَمي، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنِ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى كَلَّمَهُ بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا سِوَى كَلَامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ؟ قَالَ: لَا وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِكَلَامِي لَمْ تَستَقِمْ لَهُ. قَالَ: يَا رَبُّ، فَهَلْ مَنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ كَلَامَكَ؟ قَالَ: لَا وَأَشَدُّ خَلْقِي شَبَهًا بِكَلَامِي أَشَدُّ مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الصَّوَاعِقِ.
فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَهُوَ يَحْكِي عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِيهَا الغَثُّ والسَّمِين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أَيْ: يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالْخَيِّرَاتِ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بِالْعِقَابِ وَالْعَذَابِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَبَيَّنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طَهَ: ١٣٤] ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْقَصَصِ: ٤٧] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠) .]] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحدَ أحبَّ إِلَيْهِ المدحُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أحدَ أحَبَّ إِلَيْهِ العُذر مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ" وَفِي لَفْظٍ: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ".
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ سُكَين وعَديّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ [[في ر: "ما نعلم أنزل الله".]] عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ فَمَا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ -يَعْنِي عَلَى الْيَهُودِ-وَأَخْبَرَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، جَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا مُوسَى وَلَا عِيسَى، وَلَا عَلَى نَبِيٍّ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فحَلّ حُبْوته، وَقَالَ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩١] .
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٣] ، ثُمَّ ذَكَرَ فَضَائِحَهُمْ وَمَعَايِبَهُمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا أَوْحَى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾
وَالزَّبُورُ: اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَنَذْكُرُ تَرْجَمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، عِنْدَ قَصَصِهِمْ فِي السُّوَرِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، يَعْنِي: فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ نُصَّ [[في د: "نص الله".]] عَلَى أَسْمَائِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ: آدَمُ وَإِدْرِيسُ، وَنُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَلُوطٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَأَيُّوبُ، وَشُعَيْبٌ، وَمُوسَى، وَهَارُونُ، وَيُونُسُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَإِلْيَاسُ، والْيَسَع، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى [عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَكَذَا ذُو الْكِفْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَسَيِّدُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى الله وعليه وَسَلَّمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: خَلْقًا آخَرِينَ لَمْ يُذْكَرُوا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدِ [[في د: "ولذا".]] اختلف في عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي تَفْسِيرِهِ، حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ [[في أ: "يحيى بن يحيى الغساني".]] حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاني، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمّ غَفِير". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاه قِبَلا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَنُوحٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ، وَأَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ النَّبِيِّينَ آدَمُ، وَآخِرُهُمْ نَبِيُّكَ".
قَدْ رَوَى هَذَا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الْأَنْوَاعُ وَالتَّقَاسِيمُ" وَقَدْ وَسَمَه بِالصِّحَّةِ، وَخَالَفَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ "الْمَوْضُوعَاتِ"، وَاتَّهَمَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ هَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ [[صحيح ابن حبان برقم (٩٤) "موارد" ورواه أبو نعيم في الحلية (١/١٦٦) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى به.
وإبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال الذهبي: "وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده".]] فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ [[في ر: "هذا".]] مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامة قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا".
مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامي ضَعِيفٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَالْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ أَيْضًا [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٤٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَعَثَ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَبِيٍّ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى سَائِرِ النَّاسِ".
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ فِيهِ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ، وَشَيْخُهُ الرَّقَاشي أَضْعَفُ مِنْهُ أَيْضًا [[مسند أبي يعلى (٧/١٦٠) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٥٣) من طريق مكي بن إبراهيم به.
قال الهيثمي في المجمع (٨/٢١٠) : "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدًا".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ العَبْدِي، حَدَّثَنَا محمد بن خالد الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ فِيمَنْ خَلَا مِنْ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ كُنْتُ أَنَا" [[مسند أبي يعلى (٧/١٣١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢١١) : "فيه محمد بن ثابت العبدي وهو ضعيف".]] .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَأَخْبَرَنِي الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَسَاكِرَ، أَنْبَأَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّفَارُ، أَخْبَرَتْنَا عَمَّةُ أَبِي، عَائِشَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الصَّفَارِ، أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو السَّنَابِكِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيْدَرٍ القُرَشِي، حَدَّثَنَا الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَراييني قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُعِثْتُ عَلَى إِثْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، رِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ طَارِقٍ هَذَا، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/١٦٢) من طريق مسلم بن خالد الزنجي به. وقال: "غريب".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ الطَّوِيلُ فِي عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفِرْيابي إِمْلَاءً فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الغسَّاني، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانَيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ. قَالَ: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَاسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ؟ قَالَ: "مِنْ سَلِمُ الناسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ هَجَر السَّيِّئَاتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "فَرْضٌ مُجَزِّئٌ وَعِنْدَ اللَّهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِر جَواده وأهرِيق دَمُه". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جَهْد مِنْ مُقِلٍّ، وَسِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ آيَةٍ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ [مِنْهَا] [[زيادة من أ.]] ؟ قَالَ: "آيَةُ الْكُرْسِيِّ". ثُمَّ قَالَ: "يَا أبا ذر، وما السموات السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلاة، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جمٌّ غَفيرٌ كَثِيرٌ طَيِّبٌ". قُلْتُ: فَمَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ [[في د: "ثم نفخ".]] فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وسَوَّاه قَبِيلا [[في أ: "قبلا".]] ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَنُوحٌ. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وَصَالِحٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ الرُّسُلِ [[في د: "النبيين".]] آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: "مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثٍ خَمْسِينَ، صَحِيفَةً، وَعَلَى خَنُوخ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى مِنْ قَبْلِ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفَرْقَانَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ كُلُّهَا: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدَّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا مِثَالٌ: وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ ضَاغِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّة لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسِب كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: "كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالقَدَر ثُمَّ هُوَ يَنْصب، وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ هُوَ لَا يَعْمَلُ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ فِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا فِي أَيْدِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، اقْرَأْ يَا أَبَا ذَرٍّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤-١٩] .
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَوْصِنِي. قَالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ".
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زدْني. قَالَ: "عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وذِكْر اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذكرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، ونورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي. قَالَ: "إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ. فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، ويُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ [[في أ: "للشياطين".]] وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ لَكَ أَلَّا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "أَحْبِبِ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدرُ أَنْ لَا تَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قطَعوك". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "يَرُدَّك عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنَّ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ. أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ".
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْل كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَع كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ" [[الشريعة للآجري (ص ٤٠٤) وفي إسناده إبراهيم بن هشام الغسائي، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقد انفرد به عن أبيه عن جده.]]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُعَان بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ أَمْرَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، والصَدقة، وفَضْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وأفضلَ الشهداءِ، وأفضلَ الرِّقَابِ، وَنُبُوَّةَ آدَمَ، وَأَنَّهُ مُكَلَّم، وعددَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[المسند (٥/٢٦٥) .]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُتَعَالِي بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأمَوي، حَدَّثَنَا مُجَالِد عَنْ أَبِي الوَدَّاك قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ تَقُولُ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي خاتمُ ألفِ نَبِيٍّ أَوْ أكثرَ، وَمَا بُعِثَ نبيٌّ يُتَّبعُ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْهُ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّنَ لِي مَا لَمْ يُبَيَّن [لِأَحَدٍ] [[زيادة من أ، والمسند.]] وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى عَوْرَاءُ جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى، كَأَنَّهَا نُخَامَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّص، وَعَيْنُهِ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، مَعَهُ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ، وَمَعَهُ صُورَةُ الْجَنَّةِ خَضْرَاءُ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ، وَصُورَةُ النَّارِ سَوْدَاءُ تَدْخُن" [[المسند (٣/٧٩) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٦) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي في رواية، وقال في أخري: ليس بالقوي. وضعفه جماعة.]] .
