John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafseer Al-Baghawi

Surah Yunus

Tafseer Al-Baghawi · Jonas · 109 ayat · ayat 91–109 · Quran text →

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ عَبَرْنَا بِهِمْ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ لِحِقَهُمْ وَأَدْرَكَهُمْ، ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ يُقَالُ: "أَتْبَعَهُ وَتَبِعَهُ" إِذَا أَدْرَكَهُ وَلَحِقَهُ، و"اتَّبَعَهُ" بِالتَّشْدِيدِ إِذَا سَارَ خَلْفَهُ وَاقْتَدَى بِهِ. وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ.

﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ أَيْ: ظُلْمًا وَاعْتِدَاءً. وَقِيلَ: بَغْيًا فِي الْقَوْلِ وَعَدْوًا فِي الْفِعْلِ. وَكَانَ الْبَحْرُ قَدِ انْفَلَقَ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ إِلَى الْبَحْرِ هَابُوا دُخُولَهُ فَتَقَدَّمَهُمْ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ وَدِيقٍ [[يقال: أتان وفرس ودوق ووديق، وودقت وداقا: أرادت الفحل.]] وَخَاضَ الْبَحْرَ، فَاقْتَحَمَتِ الْخُيُولُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ آخِرُهُمْ وَهَمَّ أَوَّلُهُمْ أَنْ يَخْرُجَ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أَيْ: غَمَرَهُ الْمَاءُ وَقَرُبَ هَلَاكُهُ، ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "إِنَّهُ" بِكَسْرِ الْأَلْفِ أَيْ: آمَنْتُ وَقُلْتُ إِنَّهُ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "أَنَّهُ" بِالْفَتْحِ عَلَى وُقُوعِ آمَنْتُ عَلَيْهَا ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فَدَسَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فِيهِ مِنْ حَمْأَةِ الْبَحْرِ.

وَقَالَ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ [[في "ب" (حمأ) .]] الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ [[في "أ": (يدركه جانب الرحمة) .]] الرَّحْمَةُ" [[أخرجه الترمذي في تفسير سورة يونس: ٨ / ٢٢٥، وقال: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: ١ / ٥٧، ٤ / ٢٤٩، وابن حبان ص (٤٣٢) ، والطبري: ١٤ / ١٩٠-١٩٢، والطيالسي ص (٣٤١) والإمام أحمد في المسند: ١ / ٣٤٠. وانظر: الكافي الشاف ص (٨٥) . وقد زعم الزمخشري في "الكشاف" أن ما جاء في الحديث من قول جبريل عليه السلام: "خشية أن تدركه الرحمة" "من زيادات الباهتين لله وملائكته. وفيه جهالتان: إحداهما أن الإيمان بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر، لأن الرضا بالكفر كفر". الكشاف: ٢ / ٢٠٢. وردَّ عليه الحافظ ابن حجر فقال: "وهذا إفراط منه في الجهل بالمنقول والغضّ من أهله، فإن الحديث صحيح الزيادات، وقد أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وإسحاق، والبزار، وأبو داود الطيالسي كلهم من رواية شعبة ... ثم ساق الروايات بأسانيدها - ثم قال: وأما الوجهان اللذان ذكرهما الزمخشري، فللحديث توجيه وجيه، لا يلزم منه ما ذكره الزمخشري، وذلك أن فرعون كان كافرا كفر عناد.. ألا ترى إلى قصته حيث توقف النيل، وكيف توجه منفردا وأظهر أنه مخلص، فأجرى له النيل، ثم تمادى على طغيانه وكفره، فخشي جبريل أن يعاود تلك العادة فيظهر الإخلاص بلسانه فتدركه رحمة الله فيؤخره في الدنيا، فيستمر في غيه وطغيانه فدسَّ في فمه الطين، ليمنعه التكلم بما يقتضي ذلك. هذا وجه الحديث، ولا يلزم منه جهل ولا رضا بكفر. بل الجهل كل الجهل ممن اعترض على المنقول الصحيح برأيه الفاسد. وأيضا: فإن إيمانه في تلك الحالة -على تقدير أنه كان صادقا- بقلبه لا يقبل، لأنه وقع في حال الاضطرار، ولذلك عقب في الآية بقوله: "الآن وقد عصيت قبل" وفيه إشارة في قوله تعالى: "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا". انظر: الكافي الشاف ص (٨٥-٨٦) .]] . فَلَمَّا أَخْبَرَ مُوسَى قَوْمَهُ بِهَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا مَاتَ فِرْعَوْنُ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَأَلْقَى فِرْعَوْنَ عَلَى السَّاحِلِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ ثَوْرٌ فَرَآهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَقْبَلُ الْمَاءُ مَيْتًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ .

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أَيْ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِيكَ" بِالتَّخْفِيفِ، ﴿بِبَدَنِكَ﴾ بِجَسَدِكَ لَا رُوحَ فِيهِ. وَقِيلَ: بِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ مَشْهُورٌ مُرَصَّعٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَرَأَوْهُ فِي دِرْعِهِ فَصَدَّقُوا.

﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ عِبْرَةً وَعِظَةً، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ .

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [أَنْزَلْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ] [[ساقط من: "أ".]] بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ مَنْزِلَ صِدْقٍ، يَعْنِي: مِصْرَ. وَقِيلَ الْأُرْدُنُ وَفِلَسْطِينُ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ [مِيرَاثًا] [[زيادة من "ب".]] لِإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ مِصْرُ وَالشَّامُ، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الْحَلَالَاتِ، ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَصْدِيقِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْبَيَانَ بأنه رسول [الله] [[زيادة من "ب".]] صِدْقٌ، وَدِينُهُ حَقٌّ.

