John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Aal-i-Imraan

Tafsir al-Tabari · The Family of Imraan · 200 ayat · ayat 91–120 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه"إنّ الذين كفروا"، أي: جحدوا نبوة محمد ﷺ ولم يصدقوا به وبما جاء به من عند الله من أهل كل ملة، يهودها ونصاراها ومجوسها وغيرهم ="وماتوا وهم كفار"، يعني: وماتوا على ذلك من جحود نبوته وجحود ما جاء به ="فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذَهبًا ولو افتدى به"، يقول: فلن يقبل ممن كان بهذه الصفة في الآخرة جَزَاءٌ ولا رِشْوةٌ على ترك عقوبته على كفره، ولا جُعْلٌ على العفو عنه، [["الجزاء" هنا: البدل والكفارة. و"الجعل" (بضم الجيم وسكون العين) : الأجر على الشيء. يقول: لا يقبل منه أجر يدفعه على شريطة العفو عنه.]] ولو كان له من الذهب قدرُ ما يملأ الأرضَ من مشرقها إلى مغربها، فرَشَا وَجزَى على ترك عقوبته وفي العفو عنه على كفره عوضًا مما الله مُحلٌّ به من عذابه. لأنّ الرُّشا إنما يقبلها من كان ذَا حاجة إلى ما رُشى. فأما من له الدنيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدَى بها مفتدٍ منْ نفسه أو غيره؟ [[في المخطوطة: "وهو خلاف"، وهو تصحيف، وفي المطبوعة: "عن نفسه"، كأن الناشر استنكر عربية أبي جعفر، فحولها إلى عربيته.]]

* *

وقد بينا أن معنى"الفدية" العوَضُ، والجزاء من المفتدى منه = بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٣: ٤٣٨-٤٣٩.]]

* *

= ثم أخبر عز وجل عما لهم عنده فقال:"أولئك"، يعني هؤلاء الذين كفروا وماتوا وهم كفار ="لهم عذاب أليم"، يقول: لهم عند الله في الآخرة عذابٌ موجع ="وما لهم من ناصرين"، يعني: وما لهم من قريب ولا حميم ولا صديق ينصره، فيستنقذه من الله ومن عذابه كما كانوا ينصرونه في الدنيا على من حاول أذَاه ومكروهه؟ [[اختلاف الضمائر في هذه العبارة جائز حسن، وإن أشكل على بعض من يقرأه.]] وقد:-

٧٣٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: أن نبي الله ﷺ كان يقول: يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيتَ لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنت مفتديًا به؟ فيقول: نعم! قال فيقال: لقد سُئلت ما هو أيسرُ من ذلك! فذلك قوله:"إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا ولو افتدى به". [[الأثر: ٧٣٨٤- أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح ١١: ٣٤٨-٣٥٠) من طريقين طريق هشام الدستوائي عن قتادة، ومن طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، كرواية الطبري هنا. ورواه مسلم (١٧: ١٤٨، ١٤٩) من طريق هشام عن قتادة، وأشار إلى طريق سعيد، وذكر اختلافه. وللحديث طرق أخرى بغير هذا اللفظ أخرجها البخاري (الفتح ٦: ٢٦٢ / ١١: ٣٦٧) ومسلم ١٧: ١٤٨، ١٤٩.]]

٧٣٨٥ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن قوله:"إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا"، قال: هو كل كافر.

* *

ونصب قوله"ذهبًا" على الخروج من المقدار الذي قبله والتفسير منهُ، وهو قوله:"ملءُ الأرض"، كقول القائل:"عندي قدرُ زِقٍّ سمنًا = وقدْرُ رطل عَسلا"، ف"العسل" مبينٌ به ما ذكر من المقدار، وهو نكرة منصوبةٌ على التفسير للمقدار والخروج منه. [["التفسير": هو التمييز، ويقال له أيضًا"التبيين"، والمميز هو: "المفسر والمبين"، وقد سلف ذلك فيما مضى ٢: ٣٣٨، تعليق: ١ / ٣: ٩٠، تعليق ٢ / وانظر ما فصله الفراء في معاني القرآن ١: ٢٢٥، ٢٢٦.]]

* *

وأما نحويو البصرة، فإنهم زعموا أنه نصب"الذهب" لاشتغال"الملء" بـ"الأرض"، ومجيء"الذهب" بعدهما، فصار نصبهُا نظيرَ نصب الحال. وذلك أن الحال يجيء بعد فعل قد شُغل بفاعله، فينصبُ كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي قد شُغل بفاعله. قالوا: ونظير قوله:"ملء الأرض ذهبًا" في نصب"الذهب" في الكلام:"لي مثلك رجُلا" بمعنى: لي مثلك من الرجال. وزعموا أن نصب"الرجل"، لاشتغال الإضافة بالاسم، فنصب كما ينصب المفعول به، لاشتغال الفعل بالفاعل.

* *

وأدخلت الواو في قوله:"ولو افتدى به"، لمحذوف من الكلام بعدَه، دلّ عليه دخول"الواو"، وكالواو في قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧٥] ، وتأويل الكلام: وليكون من الموقنين أرَيناه ملكوتَ السموات والأرض. فكذلك ذلك في قوله:"ولو افتدى به"، ولو لم يكن في الكلام"واو"، لكان الكلام صحيحًا، ولم يكن هنالك متروك، وكان: فلن يُقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهبًا لو افتدى به. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٦.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن تدركوا، أيها المؤمنون، البرَّ = وهو"البر" من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبادتهم له ويرجونه منه، وذلك تفضّله عليهم بإدخالهم جنته، وصرف عذابه عنهم.

* *

ولذلك قال كثير من أهل التأويل"البر" الجنة، لأن بر الربّ بعبده في الآخرة، إكرامه إياه بإدخاله الجنة. [[انظر تفسير"البر" فيما سلف ٢: ٨ / ٣: ٣٣٦-٣٣٨، ٥٥٦ / ٤: ٤٢٥. وفي المطبوعة: "وإكرامه إياه" بزيادة "واو"، وهو خطأ صوابه في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٣٨٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله:"لن تنالوا البر"، قال: الجنة.

٧٣٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله:"لن تنالوا البر"، قال: البر الجنة.

٧٣٨٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لن تنالوا البر"، أما البر فالجنة.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: لن تنالوا، أيها المؤمنون، جنة ربكم ="حتى تنفقوا مما تحبون"، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم، من نفيس أموالكم، كما:-

٧٣٨٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، يقول: لن تنالوا برَّ ربكم حتى تنفقوا مما يعجبكم، ومما تهوَوْن من أموالكم.

٧٣٩٠ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن قوله:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، قال: من المال.

* *

وأما قوله:"وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم"، فإنه يعني به: ومهما تنفقوا من شيء فتتصدقوا به من أموالكم، [[انظر"ما" بمعنى"مهما" فيما سلف قريبًا ص: ٥٥١.]] فإنّ الله تعالى ذكرُه بما يتصدَّق به المتصدِّق منكم، فينفقه مما يحبّ من ماله في سبيل الله وغير ذلك -"عليم"، يقول: هو ذو علم بذلك كله، لا يعزُبُ عنه شيء منه، حتى يجازي صاحبه عليه جزاءَه في الآخرة، كما:-

٧٣٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده:"وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم"، يقول: محفوظٌ لكم ذلك، اللهُ به عليمٌ شاكرٌ له.

* *

وبنحو التأويل الذي قلنا تأوَّل هذه الآية جماعةٌ من الصحابة والتابعين.

ذكر من قال ذلك:

٧٣٩٢ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أنْ يبتاع له جارية من جَلولاء يوم فُتحت مدائن كسرى في قتال سَعد بن أبي وقاص، فدعا بها عمر بن الخطاب فقال: إن الله يقول:"لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون"، فأعتقها عمر = وهي مثْل قول الله عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ٨] ، و ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر: ٩] .

٧٣٩٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله سواء.

٧٣٩٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، أو هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\ الحديد: ١١] ، قال أبو طلحة، يا رسول الله، حائطي الذي بكذا وكذا صَدَقة، ولو استطعت أن أجعله سرًّا لم أجعله علانية! فقال رسول الله ﷺ: اجعلها في فقراء أهلك. [[الحديث: ٧٣٩٤- حميد: هو ابن أبي حميد الطويل.

والحديث رواه أحمد في المسند: ١٢١٧٠، عن يحيى بن سعيد القطان، و: ١٢٨٠٩، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، و: ١٣٨٠٣، عن عبد الله بن بكر - ثلاثتهم عن حميد، عن أنس ابن مالك (ج ٣ ص ١١٥، ١٧٤، ٢٦٢ حلبي) .

ورواه الترمذي ٤: ٨١، من طريق عبد الله بن بكر، عن حميد. وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

وذكره السيوطي ١: ٥٠، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه.

وهو اختصار لرواية مطولة، رواها مالك في الموطأ، ص: ٩٩٥-٩٩٦، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك.

ورواها أحمد في المسند: ١٢٤٦٥ (٣: ١٤١ حلبي) ، من طريق مالك.

ورواها البخاري ٣: ٢٥٧، ٥: ٢٩٥-٢٩٧، و ٨: ١٦٨، ومسلم ١: ٢٧٤- كلاهما من طريق مالك أيضًا.

وسيأتي عقب هذا، مختصرًا أيضًا، من رواية ثابت عن أنس.

الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار.]]

٧٣٩٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال، قال حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، قال أبو طلحة: يا رسول الله، إنّ الله يسألنا من أموالنا، اشهدْ أني قد جعلت أرضي بأرْيحا لله. فقال رسول الله ﷺ: اجعلها في قرابتك. فجعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب. [[الحديث: ٧٣٩٥- حماد: هو ابن سلمة.

والحديث رواه أحمد في المسند: ١٤٠٨١ (٣: ٢٨٥ حلبي) ، عن عفان، عن حماد، به، نحوه.

ورواه مسلم ١: ٢٧٤-٢٧٥، من طريق بهز، عن حماد بن سلمة، به، نحوه.

ورواه أبو داود: ١٦٨٩، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، وهو ابن سلمة.

وذكره السيوطي ١: ٥٠، وزاد نسبته للنسائي.

وقوله"بأريحا"- هكذا ثبت في هذه الرواية في الطبري وليست تصحيفًا، ولا خطأ من الناسخين هنا. بل هي ثابتة كذلك في رواية أبي داود. ونص الحافظ في الفتح: ٣: ٢٥٧، على أنها ثابتة بهذا الرسم في رواية أبي داود من حديث حماد بن سلمة.

ورواية مسلم"بيرحا". واختلف في ضبط هذا الحرف فيه وفي غيره، اختلافًا كثيرًا. ونذكر هنا كلام القاضي عياض في مشارق الأنوار ١: ١١٥-١١٦، بنصه. ثم نتبعه بكلام الحافظ في الفتح ٣: ٢٥٧، بنصه أيضًا:

قال القاضي عياض: "بيرحا، اختلف الرواة في هذا الحرف وضبطه. فرويناه بكسر الباء وضم الراء وفتحها، والمدّ والقصر. وبفتح الباء والراء معًا. ورواية الأندلسيين والمغاربةٌ"بيرُحَا" - بضم الراء وتصريف حركات الإعراب في الراء. وكذا وجدتُها بخط الأصيلي. وقالوا: إنها"بير" مضافةُ إلى"حاء" - اسم مركب. قال أبو عبيد البكري: "حاء" على وزن حرف الهجاء: بالمدينة، مستقبلة المسجد، إليها ينسب"بِيرُحَاء"، وهو الذي صححه. وقال أبو الوليد البَاجِي: أنكر أبو ذَرّ الضم والإعراب في الراء، وقال: إنما هي بفتح الراء في كل حال. قال الباجي: وعليه أدركتُ أهل العلم والحفظ في المَشْرِق، وقال لي أبو عبد الله الصُّورِي: إنما هو"بَيْرَحَاء" بفتحهما في كل حال، وعلى رواية الأندلسيين ضبطنا الحرف عَلى ابن أبي جعفر في مسلم. وبكسر الباء وفتح الراء والقصر ضبطناها في الموطأ علَى ابن عتَّاب وابن حمدين وغيرهما. وبضم الراء وفتحها معًا قيَّده الأصيلي. وهو موضع بقبليّ المسجد، يعرف بقَصْر بني حُدَيْلة، بحاء مهملة مضمومة. وقد رواه من طريق حماد بن سلمة"بَرِيحا". هكذا ضبطناه عن شيوخنا: الحُشَنِي، والأسدي، والصَّدَفِي - فيما قيَّدوه عن العذري، والسمرقندي، والطبري، وغيرهم. ولم أسمع من غيرهم فيه خلافًا، إلاّ أني وجدتُ أبا عبد الله بن أبي نصر الحُميديّ الحافظ ذَكَر هذا الحرف في اختصاره، عن حماد بن سلمة -"بَيْرَحَاء" كما قال الصُّوري. ورواية الرازي في مسلم، في حديث مالك: "بَرِيحا". وهو وَهَم، وإنما هذا في حديث حماد، وإنما لمالك"بيرحا" كما قيده فيها الجميع، على الاختلاف المتقدّم عنهم، وذكر أبو داود في مصنفه هذا الحرف في هذا الحديث - بخلاف ما تقدم، قال: "جعلتُ أرضي بأريحا". وهذا كله يدلّ على أنها ليست بِبِيٍر".

وقال الحافظ: "وقوله فيه"بَيْرَحَاء" - بفتح الموحدة وسكون التحتانية وفتح الراء وبالمهملة والمدّ. وجاء في ضبطه أوجُهٌ كثيرة، جمعها ابن الأثير في النهاية، فقال: يروى بفتح الباء وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمدّ والقصر. فهذه ثمان لغات. وفي رواية حماد بن سلمة"بَرِيحَا" - بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية. وفي سنن أبي داود"بَارِيحَا" - مثله، لكن بزيادة ألف. وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور. وكذا جزم به الصغاني، وقال: إنه"فَيْعَلى" من"البَرَاح". قال: ومَن ذكره بكسر الموحدة، وظنَّ أنها بئر من آبار المدينة - فقد صَحَّفَ".

وانظر الفتح أيضًا ٥: ٢٩٦، ومعجم البلدان ٢: ٣٢٧-٣٢٨.]]

٧٣٩٦ - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا ليث، عن ميمون بن مهران: أنّ رجلا سأل أبا ذَرّ: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عمادُ الإسلام، والجهاد سَنامُ العمل، والصدقة شيء عَجبٌ! فقال: يا أبا ذر، لقد تركتَ شيئًا هو أوَثقُ عملي في نفسي، لا أراك ذكرته! قال: ما هو؟ قال: الصّيام! فقال: قُرْبة، وليس هناك! وتلا هذه الآية:"لن تنالوا البر حتى تُنفقوا مما تحبُون". [[الخبر: ٧٣٩٦- هذا خبر منقطع الإسناد، لأن ميمون بن مهران لم يدرك أبا ذر، أبو ذر مات سنة ٣٢، وميمون ولد سنة ٤٠، ومات سنة ١١٨، كما في تاريخي البخاري، وتهذيب الكمال (مخطوط مصور) .

والخبر ذكره السيوطي ٢: ٥٠، ولم ينسبه لغير الطبري.

قوله: "شيء عجب" -"أثبتنا ما في المخطوطة، والذي في المطبوعة والدر المنثور"عجيب".]]

٧٣٩٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني داود بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن عمرو بن دينار قال: لما نزلت هذه الآية:"لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون"، جاء زيدٌ بفرس له يقال له:"سَبَل" إلى النبي ﷺ، فقال: تصدَّق بهذه يا رسول الله. فأعطاها رسول الله ﷺ ابنه أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله، إنما أردت أن أتصدّق به! فقال رسول الله ﷺ: قد قُبلتْ صَدَقتك. [[الحديث: ٧٣٩٧- هذا حديث مرسل، لأن عمرو بن دينار تابعي.

داود بن عبد الرحمن العطار المكي: ثقة من شيوخ الشافعي. وثقه ابن معين، وأبو داود، وغيرهما.

عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث، المكي النوفلي: ثقة. أخرج له الجماعة. وقد مضى في: ١٤٨٩.

والحديث أشار إليه السيوطي ٢: ٥٠، ولم يذكر لفظه، ولم ينسبه لغير الطبري. وذكر قبله حديثًا"مثله"، عن محمد بن المنكدر. وهو حديث مرسل أيضًا. ونسبه لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

اسم الفرس: "سبل" - بفتح السين المهملة والباء الموحدة. ولم تنقط في المخطوطة، ونقطت ياء تحتية في المطبوعة، ورسمت"شبلة" في الدر المنثور. والصواب ما أثبتنا، وهكذا جاء اسمها في كتب الخيل وفي الشعر.]]

٧٣٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن أيوب وغيره: أنها حين نزلت:"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبُّها، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله. فحملَ رسولُ الله ﷺ عليها أسامةَ بن زيد، فكأنَّ زيدًا وَجد في نفسه، فلما رأى ذلك منه النبي ﷺ قال: أما إن الله قد قبلها. [[الحديث: ٧٣٩٨- هوس حديث مرسل، مثل سابقه.

وقد ذكره السيوطي ٢: ٥٠. ونسبه لعبد الرزاق، والطبري، ولم ينسبه لغيرهما.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزِّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه لم يكن حرَّم على بني إسرائيل = وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن = شيئًا من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالا إلا ما كان يعقوب حرّمه على نفسه، فإن وَلده حرّموه استنانًا بأبيهم يعقوب، من غير تحريم الله ذلك عليهم في وحي ولا تنزيل، ولا على لسان رسولٍ له إليهم، من قبل نزول التوراة.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تحريم ذلك عليهم، هل نزل في التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لما أنزل الله عز وجل التوراةَ، حرّم عليهم من ذلك ما كانوا يحرِّمونه قبل نزولها.

ذكر من قال ذلك:

٧٣٩٩- حدثني محمد بن الحسين، قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" قالت اليهود: إنما نحرِّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم إسرائيل العرُوق، [[العروق هي عروق اللحم، وهو الأجوف الذي يكون فيه الدم، وأما غير الأجوف فهو العصب.]] كان يأخذه عِرق النَّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئْن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقًا أبدًا، فحرّمه الله عليهم ثم قال:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، ما حرَّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٦٠]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل تنزل التوراة، فإن اللهَ حرّم عليهم من ذلك ما كان إسرائيل حرَّمه على نفسه في التوراة، ببغيهم على أنفسهم وظلمهم لها. قل يا محمد: فأتوا، أيها اليهود، إن أنكرتم ذلك بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين أن الله لم يحرم ذلك عليكم في التوراة، وأنكم إنما تحرّمونه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه.

* *

وقال آخرون: ما كان شيءٌ من ذلك عليهم حرامًا، لا حرّمه الله عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله. فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه، فقال الله عز وجل لنبينا محمد ﷺ: قل لهم يا محمد: إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة فاتلوها، حتى ننظر هل ذلك فيها، أم لا؟ فيتبين كذبهم لمن يجهلُ أمرهم. [[في المطبوعة: "ليتبين"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٤٠٠- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت أبا معاذ، قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه" إسرائيل هو يعقوب، أخذه عرق النسا فكان لا يَبيتُ الليل من وجعه، [[في المطبوعة: "لا يثبت الليل"، وليست بشيء، وسبب ذلك أن ناسخ المخطوطة قد استكثر من النقط على حروف هذه الكلمة، فاختلط الأمر على الناشر. وليس معنى"يبيت": ينام، فإن أهل اللغة قالوا: "بات: دخل في الليل، ومن قال: بات فلان، إذا نام، فقد أخطأ. ألا ترى أنك تقول: بت أرعى النجوم؟ معناه: بت أنظر إليها، فكيف ينام وهو ينظر إليها؟ " ومعنى"لا يبيت الليل"، أي يسكن الليل ولا يستريح، لأن البتوتة هي دخول الليل، والليل سكن للناس، فمن ضافه هم، أو أقلقه ألم، لم يسكن، فكأن الليل لم يشمله بهدأته. وفي ألفاظ أخرى لهذا الخبر: "لا ينام الليل من الوجع". ثم انظر الأثر رقم: ٧٤٠٢: "لا يبيت بالليل".]] وكان لا يؤذيه بالنهار. فحلف لئن شفاهُ الله لا يأكل عِرْقًا أبدًا، وذلك قبل نزول التوراة على موسى. فسأل نبيُّ الله ﷺ اليهود: ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتحريم الذي حرَّم إسرائيل. فقال الله لمحمد ﷺ:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" إلى قوله:"فأولئك هم الظالمون"، وكذبوا وافتروا، لم تنزل التوراة بذلك.

* *

وتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة = بمعنى: لكن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. [[انظر"إلا" بمعنى"لكن" فيما سلف ٣: ٢٠٦.]] وكأن الضحاك وجّه قوله:"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" إلى الاستثناء الذي يسميه النحويون"الاستثناء المنقطع".

* *

وقال آخرون: تأويل ذلك: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإنّ ذلك حرامٌ على ولده بتحريم إسرائيل إياه على ولده، من غير أن يكون الله حرّمه على إسرائيل ولا على ولده.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٠١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" فإنه حرّم على نفسه العروقَ، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام الليل، فقال: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد = وليس مكتوبًا في التوراة! وسأل محمد ﷺ نفرًا من أهل الكتاب فقال: ما شأن هذا حرامًا؟ فقالوا: هو حرام علينا من قِبَل الكتاب. فقال الله عز وجل:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل" إلى"إنْ كنتم صادقين".

٧٤٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: أخذه -يعني إسرائيل- عرقُ النسا، فكان لا يبيتُ بالليل من شدّة الوجع [[في المطبوعة: "لا يثبت"، وفي المخطوطة: "لا يبيت"، واضحة. وانظر التعليق السالف رقم: ١ ص: ٩.]] ، وكان لا يؤذيه بالنهار، فحلف لئن شفاه الله لا يأكل عِرقًا أبدًا، وذلك قبل أن تنزل التوراة. فقال اليهود للنبي ﷺ: نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل على نفسه. قال الله لمحمد ﷺ:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، وكذبوا، ليس في التوراة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال:"معنى ذلك: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا وحي قبل التوراة، حتى نزلت التوراةُ، فحرّم الله عليهم فيها ما شاءَ، وأحلّ لهم فيها ما أحبّ".

وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويل، وهو معنى قول ابن عباس الذي ذكرناه قبل.

ذكر بعض من قال ذلك:

٧٤٠٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة"، وإسرائيل، هو يعقوب ="قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" يقول: كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة. إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما أنزل الله التوراة حرّم عليهم فيها ما شاء وأحلّ لهم ما شاء.

٧٤٠٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة بنحوه.

* *

واختلف أهل التأويل في الذي كان إسرائيل حرَّمه على نفسه.

فقال بعضهم: كان الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العُرُوق.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٠٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن يوسف بن مَاهَك قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال إنه جعل امرأته عليه حرامًا، قال: ليست عليك بحرام. قال: فقال الأعرابي: ولم؟ والله يقول في كتابه:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه"؟ قال: فضحك ابن عباس وقال: وما يدريك ما كان إسرائيل حَرّم على نفسه؟ قال: ثم أقبل على القوم يحدثهم فقال: إسرائيل عرَضتْ له الأنساءُ فأضنته، [[الأنساء جمع نسا: وهو هذا العرق الذي يخرج من الورك فيستبطن الفخذين، ثم يمر حتى يبلغ الكعب. وهو الذي يأخذه المرض المعروف.]] فجعل لله عليه إنَ شفاه الله منها لا يطعم عِرْقًا. قال: فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم.

٧٤٠٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر. قال: سمعت يوسف بن ماهك يحدثُ: أنّ أعرابيًّا أتى ابن عباس، فذكر رجلا حرّم امرأته فقال: إنها ليست بحرام. فقال الأعرابي: أرأيت قول الله عز وجل:"كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه"؟ فقال: إن إسرائيل كان به عِرْق النسا، فحلف لئن عافاه الله أن لا يأكل العرُوق من اللحم، وإنها ليست عليك بحرام.

٧٤٠٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله:"كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" قال، إن يعقوب أخذه وجع عرق النسا، فجعل لله عليه = أو: أقسم، أو: آلى =: لا يأكله من الدواب. [[في المطبوعة والمخطوطة: "أو أقسم أو قال لا يأكله من الدواب"، وهو غير مستقيم، وأشبه بالصواب ما أثبت. وانظر الأثر التالي وفيه"تألى"، أي أقسم، ومنه استظهرت هذا التصويب.]] قال: والعروق كلها تبعٌ لذلك العرق.

٧٤٠٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ الذي حرّم إسرائيل على نفسه: أنّ الأنساء أخذته ذات ليلة، فأسهرته، فتألَّى إنِ الله شفاه لا يطعم نَسًا أبدًا، فتتبعت بنوهُ العروق بعد ذلك يخرجونها من اللحم. [[في المخطوطة: "يخرجونه"، فلعل ما قبلها"العرق" مفردًا، ولكني تركت ما في المطبوعة فهو أجود، لما في الأثر الذي يليه.]]

٧٤٠٩- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة بنحوه = وزاد فيه. قال: فتألَّى لئن شفاه الله لا يأكل عرقًا أبدًا، فجعل بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق، فيخرجونها من اللحم. وكان"الذي حرّم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة"، العُروق.

٧٤١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" قال، اشتكى إسرائيل عرق النسا فقال: إنِ الله شفاني لأحرِّمنّ العروق! فحرَّمها.

٧٤١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إسرائيل أخذه عرق النسا، فكان يبيتُ لهُ زُقاء، [[في المطبوعة: "يبيت وله زقاء"، بالواو، وأثبت ما في المخطوطة وهو جيد أيضًا. الزقاء: صوت الباكي وصياحه. زقا الصبي يزقو: اشتد بكاؤه وصاح. وسيأتي مشروحًا في الأثر.]] فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل العروق. فأنزل الله عز وجل:"كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه" = قال سفيان:"له زقاء"، يعني صياح.

٧٤١٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه" قال، كان يشتكي عرق النسا، فحرَّم العروق.

٧٤١٣- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال،: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٧٤١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس في قوله:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة" قال، كان إسرائيل يأخذه عرق النسا، فكان يبيت وله زقاء، فحرَّم على نفسه أن يأكل عرقًا.

* *

وقال آخرون: بل"الذي كان إسرائيل حرَّم على نفسه"، لحوم الإبل وألبانُها.

ذكر من قال ذلك:

٧٤١٥- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا: إنه عرق النسا، فقال: رَبّ، إن أحب الطعام إليّ لحومُ الإبل وألبانُها، فإن شفيتني فإني أحرمها عليّ = قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبي رباح: لحومَ الإبل وألبانَها حرّم إسرائيل.

٧٤١٦- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل" قال، كان إسرائيل حرّم على نفسه لحومَ الإبل، وكانوا يزعمون أنهم يجدون في التوراة تحريم إسرائيل على نفسه لحومَ الإبل وإنما كان حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل قبل أن تنزل التوراة، فقال الله:"فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، فقال: لا تجدون في التوراة تحريم إسرائيل على نفسه، أي لحم الإبل. [[في المطبوعة والمخطوطة: "إلا لحم الإبل" وهو لا يستقيم، وظننتها تحريف "أي"، فأثبتها كذلك، ولو حذفت كان الكلام مستقيما.]]

٧٤١٧- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال، حدثنا سعيد، عن ابن عباس: أن إسرائيل أخذَه عرق النسا، فكانَ يبيت بالليل له زُقاء = يعني: صياح = قال: فجعل على نفسه لئن شفاه الله منه لا يأكله = يعني: لحوم الإبل = قال: فحرمه اليهود، وتلا هذه الآية:"كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، أي: إن هذا قبل التوراة.

٧٤١٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في:"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه" قال، حرّم العروقَ ولحوم الإبل. قال: كان به عرق النسا، فأكل من لحومها فباتَ بليلةٍ يَزْقُو، فحلف أن لا يأكله أبدا.

٧٤١٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد في قوله:"إلا ما حرم إسرائيل على نفسه". قال: حرم لحم الأنعام. [[في المطبوعة: "لحوم الأنعام"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

قال أبو جعفر: [[في المخطوطة: "قال أبو جعفر رضي الله عنه".]] وأولى هذه الأقوال بالصواب، قولُ ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد عنه: أنّ ذلك، العروقُ ولحوم الإبل، لأنّ اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلُها. وقد روي عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك خبر، وهو: ما:-

٧٤٢٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسولَ الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أيّ الطعام حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله ﷺ: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرضَ مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقْمه ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. [[الأثر: ٧٤٢٠- هذا مختصر الأثر السالف رقم: ١٦٠٥، وإسناده صحيح، وقد مضى تخريجه هناك.]]

* *

وأما قوله:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين"، فإن معناه: قل، يا محمد، للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها =:"ائتوا بالتوراة فاتلوها"، يقول: قل لهم: جيئوا بالتوراة فاتلوها، حتى يتبين لمن خفى عليه كذبهم وقيلهم الباطلَ على الله من أمرهم: أن ذلك ليس مما أنزلته في التوراة ="إن كنتم صادقين"، يقول: إن كنتم محقين في دعواكم أنّ الله أنزل تحريمَ ذلك في التوراة، فأتونا بها، فاتلوا تحريمَ ذلك علينا منها.

* *

وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدًا على صحته، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيَّه ﷺ، وجعل إعلامه إياه ذلك حجةً له عليهم. لأن ذلك إذْ كان يخفى على كثير من أهل ملتّهم، فمحمد ﷺ وهو أميٌّ من غير ملتهم، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده = كان أحرَى أن لا يعلمَه. فكان ذلك له ﷺ، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فكان في ذلك له ﷺ"، و"في" زيادة لا شك فيها من سبق قلم الناسخ.]] من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله ﷺ، إليهم. لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفيِّ عُلومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فمن كذَب على الله منا ومنكم، من بعد مجيئكم بالتوراة، وتلاوتكم إياها، وَعَدَمِكم ما ادّعيتم من تحريم الله العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها فيها ="فأولئك هم الظالمون" يعني: فمن فعل ذلك منهم ="فأولئك"، يعني: فهؤلاء الذين يفعلون ذلك ="هم الظالمون"، يعني: فهم الكافرون، القائلون على الله الباطل، كما:-

٧٤٢١- حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن زكريا، عن الشعبي:"فأولئك هم الظالمون" قال، نزلت في اليهود.

القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل"، يا محمد ="صدق الله"، فيما أخبرنا به من قوله:"كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل"، وأن الله لم يحرم على إسرائيل ولا على ولده العروقَ ولا لحومَ الإبل وألبانَها، وأنّ ذلك إنما كان شيئًا حرّمه إسرائيل على نفسه وَوَلده بغير تحريم الله إياه عليهم في التوراة = وفي كل ما أخبر به عباده من خبر، [[في المخطوطة"في كل ما أخبر ... " بحذف الواو، والصواب ما في المطبوعة. وهو معطوف على قوله آنفا: "صدق الله فيما أخبرنا به ... ". وقوله: "دونكم"، سياقه"صدق الله ... دونكم"، يعني فأنتم غير صادقين.]] دونكم. وأنتم، يا معشر اليهود، الكذبةُ في إضافتكم تحريم ذلك إلى الله عليكم في التوراة، [[في المطبوعة: "أنتم يا معشر اليهود الكذبة ... " والصواب إثبات الواو كما في المخطوطة. وسياقه"وأنتم ... الكذبة ... المفترية ... " بالرفع فيهما، خبر"أنتم".]] المفتريةُ على الله الباطل في دعواكم عليه غير الحق ="فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين"، يقول: فإن كنتم، أيها اليهود، محقين في دعواكم أنكم على الدّين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورُسله ="فاتبعوا ملة إبراهيم"، خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضَاه الله منْ خلقه دينًا، وابتعث به أنبياءَه، ذلك الحنيفية -يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه- دون اليهودية والنصرانية والمشركة.