وَقَدْ رُوِّيَنَاهُ فِي الْجُزْءِ الَّذِي فِيهِ رِوَايَةُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعين، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُجَالِد، عَنْ أَبِي الودَّاك، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَخْتِمُ ألفَ ألفَ نبيٍّ أَوْ أكثرَ، مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى قَوْمِهِ إِلَّا حذَّرهم الدجالَ...." وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، هَذَا لَفْظُهُ بِزِيَادَةِ "ألْف" وَقَدْ تَكُونُ مُقْحَمة [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٩٧) من طريق يحيى بن معين به، وقال الذهبي: مجالد وهو ضعيف، وليس فيه زيادة "ألف" وهي مقمحة كما ذكر المؤلف.]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسِيَاقُ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَثْبَتُ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُجَالد، عَنِ الشَّعبي، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لخاتمُ أَلْفِ نبيٍّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نبيٌّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجالَ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّن [[في أ: "تبين".]] لِي مَا لَمْ يُبَيَّن لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعورَ" [[مسند البزار برقم (٣٣٨٠) "كشف الأستار".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَهَذَا تَشْرِيفٌ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال لَهُ: الْكِلِيمُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مَسيحُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ [[في د: "عبد الجليل".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاش فَقَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا قَرَأَ هَذَا إِلَّا كَافِرٌ، قرأتُ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى [يَحْيَى] [[زيادة من أ.]] بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وثَّاب عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٣٢٥) "مجمع البحرين" من طريق مسيح بن حاتم به. وقال الطبراني: "لم يروه عن الأعمش إلا أبو بكر، تفرد به عبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ غَضَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى مَن قَرَأَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَرّف لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَنْ [يَكُونَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهَ كلَّم مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا رُوِّينَاهُ [[في أ: "تروا".]] عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاء، فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] ، يَعْنِي: أَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّحْرِيفَ وَلَا التَّأْوِيلَ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُوَية: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّاب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَ يُبْصِرُ دبيبَ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا صَحَّ مَوْقُوفًا كَانَ جَيِّدًا [[ورواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٧٧) ، من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به، وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٣) : "فيه الحسين بن أبي جعفر الجفري: وهو متروك".]] .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "كان عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ ربُّه جُبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَنَعْلَانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ" [[المستدرك (٢/٣٧٩) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٣٤) من طريق حميد الأعرج به.
قال الحاكم: "على شرط البخاري"، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل ليس على شرطه، وإنما غره أن في إسناده حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظن أنه المكي الصادق.]] .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُوَيْبر، عَنِ الضَّحاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ناجَى مُوسَى بِمِائَةِ أَلْفِ كَلِمَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ، فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَايَا كُلُّهَا، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَقتهم مِمَّا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ جُوَيْبِرًا ضَعِيفٌ، والضَّحاك لَمْ يُدْرِكِ ابنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُويه وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى يَوْمَ الطورِ، كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يَوْمَ نَادَاهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: لَا يَا مُوسَى، أَنَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قوةُ الألْسِنة كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى، صِفْ لَنَا كَلَامَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُهُ. قَالُوا: فَشَّبِهْ لَنَا. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا [[في أ: "تروا".]] إِلَى صَوْتِ الصَّوَاعِقِ فَإِنَّهَا قَرِيبٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الفضلَ هَذَا الرَّقَاشِيَّ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَزْء بْنِ جَابِرٍ الخَثْعَمي، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنِ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى كَلَّمَهُ بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا سِوَى كَلَامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ؟ قَالَ: لَا وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِكَلَامِي لَمْ تَستَقِمْ لَهُ. قَالَ: يَا رَبُّ، فَهَلْ مَنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ كَلَامَكَ؟ قَالَ: لَا وَأَشَدُّ خَلْقِي شَبَهًا بِكَلَامِي أَشَدُّ مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الصَّوَاعِقِ.
فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَهُوَ يَحْكِي عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِيهَا الغَثُّ والسَّمِين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أَيْ: يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالْخَيِّرَاتِ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بِالْعِقَابِ وَالْعَذَابِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَبَيَّنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طَهَ: ١٣٤] ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْقَصَصِ: ٤٧] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠) .]] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحدَ أحبَّ إِلَيْهِ المدحُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أحدَ أحَبَّ إِلَيْهِ العُذر مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ" وَفِي لَفْظٍ: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ".
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ سُكَين وعَديّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ [[في ر: "ما نعلم أنزل الله".]] عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ فَمَا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ -يَعْنِي عَلَى الْيَهُودِ-وَأَخْبَرَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، جَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَلَا مُوسَى وَلَا عِيسَى، وَلَا عَلَى نَبِيٍّ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ: فحَلّ حُبْوته، وَقَالَ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ.. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩١] .
وَفِي هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مَدَنِيَّةٌ، وَهِيَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النِّسَاءِ: ١٥٣] ، ثُمَّ ذَكَرَ فَضَائِحَهُمْ وَمَعَايِبَهُمْ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ الْآنَ مِنَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا أَوْحَى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾
وَالزَّبُورُ: اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَى دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَنَذْكُرُ تَرْجَمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ [أَفْضَلُ] [[زيادة من أ.]] الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، عِنْدَ قَصَصِهِمْ فِي السُّوَرِ الْآتِيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.
* *
وَقَوْلُهُ ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذِهِ الْآيَةِ، يَعْنِي: فِي السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ نُصَّ [[في د: "نص الله".]] عَلَى أَسْمَائِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، وَهُمْ: آدَمُ وَإِدْرِيسُ، وَنُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَلُوطٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَيُوسُفُ، وَأَيُّوبُ، وَشُعَيْبٌ، وَمُوسَى، وَهَارُونُ، وَيُونُسُ، وَدَاوُدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَإِلْيَاسُ، والْيَسَع، وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى، وَعِيسَى [عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] [[زيادة من أ.]] وَكَذَا ذُو الْكِفْلِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَسَيِّدُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى الله وعليه وَسَلَّمَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أَيْ: خَلْقًا آخَرِينَ لَمْ يُذْكَرُوا فِي الْقُرْآنِ، وَقَدِ [[في د: "ولذا".]] اختلف في عِدَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيلُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي تَفْسِيرِهِ، حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ [[في أ: "يحيى بن يحيى الغساني".]] حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاني، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمّ غَفِير". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاه قِبَلا". ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وَنُوحٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ، وَأَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ النَّبِيِّينَ آدَمُ، وَآخِرُهُمْ نَبِيُّكَ".
قَدْ رَوَى هَذَا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم ابن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ: "الْأَنْوَاعُ وَالتَّقَاسِيمُ" وَقَدْ وَسَمَه بِالصِّحَّةِ، وَخَالَفَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ "الْمَوْضُوعَاتِ"، وَاتَّهَمَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ هَذَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ [[صحيح ابن حبان برقم (٩٤) "موارد" ورواه أبو نعيم في الحلية (١/١٦٦) من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى به.
وإبراهيم بن هشام الغساني كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال الذهبي: "وهو صاحب حديث أبي ذر الطويل انفرد به عن أبيه عن جده".]] فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ [[في ر: "هذا".]] مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامة قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا".
مُعَان بْنُ رِفَاعَةَ السَّلامي ضَعِيفٌ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ، وَالْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ أَيْضًا [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٧٤٦) .]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَوْهَرِيُّ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذي، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَعَثَ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَبِيٍّ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ إِلَى سَائِرِ النَّاسِ".
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ فِيهِ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ، وَشَيْخُهُ الرَّقَاشي أَضْعَفُ مِنْهُ أَيْضًا [[مسند أبي يعلى (٧/١٦٠) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٥٣) من طريق مكي بن إبراهيم به.
قال الهيثمي في المجمع (٨/٢١٠) : "فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف جدًا".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ العَبْدِي، حَدَّثَنَا محمد بن خالد الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشي، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَانَ فِيمَنْ خَلَا مِنْ إِخْوَانِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ كُنْتُ أَنَا" [[مسند أبي يعلى (٧/١٣١) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢١١) : "فيه محمد بن ثابت العبدي وهو ضعيف".]] .
وَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، فَأَخْبَرَنِي الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَسَاكِرَ، أَنْبَأَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الصَّفَارُ، أَخْبَرَتْنَا عَمَّةُ أَبِي، عَائِشَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الصَّفَارِ، أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو السَّنَابِكِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيْدَرٍ القُرَشِي، حَدَّثَنَا الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإسْفَراييني قَالَ: أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُعِثْتُ عَلَى إِثْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، رِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ طَارِقٍ هَذَا، فَإِنِّي لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/١٦٢) من طريق مسلم بن خالد الزنجي به. وقال: "غريب".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ الطَّوِيلُ فِي عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الفِرْيابي إِمْلَاءً فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الغسَّاني، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانَيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ. قَالَ: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَاسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ أَسْلَمُ؟ قَالَ: "مِنْ سَلِمُ الناسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ هَجَر السَّيِّئَاتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "فَرْضٌ مُجَزِّئٌ وَعِنْدَ اللَّهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ عُقِر جَواده وأهرِيق دَمُه". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جَهْد مِنْ مُقِلٍّ، وَسِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيُّ آيَةٍ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ [مِنْهَا] [[زيادة من أ.]] ؟ قَالَ: "آيَةُ الْكُرْسِيِّ". ثُمَّ قَالَ: "يَا أبا ذر، وما السموات السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلاة، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ؟ قَالَ: "مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: "ثَلَاثُمِائَةٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جمٌّ غَفيرٌ كَثِيرٌ طَيِّبٌ". قُلْتُ: فَمَنْ كَانَ أَوَّلَهُمْ؟ قَالَ: "آدَمُ". قُلْتُ: أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ [[في د: "ثم نفخ".]] فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وسَوَّاه قَبِيلا [[في أ: "قبلا".]] ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثٌ، وخَنُوخ -وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِقَلَمٍ-وَنُوحٌ. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وَصَالِحٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى. وَأَوَّلُ الرُّسُلِ [[في د: "النبيين".]] آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: "مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى شِيثٍ خَمْسِينَ، صَحِيفَةً، وَعَلَى خَنُوخ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى مِنْ قَبْلِ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ وَالْإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ وَالْفَرْقَانَ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: "كَانَتْ كُلُّهَا: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدَّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا مِثَالٌ: وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ ضَاغِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّة لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسِب كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى؟ قَالَ: "كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بالقَدَر ثُمَّ هُوَ يَنْصب، وَعَجِبْتُ لِمَنْ يَرَى الدُّنْيَا وتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ هُوَ لَا يَعْمَلُ" قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ فِي أَيْدِينَا شَيْءٌ مِمَّا فِي أَيْدِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، اقْرَأْ يَا أَبَا ذَرٍّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤-١٩] .
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَوْصِنِي. قَالَ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ رَأْسُ أَمْرِكَ".
قَالَ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زدْني. قَالَ: "عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وذِكْر اللَّهِ، فَإِنَّهُ ذكرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، ونورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ".
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنِي. قَالَ: "إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ. فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، ويُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ [[في أ: "للشياطين".]] وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ تَحْتَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكَ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ لَكَ أَلَّا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "أَحْبِبِ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدرُ أَنْ لَا تَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "صِلْ قَرَابَتَكَ وَإِنْ قطَعوك". قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ".
قُلْتُ: زِدْنِي. قَالَ: "يَرُدَّك عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ عَنْ نَفْسِكَ، وَلَا تَجِدُ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنَّ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ. أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تُحِبُّ".
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ صَدْرِي، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْل كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَع كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ" [[الشريعة للآجري (ص ٤٠٤) وفي إسناده إبراهيم بن هشام الغسائي، كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وقد انفرد به عن أبيه عن جده.]]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُعَان بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ أَمْرَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، والصَدقة، وفَضْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وأفضلَ الشهداءِ، وأفضلَ الرِّقَابِ، وَنُبُوَّةَ آدَمَ، وَأَنَّهُ مُكَلَّم، وعددَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ [[المسند (٥/٢٦٥) .]] .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ أَبِي بِخَطِّهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمُتَعَالِي بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأمَوي، حَدَّثَنَا مُجَالِد عَنْ أَبِي الوَدَّاك قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: هَلْ تَقُولُ الْخَوَارِجُ بِالدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي خاتمُ ألفِ نَبِيٍّ أَوْ أكثرَ، وَمَا بُعِثَ نبيٌّ يُتَّبعُ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْهُ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّنَ لِي مَا لَمْ يُبَيَّن [لِأَحَدٍ] [[زيادة من أ، والمسند.]] وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى عَوْرَاءُ جَاحِظَةٌ لَا تَخْفَى، كَأَنَّهَا نُخَامَةٌ فِي حَائِطٍ مُجَصَّص، وَعَيْنُهِ الْيُسْرَى كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، مَعَهُ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ، وَمَعَهُ صُورَةُ الْجَنَّةِ خَضْرَاءُ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ، وَصُورَةُ النَّارِ سَوْدَاءُ تَدْخُن" [[المسند (٣/٧٩) وقال الهيثمي في المجمع (٧/٣٤٦) : "فيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي في رواية، وقال في أخري: ليس بالقوي. وضعفه جماعة.]] .
وَقَدْ رُوِّيَنَاهُ فِي الْجُزْءِ الَّذِي فِيهِ رِوَايَةُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعين، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُجَالِد، عَنْ أَبِي الودَّاك، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي أَخْتِمُ ألفَ ألفَ نبيٍّ أَوْ أكثرَ، مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى قَوْمِهِ إِلَّا حذَّرهم الدجالَ...." وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، هَذَا لَفْظُهُ بِزِيَادَةِ "ألْف" وَقَدْ تَكُونُ مُقْحَمة [[ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٩٧) من طريق يحيى بن معين به، وقال الذهبي: مجالد وهو ضعيف، وليس فيه زيادة "ألف" وهي مقمحة كما ذكر المؤلف.]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسِيَاقُ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَثْبَتُ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا بَأْسَ بِهِمْ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُجَالد، عَنِ الشَّعبي، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لخاتمُ أَلْفِ نبيٍّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نبيٌّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجالَ، وَإِنِّي قَدْ بُيِّن [[في أ: "تبين".]] لِي مَا لَمْ يُبَيَّن لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأعورَ" [[مسند البزار برقم (٣٣٨٠) "كشف الأستار".]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَهَذَا تَشْرِيفٌ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بهذه الصفة؛ ولهذا يقال لَهُ: الْكِلِيمُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدويه: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا مَسيحُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ [[في د: "عبد الجليل".]] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاش فَقَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا قَرَأَ هَذَا إِلَّا كَافِرٌ، قرأتُ عَلَى الْأَعْمَشِ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى [يَحْيَى] [[زيادة من أ.]] بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وثَّاب عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمِيّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَرَأَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٣٢٥) "مجمع البحرين" من طريق مسيح بن حاتم به. وقال الطبراني: "لم يروه عن الأعمش إلا أبو بكر، تفرد به عبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".]] .
وَإِنَّمَا اشْتَدَّ غَضَبُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى مَن قَرَأَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَرّف لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَنْ [يَكُونَ] [[زيادة من أ.]] اللَّهَ كلَّم مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَوْ يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا رُوِّينَاهُ [[في أ: "تروا".]] عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَشَايِخِ: "وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا" فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاء، فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] ، يَعْنِي: أَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّحْرِيفَ وَلَا التَّأْوِيلَ.
وَقَالَ ابْنُ مَرْدُوَية: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ بَهْرَام، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّاب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى كَانَ يُبْصِرُ دبيبَ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَا يَصِحُّ، وَإِذَا صَحَّ مَوْقُوفًا كَانَ جَيِّدًا [[ورواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٧٧) ، من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به، وقال الهيثمي في المجمع (٨/٢٠٣) : "فيه الحسين بن أبي جعفر الجفري: وهو متروك".]] .
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: "كان عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ ربُّه جُبَّةُ صُوفٍ، وَكِسَاءُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَنَعْلَانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ ذَكِيٍّ" [[المستدرك (٢/٣٧٩) ورواه الترمذي في السنن برقم (١٧٣٤) من طريق حميد الأعرج به.