وَقِيلَ: حَتَّى جَاءَهُمْ مَعْلُومُهُمْ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَالْعِلْمُ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: خَلْقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ [لقمان: ١١] ، وَيُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُهُ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِنَ الدِّينِ.

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أَيْ نُلْقِيكَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ: الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِيكَ" بِالتَّخْفِيفِ، ﴿بِبَدَنِكَ﴾ بِجَسَدِكَ لَا رُوحَ فِيهِ. وَقِيلَ: بِبَدَنِكَ: بِدِرْعِكَ، وَكَانَ لَهُ دِرْعٌ مَشْهُورٌ مُرَصَّعٌ بِالْجَوَاهِرِ، فَرَأَوْهُ فِي دِرْعِهِ فَصَدَّقُوا.

﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ عِبْرَةً وَعِظَةً، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ .

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [أَنْزَلْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ] [[ساقط من: "أ".]] بَعْدَ هَلَاكِ فِرْعَوْنَ، ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ مَنْزِلَ صِدْقٍ، يَعْنِي: مِصْرَ. وَقِيلَ الْأُرْدُنُ وَفِلَسْطِينُ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ [مِيرَاثًا] [[زيادة من "ب".]] لِإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ مِصْرُ وَالشَّامُ، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الْحَلَالَاتِ، ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَصْدِيقِهِ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْبَيَانَ بأنه رسول [الله] [[زيادة من "ب".]] صِدْقٌ، وَدِينُهُ حَقٌّ.

وَقِيلَ: حَتَّى جَاءَهُمْ مَعْلُومُهُمْ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَالْعِلْمُ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: خَلْقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ [لقمان: ١١] ، وَيُقَالُ: هَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ: مَضْرُوبُهُ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِنَ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فَيُخْبِرُونَكَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.

قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الرَّجُلَ وَيُرِيدُونَ بِهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتق الله ﴾ ١٧٢/أ [الأحزاب: ١] ، خَاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " وَلَمْ يَقُلْ: "بِمَا تَعْمَلُ" وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ " [الطلاق: ١] .

وَقِيلَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ وَشَاكٍّ، فَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ أَهْلِ الشَّكِّ، مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْهُدَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ، فاسأل الذين يقرؤون الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَنْ آمَنُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيُخْبِرُونَكَ بِنُبُوَّتِهِ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ غَيْرُ شَاكٍّ، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لِعَبْدِهِ: إِنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأَطِعْنِي، وَيَقُولُ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا إِنْ كُنْتَ ابْنِي، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ.

﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ مِنَ الشَّاكِّينَ.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فَيُخْبِرُونَكَ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.

قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ يُخَاطِبُونَ الرَّجُلَ وَيُرِيدُونَ بِهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتق الله ﴾ ١٧٢/أ [الأحزاب: ١] ، خَاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا " وَلَمْ يَقُلْ: "بِمَا تَعْمَلُ" وَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ " [الطلاق: ١] .

وَقِيلَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ وَشَاكٍّ، فَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ أَهْلِ الشَّكِّ، مَعْنَاهُ: إِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْهُدَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ، فاسأل الذين يقرؤون الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي مَنْ آمَنُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيُخْبِرُونَكَ بِنُبُوَّتِهِ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ غَيْرُ شَاكٍّ، لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ، يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لِعَبْدِهِ: إِنْ كُنْتَ عَبْدِي فَأَطِعْنِي، وَيَقُولُ لِوَلَدِهِ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا إِنْ كُنْتَ ابْنِي، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ.

﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ مِنَ الشَّاكِّينَ.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَهَذَا كُلُّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قِيلَ: لَعْنَتُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَخَطُ اللَّهِ. وَقِيلَ: "الْكَلِمَةُ" هِيَ قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي.

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ دَلَالَةٍ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَّثَ فِعْلَ "كَلُّ" لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمُؤَنَّثِ وَهِيَ قَوْلُهُ: "آيَةٍ" وَلَفْظُ "كل" للمذكر والمؤنت سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾ أَيْ: فَهَلَّا كَانَتْ، ﴿قَرْيَةٌ﴾ وَمَعْنَاهُ: فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ ضَرْبًا مِنَ الْجَحْدِ، أَيْ: أَهْلُ قَرْيَةٍ، ﴿آمَنَتْ﴾ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ فِي [حَالَةِ الْبَأْسِ] [[في "ب": (في حال اليأس) .]] ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَإِنَّهُ نَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. و"قَوْمَ" نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ، ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وَهُوَ وَقْتُ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُمْ هَلْ رَأَوُا الْعَذَابَ عِيَانًا أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَوْا دَلِيلَ الْعَذَابِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوُا الْعَذَابَ عَيَانًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ " وَالْكَشْفُ يَكُونُ بَعْدَ الْوُقُوعِ أَوْ إِذَا قَرُبَ.

وَقِصَّةُ الْآيَةِ -عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَوَهْبٌ وَغَيْرُهُمْ [[انظر: تفسير الطبري: ١٥ / ٢٠٧-٢١٠، الدر المنثور: ٤ / ٣٩٢-٣٩٣، البداية والنهاية لابن كثير: ١ / ٢٣١ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ٢ / ٤٣٤.]] -أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى، مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يُونُسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَدَعَاهُمْ فَأَبَوْا، فَقِيلَ لَهُ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبَا فَانْظُرُوا فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَشَّاهُمُ الْعَذَابُ فكان فوق رؤوسهم قَدْرَ مِيلٍ.