* *

وقوله:"وما كان من المشركين"، يقول: لم يكن يشرك في عبادته أحدًا من خلقه. فكذلك أنتم أيضًا، أيها اليهود، فلا يتخذ بعضكم بعضًا أربابًا من دون الله تطيعونهم كطاعة إبراهيم ربه = وأنتم يا معشرَ عبدة الأوثان، فلا تتخذوا الأوثان والأصنام أربابًا، ولا تعبدوا شيئًا من دون الله، فإن إبراهيم خليل الرحمن كان دينُه إخلاص العبادة لربه وحدَه، من غير إشراك أحد معه فيه. فكذلك أنتم أيضًا، فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا معه في العبادة أحدًا، فإن جميعكم مقرُّون بأنّ إبراهيم كان على حقّ وَهدْى مستقيم، فاتبعوا ما قد أجمع جميعُكم على تصويبه من ملته الحنيفية، ودعوا ما اختلفتم فيه من سائر الملل غيرها، أيها الأحزاب، فإنها بدَع ابتدعتموها إلى ما قد أجمعتم عليه أنه حق، فإن الذي أجمعتم عليه أنه صوابٌ وحق من ملة إبراهيم، هو الحق الذي ارتضيتُه وابتعثتُ به أنبيائي ورسلي، وسائرُ ذلك هو الباطل الذي لا أقبله من أحد من خلقي جاءَني به يوم القيامة.

* *

وإنما قال جل ثناؤه:"وما كان من المشركين"، يعني به: وما كان من عَدَدهم وأوليائهم. وذلك أن المشركين بعضهم من بعض في التظاهر على كفرهم. ونصرةِ بعضهم بعضًا. فبرأ الله إبراهيم خليله أن يكون منهم أو [من] نصرائهم وأهل ولايتهم. [[الزيادة بين القوسين يستقيم بها الكلام على وجهه.]] وإنما عنى جل ثناؤه بالمشركين، اليهودَ والنصارَى وسائر الأديان، غير الحنيفية. قال: لم يكن إبراهيم من أهل هذه الأديان المشركة، ولكنه كان حنيفًا مسلمًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: إنّ أول بيت وضع للناس، يُعبَد الله فيه مباركًا وهُدًى للعالمين، الذي ببكة. قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٢٢- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى عليّ فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أوّل بيت وُضع في الأرض؟ فقال: لا ولكنه أول بيت وضع في البرَكة مقامِ إبراهيم، ومن دَخَله كان آمنًا. [[الأثر ٧٤٢٢- هو مختصر الأثر السالف رقم: ٢٠٥٨، وفي المخطوطة والمطبوعة هنا أيضا"وضع في البركة"، كما كان في المطبوعة والمخطوطة هناك. ولكني صححته من المستدرك والدر المنثور: "فيه البركة"، غير أني أعود فأقول إني أرجح أن ما كان هناك صواب، وأنه غير مستساغ أن يكون هذا الخطأ قد تكرر في موضعين متباعدين من الكتاب. وإعراب الكلام فيما أرجح"مقام إبراهيم" بالجر، بدلا من"البركة"، على غير ما ضبطته هناك برفع"مقام إبراهيم". هذا، وقد مضى الكلام على رجال إسناده في الأثر السالف.]]

٧٤٢٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال: سمعت خالدَ بن عرعرة قال: سمعت عليًّا، وقيل له:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة"، هو أوّل بيت كان في الأرض؟ قال: لا! قال: فأين كان قَوْم نُوح؟ وأين كان قوم هود؟ قال: ولكنه أوّل بيت وُضع للناس مبارَكًا وهدًى. [[الأثر: ٧٤٢٣- مضى إسناده برقم: ٢٠٥٩، ولم يذكر لفظه. وقد مضى ذكر رجاله هناك.]]

٧٤٢٤- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال، سأل حفْصٌ الحسنَ وأنا أسمع عن قوله:"إنّ أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا" قال، هو أول مسجد عُبد الله فيه في الأرض.

٧٤٢٥- حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي قال، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب، عن مطر في قوله:"إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة" قال: قد كانت قبله بيوتٌ، ولكنه أول بيت وُضع للعبادة. [[الأثر: ٧٣٢٥-"عبد الجبار بن يحيى الرملي"، شيخ الطبري، لم أجد ترجمته في مكان. وسيأتي برقم: ٧٤٤٦.]]

٧٤٢٦- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن قوله:"إن أوّل بيت وضع للناس"، يُعبد الله فيه ="للذي ببكة".

٧٤٢٧- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا" قال، وضع للعبادة.

* *

وقال آخرون: بل هو أوّل بيت وضع للناس.

ثم اختلف قائلو ذلك في صفة وضعه أوّل.

فقال بعضهم: خُلق قبل جميع الأرَضين، ثم دُحِيت الأرَضون من تحته.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٢٨- حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا شيبان، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: خلق الله البيتَ قبل الأرض بألفي سنة، وكان -إذ كان عرشه على الماء- زَبْدةً [["الزبدة": الطائفة من زبد الماء، الأبيض الذي يعلوه.]] بيضاءَ، فدحيتُ الأرض من تحته.

٧٤٢٩- حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال: سمعت مجاهدًا يقول: إنّ أول ما خلق الله الكعبةَ، ثم دَحى الأرض من تحتها.

٧٤٣٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"إن أول بيت وضع للناس"، كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٠]

٧٤٣١- حدثني محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين"، أما"أول بيت"، فإنه يوم كانت الأرض ماء، كان زَبْدَة على الأرض، فلما خلق الله الأرضَ، خلق البيت معها، فهو أول بيت وضع في الأرض.

٧٤٣٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾ قال، أوّل بيت وَضَعه الله عز وجل، فطاف به آدم وَمنْ بعده.

* *

وقال آخرون: موضع الكعبة، موضع أوّل بيت وضعه الله في الأرض.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذُكر لنا أن البيتَ هبط مع آدم حين هبط، قال: أهبِط معك بيتي يُطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بَعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطوفان، زَمنَ أغرقَ الله قوم نوح، رَفعه الله وطهَّره من أن يصيبهُ عقوبة أهل الأرض، فصار معمورًا في السماء. ثم إنّ إبراهيم تتبع منه أثرًا بعد ذلك، فبناه على أساسٍ قديم كانَ قبله.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قال جل ثناؤه فيه: إن أول بيت مباركٍ وهُدًى وُضع للناس، للذي ببكة. ومعنى ذلك:"إن أول بيت وضع للناس"، أي: لعبادة الله فيه ="مباركًا وهدًى"، يعني بذلك: ومآبًا لنُسْك الناسكين وطواف الطائفين، تعظيما لله وإجلالا له ="للذي ببكة" = لصحة الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ وذلك ما:-

٧٤٣٤- حدثنا به محمد بن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال، قلت: يا رسول الله، أيُّ مسجد وضع أوّل؟ قال:"المسجد الحرام. قال: ثم أيٌّ؟ قال: المسجد الأقصى. قال: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. [[الحديث: ٧٤٣٤- سليمان: هو الأعمش. إبراهيم التيمي: هو إبراهيم بن يزيد بن شريك. مضى هو وأبوه في: ٢٩٩٨.

والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ١٦٦ - ١٦٧ (حلبى) ، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به، بزيادة في آخره.

ورواه أيضا ٥: ١٥٠، ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠ (حلبي) ، بأسانيد، عن الأعمش، مطولا. وكذلك رواه مسلم ١: ١٤٦ - ١٤٧، من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش.

وذكره ابن كثير ٢: ١٩٠، من رواية المسند (٥: ١٥٠) ، ثم قال: "وأخرجه البخاري، ومسلم - من حديث الأعمش، به". وذكره السيوطي ٢: ٥٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب.]]

* *

فقد بين هذا الخبر عن رسول الله ﷺ أنّ المسجد الحرام هو أوّل مسجد وضعه الله في الأرض، على ما قلنا. فأما في موضعه بيتًا، بغير معنى بيت للعبادة والهدى والبركة، [[في المطبوعة: "فأما في وضعه بيتا ... "، غيروا ما في المخطوطة وهو صواب.]] ففيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضَه في هذا الموضع، وبعضه في سورة البقرة وغيرها من سُور القرآن، وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٣: ٥٧ - ٦٤.]]

* *

وأما قوله:"للذي ببكة مباركا"،، فإنه يعني: للبيت الذي بمُزْدَحم الناس لطوافهم في حجهم وعمَرهم.

* *

وأصل"البكّ": الزحم، يقال: منه:"بكّ فلانٌ فلانًا" إذا زحمه وصدمه -"فهو يَبُكه بَكًّا، وهم يتباكُّون فيه"، يعني به: يتزاحمون ويتصادمون فيه. فكأن"بَكَّة""فَعْلة" من"بَكَّ فلان فلانًا" زحمه، سُميت البقعة بفعل المزدحمين بها.

* *

فإذا كانت"بكة" ما وصفنا، وكان موضع ازدحام الناس حَوْل البيت، وكان لا طوافَ يجوز خارج المسجد = كان معلومًا بذلك أن يكون ما حَوْل الكعبة من داخل المسجد، وأن ما كان خارجَ المسجد فمكة، لا"بكة". لأنه لا معنى خارجَه يوجب على الناس التَّباكَّ فيه. وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك فسادُ قول من قال:"بكة" اسم لبطن"مكة"، ومكة اسم للحرم. [[انتهى جزء من التقسيم القديم، وفي المخطوطة ما نصه:

"يتلوهُ ذكر مَنْ قال في ذلك ما قُلنا من أن بكة موضع مزدحم الناس للطواف والحمد لله على عونه وإحسانه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا" ثم يتلوه ما نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

ربّ يَسِّر

أَخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان البغدادي قال حدثنا محمد بن جرير" فأعاد إسناد المخطوطة التي نقل عنها، كما سلف في تعليقنا ٦: ٤٩٥، ٤٩٦ رقم: ٥، وهذا هو الموضع الثاني لذكر هذا الإسناد الجديد.]] .

* *

ذكر من قال في ذلك ما قلنا: من أن"بكة" موضع مزدحم الناس للطواف:

٧٤٣٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال،: حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك الغفاري في قوله:"إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة" قال،"بكة" موضع البيت،"ومكة" ما سوى ذلك.

٧٤٣٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم مثله.

٧٤٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن أبي جعفر قال: مرت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي وهي تطوف بالبيت، فدفعها. قال أبو جعفر: إنها بَكَّةٌ، يبكّ بعضُها بعضًا.

٧٤٣٨- حدثنا ابن المثني قال: حدثنا عبد الصمد قال،: حدثنا شعبة قال، حدثنا سلمة، عن مجاهد قال: إنما سميت"بكة"، لأن الناس يتباكُّون فيها، الرجالَ والنساءَ.

٧٤٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد قال، قلت لأي شيء سُميت"بكة"؟ قال: لأنهم يتباكُّون فيها =قال: يعني: يزدحمون. [[في المطبوعة: "يتزاحمون"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

٧٤٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، عن أبيه، عن ابن الزبير قال، إنما سميت"بكة"، لأنهم يأتونها حُجّاجًا. [[الأثر: ٧٤٤٠-"الأسود بن قيس العبدي"، روى عن أبيه وجماعة، وروى عنه شعبة والثوري وشريك وغيرهم. وأبوه: "قيس العبدي" الكوفي، مترجم في الكبير ٤ / ١ / ١٤٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عن أخيه"، وهو تصحيف والصواب ما أثبت.]]

٧٤٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إنّ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا"، فإن الله بَكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساءُ قدّام الرجال، ولا يصلح ببلد غيره.

٧٤٤٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"بكة"، بكّ الناس بعضهم بعضًا، الرجال والنساء، يصلي بعضُهم بين يدَيْ بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة.

٧٤٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال:"بكة"، موضع البيت، و"مكة": ما حولها.

٧٤٤٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يحيى بن أزهر، عن غالب بن عبيد الله: أنه سأل ابن شهاب عن"بكة" قال،"بكة" البيت، والمسجد. وسأله عن"مكة"، فقال ابن شهاب:"مكة": الحرم كله.

٧٤٤٥- حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن عطاء ومجاهد قالا"بكة": بكّ فيها الرجالَ والنساءَ.

٧٤٤٦- حدثني عبد الجبار بن يحيى الرملي. قال: قال ضمرة بن ربيعة،"بكة": المسجد،. و"مكة": البيوت. [[الأثر: ٧٤٤٦-"عبد الجبار بن يحيى الرملي" شيخ الطبري، مضى برقم: ٧٤٢٥.]]

* *

وقال بعضهم بما:-

٧٤٤٧- حدثني به يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"إن أوّل بيت وُضع للناس للذي ببكة" قال، هي مكة.

* *

وقيل:"مباركًا"، لأن الطواف به مغفرةٌ للذنوب. [[هذا كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٢٢٧.]]

* *

فأما نصب قوله:"مباركا"، فإنه على الخروج من قوله:"وضع"، لأن في"وضع" ذكرًا من"البيت" هو به مشغول، وهو معرفة، و"مبارك" نكرة لا يصلح أن يتبعه في الإعراب. [["الخروج" هنا، كأنه الحال، وقد سلف في ٥: ٢٥٣، ٢٥٤ ما يشبه أن يكون أيضا بمعنى الحال. وانظر ما سلف ٦: ٥٨٦"أن الحال يجيء بعد فعل قد شغل بفاعله، فينصب كما ينصب المفعول الذي يأتي بعد الفعل الذي شغل بفاعله".]]

* *

وأما على قول من قال:"هو أول بيت وضع للناس"، على ما ذكرنا في ذلك قولَ من ذكرنا قوله، فإنه نصبٌ على الحال من قوله:"للذي ببكة". لأن معنى الكلام على قولهم: إن أول بيت وضع للناس البيتُ [الذي] ببكة مباركًا. فـ "البيت" عندهم من صفته"الذي ببكة"، و"الذي" بصلته معرفته، و"المبارك" نكرة، فنصب على القطع منه، في قول بعضهم = وعلى الحال في قول بعضهم. [["القطع" كأنه باب من الحال، انظر ما سلف ٦: ٢٧٠، ٣٧١، ٤١٥ وما قبلها في فهرس المصطلحات من الأجزاء السالفة.]] و"هدى" في موضع نصب على العطف على قوله"مباركا".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك،

فقرأه قرأة الأمصار: ﴿فِيهِ أيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ على جماع"آية"، بمعنى: فيه علامات بيناتٌ.

* *

وقرأ ذلك ابن عباس. ﴿فِيهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ﴾ ، يعني بها: مقام إبراهيم، يراد بها: علامة واحدةٌ.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"فيه آيات بينات" وما تلك الآيات؟. فقال بعضهم: مقامُ إبراهيم والمشعرُ الحرام، ونحو ذلك.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٤٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فيه آيات بينات"، مقامُ إبراهيم، والمشعر.

٧٤٤٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة ومجاهد:"فيه آيات بينات مَقامُ إبراهيم" قال، مقامُ إبراهيم، من الآيات البينات. [[في المخطوطة والمطبوعة: "إسحاق بن يحيى"، والصواب"الحسن بن يحيى"، وهو إسناد يدور دورانًا في التفسير أقربه رقم: ٧٤٤٢.]]

* *

وقال آخرون:"الآيات البينات"، مقام إبراهيم ="ومن دخله كانَ آمنا".

ذكر من قال ذلك:

٧٤٥٠- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"فيه آيات بينات" قال،"مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا".

وقال آخرون:"الآيات البينات"، هو مقام إبراهيم.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٥١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قوله:"فيه آيات بَينات مقام إبراهيم" أما"الآيات البينات" فمقام إبراهيم.

* *

قال أبو جعفر: وأما الذين قرأوا ذلك:"فيه آية بينة" على التوحيد، فإنهم عنوا بـ "الآية البينة"، مقام إبراهيم.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٥٢- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فيه آية بينة"، [[في المخطوطة والمطبوعة: "فيه آيات بينات"، وهو هنا يذكر قول مجاهد في قراءة ابن عباس على الإفراد، فكتبها الناسخ على قراءته بالجمع. ورددتها إلى ما ينبغي، ودليل ذلك السهو من الناسخ في الأثر التالي.]] قال: قدمَاه في المقام آية بينة. يقول:"ومن دخله كان آمنا" قال، هذا شيء آخر.

٧٤٥٣- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد:"فيه آية بينة مقام إبراهيم" قال، أثر قدميه في المقام، آية بينة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، قول من قال:"الآيات البينات، منهنّ مقام إبراهيم"، وهو قول قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما. فيكون الكلام مرادًا فيه"منهن"، فترك ذكرُه اكتفاء بدلالة الكلام عليها.

* *

فإن قال قائل: فهذا المقامُ من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل:"آيات بينات"؟

قيل: منهنّ المقام، ومنهن الحجرُ، ومنهن الحطيمُ.

* *

وأصحّ القراءتين في ذلك قراءة من قرأه: [[في المطبوعة: "من قرأ". وأثبت ما في المخطوطة.]] "فيه آياتٌ بيناتٌ"، على الجماع، لإجماع قرأة أمصار المسلمين على أن ذلك هو القراءة الصحيحة دون غيرها.

* *

وأما اختلاف أهل التأويل في تأويل:"مقام إبراهيم"، فقد ذكرناهُ في"سورة البقرة"، وبينا أولى الأقوال بالصواب فيه هنالك، وأنه عندنا المقامُ المعروف به. [[انظر ما سلف ٣: ٣٣-٣٧.]]

* *

فتأويل الآية إذًا: إن أول بيت وُضع للناس مباركًا وهدًى للعالمين، للَّذي ببكة، فيه علاماتٌ بيناتٌ من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم، منهن أثر قَدَم خليله إبراهيم ﷺ في الحجر الذي قامَ عليه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: الخبرُ عن أنّ كل من جرّ في الجاهلية جريرةً ثم عاذَ بالبيت، لم يكن بها مأخوذًا.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٥٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ومن دخله كان آمنا"، وهذا كان في الجاهلية، كان الرّجل لو جرّ كل جريرة على نفسه، ثم لجأ إلى حَرَم الله، لم يُتناول ولم يُطلب. فأما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، مَنْ سَرَق فيه قطع، ومن زَنى فيه أقيمَ عليه الحدّ، ومن قَتل فيه قُتل = وعن قتادة: أن الحسن كان يقول: إنّ الحرم لا يمنع من حدود الله. لو أصاب حدًّا في غير الحرم، فلجأ إلى الحرم، لم يمنعه ذلك أن يُقام عليه الحدّ.

* *

ورأى قتادةُ ما قاله الحسن.

٧٤٥٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"ومن دخله كان آمنًا" قال، كان ذلك في الجاهلية.

فأما اليوم، فإن سرق فيه أحدٌ قطع، وإن قتل فيه قُتل، ولو قدِر فيه على المشركين قتِلوا.

٧٤٥٦- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب قال، حدثنا خصيف، عن مجاهد = في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم = قال: يؤخَذ، فيخرج من الحرم، ثم يقام عليه الحد. يقول: القتل.

٧٤٥٧- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، مثل قول مجاهد.

٧٤٥٨- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا هشام، عن الحسن وعطاء = في الرجل يصيب الحدّ ويلجأ إلى الحرم = يُخرج من الحرم، فيقامُ عليه الحد.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على قول هؤلاء: فيه آيات بينات مقامُ إبراهيم، والذي دخله من الناس كان آمنًا بها في الجاهلية.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن يَدْخله يكن آمنًا بها = بمعنى الجزاء، كنحو قول القائل."من قامَ لي أكرمته"، بمعنى: من يَقم لي أكرمه. وقالوا: هذا أمرٌ كان في الجاهلية، كان الحرمُ مَفزَع كل خائف. وملجأ كل جانٍ، لأنه لم يكن يُهاج به ذو جريرة، ولا يَعرِض الرّجل فيه لقاتل أبيه وابنه بسوء. قالوا: وكذلك هو في الإسلام، لأن الإسلام زادَه تعظيمًا وتكريمًا.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٥٩- حدثني محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا مجاهد قال، قال ابن عباس: إذا أصاب الرجل الحدَّ: قتل أو سرق، فدخل الحرم، لم يُبايع ولم يُؤوَ، حتى يتبرّم فيخرج من الحرم، فيقام عليه الحد. قال. فقلت لابن عباس: ولكني لا أرَى ذلك! أرى أن يؤخذ برمُتّه، [[الرمة (بضم الراء وتشديد الميم المفتوحة) : قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القتل للقود. وقوله: أخذ برمته (بالبناء للمجهول) : أي أخذ قسرًا حتى يقتل.]] ثم يخرج من الحرَم، فيقام عليه الحد، فإن الحرم لا يزيده إلا شدّة.

٧٤٦٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الملك، عن عطاء قال: أخذَ ابن الزبير سعدًا مولى معاوية -وكان في قلعة بالطائف- فأرسل إلى ابن عباس من يُشاوره فيهم: إنهم لنا عَدوّ. [[في المطبوعة"لنا عين"، ولا معنى لها. وفي المخطوطة: "لنا عرق"، ولم أجد لها وجهًا، وهي مصحفة، فرأيت أن أقرب ذلك إليها"عدو" فأثبتها، مع مخافتي أن لا تكون كذلك.]] فأرسل إليه ابن عباس: لو وجدت قاتل أبي لم أعرض له. قال: فأرسل إليه ابن الزبير: ألا نخرجهم من الحرم؟ قال: فأرسل إليه ابن عباس: أفلا قبل أن تدخلهم الحرم؟ = زاد أبو السائب في حديثه: فأخرجهم فصلبهم، ولم ينظر إلى قول ابن عباس. [[في المطبوعة: "ولم يصغ إلى قول ابن عباس"، وفي المخطوطة"لم ينطق إلى قول ابن عباس" وهي لا معنى لها، وهي مصحفة، وأقرب ما يكون صوابها، هو ما أثبته.

هذا ولم أجد هذا الأثر في مكان بعد الجهد، وقد أشاروا إلى خبر ابن عباس وابن الزبير في كثير من الكتب، ولكنهم لم يأتوا فيه بهذا النص. وقد روى الأزرقي في أخبار مكة ٢: ١١١ معنى هذا الأثر فقال: "حدثنا أبو الوليد، قال حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء: أنكر ابن عباس قتل ابن الزبير سعدًا مولى عتبة وأصحابه ... " ولم يقل"مولى معاوية". وأخشى أن يكون"مولى عتبة"، يعني: عتبة بن أبي سفيان. وقد ذكر الطبري سعدًا مولى معاوية في تاريخه ٦: ١٨٣، ١٨٤ فقال: "وكان على حجابه سعد مولاه". وهذا يحتاج إلى تحقيق لم يتيسر لي عند كتابة هذا. فأرجو أن أبلغ منه ما أريد إن شاء الله.]]

٧٤٦١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: من أحدَثَ حَدَثًا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم لم يُعرَض له، ولم يبايع، ولم يكلَّم، ولم يؤوَ حتى يخرج من الحرم. فإذا خرج من الحرم، أخذ فأقيم عليه الحد. قال: ومن أحدث في الحرم حدَثًا أقيم عليه. [[في المطبوعة: "أقيم عليه الحد"، زاد"الحد"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب.]]

٧٤٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن نَصر السّلمي، عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: من أحدث حدَثًا ثم استجار بالبيت فهو آمن، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج. فإذا خَرَج أقاموا عليه الحدّ. [[الأثر: ٧٤٢٦-"إبراهيم بن إسماعيل بن نصر السلمي" هو التبان، مضى في مثل هذا الإسناد رقم: ٣٤٣٩، ٣٤٨٤، ٣٥٢١."وابن أبي حبيبة"، هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي. مضى فيها وفي رقم: ٤٣١٩.]]

٧٤٦٣- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حجاج، عن عطاء عن ابن عمر قال: لو وجدتُ قاتل عمر في الحرَم، ما هِجْتُه.

٧٤٦٤- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا ليث، عن عطاء: أن الوليد بن عتبة أراد أن يُقيم الحدّ في الحرم، فقال له عُبيد بن عمير: لا تقم عليه الحد في الحرَم إلا أن يكون أصابه فيه.

٧٤٦٥- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا مطرف، عن عامر قال: إذا أصاب الحدّ ثم هرب إلى الحرم، فقد أمن فإذا أصابه في الحرم، أقيم عليه الحدُّ في الحرم.

٧٤٦٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن فراس، عن الشعبي قال: من أصاب حدًّا في الحرم أقيم عليه في الحرم. ومن أصابه خارجًا من الحرم ثم دخل الحرم، لم يكلَّم ولم يبايع حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه.

٧٤٦٧- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير = وعن عبد الملك، عن عطاء بن أبي رباح = في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم = قال: لا يبيعه أهلُ مكة ولا يشترون منه، ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤونه = عد أشياء كثيرة = حتى يخرج من الحرَم، فيؤخذ بذنبه.

٧٤٦٨- حدثت عن عمار قال،: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنّ الرجل إذا أصاب حدًّا ثم دخل الحرم، أنه لا يُطعَم، ولا يُسقى، ولا يؤوَى، ولا يكلَّم، ولا ينكح، ولا يبايع. فإذَا خرج منه أقيم عليه الحد.

٧٤٦٩- حدثني المثني قال، حدثني حجاج قال،: حدثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إذا أحدث الرجل حدَثًا ثم دخل الحرم، لم يؤْوَ، ولم يجالس، ولم يبايع، ولم يطعَم، ولم يُسْق، حتى يخرج من الحرَم.

٧٤٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

٧٤٧١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله:"ومن دخله كان آمنًا"، فلو أنّ رجلا قتلَ رجلا ثم أتى الكعبة فعاذّ بها، ثم لقيه أخو المقتول لم يحلّ له أبدًا أن يقتله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخله يَكن آمنًا من النار.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٧٢- حدثنا علي بن مسلم قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا رزيق بن مسلم المخزومي قال، حدثنا زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة في قوله:"ومن دخله كان آمنًا" قال، آمنًا من النار. [[الخبر: ٧٤٧٢- هذا أثر ليس بحجة في نفسه على أحد. هو قول في معنى الآية قاله تابعي، رأي من الآراء. فإن يحيى بن جعدة بن هبيرة القرشي المخزومي: تابعي ثقة. ولكنه في هذا الخبر لم يرو شيئًا عن غيره. إنما المشكل هنا رجال الإسناد!

رزيق بن مسلم المخزومي: هكذا ثبت هنا في المطبوعة والمخطوطة، ولكن المخطوطة لم تنقط فيها الزاي، فاحتمل أن يكون"رزيق" بتقديم الراء، أو "زريق" بتقديم الزاي. ووقع في ابن كثير ٢: ١٩٣، نقلا عن إسناد هذا الأثر من تفسير ابن أبي حاتم"زريق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم" - بتقديم الزاي. وليست مطبوعة ابن كثير بعمدة في التصحيح.

ولم أجد لهذا الرجل ترجمة بعد طول البحث والعناء. إلا أن الحافظ الذهبي فرق في المشتبه، ص: ٢٢٠ - ٢٢٤ بين تقديم الراء وتأخيرها في هذا الرسم، مستوعبًا كل الأعلام فيه أو يكاد. وتبعه الحافظ في تحرير المشتبه (مخطوط) . وزاد عليه ما فاته. فقال الذهبي -في تقديم الراء-: "ورزيق بن هشام، عن زياد بن أبي عياش". ثم ذكر آخر، ثم قال: "ورزيق الأعمى، عن أبي هريرة. واه". وهذا الواهي مترجم بإيجاز في لسان الميزان. ولم أستطع الجزم بأن هذين أو أحدهما هو المذكور في هذا الإسناد. فإن اتفاق روايتي الطبري وابن أبي حاتم على تسميته"رزيق بن مسلم" - يبعد معه الظن بتحريفه عن"رزيق بن هشام". ولكن اتفاق اسم شيخه عند ابن أبي حاتم مع ما ذكره الذهبي يكاد يرجح أنه هو.

وأما ترجيح أنه بتقديم الراء، خلافًا لما ثبت في مطبوعة ابن كثير، فمرده إلى ارتفاع الثقة بتصحيحها.

وشيخه"زياد بن أبي عياش": لم أجد له ترجمة أيضًا، إلا ذكره في المشتبه والتحرير. وثبت في مطبوعة الطبري هنا"زياد بن أبي عياض"، بالضاد. وهو تحريف، صوابه ما في ابن كثير عن إسناد ابن أبي حاتم. وكذلك ثبت في مخطوطة الطبري، ولكن بدون نقط على الشين، كأنه"عباس". وهو خطأ واضح، أو تساهل في إعجام الحرف. ورجح إعجامه ثبوته بالشين معجمة في المشتبه والتحرير. وزادنا توثيقًا الحافظ حين نص عليه في تحرير المشتبه، فقال فيما زاده على الذهبي استكمالا لمن عرف باسم"عياش"-: "وزياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة".]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول ابن الزبير ومجاهد والحسن، ومن قال:"معنى ذلك: ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذًا به، كان آمنًا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد، إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه. وإن كان أصابه فيه أقيمَ عليه فيه".

* *

فتأويل الآية إذا: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومن يدخله من الناس مستجيرًا به، يكن آمنًا مما استجارَ منه ما كان فيه، حتى يخرج منه.

* *

فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الحد عليه فيه؟

قيل: لاتفاق جميع السلف على أنّ من كانت جريرته في غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فيه. وإنما اختلفوا في صفة إخراجه منه لأخذه بها.

فقال بعضهم: صفة ذلك: منعه المعانىَ التي يضطرّ مع منعه وفقدِه إلى الخروج منه.

وقال آخرون: لا صفة لذلك غيرُ إخراجه منه بما أمكن إخراجه من المعاني التي تُوصِّل إلى إقامة حدّ الله معها.

فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الحد عليه فيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الحدّ فيه، فإنه لا خلاف بين الجميع في أنه يقامُ عليه فيه الحد. فكلتا المسألتين أصل مُجمَع على حكمهما على ما وصفنا.

* *

فإن قال لنا قائل: وما دِلالتك على أن إخراج العائذ بالبيت =إذا أتاه مستجيرًا به من جريرة جرّها. أو من حدٍّ أصابه= من الحرم، جائزٌ لإقامة الحد عليه، وأخذه بالجريرة، وقد أقررتَ بأن الله عز وجل قد جَعل من دخله آمنًا، ومعنى"الآمن" غير معنى"الخائف"؟ فبما هما فيه مختلفان؟ [[في المطبوعة: "فيما هما فيه مختلفان"، وفي المخطوطة"فيما" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبته، على الاستفهام. يقول: فيم يختلف معنى الآمن ومعنى الخائف في الحرم؟]] .

قيل: قلنا ذلك، لإجماع الجميع من المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أنّ إخراج العائذ به =من جريرة أصابها أو فاحشةٍ أتاها وجبتْ عليه بها عقوبة منه= ببعض معاني الإخراج لأخذه بما لزمه، واجبٌ على إمام المسلمين وأهلِ الإسلام معه. [[سياق هذه الجملة: " ... على أن إخراج العائذ به ... ببعض معاني الإخراج. . واجب على إمام المسلمين ... ".]]

وإنما اختلفوا في السبب الذي يُخرَج به منه.

فقال بعضهم: السبب الذي يَجوز إخراجه به منه: ترك جميع المسلمين مبايَعته وإطعامَه وسقيه وإيواءَه وكلامه، وما أشبه ذلك من المعاني التي لا قَرار للعائذ به فيه مع بعضها، فكيف مع جميعها؟

وقال آخرون منهم: بل إخراجه لإقامة ما لزمه من العقوبة، واجبٌ بكل معاني الإخراج.