قال الحاكم: "على شرط البخاري"، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل ليس على شرطه، وإنما غره أن في إسناده حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظن أنه المكي الصادق.]] .
وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُوَيْبر، عَنِ الضَّحاك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ناجَى مُوسَى بِمِائَةِ أَلْفِ كَلِمَةٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ، فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَايَا كُلُّهَا، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَقتهم مِمَّا وَقَعَ فِي مَسَامِعِهِ مِنْ كَلَامِ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَهَذَا أَيْضًا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ جُوَيْبِرًا ضَعِيفٌ، والضَّحاك لَمْ يُدْرِكِ ابنَ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُويه وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرَّقَاشي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبد اللَّهِ قَالَ: لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى يَوْمَ الطورِ، كلَّمه بغير الكلام الذي كلَّمه يَوْمَ نَادَاهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: لَا يَا مُوسَى، أَنَا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرةِ آلَافِ لِسَانٍ، وَلِي قوةُ الألْسِنة كُلِّهَا، وَأَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى، صِفْ لَنَا كَلَامَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُهُ. قَالُوا: فَشَّبِهْ لَنَا. قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعُوا [[في أ: "تروا".]] إِلَى صَوْتِ الصَّوَاعِقِ فَإِنَّهَا قَرِيبٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الفضلَ هَذَا الرَّقَاشِيَّ ضَعِيفٌ بِمَرَّةٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَزْء بْنِ جَابِرٍ الخَثْعَمي، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنِ اللَّهَ لَمَّا كَلَّمَ مُوسَى كَلَّمَهُ بِالْأَلْسِنَةِ كُلِّهَا سِوَى كَلَامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى يَا رَبُّ، هَذَا كَلَامُكَ؟ قَالَ: لَا وَلَوْ كَلَّمْتُكَ بِكَلَامِي لَمْ تَستَقِمْ لَهُ. قَالَ: يَا رَبُّ، فَهَلْ مَنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ يُشْبِهُ كَلَامَكَ؟ قَالَ: لَا وَأَشَدُّ خَلْقِي شَبَهًا بِكَلَامِي أَشَدُّ مَا تَسْمَعُونَ مِنَ الصَّوَاعِقِ.
فَهَذَا مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَهُوَ يَحْكِي عَنِ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِيهَا الغَثُّ والسَّمِين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أَيْ: يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالْخَيِّرَاتِ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بِالْعِقَابِ وَالْعَذَابِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَبَيَّنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طَهَ: ١٣٤] ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [[زيادة من د، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْقَصَصِ: ٤٧] .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٤) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٠) .]] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لا أحَدَ أغَيْرَ من الله، من أجل ذلك حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أحدَ أحبَّ إِلَيْهِ المدحُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أحدَ أحَبَّ إِلَيْهِ العُذر مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ" وَفِي لَفْظٍ: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ".
لَمَّا تَضْمَّنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السِّيَاقِ، إِثْبَاتَ نُبُوَّتِهِ ﷺ [[في أ:"بنبوته صلوات الله وسلامه عليه".]] وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِمَّنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَهُوَ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: فِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَالْفَرْقَانِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْغُيُوبِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَه اللَّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د، أ.]] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْل الْجَعْفَرِيُّ وخَزَزُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلمي القرآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أخذتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أحدٌ الْيَوْمَ أفضلَ مِنْكَ إِلَّا بِعَمَلٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: بِصِدْقِ مَا جَاءَكَ وَأُوحِيَ إِلَيْكَ وَأُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جماعةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ -وَاللَّهِ-إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: كَفَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [[في د: "بأنفسهم".]] فَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ، وسَعوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ وَضَلُّوا عَنْهُ، وبَعُدُوا مِنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا شَاسِعًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ فِي الْكَافِرِينَ بِآيَاتِهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وَارْتِكَابِ مَآثِمِهِ وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْخَيْرِ ﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَآمِنُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [[في د: "فاتبعوه".]] يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرَانِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَاية فَيُغْوِيهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وأفعاله وشرعه وقدره.
لَمَّا تَضْمَّنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السِّيَاقِ، إِثْبَاتَ نُبُوَّتِهِ ﷺ [[في أ:"بنبوته صلوات الله وسلامه عليه".]] وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِمَّنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَهُوَ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: فِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَالْفَرْقَانِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْغُيُوبِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَه اللَّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د، أ.]] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْل الْجَعْفَرِيُّ وخَزَزُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلمي القرآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أخذتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أحدٌ الْيَوْمَ أفضلَ مِنْكَ إِلَّا بِعَمَلٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: بِصِدْقِ مَا جَاءَكَ وَأُوحِيَ إِلَيْكَ وَأُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جماعةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ -وَاللَّهِ-إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: كَفَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [[في د: "بأنفسهم".]] فَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ، وسَعوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ وَضَلُّوا عَنْهُ، وبَعُدُوا مِنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا شَاسِعًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ فِي الْكَافِرِينَ بِآيَاتِهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وَارْتِكَابِ مَآثِمِهِ وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْخَيْرِ ﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَآمِنُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [[في د: "فاتبعوه".]] يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرَانِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَاية فَيُغْوِيهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وأفعاله وشرعه وقدره.
لَمَّا تَضْمَّنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السِّيَاقِ، إِثْبَاتَ نُبُوَّتِهِ ﷺ [[في أ:"بنبوته صلوات الله وسلامه عليه".]] وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِمَّنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَهُوَ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: فِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَالْفَرْقَانِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْغُيُوبِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَه اللَّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د، أ.]] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْل الْجَعْفَرِيُّ وخَزَزُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلمي القرآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أخذتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أحدٌ الْيَوْمَ أفضلَ مِنْكَ إِلَّا بِعَمَلٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: بِصِدْقِ مَا جَاءَكَ وَأُوحِيَ إِلَيْكَ وَأُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جماعةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ -وَاللَّهِ-إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: كَفَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [[في د: "بأنفسهم".]] فَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ، وسَعوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ وَضَلُّوا عَنْهُ، وبَعُدُوا مِنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا شَاسِعًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ فِي الْكَافِرِينَ بِآيَاتِهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وَارْتِكَابِ مَآثِمِهِ وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْخَيْرِ ﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَآمِنُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [[في د: "فاتبعوه".]] يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرَانِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَاية فَيُغْوِيهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وأفعاله وشرعه وقدره.
لَمَّا تَضْمَّنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السِّيَاقِ، إِثْبَاتَ نُبُوَّتِهِ ﷺ [[في أ:"بنبوته صلوات الله وسلامه عليه".]] وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِمَّنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَهُوَ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: فِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَالْفَرْقَانِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْغُيُوبِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَه اللَّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د، أ.]] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْل الْجَعْفَرِيُّ وخَزَزُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلمي القرآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أخذتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أحدٌ الْيَوْمَ أفضلَ مِنْكَ إِلَّا بِعَمَلٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: بِصِدْقِ مَا جَاءَكَ وَأُوحِيَ إِلَيْكَ وَأُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جماعةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ -وَاللَّهِ-إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: كَفَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [[في د: "بأنفسهم".]] فَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ، وسَعوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ وَضَلُّوا عَنْهُ، وبَعُدُوا مِنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا شَاسِعًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ فِي الْكَافِرِينَ بِآيَاتِهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وَارْتِكَابِ مَآثِمِهِ وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْخَيْرِ ﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَآمِنُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [[في د: "فاتبعوه".]] يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرَانِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَاية فَيُغْوِيهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وأفعاله وشرعه وقدره.