وَقَالَ وَهْبٌ: غَامَتِ السَّمَاءُ غَيْمًا أَسْوَدَ هَائِلًا يُدَخِّنُ دُخَانًا شَدِيدًا، فَهَبَطَ حَتَّى [تَغَشَّاهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ] [[في"ب": (غشي مدينتهم) .]] وَاسْوَدَّتْ سُطُوحُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَطَلَبُوا يُونُسَ نَبِيَّهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ، فَخَرَجُوا إِلَى الصَّعِيدِ بِأَنْفُسِهِمْ وَنِسَائِهِمْ [وَصِبْيَانِهِمْ] [[ليست في "أ".]] وَدَوَابِّهِمْ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَأَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَالتَّوْبَةَ، وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ فَحَنَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَلَتْ أَصْوَاتُهَا، وَاخْتَلَطَتْ أَصْوَاتُهَا بِأَصْوَاتِهِمْ، وَعَجُّوا وَتَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ يُونُسُ، فَرَحِمَهُمْ رَبُّهُمْ فَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُمْ وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ مَا أَضَلَّهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ الْعَذَابَ وَهَلَاكَ قَوْمِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَقَالَ يُونُسُ: كَيْفَ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي وَقَدْ كَذَبْتُهُمْ؟ فَانْطَلَقَ عَاتِبًا عَلَى رَبِّهِ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، فَأَتَى الْبَحْرَ فَإِذَا قَوْمٌ يَرْكَبُونَ سَفِينَةً، فَعَرَفُوهُ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَتَوَسَّطَتْ بِهِمْ وَلَجَجَتْ، وَوَقَفَتِ السَّفِينَةُ لَا تَرْجِعُ وَلَا تَتَقَدَّمُ، قَالَ أَهْلُ السَّفِينَةِ: إِنَّ لِسَفِينَتِنَا لَشَأْنًا، قَالَ يُونُسُ: قَدْ عَرَفْتُ شَأْنَهَا رَكِبَهَا رَجُلٌ ذُو خَطِيئَةٍ عَظِيمَةٍ، قَالُوا وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، اقْذِفُونِي فِي الْبَحْرِ، قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَطْرَحَكَ مِنْ بَيْنِنَا حَتَّى نُعْذَرَ فِي شَأْنِكَ، وَاسْتَهَمُوا فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأُدْحِضَ سَهْمُهُ، وَالْحُوتُ عِنْدَ رِجْلِ السَّفِينَةِ فَاغِرًا فَاهُ يَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّهِ فِيهِ، فَقَالَ يُونُسُ: إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَتَهْلَكُنَّ جَمِيعًا أَوْ لَتَطْرَحُنَّنِي فِيهَا، فَقَذَفُوهُ فِيهِ وَانْطَلَقُوا وَأَخَذَهُ الْحُوتُ.

وَرُوِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى حُوتٍ عَظِيمٍ حَتَّى قَصَدَ السَّفِينَةَ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ السَّفِينَةِ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ وَقَدْ فَغَرَ فَاهُ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ فِي السَّفِينَةِ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا خَافُوا مِنْهُ، وَلَمَّا رَآهُ يُونُسُ زَجَّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ فَأَتَى بَحْرَ الرُّومِ فَإِذَا سَفِينَةٌ مَشْحُونَةٌ، فَرَكِبَهَا فَلَمَّا لَجَجَتِ السَّفِينَةُ، تَكَفَّأَتْ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَغْرَقُوا، فقال الملاحون: ها هنا رَجُلٌ عَاصٍ أَوْ عَبْدٌ آبِقٌ، وَهَذَا رَسْمُ السَّفِينَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا آبِقٌ لَا تَجْرِي، وَمِنْ رَسْمِنَا أَنْ نَقْتَرِعَ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَيْنَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَأَنْ يَغْرَقَ وَاحِدٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ بِمَا فِيهَا، فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ فِي كُلِّهَا عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ يُونُسُ: أَنَا الرَّجُلُ الْعَاصِي وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ جَاءَ حُوتٌ آخَرُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَابْتَلَعَ هَذَا الْحُوتَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ لَا تُؤْذِي مِنْهُ شَعْرَةً، فَإِنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ سِجْنَهُ وَلَمْ أَجْعَلْهُ طَعَامًا لَكَ.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نُودِيَ الْحُوتُ: إِنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ قُوتًا، إِنَّمَا جَعَلَنَا بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وَمَسْجِدًا.

وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَقَالَ: أَنَا الْعَبْدُ الْعَاصِي وَالْآبِقُ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: لَا نُلْقِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ نُسَاهِمُ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَكَانَ فِي بَطْنِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَأَمَرَ الْحُوتَ، فَنَبَذَهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَهُوَ كَالْفَرْخِ الْمُمَّعِطِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَهُوَ الدُّبَّاءُ، فَجَعَلَ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا وَوَكَّلَ بِهِ وَعْلَةً يشرب من ١٧٢/ب لَبَنِهَا، فَيَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فَبَكَى عَلَيْهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: تَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ يَبِسَتْ، وَلَا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَأَرَدْتَ أَنْ أُهْلِكَهُمْ، فَخَرَجَ يُونُسُ فَإِذَا هُوَ بِغُلَامٍ يَرْعَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، قَالَ: إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَقِيتُ يُونُسَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ لِي بَيِّنَةٌ قُتِلْتُ، قَالَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الْبُقْعَةُ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: فَمُرْهَا، فَقَالَ يُونُسُ: إِذَا جَاءَكُمَا هَذَا الْغُلَامُ فَاشْهَدَا لَهُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي لَقِيتُ يُونُسَ فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي بَيِّنَةً، فَأَرْسِلُوا مَعِي، فَأَتَى الْبُقْعَةَ وَالشَّجَرَةَ، فَقَالَ: أُنْشِدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ أَشْهَدَكُمَا يُونُسُ؟ قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْقَوْمُ مَذْعُورِينَ، وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: شَهِدَ لَهُ الشَّجَرَةُ وَالْأَرْضُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ بِيَدِ الْغُلَامِ وَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنِّي، فَأَقَامَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ ذَلِكَ الْغُلَامُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قِيلَ: لَعْنَتُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَخَطُ اللَّهِ. وَقِيلَ: "الْكَلِمَةُ" هِيَ قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي.