=فلما كان إجماعًا من الجميع على أنّ حكم الله -فيمن عاذ بالبيت من حدّ أصابه أو جريرة جرّها- إخراجه منه، لإقامة ما فرض الله على المؤمنين إقامته عليه، ثم اختلفوا في السبب الذي يَجوز إخراجُه به منه = كان اللازم لهم ولإمامهم إخراجه منه بأيّ معنى أمكنهم إخراجه منه، حتى يقيموا عليه الحدّ الذي لزمه خارجًا منه إذا كان لجأ إليه من خارج، على ما قد بينا قبل.

* *

وبعدُ، فإن الله عز وجل لم يضع حدًّا من حُدُوده عن أحد من خلقه من أجل بُقعة وموضع صار إليها من لزمه ذلك،. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال:

٧٤٧٣-"إني حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة". [[الأثر: ٧٤٧٣- رواه أبو جعفر بغير إسناد، وهو حديث صحيح، ولفظه في مسلم: ٩: ١٣٤ والبخاري (الفتح ٤: ٢٩٠) .]]

* *

=ولا خلاف بين جميع الأمة أن عائذًا لو عَاذَ من عقوبة لزمته بحرَم النبي ﷺ، يؤاخذ بالعقوبة فيه. ولولا ما ذكرت من إجماع السلف على أنّ حرَم إبراهيم لا يقام فيه على من عاذَ به من عقوبة لزمته حتى يخرج منه ما لزمه، لكان أحقّ البقاع أن تؤدَّى فيه فرائض الله التي ألزمها عبادَه من قتل أو غيره، أعظم البقاع إلى الله، كحرم الله وحرَم رسوله ﷺ، ولكنا أمرنا بإخراج من أمرنا بإخراجه من حَرَم الله لإقامة الحد، لما ذكرنا من فعل الأمة ذلك وراثةً.

* *

فمعنى الكلام =إذ كان الأمر على ما وصفنا=: ومن دخله كان آمنًا ما كان فيه. فإذ كان ذلك كذلك، فمن لجأ إليه من عقوبة لزمته عائذًا به، فهو آمن ما كان به حتى يخرج منه، وإنما يصير إلى الخوف بعد الخروج أو الإخراج منه، فحينئذ هو غير داخله ولا هو فيه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وفرضٌ واجبٌ لله =على من استطاع من أهل التكليف السبيلَ إلى حجّ بيته الحرام= الحج إليه.

* *

وقد بينا فيما مضى معنى"الحج"، ودللنا على صحة ما قلنا من معناه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٣: ٢٢٨، ٢٢٩ / ٤: ٢١.]]

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل:"من استطاع إليه سبيلا"، وما السبيل التي يجبُ مع استطاعتها فرض الحج؟

فقال بعضهم: هي الزّاد والراحلة.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٧٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"من استطاع إليه سبيلا" قال، الزاد والراحلة.

٧٤٧٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عمرو بن دينار: الزاد والراحلة.

٧٤٧٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي جناب، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"من استطاع إليه سبيلا"، قال: الزاد والبعير. [[الأثر: ٧٤٧٦-"أبو جناب الكلبي". هو"يحيى بن أبي حية"، واسم"أبي حية" حي. روي عن أبيه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري وغيرهم. روى عنه الثوري، وابن عيينة، وهشيم، ووكيع وغيرهم. فتكلم فيه لأنه كان يدلس فأفسد أحاديثه، كان يحدث بما لم يسمع. مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "أبو خباب"، وهو خطأ، وفي المخطوطة: "أبو خباب" غير منقوطة.]]

٧٤٧٧- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، والسبيل، أن يصحّ بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يُجْحف به.

٧٤٧٨- حدثنا خلاد بن أسلم قال، حدثنا النضر بن شميل قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي عبد الله البجلي قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله:"من استطاع إليه سبيلا"، قال قال ابن عباس: من ملك ثلثمائة درهم فهو السبيل إليه.

٧٤٧٩- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو عاصم، عن إسحاق بن عثمان قال: سمعت عطاء يقول: السبيلُ، الزاد والراحلة.

٧٤٨٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"من استطاع إليه سبيلا"، فإن ابن عباس قال: السبيلُ، راحلةٌ وزادٌ.

٧٤٨١- حدثني المثني وأحمد بن حازم قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير:"من استطاع إليه سبيلا"، قال: الزاد والراحلة.

٧٤٨٢- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، أخبرنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، قال: الزادُ والراحلة.

٧٤٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحسن قال: قرأ النبي ﷺ هذه الآية:"ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا"، فقال رجلٌ: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة.

* *

واعتل قائلو هذه المقالة بأخبار رويت عن رسول الله ﷺ بنحو ما قالوا في ذلك.

ذكر الرواية بذلك عن رسول الله ﷺ:

٧٤٨٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إبراهيم بن يزيد الخوزي قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث، عن ابن عمر قال: قام رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: ما السبيل؟ قال:"الزاد والراحلة". [[الحديث: ٧٤٨٤- إبراهيم بن يزيد المكي الخوزي: ضعيف جدًا. ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.

"الخوزي" بضم الخاء المعجمة: نسبة إلى"شعب الخوز بمكة"، كما في اللباب وغيره.

محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي: تابعي ثقة.

والحديث جزء من حديث مطول، رواه الترمذي ٤: ٨١ - ٨٢، عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي. وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه".

ورواه قبل ذلك ٢: ٧٩، مختصرًا، من طريق وكيع، عن إبراهيم بن يزيد، بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث حسن". ثم ذكر علته بإبراهيم الخوزي.

ورواه الشافعي في الأم ٢: ٩٩ -مطولا- عن سعيد بن سالم، عن إبراهيم الخوزي. وأشار إلى ضعف إسناده. ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى ٤: ٣٣٠.

ورواه ابن ماجه: ٢٨٩٦- مطولا أيضا - من طريق وكيع، عن إبراهيم الخوزي. وسيأتي عقب هذا، من رواية أبي حذيفة، عن سفيان، وهو الثوري، عن إبراهيم الخوزي.

وكذلك رواه البيهقي ٤: ٣٢٧، من طريق ثلاثة أحدهم أبو حذيفة، عن سفيان.

وذكره السيوطي ٢: ٥٥ - ٥٦، مطولا، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه.

وذكره ابن كثير ٢: ١٩٥ - ١٩٦، من رواية الترمذي المطولة. ثم أشار إلى روايته الأخرى، وإلى رواية ابن ماجه. ثم قال: "لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث. لكن قد تابعه غيره". ثم ذكره من رواية ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد العزيز بن عبد الله العامري، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن عبد الله بن عمر - بهذا الحديث نحوه، مختصرًا. ثم كر أنه"رواه ابن مردويه، من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، به".

وهذا الإسناد الآخر الذي نقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم وابن مردويه - ضعيف أيضا:

محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي المكي: ضعيف جدا. قال البخاري في الكبير ١ / ١ / ١٤٢: "ليس بذاك الثقة". وروى ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٣٠٠ عن ابن معين قال: "ليس حديثه بشيء". وقال النسائي في الضعفاء، ص ٢٦: "متروك الحديث". وانظر ترجمته في لسان الميزان ٥: ٢١٦ - ٢١٧.

وانظر الأحاديث الآتية: ٧٤٨٥ - ٧٤٩١.

وانظر أيضا قول الطبري، الآتي، ص: ٤٥، "أنها أخبار في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين".]]

٧٤٨٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن إبراهيم الخوزي، عن محمد بن عباد، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال في قوله عز وجل:"من استطاع إليه سبيلا"، قال: السبيل إلى الحج، الزاد والراحلة. [[الحديث: ٧٤٨٥- أبو حذيفة: هو النهدي البصري، موسى بن مسعود. وقد مضى توثيقه: ٢٨٠، ١٦٩٣.

سفيان: هو الثوري.

والحديث مكرر ما قبله. وقد بينا هناك أن البيهقي رواه ٤: ٣٢٧، من طريق أبي حذيفة -هذا- وغيره، عن الثوري.]]

٧٤٨٦- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا يونس =وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس= عن الحسن قال: قرأ رسول الله ﷺ:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قالوا: يا رسول الله، ما السبيل؟ قال."الزادُ والراحلة. [[الحديث: ٧٤٨٦- هذا حديث مرسل عن الحسن البصري.

وقد رواه الطبري هنا بإسنادين من طريق يونس، عن الحسن.

وسيأتي: ٧٤٨٨، ٧٤٩١، من رواية قتادة، عن الحسن.

ثم: ٧٤٩٠، من رواية قتادة وحميد، عن الحسن.

ورواه البيهقي ٤: ٣٢٧، ٣٣٠، بأسانيد، عن الحسن.

وذكره ابن كثير ٢: ١٩٦، من رواية الطبري عن يعقوب، التي هنا - ثم قال: "ورواه وكيع في تفسيره، عن سفيان، عن يونس، به".

وذكره السيوطي ٢: ٥٦، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والدارقطني. ونسي أن ينسبه لوكيع.

ونقل الحافظ في التلخيص، ص: ٢٠٢، عن أبي بكر بن المنذر، قال: "لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا. والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة". يريد أن أسانيدها إلى الحسن أسانيد صحاح، لا أن الحديث المرسل صحيح، لأنه لا شك في ضعف الأحاديث المراسيل.]]

٧٤٨٧- حدثنا أبو عثمان المقدمي والمثني بن إبراهيم قالا حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي قال: حدثنا أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: من ملك زادًا وراحلةً تبلغه إلى بيت الله فلم يحجّ فلا عليه أن يموتَ يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك أن الله عز وجل يقول في كتابه:"ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا" الآية. [[الحديث: ٧٤٨٧- مسلم بن إبراهيم: هو الأزدي الفراهيدي الحافظ. مضى في: ١٢١٩. هلال بن عبد الله، أبو هاشم، مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي: ضعيف جدًا. قال البخاري"منكر الحديث". وقال الترمذي: "مجهول". ولم يذكروا له رواية إلا هذا الحديث. ولذلك أشار إليه المزي في التهذيب، والذهبي في الميزان. وقال ابن عدي: "هو معروف بهذا الحديث، وليس هو بمحفوظ".

ووقع اسم أبيه في المطبوعة"عبيد الله". وهو خطأ، صوابه"عبد الله" بالتكبير.

أبو إسحاق: هو السبيعي الهمداني.

الحارث: هو ابن عبد الله الأعور الهمداني. وهو ضعيف جدًا، كما بينا في: ١٧٤.

والحديث رواه الترمذي ٢: ٧٨، عن محمد بن يحيى القطعي، عن مسلم بن إبراهيم، بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفي إسناده مقال. وهلال بن عبد الله: مجهول. والحارث: يضعف في الحديث".

وسيأتي هذا الحديث: ٧٤٨٩، من رواية شاذ بن فياض، عن هلال أبي هاشم، بهذا

الإسناد.

وقد ذكره ابن كثير ٢: ١٩٧، من رواية ابن مردويه، من الوجهين اللذين رواه منهما الطبري: من رواية مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض.

ونقل عن ابن عدي قال: هذا الحديث ليس بمحفوظ".]]

٧٤٨٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: بلغنا أن نبي الله ﷺ قال له قائل، أو رجل: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال: من وجد زادًا وراحلةً.

٧٤٨٩- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال، حدثنا شاذ بن فياض البصري قال، حدثنا هلال أبو هاشم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: من ملك زادًا وراحلة فلم يحجّ ماتَ يهوديًّا أو نصرانيًّا. وذلك أن الله يقول في كتابه:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" الآية. [[الحديث: ٧٤٨٩- أحمد بن الحسن بن جنيدب، أبو الحسن الترمذي، الحافظ العلم الرحال: ثقة من أصحاب أحمد بن حنبل، ومن شيوخ البخاري والترمذي. مترجم في التهذيب وطبقات الحنابلة لأبي يعلى ١: ٣٧ - ٣٨، وتذكرة الحفاظ ٢: ١٠٦ - ١٠٧.

"جنيدب": بضم الجيم وفتح النون، وبعد الدال المهملة باء موحدة. ووقع في تذكرة الحفاظ"جنيد" بحذف الباء، وهو خطأ طابع أو ناسخ، وثبت على الصواب في التهذيب، وأصله"تهذيب الكمال" مخطوط، والتقريب، والخلاصة.

شاذ بن فياض اليشكري، أبو عبيدة البصري: ثقة، وثقه أبو حاتم وغيره. وتكلم فيه بعضهم بغير حجة. واسمه"هلال بن فياض"، و"شاذ": لقب غلب عليه. وقد ترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٢١١، والصغير، ص: ٢٣٨، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٧٨ - في اسم"هلال".

هلال أبو هاشم: هو"هلال بن عبد الله، مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي" - كما بينا في: ٧٤٨٧. وثبت هنا في المطبوعة"هلال بن هشام". وهو خطأ واضح.

والحديث مكرر: ٧٤٨٧، وقد أشرنا إليه هناك. وذكر ابن كثير ٢: ١٩٧، أن ابن أبي حاتم رواه"عن أبي زرعة الرازي، حدثنا هلال بن الفياض، حدثنا هلال أبو هاشم ... " - إلخ"]]

٧٤٩٠- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة وحميد، عن الحسن، أن رجلا قال: يا رسول الله، ما السبيل إليه؟ قال: الزاد والراحلة.

٧٤٩١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ، مثله.

* *

وقال آخرون: السبيل التي إذا استطاعها المرء كان عليه الحج: الطاقةُ للوصول إليه. قالوا: [[في المخطوطة والمطبوعة: "قال"، والسياق بعد يقتضي ما أثبت.]] وذلك قد يكون بالمشي وبالركوب، وقد يكون مع وجودهما العجز عن الوصول إليه: بامتناع الطريق من العدوّ الحائل، وبقلة الماء، وما أشبه ذلك. قالوا: فلا بيان في ذلك أبين مما بيَّنه الله عز وجل، بأن يكون مستطيعًا إليه السبيل، وذلك: الوصولُ إليه بغير مانع ولا حائل بينه وبينه، وذلك قد يكون بالمشي وحده وإنْ أعوزَه المركب، وقد يكون بالمركب وغير ذلك.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٩٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن خالد بن أبي كريمة، عن رجل، عن ابن الزبير قوله:"ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا" قال: على قدر القوة.

٧٤٩٣- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"من استطاع إليه سبيلا"، قال: الزاد والراحلة، فإن كان شابًّا صحيحًا ليس له مال، فعليه أن يُؤاجر نفسه بأكله وغُفَّته حتى يقضي حجته به، [[في المطبوعة: "بأكله وعقبه حتى يقضي حجته"، وليس فيها"به"، وهي في المخطوطة، ومثل هذا في تفسير القرطبي ٤: ١٤٨، إلا أنه قال: "بأكله أو عقبه"، ولم أجد لذلك معنى. وهي في المخطوطة"وعفته" غير منقوطة، فاستظهرت قراءتها"وغفته". والغفة (بضم الغين، وتشديد الفاء المفتوحة) : البلغة من العيش والقليل منه. وهي هنا أنسب معنى، فأثبتها كذلك.]] فقال له قائل: كلَّف الله الناسَ أن يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أنّ لبعضهم ميراثًا بمكة، أكان تاركَه؟ والله لانطلق إليه ولو حَبوًا!! كذلك يجبُ عليه الحج.

٧٤٩٤- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: من وجد شيئًا يبلِّغه، فقد وَجد سبيلا كما قال الله عز وجل:."من استطاع إليه سبيلا".

٧٤٩٥- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو هانئ قال، سئل عامر عن هذه الآية:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"؟ قال: السبيلُ، ما يسَّره الله. [[الأثر: ٧٤٩٥-"أبو هانئ"، هو: "عمر بن بشير أبو هانئ الهمداني". مضت ترجمته رقم: ٤٤٢٢، و"عامر" هو: عامر الشعبي. وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا شيء عجيب، كان"قال حدثنا أبو هانئ، قال حدثنا سهل بن عامر"، زاد"حدثنا" وجعل"سئل"، "سهل" وزاد بعدها"بن"، فكان خلطًا عجبًا. وسيأتي على الصواب برقم: ٧٥١٦.]]

٧٤٩٦- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن: من وجد شيئًا يُبْلغه فقد استطاع إليه سبيلا.

* *

وقال آخرون: السبيلُ إلى ذلك: الصحةُ.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٩٧- حدثنا محمد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والمثني بن إبراهيم قالوا، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال، حدثنا حيوة بن شريح وابن لهيعة قالا أخبرنا شرحبيل بن شريك المعافري: أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول في هذه الآية:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قال: السبيلُ الصحةُ.

* *

وقال آخرون بما:-

٧٤٩٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله عز وجل:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قال: من وجد قُوّة في النفقة والجسد والحُمْلان. [[الحملان (بضم الحاء وسكون الميم) : ما يحمل عليه من الدواب.]] قال: وإن كان في جَسده ما لا يستطيع الحج، فليس عليه الحج، وإن كان له قوة في مال، كما إذا كان صحيحَ الجسد ولا يجد مالا ولا قوة، يقولون: لا يكلف أن يَمشي.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال بقول ابن الزبير وعطاء: إنّ ذلك على قدر الطاقة. لأن"السبيل" في كلام العرب: الطريقُ، فمن كان واجدًا طريقًا إلى الحج لا مانعَ له منه من زَمانة، أو عَجز، أو عدوّ، أو قلة ماء في طريقه، أو زاد، أو ضعف عن المشي، فعليه فرضُ الحج، لا يجزيه إلا أداؤه. فإن لم يكن واجدًا سبيلا =أعني بذلك: فإن لم يكن مطيقًا الحجَّ، بتعذُّر بعض هذه المعاني التي وصفناها عليه= فهو ممن لا يجدُ إليه طريقًا ولا يستطيعه. لأن الاستطاعة إلى ذلك، هو القدرة عليه. ومن كان عاجزًا عنه ببعض الأسباب التي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إليه السبيلَ.

وإنما قلنا: هذه المقالة أولى بالصحة مما خالفها، لأن الله عز وجل لم يخصُص، إذ ألزم الناسَ فرضَ الحج، بعض مستطيعي السبيل إليه بسقوط فرض ذلك عنه. فذلك على كل مستطيع إليه سبيلا بعموم الآية.

فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله ﷺ في ذلك بأنه:"الزاد والراحلة"، فإنها أخبار: في أسانيدها نظر، لا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدّين.

* *

قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة"الحج".

فقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل المدينة والعراق بالكسر: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ .

* *

وقرأ ذلك جماعة أخر منهم بالفتح: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ البَيْتِ﴾ .

* *

وهما لغتان معروفتان للعرب، فالكسر لغة أهل نجد، والفتح لغة أهل العالية. ولم نر أحدًا من أهل العربية ادّعى فرقًا بينهما في معنى ولا غيره، غير ما ذكرنا من اختلاف اللغتين؛ إلا ما:-

٧٤٩٩- حدثنا به أبو هشام الرفاعي قال، قال حسين الجعفي"الحَج". مفتوح، اسم،"والحِج" مكسورٌ، عمل. [[الأثر: ٧٤٩٩-"حسين الجعفي" هو: "حسين بن علي بن الوليد"، سلفت ترجمته برقم: ٢٩، ١٧٤، وفي المخطوطة والمطبوعة: "حسن الجعفي"، وهو خطأ.]]

* *

وهذا قول لم أرَ أهل المعرفة بلغات العرب ومعاني كلامهم يعرفونه، بل رأيتهم مجمعين على ما وصفت، من أنهما لغتان بمعنى واحد.

* *

والذي نقول به في قراءة ذلك: أنّ القراءتين =إذ كانتا مستفيضتين في قراءة أهل الإسلام، ولا اختلاف بينهما في معنى ولا غيره= فهما قراءتان قد جاءتا مجيءَ الحجة، فبأي القراءتين -أعني: بكسر"الحاء" من"الحج" أو فتحها- قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ في قراءته.

* *

وأما"مَنْ" التي مع قوله:"من استطاع"، فإنه في موضع خفض على الإبدال من"الناس". لأن معنى الكلام: ولله على من استطاع من الناس سبيلا إلى حجّ البيت، حَجُّه. فلما تقدم ذكر"الناس" قبل"مَنْ"، بيَّن بقوله:"من استطاع إليه سبيلا"، الذي عليه فرضُ ذلك منهم. لأن فرضَ ذلك على بعض الناس دون جميعهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن جَحد ما ألزمه الله من فرض حَجّ بيته، فأنكره وكفر به، فإن الله غنيّ عنه وعن حجه وعمله، وعن سائر خَلقه من الجن والإنس، كما:

٧٥٠٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن أبي المجالد قال، سمعت مقسمًا، عن ابن عباس في قوله:"ومن كفر"، قال: من زعم أنه ليس بفرض عليه.

٧٥٠١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا الحجاج، عن عطاء = وجويبر، عن الضحاك في قوله:"ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين"، قالا من جحد الحجّ وكفر به.

٧٥٠٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا هشيم، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء قال، من جحد به.

٧٥٠٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عمران القطان، يقول: من زعم أن الحجّ ليس عليه. [[الأثر: ٧٥٠٣-"عمران القطان" هو: "عمران بن داور العمي" أبو العوام القطان، كان من أخص الناس بقتادة. روى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وأبو داود الطيالسي، وأبو عاصم.]]

٧٥٠٤- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ومن كفر فإنّ الله غنيّ عن العالمين"، قال: من أنكره، ولا يَرَى أن ذلك عليه حقًّا، فذلك كُفرٌ.

٧٥٠٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن كفر"، قال: من كفر بالحج.

٧٥٠٦- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، قال: من كفر بالحج، كفر بالله.

٧٥٠٧- حدثني المثني قال، حدثنا يعلى بن أسد قال، حدثنا خالد، عن هشام بن حسان، عن الحسن في قول الله عز وجل:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومَنْ كفر"، قال: من لم يره عليه واجبًا. [[الأثر: ٧٥٠٧-"خالد"، هو"خالد بن الحارث الهجيمي". روي عن حميد الطويل وأيوب، وابن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، والفلاس وغيرهم.]]

٧٥٠٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن كفر"، قال: بالحج.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك:"أن لا يكون معتقِدًا في حجه أن له الأجرَ عليه، ولا أن عليه بتركه إثمًا ولا عقوبةً".

ذكر من قال ذلك:

٧٥٠٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني عبد الله بن مسلم، عن مجاهد في قوله:"ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين"، قال: هُو ما إن حجّ لم يره برًّا، وإن قعد لم يره مأثمًا.

٧٥١٠- حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: هو ما إنْ حجّ لم يره برًّا، وإن قعد لم يره مأثمًا.

٧٥١١- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فِطْر، عن أبي داود نفيع قال: قال رسول الله ﷺ:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين" فقام رجل من هذيل، فقال: يا رسول الله، من تركه كفر؟ قال: من تركه ولا يخاف عقوبته، ومن حجّ ولا يرجو ثوابه، فهو ذاك. [[الأثر: ٧٥١١-"أبو داود، نفيع"، هو: "نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى الهمداني القاص". روي عن عمران بن حصين ومعقل بن يسار وابن عباس وابن عمر. روى عنه أبو إسحاق والأعمش والثوري. قال أبو حاتم: "منكر الحديث ضعيف الحديث". وقال النسائي: "ليس بثقة، ولا يكتب حديثه". وقال ابن حبان: "يروى عن الثقات الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به" وقال ابن عبد البر: "أجمعوا على ضعفه، وكذبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه". مترجم في التهذيب. و"فطر" هو"فطر بن خليفة" مضى مرارًا. وكان في المطبوعة: "مطر"، والصواب من المخطوطة.]]

٧٥١٢- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، يقول: من كفر بالحج، فلم يَر حجه برًّا، ولا تركه مأثمًا.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بالله واليوم الآخر.

ذكر من قال ذلك:

٧٥١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قال: سألته عن قوله:"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، ما هذا الكفر؟ قال: من كفر بالله واليوم الآخر.

٧٥١٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله:"ومن كفر"، قال: من كفر بالله واليوم الآخر.

٧٥١٥- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، قال: لما نزلت آية الحج، جَمع رسول الله ﷺ أهلَ الأديان كلَّهم فقال: يا أيها الناس، إن الله عز وجل كتب عليكم الحج فحجُّوا، فآمنتْ به ملة واحدة، وهي من صدّق النبيّ ﷺ، وآمن به، وكفرَتْ به خمس ملل، قالوا: لا نؤمن به، ولا نصلي إليه، ولا نستقبله. فأنزل الله عز وجل:"ومن كفر فإنّ الله غني عن العالمين".

٧٥١٦- حدثني أحمد بن حازم قال، أخبرنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو هانئ قال، سئل عامر عن قوله:"ومن كفر"، قال: من كفر من الخلق، فإن الله غنيّ عنه. [[الأثر: ٧٥١٦- انظر إسناد الأثر السالف رقم: ٧٤٩٥ والتعليق عليه.]]

٧٥١٧- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان، عن إبراهيم، عن محمد بن عباد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في قول الله:"ومن كفر"، قال: من كفر بالله واليوم الآخر.

٧٥١٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عنْ ابن أبي نجيح، عن عكرمة مولى ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [سورة آل عمران: ٨٥] ، فقالت الملل: نحن مسلمون! فأنزل الله عز وجل:"ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، فحج المؤمنون، وقعد الكفار. [[الأثر: ٧٥١٨- مضى برقم: ٧٣٥٦.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن كفر بهذه الآيات التي في مقام إبراهيم.

ذكر من قال ذلك:

٧٥١٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، فقرأ:"إن أوّل بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركًا"، فقرأ حتى بلغ:"من استطاع إليه سبيلا ومن كفر"، قال: من كفر بهذه الآيات ="فإن الله غني عن العالمين"، ليس كما يقولون:"إذا لم يحج وكان غنيًّا وكانت له قوة"، فقد كفر بها. [[قوله: "فقد كفر بها"، أي بهذه الآيات المذكورة في الآية.]] وقال قوم من المشركين: فإنا نكفر بها ولا نفعل! فقال الله عز وجل:"فإن الله غني عن العالمين".

* *

وقال آخرون بما:-

٧٥٢٠- حدثني إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال، أخبرنا أبو عمر الضرير قال، حدثنا حماد، عن حبيب بن أبي بقية، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله:"ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"، قال: من كفر بالبيت. [[الأثر: ٧٥٢٠-"إبراهيم بن عبد الله بن مسلم"،، و"أبو عمر الضرير" وهو: "حفص بن عمر البصري" مضت ترجمتهما برقم: ٣٥٦٢، و"حماد"، هو"حماد بن سلمة". وأما "حبيب بن أبي بقية" ويقال: "حبيب بن أبي قريبة" فهو: "حبيب المعلم" أبو محمد البصري. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة: "ثقة"، وقال أحمد: "ما أحتج بحديثه". مترجم في التهذيب.]]

* *

وقال آخرون: كفره به: تركه إياه حتى يموت.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٢١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"من كفر"، فمن وجدَ ما يحج به ثم لا يحجَّ، فهو كافر.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بالصواب في ذلك قولُ من قال:"معنى"ومن كفر"، ومن جحد فرضَ ذلك وأنكرَ وُجوبه، فإن الله غني عنه وعن حَجه وعن العالمين جميعًا".

وإنما قلنا ذلك أولى به، لأن قوله:"ومن كفر" بعقب قوله:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا"، بأن يكون خبرًا عن الكافر بالحج، أحقُّ منه بأن يكون خبرًا عن غيره، مع أنّ الكافر بفرض الحج على مَن فرضه الله عليه، بالله كافر = وأن"الكفر" أصله الجحود، ومن كان له جاحدًا ولفرضه منكرًا، فلا شك إن حج لم يرجُ بحجه برًّا، وإن تركه فلم يحجّ لم يره مأثمًا. فهذه التأويلات، وإن اختلفت العبارات بها، فمتقاربات المعاني.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك: يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم من سائر من ينتحل الدِّيانة بما أنزلَ الله عز وجل من كتبه، ممن كفَر بمحمد ﷺ وجحد نبوَّته: ="لم تكفرون بآيات الله"، يقول: لم تجحدونُ حجج الله التي آتاها محمدًا في كتبكم وغيرها، التي قد ثبتت عليكم بصدقه ونبوَّته وحُجته. [[هذه العبارة، هي هي في المخطوطة والمطبوعة، وأنا في شك منها، وإن كانت قريبة من الاستقامة على بعض وجه الكلام.]] وأنتم تعلمون: يقول: لم تجحدون ذلك من أمره، وأنتم تعلمون صدقه؟ [[ظاهر أن أبا جعفر وهم، وترك تفسير بقية هذه الآية، وفسر مكانها"وأنتم تعلمون"، وهي ليست من هذه الآية في شيء.]] فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم متعمِّدون الكفر بالله وبرسوله على علم منهم، ومعرفةٍ من كفرهم، وقد:

٧٥٢٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله"، أما"آيات الله"، فمحمد ﷺ.

٧٥٢٣- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون"، قال: هم اليهودُ والنصارى.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر يهود بني إسرائيل وغيرهم ممن ينتحل التصديق بكتب الله: ="لم تصدُّون عن سبيل الله"، يقول: لم تضِلُّون عن طريق الله ومحجَّته التي شرَعها لأنبيائه وأوليائه وأهل الإيمان= [[انظر معنى"الصد" فيما سلف ٤: ٣٠٠.]] "من آمن"، يقول: من صدّق بالله ورَسوله وما جاء به من عند الله="تبغونها عوجًا"، يعني: تبغون لها عوجًا.

* *

"والهاء والألف" اللتان في قوله:"تبغونها" عائدتان على"السبيل"، وأنثها لتأنيث"السبيل".

* *

ومعنى قوله:"تبغون لها عوجًا"، من قول الشاعر، وهو سحيم عبدُ بني الحسحاس

بَغَاك، وَمَا تَبْغِيهِ حَتَّى وَجَدْتَهُ ... كأَنِّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا [[سلف تخريجه في ٤: ١٦٣، تعليق: ٢.]]

يعني: طلبك وما تطلبه. [[انظر تفسير"بغى" فيما سلف ٣: ٥٠٨ / ٤: ١٦٣ / ٦: ١٩٦، ٥٦٤، ٥٧٠.]] يقال:"ابغني كذا"، يراد: ابتغه لي. فإذا أرادوا أعِنِّي على طلبه وابتغه معي قالوا:"أبغني" بفتح الألف. وكذلك يقال:"احلُبْني"، بمعنى: اكفني الحلب -"وأحلبني" أعني عليه. وكذلك جميع ما وَرَد من هذا النوع، فعلى هذا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٧، ٢٢٨.]]

* *

وأما"العِوَج" فهو الأوَد والميْل. وإنما يعني بذلك: الضلال عن الهدى.

* *

يقول جل ثناؤه: لم تصدُّون عن دين الله مَنْ صَدّق الله ورسوله تبغون دينَ الله اعوجاجًا عن سننه واستقامته؟

وخرج الكلام على"السبيل"، والمعنى لأهله. كأن المعنى: تبغون لأهل دين الله، ولمن هو على سبيل الحق، عوجا = يقول: ضلالا عن الحق، وزيغًا عن الاستقامة على الهدى والمحجَّة.

* *

"والعِوج" بكسر أوله: الأوَد في الدين والكلام."والعَوَج" بفتح أوله: الميل في الحائط والقناة وكل شيء منتصب قائم. [[انظر مجاز القرآن ١: ٩٨.]]

* *

وأما قوله:"وأنتم شهداء". فإنه يعني: شهداء على أنّ الذي تصدّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلمونه وتجدونه في كتبكم ="وما الله بغافل عما تعملون"، يقول: ليس الله بغافل عن أعمالكم التي تعملونها مما لا يرضاه لعباده وغير ذلك من أعمالكم، حتى يعاجلكم بالعقوبة عليها معجَّلة، أو يؤخر ذلك لكم حتى تلقَوْهُ فيجازيكم عليها.