لَمَّا تَضْمَّنَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إِلَى آخَرِ السِّيَاقِ، إِثْبَاتَ نُبُوَّتِهِ ﷺ [[في أ:"بنبوته صلوات الله وسلامه عليه".]] وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نُبُوَّتَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ﴾ أَيْ: وَإِنْ كَفَرَ بِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِمَّنْ كَذَّبَكَ وَخَالَفَكَ، فَاللَّهُ يَشْهَدُ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُهُ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَهُوَ: الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٢] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أَيْ: فِيهِ عِلْمُهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُطْلِعَ الْعِبَادَ عَلَيْهِ، مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَالْفَرْقَانِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْغُيُوبِ مِنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُقَدَّسَةِ، الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا أَنْ يُعْلِمَه اللَّهُ بِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من د، أ.]] ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٥] ، وَقَالَ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سَهْل الْجَعْفَرِيُّ وخَزَزُ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ قَالَ: أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلمي القرآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أخذتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أحدٌ الْيَوْمَ أفضلَ مِنْكَ إِلَّا بِعَمَلٍ، ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أَيْ: بِصِدْقِ مَا جَاءَكَ وَأُوحِيَ إِلَيْكَ وَأُنْزِلَ عَلَيْكَ، مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَ بِذَلِكَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جماعةٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ -وَاللَّهِ-إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا] [[زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا﴾ أَيْ: كَفَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ [[في د: "بأنفسهم".]] فَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ، وسَعوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، قَدْ خَرَجُوا عَنِ الْحَقِّ وَضَلُّوا عَنْهُ، وبَعُدُوا مِنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا شَاسِعًا.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حُكْمِهِ فِي الْكَافِرِينَ بِآيَاتِهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، وَبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ وَارْتِكَابِ مَآثِمِهِ وَانْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أَيْ: سَبِيلًا إِلَى الْخَيْرِ ﴿إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا] [[زيادة من أ.]] ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالْبَيَانِ الشَّافِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَآمِنُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ وَاتَّبِعُوهُ [[في د: "فاتبعوه".]] يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ إِيمَانِكُمْ، وَلَا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرَانِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٨] وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْكُمُ الْهِدَايَةَ فَيَهْدِيهِ، وَبِمَنْ يَسْتَحِقُّ الغَوَاية فَيُغْوِيهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي أَقْوَالِهِ وأفعاله وشرعه وقدره.
يَنْهَى تَعَالَى أَهْلَ الْكِتَابِ عَنِ الْغُلُوِّ وَالْإِطْرَاءِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي النَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ تَجَاوَزُوا حَدَّ التَّصْدِيقِ بِعِيسَى، حَتَّى رَفَعُوهُ فَوْقَ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَنَقَلُوهُ مِنْ حَيِّزِ النُّبُوَّةِ إِلَى أَنِ اتَّخَذُوهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهُ كَمَا يَعْبُدُونَهُ، بَلْ قَدْ غَلَوْا فِي أَتْبَاعِهِ وَأَشْيَاعِهِ، مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى دِينِهِ، فادَّعوْا فِيهِمُ الْعِصْمَةَ وَاتَّبَعُوهُمْ فِي كُلِّ مَا قَالُوهُ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًا أَوْ بَاطِلًا أَوْ ضَلَالًا أَوْ رَشَادًا، أَوْ صَحِيحًا أَوْ كَذِبًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣١] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيم قَالَ: زَعَمَ الزُّهْرِي، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبة بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "لَا تُطْرُوني كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ وَعَلِيُّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنة، عَنِ الزُّهري كَذَلِكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ [[في أ: "مسند".]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الحُميدي، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ. وَلَفْظُهُ: "فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" [[المسند (١/٢٣، ٢٤) وصحيح البخاري برقم (٣٤٤٥) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حمَّاد بْنِ سَلَمَة، عَنْ ثَابِتٍ البُناني، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: مُحَمَّدٌ يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْويَنَّكُمُ الشيطانُ، أَنَا محمدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٣/١٥٣) وهو على شرط مسلم.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ أَيْ: لَا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ وَتَجْعَلُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَدًا -تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ وَتَوَحَّدَ فِي سُؤْدُدِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ -فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَيْ: إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وخَلق مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، أَيْ: خَلقَه بِالْكَلِمَةِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى مَرْيَمَ، فَنَفْخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ عِيسَى بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَصَارَتْ تِلْكَ النَّفْخَةُ الَّتِي نَفَخَهَا في جَيْب درعها، فَنَزَلَتْ حَتَّى وَلَجت فَرْجَهَا بِمَنْزِلَةِ لَقَاحِ الْأَبِ الْأُمَّ [[في د: "والأم".]] وَالْجَمِيعُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِعِيسَى: إِنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ تَوَلَّدَ [[في أ: "مولد".]] مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ نَاشِئٌ عَنِ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَ لَهُ بِهَا: كُنْ، فَكَانَ. وَالرُّوحِ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا جِبْرِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٥] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا [[في أ: "فيه"، وهو خطأ.]] مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٢] . وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ الْمَسِيحِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٥٩] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ هُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٩] فَكَانَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ شَاذَّ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ قَالَ: لَيْسَ الكلمةُ صَارَتْ عِيسَى، وَلَكِنْ بِالْكَلِمَةِ صَارَ عِيسَى.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا ادَّعَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٩/٤١٨) .]] فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أَيْ: أَعْلَمَهَا بِهَا، كَمَا زَعَمَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٤٥] أَيْ: يُعْلِمُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٦] بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهَا الْكَلِمَةُ الَّتِي جَاءَ بِهَا جِبْرِيلُ إِلَى مَرْيَمَ، فَنَفْخَ فِيهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَكَانَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا [[في ر: "ابن".]] الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَيْر بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنِي جُنَادةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وروحٌ مِنْهُ، والجنةَ حُقٌّ، والنارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ". قَالَ الْوَلِيدُ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمير بْنِ هَانِئٍ، عَنْ جُنَادة زَادَ: "مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ".
وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ رُشَيد، عَنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٨) .]] وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨) .]] .
فَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾
[الْجَاثِيَةِ: ١٣] أَيْ: مِنْ خَلْقه وَمِنْ عِنْدِهِ، وَلَيْسَتْ "مِنْ" لِلتَّبْعِيضِ، كَمَا تَقُولُهُ النَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ-بَلْ هِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أَيْ: وَرَسُولٌ مِنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ. وَمَحَبَّةٌ مِنْهُ. وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ أنَّه مَخْلُوقٌ مِنْ رُوحٍ مَخْلُوقَةٍ، وَأُضِيفَتِ الرُّوحُ إِلَى اللَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيفِ، كَمَا أُضِيفَتِ النَّاقَةُ وَالْبَيْتُ إِلَى اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هُودٍ: ٦٤] . وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الْحَجِّ: ٢٦] ، وَكَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "فَأَدْخُلُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ" أَضَافَهَا إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ لَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَبِيلٍ وَاحِدٍ ونمَط وَاحِدٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: فَصَدِّقُوا بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ أَحَدٌ، لَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَاعْلَمُوا وَتَيَقَّنُوا بِأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أَيْ: لَا تَجْعَلُوا عِيسَى وَأُمَّهُ مَعَ اللَّهِ شَرِيكَيْنِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي تَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٧٣] . وَكَمَا قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ] [[زياد من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ١١٦] ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهَا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ: ٧٢] ، فَالنَّصَارَى -عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ-مِنْ جَهْلِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ ضَابِطٌ، وَلَا لِكُفْرِهِمْ حَدٌّ، بَلْ أَقْوَالُهُمْ وَضَلَالُهُمْ مُنْتَشِرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ إِلَهًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ شَرِيكًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِدُهُ وَلَدًا. وَهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ لَهُمْ آرَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَقْوَالٌ غَيْرُ مُؤْتَلِفَةٍ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ حَيْثُ قَالَ: لَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ النَّصَارَى لَافْتَرَقُوا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا. وَلَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ عُلَمَائِهِمُ الْمَشَاهِيرِ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ بَطْرِيق -بتْرَكُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ-فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا الْمَجْمَعَ الْكَبِيرَ الَّذِي عَقَدُوا فِيهِ الْأَمَانَةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي لَهُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ الْخِيَانَةُ الْحَقِيرَةُ الصَّغِيرَةُ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ بَانِي الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ اخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِطُ وَلَا يَنْحَصِرُ، فَكَانُوا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفَيْنِ أَسْقُفًا، فَكَانُوا أَحْزَابًا كَثِيرَةً، كُلُّ خَمْسِينَ مِنْهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ، وَعِشْرُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَمِائَةٌ عَلَى مَقَالَةٍ، وَسَبْعُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَأَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْقَصُ. فَلَمَّا رَأَى عِصَابَةً مِنْهُمْ قَدْ زَادُوا عَلَى الثَّلَاثَمِائَةٍ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَفَرًا، وَقَدْ تَوَافَقُوا عَلَى مَقَالَةٍ، فَأَخَذَهَا الْمَلِكُ وَنَصَرَهَا وَأَيَّدَهَا -وَكَانَ فَيْلَسُوفًا ذَا هَيْئَةٍ [[في د، ر، أ: "داهية".]] -ومَحَقَ مَا عَدَاهَا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَانْتَظَمَ دَسْتُ [[في أ: "دست الملك".]] أُولَئِكَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، وَبُنِيَتْ لَهُمُ الْكَنَائِسُ، وَوَضَعُوا لَهُمْ كُتُبًا وَقَوَانِينَ، وَأَحْدَثُوا الْأَمَانَةَ الَّتِي يُلَقِّنُونَهَا الْوِلْدَانَ مِنَ الصِّغَارِ [[في ر: "الصغر".]] -لِيَعْتَقِدُوهَا-ويُعَمّدونهم عَلَيْهَا، وَأَتْبَاعُ هَؤُلَاءِ هُمِ الْمَلَكِيَّةُ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا ثَانِيًا فَحَدَثَ فِيهِمِ الْيَعْقُوبِيَّةُ، ثُمَّ مَجْمَعًا ثَالِثًا فَحَدَثَ فِيهِمُ النُّسْطُورِيَّةُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْفِرَقِ تُثْبِتُ الْأَقَانِيمَ الثَّلَاثَةَ فِي الْمَسِيحِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ وَفِي اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ عَلَى زَعْمِهِمْ! هَلِ اتَّحَدَا، أَوْ مَا اتَّحَدَا، بَلِ امْتَزَجَا أَوْ حَلَّ فِيهِ؟ عَلَى ثَلَاثِ مَقَالَاتٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُكَفِّرُ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى، وَنَحْنُ نُكَفِّرُ الثَّلَاثَةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أَيْ: يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أَيْ: تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾
أَيِ: الْجَمِيعُ مِلْكُهُ وَخَلْقُهُ، وَجَمِيعُ مَا فِيهَا عُبَيْدُهُ، وَهُمْ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِنْهُمْ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٠١] ، [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. [تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله: "فردا".]] ﴾ [مَرْيَمَ:٨٨:٩٥] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَنْ يَحْتَشِمَ ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مِنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَطَفَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْمَسِيحِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْكَافَ هُوَ الِامْتِنَاعُ، وَالْمَلَائِكَةُ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسِيحِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَقْوَى وَأَقْدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرُوا؛ لِأَنَّهُمُ اتّخذُوا آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، كَمَا اتُّخِذَ الْمَسِيحُ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ عُبَيْدٌ مِنْ عُبَيْدِهِ وخَلْق مَنْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيات".]] ﴾ الْأَنْبِيَاءِ: [٢٦-٢٩] .
ثُمَّ [[في أ: "ولهذا".]] قَالَ: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أَيْ: فَيَجْمَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ، الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ وَلَا يَحِيف؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: فَيُعْطِيهِمْ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ وَيَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وسَعَة رَحْمَتِهِ وَامْتِنَانِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّة، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سُفْيَانَ [[في أ: "شقيق".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أُجُورُهُمْ: أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ". ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ: "الشَّفَاعَةُ فِيمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ صَنَعَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ فِي دُنْيَاهُمْ". [[في أ: "في الدنيا".]]
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ، وَإِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهُوَ جَيِّدٌ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/٢٤٨) من طريق بقية عن إسماعيل الكندي به.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعفه الذهبي من عند نفسه، فقال: أتى بخبر منكر وبقية رجاله وثقوا".
ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/١٠٨) من طريق ابن حمير عن الثوري عن شقيق عن عبد الله بن مسعود بنحوه، وقال: "غريب من حديث الأعمش، عزيز عجيب من حديث الثوري، تفرد به إسماعيل بن عبيد الله الكندي عن الأعمش، وعن إسماعيل بقية بن الوليد، وحديث الثوري لم نكتبه إلا عن هذا الشيخ".]] .
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أَيِ: امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] أَيْ: صَاغِرِينَ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، كَمَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مُسْتَكْبِرِينَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ لَنْ يَسْتَكْبِرَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَنْ يَحْتَشِمَ ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ مِنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَطَفَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْمَسِيحِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْكَافَ هُوَ الِامْتِنَاعُ، وَالْمَلَائِكَةُ أَقْدَرُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَسِيحِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَقْوَى وَأَقْدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرُوا؛ لِأَنَّهُمُ اتّخذُوا آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، كَمَا اتُّخِذَ الْمَسِيحُ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ عُبَيْدٌ مِنْ عُبَيْدِهِ وخَلْق مَنْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ] [[زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآيات".]] ﴾ الْأَنْبِيَاءِ: [٢٦-٢٩] .
ثُمَّ [[في أ: "ولهذا".]] قَالَ: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أَيْ: فَيَجْمَعُهُمْ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ الْعَدْلِ، الَّذِي لَا يَجُورُ فِيهِ وَلَا يَحِيف؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: فَيُعْطِيهِمْ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ وَيَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وسَعَة رَحْمَتِهِ وَامْتِنَانِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّة، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سُفْيَانَ [[في أ: "شقيق".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أُجُورُهُمْ: أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ". ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ: "الشَّفَاعَةُ فِيمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ صَنَعَ إِلَيْهِمُ الْمَعْرُوفَ فِي دُنْيَاهُمْ". [[في أ: "في الدنيا".]]
وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ، وَإِذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا فَهُوَ جَيِّدٌ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/٢٤٨) من طريق بقية عن إسماعيل الكندي به.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "فيه إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعفه الذهبي من عند نفسه، فقال: أتى بخبر منكر وبقية رجاله وثقوا".
ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/١٠٨) من طريق ابن حمير عن الثوري عن شقيق عن عبد الله بن مسعود بنحوه، وقال: "غريب من حديث الأعمش، عزيز عجيب من حديث الثوري، تفرد به إسماعيل بن عبيد الله الكندي عن الأعمش، وعن إسماعيل بقية بن الوليد، وحديث الثوري لم نكتبه إلا عن هذا الشيخ".]] .
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أَيِ: امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ ذَلِكَ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِرٍ: ٦٠] أَيْ: صَاغِرِينَ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ، كَمَا كَانُوا مُمْتَنِعِينَ مُسْتَكْبِرِينَ.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا جَمِيعَ النَّاسِ وَمُخْبِرًا [[في ر، أ: "ومخبرا لهم".]] بِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مِنْهُ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ للعُذْر، وَالْحُجَّةُ الْمُزِيلَةُ لِلشُّبْهَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أَيْ: ضِيَاءً وَاضِحًا عَلَى الْحَقِّ، قَالَ ابْنُ جُرَيج [[في أ: "جرير".]] وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الْقُرْآنُ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أَيْ: جَمَعُوا بَيْنَ مَقَامَيِ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِالْقُرْآنِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أَيْ: يَرْحَمُهُمْ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَيَزِيدُهُمْ ثَوَابًا وَمُضَاعَفَةً وَرَفْعًا فِي دَرَجَاتِهِمْ، مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا وَاضِحًا قَصْدا قَوَاما لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ. وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ الِاسْتِقَامَةِ وَطَرِيقِ السَّلَامَةِ فِي جَمِيعِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُفْضِي إِلَى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ. وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْقُرْآنُ صراطُ اللهِ المستقيمُ وحبلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي أول التفسير ولله الحمد والمنة.