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ دَلَالَةٍ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَّثَ فِعْلَ "كَلُّ" لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمُؤَنَّثِ وَهِيَ قَوْلُهُ: "آيَةٍ" وَلَفْظُ "كل" للمذكر والمؤنت سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾ أَيْ: فَهَلَّا كَانَتْ، ﴿قَرْيَةٌ﴾ وَمَعْنَاهُ: فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ ضَرْبًا مِنَ الْجَحْدِ، أَيْ: أَهْلُ قَرْيَةٍ، ﴿آمَنَتْ﴾ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ فِي [حَالَةِ الْبَأْسِ] [[في "ب": (في حال اليأس) .]] ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَإِنَّهُ نَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. و"قَوْمَ" نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ، ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وَهُوَ وَقْتُ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُمْ هَلْ رَأَوُا الْعَذَابَ عِيَانًا أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَوْا دَلِيلَ الْعَذَابِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوُا الْعَذَابَ عَيَانًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ " وَالْكَشْفُ يَكُونُ بَعْدَ الْوُقُوعِ أَوْ إِذَا قَرُبَ.

وَقِصَّةُ الْآيَةِ -عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَوَهْبٌ وَغَيْرُهُمْ [[انظر: تفسير الطبري: ١٥ / ٢٠٧-٢١٠، الدر المنثور: ٤ / ٣٩٢-٣٩٣، البداية والنهاية لابن كثير: ١ / ٢٣١ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ٢ / ٤٣٤.]] -أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى، مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يُونُسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَدَعَاهُمْ فَأَبَوْا، فَقِيلَ لَهُ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبَا فَانْظُرُوا فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَشَّاهُمُ الْعَذَابُ فكان فوق رؤوسهم قَدْرَ مِيلٍ.

وَقَالَ وَهْبٌ: غَامَتِ السَّمَاءُ غَيْمًا أَسْوَدَ هَائِلًا يُدَخِّنُ دُخَانًا شَدِيدًا، فَهَبَطَ حَتَّى [تَغَشَّاهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ] [[في"ب": (غشي مدينتهم) .]] وَاسْوَدَّتْ سُطُوحُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَطَلَبُوا يُونُسَ نَبِيَّهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ، فَخَرَجُوا إِلَى الصَّعِيدِ بِأَنْفُسِهِمْ وَنِسَائِهِمْ [وَصِبْيَانِهِمْ] [[ليست في "أ".]] وَدَوَابِّهِمْ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَأَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَالتَّوْبَةَ، وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ فَحَنَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَلَتْ أَصْوَاتُهَا، وَاخْتَلَطَتْ أَصْوَاتُهَا بِأَصْوَاتِهِمْ، وَعَجُّوا وَتَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ يُونُسُ، فَرَحِمَهُمْ رَبُّهُمْ فَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُمْ وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ مَا أَضَلَّهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ الْعَذَابَ وَهَلَاكَ قَوْمِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَقَالَ يُونُسُ: كَيْفَ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي وَقَدْ كَذَبْتُهُمْ؟ فَانْطَلَقَ عَاتِبًا عَلَى رَبِّهِ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، فَأَتَى الْبَحْرَ فَإِذَا قَوْمٌ يَرْكَبُونَ سَفِينَةً، فَعَرَفُوهُ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَتَوَسَّطَتْ بِهِمْ وَلَجَجَتْ، وَوَقَفَتِ السَّفِينَةُ لَا تَرْجِعُ وَلَا تَتَقَدَّمُ، قَالَ أَهْلُ السَّفِينَةِ: إِنَّ لِسَفِينَتِنَا لَشَأْنًا، قَالَ يُونُسُ: قَدْ عَرَفْتُ شَأْنَهَا رَكِبَهَا رَجُلٌ ذُو خَطِيئَةٍ عَظِيمَةٍ، قَالُوا وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، اقْذِفُونِي فِي الْبَحْرِ، قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَطْرَحَكَ مِنْ بَيْنِنَا حَتَّى نُعْذَرَ فِي شَأْنِكَ، وَاسْتَهَمُوا فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأُدْحِضَ سَهْمُهُ، وَالْحُوتُ عِنْدَ رِجْلِ السَّفِينَةِ فَاغِرًا فَاهُ يَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّهِ فِيهِ، فَقَالَ يُونُسُ: إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَتَهْلَكُنَّ جَمِيعًا أَوْ لَتَطْرَحُنَّنِي فِيهَا، فَقَذَفُوهُ فِيهِ وَانْطَلَقُوا وَأَخَذَهُ الْحُوتُ.

وَرُوِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى حُوتٍ عَظِيمٍ حَتَّى قَصَدَ السَّفِينَةَ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ السَّفِينَةِ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ وَقَدْ فَغَرَ فَاهُ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ فِي السَّفِينَةِ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا خَافُوا مِنْهُ، وَلَمَّا رَآهُ يُونُسُ زَجَّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ فَأَتَى بَحْرَ الرُّومِ فَإِذَا سَفِينَةٌ مَشْحُونَةٌ، فَرَكِبَهَا فَلَمَّا لَجَجَتِ السَّفِينَةُ، تَكَفَّأَتْ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَغْرَقُوا، فقال الملاحون: ها هنا رَجُلٌ عَاصٍ أَوْ عَبْدٌ آبِقٌ، وَهَذَا رَسْمُ السَّفِينَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا آبِقٌ لَا تَجْرِي، وَمِنْ رَسْمِنَا أَنْ نَقْتَرِعَ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَيْنَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَأَنْ يَغْرَقَ وَاحِدٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ بِمَا فِيهَا، فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ فِي كُلِّهَا عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ يُونُسُ: أَنَا الرَّجُلُ الْعَاصِي وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ جَاءَ حُوتٌ آخَرُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَابْتَلَعَ هَذَا الْحُوتَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ لَا تُؤْذِي مِنْهُ شَعْرَةً، فَإِنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ سِجْنَهُ وَلَمْ أَجْعَلْهُ طَعَامًا لَكَ.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نُودِيَ الْحُوتُ: إِنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ قُوتًا، إِنَّمَا جَعَلَنَا بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وَمَسْجِدًا.

وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَقَالَ: أَنَا الْعَبْدُ الْعَاصِي وَالْآبِقُ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: لَا نُلْقِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ نُسَاهِمُ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَكَانَ فِي بَطْنِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَأَمَرَ الْحُوتَ، فَنَبَذَهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَهُوَ كَالْفَرْخِ الْمُمَّعِطِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَهُوَ الدُّبَّاءُ، فَجَعَلَ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا وَوَكَّلَ بِهِ وَعْلَةً يشرب من ١٧٢/ب لَبَنِهَا، فَيَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فَبَكَى عَلَيْهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: تَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ يَبِسَتْ، وَلَا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَأَرَدْتَ أَنْ أُهْلِكَهُمْ، فَخَرَجَ يُونُسُ فَإِذَا هُوَ بِغُلَامٍ يَرْعَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، قَالَ: إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَقِيتُ يُونُسَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ لِي بَيِّنَةٌ قُتِلْتُ، قَالَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الْبُقْعَةُ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: فَمُرْهَا، فَقَالَ يُونُسُ: إِذَا جَاءَكُمَا هَذَا الْغُلَامُ فَاشْهَدَا لَهُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي لَقِيتُ يُونُسَ فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي بَيِّنَةً، فَأَرْسِلُوا مَعِي، فَأَتَى الْبُقْعَةَ وَالشَّجَرَةَ، فَقَالَ: أُنْشِدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ أَشْهَدَكُمَا يُونُسُ؟ قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْقَوْمُ مَذْعُورِينَ، وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: شَهِدَ لَهُ الشَّجَرَةُ وَالْأَرْضُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ بِيَدِ الْغُلَامِ وَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنِّي، فَأَقَامَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ ذَلِكَ الْغُلَامُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قِيلَ: لَعْنَتُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَخَطُ اللَّهِ. وَقِيلَ: "الْكَلِمَةُ" هِيَ قَوْلُهُ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي.

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .

﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ دَلَالَةٍ، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ قَالَ الْأَخْفَشُ: أَنَّثَ فِعْلَ "كَلُّ" لِأَنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمُؤَنَّثِ وَهِيَ قَوْلُهُ: "آيَةٍ" وَلَفْظُ "كل" للمذكر والمؤنت سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾ أَيْ: فَهَلَّا كَانَتْ، ﴿قَرْيَةٌ﴾ وَمَعْنَاهُ: فَلَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ لِأَنَّ فِي الِاسْتِفْهَامِ ضَرْبًا مِنَ الْجَحْدِ، أَيْ: أَهْلُ قَرْيَةٍ، ﴿آمَنَتْ﴾ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ، ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ فِي [حَالَةِ الْبَأْسِ] [[في "ب": (في حال اليأس) .]] ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَإِنَّهُ نَفَعَهُمْ إِيمَانُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. و"قَوْمَ" نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، تَقْدِيرُهُ: وَلَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ، ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ وَهُوَ وَقْتُ انْقِضَاءِ آجَالِهِمْ.

وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُمْ هَلْ رَأَوُا الْعَذَابَ عِيَانًا أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَوْا دَلِيلَ الْعَذَابِ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوُا الْعَذَابَ عَيَانًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ " وَالْكَشْفُ يَكُونُ بَعْدَ الْوُقُوعِ أَوْ إِذَا قَرُبَ.

وَقِصَّةُ الْآيَةِ -عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَوَهْبٌ وَغَيْرُهُمْ [[انظر: تفسير الطبري: ١٥ / ٢٠٧-٢١٠، الدر المنثور: ٤ / ٣٩٢-٣٩٣، البداية والنهاية لابن كثير: ١ / ٢٣١ وما بعدها، تفسير ابن كثير: ٢ / ٤٣٤.]] -أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى، مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يُونُسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ فَدَعَاهُمْ فَأَبَوْا، فَقِيلَ لَهُ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُهُمْ إِلَى ثَلَاثٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبَا فَانْظُرُوا فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ مُصَبِّحُكُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَشَّاهُمُ الْعَذَابُ فكان فوق رؤوسهم قَدْرَ مِيلٍ.