* *

وقد ذكر أن هاتين الآيتين من قوله:"يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله" والآياتُ بعدَهما إلى قوله:"فأولئك لهم عذاب عظيم"، نزلت في رجل من اليهود حاول الإغراء بين الحيَّين من الأوس والخزرج بعد الإسلام، ليراجعوا ما كانوا عليه في جاهليتهم من العداوة والبغضاء. فعنَّفه الله بفعله ذلك، وقبَّح له ما فعل ووبَّخه عليه، ووعظ أيضًا أصحابَ رسول الله ﷺ، ونَهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بالاجتماع والائتلاف.

ذكر الرواية بذلك:

٧٥٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم، قال: مرّ شأسُ بن قيس = وكان شيخًا قد عَسَا في الجاهلية، [[عسا الشيخ يعسو عسوا وعسيًا: كبر وأسن، ويقال أيضًا في مثله"عتا". وقوله: "في الجاهلية" ليست في نص ابن هشام عن ابن إسحاق.]] عظيمَ الكفر، شديد الضِّغن على المسلمين، شديدَ الحسد لهم = على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه. فغاظه ما رأى من جَماعتهم وألفتهم وصَلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال: قد اجتمع مَلأ بني قَيْلة بهذه البلاد! [[الملأ: الرؤساء وأشراف القوم ووجوههم ومقدموهم، الذين يرجع إلى قولهم ورأيهم. وبنو قيلة: هم الأنصار من الأوس والخزرج، وقيلة: اسم أم لهم قديمة، هي قيلة بنت كاهل، سموا بها.]] لا والله ما لنا معهم، إذا اجتمع ملأهم بها، من قرار! [[في المطبوعة: "والله مالنا"، أسقط"لا"، وهي في المخطوطة وابن هشام.]] فأمر فَتى شابًّا من يهودَ وكان معه، [[في المطبوعة: "من اليهود"، وأثبت ما في المخطوطة وابن هشام.]] فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، وذَكّرهم يَوْم بعاث وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاوَلوا فيه من الأشعار =وكان يوم بُعَاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفرُ فيه للأوس على الخزرج= ففعل. فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجُلان من الحيَّين على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس - وجبّار بن صخر، أحد بني سَلمة من الخزرج. فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رَدَدْناها الآن جَذَعَةً! [[ردها جذعة: أي جديدة كما بدأت. والجذع والجذعة: الصغير السن من الأنعام، أول ما يستطاع ركوبه. يعني أعدناها شابة فتية.]] وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السلاحَ!! موعدُكم الظاهرة =والظاهرةُ: الحَرَّة= فخرجوا إليها. وتحاوز الناس. [["تحاوز الناس"، مثل"تحوز وتحيز وانحاز"، أي تنحى ناحية وانضم إلى جماعته، والذي يلي هذه الكلمة هو تفسيرها قوله: "فانضمت الأوس ... " وفي المطبوعة: "تحاور" بالراء، ولا معنى لها هنا. والجملة كلها من أول قوله"وتحاوز ... " إلى"التي كانو عليها في الجاهلية" مما أسقطه ابن هشام من نص ابن إسحاق، وليس في السيرة. ونص الطبري هنا أتم من نص ابن هشام في مواضع من هذا الأثر.]] فانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية. فبلغَ ذلك رسولَ الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال:"يا معشرَ المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهُرِكم بعد إذْ هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكَوْا، وعانقَ الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رَسول الله ﷺ سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيدَ عدوِّ الله شَأس بن قيس وما صنع. فأنزل الله في شأس بن قيس وما صنع:"قل يا أهل الكتاب لم تكفرُون بآيات الله والله شهيدٌ على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا" [[في المخطوطة والمطبوعة، أسقط الناسخ"قل" من أول الآيتين سهوا منه.]] الآية. وأنزل الله عز وجل في أوس بن قَيْظيّ وجبّار بن صخر ومَنْ كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا عما أدخل عليهم شأس بن قيس من أمر الجاهلية: [[في المطبوعة: "مما أدخل عليهم ... "، غيروا ما في المخطوطة، وهو المطابق لنص ابن هشام. وقوله: "عما أدخل عليهم"، أي بسبب ما أدخل عليهم ومن جرائه ومن أجله. و"عن" تأتي بهذا المعنى في كلامهم.]] "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين" إلى قوله:"أولئك لهم عذابٌ عظيم". [[الأثر: ٧٥٢٤- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٤ - ٢٠٦، وهو بقية الآثار السالفة التي كان آخرها رقم: ٧٣٣٣، ٧٣٣٤.]]

* *

وقيل: إنه عنى بقوله:"قل يا أهل الكتاب لم تصدّون عن سبيل الله"، جماعة يهود بني إسرائيل الذين كانوا بين أظهر مدينة رسول الله ﷺ أيام نزلت هذه الآيات، والنصارى = وأن صدّهم عن سبيل الله كانَ بإخبارهم من سألهم عن أمر نبيّ الله محمد ﷺ: هل يجدون ذكره في كتبهم؟. أنهم لا يجدون نعتَه في كتبهم.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٢٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قل يا أهل الكتاب لم تصدّون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجًا"، كانوا إذا سألهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا! فصدّوا عنه الناس، وبغوْا محمدًا عوجًا: هلاكًا.

٧٥٢٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"قل يا أهل الكتاب لم تصدّون عن سبيل الله"، يقول: لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله، من آمن بالله، وأنتم شهداء فيما تقرأون من كتاب الله: أن محمدًا رسول الله، وأنّ الإسلام دين الله الذي لا يَقبل غيره ولا يجزى إلا به، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل.

٧٥٢٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه.

٧٥٢٨- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"قل يا أهل الكتاب لم تصدّون عن سبيل الله"، قال: هم اليهودُ والنصارى، نهاهم أنْ يصدّوا المسلمين عن سبيل الله، ويريدون أن يعدِلوا الناسَ إلى الضلالة.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية على ما قاله السدي: يا معشر اليهود، لم تصدّون عن محمد، وتمنعون من اتباعه المؤمنين به، بكتمانكم صفتَه التي تجدونها في كتبكم؟. و"محمد" على هذا القول: هو"السبيل"، ="تبغونَها عوجًا"، تبغون محمدًا هلاكًا. وأما سائر الروايات غيره والأقوال في ذلك، فإنه نحو التأويل الذي بيّناه قبل: من أن معنى"السبيل" التي ذكرها في هذا الموضع: الإسلام، وما جاء به محمد من الحقّ من عند الله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بذلك.

فقال بعضهم: عنى بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"، الأوس والخزرج، وبـ "الذين أوتوا الكتاب"، شأس بن قيس اليهودي، على ما قد ذكرنا قبلُ من خبره عن زيد بن أسلم. [[هو الأثر السالف رقم: ٧٥٢٤.]]

* *

وقال آخرون، فيمن عُني بالذين آمنوا، مثل قول زيد بن أسلم = غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بينه وبين غيره من الأنصار حتى همّوا بالقتال ووجد اليهوديّ به مغمزًا فيهم: ثعلبة بن عَنَمة الأنصاري. [[في المطبوعة: "بن غنمة"، والصواب بالعين المهملة، وهي في المخطوطة تحتها حرف"ع"، وهو الصواب.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٥٢٩- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردُّوكم بعد إيمانكم كافرين"، قال: نزلت في ثعلبة بن عَنمة الأنصاري، [[انظر ص ٥٨ تعليق ٢.]] كان بينه وبين أناس من الأنصار كلام، فمشى بينهم يهوديٌّ من قَيْنُقاع، فحمَل بعضَهم على بعضٍ، [[حمل بني فلان على بني فلان: إذا أرش بينهم وأوقع.]] حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاحَ فيقاتلوا، فأنزل الله عز وجل:"إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين"، يقول: إن حملتم السلاحَ فاقتتلتم، كفرتم.

٧٥٣٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب"، قال: كان جِماعُ قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حربٌ ودماء وشنَآنٌ، حتى مَنَّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي ﷺ، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألفَّ بينهم بالإسلام. قال: فبينا رجل من الأوس ورجلٌ من الخزرج قاعدان يتحدّثان، ومعهما يهوديّ جالسٌ، فلم يزل يذكِّرهما أيامهما والعداوةَ التي كانت بينهم، حتى استَبَّا ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح، وصفَّ بعضهم لبعض. قال: ورسولُ الله ﷺ شاهدٌ يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله ﷺ، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء ليسكنهم، حتى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل الله عز وجل القرآن في ذلك:"يا أيها الذين آمنوا إن تُطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب" إلى قوله:"عذابٌ عظيم".

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم ﷺ من عند الله، إن تطيعوا جماعة ممن ينتحل الكتابَ من أهل التوراة والإنجيل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به، يُضِلُّوكم فيردّوكم بعد تصديقكم رسولَ ربكم، وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم، كافرين = يقول: جاحدين لما قد آمنتم به وصدَّقتموه من الحقّ الذي جاءكم من عند ربكم. فنهاهم جَلّ ثناؤه: أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأيًا أو مشورةً، ويعلِّمهم تعالى ذكره أنهم لهم منطوُون على غِلٍّ وغِش وحسد وبغض، كما:

٧٥٣١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين"، قد تقدّم الله إليكم فيهم كما تسمعون، وحذَّركم وأنبأكم بضلالتهم، فلا تأتمنوهم على دينكم، ولا تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداءُ الحسَدَة الضُّلال. كيف تأتمنون قومًا كفروا بكتابهم، وقتلوا رُسلهم، وتحيَّروا في دينهم، وعجزوا عَنْ أنفسهم؟ أولئك والله هم أهل التُّهَمة والعداوة!

٧٥٣٢- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وكيف تكفرون"، أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدّوا على أعقابكم ="وأنتم تتلى عليكم آيات الله"، يعني: حججُ الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد ﷺ ="وفيكم رسوله" حجةٌ أخرَى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحقّ، ويبصِّركم الهدَى والرشاد، وينهاكم عن الغيّ والضلال؟. يقول لهم تعالى ذكره: فما وجه عُذْركم عند ربكم في جحودكم نبوَّة نبيِّكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إنْ أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة والآياتُ البينة على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه؟ كما:-

٧٥٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله" الآية، علَمان بيِّنان: وُجْدان نبي الله ﷺ، وكتابُ الله. فأما نبيّ الله فمضى ﷺ. وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهُركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.

* *

وأما قوله:"ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم"، فإنه يعني: ومن يتعلق بأسباب الله، ويتمسَّك بدينه وطاعته ="فقد هدى"، يقول: فقد وُفِّق لطريق واضح، ومحجةٍ مستقيمة غير معوجَّة، فيستقيم به إلى رضى الله، وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته، كما:-

٧٥٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"ومن يعتصم بالله فقد هدى" قال: يؤمن بالله.

* *

وأصل"العَصْم" المنع، فكل مانع شيئًا فهو"عاصمه"، والممتنع به"معتصمٌ به"، ومنه قول الفرزدق:

أَنَا ابنُ العَاصِمينَ بَنِي تَمِيم ... إذَا مَا أَعْظَمُ الحَدَثَانِ نَابَا [[ديوانه: ١١٥، والنقائض: ٤٥١، مطلع قصيدة ينقض بها هجاء جرير.]]

ولذلك قيل للحبل"عِصام"، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته"عِصام"، ومنه قول الأعشى:

إلَى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى ... وَآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عُصمْ [[ديوانه: ٢٩ من قصيدته في ثنائه على صاحبه قيس بن معد يكرب الكندي، وقد مضت منها أبيات في ١: ٢٤٢ / ٥: ٤٢٢. والسرى: سير الليل كله. والعصم جمع عصام، وهكذا ضبط في شعره، وجائز أن يضبط"عصم" (بكسر العين وفتح الصاد) جمع"عصمة" (بكسر العين وسكون الصاد) وكلاهما مجاز في معنى العهود. وقوله: "وآخذ من كل حي عصم"، يعني أن سطوة قيس في الأحياء، ورهبته في صدورهم، تجعل له عند كل حي عهدًا يأخذه ليجوز به أرضهم آمنًا، لا يمسه أحد ولا ينال منه. وسيأتي مثل هذا المعنى في بيت آخر يأتي بعد قليل ص: ٧٠، تعليق: ٣.]]

يعني بـ "العُصم" الأسباب، أسبابَ الذمة والأمان. يقال منه:"اعتصمت بحبل من فلان" و"اعتصمتَ حبلا منه" و"اعتصمت به واعتصمته"، وأفصح اللغتين إدخال"الباء"، كما قال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ، وقد جاء:"اعتصمته"، كما الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

إذَا أَنْتَ جَازَيْتَ الإخاءَ بِمِثْلِهِ ... وَآسَيْتَنِي، ثمَّ اعْتَصَمْتَ حِبَالِيَا [[معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٨، وضبطه"ثم" هكذا، وبقى جواب"إذا" في بيت بعده فيما أرجح. ولو قرأته"ثم" بفتح الثاء، أي هناك، كان جواب"إذا"، "اعتصمت حباليا". وتم البيت، وانفرد عما بعده. ولكني لا أستطيع أن أرجح هذا حتى أعرف بقية الأبيات.]]

فقال:"اعتصمت حباليا"، ولم يدخل"الباء". وذلك نظير قولهم:"تناولت الخِطام، وتناولت بالخطام"، و"تعلَّقت به وتعلقته"، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

تَعَلَّقَتْ هِنْدًا ناشِئًا ذَاتَ مِئْزَرٍ ... وَأَنْتَ وَقَدَ قَارَفْتَ، لم تَدْرِ مَا الحِلْمُ [[معاني القرآن ١: ٢٢٨. يقال: "غلام ناشئ، وجارية ناشئة"، ولكنه وصف"هندًا" على التذكير فقال: "ناشئًا"، وقد زعم الليث أنه لم يسمع هذا النعت في الجارية، فكأن الشاعر وصفها به، وأمره على التذكير. وقوله: "وقد قارفت"، أي قاربت ودنوت من الكبر، والجملة حال معترضة. يقول: تعلقها صغيرة لم تحجب بعد، وبلغت ما بلغت، ولم تدر بعد ما الحلم، وهو الأناة والعقل ومفارقة الصبا وطيش الشباب.]]

* *

وقد بينت معنى"الهدى"،"والصراط"، وأنه معنيّ به الإسلام، فيما مضى قبل بشواهده، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"الهدى" فيما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، وفهارس اللغة / وانظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف ١: ١٧٠ - ١٧٧ وفهارس اللغة.]]

* *

وقد ذكر أن الذي نزل في سبب تَحاوُز القبيلين [[في المطبوعة: "تحاور"، وقد أسلفت قراءتي لهذا الحرف وبيانه فيما سلف: ص٥٥ تعليق: ٦، وفي المطبوعة: "القبيلتين" بالتاء، وأثبت ما في المخطوطة.]] الأوس والخزرج، كان منْ قوله: [[في المطبوعة والمخطوطة: "كان منه قوله"، وهو خطأ، والصواب ما في المخطوطة. ويعني أن الآيات التي نزلت في شأن تحاوز الأوس والخزرج واقتتالهما، كان من أول هذه الآية، لا الآيتين قبلها.]] "وكيف تكفرُون وأنتم تتلى عليكم آيات الله".

ذكر من قال ذلك:

٧٥٣٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصبّاح، عن خليفة بن حُصَين، عن أبي نصر، عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، [[قوله: "كل شهر"، هكذا جاء في المخطوطة واضحا، والذي في الدر المنثور ٢: ٥٨: "كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر"، وفي القرطبي ٤: ١٥٦: "كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية"، ويخشى أن يكون ما في المخطوطة: "كل شهر"، تصحيف"وكل شر"، ولكن ليس هذا موضع الرأي، فإن الذين نقلوا هذا الأثر فيما بين يدي، لم ينقلوه بإسناده هذا، ولا بتمام لفظه كما هنا.]] فبينما هم جلوس إذْ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية:"وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله" إلى آخر الآيتين،"واذكروا نعمة الله عليكم إذْ كنتم أعداءً" إلى آخر الآية. [[الأثر: ٧٥٣٥-"حسن بن عطية بن نجيح القرشي"، سلفت ترجمته في رقم: ٤٩٦٢. و"قيس بن الربيع الأسدي" أبو محمد الكوفي. روي عن أبي إسحاق السبيعي، والأغر بن الصباح، وسماك بن حرب وغيرهم. روى عنه الثوري، وهو من أقرانه، وشعبة، ومات قبله، وعبد الرزاق ووكيع. تكلموا فيه، وثقه الثوري وشعبة وغيرهما. وضعفه آخرون وقالوا: "ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به". مترجم في التهذيب. و"الأغر بن الصباح التميمي المنقري". روى عن خليفة بن حصين، روى عنه الثوري وقيس بن الربيع، وأبو شبيبة. قال ابن معين والنسائي: "ثقة"، وقال أبو حاتم"صالح" مترجم في التهذيب. و"خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم التميمي المنقري" روى عن أبيه وجده، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن أرقم، وأبي نصر الأسدي. وروى عنه الأغر بن الصباح. ثقة. مترجم في التهذيب. و"أبو نصر الأسدي". روي عن ابن عباس، وعنه خليفة بن حصين. قال البخاري: "لم يعرف سماعه من ابن عباس"، وقال أبو زرعة: "أبو نصر الأسدي الذي يروي عن ابن عباس: ثقة". مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري: ٧٦، وأشار إلى هذا الأثر، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٤٨.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله ="اتقوا الله"، خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه ="حقّ تُقاته"، حقّ خوفه، [[انظر القول في بيان"تقاة" فيما سلف ٦: ٣١٣ - ٣١٧.]] وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى = "ولا تموتن"، أيها المؤمنون بالله ورسوله ="إلا وأنتم مسلمون" لربكم، مذعنون له بالطاعة. مخلصون له الألوهةَ والعبادة. [[في المطبوعة: "الألوهية"، وهي صواب، وأثبت ما في المخطوطة، وهي صواب أيضا بمعناها، ولكن هكذا يكتبها أبو جعفر، وانظر ما سلف ٦: ٢٧٥، تعليق: ٢.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٣٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري = عن زبيد، عن مُرّة، عن عبد الله:"اتقوا الله حق تقاته"، قال: أن يطاع فلا يُعصي، ويُذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر. [[الأثر: ٧٥٣٧- والآثار التي تليه أسانيد مختلفة لهذا الأثر. وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي نعيم، عن مسعر، وهو الأثر رقم: ٧٥٤١، وليس فيه"ويشكر فلا يكفر"، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.]]

٧٥٣٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله.

٧٥٣٨- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله.

٧٥٣٩- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل البَكيليّ، عن عبد الله بن مسعود، مثله. [[الأثر: ٧٥٣٩- في المطبوعة: "مرة بن شراحيل الهمداني". غير ما في المخطوطة، وكلاهما صحيح وصواب، وانظر الأثر رقم: ٢٥٢١، والتعليق عليه.]]

٧٥٤٠- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا جرير، عن زبيد، عن عبد الله، مثله.

٧٥٤١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

٧٥٤٢- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن المسعودي، عن زبيد الأيامي، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

٧٥٤٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

٧٥٤٤- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون:"اتقوا الله حق تقاته"، قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. [[الأثر: ٧٥٤٤-"يحيى" هو: "يحيى بن أبي بكير الأسدي" مضى في رقم: ٥٧٩٧، "وسفيان" هو الثوري، و"أبو إسحاق" هو: أبو إسحاق السبيعي، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حدثنا يحيى بن سفيان"، وليس في الرواة من يسمى بهذا، والصواب ما أثبته.]]

٧٥٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، نحوه.

٧٥٤٦- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا عمرو بن مرة، عن مرة، عن الربيع بن خُثَيم قال: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

٧٥٤٧- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت مرة الهمداني يحدث، عن الربيع بن خُثيم في قول الله عز وجل:"اتقوا الله حق تقاته"، فذكره نحوه. [[الأثران: ٧٥٤٦، ٧٥٤٧ -"الربيع بن خثيم الثوري" مضت ترجمته في رقم: ١٤٣٠، وكان في المطبوعة"بن خيثم"، وهو خطأ مضى مثله في الأثر الآخر، وفي مواضع غيره، وصححته من المخطوطة.]]

٧٥٤٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته"، أن يطاع فلا يُعصى.

٧٥٤٩- حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته"، قال:"حق تقاته"، أن يطاع فلا يُعصى.

٧٥٥٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم تقدم إليهم -يعني إلى المؤمنين من الأنصار-. فقال:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، أما"حق تقاته"، يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر.

٧٥٥١- حدثني المثني قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته"، أن يطاع فلا يعصى، قال:"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".

* *

وقال آخرون: بل تأويل ذلك، كما:-

٧٥٥٢- حدثني به المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اتقوا الله حق تقاته"، قال:"حق تقاته"، أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومةُ لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم. [[الأثر: ٧٥٥٢- رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٨٨، مع بعض الخلاف في لفظه. وفي المخطوطة: "أن تجاهد في الله" بالإفراد، والسياق يقتضي الجمع، وجاءت على الصواب في المطبوعة وفي الناسخ والمنسوخ، إلا أنه قال: "أن تجاهدوا ... ولا يأخذكم ... وتقوموا ... ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم" على الخطاب.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هي محكمة غيرُ منسوخة.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٥٣- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"اتقوا الله حق تقاته" أنها لم تنسخ، ولكن"حق تقاته"، أن تجاهدَ في الله حق جهاده = ثم ذكر تأويله الذي ذكرناه عنه آنفًا. [[الأثر: ٧٥٥٣- هو الأثر السالف، وفي المخطوطة والمطبوعة: "أن تجاهد"، وانظر التعليق السالف.]]

٧٥٥٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن طاوس:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته"، فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

٧٥٥٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال طاوس قوله:"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، يقول: إن لم تتقوه فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

* *

وقال آخرون: هي منسوخة، نسخها قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] .

ذكر من قال ذلك:

٧٥٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ثم أنزل التخفيف واليسر، وعاد بعائدته ورحمته على ما يعلم من ضعف خلقه فقال: ﴿فاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، فجاءت هذه الآية، فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويُسر.

٧٥٥٧- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي قال، حدثنا همام، عن قتادة:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، قال: نسختها هذه الآية التي في"التغابن": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ، وعليها بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيما استطاعوا.

٧٥٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت:"اتقوا الله حق تقاته"، ثم نزل بعدها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْْ﴾ ، فنسخت هذه الآية التي في"آل عمران".

٧٥٥٩- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، فلم يطق الناسُ هذا، فنسخه الله عنهم، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

٧٥٦٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته"، قال: جاء أمر شديد! قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه؟ فلما عرف أنه قد اشتد ذلك عليهم، نسخها عنهم، وجاء بهذه الأخرى فقال: ﴿فاتَّقُوا اللهَ مَا استَطَعْتُمْ﴾ فنسخها. [[ترك أبو جعفر رضي الله عنه، ترجيح أحد القولين على الآخر، وكان حقًا عليه أن يبينه. وقد بينه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٨٨، ٨٩، قال بعد سياقه الأثر: ٧٥٤٢، وروايته عن قول قتادة: "قال أبو جعفر: محال أن يقال هذا ناسخ ولا منسوخ إلا على حيلة، وذلك أن معنى نسخ الشيء: إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال: "اتقوا لله" منسوخ، ولا سيما مع قول النبي ﷺ مما فيه بيان الآية، كما قرأ على أحمد بن محمد بن الحجاج، عن يحيى بن سليمان قال، حدثنا أبو الأحوص قال، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم! قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا"، أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ ... قال أبو جعفر: "فكل ما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه، ولا يقع فيه نسخ، وهو قول النبي ﷺ: "أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا" وكذا على المسلمين - كما قال ابن مسعود: "أن تطيعوا الله فلا تعصوه، وتذكروه فلا تنسوه، وأن تشكروه فلا تكفروه، وأن تجاهدوا فيه حق جهاده. وأما قول قتادة، مع محله من العلم: أنها نسخت، فيجوز أن يكون معناه: نزلت: فاتقوا الله ما استطعتم - بنسخه: اتقوا الله حق تقاته، وأنها مثلها، لأنه لا يكلف أحدًا إلا طاقته".]]

* *

وأما قوله:" ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، فإن تأويله كما:-

٧٥٦١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس:" ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، قال: على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام. [[انظر تفسير أبي جعفر في نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ٩٦، ٩٧.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.

* *

وقد دللنا فيما مضى قبلُ على معنى"الاعتصام" [[انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف قريبا ص: ٦٢، ٦٣.]]

* *

وأما"الحبل"، فإنه السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان"حبلا"، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها [[ديوانه: ٢٤، ومشكل القرآن: ٣٥٨، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حبل) وغيرها. من قصيدته في قيس بن معد يكرب، ومضت منها أبيات في ٤: ٢٣٨، ٣٢٧، وهذا البيت في ذكر ناقته، يقول قبله: فَتَرَكْتُها بَعْدَ المِرَاحِ رَذِيةً ... وَأَمِنْتُ عِنْدَ رُكُوبِهَا إِعْجَالَها

فَتَنَاوَلتْ قَيْسًا بِحُرِّ بِلادِه ... فأتَتْهُ بَعْدَ تَنُوفَةٍ فأَنَالَهَا

فإِذَا تُجَوِّزُهَا............ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد مضى قبل مثل هذا البيت الأخير ص: ٦٢، تعليق: ٢ إلَى المرءِ قيسٍ أُطِيلُ السُّرَى ... وَآخذُ من كُلّ حَيٍّ عُصُمْ

يقول: إذا أخذت من قبيلة عهودها حتى أجتاز ديارها آمنًا، أعطتها القبيلة التي تليها عهدًا وذمامًا أن تخترق ديارها آمنة لا ينالها أحد بسوء. وذلك أن القبائل كلها ترهب قيسًا وتخافه، فكل قاصد إليه، أجد الأمان حيث سار، لأنه بقصده قيسًا جار له، لا يطيق أحد أن يناله بسوء.]] ومنه قول الله عز وجل: ﴿إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: ١١٢]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٦٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعا"، قال: الجماعة.

٧٥٦٣- حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: حبلُ الله، الجماعة.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عَهِدَ فيه.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:" واعتصموا بحبل الله جميعًا"، حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن.

٧٥٦٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا" قال: بعهد الله وأمره.

٧٥٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: إن الصراط مُحْتَضَر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هلمّ هذا الطريق! ليصدّوا عن سبيل الله،. فاعتصموا بحبل الله، فإن حبلَ الله هو كتاب الله. [[الأثر: ٧٥٦٦- رواه في مجمع الزوائد بغير هذا اللفظ، وهو قريب منه. ونسبه إلى الطبراني وقال: "رواه عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف". وهذا الذي رواه الطبري إسناد صحيح.]]

٧٥٦٧ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السدي:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، أما"حبل الله"، فكتاب الله.

٧٥٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"بحبل الله"، بعهد الله.

٧٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء:"بحبل الله"، قال: العهد.

٧٥٧٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله:"واعتصموا بحبل الله" قال: حبلُ الله: القرآن.

٧٥٧١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: القرآن.

٧٥٧٢- حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: كتاب الله، هو حبل الله الممدودُ من السماء إلى الأرض. [[الحديث: ٧٥٧٢- عبد الملك بن أبي سليمان العرزمى -بسكون الراء ثم زاي مفتوحة- أحد الأئمة: مضى توثيقه: ١٤٥٥.

عطية: هو ابن سعد بن جنادة -بضم الجيم- العوفي. وقد بينا في: ٣٠٥ أنه ضعيف.

وقد سقط من المخطوطة والمطبوعة هنا قوله [عن عطية] . وزدناه من نقل ابن كثير ٢: ٢٠٣، عن هذا الموضع من الطبري.

ثم الحديث -من حديث أبي سعيد- يدور في كل ما رأينا من طرقه على عطية العوفي، كما سيأتي:

فرواه أحمد في المسند: ١١٢٢٩، ١١٥٨٢ (ج٣ص ٢٦، ٥٩ حلبي) ، عن ابن نمير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، بنحوه، مرفوعًا مطولا.

ورواه أيضا: ١١١٢٠ (ج ٣ ص ١٤) ، من طريق إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي، عن عطية.

ورواه أيضا: ١١١٤٨ (ج ٣ ص ١٧) ، عن أبي النضر، عن محمد بن طلحة، عن الأعمش عن عطية العوفي.

وكذلك رواه الترمذي ٤: ٣٤٣، من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد -وعن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم، مرفوعًا، نحوه مطولا. فهو عنده عن أبي سعيد وعن زيد بن أرقم. ثم قال: "هذا حديث حسن غريب".

فأما حديث أبي سعيد، فقد بينا أنه ضعيف، من أجل عطية العوفي.

وأما حديث زيد بن أرقم، فإنه حديث صحيح. وهو قطعة من قصة مطولة، رواها أحمد في المسند ٤: ٣٦٦ - ٣٦٧ (حلبي) . ورواها مسلم ٢: ٢٣٧ - ٢٣٨، مطولة ومختصرة.

وروى ابن حبان في صحيحه، رقم: ١٢٣ (بتحقيقنا) - قطعة منه، فيها أن"كتاب الله، هو حبل الله".

ثم نعود لحديث أبي سعيد:

فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٦٣، مطولا، بنحو رواية الترمذي. ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط. وفي إسناده رجال مختلف فيهم"!

ولست أدرى، لم ذكره في الزوائد، وهو في الترمذي؟ ثم لم ترك نسبته للمسند، وهو مروي فيه أربع مرات؟!

وذكره السيوطي ٢: ٦٠، مختصرًا كما هنا. ولم ينسبه إلا لابن أبي شيبة وابن جرير. ثم ذكر الرواية المطولة عن أبي سعيد. ونسبه لابن سعد، وأحمد، والطبراني.]]

* *

وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٧٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعا"، يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده.

٧٥٧٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: الحبل، الإسلام. وقرأ"ولا تفرقوا".

* *

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولا تفرقوا"، ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ، والانتهاء إلى أمره. كما:-

٧٥٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم"، إنّ الله عز وجل قد كره لكم الفُرْقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمعَ والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضى الله لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.

٧٥٧٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية:"ولا تفرّقوا"، لا تعادَوْا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا. [[في المخطوطة"وتكونوا عليه إخوانا"، والصواب ما في المطبوعة، والدر المنثور ٢: ٦١]]

٧٥٧٧- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن الأوزاعي حدثه، أنّ يزيد الرقاشي حدّثه أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:"إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسَبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة. قال: فقيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يَدَه وقال: الجماعة،"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا". [[الحديث: ٧٥٧٧- يزيد الرقاشي: هو يزيد أبان، أبو عمرو، البصري القاص. وقد أشرنا في شرح: ٦٦٥٤، ٦٧٢٨ إلى أنه ضعيف. وقال البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٣٢٠: "كان شعبة يتكلم فيه"، وقال النسائي في الضعفاء: "متروك"، وقال ابن سعد ٧ / ٢ / ١٣: "كان ضعيفًا قدريًا".

والحديث رواه ابن ماجه: ٣٩٩٣، من طريق الوليد بن مسلم: "حدثنا أبو عمرو [هو الأوزاعي] ، حدثنا قتادة، عن أنس. فذكره نحوه مرفوعًا، ولكن آخره عنده: "كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".

وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح. رجاله ثقات". وهو كما قال.

فيكون الأوزاعي رواه عن شيخين، أحدهما ضعيف، والآخر ثقة. وأن الضعيف -يزيد الرقاشي- زاد الاستشهاد بالآية. ولا بأس بذلك، فالمعنى قريب.

وذكره السيوطي ٢: ٦٠، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.]]