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا جَمِيعَ النَّاسِ وَمُخْبِرًا [[في ر، أ: "ومخبرا لهم".]] بِأَنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مِنْهُ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ للعُذْر، وَالْحُجَّةُ الْمُزِيلَةُ لِلشُّبْهَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أَيْ: ضِيَاءً وَاضِحًا عَلَى الْحَقِّ، قَالَ ابْنُ جُرَيج [[في أ: "جرير".]] وَغَيْرُهُ: وَهُوَ الْقُرْآنُ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أَيْ: جَمَعُوا بَيْنَ مَقَامَيِ الْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِالْقُرْآنِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أَيْ: يَرْحَمُهُمْ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ وَيَزِيدُهُمْ ثَوَابًا وَمُضَاعَفَةً وَرَفْعًا فِي دَرَجَاتِهِمْ، مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أَيْ: طَرِيقًا وَاضِحًا قَصْدا قَوَاما لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ. وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى مِنْهَاجِ الِاسْتِقَامَةِ وَطَرِيقِ السَّلَامَةِ فِي جَمِيعِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ عَلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُفْضِي إِلَى رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ. وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْقُرْآنُ صراطُ اللهِ المستقيمُ وحبلُ اللَّهِ الْمَتِينُ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي أول التفسير ولله الحمد والمنة.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ: "بَرَاءَةٌ"، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٢٦٠٥) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِل، قَالَ: فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيّ -أَوْ قَالَ صُبُّوا عَلَيْهِ -فَعَقَلْتُ فَقُلت: إِنَّهُ لَا يَرِثُنِي إِلَّا كَلَالَةٌ، فَكَيْفَ الْمِيرَاثُ؟ قَالَ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ [[المسند (٣/٢٩٨) وصحيح البخاري برقم (٦٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) .]] ، وَرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنة، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدر، عَنْ جَابِرٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٦٧٢٣) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٣٤) وسنن ابن ماجة برقم (١٤٣٦) .]] . وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ -يَعْنِي جَابِرًا -: نَزَلَتْ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ .
وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ : عَنِ الْكَلَالَةِ قُلْ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهَا، فَدَلَّ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَتْرُوكِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَلَالَةِ وَاشْتِقَاقِهَا، وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْإِكْلِيلِ الَّذِي يُحِيطُ بِالرَّأْسِ مِنْ جَوَانِبِهِ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: بِمَنْ يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [أَيْ مَاتَ] [[زيادة من أ.]] ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ .
وَقَدْ أُشْكِل حُكْم الْكَلَالَةِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم كان عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادة، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْد، عَنْ مَعْدان بْنِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا سألتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلَالَةِ، حَتَّى طَعَنَ بأُصْبُعِه فِي صَدْرِي وَقَالَ: " يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ".
هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا أَكْثَرَ مِنْ هذا [[المسند (١/٢٦) وصحيح مسلم برقم (١٦١٧) .]] .
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، حَدَّثَنَا مالك -يعني ابن مِغْل-سَمِعْتُ الْفَضْلَ بْنَ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: " يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ ". فَقَالَ: لَأَنْ أَكُونَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهَا أحبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يكونَ لِي حُمْر النَّعم. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ إِلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ عُمَر، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ [[المسند (١/٣٨) .]] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: " يَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ ". وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عيَّاش، بِهِ [[المسند (٤/٢٩٣) وسنن أبي داود برقم (٢٨٨٩) وسنن الترمذي برقم (٣٠٤٢) .]] . وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِآيَةِ الصَّيْفِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا أَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى تَفَهُّمِهَا -فَإِنَّ فِيهَا كِفَايَةً-نَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَعْنَاهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: فَلَأَنْ أَكُونُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْر النَّعَم.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ [[في أ: "حدثنا".]] الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب قَالَ: سَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَقَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ؟ " فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ] [[زيادة من أ.]] ﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكر [[في د: "وذكر".]] لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ [[في د: "نزلت".]] فِي أَوَّلِ "سُورَةِ النِّسَاءِ" فِي شَأْنِ الْفَرَائِضِ، أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ. وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ أَنْزَلَهَا فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ. وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا "سُورَةَ النِّسَاءِ" أَنْزَلَهَا فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا "سُورَةَ الْأَنْفَالِ" أَنْزَلَهَا فِي أُولِي الْأَرْحَامِ، بَعْضِهِمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مِمَّا جَرّت الرَّحِمُ مِنَ العَصَبة. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٩/٤٣١) .]] .
ذِكْرُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهَا وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أَيْ: مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [الْقَصَصِ: ٨٨] كُلُّ شَيْءٍ يَفْنَى وَلَا يَبْقَى إِلَّا [[في ر: "إلا وجه الله".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْكَلَالَةِ انْتِفَاءُ الْوَالِدِ [[في أ: "الولد".]] ، بَلْ يَكْفِي فِي وُجُودِ الْكَلَالَةِ انْتِفَاءُ الْوَلَدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ. وَلَكِنَّ الَّذِي رَجَعَ [[في د: "يرجع".]] إِلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَضَاءُ الصِّدِّيقِ: أَنَّهُ مَنْ لَا وَلَدَ له ولا وَالِدَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَبٌ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَحْجُبُهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا وَالِدَ بِالنَّصِّ عِنْدَ التَّأَمُّلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ لَا يُفْرَضُ لَهَا النِّصْفُ مَعَ الْوَالِدِ، بَلْ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَكْحُول وَعَطِيَّةَ وَحَمْزَةَ وَرَاشِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ سئلَ عَنْ زَوْجٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَأَعْطَى الزوجَ النصفَ وَالْأُخْتَ النصفَ. فكُلِّم فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: حضرتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِذَلِكَ.
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[المسند (٥/١٨٨) .]] ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٩/٤٤٣) .]] وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِي الْمَيِّتِ تَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتًا: إِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قَالَ: فَإِذَا تَرَكَ بِنْتًا فَقَدْ تَرَكَ وَلَدًا [[في ر: "ولد".]] ، فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ، وَخَالَفَهُمَا الْجُمْهُورُ، فَقَالُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ بِالْفَرْضِ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ الْآخَرُ بِالتَّعْصِيبِ، بِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ نَصب [[في أ: "تعصيب".]] أَنْ يُفْرَضَ لَهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَمَّا وِرَاثَتُهَا بِالتَّعْصِيبِ؛ فَلِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: النِّصْفُ لِلِابْنَةِ، وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ. ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ [[في ر: "النبي".]] ﷺ [[صحيح البخاري برقم (٦٧٣٤) .]] . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ هُزيل بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلِابْنَةِ [[في ر، أ: "للبنت".]] النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي. فَسُئِلَ ابنُ مَسْعُودٍ -وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى-فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسَ، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ [[صحيح البخاري برقم (٦٧٣٦) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ أَيْ: وَالْأَخُ يَرِثُ جَمِيعَ مَا لَهَا إِذَا مَاتَتْ كَلَالَةً، وَلَيْسَ لَهَا وَلَدٌ، أَيْ: وَلَا وَالِدَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهَا وَالِدٌ لَمْ يَرِثِ الْأَخُ شَيْئًا، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ مَعَهُ مَنْ لَهُ فَرْضٌ، صُرِفَ إِلَيْهِ فَرْضُهُ؛ كَزَوْجٍ، أَوْ أَخٍ مِنْ أُمٍّ، وَصُرِفَ الْبَاقِي إِلَى الْأَخِ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلأوْلَى رجلٍ ذَكَر" [[صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ أَيْ: فَإِنْ كَانَ لِمَنْ يَمُوتُ كَلَالَةً، أُخْتَانِ، فُرِضَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَكَذَا مَا زَادَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي حُكْمِهِمَا، وَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَ الْجَمَاعَةُ حُكْمَ الْبِنْتَيْنِ كَمَا اسْتُفِيدَ حُكْمُ الْأَخَوَاتِ مِنَ الْبَنَاتِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ . هَذَا حُكْمُ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْبَنِينَ وَبَنِي الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ إِذَا اجْتَمَعَ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ، أُعْطِيَ الذَّكَرُ مثل حظ الأنثيين.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ أَيْ: يَفْرِضُ لَكُمْ فَرَائِضَهُ، وَيَحُدُّ لَكُمْ حُدُودَهُ، وَيُوَضِّحُ لَكُمْ شَرَائِعَهُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ الْبَيَانِ. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أَيْ: هُوَ عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَصَالِحِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ لِعِبَادِهِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَرَابَاتِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنَ الْمُتَوَفَّى.