وَقَالَ وَهْبٌ: غَامَتِ السَّمَاءُ غَيْمًا أَسْوَدَ هَائِلًا يُدَخِّنُ دُخَانًا شَدِيدًا، فَهَبَطَ حَتَّى [تَغَشَّاهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ] [[في"ب": (غشي مدينتهم) .]] وَاسْوَدَّتْ سُطُوحُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَطَلَبُوا يُونُسَ نَبِيَّهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ، فَخَرَجُوا إِلَى الصَّعِيدِ بِأَنْفُسِهِمْ وَنِسَائِهِمْ [وَصِبْيَانِهِمْ] [[ليست في "أ".]] وَدَوَابِّهِمْ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ وَأَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَالتَّوْبَةَ، وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ فَحَنَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَعَلَتْ أَصْوَاتُهَا، وَاخْتَلَطَتْ أَصْوَاتُهَا بِأَصْوَاتِهِمْ، وَعَجُّوا وَتَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا آمَنَّا بِمَا جَاءَ بِهِ يُونُسُ، فَرَحِمَهُمْ رَبُّهُمْ فَاسْتَجَابَ دُعَاءَهُمْ وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ مَا أَضَلَّهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ الْعَذَابَ وَهَلَاكَ قَوْمِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَكَانَ مَنْ كَذَبَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُتِلَ، فَقَالَ يُونُسُ: كَيْفَ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي وَقَدْ كَذَبْتُهُمْ؟ فَانْطَلَقَ عَاتِبًا عَلَى رَبِّهِ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ، فَأَتَى الْبَحْرَ فَإِذَا قَوْمٌ يَرْكَبُونَ سَفِينَةً، فَعَرَفُوهُ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَتَوَسَّطَتْ بِهِمْ وَلَجَجَتْ، وَوَقَفَتِ السَّفِينَةُ لَا تَرْجِعُ وَلَا تَتَقَدَّمُ، قَالَ أَهْلُ السَّفِينَةِ: إِنَّ لِسَفِينَتِنَا لَشَأْنًا، قَالَ يُونُسُ: قَدْ عَرَفْتُ شَأْنَهَا رَكِبَهَا رَجُلٌ ذُو خَطِيئَةٍ عَظِيمَةٍ، قَالُوا وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، اقْذِفُونِي فِي الْبَحْرِ، قَالُوا: مَا كُنَّا لِنَطْرَحَكَ مِنْ بَيْنِنَا حَتَّى نُعْذَرَ فِي شَأْنِكَ، وَاسْتَهَمُوا فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأُدْحِضَ سَهْمُهُ، وَالْحُوتُ عِنْدَ رِجْلِ السَّفِينَةِ فَاغِرًا فَاهُ يَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّهِ فِيهِ، فَقَالَ يُونُسُ: إِنَّكُمْ وَاللَّهِ لَتَهْلَكُنَّ جَمِيعًا أَوْ لَتَطْرَحُنَّنِي فِيهَا، فَقَذَفُوهُ فِيهِ وَانْطَلَقُوا وَأَخَذَهُ الْحُوتُ.

وَرُوِيَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى حُوتٍ عَظِيمٍ حَتَّى قَصَدَ السَّفِينَةَ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ السَّفِينَةِ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ وَقَدْ فَغَرَ فَاهُ يَنْظُرُ إِلَى مَنْ فِي السَّفِينَةِ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئًا خَافُوا مِنْهُ، وَلَمَّا رَآهُ يُونُسُ زَجَّ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ فَأَتَى بَحْرَ الرُّومِ فَإِذَا سَفِينَةٌ مَشْحُونَةٌ، فَرَكِبَهَا فَلَمَّا لَجَجَتِ السَّفِينَةُ، تَكَفَّأَتْ حَتَّى كَادُوا أَنْ يَغْرَقُوا، فقال الملاحون: ها هنا رَجُلٌ عَاصٍ أَوْ عَبْدٌ آبِقٌ، وَهَذَا رَسْمُ السَّفِينَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا آبِقٌ لَا تَجْرِي، وَمِنْ رَسْمِنَا أَنْ نَقْتَرِعَ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَيْنَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَلَأَنْ يَغْرَقَ وَاحِدٌ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَغْرَقَ السَّفِينَةُ بِمَا فِيهَا، فَاقْتَرَعُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ فِي كُلِّهَا عَلَى يُونُسَ، فَقَالَ يُونُسُ: أَنَا الرَّجُلُ الْعَاصِي وَالْعَبْدُ الْآبِقُ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ جَاءَ حُوتٌ آخَرُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَابْتَلَعَ هَذَا الْحُوتَ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ لَا تُؤْذِي مِنْهُ شَعْرَةً، فَإِنِّي جَعَلْتُ بَطْنَكَ سِجْنَهُ وَلَمْ أَجْعَلْهُ طَعَامًا لَكَ.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نُودِيَ الْحُوتُ: إِنَّا لَمْ نَجْعَلْ يُونُسَ لَكَ قُوتًا، إِنَّمَا جَعَلَنَا بَطْنَكَ لَهُ حِرْزًا وَمَسْجِدًا.

وَرُوِيَ: أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَقَالَ: أَنَا الْعَبْدُ الْعَاصِي وَالْآبِقُ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى، فَعَرَفُوهُ فَقَالُوا: لَا نُلْقِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ نُسَاهِمُ فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْتَلَعَهُ الْحُوتُ فَأَهْوَى بِهِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَكَانَ فِي بَطْنِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَأَمَرَ الْحُوتَ، فَنَبَذَهُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَهُوَ كَالْفَرْخِ الْمُمَّعِطِ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَهُوَ الدُّبَّاءُ، فَجَعَلَ يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا وَوَكَّلَ بِهِ وَعْلَةً يشرب من ١٧٢/ب لَبَنِهَا، فَيَبِسَتِ الشَّجَرَةُ، فَبَكَى عَلَيْهَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: تَبْكِي عَلَى شَجَرَةٍ يَبِسَتْ، وَلَا تَبْكِي عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَأَرَدْتَ أَنْ أُهْلِكَهُمْ، فَخَرَجَ يُونُسُ فَإِذَا هُوَ بِغُلَامٍ يَرْعَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: مِنْ قَوْمِ يُونُسَ، قَالَ: إِذَا رَجَعْتَ إِلَيْهِمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَقِيتُ يُونُسَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ لِي بَيِّنَةٌ قُتِلْتُ، قَالَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَشْهَدُ لَكَ هَذِهِ الْبُقْعَةُ وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: فَمُرْهَا، فَقَالَ يُونُسُ: إِذَا جَاءَكُمَا هَذَا الْغُلَامُ فَاشْهَدَا لَهُ، قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي لَقِيتُ يُونُسَ فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي بَيِّنَةً، فَأَرْسِلُوا مَعِي، فَأَتَى الْبُقْعَةَ وَالشَّجَرَةَ، فَقَالَ: أُنْشِدُكُمَا بِاللَّهِ هَلْ أَشْهَدَكُمَا يُونُسُ؟ قَالَتَا: نَعَمْ، فَرَجَعَ الْقَوْمُ مَذْعُورِينَ، وَقَالُوا لِلْمَلِكِ: شَهِدَ لَهُ الشَّجَرَةُ وَالْأَرْضُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ بِيَدِ الْغُلَامِ وَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَكَانِ مِنِّي، فَأَقَامَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ ذَلِكَ الْغُلَامُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ الشَّقَاوَةُ.

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ. وَقِيلَ: مَا كَانَتْ نَفْسٌ، ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: "وَنَجْعَلُ" بِالنُّونِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَيَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ أَيِ: الْعَذَابَ وَهُوَ الرِّجْزُ، ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.

﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أَيْ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ الْآيَاتِ انْظُرُوا، ﴿مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ والعبر، ففي السموات الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَغَيْرُهَا، وَفِي الْأَرْضِ الْجِبَالُ وَالْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ وَالْأَشْجَارُ وَغَيْرُهَا، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ الرُّسُلُ، ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَهَذَا فِي قَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ الشَّقَاوَةُ.

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ. وَقِيلَ: مَا كَانَتْ نَفْسٌ، ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: "وَنَجْعَلُ" بِالنُّونِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَيَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ أَيِ: الْعَذَابَ وَهُوَ الرِّجْزُ، ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.

﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أَيْ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ الْآيَاتِ انْظُرُوا، ﴿مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ والعبر، ففي السموات الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَغَيْرُهَا، وَفِي الْأَرْضِ الْجِبَالُ وَالْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ وَالْأَشْجَارُ وَغَيْرُهَا، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ الرُّسُلُ، ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَهَذَا فِي قَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ الشَّقَاوَةُ.

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾ وَمَا يَنْبَغِي لِنَفْسٍ. وَقِيلَ: مَا كَانَتْ نَفْسٌ، ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ: "وَنَجْعَلُ" بِالنُّونِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَيَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ أَيِ: الْعَذَابَ وَهُوَ الرِّجْزُ، ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.

﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ أَيْ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ الْآيَاتِ انْظُرُوا، ﴿مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ والعبر، ففي السموات الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَغَيْرُهَا، وَفِي الْأَرْضِ الْجِبَالُ وَالْبِحَارُ وَالْأَنْهَارُ وَالْأَشْجَارُ وَغَيْرُهَا، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ الرُّسُلُ، ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وَهَذَا فِي قَوْمٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنْ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّى الْعَذَابَ أَيَّامًا، وَالنَّعِيمَ أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ: " وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ " [إبراهيم: ٥] ، وَكُلُّ مَا مَضَى عَلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِي" خَفِيفٌ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ مَعْنَاهُ: نَجَّيْنَا، مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ، ﴿حَقًّا﴾ وَاجِبًا، ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "نُنْجِي" بِالتَّخْفِيفِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَنَجَّى وَأَنْجَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ مَا جَاءَ بِهِ؟.

قِيلَ: كَانَ فِيهِمْ شَاكُّونَ، فَهُمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْآيَاتِ اضْطَرَبُوا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْأَوْثَانِ، ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ. وَقِيلَ: اسْتَقِمْ عَلَى الدِّينِ حَنِيفًا.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنْ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّى الْعَذَابَ أَيَّامًا، وَالنَّعِيمَ أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ: " وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ " [إبراهيم: ٥] ، وَكُلُّ مَا مَضَى عَلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِي" خَفِيفٌ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ مَعْنَاهُ: نَجَّيْنَا، مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ، ﴿حَقًّا﴾ وَاجِبًا، ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "نُنْجِي" بِالتَّخْفِيفِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَنَجَّى وَأَنْجَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ مَا جَاءَ بِهِ؟.

قِيلَ: كَانَ فِيهِمْ شَاكُّونَ، فَهُمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْآيَاتِ اضْطَرَبُوا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْأَوْثَانِ، ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ. وَقِيلَ: اسْتَقِمْ عَلَى الدِّينِ حَنِيفًا.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنْ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّى الْعَذَابَ أَيَّامًا، وَالنَّعِيمَ أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ: " وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ " [إبراهيم: ٥] ، وَكُلُّ مَا مَضَى عَلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِي" خَفِيفٌ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ مَعْنَاهُ: نَجَّيْنَا، مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ، ﴿حَقًّا﴾ وَاجِبًا، ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "نُنْجِي" بِالتَّخْفِيفِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَنَجَّى وَأَنْجَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ مَا جَاءَ بِهِ؟.

قِيلَ: كَانَ فِيهِمْ شَاكُّونَ، فَهُمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْآيَاتِ اضْطَرَبُوا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْأَوْثَانِ، ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ. وَقِيلَ: اسْتَقِمْ عَلَى الدِّينِ حَنِيفًا.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مَضَوْا، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِنْ مُكَذِّبِي الْأُمَمِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّى الْعَذَابَ أَيَّامًا، وَالنَّعِيمَ أَيَّامًا، كَقَوْلِهِ: " وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ " [إبراهيم: ٥] ، وَكُلُّ مَا مَضَى عَلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ أَيَّامٌ، ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ .

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ "نُنْجِي" خَفِيفٌ مُخْتَلِفٌ عَنْهُ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَهُمْ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ مَعْنَاهُ: نَجَّيْنَا، مُسْتَقْبَلٌ بِمَعْنَى الْمَاضِي، ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا نَجَّيْنَاهُمْ، ﴿حَقًّا﴾ وَاجِبًا، ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "نُنْجِي" بِالتَّخْفِيفِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَنَجَّى وَأَنْجَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، وَهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بُطْلَانَ مَا جَاءَ بِهِ؟.

قِيلَ: كَانَ فِيهِمْ شَاكُّونَ، فَهُمُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ، أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا الْآيَاتِ اضْطَرَبُوا وَشَكُّوا فِي أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْأَوْثَانِ، ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُمِيتُكُمْ وَيَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَمَلُكَ. وَقِيلَ: اسْتَقِمْ عَلَى الدِّينِ حَنِيفًا.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

﴿وَلَا تَدْعُ﴾ وَلَا تَعْبُدْ، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إِنْ أَطَعْتَهُ، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إِنْ عَصَيْتَهُ، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فَعَبَدْتَ غَيْرَ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضَّارِّينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَاضِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أَيْ: يُصِبْكَ بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ فَلَا دَافِعَ لَهُ، ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَسِعَةٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فَلَا مَانِعَ لِرِزْقِهِ، ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ، وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِكَفِيلٍ، أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق: ٣ / ٣٢ تعليق (١) ، الفوز الكبير للدهلوي ص (٥٣، ٦٠) .]] .

﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِكَ وَقَهْرِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دِينِهِ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فَحَكَمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَبِالْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

﴿وَلَا تَدْعُ﴾ وَلَا تَعْبُدْ، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إِنْ أَطَعْتَهُ، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إِنْ عَصَيْتَهُ، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فَعَبَدْتَ غَيْرَ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضَّارِّينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَاضِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أَيْ: يُصِبْكَ بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ فَلَا دَافِعَ لَهُ، ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَسِعَةٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فَلَا مَانِعَ لِرِزْقِهِ، ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ، وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِكَفِيلٍ، أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق: ٣ / ٣٢ تعليق (١) ، الفوز الكبير للدهلوي ص (٥٣، ٦٠) .]] .

﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِكَ وَقَهْرِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دِينِهِ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فَحَكَمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَبِالْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

﴿وَلَا تَدْعُ﴾ وَلَا تَعْبُدْ، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إِنْ أَطَعْتَهُ، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إِنْ عَصَيْتَهُ، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فَعَبَدْتَ غَيْرَ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضَّارِّينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَاضِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أَيْ: يُصِبْكَ بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ فَلَا دَافِعَ لَهُ، ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَسِعَةٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فَلَا مَانِعَ لِرِزْقِهِ، ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ، وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِكَفِيلٍ، أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق: ٣ / ٣٢ تعليق (١) ، الفوز الكبير للدهلوي ص (٥٣، ٦٠) .]] .

﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِكَ وَقَهْرِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دِينِهِ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فَحَكَمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَبِالْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

﴿وَلَا تَدْعُ﴾ وَلَا تَعْبُدْ، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إِنْ أَطَعْتَهُ، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إِنْ عَصَيْتَهُ، ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فَعَبَدْتَ غَيْرَ اللَّهِ، ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضَّارِّينَ لِأَنْفُسِهِمُ الْوَاضِعِينَ لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أَيْ: يُصِبْكَ بِشِدَّةٍ وَبَلَاءٍ، ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ فَلَا دَافِعَ لَهُ، ﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَسِعَةٍ، ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ فَلَا مَانِعَ لِرِزْقِهِ، ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الضُّرِّ وَالْخَيْرِ، ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أَيْ: عَلَى نَفْسِهِ، وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ بِكَفِيلٍ، أَحْفَظُ أَعْمَالَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ [[انظر فيما سبق: ٣ / ٣٢ تعليق (١) ، الفوز الكبير للدهلوي ص (٥٣، ٦٠) .]] .

﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِكَ وَقَهْرِ عَدُوِّكَ وَإِظْهَارِ دِينِهِ، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فَحَكَمَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَبِالْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ يُعْطُونَهَا عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

Source. Tafseer Al-Baghawi, Baghawy — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/27. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com