٧٥٧٨- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت الأوزاعي يحدث، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ نحوه. [[الحديث: ٧٥٧٨- هذا الحديث تكرار للحديث قبله. وعبد الكريم بن أبي عمير - شيخ الطبري: ذكره الذهبي في الميزان ٢: ١٤٤ بلقب"للدهان"، وقال: "فيه جهالة. والخبر منكر". يريد حديثًا آخر، بينه الحافظ في لسان الميزان ٤: ٥٠ - ٥١، عن تاريخ بغداد. في ترجمة رجل آخر. وهو في تاريخ بغداد ٣: ٢٤٢. وفيه اسم هذا الشيخ في ذاك الإسناد: "عبد الكريم بن أبي عمير الدهقان". ولم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في موضع آخر.]]

٧٥٧٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قُطْبَة المدنيّ، عن عبد الله: أنه قال:"يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خيرٌ مما تستحبون في الفرقة". [[الأثر: ٧٥٧٩-"ثابت بن قطبة المدني الثقفي"، مترجم في الكبير ١ / ٢ / ١٦٨، والجرح ١ / ١ / ٤٥٧، قال البخاري: "سمع ابن مسعود، روى عنه أبو إسحاق، والشعبي" وزاد ابن أبي حاتم: "وزياد بن علاقة، وسالم بن أبي الجعد". وكان في المطبوعة في هذا الموضع وفي الأثرين التاليين"ثابت بن قطنة" بالنون من"قطنة"، وهو خطأ. وفي المخطوطة في هذا الأثر"فطنه" غير منقوطة، ونقطت الباء في الأثرين التاليين. وفي المخطوطة والمطبوعة: "المرى" في هذا الأثر وفي رقم: ٧٥٨١، والصواب"المدني" كما أثبته، وثابت ثقفي، لا مرى.]]

٧٥٨٠- حدثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطبَة قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب وهو يقول: يا أيها الناس، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ٧٥٨٠- في المطبوعة: "عبد الحميد بن بيان اليشكري"، وهو خطأ، والصواب المخطوطة. وقد سلف مثل هذا الخطأ في رقم: ٧٣٧٨، فانظر التعليق عليه.]]

٧٥٨١- حدثنا إسماعيل بن حفص الأبُلِّيُّ قال، حدثنا عبد الله بن نمير أبو هشام قال، حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطبة المدني قال: قال عبد الله: عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، ثم ذكر نحوه. [[الأثر: ٧٥٨١-"إسماعيل بن حفص بن عمرو الأبلى، أبو بكر الأودي البصري، و"الأبلي" (بضم الهمزة والباء الموحدة، واللام المشددة المكسورة) نسبة إلى"الأبلة". وفي بعض الكتب"الأيلي" بالياء. روى عن أبيه، وحفص بن غياث، ومعتمر بن سليمان وغيرهم. روى عنه النسائي وابن ماجه، وابن خزيمة وجماعة. وسمع منه أبو حاتم، قال ابن أبي حاتم: "وسألت أبي عنه فقال: كتبت عنه وعن أبيه، وكان أبوه يكذب، وهو بخلاف أبيه. قلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكنني أن أقول لا بأس به". وذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ١٦٥.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"واذكروا نعمة الله عليكم"، واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.

واختلف أهل العربية في قوله:"إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم".

فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم"، ثم فسر بقوله:"فألف بين قلوبكم"، وأخبرَ بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول:"أمسَكَ الحائط أن يميل".

وقال بعض نحويي الكوفة: قوله"إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"، تابع قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم" غير منقطعة منها.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله:"إذ كنّتم أعداءً فألّف بين قلوبكم"، متصل بقوله:"واذكروا نعمة الله عليكم"، غير منقطع عنه.

وتأويل ذلك: واذكروا، أيها المؤمنون، نعمة الله عليكم التي أنعمَ بها عليكم، حين كنتم أعداء في شرككم، [[في المطبوعة: "أي بشرككم"، وليست بشيء، وفي المخطوطة"أي شرككم" ولا معنى لها، وفيها زيادة ألف"أي"، و"ى" هي"في" فالذي أثبته هو الصواب والسياق.]] يقتل بعضكم بعضًا، عصبيةً في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانًا بعد إذ كنتم أعداءً تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه، كما:-

٧٥٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ.

٧٥٨٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء"، يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.

* *

قال أبو جعفر: فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكرُوها، هي ألفة الإسلام، واجتماع كلمتهم عليها = والعداوةُ التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل:"إذ كنتم أعداء" فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة،. كما:-

٧٥٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ. [[الأثر: ٧٥٨٤- لم أستطع أن أهتدي إلى مكانه من سيرة ابن هشام في هذه الساعة.]]

* *

فذكَّرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضًا وقتل بعضهم بعضًا، وخوف بعضهم من بعض، وما صارُوا إليه بالإسلام واتباع الرّسول ﷺ، والإيمان به وبما جاء به، من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانًا، وكأن سبب ذلك ما:-

٧٥٨٥- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال: فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي مَعك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله ﷺ:"وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله ﷺ:"اعرضْها عليّ" فعرضها عليه، فقال:"إن هذا لكلام حسنٌ، [[في المطبوعة: "إن هذا الكلام"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.]] معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنزله الله عليّ هدًى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآنَ، ودعاه إلى الإسلام، فلم يُبعد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسن! ثم انصرف عنه وقدم المدينةَ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج. فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم. وكان قتله قبل يوم بُعاثٍ. [[الأثر: ٧٥٨٥- سيرة ابن هشام ٢: ٦٧ - ٦٩.]]

٧٥٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، [[في المطبوعة: "الحسين بن عبد الرحمن ... "، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام، وهو مترجم في التهذيب.]] أحد بني عبد الأشهل: أن محمودَ بن لبيد، [[في المطبوعة: "محمود بن أسد"، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة، ولم يحسن الناشر قراءتها لخلوها من النقط، وصوابه أيضًا في ابن هشام. و"محمود بن لبيد الأشهلي" تابعي، واختلف في صحبته. مترجم في التهذيب.]] أحدَ بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحَيْسر أنس بن رافع مكة، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أبو الجيش أنس بن رافع"، وهو خطأ فاحش، صوابه من سيرة ابن هشام ٢: ٦٩، وسائر كتب التاريخ.]] ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، [[في المخطوطة والمطبوعة: "على قوم من الخزرج"، والصواب ما في سيرة ابن هشام. كما أثبت.]] سمع بهم رسول الله ﷺ، فأتاهم فجلس إليهم فقال"هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال:"أنا رسولُ الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، [[في المخطوطة: "أن يعبدون الله. . ." سهو من الناسخ، وفي ابن هشام"أدعوهم إلى أن يعبدوا الله".]] وأنزل عليَّ الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدُثًا: [[غلام حدث (بفتح الحاء وضم الدال) : كثير الحديث حسن السياق له.]] أيْ قوم، هذا والله خير مما جئتم له! قال: فيأخذ أبو الحَيْسَر أنس بن رافعَ حفنةً من البطحاء، [[في المطبوعة: "فأخذ أبو الجيش"، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.]] فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعةُ بعاث بين الأوس والخزرج. قال. ثم لم يلبث إياسُ بن معاذ أن هلك. قال: فلما أراد الله إظهارَ دينه، وإعزاز نبيه ﷺ، وإنجازَ موعده له، خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقي فيه النفرَ من الأنصارَ يعرض نفسه على قبائل العرب، [[في المخطوطة والمطبوعة: "خرج رسول الله ﷺ الموسم. . ." بإسقاط"في" وأثبتها من ابن هشام. وفي ابن هشام: "فعرض نفسه" بالفاء، وما في مخطوطة الطبري، جيد]] كما كان يصنع في كل موسم. فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا [[في المطبوعة: "لهم خيرًا"، والصواب من المخطوطة وابن هشام.]] .

=قال ابن حميد قال، سلمة قال، محمد بن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة؛ عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم:"من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج قال، أمن موالي يهود؟ [["موالي يهود": أي من حلفائهم، والمولي: الحليف.]] قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى!. قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنَع الله لهم به في الإسلام، [[هذا هو النص الصحيح، لما أثبت ناشر سيرة ابن هشام، مخالفا أصول السيرة، وما جاء هنا.]] أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحابَ أوثان، [[في ابن هشام: "وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان"، وما في الطبري صواب أيضا.]] وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم!. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفرَ ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي تَوَعَّدُكم به يهود، فلا يسبقُنَّكم إليه! [[في المطبوعة والمخطوطة: "ولا يسبقنكم" بالواو، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.]] فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صَدّقوه وقبلوا منه ما عَرَض عليهم من الإسلام، وقالوا له: [[في المطبوعة والمخطوطة: "قالوا" بإسقاط الواو، والصواب ما في سيرة ابن هشام.]] إنا قد تركنا قومَنا ولا قومَ بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسَى الله أن يجمعهم بك، وسنَقْدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين؛ فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجلَ أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا = وهم فيما ذكر لي ستة نفر. قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكرُوا لهم رسولَ الله ﷺ، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فَشا فيهم، فلم تَبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله ﷺ. حتى إذا كان العامُ المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيْعَة النساء، [[بيعة النساء، هي البيعة المذكورة في [سورة الممتحنة: ١٢] ، ونصها فيما رواه ابن إسحاق بإسناديه عن عبادة بن الصامت أنه قال (ابن هشام ٢: ٧٥، ٧٦) : "بايعنا رسول الله ﷺ لَيلَةَ العقبة الأولى على أن لا نُشْرك بالله شيئًا، ولا نَسْرِق، ولا نزني، ولا نقتُل أولادَنا، ولا نأتي ببُهْتانٍ نَفتريهِ من بين أيدينا وأرجُلنا، ولا نَعْصِيه في معروفٍ = فإِن وَفَيْتُم، فلكُمُ الجنَّة. وإن غَشِيتُم من ذلك شيئًا فأُخِذْتم بحدِّه في الدنيا، فهو كفَّارةٌ لكم. وإن سترتُم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله، إن شاءَ عذب وإن شاءَ غفر". وهذه بيعة لم يذكر فيها القتال والجهاد، مما كتبه الله على الرجال دون النساء، ولذلك سميت بيعة النساء، لأنها مطابقة لبيعتهن المذكورة في سورة الممتحنة.]] وذلك قبل أن تُفترَض عليهم الحرب. [[الأثر: ٧٥٨٦- سيرة ابن هشام ٢: ٦٩ - ٧٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٥٨٥.]]

٧٥٨٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقىَ النبي ﷺ ستةُ نفرٍ من الأنصار فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهبَ معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بين قومنا حربًا، وإنا نخافُ إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريدُ. فوعدوه العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسول الله، نذهب، فلعلّ الله أن يُصْلح تلك الحرب! قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله عز وجل تلك الحرب، وكانوا يُرَوْن أنها لا تَصْلُح = وهو يوم بُعاث. فلقوه من العام المقبل سبعينَ رجلا قد آمنوا، فأخذ عليهم النقباءَ اثني عشر نقيبًا، فذلك حين يقول:"واذكروا نعمة الله عليكم إذْ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم".

٧٥٨٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما:"إذ كنتم أعداء"، ففي حرب ابن سُمَير [[في المخطوطة والمطبوعة"ففي حرب فألف ... " أسقط"ابن سمير"، وسيأتي نص قول السدي، كما أثبته بعد ص ٨٣ س: ٣.]] ="فألف بين قلوبكم"، بالإسلام.

٧٥٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بنحوه = وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، [[يعني ما كان من حديث الإفك في أمر عائشة أم المؤمنين، وذلك أن رسول الله ﷺ لما خطب الناس فذكر لهم رجالا يؤذونه في أهله ويقولون عليهن غير الحق، وتولى كبر ذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول في رجال من الخزرج. فقام أسيد بن حضير الأوسي فقال: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة الخزرجي، فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم! أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا! فقال أسيد بن الحضير: كذبت لعمر الله: ولكنك منافق تجادل عن المنافقين! وتثاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر (تاريخ الطبري ٣: ٦٩) .

هذا ولم أجد ذكر هذا الخبر في كتاب، ولم أجد في كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، ولا ما كان يومئذ بين الأوس والخزرج. ولم يذكر ذلك أبو جعفر مصرحًا في هذا الموضع، ولا ذكر ذلك في تفسير سورة النور، حيث آيات حديث الإفك وبراءة عائشة أم المؤمنين.]] فتثاوَر = الحيَّان، فقال بعضهم لبعض: مَوْعدُكم الحَرَّة! فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآيةُ:"واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا"، الآية. فأتاهم رسول الله ﷺ فلم يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضًا، وحتى إن لهم لخنينًا = يعني البكاءَ. [[في المطبوعة: "لحنينًا" بالحاء، وأما في المخطوطة، فإن الناسخ على غير عادته نقط حروفها المعجمة جميعًا، كما أثبتها، وهو الصواب المحض. والخنين: تردد البكاء في الأنف والخياشيم حتى يصير في الصوت مثل الغنة، لكتمان البكاء من ألم وحياء وخجل. وقد ورد في كثير من الأحاديث من ذلك: "أنه كان يسمع خنينه في الصلاة"، وفي حديث أنس: "فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، لهم خنين".]]

* *

"وسُمَير" الذي زعم السدي أن قوله"إذ كنتم أعداء" عنى به حربه، هو سُمير بن زيد بن مالك، [[في الأغاني ٣: ٤٠"سمير بن يزيد بن مالك"، وذكر في ٣: ٢١ أنه أخو"درهم بن يزيد بن ضبيعة"، وقد رجحت في التعليق على طبقات فحول الشعراء لابن سلام: ٢٤٧ تعليق: ٦ أنه"درهم بن يزيد بن مالك" من بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمر بن عوف. وقد جاء في المطبوعتين"درهم بن زيد" كما جاء هنا في ذكر أخيه"سمير بن زيد".]] أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله:

إنَّ سُمَيْرًا أَرُى عَشِيرَتَهُ ... قَدْ حَدِبُوا دُونَهُ وَقَدْ أنِفُوا [[جمهرة أشعار العرب: ١٢٢، والأغاني ٢٠، واللسان (سمر) وهذا البيت والذي يليه كتب في المطبوعة بالقاف"أبقوا" ثم"علقوا" وهما في المخطوطة غير منقوطتين، وأوقعهم في ذلك النقط ما جاء في اللسان (سمر) ، "أبقوا" بالباء والقاف، وهو خطأ محض ينبغي تصحيحه. فقصيدة مالك فائية لا شك فيها. رواها صاحب جمهرة أشعار العرب بطولها، ورواها أبو الفرج، وروى معها نقائضها، لدرهم بن يزيد، ثم لقيس بن الخطيم، فيما بعد هذه الحرب بدهر، ورد حسان بن ثابت عليه ومناقضته له. وخبر هذا الشعر طويل، هو في الأغاني ٣: ١٨ - ٢٦، ثم ٣٩ - ٤٢. ثم انظر ما قاله الطبري بعد الأبيات.

وقوله: "حدبوا دونه"، يقال: "حدب عليه"، إذا تعطف عليه وحنا عليه. وقوله: "دونه"، عني أنهم عطفوا عليه وحاموا دونه ليمنعوه. وقوله: "أنفوا"، يقال: "أنف الرجل من الشيء يأنف أنفا"، إذا حمى وغضب، وأخذته الغيرة من أن يضام. وكان سمير هذا هو الذي قتل الرجل الثعلبي جار مالك بن العجلان -في خبر الحرب- فطالب مالك بني عمرو بن عوف أن يرسلوا إليه سميرًا ليقتله بجاره، أو يأخذ الدية كاملة، فأبى أولئك، وأبى مالك، وحدب بنو عمرو بن عوف على صاحبهم سمير، واستنفر مالك قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره، فقال هذه الأبيات يحرض بني النجار على نصرته.]] إنْ يَكًنِ الظَّنُّ صَادِقِي بَبَنِي ... النَّجَّارِ لَمْ يَطْعَمُوا الَّذِي عُلِفُوا [[في رواية الجمهرة والأغاني: "صادقا"، وهما سواء. وفي شرح هذا البيت قال أبو الفرج في أغانيه: "علفوا الضيم: إذا أقروا به. أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم"، وهذا مجاز قلما تظفر بتفسيره في كتب اللغة. وقد جاء مثل ذلك في هذا المعنى من قول سبيع بن زرارة، أو خالد بن نغسلة (الحماسة ١: ١٨٦) . إِذَا كُنْتَ في قومٍ عِدًى لَسْتَ مِنْهُمُ ... فَكُلْ مَا عُلِفْتُ من خبيثٍ وطيِّبِ

وقول العباس بن مرداس (الحماسة ١: ٢٢٥) . ولا تَطْعَمَنْ ما يَعْلِفٌونَك إنَّهُمْ ... أَتَوْكَ عُلىْ قُرْبَاهُمْ بِالمُثَمَّلِ

وكأنهم يريدون بذلك: ما يقدم إليك، مما يكون حسن الظاهر كأنه رعاية وكرم، خبيث الباطن يراد به الأذى والضيم، واستعملوا"العلف" لأنه كالاستغفال لمن يقدم إليه، كأنه بهيمة لا تدرك الخفي الباطن.

هذا وقد ترك ناشرو هذا التفسير هذين البيتين على حالهما من التصحيف. ثم جاء بعض المعلقين، فكتب ما لا قبل لذي عقل بقبوله، إلا على قول القائل: "فكل ما علفت"!]] وقد ذكر علماء الأنصار: أنّ مبدأ العداوة التي هيَّجت الحروب التي كانت بين قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأوَّلها، كان بسبب قتل مَولى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له:"الحرُّ بن سُمَير" من مزينة، [[لست على ثقة من هذا الاسم"الحر بن سمير"، ولكني لم أجده في مكان آخر، والذي يقولونه في غير هذا الخبر أن اسمه"كعب بن العجلان"، ويقال غير ذلك.]] وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد ﷺ. فذلك معنى قول السدي:"حرْب ابن سمير".

* *

وأما قوله:"فأصبحتم بنعمته إخوانًا"، فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد، كما:-

٧٥٩٠- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"فأصبحتم بنعمته إخوانًا"، وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه"وكنتم على شفا حفرة من النار"، وكنّتم، يا معشر المؤمنين، من الأوس والخزرج، على حرف حُفرةٍ من النار. وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.

* *

و"شفا الحفرة"، طرفها وَحرفها، مثل"شفا الركيَّة والبئر"؛ ومنه قول الراجز:

نَحْنُ حَفَرنَا لِلْحَجيِجِ سَجْلَهْ ... نَابِتَةٌ فَوْقَ شَفَاهَا بَقْلَةْ [[لم أجد هذا الرجز بهذه الرواية في كتاب غير هذا التفسير. أما "سجلة" فهي بئر المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ويقال حفرها عدي بن نوفل، ويقال حفرها هاشم بن عبد مناف، ويقال حفرها قصى. وقد ذكرها ابن هشام في سيرته ٢: ١٥٧، والأزرقي في تاريخ مكة ١: ٦٤، ٦٥ / ٢: ١٧٥، ١٧٦، والبلاذري في فتوح البلدان: ٥٥، ٥٦، والبكري في معجم ما استعجم: ٧٢٤، ومعجم البلدان (سجلة) ، والروض الأنف ١: ١٠١، وذكرها المصعب في نسب قريش: ٣١، ١٩٧، ولم يذكر اسمها بل قال: "سقاية عدي، التي بالمشعرين، بين الصفا والمروة، وفيها يقول مطرود الخزاعي، يمدح عدى بن نوفل: وَمَا النِّيلُ يَأْتِي بالسَّفِينِ يَكُفُّه ... بأَجْوَدَ سَيْبًا من عَدِىّ بن نَوْفَل

وأنبطْتَ بين المَشْعَرَيْنِ سِقايةً ... لِحُجَّاجِ بَيْتِ الله أفْضَلَ مَنْهَلِ

ونسب أبو الفرج في أغانيه ١٣: ٥ هذا الشعر لقيس بن الحدادية من أبيات. وأما الرجز الذي يشبه هذا وذكروه في المراجع السالفة، فقد اختلف في نسبته، إلى قصى، وإلى خلدة بنت هاشم، تقول: نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِىٍّ سَجْلَهْ ... في تُرْبةٍ ذَاتِ عَذَاةٍ سَهْلَهْ

تُرْوِى الحَجِيج زُغْلَةً فزُغْلَهْ

أي جرعة فجرعة. ولم يتيسر لي تحقيق ذلك الآن بأكثر من هذا]] يعني: فوق حرفها. يقال:"هذا شفا هذه الركية" مقصور"وهما شفواها"

* *

وقال:"فأنقذكم منها"، يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى"الحفرة"، وقد ابتدأ الخبر عن"الشفا"، لأن"الشفا" من"الحفرة". فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن"الشفا" على السبيل التي ذكرها في هذه الآية = خبرًا عن"الحفرة"، كما قال جرير بن عطية:

رَأَتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنَّي ... كما أخَذ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ [[ديوانه: ٤٢٦، مجاز القرآن: ٩٨، الكامل ١: ٣٢٤، وغيرها، وسيأتي في التفسير ١٢: ٩٤ / ١٣: ١٠٩ / ١٩: ٣٩ (بولاق) ، من قصيدة يهجو الفرزدق، لم تذكر في نقائضهما، يقول قبل البيت: دَعِيني، إِنَّ شَيْبى قَدْ نَهَانِي ... وَتَجْرِيبِى، وَشَيْبِى، وَاكْتِهَالِى

رَأَتْ مَرَّ السِّنِينِ......... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وَمَنْ يَبْقَى عَلَى غَرَضِ المَنَايا ... وَأَيَّامٍ تَمُرُّ مَعَ اللَّيّالِي؟!

والسرار (بكسر السين وفتحها) : آخر ليلة من الشهر، ليلة يستسر القمر، أي يختفي، وأراد جرير بالسرار في هذا البيت: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالا، حتى يخفى في آخر ليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما "السرار" الذي شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة اختفاء القمر، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت.]] فذكر:"مر السنين"، ثم رجع إلى الخبر عن"السنين"، وكما قال العجاج: [[وينسب للأغلب العجلى، كما سترى في المراجع، وقال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب."ليس هذا الرجز للأغلب، هو لغيره، من شوارد الرجز".]]

طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي ... طَوَيْنَ طولِي وَطَوَيْنَ عَرْضِي [[ديوان العجاج: ٨٠، سيبويه ١: ٢٦، كتاب المعمرين: ٨٧، الأغاني ١٨: ١٦٤، والبيان والتبيين ٤: ٦٠، والخزانة ٢: ١٦٨، العيني (هامش الخزانة) ٣: ٣٩٥، وشرح شواهد المغنى: ٢٩٨ وغيرها. وقد اختلفت في رواية الرجز اختلاف كثير. ورواية أبي محمد الأعرابي: أَصْبَحْتُ لا يَحْمِلُ بَعْضِي بَعْضِي ... مُنَفَّهًا، أَرُوح مِثْلَ النِّقْضِ

مَرُّ اللَّيالي............. ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثُمَّ الْتَحَيْنَ عَنْ عِظامِي نَحْضِى ... أَقْعِدْنَنِي مِنْ بَعْدِ طُول نَهْضِي

المنفه: الذي عليه الكلال والإعياء. والنقض: البعير المهزول. التحى العود من الشجر: قشر عنه لحاءه، وهو قشره. والنحض: اللحم. يقول: تركته الليالي عظامًا، قد أكلت لحمه.]]

وقد بيَّنتُ العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل. [[٥: ٧٧، ٧٨.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٥٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته"، كان هذا الحيّ من العرب أذلَّ الناس ذُلا وأشقاهُ عيشًا، [[قوله: "وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالة. . ." مع عودة الضمير إلى"الناس"، لأن ضمير المثنى والجمع بعد"أفعل" التفضيل، يجوز إفراده وتذكيره، انظر ما سلف من التعليق على الآثار رقم: ٥٩٦٨، ٦١٢٩، ٧٠٢٨، ٧٠٢٩.]] وأبْيَنَه ضلالة، وأعراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين [[في المطبوعة: "معكومين"، والصواب من المخطوطة: كعم فم البعير وغيره شد فاه في هياجه لئلا يعض. ومنه قيل: "كعمه الخوف فهو مكعوم"، أمسك فاه، ومنعه من النطق، وفي حديث على: "فهم بين خائف مقموع، وساكت مكعوم"، وفي شعر ذى الرمة يصف صحراء بعيدة الأرجاء، يخافها سالكها: بَيْنَ الرَّجَا والرَّجَا من جَنْبِ واصِيَةٍ ... يَهْمَاءَ، خَابِطُهَا بالخوف مَكْعُومُ]] على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه. مَنْ عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّي في النار، [[ردى في النار: ألقى فيها.]] يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًّا، وأدق فيها شأنًّا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورَّثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، [[هكذا جاءت الجملتان في المخطوطة، ولست على ثقة من صوابهما، ولا أدري ما يعني بقوله: "دار الجهاد"، والذي نعرف أن الإسلام جاء فأحله للمجاهدين هو"الغنائم" غنائم الحرب والجهاد. فأخشى أن يكون في الكلام تحريف. وقوله: "ووضع لكم به من الرزق" كأنه يعني بقوله: "وضع" بسط، كما فسروه في حديث التوبة: "إن الله واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل"، أي بسط، كما جاء في الرواية الأخرى: "إن الله باسط يده. . .".]] وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نِعمَه، فإن ربكم منعِمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك.

٧٥٩٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله:"وكنتم على شفا حفرة من النار"، يقول: كنتم على الكفر بالله، ="فأنقذكم منها"، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.

٧٥٩٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"، بمحمد ﷺ يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، [[أوبقه: أهلكه، وقوله: "أوبق" بالبناء للمجهول.]] فبعث الله محمدا ﷺ فاستنقذكم به من تلك الحفرة.

٧٥٩٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا حسن بن حيّ:"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها" قال: عصبية. [[الأثر: ٧٥٩٤-"الحسن بن حي"، هو: "الحسن بن صالح بن صالح بن حي، وهو حيان، الهمداني" قال البخاري: "يقال: حي، لقب"، وكان في المطبوعة: "حسن بن يحيى"، والصواب في المخطوطة، وهو مترجم في التهذيب.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"كذلك"، كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غِلّ اليهود الذي يضمرونه لكم، [[في المطبوعة: "من علماء اليهود. . ."، وهو فاسد جدًا، والصواب في المخطوطة، ولكنه لم يحسن قراءتها"من عل" غير منقوطة. والغل (بكسر الغين) : الحقد الدفين.]] وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم،= [[سياق الجملة: كما بين لكم في هذه الآيات. . . من غل اليهود. . . ومن غشهم. . . ومن أمره. . . ومن نهيه. . . ومن الحال التي كنتم عليه. . ." معطوف بعضه على بعض.]] مُعَرِّفَكم في كل ذلك مواقع نعمة قِبَلكم، وصنائعه لديكم،= [[في المطبوعة: "يعرفكم" بالياء في أوله، والصواب ما في المخطوطة، وهو منصوب الفاء، نصب على الحال.]] فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله وعلى لسان رسوله ﷺ. ="لعلكم تهتدون"، يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها. [[عند هذا الموضع، انتهى الجزء الخامس من مخطوطتنا، وفي آخره ما نصه: "نَجَز الجزء الخامس من كتاب البيان، بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، أعان الله على ما بعده بمنه وكرمه، وخفىّ لطفه وسعة رحمته، إنه وَلِيّ ذلك والقادرُ عليه. يتلوه في السادس إنْ شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: "وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون".

* *

وكان الفراغُ منه في شهر الله المحرّم غُرّة سنة خمس عشرة وسبعمئة، أحسن الله تَقَضِّيها وخاتمتها في خيرٍ وعافية، بمنّه وكرمه ولطفه - على يدِ العبد الفقير إلى رحمة مولاه، الغنيِّ به عمن سواه: علىّ بن محمد بن عباد (أو: عنان) بن عبد الصمد بن صالح الديدبلى (؟؟) الشافعي، غفر الله له ولوالديه، ولصاحب هذا الكتاب، ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالتوبة والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة، ولجميع المسلمين. وذلك بالقاهرة المحروسة، بحارة العطوفة. الحمد لله رب العالمين" ثم يتلوه الجزء السادس، وأوله:

"بسم الله الرحمن الرحيم ربّ أعِنْ"]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ولتكن منكم" أيها المؤمنون ="أمة"، يقول: جماعة [[انظر تفسير"أمة" فيما سلف ١: ٢٢١ / ٣: ٧٤، ١٠٠، ١٢٨، ١٤١، ٢٧٥ - ٢٧٧.]] ="يدعون" الناس="إلى الخير"، يعني إلى الإسلام وشرائعه التي شرعها الله لعباده [[انظر تفسير"الخير" فيما سلف ٢: ٥٠٥.]] ="ويأمرون بالمعروف"، يقول: يأمرون الناس باتباع محمد ﷺ ودينه الذي جاء به من عند الله [[انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ٣: ٢٩٣ / ٤: ٥٤٧، ٥٤٨ / ٥: ٤٤، ٧٦، ٩٣، ١٣٧، ٥٢٠.]] "وينهون عن المنكر"،: يعني وينهون عن الكفر بالله والتكذيب بمحمد وبما جاء به من عند الله، بجهادهم بالأيدي والجوارح، حتى ينقادوا لكم بالطاعة.

* *

وقوله:"وأولئك هم المفلحون"، يعني: المنجحون عند الله الباقون في جناته ونعيمه.

* *

وقد دللنا على معنى"الإفلاح" في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته هاهنا. [[انظر ما سلف ١: ٢٤٩، ٢٥٠ / ٣: ٥٦١.]]

* *

٧٥٩٥- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عيسى بن عمر القارئ، عن أبي عون الثقفي: أنه سمع صُبيحًا قال: سمعت عثمان يقرأ: ﴿" وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَسْتَعِينُونَ اللهَ عَلَى مَا أَصَابَهُم "﴾ . [[الأثر: ٧٥٩٥-"عيسى بن عمر الأسدي" المعروف بالهمداني، القارئ الأعمى صاحب الحروف، كوفي ثقة. مترجم في التهذيب وطبقات القراء ١: ٦١٢."أبو عون الثقفي" هو: "محمد بن عبيد الله بن سعيد" الأعور، كوفي تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، وطبقات القراء ٢: ١٩٤. أما "صبيح"، فلم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٤٩ قال: "صبيح، قال سمعت عثمان يقرأ: "ولتكن منكم أمة يهدون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون الله على ما أصابهم. روى عيسى بن عمر القارئ، عن أبي عون، عنه". ولم يزد على ذلك، وفي الجرح كما ترى"يهدون إلى الخير" على غير ما جاء في الطبري، فإنه يوافق القراءة الموروثة. وفي التاريخ الكبير للبخاري"صبيح بن عبد الله العبسي" أنه قال: "استعمل عثمان أبا سفيان بن الحارث على الفروض"، ولست أستطيع أن أرجح أنهما رجل واحد. وانظر الدر المنثور ٢: ٦١، ٦٢.]]

٧٥٩٦- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو ابن دينار قال: سمعت ابن الزبير يقرأ، فذكر مثل قراءة عثمان التي ذكرناها قبل سواء.

٧٥٩٧- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك:"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"، قال: هم خاصة أصحابِ رسول الله، وهم خاصَّة الرواة. [[الأثر ٧٥٩٧- رواه ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٠٩ ولفظه: "قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة" ثم بينه فقال: "يعني المجاهدين والعلماء".]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ولا تكونوا"، يا معشر الذين آمنوا ="كالذين تفرقوا" من أهل الكتاب="واختلفوا" في دين الله وأمره ونهيه ="من بعد ما جاءهم البينات"، من حجج الله، فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمرَ الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءة على الله="وأولئك لهم"، يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا، واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم ="عذاب" من عند الله="عظيم"، يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، في دينكم تفرُّق هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم، كما:-

٧٥٩٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات"، قال: هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرقوا ويختلفوا، كما تفرق واختلف أهل الكتاب، قال الله عز وجل:"وأولئك لهم عذابٌ عظيم".

٧٥٩٩- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا" ونحو هذا في القرآن أمر الله جل ثناؤه المؤمنين بالجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله.

٧٦٠٠ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، قال: هم اليهود والنصارى.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه.

* *

وأما قوله:"فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم"، فإن معناه: فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. ولا بدل"أما" من جواب بالفاء، فلما أسقط الجواب سقطت"الفاء" معه. وإنما جاز ترك ذكر"فيقال" لدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

* *

وأما معنى قوله جل ثناؤه:"أكفرتم بعد إيمانكم"، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عُني به.

فقال بعضهم: عني به أهل قبلتنا من المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، قوله:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، الآية، لقد كفر أقوامٌ بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:"والذي نفس محمد بيده، ليردنّ على الحوض ممن صحبني أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إليّ ورأيتهم، اختُلِجوا دوني، فلأقولن: ربّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"! = وقوله:"وأما الذين ابيضتْ وجوههم ففي رحمة الله"، هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل:"ففي رحمة الله هم فيها خالدون". [[الأثر: ٧٦٠١- هذا أثر مرسل، وقد أخرجه البخاري في صحيحه بغير هذا اللفظ (الفتح ١١: ٤٠٨، ٤١٢ وما بعدها) ومسلم في صحيحه ١٧: ١٩٤، وقوله: "رفعوا إلى"، أي أظهرهم الله له فرآهم من بعيد. واختلج الشيء: نزعه وجذبه.]]

٧٦٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"، فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا.

٧٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن سلمة والربيع بن صبيح، عن أبي مجالد، عن أبي أمامة:"فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم"، قال: هم الخوارج.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك: كلّ من كفر بالله بعد الإيمان الذي آمن، حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بيَّن في كتابه. [[يعني آية"سورة الأعراف: ١٧٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ ربكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠٤- حدثني المثني قال، حدثنا علي بن الهيثم قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، قال: صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسودَّ وجهه، وعيَّرهم."أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذابَ بما كنتم تكفرون"، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهُمْ على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين، يقول:"أكفرتم بعد إيمانكم"، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا له الدين والعمل، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.

* *

وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله:"أكفرتم بعد إيمانكم"، المنافقون.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" الآية، قال: هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] .

وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. [[في المطبوعة: "سوداء ... بيضاء" والصواب ما في المخطوطة.]] فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل:"عنى بقوله:"أكفرتم بعد إيمانكم"، بعض الكفار دون بعض"، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك. [[في المطبوعة: "أنها المراد" بغير تاء، والصواب ما في المخطوطة.]]

* *

فتأويل الآية إذًا: أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين. فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهدَه وميثاقَه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئًا، وتخلصوا له العبادة - بعد إيمانكم =يعني: بعد تصديقكم به؟ ="فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"، يقول: بما كنتم تجحدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق="وأما الذين أبيضَّت وجوههم". ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره ="ففي رحمة الله"، يقول: فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها وما أعد الله لأهلها فيها="هم فيها خالدون"، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه.

* *

وأما قوله:"فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم"، فإن معناه: فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. ولا بدل"أما" من جواب بالفاء، فلما أسقط الجواب سقطت"الفاء" معه. وإنما جاز ترك ذكر"فيقال" لدلالة ما ذكر من الكلام عليه.

* *

وأما معنى قوله جل ثناؤه:"أكفرتم بعد إيمانكم"، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عُني به.

فقال بعضهم: عني به أهل قبلتنا من المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، قوله:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، الآية، لقد كفر أقوامٌ بعد إيمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:"والذي نفس محمد بيده، ليردنّ على الحوض ممن صحبني أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إليّ ورأيتهم، اختُلِجوا دوني، فلأقولن: ربّ! أصحابي! أصحابي! فليقالنّ: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"! = وقوله:"وأما الذين ابيضتْ وجوههم ففي رحمة الله"، هؤلاء أهل طاعة الله، والوفاء بعهد الله، قال الله عز وجل:"ففي رحمة الله هم فيها خالدون". [[الأثر: ٧٦٠١- هذا أثر مرسل، وقد أخرجه البخاري في صحيحه بغير هذا اللفظ (الفتح ١١: ٤٠٨، ٤١٢ وما بعدها) ومسلم في صحيحه ١٧: ١٩٤، وقوله: "رفعوا إلى"، أي أظهرهم الله له فرآهم من بعيد. واختلج الشيء: نزعه وجذبه.]]

٧٦٠٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"، فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا.

٧٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن حماد بن سلمة والربيع بن صبيح، عن أبي مجالد، عن أبي أمامة:"فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم"، قال: هم الخوارج.

* *

وقال آخرون: عنى بذلك: كلّ من كفر بالله بعد الإيمان الذي آمن، حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم بما بيَّن في كتابه. [[يعني آية"سورة الأعراف: ١٧٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أخَذَ ربكَ مِنْ بني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠٤- حدثني المثني قال، حدثنا علي بن الهيثم قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، قال: صاروا يوم القيامة فريقين، فقال لمن اسودَّ وجهه، وعيَّرهم."أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذابَ بما كنتم تكفرون"، قال: هو الإيمان الذي كان قبل الاختلاف في زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرُّوا كلهم بالعبودية، وفطرهُمْ على الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلمين، يقول:"أكفرتم بعد إيمانكم"، يقول: بعد ذلك الذي كان في زمان آدم. وقال في الآخرين: الذين استقاموا على إيمانهم ذلك، فأخلصوا له الدين والعمل، فبيَّض الله وجوههم، وأدخلهم في رضوانه وجنته.

* *

وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله:"أكفرتم بعد إيمانكم"، المنافقون.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه" الآية، قال: هم المنافقون، كانوا أعطوا كلمةَ الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢] .

وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. [[في المطبوعة: "سوداء ... بيضاء" والصواب ما في المخطوطة.]] فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل:"عنى بقوله:"أكفرتم بعد إيمانكم"، بعض الكفار دون بعض"، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك. [[في المطبوعة: "أنها المراد" بغير تاء، والصواب ما في المخطوطة.]]

* *

فتأويل الآية إذًا: أولئك لهم عذاب عظيمٌ في يوم تبيضُّ وجوه قوم وتسودُّ وجوه آخرين. فأما الذين اسودت وجوههم، فيقال: أجحدتم توحيد الله وعهدَه وميثاقَه الذي واثقتموه عليه، بأن لا تشركوا به شيئًا، وتخلصوا له العبادة - بعد إيمانكم =يعني: بعد تصديقكم به؟ ="فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"، يقول: بما كنتم تجحدون في الدنيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بالإقرار به والتصديق="وأما الذين أبيضَّت وجوههم". ممن ثبتَ على عهد الله وميثاقه، فلم يبدِّل دينه، ولم ينقلب على عَقِبيه بعد الإقرار بالتوحيد، والشهادة لربه بالألوهة، وأنه لا إله غيره ="ففي رحمة الله"، يقول: فهم في رحمة الله، يعني: في جنته ونعيمها وما أعد الله لأهلها فيها="هم فيها خالدون"، أي: باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا غاية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"تلك آيات الله"، هذه آيات الله.

* *

وقد بينا كيف وضعت العرب"تلك" و"ذلك" مكان"هذا" و"هذه"، في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٢٢٥ - ٢٢٨ / ٣: ٣٣٥.]]

* *

وقوله:"آيات الله"، [[انظر تفسير"آية" فيما سلف في فهارس اللغة مادة"أيا".]] يعني: مواعظ الله وعبره وحججه. ="نتلوها عليك"، [[انظر تفسير"تلا" فيما سلف ٢: ٤٠٩ - ٤١١، ٥٦٦ - ٥٧٠ / ٦: ٤٦٦.]] نقرؤها عليك ونقصُّها=" ﴿بالحق﴾ ، يعني بالصدق واليقين.

وإنما يعني بقوله:"تلك آيات الله"، هذه الآيات التي ذكر فيها أمورَ المؤمنين من أنصار رسول الله ﷺ وأمور يهود بني إسرائيل وأهل الكتاب، وما هو فاعل بأهل الوفاء بعهده، وبالمبدِّلين دينه، والناقضين عهدَه بعد الإقرار به. ثم أخبر عز وجل نبيه محمدًا ﷺ أنه يتلو ذلك عليه بالحق، وأعلمه أن من عاقبَ من خلقه بما أخبر أنه معاقبه [به] : [[في المطبوعة: "أن من عاقبه"، وأثبت ما في المخطوطة فهو صواب. وما بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق.]] من تسويد وجهه، وتخليده في أليم عذابه وعظيم عقابه =ومن جازاه منهم بما جازاه: من تبييض وجهه وتكريمه وتشريف منزلته لديه، بتخليده في دائم نعيمه، فبغير ظلم منه لفريق منهم، بل بحق استوجبوه، [[في المطبوعة: "بل لحق"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأعمال لهم سلفت، جازاهم عليها، فقال تعالى ذكره:"وما الله يريد ظلمًا للعالمين"، يعني بذلك: وليس الله يا محمد= بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيم، وتبييض وجوه هؤلاء وتنعيمه إياهم في جنته =طالبًا وضعَ شيء مما فعل من ذلك في غير موضعه الذي هو موضعه= إعلامًا بذلك عباده أنه لن يصلح في حكمته بخلقه غير ما وعد أهل طاعته والإيمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به = وإنذارًا منه هؤلاء وتبشيرًا منه هؤلاء.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (١٠٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيمانهم بما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيم وتسويد الوجوه، ويثيب أهلَ الإيمان به الذين ثبتوا على التصديق والوفاء بعهودهم التي عاهدوا عليها بما وصفَ أنه مثيبهم به من الخلود في جنانه، من غير ظلم منه لأحد الفريقين فيما فعل، لأنه لا حاجة به إلى الظلم. وذلك أن الظالم إنما يظلم غيره ليزداد إلى عزه عزة بظلمه إياه، أو إلى سلطانه سلطانًا، أو إلى ملكه ملكًا، = [[في المطبوعة: "وإلى ملكه" بالواو، وأثبت ما في المخطوطة.]] أو إلى نقصان في بعض أسبابه يتمم بها ظلم غيره فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمام. [[في المطبوعة: "وإلى ملكه ملكًا لنقصان في بعض أسبابه يتمم بما ظلم غيره فيه ما كان ناقصًا من أسبابه عن التمام"، وهي جملة تشبه أن تكون مستقيمة، بيد أن الطبري أراد أن الظالم يظلم ليزداد عزة إلى عزه - أو سلطانًا إلى سلطانه - أو ملكًا إلى ملكه - أو أن يتمم بظلمه ما كان ناقصًا من أسبابه. وعبارة الطبري التي أثبتها مستقيمة جدا على طريقته في العبارة.]] فأما من كان له جميع ما بين أقطار المشارق والمغارب، وما في الدنيا والآخرة، فلا معنى لظلمه أحدًا، فيجوز أن يظلم شيئًا، لأنه ليس من أسبابه شيء ناقصٌ يحتاج إلى تمام، فيتم ذلك بظلم غيره، تعالى الله علوًّا كبيرًا. ولذلك قال جل ثناؤه عَقِيب قوله:"وما الله يريد ظلمًا للعالمين"،"ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور".

* *

واختلف أهل العربية في وجه تكرير الله تعالى ذكره اسمه مع قوله:"وإلى الله ترجع الأمور" ظاهرًا، وقد تقدم اسمُه ظاهرًا مع قوله:"ولله ما في السموات وما في الأرض".

فقال بعض أهل العربية من أهل البصرة: ذلك نظيرُ قول العرب:"أما زيدٌ فذهب زيدٌ"، وكما قال الشاعر: [[هو عدى بن زيد، وقد ينسب إلى ولده سوادة بن عدي، وربما نسب لأمية بن أبي الصلت.]]

لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى وَالفَقِيرَا [[حماسة البحتري: ٩٨، وشعراء الجاهلية: ٤٦٨، وسيبويه ١: ٣٠، وخزانة الأدب ١: ١٨٣، ٢: ٥٣٤، ٤: ٥٥٢، وأمالي ابن الشجري ١: ٢٤٣، ٢٨٨، وشرح شواهد المغني: ٢٩٦، وهو من أبيات مفرقة في هذه الكتب وغيرها من حكمة عدي في تأمل الحياة والموت، يقول قبل البيت: إنّ للدَّهْرِ صَوْلَةً فَاحْذَرنْهَا ... لا تَبِيتَنَّ قَدْ أمِنْتَ الدّهورَا

قَدْ يَنَامُ الفَتَى صَحِيحًا فَيَرْدَى ... وَلَقَدْ بَاتَ آمِنًا مَسْرُورَا

لا أَرَى المَوْتَ................ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثم يقول بعد أبيات: أَيْنَ أيْنَ الفِرَارُ مِمَّا سَيَأْتِي ... لا أَرَى طَائِرًا نَجَا أَنْ يَطِيرَا

ويقول: غني الناس وفقيرهم، فيهم مفسد عليه حياته من مخافة هذا الموت، ومن ترقبه، هذا يخاف أن يسبقه الموت إلى ماله الذي جمع، وذاك يفزع أن يسبقه الردى إلى ما يؤمل من متاع الدنيا. وكان هذا البيت في المخطوطة فاسدًا محرفًا ناقصًا، وهو في المطبوعة سوى مستقيم.]]

فأظهر في موضع الإضمار.

* *

وقال بعض نحويي الكوفة: ليس ذلك نظير هذا البيت، لأن موضع"الموت" الثاني في البيت موضع كناية، لأنه كلمة واحدة، [[الكناية: هو الضمير في اصطلاح بقية النحويين.]] وليس ذلك كذلك في الآية، لأن قوله:"ولله ما في السموات وما في الأرض" خبرٌ، ليس من قوله:"وإلى الله ترجع الأمور" في شيء، وذلك أنّ كلّ واحدة من القصتين مفارقٌ معناها معنى الأخرى، مكتفية كل واحدة منهما بنفسها، غير محتاجة إلى الأخرى. وما قال الشاعر:"لا أرى الموت"، محتاجٌ إلى تمام الخبر عنه. [[في المخطوطة والمطبوعة: "كما قال الشاعر"، وهو غير مستقيم، والصواب ما أثبت.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني عندنا أولى بالصواب، لأن كتاب الله عز وجل لا توجَّهُ معانيه وما فيه من البيان، [[في المطبوعة: "لا يؤخذ معانيه"، وفي المخطوطة: "لا يوحد" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت، والناسخ كثير التصحيف كما علمت، والدال هي الهاء في آخر الكلمة.]] إلى الشواذ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجهٌ صحيح موجودٌ.

وأما قوله:"وإلى الله ترجع الأمور" فإنه يعني تعالى ذكره: إلى الله مصير أمر جميع خلقه، الصالح منهم والطالح، والمحسن والمسيء، فيجازي كلا على قدر استحقاقهم منه الجزاء، بغير ظلم منه أحدا منهم.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس".

فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وخاصة، من أصحاب رسول الله ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال في:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين خرجوا معه من مكة.

٧٦٠٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.

٧٦٠٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال:"أنتم"، فكنا كلنا، ولكن قال:"كنتم" في خاصة من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

٧٦٠٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال، عكرمة: نزلت في ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل.

٧٦١٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه: قال عمر:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.

٧٦١١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. [[الأثر: ٧٦١١- رواه أحمد في المسند رقم: ٢٤٦٣، ٢٩٢٨، ٢٩٨٩، ٣٣٢١، وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٤، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.]]

٧٦١٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجّة حجّها ورأى من الناس رِعَة سيئة، [[الرعة (بكسر الراء وفتح العين) أصلها من الورع، مثل"العدة" من"الوعد". والرعة: الهدى وسوء الهيئة أو حسن الهيئة، أي هي بمعنى: الشأن والأمر والأدب. وفي حديث الحسن: "ازدحموا عليه فرأى منهم رعة سيئة فقال: اللهم إليك"، أي سوء أدب، لم يحسنوا الكف عما يشين.]] فقرأ هذه:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، الآية. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. [[قوله: "شرط الله منها"، أي شرط الله الذي طلبه منها.]]

٧٦١٣- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: هم أصحابُ رسول الله ﷺ خاصة، يعني = وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. [[قد مضى تفسير معنى"الرواة" في الأثر رقم ٧٥٩٧، والتعليق عليه.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمة أخرجت للناس، إذا كنتم بهذه الشروط التي وصفهم جل ثناؤه بها. فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، أخرجوا للناس في زمانكم.

ذكر من قال ذلك:

٧٦١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، يقول: على هذا الشرط: أن تأمرُوا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله = يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الدخان: ٣٢] .

٧٦١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال يقول: كنتم خير الناس للناس على هذا الشرط: أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر. وتؤمنوا بالله = يقول: لمن بين ظَهريه، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الدخان: ٣٢] .

٧٦١٦- وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: كنتم خير الناس للناس، تجيئون بهم في السلاسل، تدخلونهم في الإسلام. [[الأثر: ٧٦١٦- أخرجه البخاري من طريق محمد بن سفيان عن ميسرة. (الفتح ٨: ١٦٩) وقال الحافظ: "ميسرة: هو ابن عمار الأشجعي، كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق". و"أبو حازم" هو"سلمان الأشجعي الكوفي"، وفي الفتح"سليمان"، وهو خطأ وتصحيف. ولفظ البخاري: "تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام".

وقد استوفى الحافظ في هذا الموضع، الحديث عن معنى الآية، وذكر أكثر الآثار التي سلفت، والتي ستأتي بعد.]]

٧٦١٧- حدثنا عبيد بن أسباط قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: خيرَ الناس للناس.

* *

وقال آخرون: إنما قيل:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام.

ذكر من قال ذلك:

٧٦١٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، [[في المطبوعة: "عمار بن الحسين"، وهو خطأ، والصواب في المخطوطة.]] حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَ قال:"كنتم خير أمة أخرجت للناس".

* *

وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس.

ذكر من قال ذلك:

٧٦١٩- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال: قد كان ما تسمعُ من الخير في هذه الأمة.

٧٦٢٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: نحن آخرُها وأكرمُها على الله.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن، وذلك أن:

٧٦٢١- يعقوب بن إبراهيم حدثني قال، حدثنا ابن علية، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"ألا إنكم وفيَّتم سبعين أمَّة، أنتم آخرها وأكرمها على الله.

٧٦٢٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس"، قال: أنتم تتمُّون سبعين أمة، أنتم خيرُها وأكرمها على الله". [[الحديثان: ٧٦٢١، ٧٦٢٢- هما حديث واحد بإسنادين. وقد مضى بالإسنادين معًا مجموعين، برقم: ٨٧٣. وقد خرجناه هناك مفصلا، وأشرنا إلى مواضعه هنا في طبعة بولاق. ونزيد هنا أنه رواه أيضا الحاكم في المستدرك ٤: ٨٤، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، بالإسناد الثاني هنا. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ثم أشار الحاكم إلى متابعة سعيد الجريري، بروايته إياه عن حكيم بن معاوية. ثم رواه من طريق يزيد بن هارون، عن الجريري. ورواية الجريري سبق أن خرجناها هناك من رواية أحمد في المسند.

وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٦٩، مشيرًا إلى رواية الطبري إياه، ثم قال: "وهو حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي وحسنه. وابن ماجه، والحاكم وصححه".

وقد ورد معناه أيضًا، ضمن حديث مطول عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا، رواه أحمد في المسند: ١١٦٠٩ (ج٣ ص ٦١ حلبى) . وإسناده صحيح.]]

٧٦٢٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة:"نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرُها".

* *

وأما قوله:"تأمرون بالمعروف"، فإنه يعني: تأمرون بالإيمان بالله ورسوله، والعمل بشرائعه ="وتنهون عن المنكر"، يعني: وتنهون عن الشرك بالله. وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه، كما:-

٧٦٢٤- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"كنتم خير أمة أخرجت للناس". يقول: تأمرونهم بالمعروف: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و"لا إله إلا الله"، هو أعظم المعروف = وتنهونهم عن المنكر، والمنكر هو التكذيب، وهو أنكرُ المنكر.

* *

وأصل"المعروف" كل ما كان معروفًا فعله، جميلا مستحسنًا، [[في المطبوعة: "كل ما كان معروفًا، ففعله جميل مستحسن"، غيروا نص المخطوطة. ظنًا منهم أنه غير مستقيم، وهو أحسن استقامة مما أثبتوا!! بل هو الصواب المحض.]] غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله"معروفًا"، لأنه مما يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله. [[انظر تفسير"المعروف" فيما سلف قريبًا ص: ٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] .

* *

وأصل"المنكر"، ما أنكره الله، ورأوه قبيحًا فعلهُ، ولذلك سميت معصية الله"منكرًا"، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون رُكوبها. [[انظر تفسير"المنكر" فيما سلف قريبا ص: ٩١.]]

* *

وقوله:"وتؤمنون بالله"، يعني: تصدّقون بالله، فتخلصون له التوحيد والعبادة.

* *

قال أبو جعفر: فإن سأل سائل فقال: وكيف قيل:"كنتم خير أمة"، وقد زعمتَ أن تأويل الآية: أنّ هذه الأمة خيرُ الأمم التي مضت، وإنما يقال:"كنتم خير أمة"، لقوم كانوا خيارًا فتغيَّروا عما كانوا عليه؟

قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه: أنتم خير أمة، كما قيل: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾ [الأنفال: ٢٦] وقد قال في موضع آخر: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦] فإدخال"كان" في مثل هذا وإسقاطها بمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٩.]] ولو قال أيضا في ذلك قائل:"كنتم"، بمعنى التمام، كان تأويله: خُلقتم خير أمة = أو: وجدتم خير أمة، كان معنى صحيحًا.

* *

وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى ذلك: كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، أخرجت للناس.

* *

والقولان الأولان اللذان قلنا، أشبهُ بمعنى الخبر الذي رويناه قبلُ.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقة. وقال:"الأمة": الطريقة. [[انظر تفسير"أمة" فيما سلف ١: ٢٢١ / ثم هذا ص ٩٠، والمراجع هناك في التعليق.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدَّق أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى بمحمد ﷺ وما جاءهم به من عند الله؛ لكان خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم ="منهم المؤمنون"، يعني: من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، المؤمنون المصدِّقون رسول الله ﷺ فيما جاءهم به من عند الله، وهم: عبد الله بن سلام وأخوه، وثعلبة بن سَعْيَة وأخوه، [[في المطبوعة: "ثعلبة بن سعيد"، وهو خطأ، والصواب ما أثبته من المخطوطة و"سعية" بالسين المهملة المفتوحة والياء المنقوطة باثنين. وسيأتي على الصواب في خبر إسلامه وإسلام أخيه، بعد قليل، رقم: ٧٦٤٤.]] وأشباههم ممن آمنوا بالله وصدّقوا برسوله محمد ﷺ، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله ="وأكثرهم الفاسقون"، يعني: الخارجون عن دينهم، [[انظر تفسيره"الفسق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠ / ٢: ١١٨، ٣٩٩ / ٤. ١٣٥ - ١٤١ / ٦: ٩١.]] وذلك أن من دين اليهود اتباعُ ما في التوراة والتصديقُ بمحمد ﷺ، ومن دين النصارى اتباعُ ما في الإنجيل، والتصديق به وبما في التوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمد ﷺ ونعته ومبعثه، [[في المخطوطة والمطبوعة: "وفي كل الكتابين. . ."، وهو تحريف، والصواب ما أثبت.]] وأنه نبي الله. وكلتا الفرقتين -أعني اليهود والنصارى- مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدعون أنهم يدينون به، الذي قال جل ثناؤه:"وأكثرهم الفاسقون".

* *

وقال قتادة بما:-

٧٦٢٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون"، ذم الله أكثر الناس.

القول في تأويل قوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لن يضركم، يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم وتكذيبهم نبيَّكم محمدًا ﷺ شيئا ="إلا أذى"، يعني بذلك: ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولن يضروكم بذلك، [[في المطبوعة: "ولا يضرونكم"، وفي المخطوطة: "ولا يضروكم"، والصواب هو ما أثبت.]] .

* *

وهذا من الاستثناء المنقطع الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل:"ما اشتكى شيئًا إلا خيرًا"، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعًا.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"لن يضروكم إلا أذى"، يقول: لن يضروكم إلا أذى تسمعونه منهم.

٧٦٢٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"لن يضروكم إلا أذى"، قال: أذى تسمعونه منهم.

٧٦٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"لن يضروكم إلا آذى"، قال: إشراكهم في عُزير وعيسى والصَّليب.

٧٦٢٩- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"لن يضروكم إلا أذى" الآية، قال: تسمعون منهم كذبًا على الله، يدعونكم إلى الضلالة.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن يقاتلكم أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى يهزَموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزامًا.

* *

فقوله:"يولوكم الأدبار"، كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحوِّل ظهره إلى جهة الطالب هربًا إلى ملجأ وموئل يئل إليه منه، خوفًا على نفسه، والطالبُ في أثره. فدُبُر المطلوب حينئذ يكون محاذي وجه الطالب الهازِمِِة.

* *

="ثم لا ينصرون"، يعني: ثم لا ينصرهم الله، أيها المؤمنون، عليكم، لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد ﷺ. لأن الله عز وجل قد ألقى الرعب في قلوبهم، فأيدكم أيها المؤمنون بنصركم. [[في المطبوعة: "قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم"، وهو تصحيح لما في المخطوطة: "قد ألقى الرعب في قلوب فأيدكم"، وظاهر أن"قلوب" صوابها"قلوبهم"، واستقام الكلام على ما في المخطوطة.]] .

* *

وهذا وعدٌ من الله تعالى ذكره نبيه محمدًا ﷺ وأهل الإيمان، نصرَهم على الكفرة به من أهل الكتاب.

* *

وإنما رفع قوله:"ثم لا ينصرون" وقد جَزم قوله:"يولوكم الأدبار"، على جواب الجزاء، ائتنافًا للكلام، لأن رؤوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، كما قال: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [سورة المرسلات: ٣٦] ، رفعًا، وقد قال في موضع آخر: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [سورة فاطر: ٣٦] إذْ لم يكن رأس آية. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٩.]]

القول في تأويل قوله: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه"ضُربت عليهم الذلة"، ألزموا الذلة. و"الذلة""الفعلة" من"الذل"، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع. [[انظر تفسير"ضربت عليهم الذلة" فيما سلف ٢: ١٣٦.]]

* *

"أينما ثقفوا" يعني: حيثما لقوا. [[انظر تفسير"ثقف" فيما سلف ٣: ٥٦٤.]]

* *

يقول جل ثناؤه: ألزِم اليهود المكذبون بمحمد ﷺ الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين ="إلا بحبل من الله، وحبل من الناس"، كما:-

٧٦٣٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن الحسن في قوله:"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة"، [[سقط من الناسخ: "وباءوا بغضب من الله"، ومضت على ذلك المطبوعة، فأثبت وجه التلاوة.]] قال: أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية.

٧٦٣١- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، قال: أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.

* *

وأما"الحبل" الذي ذكره الله في هذا الموضع، [[انظر تفسير"الحبل" فيما سلف قريبا ص: ٧٠، ٧١.]] فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام. كما:-

٧٦٣٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إلا بحبل من الله"، قال: بعهد ="وحبل من الناس"، قال: بعهدهم.

٧٦٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.

٧٦٣٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

٧٦٣٥- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال، [[في المخطوطة: "عثمان بن عتاب"، والصواب ما في المطبوعة.]] عكرمة: يقول:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، قال: بعهد من الله، وعهد من الناس.

٧٦٣٦- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.

٧٦٣٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.

٧٦٣٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، فهو عهد من الله وعهد من الناس، كما يقول الرجل:"ذمة الله وذمة رسوله ﷺ"، فهو الميثاق.

٧٦٣٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد:"أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، قال: بعهد من الله وعهد من الناس لهم = قال ابن جريج، وقال عطاء: العهدُ حبل الله.

٧٦٤٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، قال: إلا بعهد، وهم يهود. قال: والحبل العهد. قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله ﷺ حين أتته الأنصار في العقبة:"أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس"، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله عز وجل. وقرأ: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران: ٥٥] ، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله: (وَقَطَّعْنَاهُم فِي الأرْضِ أُمَمًا) [سورة الأعراف: ١٦٨] ، يهود. [[الأثر: ٧٦٤٠ - مضى مختصرًا برقم: ٧١٥٥.]]

٧٦٤١- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، يقول: بعهد من الله وعهد من الناس.

٧٦٤٢- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

* *

قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب"الباء" في قوله:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، فقال بعض نحويي الكوفة: [[هو الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣٠.]] الذي جلب"الباء" في قوله:"بحبل"، فعل مضمر قد تُرك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا بحبل من الله = فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: [[هو حميد بن ثور الهلالي.]]

رَأَتْنِي بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مَخَافَةً ... وَفِي الحَبْلِ رَوْعَاءُ الفُؤَادِ فَرُوقُ [[ديوانه: ٣٥، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٣٠، واللسان (نسع) و (فرق) وفي رواية البيت في مادة (فرق) خطأ قبيح وتصحيف، صوابه ما في التفسير هنا. وأما رواية الديوان فهي: فَجِئْتُ بِحَبْلَيْهَا، فَرَدَّتْ مَخَافةً ... إِلى النَّفْسِ رَوْعَاءُ الجنانِ فَرُوقُ

و"روعاء الجنان": شديدة الذكاء، حية النفس، شهمة، كأن بها فزعًا من حدتها وخفة روحها. و"فروق": شديدة الفزع. لم يرد ذمًا، ولكنه مدح ناقته بحدة الفؤاد، تفزع لكل نبأة من يقظتها، كما قالوا في مدحها: "مجنونة". يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين، لأشد عليها رحلي، فصدت خائفة. يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار. ثم قال: فلما شددت عليها الرحل، كانت في الحبل ذكية شهمة، تتوجس لكل نبأة من يقظتها وتوقدها.]]

وقال: أراد: أقبلت بحبليها، وبقول الآخر: [[هو أبو الطمحان القينى، حنظلة بن الشرقي، من بني كنانة بن القين. وهو أحد المعمرين وينسب هذا الشعر أيضًا لعدي بن زيد، وللمسحاج بن سباع الضبي.]]

حَنْتنِي حَانِيَاتُ الدَّهْرِ حَتَّى ... كأَنِّي خَاتِلٌ أَدْنُو لِصَيْدِ [[كتاب المعمرين: ٥٧، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٣٠، والأغاني ٢: ٣٥٣، ٣٥٦، وفيه أيضا ١٢: ٣٤٧، وحماسة البحتري: ٢٠٢، وأمالي القالي ١: ١١٠، وأمالي الشريف ١: ٤٦، ٢٥٧، ومجموعة المعاني: ١٢٣، والمعاني الكبير: ١٢١٤، مع اختلاف كبير في الرواية، واللسان (ختل) ، وغيرها. هذا، وقد اقتصرت المطبوعة والمخطوطة على البيت الأول، وهو عمل فاسد جدًا، وليس من فعل أبي جعفر بلا شك، ولكنه من سهو الناسخ. لأن أبا جعفر نقل مقالة الفراء في معاني القرآن، وإسقاط البيت الثاني، وهو بيت الشاهد، فساد عظيم، فأثبت البيت، وأثبت أيضًا تعقيب الفراء عليه، وهو قوله: "يريد مقيدًا بقيد"، ولم أضع هذا بين أقواس، لأن سهو الناسخ أمر مقطوع به بالدليل البين.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أحنو لصيد"، وهو تصحيف لا شك فيه. ذلك أن أبا جعفر إنما ينقل مقالة الفراء، وهو في كتاب الفراء، وفيما نقله عنه الناقلون في المراجع السالفة، هو الذي أثبته. هذا مع ظهور التصحيف وقربه، ومع فساد معنى هذا التصحيف، ومع فقدان هذه الرواية الغريبة. وقوله: "خاتل"، يعني صائدًا، يقال: "ختل الصيد"، أي: استتر الصائد بشيء ليرمي الصيد، فهو في سبيل ذلك يمشي قليلا قليلا في خفية، لئلا يسمع الصيد حسه. فهذا هو الختل والمخاتلة.]]

قَرِيبُ الخَطُوِ يَحْسِبُ مَنْ رَآنِي ... وَلْسُت مقَيدًا أَنِّى بِقَيْدِ

فأوجب إعمال فعل محذوف، وإظهار صلته وهو متروك. [["الصلة" هنا: الجار والمجرور.]] وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد. وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دالّ على صحة دعواه، لأن في قول الشاعر:"رأتني بحبليها"، دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكًا، ففي إخباره عنها أنها"رأته بحبليها"، إخبارٌ منه أنها رأته ممسكًا بالحبلين. فكان فيما ظهر من الكلام مستغنًى عن ذكر"الإمساك"، وكانت"الباء" صلة لقوله:"رأتني"، كما في قول القائل: [[في المطبوعة: "كما في قول القائل" بزيادة"في"، وهي أشد إفسادًا للكلام من تصحيف هذا الناسخ في بعض ما يكتب. وقوله: "مكتف بنفسه" خبر لقوله: "كما قول القائل" وقوله: "ومعرفة السامع" معطوف على قوله: "بنفسه" أي: مكتف بنفسه وبمعرفة السامع معناه.]] "أنا بالله"، مكتف بنفسه، ومعرفةِ السامع معناه، أن تكون"الباء" محتاجة إلى كلام يكون لها جالبًا غير الذي ظهر، وأن المعنى:"أنا بالله مستعين".

* *

وقال بعض نحويي البصرة، قوله:"إلا بحبل من الله" استثناء خارجٌ من أول الكلام. قال: وليس ذلك بأشد من قوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [سورة مريم: ٦٢]

* *

وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، أي: بكل مكان = إلا بموضع حبل من الله، كما تقول: ضُربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان.

* *

وهذا أيضًا طلب الحق فأخطأ المفصل. وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة. وليس ذلك صفة اليهود، لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل. فلو كان قوله:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس"، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثُقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم. وذلك خلاف ما وصَفهم الله به من صفتهم، وخلافُ ما هم به من الصفة، فقد تبين أيضًا بذلك فساد قول هذا القائل أيضًا.

* *

قال أبو جعفر: ولكن القول عندنا أن"الباء" في قوله:"إلا بحبل من الله"، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتضٍ في المعنى"الباء". وذلك أن معنى قوله:"ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا" ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا = ثم قال:"إلا بحبل من الله وحبل من الناس" على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه. ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [سورة النساء: ٩٢] ، فالخطأ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبل الاستثناء، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى:"إلا خطأ"، فإن له قتله كذلك = ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ. فكذلك قوله:"أينما ثقفوا إلا بحبل من الله، وإن كان الذي جلب"الباء" التي بعد"إلا" الفعل الذي يقتضيها قبل"إلا"، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله، بمعنى: أن القوم إذا لُقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكل حال. ولكن معناه ما بينا آنفا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"وباؤوا بغضب من الله"، وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه. وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى"المسكنة" وأنها ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما، ومعنى:"الغضب من الله" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"باء" فيما سلف ٢: ١٣٨، ٣٤٥. وتفسير"غضب الله" ١: ١٨٨، ١٨٩ / ٢: ١٣٨، ٣٤٥. وتفسير"ضربت عليهم" ٢: ١٣٦ / ٧: ١١٠ وتفسير"المسكنة" ٢: ١٣٧، ٢٩٢، ٢٩٣ / ٣: ٣٤٥ / ٤: ٢٩٥.]]

* *

وقوله:"ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله"، يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلك"، أي بوْءُهم الذي باءوا به من غضب الله، وضْربُ الذلة عليهم، بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله = يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه ="ويقتلون الأنبياء بغير حق"، يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداءً على الله وجرأة عليه بالباطل، وبغير حق استحقوا منهم القتل.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ألزِموا الذلة بأي مكان لُقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متحمِّليه، وألزموا ذل الفاقة وخشوع الفقر، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم.

* *

وقد بينا معنى"الاعتداء" في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته [[انظر ما سلف ٢: ١٤٢، ١٦٧، ٣٠٧ / ٣: ٣٧٥، ٣٧٦، ٥٦٤، ٥٨٠ / ٤: ٥٨٣، ٥٨٤، وغيرها.]] .

* *

فأعلم رُّبنا جل ثناؤه عبادَه، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا، مع ما ذخر لهم في الأجل من العقوبة والنكال وأليم العذاب، [[في المطبوعة: "مع ما ادخر لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهما سواء في المعنى.]] إذ تعدوا حدودَ الله، واستحلوا محارمه = تذكيرًا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيهًا على موضع البلاء الذي من قِبَاله أتوا لينيبوا ويذّكروا، وعِظة منه لأمتنا أن لا يستنُّوا بسنتهم ويركبوا منهاجهم، [[في المطبوعة: "منها جهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو أجود.]] فيسلك بهم مسالكهم، ويحل بهم من نقم الله ومثُلاته ما أحل بهم. كما:-

٧٦٤٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون"، اجتنِبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِك مَنْ أُهْلك قبلكم من الناس.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ليسوا سواء"، ليس فريقًا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر: سواء. يعني بذلك: أنهم غير متساوين. يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد، والخير والشر. [[انظر تفسير"سواء" فيما سلف ١: ٢٥٦.]] .

* *

وإنما قيل:"ليسوا سواء"، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، [[هي الآية السالفة قبل قليل: ١١٠ من سورة آل عمران.]] ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة فقال:"ليسوا سواء"، أي: ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الخبرَ جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل الكتاب، ومدحَهم، وأثنى عليهم، بعد ما وصف الفِرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع، ونَخْب الجَنان، [[النخب (بفتح فسكون) : الجبن وضعف القلب. ورجل منخوب الجنان ونخيب الجنان: جبان لا قلب له، كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له.]] ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمُّل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال:"من أهل الكتاب أمَّة قائمةٌ يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون"، الآيات الثلاث، إلى قوله:"والله عليم بالمتقين".

* *

فقوله: [[في المطبوعة: "قوله" بغير فاء في أولها، والصواب من المخطوطة.]] "أمة قائمة" مرفوعةٌ بقوله:"من أهل الكتاب".

* *

وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدَّمين منهم في صناعتهم: [[يعني الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣٠، ٢٣١، وهذا قريب من نص كلامه، وبعض شواهده.]] أن ما بعد"سواء" في هذا الموضع من قوله:"أمة قائمة"، ترجمةٌ عن"سواء" وتفسيرٌ عنه، [[الترجمة: يعني البدل، وانظر تفسير ذلك فيما سلف ٢: ٣٤٠، ٣٧٤، ٤٢٠، ٤٢٤، ٤٢٦، وغيرها من المواضع في فهرس المصطلحات.]] بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة. وزعموا أنّ ذكر الفرقة الأخرى، ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي"الأمة القائمة"، ومثَّلوه بقول أبي ذئيب:

عَصَيْتُ إلَيْهَا القَلْبَ: إنِّي لأمْرِهَا ... سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُهَا؟ [[سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ١: ٣٢٧.]]

ولم يقل:"أم غير رشد"، اكتفاء بقوله:"أرشد" من ذكر"أم غير رشد"،. وبقول الآخر: [[لم أعرف قائله.]]

أَرَاك فَلا أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتُه؟ ... وَذُو الهَمِّ قِدْمًا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ [[معاني القرآن للفراء ١: ٢٣١. وكان في المطبوعة: "أزال فلا أدري ... "، وهو لا معنى له، والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن. ولست أدري أيخاطب امرأة فيقول لها: إن الهم يغلبني إذا رأيتك. فأنا له خاشع متضائل = أم هو يريد الهم والفتك، فيقول: إن الذي يضمر في نفسه شيئًا يهم به من الفتك، يخفى شخصه حتى يبلغ غاية ثأره بعدوه. ولا أرجح شيئًا حتى أجد إخوة هذا البيت.]]

* *

قال أبو جعفر: وهو مع ذلك عندهم خطأٌ قولُ القائل المريد أن يقول:"سواء أقمتَ أم قعدت" =:"سواء أقمت"، حتى يقول:"أم قعدت".، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيًا بواحد، دون ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحو:"ما أبالي" أو"ما أدري"، فأجازوا في ذلك:"ما أبالي أقمت"، وهم يريدون:"ما أبالي أقمت أم قعدت"، لاكتفاء"ما أبالي" بواحد = وكذلك في"ما أدري". وأبوا الإجازة في"سواء"، من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا في توجيههم قوله:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة" على ما حكينا عنهم، إلى ما وجهوه إليه -مذاهبَهم في العربية = [[قوله: "مذاهبهم" مفعول"فأغفلوا". والسياق: فأغفلوا في توجيههم قوله إلى ما وجهوه إليه - مذاهبهم في العربية. . .]] إذّ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم في الكلام مع"سواء"، وأخطأوا تأويل الآية. فـ"سواء" في هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء، لا بالمعنى الذي تأوَّله من حكينا قوله.

* *

وقد ذكر أن قوله:"من أهل الكتاب أمة قائمة" الآيات الثلاث، نزلت في جماعة من اليهود أسلموا فحسن إسلامهم.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٤٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا فيه، [[في المطبوعة: "ومنحوا فيه"، وفي المخطوطة: "ومحوا" غير منقوطة، وهي تصحيف للذي أثبته من سيرة ابن هشام.]] قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا! [[في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا". وهي أجود.]] ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله" إلى قوله:"وأولئك من الصالحين". [[الأثران: ٧٦٤٤، ٧٦٤٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٦.]]

٧٦٤٥- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير، [[في المخطوطة والمطبوعة: "يونس عن بكير"، وهو خطأ، وهذا إسناد كثير الدوران في التفسير أقربه رقم: ٧٣٣٤.]] عن محمد بن إسحاق قال، حدثني بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه. [[في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا". وهي أجود.]]

٧٦٤٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة" الآية، يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية. [[في المخطوطة"لله فيهم عليه" غير منقوطة، وتركت ما في المطبوعة، لأنه وافق ما في الدر المنثور ٢: ٦٤، ٦٥.]]

٧٦٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"أمة قائمة"، عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، [[في المطبوعة: "شعية"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ومبشر، وأسَيْد وأسد ابنا كعب.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله، سواء عند الله.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٤٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في قوله:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة"، قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمةُ محمد ﷺ. [[الحديث: ٧٦٤٨- أبو عاصم: هو النبيل، الضحاك بن مخلد. مضى في: ٢١٥٥. عيسى: هو ابن ميمون الجرشي المكي. مضى في: ٢٧٨.

الحسن بن يزيد العجلى: تابعي ثقة. ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمة البخاري في الكبير، ١ / ٢ / ٣٠٦، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٢ - فلم يذكرا فيه جرحًا وهذا الحديث ذكره ابن كثير ٢: ٢٢٤، عن ابن أبي نجيح غير منسوب لتخريج وسيأتي له بقية بهذا الإسناد ٧٦٦٠، وقد جمعها السيوطي حديثا واحدا ٢: ٦٥، كما سيأتي هناك.]]

٧٦٤٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة"، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك، قولُ من قال: قد تمت القصة عند قوله:"ليسوا سواء"، عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب وأهل الكفر منهم، وأنّ قوله:"من أهل الكتاب أمة قائمة"، خبر مبتدأ عن مدح مؤمنهم ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

* *

ويعني جل ثناؤه بقوله:"أمة قائمة"، جماعة ثابتةٌ على الحق.

* *

وقد دللنا على معنى"الأمة" فيما مضى بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف قريبًا ص: ١٠٦ والتعليق: ٢، وفيه المراجع.]]

وأما"القائمة"، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناها: العادلة.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"أمة قائمة"، قال: عادلة.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٥١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"أمة قائمة"، يقول: قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده.

٧٦٥٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"أمة قائمة"، يقول: قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه.

٧٦٥٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"من أهل الكتاب أمة قائمة"، يقول: أمة مهتدية، قائمة على أمر الله، لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.

* *

وقال آخرون. بل معنى"قائمة"، مطيعة.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٥٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أمة قائمة"، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله و"القانتة"، المطيعة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس وقتادة ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخَر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك. وذلك أن معنى قوله:"قائمة"، مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ وغير ذلك من أسباب الخير، [[في المخطوطة والمطبوعة: "بالعدل والطاعة. . ."، وهو خطأ وفساد كبير في السياق، والصواب ما أثبت، لأن الطبري فسر"قائمة" بمعنى مستقيمة، ثم ذكر أقوال أهل التأويل التي قالوها قبل من"العدل" و"الطاعة"، ثم قال إنها"من صفة أهل الاستقامة". فهي بذلك داخلة في معنى"قائمة" كما فسرها.]] من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ أنه قال:

٧٦٥٥-"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة"، ثم ضرب لهم مثلا. [[الحديث: ٧٦٥٥- هذا حديث صحيح، أشار إليه الطبري إشارة، دون أن يذكره بتمامه، ولم يذكر إسناده.

وقد رواه أحمد في المسند ٤: ٢٦٨ (حلبي) ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بَشِير قال، قال رسول الله ﷺ: مَثَلُ القائم على حدود الله تعالى، والمُدْهِنِ فيها، كَمَثَلِ قوم اسْتَهَمُوا على سَفِينة في البحر فأصاب بعضُهم أَسْفَلهَا، وأصاب بعضُهم أَعْلاها، فكان الذين في أسفلها يَصْعَدُون فيَسْتَقُون الماءَ، فيَصُبُّون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أَعلاها: لا نَدَعُكم تَصْعَدون فتؤْذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإننا نَنْقُبُها من أسفلها فنَسْتَقِي! قال: فإن أَخَذُوا على أيديهم فمَنَعُوهم نَجَوْا جميعًا، وإن تركوهم غَرِقُوا جميعًا".

ثم رواه أحمد أيضًا ٤: ٢٦٩، عن يحيى بن سعيد، عن زكريا، و ٢٧٠، عن إسحاق بن يوسف، عن زكريا بن أبي زائدة، و ٢٧٣ - ٢٧٤، عن سفيان، عن مجالد - كلاهما، أعني زكريا ومجالد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، نحوه.

ورواه البخاري ٥: ٩٤ (فتح) ، عن أبي نعيم، عن زكريا، عن الشعبي.

ثم رواه أيضا ٥: ٢١٦: ٢١٧، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن الشعبي، به نحوه.]] .

* *

فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سن لهم رسوله ﷺ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"يتلون آيات الله"، يقرءون كتاب الله آناء الليل. ويعني بقوله:"آيات الله"، ما أنزل في كتابه من العبَر والمواعظ. يقول: يتلون ذلك آناء الليل، يقول: في ساعات الليل، فيتدبَّرونه ويتفكرون فيه.

* *

وأما"آناء الليل"، فساعات الليل، واحدها"إنْيٌ"، كما قال الشاعر: [[هو المتنخل الهذلي، ولكنه سيأتي في الطبري منسوبًا إلى"المنخل السعدي"، وهو خطأ حققته في موضعه بعد.]]

حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ... فِي كُلِّ إِنْيٍ حذَاه اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ [[ديوان الهذليين ٢: ٣٥، ومجاز القرآن ١: ١٠٢، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٦، واللسان"أنى"، وسيأتي من التفسير ١٦: ١٦٨ (بولاق) ، من قصيدته في رثاء ابنه أثيلة، والبيت في صفة ولده، وقد رواه ابن الأنباري، كما جاء في اللسان: السَّالِكُ الثَّغْرَ مَخْشِيًّا مَوَارِدُهُ ... بِكُلِّ إِنْيٍ قَضَاه اللَّيلُ يَنْتَعِلُ

فذكر الأزهري رواية ابن الأنباري، وقال: وأنشده الجوهري، ثم ساق البيت كما هو في التفسير، ثم قال: "ونسبه أيضا للمنخل، فإما أن يكون هو البيت بعينه، أو آخر من قصيدة أخرى". وهذا كلام لا شك في ضعفه، والذي رواه ابن الأنباري خلط خلطه من بيت آخر في القصيدة، أخطأ في روايته. وهو قوله قبل ذلك بأبيات: السَّالِكُ الثَّغْرَةَ اليَقْظَانَ كَالِئُهَا ... مَشْىَ الهَلُوكِ عَلَيْها الخَيْعَلُ الفُضُلُ

وأما معنى البيت الذي رواه في التفسير، فإنه يعني بقوله: "حلو ومر"، أنه سهل لمن لاينه، صعب على من خاشنة. وقوله"كعطف القدح"، يريد أنه يطوى كما يطوى القدح ثم يعود إلى شدته واستقامته. والمرة: القوة والشدة. ورواية الديوان والطبري"حذاه الليل"، أي قطعه الليل حذاء، وهو شبيه في المعنى بقوله: "قضاه"، لأن معنى"قضاه": أي صنعه وقدره وفصله. وانتعل الليل: اتخذه نعلا، يعني سرى فيه، غير حافل بما يلقى. هذا، وقد كان في المطبوعة من التفسير: "قضاه الليل"، نقله ناشر من مكان غير التفسير، لأن في المخطوطة"حداه" غير منقوطة، فلم يعرف معناها، ولم يعرف صوابها فاستبدل بها ما أثبته من اللسان أو غيره.]] وقد قيل إنّ واحد"الآناء"،"إنًى" مقصور، كما واحد"الأمعاء""مِعًى".

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: ساعات الليل، كما قلنا.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٥٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"يتلون آيات الله آناء الليل"، أي: ساعات الليل.

* *

٧٦٥٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا أبن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال:"آناء الليل"، ساعات الليل.

٧٦٥٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال، عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول:"آناء الليل"، ساعات الليل.

وقال آخرون"آناء الليل"، جوف الليل.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٥٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يتلون آيات الله آناء الليل"، أما"آناء الليل"، فجوفُ الليل.

وقال آخرون: بل عنى بذلك قومٌ كانوا يصلون العشاء الآخرة. [[في المطبوعة: "العشاء" الأخيرة"، والصواب من المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٦٦٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود في قوله:"يتلون آيات الله آناء الليل"، صلاة العَتَمة، هم يصلُّونها، ومَنْ سِواهم من أهل الكتاب لا يصلِّيها. [[الحديث: ٧٦٦٠- هذا تتمة الحديث الماضي بهذا الإسناد: ٧٦٤٨، كما أشرنا هناك. وقد جمعهما السيوطى ٢: ٦٥ حديثًا واحدًا، نسبه للفريابي، والبخاري في تاريخه. وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.

ولم نر من هذه المصادر إلا ابن جرير، وهو قد رواه مفرقًا حديثين، كما ترى - وإلا التاريخ الكبير للبخاري، وهو لم يروه كله. بل روى هذا القسم الأخير وحده موجزًا كعادته، في ترجمة الحسن بن يزيد ١ / ٢ / ٣٠٦، قال، "قال محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود (يتلون آيات الله آناء الليل) ، قال: صلاة العتمة. وروى عمر بن ذر، عن الحسن بن يزيد العجلى، مرسلا".

وانظر الحديثين بعد هذا.]]

٧٦٦١- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، حدثني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سليمان، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله ﷺ ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال:"إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب! فأنزل الله:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" [[الحديث: ٧٦٦١- عبيد الله بن زحر الضمري الإفريقي: ثقة، وثقه البخاري فيما نقل عنه الترمذي، كما في التهذيب، وكذلك وثقه أحمد بن صالح، فيما روى عنه أبو داود. وضعفه أحمد، وابن معين، وابن المديني. وروى ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣١٥ عن أبيه، أنه قال: "لين الحديث". وعن أبي زرعة، أنه قال: "لا بأس به، صدوق". ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء، ونرى أن من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن علي بن يزيد الألهاني، الحمل فيها على علي بن يزيد. وانظر التهذيب.

و"زحر": بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة.

سليمان: هو الأعمش.

وأنا أخشى أن يكون قد سقط من هذا الإسناد"عن عاصم" - بين سليمان الأعمش وزر بن حبيش. فإن الأعمش لم يذكر أنه يروى عن زر، وإنما روايته عنه بواسطة"عاصم بن أبي النجود" وأقرانه من هذه الطبقة.

والحديث سيأتي -نحوه- عقب هذا. وتخريجه هناك.]]

* *

٧٦٦٢- حدثني يونس قال، حدثنا علي بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن ننتظر العشاء -يريد العَتَمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذة الصلاة في هذا الوقت غيركم! قال: فنزلت:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" [[الحديث: ٧٦٦٢- علي بن معيد بن شداد العبدي. الرقي، نزيل مصر: ثقة، روى عنه أبو حاتم ووثقه. وقال الحاكم: "شيخ من جلة المحدثين".

أبو يحيى الخراساني: لم أعرف من هو، بعد طول البحث والتتبع. وفي كنية"أبي يحيى"، وفي نسبة"الخراساني" كثرة.

نصر بن طريف، أبو جزى القصاب الباهلي: ضعيف جدًا، أجمعوا على ضعفه. ترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ١٠٥، وقال: "سكتوا عنه، ذاهب"، وابن سعد ٧ / ٢ / ٤١، وقال: "ليس بشيء، وقد ترك حديثه". وقال يحيى: "من المعروفين بوضع الحديث"؛ وذكره الفلاس فيمن"أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم".

وكنيته"أبو جزى": بفتح الجيم وكسر الزاي، كما ضبطه الذهبي في المشتبه، ص ١٠٤. والحديث ثابت، بنحوه - بإسناد آخر صحيح، يغني عن إسنادى الطبري هذين: فرواه أحمد في المسند: ٣٧٦٠، عن أبي النضر وحسن بن موسى، كلاهما عن شيبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٣١٢. وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الكبير"، ثم ذكره بنحوه، بلفظ يكاد يكون لفظ الرواية الماضية: ٧٦٦١. ثم قال: "ورجال أحمد ثقات، ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود، وهو مختلف في الاحتجاج به. وفي إسناد الطبراني عبيد الله بن زحر. وهو ضعيف". وذكره السيوطي ٢: ٦٥، وزاد نسبته للنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.

* *

ذكر من قال ذلك:

٧٦٦٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور قال، بلغني أنها نزلت:"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" فيما بين المغرب والعشاء.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرتُها على اختلافها، متقاربة المعاني. وذلك أن الله تعالى ذكره وَصف هؤلاء القوم بأنهم يتلون آيات الله في ساعات الليل، وهي آناؤه، وقد يكون تاليها في صلاة العشاء تاليًا لها آناء الليل، وكذلك من تلاها فيما بين المغرب والعشاء، ومن تلاها جوفَ الليل، فكلٌّ تالٍ له ساعات الليل. غير أن أولى الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال:"عني بذلك تلاوة القرآن في صلاة العشاء"، لأنها صلاة لا يصلِّيها أحد من أهل الكتاب"، فوصف الله أمة محمد ﷺ بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله.

* *

وأما قوله:"وهم يسجدون"، فإن بعض أهل العربية زعم أن معنى"السجود" في هذا الموضع، اسم الصلاة لا للسجود، [[في المطبوعة: "لا السجود"، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع. فكان معنى الكلام عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون، [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣١.]] .

* *

وليس المعنى على ما ذهب إليه، وإنما معنى الكلام: من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، فـ"السجود"، هو"السجود" المعروف في الصلاة.

القول في تأويل قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز:"يؤمنون بالله واليوم الآخر"، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات، ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم؛ وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله، ويعبدون معه غيره، ويكذبون بالبعث بعد الممات، وينكرون المجازاة على الأعمال والثوابَ والعقابَ.

* *

وقوله:"ويأمرون بالمعروف"، يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد ﷺ وما جاءهم به. [[انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ص: ١٠٥ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] "وينهون عن المنكر"، يقول: وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله: [[انظر تفسير"المنكر" فيما سلف ص: ١٠٥ تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] يعني بذلك: أنهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به، وينهونهم عن المعروف من الأعمال، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله. ="ويسارعون في الخيرات"، يقول: ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم.

* *

ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب، هم من عداد الصالحين، [[انظر تفسير"الصالح" فيما سلف ٣: ٩١ / ٦: ٣٨٠.]] لأن من كان منهم فاسقًا، قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانه ربّه واعتدائه في حدوده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ ، جميعًا، ردًّا على صفة القوم الذين وصفهم جل ثناؤه بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وقرأته عامة قرأة المدينة والحجاز وبعض قرأة الكوفة بالتاء في الحرفين جميعًا: ﴿" وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَروهُ "﴾ ، بمعنى: وما تفعلوا، أنتم أيها المؤمنون، من خير فلن يكفُرَكموه ربُّكم.

* *

وكان بعض قرأة البصرة يرى القراءتين في ذلك جائزًا بالياء والتاء، في الحرفين.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا:"وما يفعلوا، من خير فلن يُكفروه"، بالياء في الحرفين كليهما، يعني بذلك الخبرَ عن الأمة القائمة، التالية آيات الله.

وإنما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات، خبر عنهم. فإلحاق هذه الآية = إذْ كان لا دلالة فيها تدل على الانصراف عن صفتهم = بمعاني الآيات قبلها، أولى من صرفها عن معاني ما قبلها. وبالذي اخترنا من القراءة كان ابن عباس يقرأ.

٧٦٦٤- حدثني أحمد بن يوسف التغلبيّ قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هارون، عن أبي عمرو بن العلاء قال: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرأهما جميعًا بالياء. [[الأثر: ٧٦٦٤-"أحمد بن يوسف التغلبي" سلفت ترجمته في رقم: ٥٩٥٤، وأما المطبوعة فقد حذفت"التغلبي"، لأن الناشر لم يحسن قراءة الكلمة، فإنها كانت فيها"التعلبى" غير منقوطة ولا بينة، فحذفها الناشر.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا، على ما اخترنا من القراءة: وما تفعل هذه الأمة من خير، وتعمل من عملٍ لله فيه رضًى، فلن يكفُرهم الله ذلك، يعني بذلك: فلن يبطل الله ثوابَ عملهم ذلك، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم عليه، ولكنه يُجزل لهم الثواب عليه، ويسني لهم الكرامة والجزاء.

* *

وقد دللنا على معنى"الكفر" فيما مضى قبل بشواهده، وأنّ أصله تغطية الشيء [[انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، ثم ما بعد ذلك في فهارس اللغة من الأجزاء السالفة.]]

* *

فكذلك ذلك في قوله:"فلن يكفروه"، فلن يغطّى على ما فعلوا من خير فيتركوا بغير مجازاة، ولكنهم يُشكرون على ما فعلوا من ذلك، فيجزل لهم الثواب فيه.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك من التأويل تأوَّل من تأول ذلك من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٦٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وما تفعلوا من خير فلن تكفروه" يقول: لن يضلّ عنكم.

٧٦٦٦- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله.

* *

وأما قوله:"والله عليم بالمتقين"، فإنه يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بمن اتقاه، لطاعته واجتناب معاصيه، وحافظٌ أعمالهم الصالحة حتى يثيبهم عليها ويجازيهم بها، تبشيرًا منه لهم جل ذكره في عاجل الدنيا، وحضًّا لهم على التمسك بالذي هم عليه من صالح الأخلاق التي ارتضاها لهم.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا وعيدٌ من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد ﷺ من عند الله.

يقول تعالى ذكره:"إن الذين كفروا"، يعني: الذين جحدوا نبوة محمد ﷺ وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله ="لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا"، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربَّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها.

* *

وإنما خصّ أولاده وأمواله، لأن أولاد الرجل أقربُ أنسبائه إليه، وهو على ماله أقدر منه على مال غيره، [[في المطبوعة: "وهو على ماله أقرب ... "، وهي في المخطوطة شبيهة بها، إلا أنها سيئة الكتابة، ولكن لا معنى لها، والصواب ما أثبت، فهو حق السياق.]] وأمرُه فيه أجوز من أمره في مال غيره. فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه، وماله الذي هو نافذ الأمر فيه، فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم، أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا.

* *

ثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله:"وأولئك أصحاب النار". وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله. [[انظر تفسير"أصحاب النار" فيما سلف ١: ٢٨٦، ٢٨٧ / ٤: ٣١٧ / ٥: ٤٢٩ / ٦: ١٤.]] ثم وكد ذلك بإخباره عنهم إنهم"فيها خالدون"، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، [[في المطبوعة أسقط"أن" من أول هذه العبارة، وهي ثابتة في المخطوطة. وفيهما جميعًا بعد: "إذا كان من الأشياء"، وصواب السياق"إذ"، كما أثبتها.]] إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال، ويزايله في بعض الأوقات، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع. نعوذ بالله منها ومما قرَّب منها من قول وعمل.

القول في تأويل قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا، أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله، [[انظر تفسير"النفقة" فيما سلف ٥: ٥٥٥، ٥٨٠ / ٦: ٢٦٥.]] فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد ﷺ مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه = كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد ="حرثَ قوم"، [[انظر تفسير"الحرث" فيما سلف ٤: ٢٤٠، ٣٩٧ / ٦: ٢٥٧.]] يعني: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه ="ظلموا أنفسهم"، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدَّوا حدوده ="فأهلكته"، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.

يقول تعالى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها. وخرج المثَل للنفقة، والمراد بـ "المثل" صنيع الله بالنفقة، فبيَّن ذلك قوله:"كمثل ريح فيها صرٌّ"، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [[انظر ما سلف ١: ٣١٨ - ٣٢٨.]] [سورة البقرة: ١٧] وما أشبه ذلك.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام،: مثل إبطال الله أجرَ ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر. وإنما جاز ترك ذكر"إبطال الله أجر ذلك"، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله:"كمثل ريح فيها صرٌّ"، ولمعرفة السامع ذلك معناه.

* *

واختلف أهل التأويل في معنى"النفقة" التي ذكرها في هذه الآية.

فقال بعضهم: هي النفقة المعروفة في الناس.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٦٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا"، قال: نفقة الكافر في الدنيا.

* *

وقال آخرون: بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٦٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"مثل ما ينفقون في هذ الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرثَ قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته"، يقول: مثل ما يقول فلا يقبل منه، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته. فكذلك أنفقوا فأهلكهم شِرْكهم.

* *

وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل.

* *

وقد تقدم بياننا تأويل"الحياة الدنيا" بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٣١٤، ٣١٦.]]

* *

وأما"الصر" فإنه شدة البرد، وذلك بعُصُوف من الشمال في إعصار الطَّلّ والأنداء، في صبيحة مُعْتمة بعقب ليلة مصحية، [[هذا البيان عن معنى"الصر" قلما تصيب مثله في كتب اللغة.]] كما:

٧٦٦٩- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث قال، سمعت عكرمة يقول:"ريح فيها صر"، قال: بردٌ شديد.

٧٦٧٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس:"ريح فيها صر"، قال: برد شديد وزمهرير.

٧٦٧١- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:"ريح فيها صر"، يقول: برد.

٧٦٧٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس:"الصر"، البرد.

٧٦٧٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"كمثل ريح فيها صر"، أي: برد شديد.

٧٦٧٤- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

٧٦٧٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في"الصر"، البرد الشديد.

٧٦٧٦- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"كمثل ريح فيها صر"، يقول: ريح فيها برد.

٧٦٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"ريح فيها صر"، قال:"صر"، باردة أهلكت حرثهم. قال: والعرب تدعوها"الضَّريب"، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبًا قد أحرق الزرع، [[الضريب: الصقيع والجليد.]] تقول:"قد ضُرب الليلة" أصابه ضريبُ تلك الصر التي أصابته.

٧٦٧٨- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك:"ريح فيها صر"، قال: ريح فيها برد.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم، من إحباطه ثواب أعمالهم وإبطاله أجورها ظلمًا منه لهم = يعني: وضعًا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله، بل وضَع فعله ذلك في موضعه، وفعل بهم ما هم أهله. لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله وهم له بالوحدانية دائنون، ولأمره مُتبعون، ولرسله مصدقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمره مخالفون، ولرسله مكذبون، بعد تقدُّم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنبوة أنبيائه، وتصديق ما جاءوهم به، وتوكيده الحجج بذلك عليهم. فلم يكن = بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك = بعد الإعذار إليه، [[في المطبوعة والمخطوطة: "الاعتذار إليه"، وهو خطأ صرف. وأعذر إعذارًا: أي بلغ الغاية في البلاغ، ومنه قولهم: "أعذر من أنذر"، أي بالغ في الإنذار حتى بان عذره، إذا أنزل بمن أنذره ما يسوءه. وقوله: "وفر عمله" أي كثير عمله ووافره. و"الوفر" (بفتح فسكون) . وكان في المطبوعة"وافر عمله"، وأثبت ما في المخطوطة.]] من إحباط وَفْر عمله = له ظالمًا، بل الكافرُ هو الظالم نفسه، لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره، ما أوردها به نار جهنم، وأصلاها به سعير سقَرَ. [[سياق الجملة: "فلم يكن. . . له ظالما"، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: "ظالما" ولكنه مقدم عليه.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم ="لا تتخذوا بطانة من دونكم"، يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم ="من دونكم" يقول: من دون أهل دينكم وملَّتكم، يعني من غير المؤمنين.

* *

وإنما جعل"البطانة" مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه -في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه- محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه.

* *

فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن مخالَّتهم، [[في المطبوعة: "فحذرهم بذلك منهم عن مخاللتهم"، فك إدغام اللام وحذف الواو قبل"عن"، وفي المخطوطة"وعن مخالتهم"، والصواب في قراءتها ما أثبت، إلا أن يكون سقط من الكلام"نهاهم" فيكون"ونهاهم عن مخالتهم".]] فقال تعالى ذكره: "لا يألونكم خبالا"، يعني لا يستطيعونكم شرًّا، من"ألوت آلُو ألوًا"، يقال: "ما ألا فلان كذا"، أي: ما استطاع، كما قال الشاعر: [[هو أبو العيال الهذلي.]]

جَهْرَاءُ لا تَأْلُو، إذَا هِيَ أَظْهَرَتْ، ... بَصَرًا، وَلا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِيني [[ديوان الهذليين ٢: ٢٦٣، الحيوان ٣: ٥٣٥، المعاني الكبير: ٦٩٠، اللسان (ألا) (جهر) . من شعر جيد في مقارضات بينه وبين بدر بن عامر الهذلي، قال بدر بن عامر أبياتًا، حين بلغه أن ابن أخ لأبي العيال، أنه ضلع مع خصمائه، فانتفى من ذلك وزعم أنه ليس ممن يأتي سوءًا إلى أخيه أبي العيال، فكذبه أبو العيال، فبادر بدر يرده. وكله شعر حسن في معناه. فشبه أبو العيال شعر بدر فيه وفي الثناء عليه بالشاة فقال له: أَقْسَمْتَ لا تَنْسَى شَبابَ قَصِيدَةٍ ... أبدًا!! فَمَا هذا الَّذِي يُنْسِينِي؟

فَلَسَوْفَ تَنْسَاهَا وَتَعْلَمُ أَنَّها ... تَبَعٌ لآبِيَةِ العِصَابِ زَبُونِ

وَمَنَحْتَني فَرَضِيتُ زِىَّ مَنِيحَتي ... فَإِذَا بِهَا، وَأَبِيكَ، طَيْفُ جُنُونِ

جَهْرَاءَ لا تَأْلُو................... ... ....................................

والجهراء: هي التي لا تبصر في الشمس، وهو ضعف في البصر. ويقال:"عال يعيل عيلا وعيلة" افتقر. يقول: أهديت لي شعرًا وثناء وقولا فرضيته، ثم إذا لا شيء إلا قول وكلام، إذا انكشف الأمر وظهر، عمى هذا الشعر وانطفأ، وإذا جد الجد، لم يغن قولك شيئًا، بل كنت كما قلت لك آنفًا: فَلَقَد رَمَْقُتك فِي المجَالِسِ كلِّهَا ... فَإِذَا، وأنتَ تُعِينُ من يَبْغِيني"]]

يعني: لا تستطيع عند الظهر إبصارًا.

* *

وإنما يعني جل ذكره بقوله:"لا يألونكم خبالا"، البطانةَ التي نهى المؤمنين عن اتخاذها من دونهم، فقال: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالا أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال. [[لقد أبعد أبو جعفر المذهب في احتياله في تفسير"لا يألونكم"، فإن بيان أهل اللغة عن معنى هذا الحرف من العربية، أصدق وأكمل من بيانه، فقد ذكروا المعنى الذي ذكره ثم قالوا: "ما ألوت ذلك: أي ما استطعته؛ وما ألوت أن أفعله: أي ما تركت" وقالوا: "هي من الأضداد؛ ألا: فتر وضعف = وألا: اجتهد"، فراجع ذلك في كتب العربية.]]

* *

وأصل"الخبْل" و"الخبال"، الفساد، ثم يستعمل في معان كثيرة، يدل على ذلك الخبرُ عن النبي ﷺ:

٧٦٧٩-"من أصيب بخبْل = أو جرَاح". [[الأثر: ٧٦٧٩- رواه أبو جعفر غير مسند؛ ورواه أحمد في مسنده ٤: ٣١، والبيهقي في السنن ٨: ٥٣، ورواية أحمد من طريق شيخه"محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق = ويزيد بن هرون قال أنبأنا محمد بن إسحاق = عن الحارث بن فضيل، عن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء -قال يزيد: السلمي- عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ -وقال يزيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول-: من أصيب بدم أو خبل =الخبل: الجراح= فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يده، فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل، فله النار خالدا فيها مخلدا".

يعني بالدم: قتل النفس -وبالخبل أو الجراح: قطع العضو. وقد تركت ما في الطبري على حاله: "أو جراح" وبينت بالترقيم أنها كأنها رواية أخرى في قوله: "خبل"، شك من الراوي. ولكن سياق الخبر يرجح عندي أنها: "أي: جراح"، لأنه قد جاء في الحديث نفسه تفسير"الخبل" بالجراح.]]

* *

وأما قوله:"ودوا ما عنِتُّم"، فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول: يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم. [[انظر تفسير"العنت" فيما سلف ٤: ٣٥٨ - ٣٦١.]]

* *

وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطوهم حلفائهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودَّة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٨٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، قال محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل فيهم، ينهاهم عن مباطنتهم [[في المطبوعة: "فنهاهم" بالفاء في أوله، والصواب من المخطوطة وابن هشام.]] تخوُّف الفتنة عليهم منهم:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم" إلى قوله:"وتؤمنون بالكتاب كله". [[الأثر: ٧٦٨٠- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، وهو تابع الأثرين السالفين رقم: ٧٦٤٤، ٧٦٤٥.]]

٧٦٨١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"، في المنافقين من أهل المدينة. نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولَّوهم.

٧٦٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم"، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يستدخلوا المنافقين، [[قوله: "يستدخلوا" أي يتخذوهم أخلاء. استدخله: اتخذه دخيلا، مثل قولهم استصحبه: اتخذه صاحبًا، والدخيل والمداخل: الذي يداخل الرجل في أموره كلها. وهذا البناء"استدخله" مما أغفلته كتب اللغة، وهو عربي معرق كما ترى.]] أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين. [[في المطبوعة: "أي يتولوهم"، وفي المخطوطة: "أن يتولوهم"، والصواب ما أثبت.]]

٧٦٨٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"لا تتخذوا بطانة من دونكم"، هم المنافقون.

٧٦٨٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"، يقول: لا تستدخلوا المنافقين، [[انظر ص ١٤١، تعليق: ٣.]] تتولوهم دون المؤمنين.

٧٦٨٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: لا تستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا قال: فلم ندر ما ذلك، حتى أتوا الحسن فسألوه، فقال: نعم، أما قوله:"لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا"، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم"محمد"، وأما قوله:"ولا تستضيئوا بنار أهل الشرك"، فإنه يعني به المشركين، يقول: لا تستشيروهم في شيء من أموركم. قال: قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم". [[الحديث: ٧٦٨٥- الأزهر بن راشد البصري: ثقة. ترجمه البخاري في الكبير ١ / ١ / ٤٥٥، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣١٣ - فلم يذكر فيه جرحا.

وهناك راو آخر، اسمه"الأزهر بن راشد الكاهلي"، وهو كوفي، وهو غير البصري، ومتأخر عنه. وترجمه البخاري وابن أبي حاتم أيضا. فإن البصري يروى عنه"العوام بن حوشب" المتوفي سنة ١٤٨، والكوفي الكاهلي يروى عنه"مروان بن معاوية الفزاري" المتوفي سنة ١٩٣. ومروان بن معاوية من شيوخ أحمد. والعوام بن حوشب من شيوخ شيوخه. فشتان هذا وهذا.

ومع هذا الفرق الواضح أخطأ الحافظ المزي، فذكر في التهذيب الكبير أن أبا حاتم قال في البصري: "مجهول". وتبعه الحافظ في تهذيب التهذيب، والذهبي في الميزان. وزاد الأمر تخليطًا، فذكر أنه ضعفه ابن معين.

وابن معين وأبو حاتم إنما قالا ذلك في الكاهلي الكوفي. فروى ابن أبي حاتم في ترجمة"الكاهلي" ١ / ١ / ٣١٣، رقم: ١١٨٠، عن ابن معين، قال: "أزهر بن راشد، الذي روى عنه مروان بن معاوية: ضعيف". ثم قال: "سألت أبي عن أزهر بن راشد؟ فقال: هو مجهول".

ولم يحقق الحافظ ابن حجر، واشتبه عليه الكلام في الترجمتين، فقال في ترجمة"الكاهلي" -بعد ترجمة"البصري"-: "أخشى أن يكونا واحدًا! لكن فرق بينهما ابن معين". والفرق بينهما كالشمس.

والحديث رواه أحمد في المسند: ١١٩٧٨ (ج ٣ ص ٩٩ حلبى) ، عن هشيم، بهذا الإسناد - دون كلام الحسن، وهو البصري.

ورواه البخاري كذلك في الكبير ١ / ١ / ٤٥٥ - دون كلام الحسن، عن مسدد، عن هشيم، به. ثم فسر البخاري بعضه، فقال: "قال أبو عبد الله [هو البخاري نفسه] : عربيًا، يعني"محمد رسول الله". يقول: لا تكتبوا مثل خاتم النبي: "محمد رسول الله".

ورواه أبو يعلى مطولا -مثل رواية الطبري أو أطول قليلا- وفيه كلام الحسن. رواه عن إسحاق بن إسرائيل، عن هشيم، بهذا الإسناد. نقله عنه ابن كثير ٢: ٢٢٧، ثم قال: "هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله. وقد رواه النسائي، عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، به. ورواه الإمام أحمد، عن هشيم، بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري. وهذا التفسير فيه نظر"- إلى آخر ما قال. ولم أجده في سنن النسائي، فلعله في السنن الكبرى.

وذكره السيوطي ٢: ٦٦، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب. ولم ينسبه للنسائي، ولا لتاريخ البخاري.]] .

٧٦٨٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم"، أما"البطانة"، فهم المنافقون.

٧٦٨٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم" الآية، قال: لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه. [[انظر: ١٤١، تعليق: ٣ / ص: ١٤٢، تعليق: ١.]]

٧٦٨٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم" الآية، قال: هؤلاء المنافقون. وقرأ قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم" الآية.

* *

قال أبو جعفر: واختلفوا في تأويل قوله:"ودّوا ما عنِتُّم".

فقال بعضهم معناه: ودوا ما ضللتم عن دينكم. [[انظر تفسير"العنت" فيما سلف ص٤: ٣٥٨ - ٣٦١.]]

ذكر من قال ذلك:

٧٦٨٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ودوا ما عنتم"، يقول: ما ضللتم.

* *

وقال آخرون بما:-

٧٦٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ودوا ما عنتم"، يقول: في دينكم، يعني: أنهم يودون أن تعنتُوا في دينكم.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:"ودوا ما عنتم"، فجاء بالخبر عن"البطانة"، بلفظ الماضي في محل الحال، والقطع بعد تمام الخبر، والحالات لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها؟ [[انظر"القطع" فيما سلف ٦: ٢٧٠، تعليق: ٣، وسائر فهارس المصطلحات.]] .

قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أنّ قوله:"ودوا ما عنتم" حال من"البطانة"، وإنما هو خبر عنهم ثان منقطعٌ عن الأول غير متصل به. وإنما تأويل الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا، صفتهم كذا. فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى، وإن كانتا جميعًا من صفة شخص واحد.

* *

وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله:"ودوا ما عنتم"، من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله:"لا يألونكم خبالا"، فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام"البطانة" بصلته. [[انظر تفسير"الصلة" فيما سلف ٥: ٢٩٩، تعليق: ٥، وهو نعت النكرة.]] ولكن القول في ذلك كما بينا قبل، من أن قوله:"ودوا ما عنتم"، خبر مبتدأ عن"البطانة"، غير الخبر الأول، وغير حال من البطانة ولا قطع منها. [[انظر"القطع" فيما سلف ٦: ٢٧٠، تعليق: ٣، وسائر فهارس المصطلحات.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم ="من أفواههم"، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "بأفواههم"، والصواب المطابق لنص هذه الآية، هو ما أثبت.]] إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة.

* *

وقد قال بعضهم: معنى قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان، إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر، بإطلاع بعضهم بعضًا على ذلك. وزعم قائلو هذه المقالة أنّ الذين عنوا بهذه الآية أهل النفاق، دون من كان مصرحًا بالكفر من اليهود وأهل الشرك.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة، قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، يقول: قد بدت البغضاء من أفواهُ المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم.

٧٦٩٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، يقول: من أفواه المنافقين.

* *

وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له. وذلك أن الله تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله والبغضاء، إما بأدلة ظاهرة دالة على أنّ ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم. فأما من لم يُثبِتوه معرفةً أنه الذي نهاهم الله عز وجل عن مخالَّته ومباطنته، [[في المطبوعة: "فأما من لم يتئسوه معرفة"، ولا معنى له، وفي المخطوطة: "لم سوه معرفة" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "أثبته معرفة" أي: عرفه حق المعرفة.]] فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته، إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها.

وإذْ كان ذلك كذلك = وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرِك به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودد إليهم = كان بيِّنًا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم، على ما وصفهم الله عز وجل به، فعرَفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الكتاب. لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمر فيهم على ما قد بينا. ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهُر المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله ﷺ ممن كان له من رسول الله ﷺ عهد وعقدٌ من يهود بني إسرائيل.

* *

و"البغضاء"، مصدر. وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿" قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ "﴾ ، على وجه التذكير. وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم، فيجوز تذكيرُ ما خرج منها على لفظ المؤنث وتأنيثه، كما قال عز وجل: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [سورة هود: ٦٧] ، وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٧] ، وفي موضع آخر: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [سورة هود: ٩٤] ﴿" وجَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ "﴾ [سورة الأعراف: ٧٣، ٨٥] [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣١.]]

* *

وقال:"من أفواههم"، وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن المعنيّ به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال:"قد بدت البغضاء من أفواههم" بألسنتهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي تخفي صدورهم = يعني: صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة، فتخفيه عنكم، أيها المؤمنون ="أكبر"، يقول: أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم. كما:-

٧٦٩٣- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما تخفي صدورهم أكبر"، يقول: وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.

٧٦٩٤- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وما تخفي صدورهم أكبر" يقول: ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قد بينا لكم" أيها المؤمنون ="الآيات"، يعني بـ"الآيات" العبر. قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهيناكم أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين، ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم ="إن كنتم تعقلون"، يعني: إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش [[في المطبوعة: "بل سطروه"، وفي المخطوطة: "بل ينتظرون" غير منقوطة، وصوابها ما أثبت كما استظهره طابع الأميرية.]] = "وتؤمنون بالكتاب كله".

* *

ومعنى "الكتاب" في هذا الموضع معنى الجمع، كما يقال:"كثر الدرهم في أيدي الناس"، بمعنى الدراهم.

فكذلك قوله:"وتؤمنون بالكتاب كله"، إنما معناه: بالكتب كلها، كتابكم الذي أنزل الله إليكم، وكتابهم الذي أنزله إليهم، وغير ذلك من الكتب التي أنزلها الله على عباده.

يقول تعالى ذكره: فأنتم = إذ كنتم، أيها المؤمنون، تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه = [[سياق هذه العبارة: فأنتم ... أولى بعداوتكم إياهم.]] أولى بعداوتكم إياهم وبغضائهم وغشهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم، مع جحودهم بعضَ الكتب وتكذيبهم ببعضها. كما:-

٧٦٩٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"تؤمنون بالكتاب كله"، أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقّ بالبغضاء لهم، منهم لكم. [[الأثر: ٧٦٩٥- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، وهو من تمام الآثار السالفة التي آخرها: ٧٦٨٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وقال:"ها أنتم أولاء" ولم يقل:"هؤلاء أنتم"، [[في المخطوطة: "ولم يقل: هذا أنتم"، والصواب ما في المطبوعة، فهو حق السياق.]] ففرق بين"ها و"أولاء" بكناية اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل في"هذا" إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلى تمام الخبر، [[التقريب" من اصطلاح الكوفيين، وقد فسره السيوطي في همع الهوامع ١: ١١٣، فقال [ذهب الكوفيون إلى أن"هذا" و"هذه"، إذا أريد بها التقريب كانا من أخوات"كان"، في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، نحو: "كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادمًا؟ "، "وكيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟ "، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود، نحو: "هذا ابن صياد أسقى الناس"، فيعربون"هذا" تقريبًا، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب. لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتى باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضًا، فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما. وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب، لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقطت"كان" من: "كان زيد قائما"] .]] وذلك مثل أن يقال لبعضهم: أين أنت"، فيجيب المقول ذلك له."ها أنا ذا" = [[في المطبوعة: "فيفرق"، والصواب بالتاء، لأنه يريد"العرب". وسياق الكلام: "لأن العرب كذلك تفعل ... فتفرق ... ".]] فتفرق بين التنبيه و"ذا" بمكنيّ اسم نفسه، [[في المخطوطة: "بين التنبيه وأولاء". والذي في المطبوعة أجود وأمضى على السياق، وهو تغيير مستحسن. والظاهر أن الخطأ قديم في نسخ الطبري، بل لعله من فعل أبي جعفر نفسه، وكأنه لما نقل هذا الكلام، وهو كلام الفراء، اختصر أوله فقال: "لأن العرب كذلك تفعل في هذا"، واقتصر عليها، مع أن الفراء ذكر"هذا، وهذان، وهؤلاء". هذا مع اشتغال ذهنه بنص الآية نفسها، فدخل عليه السهو فيما كتب. هذا ما أرجحه والله ولي التوفيق.]] ولا يكادون يقولون:"هذا أنا"، ثم يثني ويجمع على ذلك. وربما أعادوا حرف التنبيه مع:"ذا" فقالوا:"ها أنا هذا". ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريبًا، [[انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: ١٤٩ تعليق: ٤.]] فأما إذا كان على غير التقريب والنقصان قالوا:"هذا هو""وهذا أنت". وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة، يقولون:"هذا عمرو قائمًا"، إن كان"هذا" تقريبًا. [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كان ... " بالواو، وإثباتها فساد في الكلام شديد لأنه يعني أنهم ينصبون: "قائما"، إن كان"هذا" بمعنى التقريب. والجملة الآتية مؤيدة لذلك.]] وإنما فعلوا ذلك في المكني مع التقريب، [[انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: ١٤٩ تعليق: ٤.]] تفرقة بين"هذا" إذا كان بمعنى الناقص الذي يحتاج إلى تمام، وبينه إذا كان بمعنى الاسم الصحيح. [[في المطبوعة: "وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح"، زاد من زاد"وبين ما" ظنا منه أن ذلك أقوم في الدلالة على المعنى من عبارة أبي جعفر التي ثبتها من المخطوطة. وقد أساه غاية الإساءة!]]

* *

وقوله:"تحبونهم" خَبَرٌ للتقريب. [[يعني بقوله: "خبر للتقريب"، أي هو في موضع نصب خبرًا للتقريب، كما أسلفت بيان ذلك من كلام السيوطي في ص ١٤٩، تعليق: ٤.]]

* *

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين - أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما:-

٧٦٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله"، فوالله إن المؤمن ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه. ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه، لأباد خضراءه. [[أوى له وأوى إليه: رثى له وأشفق عليه ورحمه. ويقال: "أباد خضراءهم"، أي سوادهم ومعظمهم، واستأصلهم. وذلك أن الكثرة المجتمعة، ترى من بعيد سوداء، والعرب تسمى الأخضر، أسود.]]

٧٦٩٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن، يرحمه. ولو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه، لأباد خضراءه.

* *

وكان مجاهد يقول: نزلت هذه الآية في المنافقين.

٧٦٩٨- حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين أن يتخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم، إذا لقوا المؤمنين من أصحاب رسول الله ﷺ أعطوهم بألسنتهم تقيةً حذرًا على أنفسهم منهم فقالوا لهم:"قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد ﷺ"، وإذا هم خلوا فصاروا في خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، [[انظر تفسير"خلا" فيما سلف ١: ٢٩٨، ٢٩٩.]] عضوا - على ما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملَهم، وهي أطراف أصابعهم، تغيُّظًا مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىً على ظهرٍ يسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم المحاربة. [[الظهر: الأعوان والأنصار، كأنهم لمن ينصرونه ظهر.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، إذا لقوا المؤمنين قالوا:"آمنا"، ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك ="وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه. لو يجدون ريحًا لكانوا على المؤمنين، [[الريح: القوة والغلبة، ومنه قول تأبط شرًا أو السليك بن السلكة: أَتَنْظُرَانِ قَلِيلا رَيْثَ غَفْلَتِهمْ ... أَوْ تَعْدُوَان، فَإِنَّ الرِّيحَ للعَادِي]] فهم كما نعت الله عز وجل.

٧٧٠٠- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم عليه = ولم يقل:"لو يجدون ريحًا"، وما بعده.

٧٧٠١- حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا مسلم قال: حدثني يحيى بن عمرو بن مالك النُّكري قال، حدثنا أبي قال: كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية:"وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، قال: هم الإباضية. [[الأثر: ٧٧٠١-"عباس بن محمد بن حاتم" الدوري، روى عنه الأربعة. مترجم في التهذيب. و"مسلم" هو"مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي"، مضت ترجمته برقم: ٢٨٦١. و"يحيى بن عمرو بن مالك النكري". روى عن أبيه، وهو منكر الحديث. و"النكرى" بضم النون وتسكين الكاف، نسبة إلى بني نكرة بن لكيز من عبد قيس. وأبوه"عمرو بن مالك النكري"، ثقة وتكلم فيه البخاري وضعفه. روى عن أبيه وعن أبي الجوزاء. و"أبو الجوزاء" هو"أوس بن عبد الله الربعي من الأزد"، روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس. كان عابدًا فاضلا. واستضعف البخاري إسناده إلى عائشة وابن مسعود وغيرهما من الصحابة. مترجم في التهذيب.

و"الإباضية"، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، الخارج في أيام مروان بن محمد. ومن قولهم: إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال، وما سواه حرام، وإن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد. وقالوا: إن مرتكب الكبيرة موحد، لا مؤمن.]]

* *

و"الأنامل" جمع"أنملة" ويقال"أنملة"، [[يعني بفتح الهمزة وضم الميم، وضم الهمزة والميم جميعا.]] وربما جمعت"أنملا"، [["أنمل" هذا جمع لم تورده كتب اللغة، وإنما ذكروا"أنملات"، وقالوا إنه أحد ما كسر وسلم بالتاء، قال ابن سيدهْ: "إنما قلت هذا، لأنهم قد يستغنون بالتكسير عن جمع السلامة، وبجمع السلامة بالتكسير، وربما جمع الشيء بالوجهين جميعًا".]] قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

أوَدُّكُما، مَا بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي ... وَما حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِيَ العَشْرَا [[قوله: "أود كما" أي: لا أود كما، حذفت"لا" مع القسم. والريقة: الريق. وقوله: "ما بل حلقي ريقي ... " إلى آخر البيت بمعنى التأييد، أي. لا أود كما أبدًا ما حييت.]] وهي أطراف الأصابع؛ كما:-

٧٧٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"الأنامل"، أطراف الأصابع.

٧٧٠٢ م - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.

٧٧٠٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل"، الأصابع.

٧٧٠٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قوله:"عضوا عليكم الأنامل من الغيظ"، قال: عضوا على أصابعهم. [[عند هذا آخر قسم من التقسيم القديم، وفي المخطوطة هنا ما نصه: "يتلوه القولُ في تأويل قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيظكم إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدُور وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرًا"

ثم يتلوه بعد:

"بسم الله الرحمن الرحيم

أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في بيان هذا الإسناد الجديد للنسخة، في ٦: ٤٩٥، ٤٩٦ تعليق: ٥ / ثم ٧: ٢٣، تعليق ١.]]

* *

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) ﴾

قال أب جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قل"، يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك قالوا: آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ =:"موتوا بغيظكم" الذي بكم على المؤمنين لاجتماع كلمتهم وائتلاف جماعتهم.

وخرَج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمَدًا مما بهم من الغيظ على المؤمنين، قبل أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت في دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبيه ﷺ: قل يا محمد: أهلكوا بغيظكم ="إن الله عليم بذات الصدور"، يعني بذلك: إن الله ذو علم بالذي في صدور هؤلاء الذين إذا لقوا المؤمنين، قالوا:"آمنا"، وما ينطوون لهم عليه من الغل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبما في صدور جميع خلقه، حافظٌ على جميعهم ما هو عليه منطوٍ من خير وشر، حتى يجازي جميعهم على ما قدَّم من خير وشر، واعتقد من إيمان وكفر، وانطوى عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة، أو غِلّ وغِمْر. [[الغمر (بكسر الغين وسكون الميم) ، والغمر (بفتحتين) ، الحقد والغل، الذي يغمر القلب غمرًا.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"إن تمسسكم حسنة تسؤهم"، إن تنالوا، أيها المؤمنون، سرورًا بظهوركم على عدوكم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وتصديق نبيكم ومعاونتكم على أعدائكم = يسؤهم. [[انظر تفسير"المس" فيما سلف ٥: ١١٨.]] وإن تنلكم مساءة بإخفاق سرية لكم، أو بإصابة عدوٍّ لكم منكم، أو اختلاف يكون بين جماعتكم = يفرحوا بها. كما:-

٧٧٠٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها"، فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ الله أحدوثته، وأوطأ محلَّته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقى إلى يوم القيامة.

٧٧٠٦- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها"، قال: هم المنافقون، إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك غيظًا شديدًا وساءهم. وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافًا، أو أصيب طرفٌ من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله عز وجل:"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط".

٧٧٠٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"إن تمسكم حسنه تسؤهم"، قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافًا فرحوا.

* *

وأما قوله:"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا"، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم من دون المؤمنين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم ="وتتقوا" ربكم، فتخافوا التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجبَ عليكم من حقه وحق رسوله ="لا يضركم كيدهم شيئًا"، أي: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم.

* *

ويعني بـ "كيدهم"، غوائلهم التي يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم ليصدّوهم عن الهدى وسبيل الحق.

* *

قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"لا يضركم".

فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مخففة بكسر"الضاد"، من قول القائل:"ضارني فلان فهو يضيرني ضيرًا". وقد حكي سماعًا من العرب:"ما ينفعني ولا يضورني"، فلو كانت قرئت على هذه اللغة لقيل: ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ، ولكني لا أعلم أحدًا قرأ به". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٢.]]

* *

وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة: ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ بضم"الضاد" وتشديد"الراء"، من قول القائل: ضرّني فلان فهو يضرني ضرًا".

* *

وأما الرفع في قوله:"لا يضركم"، فمن وجْهين.

أحدهما: على إتباع"الراء" في حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم، ولم يمكن جزمها لتشديدها = أقربَ حركات الحروف التي قبلها. وذلك حركة"الضاد" وهي الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا:"مُدُّ يا هذا".

والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك: أن تكون مرفوعة على صحة، وتكون"لا" بمعنى"ليس"، وتكون"الفاء" التي هي جواب الجزاء، متروكة لعلم السامع بموضعها.

وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا، فليس يضرُّكم كيدهم شيئًا - ثم تركت"الفاء" من قوله:"لا يضركم كيدهم"، ووجهت"لا" إلى معنى"ليس"، كما قال الشاعر: [[هو سوار بن المضرب السعدي التميمي.]]

فَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي ... إلَى قَطَرِيٍّ، لا إخَالُكَ رَاضِيَا [[نوادر أبي زيد: ٤٥، الكامل ١: ٣٠٠، حماسة ابن الشجري: ٥٤، ٥٥، معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٢، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفي، لما كتب على بني تميم البعث إلى قتال الخوارج، فهرب سوار وقال: أَقَاتِلِىَ الحَجَّاجُ أَنْ لَمْ أَزُرْ لَهُ ... دَرَابَ، وَأَتْرُكْ عِنْدَ هِنْدٍ فُؤَادِيَا؟

فَإن كُنْتَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي ... إلَى قَطَرِيٍّ، لا إِخالُكَ رَاضِيَا!!

إذَا جَاوَزَتْ دَرْبَ المُجِيزِينَ نَاقَتي ... فَبِأسْتِ أبي الحَجَّاجِ لَمَّا ثَنَانِيَا

أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وطَاعَتِي، ... وَدُونِي تَمِيمٌ، والفَلاةُ وَرَائِيَا!!

وقوله: "دراب" يعني: دراب جرد، وهي بلدة في بلاد فارس، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها الخوارج ورأسهم قطرى بن الفجاءة. ثم يقول له في البيت الثاني: إن كان لا يرضبيك إلا ردي إلى قتال قطري، فلا أظنك تبلغ رضاك، فإنك غير مدركي، ولن تنالني يدك. يسخر بسطوة الحجاج. وقوله: "درب المجيزين" هم المقيمون على أبواب المدن والثغور. يمنعون الخارج والداخل، إلا من كان بيده جواز معطى من أميره. يقول: إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالني وتثنيني عن وجهتي! والشاهد عند الطبري هو في قوله: "لا إخالك راضيًا"، أي: فلست إخالك راضيًا.]] ولو كانت"الراء" محركة إلى النصب والخفض، كان جائزًا، كما قيل:"مُدَّ يا هذا، ومُدِّ. [[الذي سلف هو مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣٢.]]

* *

وقوله:"إنّ الله بما يعملون محيطٌ"، يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه، وغير ذلك من معاصي الله ="محيط" بجميعه، حافظ له، لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله، ويذيقهم عقوبته عليه. [[انظر تفسير"الإحاطة" فيما سلف ٢: ٢٨٤ / ٥: ٣٩٦.]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com