وقد قال أبو جعفر ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنِي ابْنُ عُلَيَّة، أَنْبَأَنَا ابْنُ عَوْن، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانُوا فِي مَسِيرٍ، وَرَأْسُ رَاحِلَةِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ رِدْف رَاحِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَأْسُ رَاحِلَةِ عُمَرَ عِنْدَ رِدْفِ رَاحِلَةِ حُذَيْفَةَ. قَالَ: وَنَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ فلقَّاها رسولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ، فَلَقَّاهَا حُذَيْفَةُ عُمَر، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَ عُمَرُ عَنْهَا حُذَيْفَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأَحْمَقُ إِنْ كُنْتَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ لقَّانيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَقَّيْتُكَهَا كَمَا لَقَّانِيهَا [[في أ: "لقاني" وفي د: "لَقَّانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ".]] ، وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهَا شَيْئًا أَبَدًا. قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ [[في ر: "من".]] كُنْتَ بَيَّنْتَهَا لَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُبَين لِي.
كَذَا [[في ر: "وكذا".]] رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى [[في أ: "محمد".]] ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَذَلِكَ بِنَحْوِهِ. وَهُوَ مُنْقَطِعٌ بَيْنَ ابْنِ سِيرِينَ وَحُذَيْفَةَ [[تفسير الطبري (٩/٤٣٥) .]] ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو البزَّار في مسنده: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ المَعْنيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حسَّان، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ: "نَزَلَتِ الْكَلَالَةُ عَلَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِذَا هُوَ بِحُذَيْفَةَ، وَإِذَا رَأَسُ نَاقَةِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُؤتَزَر النَّبِيِّ ﷺ، فلقَّاها إِيَّاهُ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَقَّاهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ نَظَرَ عُمَرُ فِي الْكَلَالَةِ، فَدَعَا حُذَيْفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ لقَّانيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَقَّيتُك كَمَا لَقَّانِي، وَاللَّهِ [[في ر: "ووالله".]] إِنِّي لَصَادِقٌ، وَوَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا أَبَدًا.
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ إِلَّا حُذَيْفَةَ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا عَنْ حُذَيْفَةَ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقَ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ إِلَّا عَبْدُ الْأَعْلَى. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَردُوَيه مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى [[مسند البزار برقم (٢٢٠٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي عبيدة بن حذيفة، ووثقه ابن حبان".]] .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَة: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيباني، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، عَنْ سَعِيدٍ -[هُوَ] [[زيادة من ر، أ.]] ابْنُ المسيَّب-أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُوَرّث الْكَلَالَةَ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ] [[زيادة من ر، أ.]] ﴾ الْآيَةَ [[في ر، أ: "إلى آخرها".]] ، قَالَ: فَكَأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ. فَقَالَ لِحَفْصَةَ: إِذَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طِيبَ نَفْس فَسَلِيهِ عَنْهَا، فَرَأَتْ مِنْهُ طِيبَ نَفْسٍ فَسَأَلَتْهُ عَنْهَا [[في ر: "عنه".]] ، فقال: "أبوك ذكر لك هذا؟ ما أَرَى أَبَاكِ يَعْلَمُهَا". قَالَ: وَكَانَ [[في ر: "فكان".]] عُمَرُ يَقُولُ: مَا أَرَانِي أَعْلَمُهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا قَالَ.
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه [[ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في الدر المنثور (٢/٧٥٣) .]] ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ حَفْصَة أَنْ تَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكَلَالَةِ، فَأَمْلَاهَا عَلَيْهَا فِي كَتَفٍ، فَقَالَ: "مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟ أَعُمَرُ؟ مَا أَرَاهُ يُقِيمُهَا، أَوَمَا تَكْفِيهِ [[في ر: "وما تكفيه".]] آيَةُ الصَّيْفِ؟ " قَالَ سُفْيَانُ: وَآيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ ، فَلَمَّا سَأَلُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي هِيَ خَاتِمَةُ النِّسَاءِ، فَأَلْقَى عُمَرُ الْكَتِفَ. كَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ [[ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٨٧) وعبد الرزاق في المصنف برقم (١٩١٩٤) من طريق سفيان بن عيينة به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرِيْبٍ، حَدَّثَنَا عَثَّام، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: "أَخَذَ عُمَرُ كَتفًا وَجَمَعَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: لأقضينَّ فِي الْكَلَالَةِ قَضَاءً تُحَدِّثُ بِهِ النِّسَاءُ فِي خُدُورِهِنَّ. فَخَرَجَتْ حِينَئِذٍ حَيّة مِنَ الْبَيْتِ، فَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُتِمَّ هَذَا الْأَمْرَ لَأَتَمَّهُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ [[تفسير الطبري (٩/٤٣٩) .]] .
وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِي: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ الشَّيْبَاني بِالْكُوفَةِ، حَدَّثَنَا الهيثمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانَة يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: لَأَنْ أكون سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَلَاثٍ أحبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْر النَّعَم: مَن الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ؟ وَعَنْ قَوْمٍ قَالُوا: نُقرُّ فِي الزَّكَاةِ مِنْ أَمْوَالِنَا وَلَا نُؤَدِّيهَا إِلَيْكَ، أَيَحِلُّ قِتَالُهُمْ؟ وَعَنِ الْكَلَالَةِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ [[المستدرك (٢/٣٠٣) وتعقبه الذهبي بقوله: "بل ما خرجا لمحمد شيئا ولا أدرك عمر"، فالسند فيه انقطاع.]] . ثُمَّ رُوِيَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّة، عَنْ مُرة، عَنْ عُمَرَ قَالَ: ثَلَاثٌ لَأَنَّ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَهُنّ لَنَا أحبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْخِلَافَةُ، وَالْكَلَالَةُ، وَالرِّبَا. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ [[المستدرك (٢/٣٠٤) ووافقه الذهبي.]] .
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: سمعتُ سُلَيْمَانَ الأحولَ يُحَدِّثُ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كنتُ آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: القولُ مَا قلتُ: قلتُ: وَمَا قلتَ؟ قَالَ: قلتُ: الْكَلَالَةُ، مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيه مِنْ طَرِيقِ زَمْعة بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كنتُ آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اخْتَلَفْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْكَلَالَةِ، والقولُ مَا قلتُ. قَالَ: وَذُكِرَ أَنَّ عُمَرَ شَرَكَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَلِلْأُمِّ [[في ر: "للأب والأم".]] ، وَبَيْنَ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ فِي الثُّلُثِ إِذَا اجْتَمَعُوا، وَخَالَفَهُ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عنهما [[المستدرك (٢/٣٠٣) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٨٩) من حديث سفيان عن سليمان الأحول به.]] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْد الْمَعْمَرِي [[في ر: "العمري".]] ، عَنْ مَعْمَر عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيَّب: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي الجَدِّ والكلالةِ كِتَابًا، فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ عَلِمْتَ فِيهِ خَيْرًا فَأَمْضِهِ، حَتَّى إِذَا طَعِن دَعَا بِكِتَابٍ فَمُحِيَ، وَلَمْ يدرِ أحدٌ مَا كَتَبَ فِيهِ. فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ كَتَبْتُ فِي الجَدِّ وَالْكَلَالَةِ كِتَابًا، وَكُنْتُ اسْتَخَرْتُ اللَّهَ فِيهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَتْرُكَكُمْ عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ [[تفسير الطبري (٩/٤٣٨) .]] .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ رُوِي عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ أُخَالِفَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ. وَكَأَنَّ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: هُوَ مَا عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ [[رواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩١) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٢٤) من طريق سفيان عن عاصم عن الشعبي قال: قال عمر فذكره.. وهو منقطع.]] .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ، فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ. وَقَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ قَاطِبَةً، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، كَمَا أَرْشَدَ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَوَضَّحَهُ [[في ر: "وصححه".]] فِي قَوْلِهِ [[في ر: "وفي قول".]] : ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .