John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Aal-i-Imraan

Tafsir al-Tabari · The Family of Imraan · 200 ayat · ayat 151–180 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: سيلقى الله، أيها المؤمنون ="في قلوب الذين كفروا" بربهم، وجحدوا نبوة محمد ﷺ، ممن حاربكم بأحد ="الرعب"، وهو الجزع والهلع ="بما أشركوا بالله"، يعني: بشركهم بالله وعبادتهم الأصنام، وطاعتهم الشيطان التي لم أجعل لهم بها حجة = وهي"السلطان" = التي أخبر عز وجل أنه لم ينزله بكفرهم وشركهم.

وهذا وعدٌ من الله جل ثناؤه أصحابَ رسول الله ﷺ بالنصر على أعدائهم، والفلج عليهم، ما استقاموا على عهده، وتمسكوا بطاعته. ثم أخبرهم ما هو فاعلٌ بأعدائهم بعد مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه:"ومأواهم النار"، يعني: ومرجعهم الذي يرجعون إليه يوم القيامة، النارُ ="وبئس مثوى الظالمين"، يقول: وبئس مقام الظالمين - الذين ظلموا أنفسهم باكتسابهم ما أوجب لها عقابَ الله - النارُ، كما:-

٨٠٠٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين"، إني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي به كنت أنصركم عليهم، بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم به حجة، أي: فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم، ما اعتصمتم واتبعتم أمري، للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم، خالفتم بها أمري، وعصيتم فيها نبيَّ الله ﷺ. [[الأثر: ٨٠٠٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٠، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٠١.]]

٨٠٠٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! [["الشريد"، هكذا في المطبوعة والدر المنثور ٢: ٨٢، وأما المخطوطة، فاللفظ فيها مضطرب لا يستبين. وانظر أيضًا رقم: ٨٢٣٧.]] ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فانهزموا. فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله عز وجل رسوله ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله عز وجل في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي ﷺ، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال:"سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله". [[عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه: "يتلوه القول في تأويل قوله: "ولقد صدقكم الله وعده" وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم" ثم يتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسرِّ". أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في ص٦: ٤٩٥، ٤٩٦ التعليق رقم: ٥ / ثم ٧: ٢١، تعليق ١ / ثم ٧: ١٥٤، تعليق: ١.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"ولقد صدقكم الله"، أيها المؤمنون من أصحاب محمد ﷺ بأحُد وعدَه الذي وعدهم على لسان رسوله محمد ﷺ.

و"الوعد" الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة:"اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم". وكان وعدهم رسول الله ﷺ النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره، كالذي:-

٨٠٠٤- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما برز رسول الله ﷺ إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال:"لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم،" وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير. ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة! فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة! أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم! فتركه.

فكبّر رسول الله ﷺ، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه.

= ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، [[في التعليق على الأثر السالف: ٧٩٤٣، ذكرت أن المخطوطة هناك، كان فيها"لر" غير منقوطة، واستظهرت مرجحًا أنها"كر"، ولكنه عاد هنا في المخطوطة، فكتبها"حمل" واضحة، فأخشى أن يكون هذا هو الصواب الراجح.]] فرمته الرماة، فانقمع. فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ!. فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي ﷺ. فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم. [[الأثر: ٨٠٠٤- الأثر السالف رقم: ٧٩٤٣، والتاريخ ٣: ١٤، ١٥.]] .

٨٠٠٥- حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: لما كان يوم أحُد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله ﷺ رجالا بإزاء الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوات بن جبير، وقال لهم:"لا تبرحوا مكانكم، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا". فلما التقى القوم، هُزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخلهنّ، فجعلوا يقولون:"الغنيمة، الغنيمة"! قال عبد الله: مهلا! أما علمتم ما عهدَ إليكم رسول الله ﷺ! فأبوا، فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم، فأصيب من المسلمين سبعون قتيلا.

٨٠٠٦- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه. [[الأثران: ٨٠٠٥، ٨٠٠٦ - تاريخ الطبري ٣: ١٣، ١٤ وانظر مسند أحمد ٤: ٢٩٣، ٢٩٤.]]

٨٠٠٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه"، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نزل أحدًا، وخرج رسول الله ﷺ فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي. وأعطى رسول الله ﷺ اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، [[في المطبوعة: "بالجسر"، وهو خطأ، "والحسر" جمع حاسر، وهم الرجالة الذين لا خيل لهم، يقال: سموا بذلك لأنهم يحسرون عن أيديهم وأرجلهم. ويقال إنه يقال لهم"حسر"، لأنه لا بيض لهم ولا دروع يلبسونها.]] وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل. فبعث رسول الله ﷺ الزبير وقال:"استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك". وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال:"لا تبرحوا حتى أوذنكم". وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال:"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون"، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم. [[الأثر: ٨٠٠٧- تاريخ الطبري ٣: ١٤.]]

٨٠٠٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أن محمد بن يحيى. . ."، والصواب من سيرة ابن هشام ٣: ٦٤ وتاريخ الطبري ٣: ٩.]] وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا -في قصة ذكرها عن أحد- ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله ﷺ نزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال:"لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال". [[في المطبوعة: "لا تقاتلوا حتى نأمر بالقتال"، وفي المخطوطة مثله، إلا أنه كتب: "نأمره" والصواب من سيرة ابن هشام، ومن تاريخ الطبري.]] وقد سرَّحت قريش الظهر والكُراع، [[الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب. والكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح، ويعني هنا الخيل.]] في زروع كانت بالصَّمغة من قناة للمسلمين، [["الصمغة": أرض في ناحية أحد. و"قناة" واد يأتي من الطائف، حتى ينتهي إلى أصل قبور الشهداء بأحد.]] فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نُضارِب! [[بنو قيلة: هم الأوس والخزرج، الأنصار. وقيلة: أم قديمة لهم ينسبون إليها.]] وتعبَّأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمئة رجل، [[في المطبوعة: "وصفنا رسول الله. . ."، وهو خطأ محض، والصواب من سيرة ابن هشام، والتاريخ، والمخطوطة، وهي فيها غير منقوطة.]] وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، [[في المطبوعة: "وتصاف قريش. . ."، وهو خطأ صرف، والصواب من التاريخ، ومن المخطوطة وهي فيها غير منقوطة.]] ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها، [[جنب الفرس والأسير يجنبه (بضم النون) جنبًا (بالتحريك) فهو مجنوب وجنيب، وخيل جنائب: إذا قادهما إلى جنبه. ويقال: "خيل مجنبة" بتشديد النون مثلها.]] فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وأمرَّ رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا وقال:"انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا! إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك". [[نضح عنه: ذب عنه، ورد عنه ونافح.]] فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض. [[هذا اختصار مخل جدًا، فإن أبا جعفر لفق كلام ابن إسحاق، والذي رواه ابن هشام مخالف في ترتيبه لما جاء في خبر الطبري هنا. وذلك أنه من أول قوله: "وأمر رسول الله ﷺ على الرماة. . ." مقدم على قوله: "وتعبأت قريش"، وذلك في السيرة ٣: ٦٩، ٧١. أما قوله: "فلما التقى الناس" فإنه يأتي في السيرة في ص ٧٢، وسياق الجملة: "فلما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم"، وساق ما كان من أمرهن، ثم قال: "قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس"، أما قوله بعد ذلك: "وحمزة بن عبد المطلب. . ."، فهو عطف علي"وقاتل أبو دجانة"، استخرجه الطبري من سياق سيرة ابن إسحاق ٣: ٧٧، لا من نصه. وقد تركت ما في التفسير على حاله، لأنه خطأ من أبي جعفر نفسه ولا شك. وأما قوله: "ثم أنزل الله نصره. . ." إلى آخر الأثر فهو في السيرة ٣: ٨٢.]] واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين. فأنزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها. [[الأثر: ٨٠٠٨- هذا أثر ملفق من نص ابن إسحاق، وهو فيما رواه ابن هشام في سيرته من مواضع متفرقة كما سترى ٣: ٦٩، ٧٠ / ثم ص: ٧٢ / ثم ص: ٧٧ / ثم ص ٨٢، وانظر التعليق السالف. ثم انظر تاريخ الطبري ٣: ١٣ / ثم ص١٦. وقوله: "حسوهم" أي قتلوهم واستأصلوهم، كما سيأتي في تفسير الآية بعد.]]

٨٠٠٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده قال، قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، [[في المخطوطة: "مسموات هوادن" وضبط الكلمة الأولى بالقلم بفتح الميم وضم السين وميم مشددة مفتوحة!! وهذا أعجب ما رأيت من السهو والغفلة! والكلمتان خطأ محض، وفي المطبوعة: "هوازم"، والصواب من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري. و"الخدم" جمع خدمة: وهي الخلخال، ويجمع أيضًا"خدام" بكسر الخاء."شمر تشميرًا فهو مشمر": جد في السير أو العمل وأسرع ومضى مضيًا، وأصله من فعل العادي إذا جد في عدوه وشمر عن ساقه وجمع ثوبه في يده، ليكون أسرع له.]] ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا. وصرخ صارخٌ:"ألا إنّ محمدًا قد قُتل"! فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، [[في المخطوطة: "بعد أن رأينا أصحابناب" وضرب على"بنا" من"أصحابنا"، فاجتهد الناشر قراءة هذا الكلام الفاسد فجعل مكان"أصبنا""هزمنا" ولكني رددته إلى نص ابن إسحاق من رواية ابن هشام في السيرة، والطبري في التاريخ."انكفأ": مال ورجع وانقلب، وهو صورة حركة الراجع، من انكفاء الإناء إذا أملته ناحية، و"انكفأوا علينا"، أي مالوا راجعين عليهم.]] حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم. [[الأثر: ٨٠٠٩- سيرة ابن هشام ٣: ٨٢، وهو تابع آخر الأثر السالف رقم: ٨٠٠٨، وفي تاريخ الطبري ٣: ١٦، ١٧.]]

٨٠١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله:"ولقد صدقكم الله وعده"، أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم. [[الأثر: ٨٠١٠- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٠، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٠٢.]]

٨٠١١- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"ولقد صدقكم الله وعده"، وذلك يوم أحد، قال لهم:"إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، [[في المخطوطة: "فلا عرض ما أصبتم"، وفي المطبوعة: "فلا تأخذوا ما أصبتم"، تصرف في طلب المعنى، وهو خطأ، وستأتي على الصواب في الأثر رقم: ٨٠٢٥، في المطبوعة والمخطوطة معًا، كما كتبتها هنا. وقوله: "فلا أعرفن ما أصبتم. . ."، يعني: لا يبلغني أنكم أصبتم من غنائمهم شيئًا. وقولهم: "لا أعرفن كذا" و"ولأعرفن كذا" كلمة تقال عند الوعيد والتهديد والزجر الشديد. وانظر مجيئها في الأثرين رقم: ٨١٥٨، ٨١٦٠ والتعليق عليهما. وانظر الدر المنثور ٢: ٨٥.]] حتى تفرُغوا"! فتركوا أمر نبي الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به. [[انظر الأثر الآتي رقم: ٨٠٢٥.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وَفَى الله لكم، أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ، بما وعدكم من النصر على عدوكم بأحُد، حين"تحُسُّونهم"، يعني: حين تقتلونهم.

* *

يقال منه:"حسَّه يَحُسُّه حسًا"، إذا قتله، [[انظر تفسير"الحس" فيما سلف ٦: ٤٤٣.]] كما:-

٨٠١٢- حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب بن عيسى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله:"إذ تحُسُّونهم بإذنه"، قال: الحسُّ: القتل. [[الأثر: ٨٠١٢-"محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطى"، مضى القول فيه برقم: ٢٨٦٧، ٢٨٦٨، ٢٨٨٨، وفي ٢٨٦٨"محمد بن عبيد الله بن سعيد". و"يعقوب بن عيسى" هو: "يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري"، سلف في رقم: ٢٨٦٧. و"عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز. . . الزهري"، هو الأعرج، المعروف بابن أبي ثابت، قيل: "ليس بثقة، إنما كان صاحب شعر"، وقال يحيى: "رأيته ببغداد، كان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم. ليس حديثه بشيء". مترجم في التهذيب. و"محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف" قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز، وعبد الله بن عبد العزيز، وعمران بن عبد العزيز، وهم ضعفاء الحديث، ليس لهم حديث مستقيم، وليس لمحمد عن أبي الزناد، والزهري، وهشام بن عروة، حديث صحيح". مترجم في الكبير ١ / ١ / ١٦٧، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٧.]]

٨٠١٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله يقول في قول الله عز وجل:"إذ تحسُّونهم"، قال: القتل.

٨٠١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إذ تحسونهم بإذنه"، قال: تقتلونهم.

* *

٨٠١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم"، أي: قتلا بإذنه.

٨٠١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"إذ تحسونهم"، يقول: إذ تقتلونهم.

٨٠١٧- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إذ تحسونهم بإذنه"، والحس القتل.

٨٠١٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه"، يقول: تقتلونهم.

٨٠١٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إذ تحسونهم" بالسيوف: أي القتل. [[الأثر: ٨٠١٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٠، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠١٠، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أي: بالقتل"، والباء زيادة لا خير فيها، والصواب من سيرة ابن هشام.]]

٨٠٢٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن:"إذ تحسونهم بإذنه"، يعني: القتل.

٨٠٢١- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله:"إذ تحسونهم بإذنه"، يقول: تقتلونهم.

* *

وأما قوله:"بإذنه"، فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك، وتسليطي إياكم عليهم، [[انظر تفسير"الإذن" فيما سلف ٢: ٤٤٩، ٤٥٠ / ٤: ٢٨٦، ٣٧١ / ٥: ٣٥٢، ٣٥٥، ٣٩٥.]] كما:-

٨٠٢٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم. [[الأثر: ٨٠٢٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٠، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠١٩.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"حتى إذا فشلتم"، حتى إذا جبنتم وضعفتم [[انظر تفسير"فشل" فيما سلف ٧: ١٦٨.]] ="وتنازعتم في الأمر"، يقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرَهم ﷺ بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشِّعب بأحُد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين، الذين ذكرنا قبلُ أمرَهم.

= وأما قوله:"من بعد ما أراكم ما تحبون"، فإنه يعني بذلك: من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله ﷺ أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم.

* *

وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل.

وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى.

ذكر من قال ذلك:

٨٠٢٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر"، أي اختلفتم في الأمر ="وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون"، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله ﷺ وأمرَهم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، [[في المطبوعة: "وجاوزوا"، وهي ضعيفة المعنى هنا. ولم تذكر كتب اللغة"حاوز" لكنهم قالوا: "انحاز القوم وتحوزوا وتحيزوا: تركوا مركزهم ومعركة قتالهم وتنحوا عنه، ومالوا إلى موضع آخر". وانظر ما سلف في التعليق على رقم: ٧٥٢٤، من قوله: "تحاوز الناس".]] وخالفوا ما أمرهم نبي الله ﷺ، فقذف عليهم عدوَّهم، [[في المطبوعة: "فانصرف عليهم"، ولا معنى لها، ولكنه أخذها من الأثر التالي ٨٠٢٥، من رسم المخطوطة هناك. وفي الدر المنثور ٢: ٨٥"فانصر عليهم"، ولا معنى لها أيضًا. وهي في المخطوطة هنا"فصرف"، فرجحت أن يكون هذا تصحيف"فقذف"، فأثبتها، وهي سياق المعنى حين انحطت عليهم خيل المشركين من ورائهم.]] بعد ما أراهم من عدوهم ما يحبون.

٨٠٢٤- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ بعث ناسًا من الناس -يعني: يوم أحُد- فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله ﷺ:"كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، [[في المخطوطة والمطبوعة: "من قدمنا"، والصواب من تاريخ الطبري. وفي الدر المنثور ٢: ٨٤"من ند منا"، يقال"ند البعير"، إذا نفر وشرد وذهب على وجهه، ولا بأس بمعناها هنا.]] وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا". وإن رسول الله ﷺ لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، [[في المطبوعة: "اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض"، زاد الناشر الأول"اختلف"، أما المخطوطة، والدر المنثور ٢: ٨٤، فليس فيها"اختلف"، والكلام بعد كما هو، وهو مضطرب، ورددته إلى الصواب من تاريخ الطبري، حذفت"فقال" من وسط الكلام، ووضعت"قال" في أوله.]] لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، قالوا:"انطلقوا إلى رسول الله ﷺ فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها"! وقالت طائفة أخرى:"بل نطيع رسول الله ﷺ فنثبت مكاننا"! فذلك قوله:"منكم من يريد الدنيا"، للذين أرادوا الغنيمة ="ومنكم من يريد الآخرة"، للذين قالوا:"نطيع رسول الله ﷺ ونثبت مكاننا". فأتوا محمدًا ﷺ، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول:"وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون"، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.

٨٠٢٥- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"حتى إذا فشلتم"، يقول: جبنتم عن عدوكم ="وتنازعتم في الأمر"، يقول: اختلفتم ="وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون"، وذلك يوم أحد قال لهم:"إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا"، [[انظر التعليق على الأثر: ٨٠١١، ص: ٢٨٦، تعليق: ٤.]] فتركوا أمر نبي الله ﷺ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "فانصرف عليهم عدوهم"، ولا معنى لها، وفي الدر المنثور ٢: ٨٥"فانصر عليهم"، ولا معنى لها، وانظر التعليق السالف ص: ٢٩٠ تعليق: ٢.]] من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون. [[الأثر: ٨٠٢٥- مضى برقم: ٨٠١١ مختصرًا.]]

٨٠٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"حتى إذا فشلتم"، قال ابن جريج، قال ابن عباس: الفشَل: الجبن.

٨٠٢٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون"، من الفتح.

٨٠٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"حتى إذا فشلتم"، أي تخاذلتم [[في المطبوعة: "تجادلتم"، وهو خطأ صرف، والصواب من سيرة ابن هشام.]] ="وتنازعتم في الأمر"، أي: اختلفتم في أمري ="وعصيتم"، أي: تركتم أمر نبيكم ﷺ؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة="من بعد ما أراكم ما تحبون"، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم. [[الأثر: ٨٠٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١.]]

٨٠٢٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن:"من بعد ما أراكم ما تحبون"، يعني: من الفتح.

* *

قال أبو جعفر: وقيل معنى قوله:"حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون" = حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون = وأنه من المقدم الذي معناه التأخير، [[في المطبوعة: "أنه من المقدم. . ." بإسقاط الواو، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة.]] وإن"الواو" دخلت في ذلك، ومعناها السقوط، كما يقال، [[في المطبوعة"كما قلنا في فلما أسلما. . ." بزيادة"في" وفي المخطوطة: "كما قلنا فلما أسلما"، بإسقاط"في"، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٨، فهذا نص كلامه.]] ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ﴾ [سورة الصافات: ١٠٣-١٠٤] معناه: ناديناه. وهذا مقول في: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ وفي ﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ . [لم يأت في غير هذين] . [[في المطبوعة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (لما) ومنه قول الله. . ."، وفي المخطوطة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (فلما أن) ، وفلما، ومنه قول الله عز وجل". والذي في المطبوعة تغيير لا خير فيه، والذي في المخطوطة خطأ لا شك فيه، فآثرت إثبات ما في معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٨، فإنه نص مقالته، وزدت منه ما بين القوسين.]] ومنه قول الله عز وجل: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ثُمَّ قَالَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [سورة الأنبياء: ٩٦-٩٧] .

ومعناه: اقترب، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٨.]] كما قال الشاعر: [[هو الأسود بن يعفر النهشلي، وهو في أكثر الكتب غير منسوب.]]

حَتَّى إذَا قَمِلَتْ بُطُونكُمُ ... وَرَأَيْتُمُ أَبْنَاءَكُمْ شَبُّوا [[معاني القرآن للفراء ١: ١٠٧، ٢٣٨ / اللسان (قمل) والجزء: ٢٠: ٣٨١ / تأويل مشكل القرآن: ١٩٧، ١٩٨ / المعاني الكبير: ٥٣٣ / مجالس ثعلب: ٧٤ / أمالي الشجري ١: ٣٥٧، ٣٥٨ / الإنصاف لابن الأنباري: ١٨٩ / الخزانة ٤: ٤١٤ / وهو في جميعها غير منسوب، وهو من شعر لم أجده تامًا، ذكر أبياتًا منه البكري في معجم ما استعجم: ٣٧٩، فيها البيت الأول وحده، وبيتان آخران منها في اللسان (وقب) وتهذيب الألفاظ: ١٩٦. وهو من شعر يهجو فيه بني نجيح، من بني عبد الله بن مجاشع بن دارم يقول في هجائهم: أَبَنِي نَجِيحٍ، إنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ، وإنَّ أَبَاكُمُ وَقْبُ

أَكَلَتْ خَبِيثَ الزَّادِ فَاتَّخَمَتْ ... عَنْهُ، وَشَمَّ خِمَارَهَا الكَلْبُ

وقوله: "قملت بطونكم"، كثرت قبائلكم. والبطون بطون القبائل.]] وَقَلَبْتُمْ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنَّ اللَّئِيمَ العَاجِزَ الخَبُّ [[يقال: "قلبت له ظهر المجن" - والمجن: الترس، لأنه يوارى صاحبه - كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية، ثم حال عن ذلك فعاداه. والخب (بفتح الخاء، وكسرها) الخداع الخبيث المنكر: وفي الحديث: "المؤمن غر كريم، والكافر خب لئيم".]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"منكم من يريد الدنيا، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله ﷺ في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين ="ومنكم من يريد الآخرة"، يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي أقعدهم فيها رسول الله ﷺ، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله ﷺ، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة. كما:-

٨٠٣٠- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"منكم من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة"، فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا:"لا نخالف قول رسول الله ﷺ"، أرادوا الآخرة.

٨٠٣١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.

٨٠٣٢ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة"، فإن نبي الله ﷺ أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال:"كونوا مَسْلحة للناس"، [[المسلحة: القوم ذوو السلاح يوكلون بثغر من الثغور يحفظونه مخافة أن يأتي منه العدو. وسميت الثغور"مسالح" من ذلك، وهي مواضع المخافة.]] بمنزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله ﷺ يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله ﷺ! فلما رأى المسلحةُ أن الله عز وجل هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون:"الغنيمة! الغنيمة! لا تفتكم"! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله ﷺ!. ففي ذلك نزل:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة"، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، [["ما شعرت"، أي: ما علمت، يأتي كذلك في الأثر التالي.]] حتى كان يوم أحد.

٨٠٣٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة:"أدركوا الناس ونبيَّ الله ﷺ لا يسبقوكم إلى الغنائم، فتكون لهم دونكم"! وقال بعضهم:"لا نَريم حتى يأذن لنا النبي ﷺ". فنزلت:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة"، قال: ابن جريج، قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ.

٨٠٣٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن:"منكم من يريد الدنيا"، هؤلاء الذين يجترون الغنائم [[في المطبوعة: "يحيزون الغنائم"، وهو خطأ، والكلمة في المخطوطة غير منقوطة، والذي أثبته هو صواب قراءتها. واجتر الشيء: جره، يعني يطلبونها إلى أنفسهم.]] ="ومنكم من يريد الآخرة"، الذين يتبعونهم يقتلونهم.

٨٠٣٥- حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي عن عبد خير قال: قال عبد الله: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد:"منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة". [[الأثر ٨٠٣٥-"الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي"، مضى مرارًا، وسلف ترجمته في رقم: ١٦٢٥، وكان في المطبوعة: "العبقري"، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط. وأما "عبد خير"، فهو"عبد خير بن يزيد الهمداني". أدرك الجاهلية، وروي عن أبي بكر، وابن مسعود وعلي، وزيد بن أرقم، وعائشة. وهو تابعي ثقة. مترجم في التهذيب.]]

٨٠٣٦- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عبد خير قال، قال ابن مسعود: ما كنت أظن في أصحاب رسول الله ﷺ يومئذ أحدًا يريد الدنيا، حتى قال الله ما قال.

٨٠٣٧- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم: ما كنت أحسب أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى كان اليوم.

٨٠٣٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان ابن مسعود يقول: ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ. [[الأثر: ٨٠٣٨- هو من بقية الأثر السالف: ٨٠٢٤، ورواه في تاريخه ٣: ١٤.]]

٨٠٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق"منكم من يريد الدنيا"، أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة ="ومنكم من يريد الآخرة"، أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، [[في المطبوعة: "لم يخالفوا" بإسقاط الواو، وأثبتها من المخطوطة وابن هشام. وفي المطبوعة والمخطوطة: "لعرض من الدنيا رغبة في رجاء ما عند الله"، وهو كلام يتلجلج، والصواب ما في سيرة ابن هشام، وهو الذي أثبت.]] رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة. [[الأثر: ٨٠٣٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٢٨.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة، - عقوبةً لكم على ما فعلتم،"ليبتليكم"، يقول: ليختبركم، [[انظر تفسير"ابتلى" فيما سلف ٢: ٤٩ / ٣: ٧، ٢٢٠ / ٥: ٣٣٩.]] فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم. كما:-

٨٠٤٠- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد:"ثم صرفكم عنهم ليبتليكم".

٨٠٤١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن في قوله:"ثم صرفكم عنهم"، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول:"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم"؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] ، الآية. فقالوا: أليس كان رسول الله ﷺ وعدنا النصر؟ فأنزل الله عز وجل:"ولقد صدقكم الله وعده" إلى قوله:"ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم".

٨٠٤٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق:"ثم صرفكم عنهم ليبتليكم"، أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم. [[الأثر: ٨٠٤٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٣٩. وفي سيرة ابن هشام المطبوعة، سقط بعض الكلام، فاضطرب لفظه، ويستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولقد عفا عنكم"، ولقد عفا الله = أيها المخالفون أمر رسول الله ﷺ، والتاركون طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه = عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه، عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرفِ وجوهكم عنهم، [[في المخطوطة: "وصرف وجوهكم عنه"، والصواب ما في المطبوعة.]] إذ لم يستأصل جمعكم، كما:-

٨٠٤٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن، في قوله:"ولقد عفا عنكم"، قال: قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله عز وجل:"قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم". قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله ﷺ، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، [[في المطبوعة: "يتجرأ على كل كبيرة"، تصرف في نص المخطوطة، وتجرثم الشيء: أخذ معظمه، وجرثومة كل شيء: أصله ومجتمعه.]] ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه!! فسوف يعلم.

٨٠٤٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"ولقد عفا عنكم"، قال: لم يستأصلكم.

٨٠٤٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد عفا عنكم"، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم. [[الأثر: ٨٠٤٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٤٢.]]

* *

وأما قوله:"والله ذو فضل على المؤمنين"، فإنه يعني: والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، [[انظر تفسير"الفضل" فيما سلف ٢: ٣٤٤ / ٥: ١٦٤، ٥٧١ / ٦: ١٥٦.]] بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم. كما:-

٨٠٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين"، يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان. [[الأثر: ٨٠٤٦- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٤٥. وفي سيرة ابن هشام المطبوعة فساد قبيح. يستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد عفا عنكم، أيها المؤمنون، إذ لم يستأصلكم، إهلاكًا منه جمعكم بذنوبكم وهربكم ="إذ تصعدون ولا تلوون على أحد".

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه عامة قرأة الحجاز والعراق والشام سوى الحسن البصري: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ بضم"التاء" وكسر"العين". وبه القراءة عندنا، لإجماع الحجة من القرأة على القراءة به، واستنكارهم ما خالفه.

* *

وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأه: ﴿إِذْ تَصْعَدُونَ﴾ ، بفتح"التاء" و"العين".

٨٠٤٧- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن هرون، عن يونس بن عبيد، عن الحسن.

* *

فأما الذين قرأوا: ﴿تُصْعِدُون﴾ بضم"التاء" وكسر"العين"، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلى أنّ القوم حين انهزموا عن عدوِّهم، أخذوا في الوادي هاربين. وذكروا أنّ ذلك في قراءة أبي: ﴿" إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْوَادِي "﴾ .

٨٠٤٨- حدثنا [بذلك] أحمد بن يوسف قال، حدثنا أبو عبيد قال، حدثنا حجاج، عن هرون.

* *

=قالوا: فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب:"إصعاد"، لا صعود. [[في المطبوعة: "قالوا: الهرب في مستوى الأرض". وفي المخطوطة: "بالهرب"، والصواب ما أثبت.]] قالوا وإنما يكون"الصعود" على الجبال والسلاليم والدَّرج، لأن معنى"الصعود"، الارتقاء والارتفاع على الشيء عُلوًا. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٥، ومعاني القرآن للفراء ١: ٢٣٩.]] قالوا: فأما الأخذ في مستوى الأرض والهبوط، فإنما هو"إصعاد"، كما يقال:"أصعَدْنا من مكة"، إذا بتدأت في السفر منها والخروج ="وأصعدنا من الكوفة إلى خراسان"، بمعنى: خرجنا منها سفرًا إليها، وابتدأنا منها الخروج إليها.

قالوا: وإنما جاء تأويل أكثر أهل التأويل، بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوهم في بطن الوادي.

ذكر من قال ذلك:

٨٠٤٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا تلوون على أحد"، ذاكم يوم أحد، أصعدوا في الوادي فرارًا، [[في المخطوطة: "في الوادي نبي الله" وما بينهما بياض، وما ثبت في المطبوعة، صواب موافق لما في الدر المنثور ٢: ٨٧، على خطأ ظاهر في الدر.]] ونبي الله ﷺ يدعوهم في أخراهم:"إلىَّ عباد الله، إلى عباد الله"!. [[في المخطوطة: "قال عباد الله قال عباد الله"، والذي في المطبوعة هو الصواب الموافق لما في الدر المنثور ٢: ٨٧، إلا أن ناشر المطبوعة زاد"قال" قبل: "إلى عباد الله"، وهو فاسد فخذفتها، فإن الذي في المخطوطة تصحيف"إلى. . . إلى". وانظر الأثر التالي: ٨٠٥٠.]]

* *

قال أبو جعفر: وأما الحسن، فإني أراه ذهب في قراءته:"إذ تَصْعَدون" بفتح"التاء" و"العين"، إلى أن القوم حين انهزموا عن المشركين صعدوا الجبل. وقد قال ذلك عددٌ من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨٠٥٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحُد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس:"إليّ عباد الله، إليّ عباد الله"! فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء نبيّ الله ﷺ إياهم، فقال:"إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم". [[الأثر: ٨٠٥٠- هو بعض الأثر السالف: ٧٩٤٣، مع زيادة فيه، وفي تاريخ الطبري أيضًا ٣: ٢٠، مع زيادة هنا.]]

٨٠٥١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: انحازوا إلى النبي ﷺ، فجعلوا يصعدون في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم.

٨٠٥٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨٠٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس، قوله:"إذ تصعدون ولا تلووْن على أحد"، قال صعدوا في أحُدٍ فرارًا.

* *

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ:"إذ تُصعِدون"، بضم"التاء" وكسر"العين"، بمعنى: السبق والهرب في مستوى الأرض، أو في المهابط، لإجماع الحجة على أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففي إجماعها على ذلك، الدليلُ الواضح على أنّ أولى التأويلين بالآية، تأويل من قال:"اصْعدوا في الوادي ومضوْا فيه"، دون قول من قال:"صعدوا على الجبل".

* *

قال أبو جعفر: وأما قوله:"ولا تلوون على أحد"، فإنه يعني: ولا تعطفون على أحد منكم، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، هربًا من عدوّكم مُصْعدين في الوادي. [[انظر تفسير"لوى" فيما سلف: ٦: ٥٣٦، ٥٣٧.]]

* *

ويعني بقوله:"والرسول يدعوكم في أخراكم"، ورسول الله ﷺ يدعوكم أيها المؤمنون به من أصحابه ="في أخراكم"، يعني: أنه يناديكم من خلفكم:"إليّ عباد الله، إليّ عباد الله"!. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٥، ومعاني القرآن للفراء: ١: ٢٣٩.]] كما:-

٨٠٥٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"والرسول يدعوكم في أخراكم"، إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا!.

٨٠٥٥- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والرسول يدعوكم في أخراكم"، رأوا نبي الله ﷺ يدعوهم:"إليّ عباد الله"!

٨٠٥٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي مثله.

٨٠٥٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، أنَّبهم الله بالفرار عن نبيهم ﷺ، وهو يدعوهم، لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال:"إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم". [[الأثر: ٨٠٥٧- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٤٦.]]

٨٠٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"والرسول يدعوكم في أخراكم"، هذا يوم أحد حين انكشف الناسُ عنه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فأثابكم غمًّا بغم"، يعني: فجازاكم بفراركم عن نبيكم، وفشلكم عن عدوكم، ومعصيتكم ربكم ="غمًّا بغم"، يقول: غما على غم.

* *

وسمى العقوبة التي عاقبهم بها = من تسليط عدوهم عليهم حتى نال منهم ما نال"ثوابًا"، إذ كان عوضًا من عملهم الذي سخطه ولم يرضه منهم، [[في المطبوعة: "إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه"، وكان في المخطوطة مكان"ذلك" بياض، والصواب ما أثبت، استظهارًا من كلام أبي جعفر التالي.]] فدلّ بذلك جل ثناؤه أنّ كل عوض كان لمعوَّض من شيء من العمل، خيرًا كان أو شرًّا = أو العوض الذي بذله رجل لرجل، أو يد سلفت له إليه، فإنه مستحق اسم"ثواب"، كان ذلك العوض تكرمةً أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر: [[هو الفرزدق.]]

أخَافُ زِيَادًا أَنْ يَكُونَ عَطَاؤُه ... أدَاهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرَا [[ديوانه: ٢٢٧، النقائض: ٦١٨، طبقات فحول الشعراء: ٢٥٦، وتاريخ الطبري ٦: ١٣٩، معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٩، وغيرها. من شعره في زياد بن أبي سفيان، وهو يلي الأبيات التي ذكرتها في التفسير آنفًا ٢: ١٩٥، تعليق: ١، والرواية التي ذكرها الطبري هنا، متابعة للفراء، وهي لا تستقيم مع الشعر، وأجمع الرواة على أنه: فلمَّا خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نَمَيْتُ إلَى حَرْفٍ أَضَرَّ بِنَيِّها ... سُرَى البِيدِ وَاسْتِعْراضُهَا البَلَدَ القَفْرَا

والأداهم جمع أدهم: وهو القيد، سمي بذلك لسواده. والمحدرجة: السياط. حدرج السوط: فتله فتلاً محكمًا حتى استوى. وجعلها"سمرًا"، لأدمة جلدها الذي تصنع منه.]]

فجعل"العطاء" القيود. [[في المطبوعة: "فجعل العطاء العقوبة"، والصواب من المخطوطة، ولا أدري لم غيره الناشر الأول.]] وذلك كقول القائل لآخر سلف إليه منه مكروه:"لأجازينَّك على فعلك، ولأثيبنك ثوابك". [[انظر لما سلف، معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٩، وانظر معنى"الثواب" فيما سلف قريبًا: ٢: ٤٥٨ / ٧: ٢٧٢، وقد نسيت أن أذكر مرجعه هناك.]]

* *

وأما قوله:"غمًّا بغم"، فإنه قيل:"غمًّا بغم"، معناه: غمًّا على غم، كما قيل: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١] ، بمعنى: ولأصلبنكم على جذوع النخل. وإنما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل:"أثابك الله غمًّا على غم"، جزاك الله غمًّا بعد غم تقدَّمه، [[في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين، وهو خطأ لا شك فيه.]] فكان كذلك معنى:"فأثابكم غمًّا بغم"، لأن معناه: فجزاكم الله غمًّا بعقب غمّ تقدمه، [[في المطبوعة: "يقدمه" في الموضعين، وهو خطأ لا شك فيه.]] وهو نظير قول القائل:"نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان"،"وضربته بالسيف وعلى السيف". [[انظر ما سلف ١: ٢٩٩، ٣١٣ / ٢: ٤١١، ٤١٢.]]

* *

واختلف أهل التأويل في الغم الذي أثيب القوم على الغم، وما كان غمُّهم الأول والثاني؟

فقال بعضهم:"أما الغم الأول، فكان ما تحدَّث به القوم أنّ نبيهم ﷺ قد قتل. وأما الغمّ الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والجراح".

ذكر من قال ذلك:

٨٠٥٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فأثابكم غمًّا بغم"، كانوا تحدَّثوا يومئذ أن نبي الله ﷺ أصيب، وكان الغم الآخر قَتل أصحابهم والجراحات التي أصابتهم. قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، ستة وستون رجلا من الأنصار، وأربعة من المهاجرين = وقوله:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم"، يقول: ما فاتكم من غنيمة القوم ="ولا ما أصابكم"، في أنفسكم من القتل والجراحات.

٨٠٦٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"فأثابكم غمًّا بغم"، قال: فرّة بعد فرّة: الأولى حين سمعوا الصوت أن محمدًا قد قتل، والثانية حين رجع الكفار، فضربوهم مدبرين، حتى قتلوا منهم سبعين رجلا ثم انحازوا إلى النبيّ ﷺ فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم.

٨٠٦١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

* *

وقال آخرون:"بل غمهم الأول كان قتْل من قتل منهم وجرح من جرح منهم. والغم الثاني كان من سماعهم صوت القائل:"قُتل محمد"، ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

٨٠٦٢- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"غمًّا بغم"، قال: الغم الأول: الجراحُ والقتل، والغم الثاني حين سمعوا أن نبي الله ﷺ قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم".

* *

٨٠٦٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فأثابكم غمًّا بغم"، قال: الغم الأول الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن رسول الله ﷺ قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة، وذلك حين يقول الله:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم".

وقال آخرون:"بل الغم الأول ما كان فاتهم من الفتح والغنيمة، والثاني إشراف أبي سفيان عليهم في الشِّعب. وذلك أن أبا سفيان -فيما زعم بعض أهل السير- لما أصاب من المسلمين ما أصاب، وهرب المسلمون، جاء حتى أشرف عليهم وفيهم رسول الله ﷺ في شعب أحد، الذي كانوا ولَّوا إليه عند الهزيمة، فخافوا أن يصطلمهم أبو سفيان وأصحابه. [[إذا أبيد القوم من أصلهم واستأصلهم عدوهم قيل: "اصطلموا" بالبناء للمجهول.]]

ذكر الخبر بذلك:

٨٠٦٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: انطلق رسول الله ﷺ يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة. فلما رأوه، وضع رجل سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميَه، فقال:"أنا رسول الله! "، ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ حيًّا، وفرح رسول الله حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. [[انظر ما سلف: ٢٥٦ تعليق: ١، فإني زدت"به" من التاريخ، ولكنه عاد هنا في المخطوطة فأسقطها، فاتفقت المخطوطة في الموضعين، فتركت هذه على حالها، وإن كنت لا أرتضيها.]] فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا.

=فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه، نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيان، [[في التاريخ"وأهمهم"، وهمه الأمر وأهمه، سواء في المعنى.]] فقال رسول الله ﷺ:"ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبَد"! ثم ندَب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم، فقال أبو سفيان يومئذ:"اعْلُ هُبَل! حنظلة بحنظلة، ويوم بيوم بدر"! = وقتلوا يومئذ حنظلة بن الراهب، وكان جُنُبًا فغسَّلته الملائكة، وكان حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر = وقال أبو سفيان:"لنا العُزَّى، ولا عُزَّى لكم"! فقال رسول الله ﷺ لعمر:"قل الله مولانا ولا مولى لكم"! فقال أبو سفيان: فيكم محمد؟ [[في التاريخ: "أفيكم محمد" بالألف، وهما سواء.]] قالوا: نعم! قال:"أما إنها قد كانت فيكم مُثْلة، ما أمرتُ بها، ولا نهيتُ عنها، ولا سرَّتني، ولا ساءتني"! فذكر الله إشراف أبي سفيان عليهم فقال:"فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم"، الغم الأول: ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني: إشراف العدوّ عليهم ="لكيلا يحزنوا على ما فاتكم"، من الغنيمة ="ولا ما أصابكم" من القتل حين تذكرون. فشغلهم أبو سفيان. [[الأثر ٨٠٦٤- تاريخ الطبري ٣: ٢٠، ٢١، وبعضه في الأثرين السالفين: ٧٩٤٣، ٨٠٥٠، وكلها سياق واحد في التاريخ.]]

٨٠٦٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، فيما ذكَروا من حديث أحُد، قالوا: كان المسلمون في ذلك اليوم -لما أصابهم فيه من شدة البلاء- أثلاثًا، ثلثٌ قتيل، وثلثٌ جريح، وثلثٌ منهزم، وقد بلغته الحرب حتى ما يدري ما يصنع = [[هذه الفقرة من الأثر، لم أجدها في سيرة ابن هشام.]] وحتى خلص العدوّ إلى رسول الله ﷺ فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشِقِّه، وأصيبتْ رَباعيته، وشجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص. [[هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام ٣: ٨٤، وانظر التخريج في آخره. ودثه بالعصا وبالحجر رماه رميًا متتابعًا، أو ضربه بالعصا ضربًا متقاربًا من وراء الثياب حتى يأخذه الألم. والشق: الجنب. والكلم: الجرح.]] = [[الفقرة التالية من الأثر في سيرة ابن هشام ٣: ٧٧، قبل السالفة.]] وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ ومعه لواؤه حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله ﷺ، فرجع إلى قريش فقال:"قتلت محمدًا". [[الأثر: ٨٠٦٥- هذا أثر ملفق من سيرة ابن إسحاق، كما رأيت في التعليقين السالفين، وهو فيها من ٣: ٨٤ / ٣: ٧٧ / والقسم الأول لم أعثر عليه فيها.]]

٨٠٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس:"قُتل رسول الله ﷺ" = كما حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري = كعبُ بن مالك أخو بني سلِمة قال: عرفتُ عينيه تَزْهَران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي:"يا معشر المسلمين: أبشروا، هذا رسول الله ﷺ"! فأشار إليَّ رسو ل الله أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشعب، معه عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوّام، والحارث بن الصِّمة، [[في المطبوعة: "والحارث بن الصامت"، والصواب من المخطوطة والمراجع، ولا أدري فيم غيره الناشر الأول!!]] في رهط من المسلمين. [[هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام ٣: ٨٨، ٨٩.]] .

=قال: فبينا رسول الله ﷺ في الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل، فقال رسول الله ﷺ:"اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا"! فقاتل عمرُ بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين، حتى أهبطوهم عن الجبل. ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله ﷺ قد بُدِّن، فظاهرَ بين درعين، [[بدن الرجل تبدينا: ألبسه البدن، أي الدرع. وقد مضى شراح السيرة، فزعموا أن"بدن" (بالبناء للمعلوم) هنا، معناها: أسن. قال أبو ذر الخشني في تفسير غريب سيرة ابن هشام: ٢٢٨"بدن الرجل، إذا أسن. وبدن، إذا عظم بدنه من كثرة اللحم". وكلا التفسيرين خطأ هنا، وإن كان صحيحًا في اللغة، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يوم قاتل في أحد مسنًا ولا بلغ في السن ما يضعفه. وأيضًا فإنه، بأبي هو وأمي ﷺ، لم يوصف قط بالبدانة والسمن. وأما قوله ﷺ في حديث الصلاة: "إني قد بدنت فلا تبادروني بالركوع والسجود"، فإنه لم يعن البدانة، وإنما أراد أن الحركة قد ثقلت عليه، كما تثقل على الرجل البادن. ولو قرئت في"بدن" بالبناء للمعلوم لكان عربية صحيحة.

وأما قوله: "ظاهر بين درعين"، أي ليس إحداهما على الأخرى، وكذلك"ظاهر بين ثوبين، أو نعلين"، لبس أحدهما على الآخر.]] فلما ذهب لينهض، فلم يستطع، جلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها. [[هذه الفقرة من الأثر في سيرة ابن هشام ٣: ٩١، وتاريخ الطبري ٣: ٢١.]] .

= ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته:"أنعمْتَ فعالِ! إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعْلُ هُبَل"، أي: أظهر دينك، [[قوله: "أنعمت"، أي جئت بالسهم الذي فيه"نعم"، و"عال"، أي: تجاف عنها -عن الأصنام- ولا تذكرها بسوء. يقال: "عال عني، وأعل عني"، أي تنح. وذلك أن الرجل من قريش من أهل الجاهلية، كان إذا أراد ابتداء أمر، عمد إلى سهمين فكتب على أحدهما"نعم" وعلى الآخر"لا"، ثم يتقدم إلى الصنم ويجيل سهامه، فإن خرج سهم"نعم" أقدم، وإن خرج سهم"لا" امتنع. وكان أبو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد، استفتى هبل، فخرج له سهم الإنعام. فذلك تفسير كلمته. ومن لطيف أخبار الاستقسام بالأزلام. ما فعل امرؤ القيس، حين قتل أبوه، فاستقسم عند ذي الخلصة، فأجال سهامه فخرج له السهم الناهي"لا" ثلاث مرات، فجمع قداحه وكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال له: "مصصت ببظر أمك! لو أبوك قتل ما عقتني!! "، ثم خرج فقاتل، فظفر. فيقال إنه لم يستقسم بعد ذلك بقدح عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام، وهدمه جرير بن عبد الله البجلي، وأبطل الله أمر الجاهلية كله.

وقد قيل لأبي سفيان يوم الفتح: "أين قولك، أنعمت فعال"؟ فقال: "قد صنع الله خيرًا، وذهب أمر الجاهلية".

هذا وقد كان في المطبوعة: "أنعمت فقال إن الحرب سجال"، وهو خطأ صرف. والحرب سجال: أي مرة لهذا، ومرة لهذا. وقوله: "اعل هبل" قد شرحه ابن إسحاق، فيظن بعض من يضبط السيرة أنه"أعل" (بهمز الألف وسكون العين وكسر اللام) وهو خطأ، والصواب أنه أمر من"علا"، يريد: زد علوًا.]] فقال رسول الله ﷺ لعمر:"قم فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل! لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار"! فلما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان، قال له أبو سفيان:"هلم إليَّ يا عمر"! فقال له رسول الله ﷺ:"ائته فانظر ما شأنُه"؟ فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللهمّ لا وإنه ليسمع كلامك الآن!. فقال: أنت أصدقُ عندي من ابن قميئة وأبرُّ! = [[في المطبوعة: "وأشار لقول ابن قميئة"، لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام. وقوله: "وأبر"، من"البر"، وهو الصدق والخير كله.]] لقول ابن قميئة لهم: إنّي قتلت محمدًا = ثم نادى أبو سفيان، فقال: إنه قد كان في قتلاكم. مُثْلة، والله ما رضيتُ ولا سخطتُ، ولا نهيت ولا أمرتُ. [[الأثر ٨٠٦٦- هذا الأثر مجموع من مواضع في السيرة كما أشرت إليه، وهي في: سيرة ابن هشام ٣: ٨٨، ٨٩ / ٣: ٩١، وتاريخ الطبري ٣: ٢١ / والسيرة ٣: ٩٩.]]

٨٠٦٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق:"فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم"، أي: كربًا بعد كرب، قتلُ من قتل من إخوانكم، وعلوّ عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال:"قُتل نبيكم"، فكان ذلك مما تتابع عليكم غمًّا بغم ="لكيلا تحزنوا على ما فاتكم"، من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم ="ولا ما أصابكم" من قتل إخوانكم، حتى فرجت بذلك الكرب عنكم ="والله خبير بما تعملون"، وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغمّ الذي أصابهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "وكان الذي خرج عنهم" بإسقاط"به" والسياق يقتضى إثباتها، فأثبتها من سيرة ابن هشام.]] أن الله عز وجل ردّ عنهم كِذبة الشيطان بقتل نبيهم. فلما رأوا رسول الله ﷺ حيًّا بين أظهرهم، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم، [[في المطبوعة: "فهان الظهور عليهم"، وفي المخطوطة: "فهذا الظهور عليهم" كتب"فهذا" في آخر"السطر" و"الظهور" في أول السطر التالي، فلم يحسن الناشر قراءتها، والصواب من سيرة ابن هشام.]] حين صرف الله القتل عن نبيهم ﷺ. [[الأثر: ٨٠٦٧- سيرة ابن هشام ٣: ١٢١، ١٢٢، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٥٧.]]

٨٠٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فأثابكم غمًّا بغم"، قال ابن جريج، قال مجاهد: أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قُتلوا. فلما تولَّجُوا في الشعب وهم مصابون، [[في المطبوعة: "فلما تولجوا في الشعب يتصافون"، وهو لا معنى له، والصواب من المخطوطة إلا أن كاتبها كان قد سقط من كتابته من أول"وهم مصابون" إلى"باب الشعب"، فكتبها في الهامش. فاستعجمت على الناشر الأول قراءتها.]] وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضًا، فأصابهم حزن في ذلك أيضًا أنساهم حُزنهم في أصحابهم، فذلك قوله:"فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم" = قال ابن جريج، قوله:"على ما فاتكم"، يقول: على ما فاتكم من غنائم القوم ="ولا ما أصابكم"، في أنفسكم.

٨٠٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج. قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد بن عمير قال: جاء أبو سفيان بن حرب ومن معه، حتى وقف بالشعب، ثم نادى: أفي القوم ابن أبي كبشة؟ [["ابن أبي كبشة"، يعني رسول الله ﷺ. وكذلك كان المشركون يذكرون رسول الله. فقيل إن"أبا كبشة"، رجل من خزاعة، خالف قريشًا في عبادة الأوثان وعبد الشعري العبور، فذكروه بذلك لمخالفته إياهم إلى عبادة الله تعالى، كما خالفهم أبو كبشة إلى عبادة الشعري. ويقال: إنها كنية وهب بن عبد مناف، جد رسول الله من قبل أمه، فنسب إليه، لأنه نزع إليه في الشبه. ويقال: هي كنية زوج حليمة السعدية التي أرضعته ﷺ.]] فسكتوا، فقال أبو سفيان: قُتل ورب الكعبة! ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة! ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ فسكتوا، فقال: قُتل ورب الكعبة! ثم قال أبو سفيان: اعل هُبل، يوم بيوم بدر، وحنظلة بحنظلة، وأنتم واجدون في القوم مَثْلا [[في المخطوطة: "وأنتم واحد ورقى القوم سلا"، وهو كلام"فاسد" صوابه في المطبوعة. والمثل (بفتح الميم وسكون الثاء) مصدر"مثل بالقتيل" إذا جدع أنفه، أو أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه وجسده، طلب التشويه لجثته. والاسم"المثلة" (بضم الميم وسكون الثاء) .]] لم يكن عن رأي سَراتنا وخيارنا، ولم نكرهه حين رأيناه! فقال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: قم فناد فقل: الله أعلى وأجل! نعم هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا! لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!.

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

٨٠٧٠- حدثني به محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم"، فرجعوا فقالوا: والله لنأتينهم، ثم لنقتلنهم! قد جرحوا منا! [[في المطبوعة: "قد خرجوا منا"، وأسقطها السيوطى في الدر المنثور ٢: ٨٧، فاستظهر ناشر الطبعة السالفة إسقاطها كما فعل السيوطي، وهي في المخطوطة: "قد حرحوا منا"، غير منقوطة، كما أثبتها وصواب قراءتها ما أثبت. ومعنى: "جرحوا منا"، أي أصابوا بعضنا بالجراحات والقتل، وبلغوا في ذلك مبلغًا. ولم تثبت كتب اللغة ذلك، ولكنه عربي معرق عتيق، وما كل اللغة تثبته كتب اللغة، وخاصة مجاز العبارات.]] فقال رسول الله ﷺ: مهلا؛ فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني! فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم قد ائتشبوا وقد اخترطوا سيوفهم، [[في المطبوعة: "قد أنسوا وقد اخترطوا سيوفهم"، وفي الدر المنثور ٢: ٨٧" قد ايسوا" وفي المخطوطة: "قد انسوا" غير منقوطة، والذي في المطبوعة والدر لا معنى له، وقد رجحت قراءتها. تأشب القوم وائتشبوا: انضم بعضهم لبعض واجتمعوا والتفوا، وفي الحديث"فتأشب أصحابه إليه"، أي اجتمعوا إليه وطافوا به. وأصله من"أشب الشجر"، إذا التف وكثر حتى ضاقت فرجه، وحتى لا مجاز فيه لمجتاز.]] فكان غمَّ الهزيمة وغمهم حين أتوهم ="لكيلا تحزنوا على ما فاتكم"، من القتل ="ولا ما أصابكم"، من الجراحة ="فأثابكم غمًّا بغم لكيلا تحزنوا" الآية، وهو يوم أحد.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال:"معنى قوله:"فأثابكم غمًّا بغم،" أيها المؤمنون، بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ -بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون- بمعصيتكم ربَّكم وخلافكم أمر نبيكم ﷺ، غمَّ ظنَّكم أن نبيكم ﷺ قد قتل، وميل العدوّ عليكم بعد فلولكم منهم. [[قوله: "بعد فلولكم منهم" يعني: بعد هزيمتكم وفراركم منهم، ولم تصرح كتب اللغة بفعل ثلاثي لازم مصدره"فلول"، بل قالوا: "فله يفله، فانفل"، ولكن يرجح صواب ما في نص الطبري أنه جاء في أمثالهم: "من فل ذل"، أي من فر عن عدوه ذل. وأما ابن كثير فقد نقل في تفسيره ٢: ٢٧٠ نص الطبري هذا، وفيه"ونبوكم منهم"، وليست بشيء، وكأن الصواب ما في التفسير، فهو جيد في العربية.]] .

والذي يدل على أن ذلك أولى بتأويل الآية مما خالفه، قوله:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم"، والفائت، لا شك أنه هو ما كانوا رجَوْا الوصول إليه من غيرهم، إما من ظهور عليهم بغلَبهم، وإما من غنيمة يحتازونها = وأنّ قوله:"ولا ما أصابكم"، هو ما أصابهم: إما في أبدانهم، وإما في إخوانهم.

فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن"الغم" الثاني هو معنًى غير هذين. لأن الله عز وجل أخبر عباده المؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ، أنه أثابهم غمًّا بغم لئلا يحزنهم ما نالهم من الغم الناشئ عما فاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك في أنفسهم، وهو الغم الأول، على ما قد بيناه قبل.

* *

وأما قوله:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم"، فإن تأويله على ما قد بيَّنت، من أنه:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم"، فلم تدركوه مما كنتم ترجون إدراكه من عدوكم بالظفر عليهم والظهور، وحيازة غنائمهم ="ولا ما أصابكم"، في أنفسكم. من جرح من جرح وقتل من قتل من إخوانكم.

* *

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه قبلُ على السبيل التي اختلفوا فيه، كما:-

٨٠٧١- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم"، قال: على ما فاتكم من الغنيمة التي كنتم ترجون ="ولا تحزنوا على ما أصابكم"، من الهزيمة.

* *

وأما قوله:"والله خبير بما تعملون"، فإنه يعني جل ثناؤه: والله بالذي تعملون، أيها المؤمنون - من إصعادكم في الوادي هربًا من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبيكم وهو يدعوكم في أخراكم، وحزنكم على ما فاتكم من عدوكم وما أصابكم في أنفسكم = ذو خبرة وعلم، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، حتى يجازيكم به: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، أو يعفو عنه.

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله، أيها المؤمنون من بعد الغم الذي أثابكم ربكم بعد غم تقدمه قبله ="أمنة"، وهي الأمان، [[انظر تفسير"الأمن" فيما سلف ٣: ٢٩ / ٤: ٨٧.]] على أهل الإخلاص منكم واليقين، دون أهل النفاق والشك.

* *

ثم بين جل ثناؤه، عن"الأمنة" التي أنزلها عليهم، ما هي؟ فقال ="نعاسًا"، بنصب"النعاس" على الإبدال من"الأمنة".

* *

ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله:"يغشى".

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة وبعض الكوفيين بالتذكير بالياء: ﴿يَغْشَى﴾ .

* *

وقرأ جماعة من قرأة الكوفيين بالتأنيث: ﴿تَغْشَى﴾ بالتاء.

* *

وذهب الذين قرأوا ذلك بالتذكير، إلى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من المؤمنين دون الأمَنة، فذكَّره بتذكير"النعاس".

وذهب الذين قرأوا ذلك بالتأنيث، إلى أنّ الأمَنة هي التي تغشاهم فأنثوه لتأنيث"الأمنة".

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، غير مختلفتين في معنى ولا غيره. لأن"الأمنة" في هذا الموضع هي النعاس، والنعاس هو الأمنة. فسواء ذلك، [[في المطبوعة: "وسواء ذلك" بالواو، والصواب من المخطوطة.]] وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيبٌ الحقَّ في قراءته. وكذلك جميع ما في القرآن من نظائره من نحو قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ كَالْمُهْلِ تَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [سورة الدخان: ٤٣-٤٥] و ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ تُمْنَى﴾ [سورة القيامة: ٣٧] ، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ﴾ [سورة مريم: ٢٥] . [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٠.]] .

* *

فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عز وجل فيما افترقتا فيه من صفتهما، فأمِنت إحداهما بنفسها حتى نعست، وأهمَّت الأخرى أنفسها حتى ظنت بالله غير الحق ظن الجاهلية؟

قيل: كان سبب ذلك فيما ذكر لنا، كما:-

٨٠٧٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي ﷺ بدرًا من قابلٍ، فقال نعم! نعم! فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله ﷺ رجلا فقال: "انظر، فإن رأيتهم قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم، [[الأثقال جمع ثقل (بفتحتين) : وهو متاع المسافر، وعنى به الإبل التي تحمل المتاع. وجنب الفرس والأسير وغيره: قاده إلى جنبه.]] فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم، [[في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور ٢: ٨٧: "وجنبوا على أثقالهم"، والصواب الذي لا شك فيه حذف"على".]] فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله واصبروا" ووطَّنهم على القتال. فلما أبصرهم الرسولُ قعدوا على الأثقال سراعًا عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم. فلما رأى المؤمنون ذلك صدَّقوا نبي الله ﷺ فناموا، وبقى أناس من المنافقين يظنون أنّ القوم يأتونهم. فقال الله جل وعز، يذكر حين أخبرهم النبي ﷺ إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ويظنون بالله غير الحقّ ظن الجاهلية".

٨٠٧٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: أمَّنهم يومئذ بنعاس غشَّاهم. وإنما ينعُسُ من يأمن ="يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية".

٨٠٧٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن أنزل عليه النعاس يوم أحد أمنة، حتى سقط من يدي مرارًا = قال أبو جعفر: يعني سوطه، أو سيفه.

٨٠٧٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحُد، فجعلت ما أرى أحدًا من القوم إلا تحت حجفته يميد من النعاس. [["الحجفة": ضرب من الترسة، تتخذ من جلود الإبل مقورة، يطارق بعضها على بعض، ليس فيه خشب، وهي الحجفة والدرقة."ماد يميد": مال وتحرك واضطرب.]] .

٨٠٧٦- حدثنا ابن بشار وابن المثني قالا حدثنا أبو داود قال، حدثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كنت فيمن صبَّ عليه النعاس يوم أحد.

٨٠٧٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: عن أبي طلحة: أنه كان يومئذ ممن غشِيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه، من النعاس.

٨٠٧٨- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، عن أنس: أن أبا طلحة حدثهم: أنه كان يومئذ ممن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، ويسقط = والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همَّة إلا أنفسهم،"يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية"، الآية كلها.

٨٠٧٩- حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال، حدثنا ضرار بن صُرد قال، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عز وجل:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمَنةً نعاسًا". قال: ألقي علينا النوم يوم أحد.

٨٠٨٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا"، الآية، وذاكم يوم أحد، كانوا يومئذ فريقين، فأما المؤمنون فغشّاهم الله النعاس أمنةً منه ورحمة.

٨٠٨١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، نحوه.

٨٠٨٢- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"أمنة نعاسًا"، قال: ألقي عليهم النعاس، فكان ذلك أمنةً لهم.

٨٠٨٣- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال، قال عبد الله: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

٨٠٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا"، قال: أنزل النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيامٌ لا يخافون. [[الأثر: ٨٠٨٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو من تتمة الأثار التي آخرها: ٨٠٦٧.]]

٨٠٨٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمنة نعاسًا"، قال: ألقى الله عليهم النعاس، فكان"أمنة لهم". وذكر أن أبا طلحة قال: ألقي عليًّ النعاس يومئذ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.

٨٠٨٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن إدريس قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة = وهشام بن عروة، عن عروة، عن الزبير، أنهما قالا لقد رفعنا رءوسنا يوم أحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يميل بجنب حجفته. قال: وتلا هذه الآية:"ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاسًا".

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وطائفة منكم"، أيها المؤمنون ="قد أهمتهم أنفسهم"، يقول: هم المنافقون لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه ﷺ، وَمحْسَبة منهم أن الله خاذل نبيه ومُعْلٍ عليه أهل الكفر به، [[حسب الشيء يحسبه (بكسر السين) حسبانًا (بكسر الحاء) ومحسبة ومحسبة (بكسر السين وفتحها) ، ظنه طنًا.]] يقولون: هل لنا من الأمر من شيء. كالذي:-

٨٠٨٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: والطائفة الأخرى: المنافقون، ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبُه وأخذله للحق، يظنون بالله غير الحق ظنونًا كاذبة، إنما هم أهل شك وريبة في أمر الله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ .

٨٠٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: والطائفة الأخرى المنافقون، ليس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ الآية.

٨٠٨٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وطائفة قد أهمتهم أنفسهم"، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبةٌ. [[الأثر: ٨٠٨٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٨٤.]]

٨٠٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وطائفة قد أهمتهم أنفسهم" إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقون.

* *

وأما قوله:"ظنّ الجاهلية"، فإنه يعني أهل الشرك. كالذي:-

٨٠٩١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ظنّ الجاهلية"، قال: ظن أهل الشرك.

٨٠٩٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"ظن الجاهلية"، قال: ظن أهل الشرك.

* *

قال أبو جعفر: وفي رفع قوله:"وطائفة"، وجهان.

أحدهما، أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها في قوله:"قد أهمتهم".

والآخر: بقوله:"يظنون بالله غير الحق"، ولو كانت منصوبة كان جائزًا، وكانت"الواو"، في قوله:"وطائفة"، ظرفًا للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [سورة الذاريات: ٤٧] . [[قد استقصى هذا الباب من العربية، الفراء في معاني القرآن ١: ٢٤٠ - ٢٤٢.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك الطائفة المنافقةَ التي قد أهمَّتهم أنفسهم، يقولون: ليس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما:-

٨٠٩٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قيل لعبد الله بن أبيّ: قُتل بنو الخزرج اليوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قيل إنّ الأمر كله لله!. [[في المطبوعة: "قل إن الأمر كله لله" كنص الآية، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين:"إن الأمر كله لله"، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ.

ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال:"يُخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك" يقول: يخفي، يا محمد، هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم، في أنفسهم من الكفر والشك في الله، ما لا يبدون لك. ثم أظهر نبيَّه ﷺ على ما كانوا يخفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التي أصابتهم على حضورهم مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبرًا عن قيلهم الكفرَ وإعلانهم النفاقَ بينهم:"يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا"، يعني بذلك، أنّ هؤلاء المنافقين يقولون: لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشركين إلينا، ما خرجنا إليهم، ولا قُتل منا أحد في الموضع الذي قتلوا فيه بأحد.

* *

وذكر أن ممن قال هذا القول، معتّب بن قشير، أخو بني عمرو بن عوف.

ذكر الخبر بذلك:

٨٠٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، قال، قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: والله إنّي لأسمع قول معتِّب بن قشير، أخي بني عمرو بن عوف، والنعاسُ يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا! [[لم أجد نص الخبر في سيرة ابن هشام، في خبر أحد، ولكني وجدت معناه والإشارة إليه قبل أحد في ذكر من اجتمع إلى يهود من منافقي الأنصار ٢: ١٦٩.]]

٨٠٩٥- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، بمثله.

* *

قال أبو جعفر: واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ﴾ ، بنصب"الكل" على وجه النعت لـ"الأمر" والصفة له.

* *

وقرأه بعض قرأة أهل البصرة: ﴿قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ برفع"الكل"، على توجيه"الكل" إلى أنه اسم، وقوله"لله" خبره، كقول القائل:"إن الأمر بعضه لعبد الله. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣.]] .

* *

وقد يجوز أن يكون"الكل" في قراءة من قرأه بالنصب، منصوبًا على البدل.

* *

قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة عندنا، النصبُ في"الكل" لإجماع أكثر القرأة عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ في معنى أو عربية. ولو كانت القراءة بالرفع في ذلك مستفيضة في القرأة، لكانت سواءً عندي القراءةُ بأيِّ ذلك قرئ، لاتفاق معاني ذلك بأيَ وجهيه قرئ.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور (١٥٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهرَ للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شككم في دينكم [[في المطبوعة: "من شرككم في دينكم"، والصواب من المخطوطة.]] ="لبرز الذين كُتب عليهم القتل"، يقول: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه، من قد كتب عليه القتل منهم، [[انظر تفسير"برز" فيما سلف ٥: ٣٥٤.]] ولخرج من بيته إليه حتى يصرع في الموضع الذي كُتب عليه أن يصرع فيه. [[في المطبوعة: "ويخرج من بيته"، لم يحسن قراءة المخطوطة.]] .

* *

وأما قوله:"وليبتلي الله ما في صدوركم"، فإنه يعني به: وليبتلي الله ما في صدوركم، أيها المنافقون، كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم.

* *

ويعني بقوله:"وليبتلي الله ما في صدوركم"، وليختبر الله الذي في صدوركم من الشك، فيميِّزكم = بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم = من المؤمنين. [[انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف ٧: ٢٩٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد دللنا فيما مضى على أنّ معاني نظائر قوله:"ليبتلي الله" و"وليعلم الله" وما أشبه ذلك، وإن كان في ظاهر الكلام مضافًا إلى الله الوصف به، فمرادٌ به أولياؤه وأهل طاعته = [[انظر ما سلف قريبًا ص: ٢٤٦، تعليق ٢، / ثم انظر ٣: ١٦٠ - ١٦٢.]] وأنّ معنى ذلك: وليختبر أولياءُ الله، وأهل طاعته الذي في صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، [فيميّزوكم] من أهل الإخلاص واليقين ="وليمحص ما في قلوبكم"، يقول وليتبينوا ما في قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين من العداوة أو الولاية. [[انظر تفسير"محص" فيما سلف ص: ٢٤٤.]]

* *

"والله عليم بذات الصدور"، يقول: والله ذو علم بالذي في صدور خلقه من خير وشر، وإيمان وكفر، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها، وهو لجميع ذلك حافظ، حتى يجازي جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن إسحاق يقول:

٨٠٩٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ذكر الله تلاومَهم -يعني: تلاوم المنافقين - وحسرتهم على ما أصابهم، ثم قال لنبيه ﷺ قل:"لو كنتم في بيوتكم"، لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذي كتب عليهم القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلي به ما في صدوركم ="وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور"، أي لا يخفى عليه ما في صدورهم، [[في المطبوعة"لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم"، وفي المخطوطة"لا يخفى عليه شيء ما في صدورهم"، وضرب بالقلم على"شيء"، ولكن الناشر آثر إثباتها، وجعل"ما""مما"، والصواب المطابق لنص السيرة هو ما أثبت.]] مما اسْتَخْفَوْا به منكم. [[الأثر: ٨٠٩٦- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٨٩.]]

٨٠٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: سئل عن قوله:"قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم"، قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من كَتب الله عليه القتل. [[الأثر: ٨٠٩٧-"الحارث بن مسلم الرازي المقرئ"، روى عن الثوري، والربيع بن صبيح وغيرهما. قال أبو حاتم: "الحارث بن مسلم، عابد، شيخ ثقة صدوق. رأيته وصليت خلفه". مترجم في ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٨٨.

و"بحر السقاء"، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء أبو الفضل" روي عن الحسن، والزهري وقتادة. وهو جد"عمرو بن علي الفلاس". وروى عنه الثوري وكناه ولم يسمه، قال يحيى بن سعيد القطان: "كان سفيان الثوري يحدثني، فإذا حدثني عن رجل يعلم أني لا أرضاه كناه لي، فحدثني يوما قال حدثني أبو الفضل، يعني بحرًا السقاء". وقال يحيى بن معين: "بحر السقاء، لا يكتب حديثه". وهو متروك. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤١٨.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين ولَّوا عن المشركين، من أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد وانهزموا عنهم.

* *

وقوله:"تولَّوا"،"تفعَّلوا"، من قولهم:"ولَّى فلان ظهره". [[انظر تفسير"تولى" فيما سلف ٢: ١٦٢، ٢٩٩ / ٣: ١١٥، ١٣١ / ٤: ٢٣٧ / ٦: ٢٨٣، ٢٩١، ٤٧٧، ٤٨٣.]]

* *

وقوله:"يوم التقى الجمعان"، يعني: يوم التقى جمعُ المشركين والمسلمين بأحد ="إنما استزلهم الشيطان"، أي: إنما دعاهم إلى الزّلة الشيطانُ.

* *

وقوله"استزل""استفعل" من"الزلة". و"الزلة"، هي الخطيئة. [[انظر تفسير: "زل" فيما سلف ١: ٥٢٤، ٥٢٥ / ٤: ٢٥٩، ٢٦٠.]]

* *

="ببعض ما كسبوا"، يعني ببعض ما عملوا من الذنوب [[انظر تفسير"كسب" فيما سلف ٢: ٢٧٣، ٢٧٤ / ٣: ١٠١، ١٢٨ / ٤: ٤٤٩ / ٦: ١٣١، ٢٩٥.]] . ="ولقد عفا الله عنهم"، يقول: ولقد تجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه [[انظر تفسير"عفا" فيما سلف من فهارس اللغة.]] ="إن الله غفور"، يعني به: مغطّ على ذنوب من آمن به واتبع رسوله، بعفوه عن عقوبته إياهم عليها ="حليم"، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة. [[انظر تفسير"غفور حليم" فيما سلف من فهارس اللغة.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عُنوا بهذه الآية.

فقال بعضهم: عني بها كلُّ من ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأحد.

ذكر من قال ذلك:

٨٠٩٨- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ"آل عمران"، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله:"إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، قال: لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أرْوَى، [["أنزو": أثبت، والنزو الوثب. والأروى: أنثى الوعول، وهي قوية على التصعيد في الجبال.]] والناس يقولون:"قُتل محمد"! فقلت: لا أجد أحدًا يقول:"قتل محمد"، إلا قتلته!. حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية كلها. [[الأثر: ٨٠٩٨-"أبو هشام الرفاعي" هو"محمد بن يزيد بن محمد بن كثير"، مضى في رقم: ٣٢٨٦، ٤٥٥٧، ٤٨٨٨، وغيرها. و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط"، قيل اسمه"محمد"، وقيل: "عبد الله" وقيل وقيل، ولكن الحافظ قال: "والصحيح أن اسمه كنيته، كان حافظًا متقنًا، ولكنه لما كبر ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، كما قال ابن حبان". مترجم في التهذيب.

و"عاصم بن كليب بن شهاب المجنون الجرمي"، روى عن أبيه، وأبي بردة بن أبي موسى، ومحمد بن كب القرظي، وغيرهم. روى عنه ابن عون وشعبة وشريك والسفيانان وغيرهم. قال أحمد: "لا بأس بحديثه"، وقال النسائي وابن معين: "ثقة". وكان من العباد، ولم يكن كثير الحديث. مترجم في التهذيب.

وأبوه: "كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي"، روى عن أبيه، وعن خاله الفلتان بن عاصم، وعمر، وعلي، وسعد، وأبي ذر، وأبي موسى، وأبي هريرة وغيرهم. قال ابن سعد: "كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به". مترجم في التهذيب.]]

٨٠٩٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله ﷺ تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم.

٨١٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية، فذكر نحو قول قتادة.

* *

وقال آخرون: بل عني بذلك خاصٌّ ممن ولَّى الدبر يومئذ، قالوا: وإنما عنى به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم.

ذكر من قال ذلك:

٨١٠١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله ﷺ أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، الآية.

* *

وقال آخرون: بل نزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين.

ذكر من قال ذلك:

٨١٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان"، قال: نزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر = قال ابن جريج: وقوله:"إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم"، إذ لم يعاقبهم.

٨١٠٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان -رجلان من الأنصار- حتى بلغوا الجلْعَب = [["الجلعب" ضبطه البكري بفتح الجيم وسكون اللام وفتح العين، وضبطه ياقوت بفتح الجيم واللام وسكون العين، وقال: وقد تناء بعضهم في الشعر كعادتهم في أمثاله فقال (من أبيات صححتها، ففي مطبوعة معجم البلدان خطأ كثير) : فَمَا فَتِئَتْ ضُبْعُ الجَلَعْبَيْنِ تَعْتَرى ... مَصَارِعَ قَتْلَى فِي التُّرَابِ سِبَالُهَا]] جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً!! [[قوله: "لقد ذهبتم فيها عريضة"، أي واسعة. والضمير في قوله: "فيها" إلى"الأرض"، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم، فأبعدتم المذهب، يتعجب من فعلهم. هذا، ولم أجد الأثر في سيرة ابن هشام.]]

٨١٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله:"إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا" الآية، والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، الأنصاريان، ثم الزّرَقَّيان [[الأثر: ٨١٠٤- لم أجد هذا الأثر أيضًا في سيرة ابن هشام.]] .

* *

وأما قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم. كما:-

٨١٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله:"ولقد عفا الله عنهم"، يقول:"ولقد عفا الله عنهم"، إذ لم يعاقبهم.

٨١٠٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله في تولِّيهم يوم أحد:"ولقد عفا الله عنهم"، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟.

* *

وقد بينا تأويل قوله:"إن الله غفور حليم"، فيما مضى. [[انظر ما سلف ٥: ١١٧، ٥٢١.]]

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوَّة محمد ﷺ، وقال لإخوانه من أهل الكفر ="إذا ضربوا في الأرض" فخرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة ="أو كانوا غُزًّى"، يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم ="لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا ="ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده.

* *

وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه.

ذكر من قال ذلك:

٨١٠٧- حدثني محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنو لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" الآية، قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.

٨١٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى"، قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول.

٨١٠٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين.

ذكر من قال ذلك:

٨١١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم" الآية، أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتلوا. [[الأثر: ٨١١٠- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٠٩٦.]]

* *

وأما قوله:"إذا ضربوا في الأرض"، فإنه اختلف في تأويله. [[انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٦.]] فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة.

ذكر من قال ذلك:

٨١١١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إذا ضربوا في الأرض"، وهي التجارة.

* *

وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

٨١١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إذا ضربوا في الأرض"، الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله. [[الأثر: ٨١١٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، ١٢٣، وهو بعض الأثر السالف: ٨١١٠، وتتمته.]]

* *

وأصل"الضرب في الأرض"، الإبعاد فيها سيرًا. [[انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف ٥: ٥٩٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٦.]]

* *

وأما قوله:"أو كانوا غُزًّى"، فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله.

* *

و"الغزَّى" جمع"غاز"، جمع على"فعَّل" كما يجمع"شاهد""شهَّد"، و"قائل""قول"،. وقد ينشد بيت رؤبة:

فاليوم قَدْ نَهْنَهِني تَنَهْنُهِي ... وَأوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَفَّهِ وَقُوَّلٌ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ [[ديوانه: ١٦٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٦، ومشكل القرآن: ٤٣٨، وجمهرة الأمثال: ٢٣، وأمثال الميداني ١: ٣٨، والخزانة ٣: ٩٠، واللسان (قول) (دها) ، وغيرها كثير، وسيأتي في التفسير ٢٤: ٦٦ (بولاق) . وهو من قصيدته التي يذكر فيها نفسه وشبابه، وقد سلفت منها عدة أبيات في مواضع متفرقة.

"نهنهت فلانًا عن الشيء فتنهنه"، أي: زجرته فانزجر، وكففته فانكف. و"الأول": الرجوع. يقول: قد كفني عن الصبا طولى عتابي لنفسي وملامتي إياها، ورجوع عقل لا يوصف بالسفه، بعد جنون الشباب، ثم قول الناس: "إلا ده، فلا ده".

وقد اختلف في تفسير"إلا ده فلا ده"، اختلاف كثير، قال أبو عبيدة: "يقول إن لم يكن هذا فلا ذا. ومثل هذا قولهم: إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبدًا، وإن لم يكن ذاك الآن، لم يكن أبدًا". وقال ابن قتيبة: "يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره. . . ويروى أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال، كأنهم أرادوا: إن لم تكن هذه، لم تكن أخرى".

وقال أبو هلال: "قال بعضهم: يضرب مثلا للرجل يطلب شيئًا، فإذا منعه طلب غيره. وقال الأصمعي: لا أدري ما أصله! وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان فامتحناه، فقالا له: في أي شيء جئناك؟ قال: في كذا، قالا: لا! فأعاد النظر وقال: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يكن كذا فليس غيره، ثم أخبرهما. . . وكانت العرب تقول، إذا رأى الرجل ثأره: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يثأر الآن، لم يثأر أبدًا".

ومهما يكن من أصله، فإن رؤبة يريد: زجرني عن ذلك كف نفسي عن الغي، وأوبة حلم أطاره جنون الشباب، وقول ناصحين يقول: إن لم ترعو الآن عن غيك، فلن ترعوى ما عشت!]]

وينشد أيضًا:

وقَوْلُهُمْ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ *

* *

وإنما قيل:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى"، فأصحبَ ماضي الفعل، الحرفَ الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل:"وقالوا لإخوانهم"، ثم قيل:"إذا ضربوا"، وإنما يقال في الكلام:"أكرمتك إذْ زرتني"، ولا يقال:"أكرمتك إذا زرتني". لأن"القول" الذي في قوله:"وقالوا لإخوانهم"، وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى المستقبل. وذلك أن العرب تذهب بـ"الذين" مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة"من" و"ما"، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جميعهنّ أشياء [[في المطبوعة: "وأن جمعهن أشياء. . ."، وهو خطأ صوابه من المطبوعة.]] مجهولات غير موقتات توقيت"عمرو" و"زيد". [[الموقت، والتوقيت: هو المعرفة المحددة، والتعريف المحدد، وهو الذي يعني سماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد، مثل"زيد"، فإنه يعين مسماه تعيينًا مطلقًا، أو محددًا. وانظر ما سلف ١: ١٨١، تعليق: ١ / ٢: ٣٣٩. والمجهول: غير المعروف، وهو النكرة.]] .

فلما كان ذلك كذلك = وكان صحيحًا في الكلام فصيحًا أن يقال للرجل:"أكرمْ من أكرمك""وأكرم كل رجل أكرمك"، فيكون الكلام خارجًا بلفظ الماضي مع"من"، و"كلٍّ"، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، [[في المخطوطة والمطبوعة"مع من وكل مجهول"، والصواب ما أثبت، ويعني بقوله"مجهولين": نكرتين.]] إذ كان الموصوف بالفعل غير مؤقت، وكان"الذين" في قوله:"لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض"، غير موقَّتين، [["موقتين" جمع"موقت" بالياء والنون، وهي المعرفة كما سلف. والسياق"وكان الذين.. .. .. غير موقتين"، لأن"الذين" جمع، فوصفها بالجمع.]] = أجريت مجرى"من" و"ما" في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء، [[في المخطوطة"التي تذهب الجزاء"، وفي معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣: "لأن"الذين" يذهب بها إلى معنى الجزاء، من: من، وما". فالتصرف الذي ذهب إليه الناشر الأول صواب جيد جدًا."والترجمة" هنا: التفسير والبيان.]] وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في"ما": [[هو الطرماح بن حكيم.]]

وإنّي لآتِيكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى ... مِنَ الأمْرِ واسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ [[مضى تخريج البيت وشرحه فيما سلف ٢: ٣٥١، تعليق: ٥.]]

فقال:"ما كان في غد"، وهو يريد: ما يكون في غد. ولو كان أراد الماضي لقال:"ما كان في أمس"، ولم يجز له أن يقول:"ما كان في غد".

ولو كان"الذي" موقَّتًا، لم يجز أن يقال ذلك. خطأ أن يقال:"لتُكرِمن هذا الذي أكرمك إذا زرته"، [[في المطبوعة"خطأ أن يقال لك من هذا الذي. . ." أخطأ قراءة المخطوطة فجعل"لتكرمن""لك من" وهو فاسد، والصواب ما أثبت، وهو الذي يدل عليه السياق.]] لأن"الذي" ههنا موقّت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام"هذا"، لكان جائزًا فصيحًا، لأن"الذي" يصير حينئذ مجهولا غير موقت. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الحج: ٢٥] فردّ"يصدون" على"كفروا"، لأن"الذين" غير موقتة. فقوله:"كفروا"، وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سورة مريم: ٦٠] وقوله: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: ٣٤] ، معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم = وإلا من يتوب ويؤمن. ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير، والعلة في كل ذلك واحدة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٣، ٢٤٤.]] .

* *

وأما قوله:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، فإنه يعني بذلك: حزنًا في قلوبهم، [[انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف ٣: ٢٩٥ - ٢٩٩.]] كما:-

٨١١٣- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"في قلوبهم"، قال: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئًا.

٨١١٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨١١٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه. [[الأثر: ٨١١٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٠، ٨١١٢.]]

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿والله يحيي ويميت﴾ والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، [[أخشى أن يكون سقط من الناسخ بعض تفسير الآية، وكأنه كان: "والله المؤخر أجل من يشاء من حيث شاء، وهو المعجل. . ."، وانظر الأثر الآتي رقم: ٨١١٦.]] والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.

وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له = ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين.

* *

ثم قال جل ثناؤه:"والله بما تعملون بصيرٌ"، يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.

٨١١٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله يحيي ويميت"، أي: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته. [[الأثر: ٨١١٦- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٥.]]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين، يقول لهم: [[في المطبوعة: "فخاطب"، وأثبت صوابها من المخطوطة.]] لا تكونوا، أيها المؤمنون، في شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شك المنافقون في ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله وقاتِلوا أعداء الله، على يقين منكم بأنه لا يقتل في حرب ولا يموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته. ثم وعدهم على جهادهم في سبيله المغفرة والرحمةَ، وأخبرهم أن موتًا في سبيل الله وقتلا في الله، [[في المطبوعة: "وقتلا" وأثبت ما في المخطوطة، وهو أجود.]] خير لهم مما يجمعون في الدنيا من حُطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الجهاد في سبيل الله، ويتأخرون عن لقاء العدو، كما:-

٨١١٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون"، أي: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل، خير = لو علموا فأيقنوا = مما يجمعون في الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفًا من الموت والقتل لما جمعوا من زَهرة الدنيا، وزهادةً في الآخرة. [[الأثر: ٨١١٧- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٦. وكان في المخطوطة والمطبوعة: "لما جمعوا من زهيد الدنيا" وهو تحريف، والصواب من سيرة ابن هشام. وزهرة الدنيا: حسنها وبهجتها وغضارتها، وكثرة خيرها، ورغيد عيشها. وفي سيرة ابن هشام: "زهادة في الآخرة"، بغير واو.]] .

* *

قال أبو جعفر: وإنما قال الله عز وجل:"لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون"، وابتدأ الكلام:"ولئن متم أو قتلتم" بحذف جواب"لئن"، [[في المطبوعة والمخطوطة"بحذف جزاء لئن"، وهو خطأ بين وتصحيف من الناسخ، سقطت منه باء"جواب" فكتب"جزاء".]] لأن في قوله: "لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون" معنى جواب للجزاء، [[في المطبوعة والمخطوطة: "معنى جواز للجزاء"، وهو تصحيف لا معنى له، والصواب ما أثبت.]] وذلك أنه وَعدٌ خرج مخرج الخبر.

* *

فتأويل الكلام: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم، ليغفرن الله لكم وليرحمنّكم = فدلّ على ذلك بقوله:"لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون"، وجمع مع الدلالة به عليه، الخبَرَ عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا وما يجمعون فيها.

* *

وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أنه إن قيل: كيف يكون:"لمغفرة من الله ورحمة" جوابًا لقوله:"ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم"؟ فإن الوجه فيه أن يقال فيه كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم فذلك لكم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك في سبيلي، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فإن [القول] فيه أن يقال فيه: كأنه قال: ولئن متم أو قتلتم [فذكر لهم] رحمة من الله ومغفرة، إذا كان ذلك في [السبيل] "، وقد وضعت الكلمات التي استبدلت بها غيرها بين أقواس. وهذه الجملة التي في المطبوعة والمخطوطة لا يكاد يكون لها معنى. فالكلمة الأولى"القول" لا شك في خطئها، وصوابها ما أثبت. أما "فذكر لهم"، فإني أظن أن الناسخ قد أخطأ قراءة المخطوطة القديمة التي نقل عنها فقرأ"فذلك لكم""فذكر لهم" وأما "السبيل"، ففي المخطوطة ضرب خفيف على ألف"السبيل"، فرجحت قراءتها كما أثبت. وهو حق المعنى، فاستقامت هذه الجملة مع ما بعدها، والحمد لله.]] فقال:"لمغفرة من الله ورحمة،" يقول: لذلك خير مما تجمعون، يعني: لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون.

* *

ودخلت اللام في قوله:"لمغفرة من الله"، لدخولها في قوله: و"لئن"، كما قيل: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ﴾ [سورة الحشر: ١٢]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولئن متم أو قتلتم، أيها المؤمنون، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله ويوجب لكم رضاه، ويقربكم من الجنة، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذي هو غير باقٍ لكم، بل هو زائلٌ عنكم، وعلى ترك طاعة الله والجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرِّبكم من النار.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق:

٨١١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولئن متم أو قتلتم"، أيُّ ذلك كان ="لإلى الله تحشرون"، أي: أن إلى الله المرجع، فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه، آثر عندكم منها. [[الأثر: ٨١١٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٧.]]

* *

وأدخلت"اللام" في قوله:"لإلى الله تحشرون"، لدخولها في قوله:"ولئن". ولو كانت"اللام" مؤخرة إلى قوله:"تحشرون"، لأحدثت"النون" الثقيلة فيه، كما تقول في الكلام:"لئن أحسنتَ إليّ لأحسننَّ إليك" بنون مثقّلة. فكان كذلك قوله: ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله، ولكن لما حِيل بين"اللام" وبين"تحشرون" بالصفة، [[في المطبوعة: "لما حيز بين اللام. . ."، وفي المخطوطة: "ولما حين. . ."، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الصفة" حرف الجر، انظر ما سلف ١: ٢٩٩، تعليق: ١، وسائر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.]] أدخلت في الصفة، وسلمت"تحشرون"، فلم تدخلها"النون" الثقيلة، كما تقول في الكلام:"لئن أحسنتَ إليّ لإليك أحسن"، بغير"نون" مثقلة.

القول في تأويل قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فبما رحمة من الله"، فبرحمة من الله، و"ما" صلة. [["الصلة"، الزيادة، انظر ما سلف ١: ١٩٠ / ٤٠٥، تعليق: ٤ / ٤٠٦ / ٥٤٨، ثم فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء.]] وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٦] . [[انظر ما سلف ١: ٤٠٤، ٤٠٥.]] والعرب تجعل"ما" صلة في المعرفة والنكرة، كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٥٥\ سورة المائدة: ١٣] ، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وهذا في المعرفة. وقال في النكرة: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون: ٤٠] ، والمعنى: عن قليل. وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانًا على وجه الصلة، ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر: [[هو حسان بن ثابت، أو كعب بن مالك، أو غيرهما، انظر ما سلف ١: ٤٠٤ تعليق: ٥.]]

فَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا ... حُبُّ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا [[سلف تخريج البيت في ١: ٤٠٤، تعليق: ٥.]]

إذا جعلت غير صلة رفعتَ بإضمار"هو"، وإن خفضت أتبعت"من"، [[وذلك أن"من" و"ما" حكمهما في هذا واحد، كما سلف في ١: ٤٠٤.]] فأعربته. فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات.

فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل:"فبما نقضهم ميثاقهم"، والرفع جائز في العربية. [[انظر مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٤٤، ٢٤٥.]]

* *

وبنحو ما قلنا في قوله:"فبما رحمة من الله لنت لهم"، قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨١١٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"فبما رحمة من الله لنت لهم"، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم.

* *

وأما قوله:"ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، فإنه يعني بـ"الفظ" الجافي، وبـ"الغليظ القلب"، القاسي القلب، غير ذي رحمة ولا رأفة. وكذلك كانت صفته ﷺ، كما وصفه الله به: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] .

* *

فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك ="لنت لهم"، لتبَّاعك وأصحابك، فسُهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم. كما:-

٨١٢٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، إي والله، لطهَّره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبًا رحيما بالمؤمنين رءوفًا = وذكر لنا أن نعت محمد ﷺ في التوراة:"ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح".

٨١٢١- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.

٨١٢٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك"، قال: ذكر لينه لهم وصبره عليهم = لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه = في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيِّهم. [[الأثر: ٨١٢٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٨١١٨، وهو في السيرة تال للأثر الآتي رقم: ٢٤: ٨.]]

* *

وأما قوله:"لانفضوا من حولك"، فإنه يعني: لتفرقوا عنك. كما:-

٨١٢٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح قال، قال ابن عباس: قوله:"لا نفضوا من حولك"، قال: انصرفوا عنك.

٨١٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"لانفضوا من حولك"، أي: لتركوك. [[الأثر: ٨١٢٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٢٢، ولكنه سابق له في سيرة ابن هشام.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فاعف عنهم"، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك ="واستغفر لهم"، وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه. كما:-

٨١٢٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فاعف عنهم"، أي: فتجاوز عنهم ="واستغفر لهم"، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم. [[الأثر: ٨١٢٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٢٤، ولكنه تال للأثر رقم: ٨١٢٢ في سياق السيرة. وفي سيرة ابن هشام: "ذنوبهم من قارف"، ولكن طابع السيرة جعل"ذنوبهم" من الآية، فحصرها بين أقواس مع لفظ الآية!! وهو عجب!]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيَّه ﷺ أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟

فقال بعضهم: أمر الله نبيه ﷺ بقوله:"وشاورهم في الأمر"، بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألّفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه = بتدبيره له أمورَه، وسياسته إيّاه وتقويمه أسبابه = عنهم.

ذكر من قال ذلك:

٨١٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"، أمر الله عز وجل نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم = وأنّ القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشدِه.

٨١٢٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وشاورهم في الأمر"، قال: أمر الله نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه الوحي من السماء، لأنه أطيب لأنفسهم.

٨١٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وشاورهم في الأمر"، أي: لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم، وإن كنت عنهم غنيًّا، تؤلفهم بذلك على دينهم. [[الأثر: ٨١٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٢٥.]]

* *

وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك. ليبين له الرأي وأصوبَ الأمور في التدبير، [[في المطبوعة: "بل أمره بذلك في ذلك وإن كان له الرأي وأصوب الأمور. . ."، لم يستطع الناشر أن يحسن قراءة المخطوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضْل.

ذكر من قال ذلك:

٨١٢٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قوله:"وشاورهم في الأمر"، قال: ما أمر الله عز وجل نبيه ﷺ بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل.

٨١٣٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم. [[الأثر: ٨١٣٠-"إياس بن دغفل الحارثي، أبو دغفل"، روي عن الحسن، وأبي نضرة وعطاء وغيرهم، وروى عنه معتمر بن سليمان، وأبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.]]

* *

وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمرَه بمشاورتهم فيه، مع إغنائه بتقويمه إياه وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنُّوا بسنَّته في ذلك، ويحتذوا المثالَ الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورتَه في أموره = مع المنزلة التي هو بها من الله = أصحابَهُ وتبَّاعَهُ في الأمر ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، [[قوله: "أصحابه وتباعه" منصوب مفعول لقوله: "من مشاورته في أموره. . ."]] فيتشاوروا بينهم ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملأهم. لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يُخْلهم الله عز وجل من لطفه وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه. قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الشورى: ٣٨] .

ذكر من قال ذلك:

٨١٣١- حدثنا سوَّار بن عبد الله العنبري قال، قال سفيان بن عيينة في قوله:"وشاورهم في الأمر"، قال: هي للمؤمنين، أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي ﷺ فيه أثر.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمرَ نبيه ﷺ بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان = وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، [[في المطبوعة: "ما في الأمور"، والصواب ما في المخطوطة، ولكن الناشر الأول لم يحسن قراءتها. يريد: الوجه الذي تؤتى منه الأمور وتطلب.]] ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته ﷺ يفعله. فأما النبي ﷺ، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، [["توخى الأمر": تحراه وقصده ويممه، ثم تقلب واوه ألفًا فيقال"تأخيت الأمر"، والشافعي رضي الله عنه يكثر من استعمالها في كتبه كذلك. ثم انظر تعليق أخي السيد أحمد، على رسالة الشافعي ص: ٥٠٤، تعليق: ٢.]] وإرادةِ جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حَيْد عن هدى، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم.

* *

وأما قوله:"فإذا عزمت فتوكل على الله"، فإنه يعني: فإذا صحِّ عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك، أو خالفها ="وتوكل"، فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم ="فإن الله يحب المتوكلين"، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه. كما:-

٨١٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فإذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحب المتوكلين" ="فإذا عزمت"، أي: على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرتَ به، على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك = و"توكل على الله"، [[هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة وسيرة ابن هشام: "وتوكل" بالواو، وهو جائز، لأنه في سياق التفسير، وأما الآية فهي"فتوكل" بالفاء، فلذلك جعلت الواو خارج القوس.]] أي: ارضَ به من العباد ="إن الله يحب المتوكلين". [[الأثر: ٨١٣٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، ١٢٤، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٨١٢٨.]]

٨١٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"فإذا عزمت فتوكل على الله"، أمر الله نبيه ﷺ إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيمَ على أمر الله، ويتوكل على الله.

٨١٣٤- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"فإذا عزمت فتوكل على الله"، الآية، أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك:"إن ينصركم الله"، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به ="فلا غالب لكم" من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم ="وإن يخذُلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"، يعني: إن يخذلكم ربكم بخلافكم أمره وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم ="فمن ذا الذي ينصركم من بعده"، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، [[أيست من الشيء آيس يأسًا، لغة في"يئست منه أيأس يأسًا"، وقد سلف مثل ذلك في موضع آخر لم أجده الآن.]] فإنكم لا تجدون [ناصرًا] من بعد خذلان الله إياكم إن خذلكم، [[في المطبوعة: "فإنكم لا تجدون امرءًا من بعد خذلان الله"، وفي المخطوطة: "لا تجدون أمرًا"، ولم أجد لهما معنى أرتضيه، فوضعت"ناصرًا" مكان"أمرًا" بين القوسين، استظهارًا من معنى الآية، وإن كنت أخشى أن يكون قد سقط من الناسخ شيء، أو كتبت شيئًا مصحفًا لم أهتد لأصله. وانظر سهو الناسخ في التعليق التالي.]] يقول: فلا تتركوا أمري وطاعتي وطاعة رسولي فتهلكوا بخذلاني إياكم ="وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره. كما:-

٨١٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس = لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن ينصرك الناس ="فمن الذي ينصركم من بعده"، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض [أمر] الناس لأمري، وعلى الله، [لا على الناس] ، فليتوكل المؤمنون. [[الأثر: ٨١٣٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٣٢، بيد أنه في سيرة ابن هشام مختصر. لم يرو ابن هشام صدر هذا الخبر، بل بدأ من قوله: "أي: لا تترك"، وقد أخطأ الناسخ فيما أرجح فسقط منه ما أثبت من سيرة ابن هشام بين الأقواس.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾

اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة الحجاز والعراق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ ، بمعنى: أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم من أموال أعدائهم. واحتجَّ بعض قارئي هذه القراءة: أنّ هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ في قطيفة فُقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي ﷺ:"لعل رسول الله ﷺ أخذها! "، ورووا في ذلك روايات، فمنها ما:-

٨١٣٦- حدثنا به محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا مقسم قال، حدثني ابن عباس: أن هذه الآية:"وما كان لنبيّ أن يغل"، نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها! قال: فأكثروا في ذلك، فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلُل يأت بما غل يوم القيامة". [[الأثر: ٨١٣٦-"محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القرشي الأموي"، روى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال النسائي: "لا بأس به"، وهو ثقة جليل صدوق. و"عبد الواحد بن زياد العبدي" أحد الأعلام سلفت ترجمته في: ٢٦١٦. و"خصيف بن عبد الرحمن الجزري"، رأى أنسًا، وروي عن عطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومقسم وغيرهم. قال أحمد"ضعيف الحديث"، وقال: "شديد الاضطراب في المسند". وقال ابن عدي: "إذا حدث عن خصيف ثقة، فلا بأس بحديثه". وقال ابن حبان: "تركه جماعة من أئمتنا واحتج به آخرون، وكان شيخًا صالحًا فقيهًا عابدًا، إلا أنه كان يخطئ كثيرًا فيما يروى، وينفرد عن المشاهير بما لا يتابع عليه، وهو صدوق في روايته، إلا أن الإنصاف فيه، قبول ما وافق الثقات، وترك ما لم يتابع عليه". مترجم في التهذيب.

والحديث رواه الترمذي في باب تفسير القرآن، من طريق قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد، بمثله وقال: "هذا حديث حسن غريب"، وقد روى عبد السلام بن حرب عن خصيف نحو هذا، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم، ولم يذكر فيه ابن عباس" - يعني مرسلا. ونسبه ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٧٩، إلى أبي داود أيضًا، ونسبه السيوطى في الدر المنثور ٢: ٩١ إلى أبي داود، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والترمذي، وابن جرير.]]

٨١٣٧- حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، سألت سعيد بن جبير: كيف تقرأ هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغُل" أو:"يُغَل"؟ قال: لا بل"يَغُل"، فقد كان النبي والله يُغَل ويقتل.

٨١٣٨- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس:"وما كان لنبي أن يغل"، قال: كان ذلك في قطيفة حمراء فقدت في غزوة بدر، فقال أناس من أصحاب النبي ﷺ:"فلعل النبي أخذها"! فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبي أن يغُل" = [قال سعيد: بلى والله، إنّ النبي ليُغَلّ ويُقتل] . [[الأثر: ٨١٣٨-"عتاب بن بشير الجزري". روي عن خصيف وغيره. قال أحمد: "أرجو أن لا يكون به بأس، روى بأخرة أحاديث منكرة، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف". مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: "بل والله"، والصواب ما أثبت من المخطوطة، وأما قوله في آخر الأثر: "قال سعيد:. . ."، فإني تركته مكانه هنا، ولكني أرجح أنه من تمام الأثر التالي رقم: ٨١٤٠، فوضعته بين القوسين. هذا، إذا لم يكن قد سقط من الناسخ أثر آخر من رواية سعيد بن جبير.]]

٨١٣٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا:"أخذها رسول الله ﷺ! ". فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبيّ أن يغُلّ".

٨١٤٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مالك بن إسماعيل قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن سعيد بن جبير وعكرمة في قوله:"وما كان لنبي أن يغل"، قالا يغُل = قال قال عكرمة أو غيره، عن ابن عباس، قال = كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله ﷺ"! قال: فأنزل الله هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغل".

٨١٤١- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد، قال، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبير قال: نزلت هذه الآية:"وما كان لنبي أن يغل"، في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة. [[الأثر: ٨١٤١-"قزعة بن سويد بن حجير الباهلي"، روى عن أبيه، وحميد بن قيس الأعرج، وابن أبي مليكة، وابن أبي نجيح وغيرهم. قال أحمد: "مضطرب الحديث، وهو شبه المتروك". وقال أبو حاتم: "ليس بذاك القوى"، وقال ابن حبان: "كان كثير الخطأ فاحش الوهم، فلما كثر ذلك في روايته سقط الاحتجاج بأخباره". وقال البزار: "لم يكن بالقوي، حدث عنه أهل العلم". مترجم في التهذيب.]]

٨١٤٢- حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن سليمان الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ﴾ ، فقال ابن عباس: بلى، ويُقْتَل = قال: فذكر ابن عباس أنه إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله ﷺ غَلَّها، يوم بدر. فأنزل الله:"وما كان لنبيّ أن يَغُل".

* *

وقال آخرون ممن قرأ ذلك كذلك، بفتح"الياء" وضم"الغين": إنما نزلت هذه الآية في طلائع كان رسول الله ﷺ ووجَّههم في وجه، ثم غنم النبي ﷺ فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل هذه الآية على نبيه ﷺ، يعلمه فيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأنّ الواجب عليه في الحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرِّفه الواجبَ عليه من الحكم فيما أفاء الله عليه من الغنائم، وأنه ليس له أن يخصّ بشيء منها أحدًا ممن شهد الوقعة - أو ممن كان رِدْءًا لهم في غزوهم - دون أحد. [[الردء (بكسر فسكون) : الناصر والمعين.]]

ذكر من قال ذلك:

٨١٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة"، يقول: ما كان للنبي أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القَسْم، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله. يقول: ما كان الله ليجعل نبيًّا يغلُّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبي ﷺ استنُّوا به. [[الأثر: ٨١٤٣- هذا إسناد دائر في التفسير، وانظر الكلام فيه برقم: ٣٠٥.]]

٨١٤٤- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: أنه كان يقرأ:"ما كان لنبي أن يغلَّ"، قال: أن يعطي بعضًا، ويترك بعضًا، إذا أصاب مغنمًا.

٨١٤٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع، فغنم النبي ﷺ، فلم يقسم للطلائع، فأنزل الله عز وجل:"وما كان لنبيّ أن يغل".

٨١٤٦- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك:"ما كان لنبي أن يغل"، يقول: ما كان لنبيّ أن يقسم لطائفة من أصحابه ويترك طائفة، ولكن يعدل ويأخذ في ذلك بأمر الله عز وجل، ويحكم فيه بما أنزل الله.

٨١٤٧- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"ما كان لنبي أن يغل"، قال: ما كان له إذا أصاب مغنمًا أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضًا، ولكن يقسم بينهم بالسوية.

* *

وقال آخرون ممن قرأ ذلك بفتح"الياء" وضم"الغين": إنما أنزل ذلك تعريفًا للناس أنّ النبيّ ﷺ لا يكتم من وحي الله شيئًا.

ذكر من قال ذلك:

٨١٤٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان لنبيّ أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"، أي: ما كان لنبيّ أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القيامة. [[الأثر: ٨١٤٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٣٥، وفي بعض لفظه اختلاف يسير.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبي أن يكون غالا - بمعنى أنه ليس من أفعال الأنبياء خيانة أممهم.

* *

يقال منه:"غلّ الرجل فهو يغُلُّ"، إذا خان،"غُلولا". ويقال أيضًا منه:"أغلَّ الرجل فهو يُغِلُّ إغلالا"، كما قال شريح:"ليس على المستعير غير المغِلِّ ضمَان"، يعني: غير الخائن. ويقال منه:"أغلّ الجازر"، إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد. [[يعني عند سلخ الذبيحة، يسلخها فيترك شيئًا من اللحم ملتزقًا بإهابها.]]

* *

وبما قلنا في ذلك جاء تأويل أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨١٤٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ما كان لنبي أن يغل"، يقول: ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تخونوا.

٨١٥٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ما كان لنبي أن يغل"، قال: أن يخون.

* *

وقرأ ذلك آخرون: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُغَلَّ﴾ بضم"الياء" وفتح"الغين"، وهي قراءة عُظم قرأة أهل المدينة والكوفة.

* *

واختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبي أن يَغُلّه أصحابه، ثم أسقط"الأصحاب"، فبقي الفعل غير مسمًّى فاعله. وتأويله: وما كان لنبيّ أن يُخان.

ذكر من قال ذلك:

٨١٥١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه كان يقرأ:"وما كان لنبيّ أن يُغَل" قال عوف، قال الحسن: أن يخان.

٨١٥٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما كان لنبي أن يغل"، يقول: وما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه من المؤمنين - ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ يوم بدر، وقد غَلَّ طوائف من أصحابه.

٨١٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"وما كان لنبي أن يُغَل"، قال: أن يغله أصحابه.

٨١٥٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وما كان لنبي أن يُغَلَّ"، قال الربيع بن أنس، يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه - قال: ذكر لنا، والله أعلم: أن هذه الآية أنزلت على نبي الله ﷺ يوم بدر، وقد غَلّ طوائف من أصحابه.

* *

وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبي أن يتهم بالغلول فيخوَّن ويسرَّق. وكأن متأولي ذلك كذلك، وجَّهوا قوله:"وما كان لنبي أن يغل" إلى أنه مراد به:"يغَلَّل"، ثم خففت"العين" من"يفعَّل"، فصارت"يفعل" كما قرأ من قرأ قوله: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ [سورة الأنعام: ٣٣] بتأوُّل: يُكَذِّبُونَك.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بمعنى: ما الغلول من صفات الأنبياء، ولا يكون نبيًّا من غلَّ.

وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أوعد عقيب قوله:"وما كان لنبي أن يغل" أهلَ الغلول فقال:"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، الآية والتي بعدها. فكان في وعيده عقيب ذلك أهلَ الغلول، الدليلُ الواضح على أنه إنما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عباده أن الغلول ليس من صفات أنبيائه بقوله:"وما كان لنبيّ أن يغلّ". لأنه لو كان إنما نهى بذلك أصحاب رسول الله ﷺ أن يتهموا رسول الله ﷺ بالغلول، لعقَّب ذلك بالوعيد على التُّهَمة وسوء الظن برسول الله ﷺ، لا بالوعيد على الغلول. وفي تعقيبه ذلك بالوعيد على الغلول، بيانٌ بيِّنٌ، أنه إنما عرّف المؤمنين وغيرهم من عباده أن الغلول منتفٍ من صفة الأنبياء وأخلاقهم، لأنّ ذلك جرم عظيم، والأنبياء لا تأتي مثله.

* *

فإن قال قائل ممن قرأ ذلك كذلك: فأولى منه [[قوله: "فأولى منه"، أي فأولى من المذهب الذي ذهبت إليه في قراءة الآية وتفسيرها = يقوله هذا القائل، ردًا على أبي جعفر.]] "وما كان لنبي أن يخونه أصحابه"، إن كان ذلك كما ذكرت، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إن ذلك كما ذكرت" سقط من الناسخ"كان" فأثبتها، لأن هذا هو حق المعنى الذي أراده أبو جعفر في سياق قول من رد عليه قوله.]] ولم يعقّب الله قوله:"وما كان لنبي أن يغل" إلا بالوعيد على الغلول، ولكنه إنما وجب الحكمُ بالصحة لقراءة من قرأ:"يغل" بضم"الياء" وفتح"الغين"، لأن معنى ذلك: وما كان للنبي أن يغله أصحابه، فيخونوه في الغنائم؟

قيل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبي ﷺ فيخونوه، حتى خُصوا بالنهي عن خيانة النبي ﷺ؟

فإن قالوا:"نعم"، خرجوا من قول أهل الإسلام. لأن الله لم يبح خيانة أحد في قول أحد من أهل الإسلام قط.

وإن قال قائل: لم يكن ذلك لهم في نبيّ ولا غيره.

قيل: فما وجه خصوصهم إذًا بالنهي عن خيانة النبي ﷺ، وغُلوله وغُلول بعض اليهود بمنزلةٍ فيما حرم الله على الغالِّ من أموالهما، وما يلزم المؤتمن من أداء الأمانة إليهما؟

وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا، من أن الله عز وجل نفى بذلك أن يكون الغلول والخيانة من صفات أنبيائه، ناهيًا بذلك عبادَه عن الغلول، وآمرًا لهم بالاستنان بمنهاج نبيهم، كما قال ابن عباس في الرواية التي ذكرناها من رواية عطية، [[يعني الأثر: ٨١٤٣، "وعطية" المذكور، هو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، الذي روى عن ابن عباس، وهو المذكور في الإسناد السالف"عن أبيه". وقد أشكل ذلك على بعض من علق على التفسير، فقال: لم يمض لعطية هذا ذكر!! ولكنه مذكور كما ترى.]] ثم عقَّب تعالى ذكره نهيَهم عن الغلول بالوعيد عليه فقال:"ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، الآيتين معًا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ومن يخُن من غنائم المسلمين شيئًا وفيئهم وغير ذلك، يأت به يوم القيامة في المحشر. كما:-

٨١٥٥- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: أنه قام خطيبًا فوعظ وذكَّر ثم قال: ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، [["الثغاء": صوت الشاء والمعز والظباء وما شاكلها."ثغت الشاة تثغو": صاحت. يقال: "ماله ثاغية ولا راغية"، الثاغية: الشاء: والراغية: الإبل.]] يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ لها حمحمة، [[الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل، كالذي يكون منه إذا طلب العلف، أو رأى صاحبه الذي كان ألفه، فاستأنس إليه.]] يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ، [[الصامت هو الذهب والفضة، أو ما لا روح فيه من أصناف المال. يقال: "ما له صامت ولا ناطق". فالناطق: الحيوان، كالإبل والغنم وغيرها.]] يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك! ألا هل عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته بقرة لها خوار [["الخوار": صوت الثور، وما اشتد من صوت البقرة والعجل."خار الثور يخور".]] ، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك! ألا عسى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق يقول: [["الرقاع" جمع رقعة: وهو الخرقة، و"تخفق" تضطرب وتلمع إذا حركتها الرياح، أو إسراع حاملها. يريد الثياب التي يغلها الغال مما يختطفه من الغنائم. وقد فسره كثير من الشراح بأنه أراد الرقاع المكتوبة التي تكون فيها الحقوق والديون، وخفوقها حركتها، وأرجح القولين ما قدمت منهما.]] يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك! [[الحديث: ٨١٥٥- أبو حيان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء التحتية- يحيى بن سعيد ابن حيان التيمي: مضت ترجمته: ٥٣٨٢. ووقع في المطبوعة في الإسنادين التاليين لهذا"أبو حبان" بالباء الموحدة، وهو خطأ.

ووقع هنا في المخطوطة: "عن يحيى بن سعيد، عن أبي حيان". وهو خطأ. فإن"أبا حيان": اسمه"يحيى بن سعيد" - كما ذكرنا. ومحمد بن فضيل بن غزوان سمع منه، ويروى عنه مباشرة، كما هو ثابت في ترجمتهما.

نعم: إن"يحيى بن سعيد القطان" روى هذا الحديث عن"أبي حيان يحيى بن سعيد التيمي"، كما سيأتي في التخريج - ولكن ليس في هذا الإسناد.

أبو زرعة - بضم الزاي وسكون الراء: هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي. وهو تابعي ثقة، من علماء التابعين. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ / ٢٤٣ - ٢٤٤، فيمن اسمه"هرم"، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٦٥ - ٢٦٦، فيمن اسمه"عبد الرحمن"، لاختلافهم في اسمه. والظاهر أن اسمه كنيته. ووقع في المطبوعة، في الرواية الآتية: ٨١٥٧-"عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير"، وهو تحريف، صوابه"بن" بدل"عن".

والحديث سيأتي عقب هذا بإسنادين: من طريق عبد الرحمن، عن أبي حيان، ومن طريق ابن علية، عن أبي حيان.

ورواه أحمد في المسند: ٩٤٩٩ (ج٢: ص: ٤٢٦ حلبي) . عن إسماعيل -وهو ابن علية- عن أبي حيان.

ورواه مسلم ٢: ٨٣، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، به.

ورواه البخاري ٦: ١٢٩ (فتح) ، عن مسدد، عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان، عن أبي حيان وهو يحيى بن سعيد التيمي.

ورواه مسلم أيضا بأسانيد. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٩: ١٠١ بأسانيد.

وروى البخاري قطعة منه، ضمن حديث، من وجه آخر ٣: ٢١٣ (فتح) . وذكره ابن كثير ٢: ٢٨١، من رواية المسند، ثم قال: "أخرجاه من حديث أبي حيان، به" يريد الشيخين. وذكره السيوطى ٢: ٩٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، والبيهقي في الشعب.]]

٨١٥٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحمن، عن أبي حيّان، عن أبى زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، مثل هذا = زاد فيه "لا ألفين أحدكم على رقبته نفسٌ لها صياح". [[الحديث: ٨١٥٦- هو تكرار للحديث السابق. ولكن"عبد الرحمن" - في هذا الإسناد: لم أستطع أن أجزم فيه بشيء. وأخشى أن يكون محرفًا عن"عبد الرحيم"، فيكون: "عبد الرحيم بن سليمان الأشل"، فهو الذي يروى عن أبي حيان، ويروى عنه"أبو كريب". وهو راوي هذا الحديث - رواه مسلم ٢: ٨٣، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن سليمان.

قوله: "نفس لها صياح"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وكأنه أراد بالنفس، ما يغله من الرقيق، من امرأة أو صبي".]]

٨١٥٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أبو حيّان، عن أبي زرعة، بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: قام رسول الله ﷺ فينا يومًا، فذكر الغُلول، فعظَّمه وعظَّم أمره فقال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني = [["الرغاء": صوت ذوات الخف كالإبل، وقد يستعار لغيره: "رغا البعير يرغو".]] ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن. [[الحديث: ٨١٥٧- هو تكرار للحديثين قبله. وقوله في آخره"ثم ذكر نحو حديث أبي كريب عن عبد الرحمن" أخشى أن يكون محرفًا، وأن صوابه"عن عبد الرحيم"، كما بينا من قبل.]]

٨١٥٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي قال، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:"لا أعرفَنّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، ينادي: يا محمد! يا محمد! [[قوله: "لا أعرفن" قد سلف أن بينت في التعليق على الأثر: ٨٠١١، ص: ٢٨٦ تعليق: ٤، والأثر: ٨٠٢٥، أنها كلمة تقال عند التهديد والوعيد والزجر الشديد، وستأتي أيضًا في رقم: ٨١٦٠ بعد.]] فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك! ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملا له رُغاء يقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك! ولا أعرفنَّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك! ولا أعرفنّ أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قِشْعًا من أَدَمٍ، [["القشع": هو النطع الخلق من الجلد، وهو الفرو الخلق أيضًا. وقال ابن الأثير: أراد القربة البالية. و"الأدم" جمع أديم: وهو الجلد. وفي المطبوعة والمخطوطة وابن كثير"قسما"، خطأ محض.]] ينادي: يا محمد! يا محمد! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. [[الحديث: ٨١٥٨- حفص بن بشر، ويعقوب بن عبد الله القمي، مضيا في: ٤٨٤٢. حفص بن حميد القمي أبو عبيد: مترجم في التهذيب، وعند ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ١٧١. وهو ثقة، وثقه النسائي وغيره. وقال ابن معين: "صالح". وجهله ابن المديني، ولئن جهله لقد عرفه غيره. وهذا إسناد صحيح. والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٢٨٠، عن هذا الموضع من الطبري. وقال: "لم يروه أحد من أهل الكتب الستة". ولم أجده في موضع آخر مما بين يدي من المراجع، حتى السيوطي لم يذكره في الدر المنثور.]]

٨١٥٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط بن محمد قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد قال، بعث رسول الله ﷺ مصدقًا فجاء بسوادٍ كثير، قال: فبعث رسول الله ﷺ من يقبضه منه. فلما أتوه جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم. قال فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إليّ! فأتوا رسول الله ﷺ فأخبروه بذلك، فخرج فخطب فقال:"أيها الناس، ما بالي أبعث قومًا إلى الصدقة، فيجيء أحدهم بالسواد الكثير، [["السواد" العدد الكثير من المال، سمى بذلك لأن الإبل والغنم وغيرها إذا جاءت كثيرة مجتمعة، ترى كأنها سواد في خافق الأرض. يقال: "لفلان سواد كثير"، أي مال كثير من إبل وغنم وغيرها. ويقال للشخص الذي يرى من بعيد"سواد"، وفي الحديث: "إذا رأى أحدكم سوادًا بليل، فلا يكن أجبن السوادين، فإنه يخافك كما تخافه"، يعني بالسواد الشخص.]] فإذا بعثت من يقبضه قال:"هذا لي، وهذا لكم"! فإن كان صادقًا أفلا أهدي له وهو في بيت أبيه أو في بيت أمه؟ " ثم قال:"أيها الناس، من بعثناه على عمل فغَلَّ شيئًا، جاء به يوم القيامة على عنقه يحمله، فاتقوا الله أن يأتي أحدكم يوم القيامة على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة تخور، أو شاة تثغو". [[انظر التعليق على رقم: ٨١٦١.]]

٨١٦٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو معاوية وابن نمير وعبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له"ابن الأتْبِيَّة" على صدقات بني سليم، فلما جاء قال:"هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي". فقال رسول الله ﷺ: أفلا يجلس أحدكم في بيته فتأتيه هديته! ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال:"أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيقول أحدهم: هذا الذي لكم، وهذا هدية أهديت إليّ! أفلا يجلس في بيت أبيه أو في بيت أمه فتأتيه هديته؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدكم من ذلك شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، فلا أعرفنَّ ما جاء رجل يحمل بعيرًا له رغاء، [[قوله: "فلا أعرفن"، انظر التعليق السالف ص: ٣٥٨ تعليق: ٤.]] أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر! [[يعرت العنز تيعر (مثل فتح يفتح) يعارًا (بضم الياء) : صوتت صوتًا شديدًا. وكان في المطبوعة: "تثغو"، وهو وإن كان صوابًا في المعنى، فهو خطأ في الرواية، صوابه من المخطوطة، ومن رواية الحديث كما ترى في التخريج.]] ثم رفع يده فقال:"ألا هل بلغت"؟

٨١٦١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد، حدثه بمثل هذا الحديث = قال: أفلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك؟ ثم رفع يده حتى إني لأنظر إلى بياض إبطيه، ثم قال:"اللهم هل بلغت؟ "= قال أبو حميد: بَصَرُ عيني وسَمْعُ أذني. [[الأحاديث: ٨١٥٩ - ٨١٦١، هي ثلاثة أسانيد لحديث واحد. وعبد الرحيم - في ثالثها هو ابن سليمان الأشل. والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ٤٢٣ - ٤٢٤ (حلبي) ، عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي، بنحوه. وكذلك رواه البخاري ١٣: ١٤٤ - ١٤٦، ومسلم ٢: ٨٣ - ٨٤، من طريق سفيان بن عيينة. ورواه البخاري أيضًا في مواضع أخر.

ورواه مسلم -عقب تلك الرواية- من أوجه أخر، منها من طريق عبد الرحيم بن سليمان. وذكره ابن كثير: ٢: ٢٨٠ - ٢٨١، من رواية المسند، ثم قال: "أخرجاه (يعني الشيخين) ، من حديث سفيان بن عيينة. . . ومن غير وجه عن الزهري، ومن طرق عن هشام بن عروة - كلاهما عن عروة، به".

قوله: "بصر عيني، وسمع أذني" اختلفوا في ضبطه، فروى على أنه فعل"بصر" (بفتح الباء وضم الصاد""وسمع" فعل. وروى"بصر، وسمع" اسمان. يراد به: "أعلم هذا الكلام يقينًا، أبصرت عيني النبي ﷺ حين تكلم به، وسمعته أذني فلا شك في علمي به"، كما قال النووي في شرح مسلم ١٢: ٢٢٠، ٢٢١.]]

٨١٦٢- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وقال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر يومًا الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة:"من غل منها بعيرًا أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. [[الحديث: ٨١٦٢- موسى بن جبير الأنصاري المدني: مضت ترجمته وتوثيقه في: ٢٩٤١. عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري المدني: تابعي ثقة. ترجمه ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٩٦. ونقل الحافظ في التهذيب أن البخاري صرح بأنه"سمع عبد الله بن أنيس". عبد الله بن أنيس -بالتصغير- الجهني المدني، حليف الأنصار: صحابي معروف، مترجم في التهذيب، والإصابة.

وهذا الحديث من مسند عمر، ومن مسند عبد الله بن أنيس، لتصريح كل منهما بأنه سمعه من رسول الله ﷺ. ولكن الإمام أحمد لم يذكره في مسند عمر، وذكره في مسند عبد الله بن أنيس فقط.

فرواه أحمد: ١٦١٣١ (ج ٣ ص ٤٩٨ حلبي) ، عن هارون بن معروف، عن عمرو بن الحارث - بهذا الإسناد. وكذلك رواه ابنه عبد الله بن أحمد، عن هارون بن معروف.

ورواه ابن ماجه: ١٨١٠، من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، به. وقال البوصيري في زوائده: "في إسناده مقال، لأن موسى بن جبير ذكره ابن حبان في الثقات وقال: إنه يخطئ. وقال الذهبي في الكاشف: ثقة، ولم أر لغيرهما فيه كلامًا وعبد الله بن عبد الرحمن: ذكره ابن حبان في الثقات. وباقي رجاله ثقات". ونقله ابن كثير ٢: ٢٨٣، عن هذا الموضع من تفسير الطبري، ثم نسبه أيضًا لابن ماجه، ولم يزد! ففاته أن ينسبه للمسند، وهو أهم.

وذكره السيوطي في الجامع الصغير: ٨٨٨٢، ونسبه لأحمد، والضياء المقدسي، عن عبد الله بن أنيس فقط. وهو عنه وعن عمر، كما بينا.]]

٨١٦٣- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدِّقًا، فقال: إياك، يا سعد، أنْ تجيء يوم القيامة ببعير تحمله رغاء! قال: لا آخذه ولا أجئ به! فأعفاه. [[الحديث: ٨١٦٣- سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مضيا في: ٢٢٥٥ يحيى بن سعيد الأنصاري النجاري: مضى مرارًا، آخرها: ٤٨٠٩. وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح. وسيأتي تخريج الحديث في الذي بعده.]]

٨١٦٤- حدثنا أحمد بن المغيرة الحمصي أبو حميد قال، حدثنا الربيع بن روح قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ: أنه استعمل سعد بن عبادة، فأتى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال له النبي ﷺ: إياك، يا سعد، أن تجيء يوم القيامة تحمل على عنقك بعيرًا له رغاء! فقال سعد: فإن فعلتُ يا رسول الله، إن ذلك لكائن! قال: نعم! قال سعد: قد علمت يا رسول الله أني أُسأَل فأعْطِى! فأعفنى. فأعفاه. [[الحديث: ٨١٦٤- أحمد بن المغيرة، شيخ الطبري: مضى في: ٣٤٧٣ أني لم أعرفه. وقد زادنا أبو جعفر هنا تعريفًا به، فنسبه"الحمصي"، وأن كنيته"أبو حميد". ولا يزال مع هذا غير معروف لنا. الربيع بن روح الحمصي، أبو روح الحضرمي. ثقة، روى عنه أيضًا أبو حاتم، وقال: "وكان ثقة خيارًا". مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ٢٥٥، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٤٦١. ابن عياش: هو إسماعيل بن عياش الحمصي، مضى توثيقه في: ٥٤٤٥.

وهذا إسناد صحيح أيضًا، لكن إسماعيل بن عياش لم يخرج له شيء في الصحيحين. والحديث في معنى الذي قبله، أطول في اللفظ قليلا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٨٦، من حديث ابن عمر، بنحو اللفظ السابق. وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح".

وذكره ابن كثير ٢: ٢٨٣، عن الرواية الماضية من الطبري. ثم قال: "ثم رواه من طريق عبيد الله، عن نافع، به. نحوه". ولم يروه أحمد في المسند في مسند عبد الله بن عمر، ولكن رواه في مسند"سعد بن عبادة"، من حديثه ٥: ٢٨٥ (حلبي) ، بنحوه -بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة. وهو إسناد منقطع بين ابن المسيب وابن عبادة. فإن سعد بن عبادة توفي سنة ١٥، وقيل: سنة ١١. وسعيد بن المسيب ولد سنة ١٥، فلم يدركه يقينًا. وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٨٥، من حديث سعد بن عبادة. وقال: "رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير، ورجاله ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب لم ير سعد بن عبادة".]]

٨١٦٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حبان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الحارث قال، حدثني جدي عبيد بن أبي عبيد - وكان أول مولود بالمدينة - قال: استعملت على صدقة دَوْس، فجاءني أبو هريرة في اليوم الذي خرجت فيه، فسلَّم، فخرجت إليه فسلمت عليه فقال: كيف أنت والبعير؟ كيف أنت والبقر؟ كيف أنت والغنم؟ ثم قال: سمعت حبِيِّ رسولَ الله ﷺ قال:"من أخذ بعيرًا بغير حقه جاء به يوم القيامة له رغاء، ومن أخذ بقرة بغير حقها جاء بها يوم القيامة لها خوار، ومن أخذ شاة بغير حقها جاء بها يوم القيامة على عنقه لها يعار"، [[في المطبوعة: "لها ثغاء"، وأثبت ما في المخطوطة. قد سلف"اليعار" ص: ٣٦٠، تعليق: ٢.]] فإياك والبقر فإنها أحدُّ قرونًا وأشدُّ أظلافًا. [[الحديث: ٨١٦٥- أبو كريب: هو محمد بن العلاء، الحافظ الثقة. زيد بن حبان: هكذا ثبت في الطبري. وأكاد أجزم بأنه محرف. فليس في الرواة -فيما نعلم- إلا زيد بن حبان الرقى، وهو قديم، مات سنة ١٥٨. فلم يدركه أبو كريب المتوفي سنة ٢٤٨. والراجح عندي أنه محرف عن"زيد بن الحباب العكلي"، الذي يروي عنه كريب كثيرًا. وهو ثقة، مضت ترجمته: ٢١٨٥.

عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد بن أبي عبيد: ثقة. قال أبو زرعة: "لا بأس به". وهو مترجم عند ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٢٤، باسم"عبد الرحمن بن الحارث بن أبي عبيد". فقصر في نسبه، إذ حذف اسم جده الأدنى. وقد ثبت نسبه على الصواب في ترجمة جده في التهذيب. ولم أجد لعبد الرحمن هذا ترجمة غيرها. عبيد بن أبي عبيد الغفاري، مولى بني رهم: تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٤١١، وثقات ابن حبان، ص: ٢٦٩ (مخطوط مصور) . وقد خلط ابن أبي حاتم في اسم حفيده"عبد الرحمن بن الحارث" فذكره في ترجمة جده، في الرواة عنه، باسم"عبد الرحمن بن عبيد بن الحارث". والحديث سيأتي عقبه بإسناد آخر.]]

٨١٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثني محمد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن جده عبيد بن أبي عبيد قال: استعملت على صدقة دوس، فلما قضيت العمل قدمت، فجاءني أبو هريرة فسلم علي فقال: أخبرني كيف أنت والإبل = ثم ذكر نحو حديثه عن زيد، إلا أنه قال: جاء به يوم القيامة على عنقه له رُغاء. [[الحديث: ٨١٦٦- خالد بن مخلد: هو القطواني البجلي. مضت ترجمته في: ٢٢٠٦.

وقوله"حدثني محمد" - هكذا ثبت في الطبري. وأكاد أجزم أنه خطأ، زيادة من الناسخين. فإن"خالد بن مخلد" يروي عن"عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد" مباشرة، كما ثبت في ترجمة"عبد الرحمن" عند ابن أبي حاتم. وفيه: "سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن الحارث الذي يحدث عنه خالد بن مخلد القطواني".

ولو كان هذا الراوي"محمد" ثابتا في الإسناد، لبين نسبه أو نحو ذلك، فإن اسم"محمد" أكثر الأسماء دورانًا، فلا يذكر هكذا مجهلا، دون قرينة ترشد عن شخصه. والحديث مكرر ما قبله.

وقد مضى معناه من حديث أبي هريرة، من رواية أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه: ٨١٥٥ - ٨١٥٧. وأما من هذا الوجه، من رواية عبيد بن أبي عبيد، عنه -: فإني لم أجده في موضع آخر.]]

٨١٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة"، قال قتادة: كان النبي ﷺ إذا غنم مغنمًا بعث مناديًا:"ألا لا يغلَّن رجلٍ مخْيَطًا فما دونه، [["المخيط" (بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء) : ما يخاط به، كالإبرة ونحوها.]] ألا لا يغلّنّ رجل بعيرًا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلنّ رجل فرسًا، فيأتي به على ظهره يوم القيامة له حَمْحمة".

* *

القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه [[في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك جل ثناؤه"، والصواب يقتضي ما أثبت.]] : "ثم توفى كل نفس"، ثم تعطى كل نفس جزاء ما كسبت بكسبها، وافيًا غير منقوص ما استحقه واستوجبه من ذلك [[انظر تفسير"وفي" فيما سلف ٦: ٤٦٥ - وتفسير"كسب" فيما سلف ص: ٣٢٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="وهم لا يظلمون"، يقول: لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم، من غير أن يعتدي عليهم فينقصوا عما استحقوه. كما:-

٨١٦٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"، ثم يُجزى بكسبه غير مظلوم ولا متعدًّى عليه. [[الأثر: ٨١٦٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٤٨، وفي المطبوعة: "معتدى عليه"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو موافق لما في السيرة.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: معنى ذلك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول، كمن باء بسخَط من الله بغلوله ما غلّ؟

ذكر من قال ذلك:

٨١٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن مطرف، عن الضحاك في قوله:"أفمن اتبع رضوان الله"، قال: من لم يغلّ ="كمن باء بسخط من الله"، كمن غل.

٨١٧٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن الضحاك قوله:"أفمن اتبع رضوان الله"، قال: من أدَّى الخمُس ="كمن باء بسخط من الله"، فاستوجب سخطًا من الله.

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

٨١٧١- حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"أفمن اتبع رضوان الله"، على ما أحب الناس وسخطوا ="كمن باء بسخط من الله"، لرضى الناس وسخطهم؟ يقول: أفمن كان على طاعتي فثوابه الجنة ورضوانٌ من ربه، كمن باء بسخط من الله، فاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنم وبئس المصير؟ أسَواءٌ المثلان؟ أي: فاعرفوا [[الأثر: ٨١٧١- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٦٨، وفي بعض لفظه اختلاف يسير.]] .

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية عندي، قولُ الضحاك بن مزاحم. لأن ذلك عَقيب وعيد الله على الغلول، ونهيه عباده عنه. ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده: أسواءٌ المطيع لله فيما أمره ونهاه، والعاصي له في ذلك؟ أي: إنهما لا يستويان، ولا تستوي حالتاهما عنده. لأن لمن أطاع الله فيما أمره ونهاه، الجنةُ، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه النار.

* *

فمعنى قوله:"أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله" إذًا: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه، وعمل بطاعة الله في تركه ذلك، وفي غيره مما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعًا في كل ذلك رضا الله، ومجتنبًا سخطه ="كمن باء بسخط من الله"، يعني: كمن انصرف متحمِّلا سخط الله وغضبه، فاستحق بذلك سكنى جهنم" يقول: ليسا سواءً. [[انظر تفسير"باء" فيما سلف ٢: ١٣٨، ٣٤٥ / ثم ٧: ١١٦.]]

* *

وأما قوله:"وبئس المصير"، فإنه يعني: وبئس المصير = الذي يصير إليه ويئوب إليه من باء بسخط من الله = جهنم. [[انظر تفسير"المصير" فيما سلف ٣: ٥٦ / ٦: ١٢٨، ٣١٧. وسياق الجملة: "وبئس المصير. . . جهنم" وما بينهما تفسير"المصير".]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أنّ من اتبع رضوان الله ومن باء بسخَط من الله، مختلفو المنازل عند الله. فلمن اتبع رضوان الله، الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله، المهانةُ والعقاب الأليم، كما:-

٨١٧٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون، أي: لكلٍّ درجات مما عملوا في الجنة والنار، إنّ الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته. [[الأثر: ٨١٧٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٧١.]] .

٨١٧٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"هم درجات عند الله"، يقول: بأعمالهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لهم درجات عند الله، يعني: لمن اتبع رضوان الله منازلُ عند الله كريمة.

ذكر من قال ذلك:

٨١٧٤- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"هم درجات عند الله"، قال: هي كقوله: ﴿" لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ "﴾ .

٨١٧٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"هم درجات عند الله"، يقول: لهم درجاتٌ عند الله.

* *

وقيل: قوله"هم درجات" كقول القائل:"هم طبقات"، [[انظر تفسير درجة فيما سلف ٤: ٥٣٣ - ٥٣٦.]] كما قال ابن هَرْمة:

أرَجْمًا لِلْمَنُونِ يَكُونُ قَوْمي ... لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجُ السّيولِ [[مضى تخريجه وشرحه فيما سلف ٢:٥٤٧، ٥٤٨، والاستشهاد بهذا البيت لمعنى الدفع، غريب من مثل أبي جعفر، فراجع شرح البيت هناك.]]

* *

وأما قوله:"والله بصير بما يعملون"، فإنه يعني: والله ذو علم بما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، يحصى على الفريقين جميعًا أعمالهم، حتى توفى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشر، كما:-

٨١٧٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله بصير بما يعملون"، يقول: إن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته. [[الأثر: ٨١٧٦- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٧٢، وجزء منه.]] .

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك: لقد تطوّل الله على المؤمنين ="إذ بعث فيهم رسولا"، حين أرسل فيهم رسولا ="من أنفسهم"، نبيًّا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول ="يتلو عليهم آياته"، يقول: يقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله [[انظر تفسير"يتلو" فيما سلف ٢: ٤١١، ٥٦٩ / ٦: ٤٦٦، تعليق: ٣، وفهارس اللغة"تلا".]] ="ويزكيهم"، يعني: يطهّرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم [[انظر تفسير"يزكي" فيما سلف ١: ٥٧٣، ٥٧٤ / ٣: ٨٨ / ٥: ٢٩ / ٦: ٥٢٨.]] ="ويعلمهم الكتاب والحكمة"، يعني: ويعلمهم كتاب الله الذي أنزله عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه ="والحكمة"، ويعني بالحكمة، السُّنةَ التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله ﷺ، وبيانَه لهم [[انظر تفسير"الحكمة" فيما سلف ٣: ٨٧، ٨٨ / ٥: ١٥، ٣٧١، ٥٧٦ - ٥٧٩.]] ="وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، يعني: وإن كانوا من قبل أن يمنّ الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته ="لفي ضلال مبين"، يقول: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا.

* *

وقد بينا أصل"الضلالة" فيما مضى، وأنه الأخذ على غير هدى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"الضلالة" فيما سلف ١: ١٩٥ / ٢: ٤٩٥، ٤٩٦.]] .

* *

= و"المبين"، الذي يبَين لمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه، أنه على غير استقامة ولا هدى [[انظر تفسير"مبين" فيما سلف ٣: ٣٠٠ / ٤: ٢٥٨.]] .

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨١٧٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم"، منّ الله عليهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى صراط مستقيم = قوله:"ويعلمهم الكتاب والحكمة"، الحكمة، السنة ="وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"، ليس والله كما تقول أهل حروراء:"محنة غالبة، من أخطأها أهَريق دمه"، [[أهل حروراء: هم الخوارج، وهذا مذهبهم.]] ولكن الله بعث نييه ﷺ إلى قوم لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدَّبهم.

٨١٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،"لقد منّ الله على المؤمنين"، إلى قوله:"لفي ضلال مبين"، أي: لقد منّ الله عليكم، يا أهل الإيمان، إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم فيما أحدثتم وفيما عملتم، [[في المطبوعة: "فيما أخذتم وفيما عملتم" لم يحسن قراءة المخطوطة، والصواب منها ومن سيرة ابن هشام.]] ويعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتموه، لتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، فتتخلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته ="وإن كنتم من قبل لفي ضلال مبين"، أي: في عمياء من الجاهلية، لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة، [[في المطبوعة: "تستغيثون من سيئة"، ولا معنى لها، وفي المخطوطة "يستغيثون" غير منقوطة، والأرجح أنه خطأ، صوابه ما في سيرة ابن هشام.]] صُمٌّ عن الحق، عُمْيٌ عن الهدى. [[الأثر: ٨١٧٨- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٤، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٧٢، ٨١٧٦. والجملة الأخيرة في ابن هشام: "صم عن الخير، بكم عن الحق، عمى عن الهدى".]]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أوَ حين أصابتكم، أيها المؤمنون، ="مصيبة"، وهي القتلى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والجرحى الذين جرحوا منهم بأحد، وكان المشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفرًا ="قد أصبتم مثليها"، يقول: قد أصبتم، أنتم أيها المؤمنون، من المشركين مثلي هذه المصيبة التي أصابوا هم منكم، وهي المصيبة التي أصابها المسلمون من المشركين ببدر، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين ="قلتم أنى هذا"، يعني: قلتم لما أصابتكم مصيبتكم بأحد ="أنى هذا"، من أيِّ وجه هذا؟ [[انظر تفسير"أني" فيما سلف ٤: ٣٩٨ - ٤١٦ / ٥: ١٢، ٤٤٧ / ٦: ٣٥٨، ٤٢٠.]] ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونحن مسلمون وهم مشركون، وفينا نبي الله ﷺ يأتيه الوحي من السماء، وعدوُّنا أهل كفر بالله وشرك؟ ="قل" يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك ="هو من عند أنفسكم"، يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري وترككم طاعتي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم ="إن الله على كل شيء قدير"، يقول: إن الله على جميع ما أراد بخلقه من عفو وعقوبة، وتفضل وانتقام ="قدير"، يعني: ذو قدرة. [[انظر تفسير"قدير" في فهارس اللغة فيما سلف من الأجزاء.]] .

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"قل هو من عند أنفسكم"، بعد إجماع جميعهم على أن تأويل سائر الآية على ما قلنا في ذلك من التأويل.

فقال بعضهم: تأويل ذلك:"قل هو من عند أنفسكم"، بخلافكم على نبيّ الله ﷺ، إذْ أَشار عليكم بترك الخروج إلى عدوكم والإصحار لهم حتى يدخلوا عليكم مدينتكم، ويصيروا بين آطامكم، [["أصحر القوم": برزوا إلى الصحراء. و"أصحروا لأعدائهم": برزوا إلى فضاء لا يواريهم، لكي يقاتلوهم في الصحراء. و"الآطام" جمع أطم (بضم الهمزة والطاء) : وهو حصن مبني بالحجارة، كان أهل المدينة يتخذونها ويسكنونها يحتمون بها.]] فأبيتم ذلك عليه، وقلتم:"اخرج بنا إليهم حتى نصْحر لهم فنقاتلهم خارج المدينة".

ذكر من قال ذلك:

٨١٧٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا" أصيبوا يوم أحد، قُتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر، قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين ="قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال لأصحابه يوم أحد، حين قدم أبو سفيان والمشركون، فقال نبي الله ﷺ لأصحابه:"أنا في جُنَّة حصينة"، يعني بذلك المدينة،"فدعوا القوم أن يدخلوا علينا نقاتلهم" [["الجنة" (بضم الجيم وتشديد النون) : هو ما وراك من السلاح واستترت به، كالدروع والبيضة، وكل وقاية من شيء فهو جنة.]] فقال له ناس من أصحابه من الأنصار: يا نبي الله، إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه! [[في المطبوعة: "وقد كنا نمتنع في الغزو. . . أن نمتنع فيه"، وفي المخطوطة: "قد كنا نمتنع من الغزو. . . أن نمتنع فيه"، والصواب فيها ما أثبت، كما في الدر المنثور ٢: ٩٤.]] فابرز بنا إلى القوم. فانطلق رسول الله ﷺ فلبس لأمته، فتلاوم القوم فقالوا: عرَّض نبيّ الله ﷺ بأمر وعرَّضتم بغيره! اذهب يا حمزة فقل لنبي الله ﷺ:"أمرُنا لأمرك تبعٌ". فأتى حمزة فقال له: يا نبي الله، إن القوم قد تلاوموا وقالوا:"أمرنا لأمرك تبع". فقال رسول الله ﷺ: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، [["اللأمة": الدرع الحصينة، وسائر أداة الحرب.]] وإنه ستكون فيكم مصيبه. قالوا: يا نبي الله، خاصة أو عامةً؟ قال: سترونها = ذكر لنا أن نبي الله ﷺ رأى في المنام أن بقرًا تُنحر، فتأولها قتلا في أصحابه = ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم، فكان قتل عمه حمزة، قتل يومئذ، وكان يقال له: أسد الله = ورأى أن كبشًا عُتِر، [[في المخطوطة والمطبوعة: "أن كبشًا أغبر"، ولا معنى له، ولا هو يستقيم. واستظهرت صوابها كما ترى، وأن الناسخ صحفها. يقال: "عتر الشاة والظبية يعترها عترًا، وهي عتيرة"، ذبحها. ومنه"العتيرة"، وهي أول نتاج أنعامهم، كانوا يذبحونه لآلهتهم في الجاهلية. هذا على أنى لم أجد هذا الخبر بلفظه في مكان آخر، ولكن المروي أن رسول الله ﷺ رأى أنه مردف كبشًا، فقال: أما الكبش، فإني أقتل كبش القوم، أي حاميهم وحامل لوائهم.]] . فتأوّله كبش الكتيبة، عثمان بن أبي طلحة، أصيب يومئذ، وكان معه لواء المشركين.

٨١٨٠- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = غير أنه قال:"قد أصبتم مثليها"، يقول: مثليْ ما أصيب منكم ="قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، يقول: بما عصيتم.

٨١٨١- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: أصيب المسلمون يوم أحد مصيبة، وكانوا قد أصابوا مثليها يوم بدر ممن قَتلوا وأسروا، فقال الله عز وجل:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها".

٨١٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين، فذلك قوله:"قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا" إذ نحن مسلمون، نقاتل غضبًا لله وهؤلاء مشركون ="قل هو من عند أنفسكم"، عقوبة لكم بمعصيتكم النبيَّ ﷺ حين قال ما قال.

٨١٨٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن مبارك، عن الحسن:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، قالوا: فإنما أصابنا هذا لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبي ﷺ يوم أحد، فمن قتل منا كان شهيدًا، ومن بقي منا كان مطهَّرًا، رضينا ربَّنا!. [[في المطبوعة: "رضينا بالله ربا"، غير ما في المخطوطة، كأنه لم يفهمه!!]]

٨١٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن وابن جريج قالا معصيتهم أنه قال لهم:"لا تتبعوهم"، يوم أحد، فاتبعوهم.

٨١٨٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، ثم ذكر ما أصيب من المؤمنين -يعني بأحد- وقتل منهم سبعون إنسانًا ="أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها"، كانوا يوم بدر أسروا سبعين رجلا وقتلوا سبعين ="قلتم أنى هذا"، أن: من أين هذا ="قل هو من عند أنفسكم"، أنكم عصيتم.

٨١٨٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها" يقول: إنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثليْ ما أصابوا منكم يوم أحد.

٨١٨٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم فقال:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، أي: إن تك قد أصابتكم مصيبة في إخوانكم، فبذنوبكم قد أصبتم مثليها قبلُ من عدوكم، [[في المطبوعة: "قتلا من عدوكم" وقبلها رقم [[الأثر: ٨١٨٧- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، هو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٧٨.]] لشك المصحح في صحتها. وفي المخطوطة مثل ذلك غير منقوط، والصواب من سيرة ابن هشام.]] في اليوم الذي كان قبله ببدر، قتلى وأسرى، ونسيتم معصيتكم وخلافكم ما أمركم به نبيّكم ﷺ. أنتم أحللتم ذلك بأنفسكم. [[في المخطوطة والمطبوعة: "إنكم أحللتم. . ."، ورجحت رواية ابن هشام، فهي أجود في السياق.]] ="إن الله على كل شيء قدير"، أي: إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو، قدير. (٣) .

٨١٨٨- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها"، الآية، يعني بذلك: أنكم أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد.

* *

وقال بعضهم: بل تأويل ذلك:"قل هو من عند أنفسكم"، بإساركم المشركين يوم بدر، [[في المطبوعة: "بإسارتكم" وهو خطأ، أوقعه فيه ناسخ المخطوطة، لأن كتب (تكم) ، ولكنه أدخل الراء على التاء، فاختلطت كتابته. والصواب ما أثبت.]] وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم.

ذكر من قال ذلك:

٨١٨٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال، أسر المسلمون من المشركين سبعين وقتلوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء فتتقوَّوْا به على عدوكم، وإن قبلتموه قتل منكم سبعون = أو تقتلوهم. فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم ويُقتل منا سبعون. قال: فأخذوا الفدية منهم، وقتلوا منهم سبعين = قال عبيدة: وطلبوا الخيرتين كلتيهما.

٨١٩٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة: أنه قال في أسارى بدر: قال رسول الله ﷺ: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم. قالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به، ويستشهد منا بعدتهم.

٨١٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني إسماعيل، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة السلماني = وحدثني حجاج، عن جرير، عن محمد، عن عبيدة السلماني = عن علي قال: جاء جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال له: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أمرين: أن يقدَّموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يُقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا!! لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عِدَّتهم، فليس في ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر.

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم"يوم التقى الجمعان"، وهو يوم أحد، حين التقى جمع المسلمين والمشركين. ويعني بـ"الذي أصابهم"، ما نال من القتل مَنْ قُتِل منهم، ومن الجراح من جرح منهم ="فبإذن الله،" يقول: فهو بإذن الله كان = يعني: بقضائه وقدَره فيكم. [[انظر تفسير"الإذن" فيما سلف ٢: ٤٤٩، ٤٥٠ / ٤: ٢٨٦ / ٥: ٣٥٥، ٣٩٥ / ٧: ٢٨٩.]] .

* *

وأجاب"ما" بالفاء، لأن"ما" حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل [[انظر ما سلف ٥: ٥٨٥.]] .

* *

="وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا"، بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميِّز أهلُ الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين.

وقد بينا تأويل قوله:"وليعلم المؤمنين" فيما مضى، وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ٣: ١٦٠ / ٧: ٢٤٦، ٣٢٥.]] .

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

٨١٩٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين"، أي: ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوّكم، فبإذني كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم، بعد أن جاءكم نصري، وصدقتكم وعدي، [[في المطبوعة: "وصدقتم وعدي"، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.]] ليميز بين المنافقين والمؤمنين، وليعلم الذين نافقوا منكم، أي: ليظهروا ما فيهم. [[الأثر: ٨١٩٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٨٧.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول المنافق وأصحابَه، الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، حين سار نبي الله ﷺ إلى المشركين بأحد لقتالهم، فقال لهم المسلمون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا، أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إليهم، ولكنا معكم عليهم، ولكن لا نرى أنه يكون بينكم وبين القوم قتالٌ! فأبدوْا من نفاق أنفسهم ما كانوا يكتمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، غير ما كانوا يكتمونه ويخفونه من عداوة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان به، كما:-

٨١٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدَّث قال: خرج رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخزل عنهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول بثلث الناس وقال: [[في المطبوعة: "فقال"، والصواب من المخطوطة، وسيرة ابن هشام.]] أطاعهم فخرج وعصاني! والله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس!! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريْب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكّركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم! فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال! فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدَكم الله أعداء الله! فسيُغني الله عنكم! ومضى رسول الله ﷺ. [[الأثر: ٨١٩٣- سيرة ابن هشام ٣: ٦٨، وهو تابع الأثر الماضي رقم: ٧٧١٥، وبين رواية الطبري، ورواية ابن هشام خلاف في بعض اللفظ.]]

٨١٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا"، يعني: عبد الله بن أبيّ ابن سلول وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله ﷺ حين سار إلى عدوّه من المشركين بأحد = وقوله:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، يقول: لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال. فظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم = يقول الله عز وجل:"هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم"، يظهرون لك الإيمان، وليس في قلوبهم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، وليس في قلوبهم"، وقد اختل الكلام، وأظنه سقط من سهو الناسخ، فأتممته من السيرة، وأتممت الآية وتفسيرها بعدها.]] ="والله أعلم بما يكتمون"، أي: يخفون. [[الأثر: ٨١٩٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٢.]]

٨١٩٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: خرج رسول الله ﷺ -يعني يوم أحد- في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبرُوا. فلما خرجوا، رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلثمئة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا! = [[في هذا الأثر اختصار مخل، وقد مضى تمامه برقم ٧٧٢٣، وجواب"فلما غلبوه"، في بقية الأثر وهو: "هموا بالرجوع"، يعني بني سلمة رهط أبي جابر السلمي. وانظر التخريج بعد.]] قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن عبد الله الأنصاري حين دعاهم فقالوا:"ما نعلم قتالا ولئن أطعتمونا لترجعُنّ معنا"، فقال: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ . [[الأثر: ٨١٩٥- مضى بعضه برقم: ٧٧٢٣، والتاريخ ٣: ١٢.]] .

٨١٩٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال عكرمة:"قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، قال: نزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول = قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد"لو نعلم قتالا"، قال: لو نعلم أنَّا واجدون معكم قتالا لو نعلم مكان قتال، لاتبعناكم.

* *

واختلفوا في تأويل قوله"أو ادفعوا".

فقال بعضهم: معناه: أو كثِّروا، فإنكم إذا كثرتم دفعتم القوم.

ذكر من قال ذلك:

٨١٩٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أو ادفعوا"، يقول: أو كثِّروا.

٨١٩٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"أو ادفعوا"، قال: بكثرتكم العدو، وإن لم يكن قتال.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابِطوا إن لم تقاتلوا.

ذكر من قال ذلك:

٨١٩٨م- حدثنا إسماعيل بن حفص الآيلي وعلي بن سهل الرملي قالا حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثنا عتبة بن ضمرة قال: سمعت أبا عون الأنصاري في قوله:"قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا"، قال: رابطوا. [[الأثر: ٨١٩٨م-"إسماعيل بن حفص الأيلي"، سلفت ترجمته برقم: ٧٥٨١، وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الآملي" مكان"الأيلي"، وهو خطأ، وفي المخطوطة"الأيلي" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. و"الوليد بن مسلم القرشي"، سلفت ترجمته برقم: ٦٤١٠. و"عتبة بن ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي الحمصي"، روى عن أبيه، وعمه المهاجر، ومحمد بن زياد الألهاني، وأبي عون الشامي. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، و"أبو عون الأنصاري الشامي الأعور" روى عن أبي إدريس الخولاني، ثقة. مترجم في التهذيب.]]

* *

وأما قوله:"والله أعلم بما يكتمون"، فإنه يعني به: والله أعلم من هؤلاء المنافقين الذين يقولون للمؤمنين:"لو نعلم قتالا لاتبعناكم"، بما يضمرون في أنفسهم للمؤمنين ويكتمونه فيسترونه من العداوة والشنآن، وأنهم لو علموا قتالا ما تبعوهم ولا دافعوا عنهم، وهو تعالى ذكره محيط بما هم مخفوه من ذلك، [[في المطبوعة: "بما يخفونه من ذلك"، غير ما في المخطوطة لغير شيء!! ، إلا أن يريدوا أن يدرجوا به على ما ألفوا من الكلام!!]] مطلع عليه، ومحصيه عليهم، حتى يهتك أستارهم في عاجل الدنيا فيفضحهم به، ويُصليهم به الدرك الأسفل من النار في الآخرة.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك:"وليعلم الله الذين نافقوا" ="الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا".

* *

فموضع"الذين" نصب على الإبدال من"الذين نافقوا". وقد يجوز أن يكون رفعًا على الترجمة عما في قوله:"يكتمون" من ذكر"الذين نافقوا".

* *

فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم ="وقعدوا"، يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا - مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم - عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله ="لو أطاعونا"، يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا ="ما قتلوا" يعني: ما قتلوا هنالك = قال الله عز وجل لنبيه محمد ﷺ:"قل"، يا محمد، لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين ="فادرأوا"، يعني: فادفعوا.

* *

من قول القائل:"درأت عن فلان القتل"، بمعنى دفعت عنه،"أدرؤه دَرْءًا"، [[انظر تفسير"الدرء" فيما سلف ٢: ٢٢٢ - ٢٢٨.]] ومنه قول الشاعر: [[هو المثقب العبدي.]]

تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِيني [[مضى تخريجه وشرحه فيما سلف ٢:٥٤٧، ٥٤٨، والاستشهاد بهذا البيت لمعنى الدفع، غريب من مثل أبي جعفر، فراجع شرح البيت هناك.]]

* *

يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا = إن كنتم، أيها المنافقون، صادقين في قيلكم: لو أطاعنا إخواننا في ترك الجهاد في سبيل الله مع محمد ﷺ وقتالهم أبا سفيان ومن معه من قريشْ، ما قُتلوا هنالك بالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم، وتخلّفهم عن محمد ﷺ وشهود جهاد أعداء الله معه = [عن أنفسكم] الموت، [[السياق: "قل لهم: فادفعوا. . . عن أنفسكم الموت"، والزيادة التي بين القوسين زيادة لا بد منها يقتضيها السياق، وعن نص الآية، فلذلك أثبتها.]] فإنكم قد قعدتم عن حربهم وقد تخلفتم عن جهادهم، وأنتم لا محالة ميتون. كما:-

٨١٩٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"الذين قالوا لإخوانهم"، الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم ="لو أطاعونا ما قتلوا" الآية، أي: أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا. وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله، حرصًا على البقاء في الدنيا، وفرارًا من الموت. [[الأثر: ٨١٩٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٥، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٤.]]

* *

ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول، هم الذين قال الله فيهم:"وليعلم الذين نافقوا".

٨٢٠٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا" الآية، ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبيّ.

٨٢٠١- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هم عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

٨٢٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: هو عبد الله بن أبيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبي ﷺ يوم أحد:"لو أطاعونا ما قتلوا"، الآية = قال ابن جريج، عن مجاهد قال، قال جابر بن عبد الله: هو عبد الله بن أبيّ ابن سلول.

٨٢٠٣- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا" الآية، قال: نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبيّ. [[عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفي المخطوطة ما نصه: "يتلوهُ إِن شاء الله: القول في تأويل قوله جل ثناؤه ولا تحسبَنَّ الذينَ قتلوا في سبيلِ الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون. والحمد لله على إحسانه ونعمته، وصلى الله على محمد وعلى آله الطاهرين، وسلَّمَ كثيرًا".

ثم يتلوه أول الجزء، وفيها ما نصه:

" بسم الله الرحمن الرحيم ربّ يسّر يا كريم

أخبرنا أبو بكر محمد بن داود قال، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير".

وانظر التعليق على هذا الإسناد فيما سلف ٦: ٤٩٦، ٤٩٧ / ٧: ٢٣، ١٥٤، ٢٨٠، ٢٨١.]]

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"ولا تحسبن"، ولا تظنن. كما:-

٨٢٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولا تحسبن"، ولا تظنن. [[الأثر: ٨٢٠٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨١٩٩.]]

* *

وقوله:"الذين قتلوا في سبيل الله"، يعني: الذين قتلوا بأحد من أصحاب رسول الله ﷺ ="أمواتًا"، يقول: ولا تحسبنهم، يا محمد، أمواتًا، لا يحسُّون شيئًا، ولا يلتذُّون ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون في رزقي، فرحون مسرورون بما آتيتهم من كرامتي وفضلي، وحبَوْتهم به من جزيل ثوابي وعطائي، كما:-

٨٢٠٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق = وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن إسحاق = عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تردُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحُسن مَقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا! لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب! [[نكل عن عدوه: جبن فنكص على عقبيه، وانصرف عنه هيبة له وخوفًا.]] فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عز وجل على رسوله ﷺ هؤلاء الآيات. [[الحديث: ٨٢٠٥- أبو الزبير: هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو تابعي ثقة، مضى مرارًا. وقيل إنه لم يسمع من ابن عباس، ففي المراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٧١، عن ابن عيينة: "يقولون: ابن المكي لم يسمع من ابن عباس". وفيه أيضًا: "سمعت أبي يقول: رأى ابن عباس رؤية".

والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٣٨٨، عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، بهذا الإسناد. ثم رواه عقبة: ٢٣٨٩، "نحوه"، عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، به. وزاد في الإسناد"عن سعيد بن جبير"، بين أبي الزبير وابن عباس.

وكذلك رواه أبو داود في السنن: ٢٥٢٠، عن عثمان بن أبي شيبة، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٧ - ٢٩٨، من طريق عثمان بن أبي شيبة. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

وذكره ابن كثير ٢: ٢٩٠ - ٢٩١، من رواية المسند الأولى، وأشار إلى رواية الطبري هذه، ثم إلى زيادة سعيد بن جبير في الإسناد، عند أبي داود والحاكم، ثم قال: "وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس".

وذكره السيوطي ٢: ٩٥، وزاد نسبته إلى هناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل. وقوله: "وحسن مقيلهم" - في المسند: "منقلبهم". ومعناها صحيح أيضًا. ولكن وجدت بعد ذلك في مخطوطة الرياض من المسند (المصور عندي) نسخة أخرى بهامشها"مقيلهم". وهي أصح وأجود. وهي الموافقة لما في ابن كثير نقلا عن المسند، والموافقة لروايتي أبي داود والحاكم. ويؤيد صحتها أنها الموافقة لألفاظ الكتاب العزيز. قال الله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلا) [سورة الفرقان: ٢٤] .

وانظر ما يأتي من حديث ابن مسعود: ٨٢٠٦ - ٨٢٠٨، ٨٢١٨، ٨٢١٩. وما يأتي من حديث ابن عباس: ٨٢٠٩ - ٨٢١٣.]]

٨٢٠٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير بن عبد الحميد = وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = قالا جميعًا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبى الضحى، عن مسروق بن الأجدع قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآيات:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله" الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: إنه لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحَهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فيطَّلع الله إليهم اطِّلاعةً فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: ربنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! [[قوله: "لا فوق ما أعطيتنا"، أي لا شيء فوق ذلك. و"الجنة" قال أبو ذر الخشني: "يروى هنا بالخفض والرفع، بخفض الجنة، على البدل من"ما" في قوله: ما أعطيتنا - ورفعها على خبر مبتدأ مضمر، تقديرها هو الجنة". وجائز أن تكون على النصب أيضًا، على تقدير"أعطيتنا الجنة".]] ثلاث مرات - ثم يطلع فيقول: يا عبادي، ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون: رّبنا، لا فوق ما أعطيتنا! الجنة نأكل منها حيث شئنا! إلا أنا نختار أن تُردّ أرواحنا في أجسادنا، [[في المطبوعة: إلا أنا نختار أن ترد أرواحنا. . ."، وفي المخطوطة: "إلا أنا نختار ترد أرواحنا"، وهو تصحيف ما في سيرة ابن هشام"نحب أن ترد"، فأثبت ما في السيرة، وفي رواية مسلم"إلا أنا نريد أن ترد"، وهما سواء.]] ثم تردَّنا إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى". [[الحديث: ٨٢٠٦- أبو الضحى: هو مسلم بن صبيح -بالتصغير- الهمداني. مضى الكلام عليه مرارًا، آخرها: ٧٢١٧. والحديث سيأتي عقب هذا، من رواية الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق. ويأتي بعده: ٨٢٠٨، من رواية سليمان -وهو الأعمش- عن عبد الله بن مرة، عن مسروق. فللأعمش فيه شيخان. سمعه منهما عن مسروق. وسيأتي تخريجه في الأخير.]] .

٨٢٠٧- حدثنا الحسن بن يحيى المقدسي قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية = ثم ذكر نحوه وزاد فيه: إني قد قضيت أن لا ترجعوا. [[الحديث: ٨٢٠٧- الحسن بن أبي يحيى المقدسي، شيخ الطبري: لم أصل إلى الآن إلى معرفته. وقد مضى كذلك من قبل في: ٧٢١٦. ووقع اسمه في المطبوعة هنا: "الحسن بن يحيى العبدي". والتصويب من المخطوطة. ومن السهل جدًا على الناسخ أو الطابع سقوط كلمة"أبي"، وتحريف كلمة"المقدسي" إلى"العبدي" إذا كانت غير واضحة الرسم. وهذا الحديث تكرار للذي قبله من هذا الوجه، كما قلنا.]] .

٨٢٠٨- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء، ولولا عبد الله ما أخبرنا به أحدٌ! قال: أرواح الشهداء عند الله في أجواف طير خضر في قناديل تحت العرش، تسرحُ في الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيطَّلع إليها ربُّها، فيقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: نريد أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى. [[الحديث: ٨٢٠٨- سليمان: هو ابن مهران الأعمش. والحديث مكرر ما قبله باختصار، من وجه آخر، من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق.

وعبد الله بن مرة الهمداني الخارفي: تابعي ثقة، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٦٥. والحديث رواه مسلم ٢: ٩٨، بأسانيد، من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، به نحوه - أطول مما هنا.

وكذلك رواه الترمذي ٤: ٨٤ - ٨٥، من رواية الأعمش، عن عبد الله بن مرة. ونقله ابن كثير ٢: ٢٨٩، عن صحيح مسلم. وذكره السيوطي ٢: ٩٦، وزاد نسبته لعبد الرزاق في المصنف، والفريابي، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في الدلائل. ولم يروه أحمد في المسند، فيما تحقق لدي، إلا أن يكون أثناء مسند صحابي آخر فيما بعد المسانيد التي حققتها. فالله أعلم. وسيأتي مرة رابعة: ٨٢١٨، من رواية عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله - وهو ابن مسعود ويأتي مرة خامسة: ٨٢١٩، من رواية أبي عبيد بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه.]]

٨٢٠٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الشهداء على بارق = على نهر بباب الجنة = في قبة خضراء = وقال عبدة:"في روضة خضراء = يخرج عليهم رزقهم من الجنةُ بكرة وعشيًّا". [[الحديث: ٨٢٠٩- سبق هذا الحديث، بهذا إسناد: ٢٣٢٣. وفصلنا القول فيه هناك. وسيأتي عقبه - هنا - بأربعة أسانيد.]]

٨٢١٠- حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بمثله = إلا أنه قال: في قبة خضراء = وقال: يخرج عليهم فيها.

٨٢١١- حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحارث بن فضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مثله.

٨٢١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الشهداء على بارق = نهر بباب الجنة = في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا.

٨٢١٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني أيضًا = يعني إسماعيل بن عياش = عن ابن إسحاق، عن الحارث بن الفضيل، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الأحاديث: ٨٢١٠ - ٨٢١٣، هي أربعة أسانيد، تكرارًا للحديث قلبها.]]

٨٢١٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، وحدثني بعض أصحابي عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله ﷺ:"ألا أبشرك يا جابر؟ قال قلت: بلى، يا رسول الله! قال: إن أباك حيث أصيب بأحد، أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب، أحب أن تردَّني إلى الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى". [[الحديث: ٨٢١٤- هكذا روى ابن إسحاق هذا الحديث مجهلا شيخه الذي حدثه، فأضعف الإسناد بذلك. وهو في سيرة ابن هشام ٣: ١٢٧. وقد ورد معناه عن جابر، بإسناد آخر صحيح:

فروى أحمد في المسند: ١٤٩٣٨ (ج٣ ص ٣٦١ حلبي) ، عن علي بن المديني، عن سفيان - وهو ابن عيينة - عن محمد بن علي بن رُبَيِّعة -بالتصغير- السُّلَمي، عن عبد الله بن محمد بن عُقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ: يا جابر، أمَا علمتَ أن الله عز وجل أحيا أباك، فقال له: تَمَنَّ عليَّ. فقال: أُرَدُّ إلى الدنيا، فأُقتَل مرة أخرى. فقال: إني قَضَيْتُ الحكمَ، أنهم إليها لا يُرْجَعون". وهذا إسناد صحيح. محمد بن علي بن ربيعة السلمي: ثقة، وثقه ابن معين، وغيره، وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٦ - ٢٧. وترجمه البخاري في الكبير ١ / ١ / ١٨٣ - ١٨٤ باسم"محمد بن علي السلمي". وكذلك ابن سعد في الطبقات ٦: ٢٥٧ - فلم يذكروا فيه جرحًا.

والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٢٨٩ من رواية المسند. ثم قال: "تفرد به أحمد من هذا الوجه". يشير بهذا إلى أن الترمذي روى معناه مطولا ٤: ٨٤، من وجه آخر، وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". ثم قال: "وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر - شيئًا من هذا". وهو إشارة إلى حديث المسند.

وقد ذكر السيوطي الرواية المطولة ٢: ٩٥، ونسبها أيضًا لابن ماجه، وابن أبي عاصم في السنة، وابن خزيمة والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وانظر المستدرك ٣: ٢٠٣ - ٢٠٤ ووالد جابر: هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، الخزرجي، السلمي، صحابي جليل مشهور، من أهل العقبة، وممن شهد بدرًا، وكان من النقباء. استشهد يوم أحد، رضي الله عنه.]] .

٨٢١٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد! فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك القرآن:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" = كنا نحدَّث أن أرواح الشهداء تَعارَف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأنّ مساكنهم السِّدرة. [[الأثر: ٨٢١٥- مضى مطولا برقم: ٢٣١٩.]] .

٨٢١٦- حدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = إلا أنه قال: تعارف في طير خضر وبيض = وزاد فيه أيضًا: وذكر لنا عن بعضهم في قوله:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء"، قال: هم قتلى بدر وأحد.

٨٢١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: قالوا: يا رب، ألا رسول لنا يخبر النبيّ ﷺ عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله"، الآيتين.

٨٢١٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآيات:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، قال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت. قال: فاطلع إليهم ربك اطِّلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيِّها شئنا! ثم اطَّلع عليهم الثالثة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تعيد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك مرة أخرى! فسكت عنهم. [[الحديث: ٨٢١٨- هذا هو الإسناد الرابع لحديث عبد الله بن مسعود، الذي مضى بثلاثة أسانيد: ٨٢٠٦ - ٨٢٠٨.

رواه هنا من طريق عبد الرزاق. وهو في مصنف عبد الرزاق ٣: ١١٥ (مخطوط مصور) . بهذا الإسناد وهذا اللفظ. ولكن ليس في نسخة المصنف كلمة"خضر" في وصف الطير. وقوله: "ثم اطلع عليهم الثالثة" - هكذا ثبت أيضا في المصنف، بحذف الاطلاعة الثانية. فليس ما هنا سقطًا من الناسخين، بل هو اختصار في الرواية.]]

٨٢١٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: أنهم قالوا في الثالثة = حين قال لهم: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ = قالوا: تقرئ نبينا عنا السلام، وتخبره أن قد رضينا ورُضيَ عنا. [[الحديث: ٨٢١٩- هذا هو الإسناد الخامس لحديث عبد الله بن مسعود. وهو من رواية ابنه أبي عبيدة عنه. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: تابعي ثقة. الراجح أن اسمه كنيته. وقيل إن اسمه"عامر". وبه ترجم في التهذيب، وترجمه ابن سعد ٦: ١٤٩ بالكنية. وكذلك ترجمه البخاري في الكنى، رقم: ٤٤٧، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٤٠٣.

وروايته عن أبيه منقطعة، مات أبوه وهو صغير. وجزم أبو حاتم وغيره بأنه لم يسمع منه، انظر المراسيل، ص: ٩١ - ٩٢. وروى الترمذي (١: ٢٦ بشرحنا) ، بإسناد صحيح، عن عمرو بن مرة، قال، "سألت أبا عبيدة بن عبد الله: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: "لا".

والحديث -من هذا الوجه- رواه الترمذي، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، وهو ابن عيينة - بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه، بل جعله تابعًا لرواية الأعمش، عن عبد الله بن مرة، كمثل صنيع الطبري هنا، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن".

وقوله: "ورضي عنا": هو بالبناء لما لم يسم فاعله. أي: ورضى الله عنا. كما هو ظاهر من السياق، وكما نص عليه شارح الترمذي.]]

٨٢٢٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد ﷺ، يرغِّب المؤمنين في ثواب الجنة ويهوِّن عليهم القتل:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، أي: قد أحييتهم، فهم عندي يرزقون في رَوْح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم الله من ثوابه على جهادهم عنه. [[الأثر: ٨٢٢٠- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تمام الآثار التي آخرها: ٨٢٠٤.]]

٨٢٢١- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، يرزقون فيه الشهادة، ويرزقون فيه الجنة والحياة في الرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا" الآية.

٨٢٢٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر الشهداء فقال:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم" إلى قوله:"ولا هم يحزنون"، زَعم أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، [[قوله: "زعم"، لا يراد به القول الباطل، بل يراد به القول الحق، والزعم: هو القول، يكون تاره حقًا، وتارة باطلا، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: وَإنِّي أَذِينٌ لَكُمْ أَنَهُ ... سَيُنْجِزُكُمْ رَبُّكُمْ ما زَعَمْ

أي: ما قال وما وعد.]] في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بُكرة وعشية في الجنة، تبيت في القناديل، فإذا سرحن نادى مناد: ماذا تريدون؟ ماذا تشتهون؟ فيقولون: ربنا، نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألهم ربهم أيضًا: ماذا تشتهون؟ وماذا تريدون؟ فيقولون: نحن فيما اشتهت أنفسنا! فيسألون الثالثة، فيقولون ما قالوا: ولكنا نحب أن تردَّ أرواحنا في أجسادنا! لما يرون من فضل الثواب. [[في المطبوعة: "لما يرون من فضل للثواب"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

٨٢٢٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عباد قال، حدثنا إبراهيم بن معمر، عن الحسن قال:، ما زال ابن آدم يتحمَّد [["تحمد الرجل يتحمد"، إذا طلب بفعله الحمد، و"فلان يتحمد إلى الناس بفعله"، أي يلتمس بذلك حمدهم.]] حتى صار حيًّا ما يموت. ثم تلا هذه الآية:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون".

٨٢٢٤- حدثنا محمد بن مرزوق قال، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة قال، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة قال، حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين. قال: وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبي ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلِّغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال -أُراه أبو ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ. فخرج حتى أتى حيًّا منهم، فاحتبى أمام البيوت ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، [[البيت: يعني الخيمة. وكسر البيت (بكسر الكاف وسكون السين) : أسفل شقة البيت التي تلي الأرض من حيث يكسر جانباه من عن يمين ويسار.]] فقال: الله أكبر، فزتُ ورب الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل [[في المخطوطة: "فقتلوهم أجمعين"، والصواب من التاريخ وسائر المراجع.]] = قال: قال إسحاق: حدثني أنس بن مالك: إنّ الله تعالى أنزل فيهم قرآنًا، رُفع بعد ما قرأناه زمانًا. [[نص ما في التاريخ: "أَنزَل فيهم قرآنًا: ﴿" بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِىَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ "﴾ ، ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زمانا ".]] وأنزل الله: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون". [[الحديث: ٨٢٢٤- محمد بن مرزوق - شيخ الطبري - هو محمد بن محمد بن مرزوق، نسب إلى جده. وقد مضت له عنه رواية، برقم: ٢٨. مترجم في التهذيب. وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ٣: ١٩٩ - ٢٠٠، وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٨٩ - ٩٠ باسم"محمد بن مرزوق".

عمر بن يونس اليمامي: مضى في: ٤٤٣٥. ووقع في الأصول هنا باسم"عمرو بن يونس"، وكذلك في تاريخ الطبري في هذا الحديث، وكذلك في تفسير ابن كثير، في نقله الحديث عن هذا الموضع. ولعل الخطأ في هذا يكون من الطبري نفسه، إذ يبعد أن يخطئ الناسخون في هذه المصادر الثلاثة خطأ واحدًا. وليس في الرواة - فيما أعلم - من يسمى"عمرو بن يونس". ووقع في الإسناد هنا - في التفسير - خطأ آخر. في المخطوطة والمطبوعة، إذ سقط من الإسناد [عن عكرمة] بين عمر بن يونس وإسحاق بن أبي طلحة. وهو ثابت في التاريخ وتفسير ابن كثير. وعكرمة هذا: هو عكرمة بن عمار اليمامي، مضت ترجمته في: ٢١٨٥. وعمر بن يونس معروف بالرواية عنه. ولم يدرك أن يروى عن"عكرمة مولى ابن عباس". إسحاق بن أبي طلحة: هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري البخاري. نسب إلى جده. وهو تابعي ثقة حجة، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٣٩٣ - ٣٩٤، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٢٦. وأبوه"أبو طلحة": هو"زيد بن سهل"، وهو أخو أنس بن مالك لأمه.

وهذا الحديث رواه الطبري أيضًا في التاريخ ٣: ٣٦، بهذا الإسناد.

ونقله ابن كثير في التفسير ٢: ٢٨٨، عن هذا الموضع من التفسير.

وأشار إليه الحافظ في الفتح ٧: ٢٩٨، حيث قال: "في رواية الطبري من طريق عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة. . ." ولكن وقع فيه"عكرمة عن عمار" - وهو خطأ مطبعي واضح.

ووقع في أصل الطبري هنا -المخطوط والمطبوع-: "فقال أراه أبو ملحان". وكذلك في نقل ابن كثير عن هذا الموضع. وهو خطأ قديم من الناسخين، صوابه: "ابن ملحان". وثبت على الصواب في التاريخ، ومنه صححناه.

وهو"حرام بن ملحان الأنصاري"، وهو خال أنس بن مالك، أخو أمه"أم سليم بنت ملحان". ولا نعلم أن كنيته"أبو ملحان" - حتى نظن أنه ذكر هنا بكنيته. وهو مترجم في ابن سعد ٣ / ٢ / ٧١ - ٧٢، والإصابة.

وهذا الحديث - في قصة بئر معونة - ثابت عن أنس بن مالك من أوجه، مختصرًا ومطولا.

وقد رواه أحمد في المسند: ١٣٢٢٨، عن عبد الصمد، و: ١٤١١٩، عن عفان - كلاهما عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس (المسند ج٣ ص ٢١٠، ٢٨٨ - ٢٨٩ حلبي) . ورواه أيضا: ١٢٤٢٩ (٣: ١٣٧ حلبي) ، من رواية ثابت، عن أنس.

ورواه البخاري ٧: ٢٩٧ - ٢٩٩، عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة" ورواه قبله وبعده من أوجه أخر.

ورواه ابن سعد في الطبقات ٣ / ٢ / ٧١ - ٧٢، عن عفان، كرواية المسند: ١٤١١٩. وقد مضى بعض معناه مختصرًا، في تفسير الطبري: ١٧٦٩، من رواية قتادة، عن أنس. وتفصيل القصة في تاريخ ابن كثير ٤: ٧١ - ٧٤. وانظر أيضًا جوامع السيرة لابن حزم، ص: ١٧٨- ١٨٠، وما أشير إليه من المراجع في التعليق عليه هناك. وروى أحمد في المسند، بعض هذا المعنى، من حديث ابن مسعود: ٣٩٥٢.]] .

٨٢٢٥- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد من أصحاب النبي ﷺ، لقوا ربَّهم، فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب، قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا! فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم. فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه ﷺ:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون" إلى قوله:"ولا هم يحزنون". فهذا النبأ الذي بلَّغ الله رسوله والمؤمنين ما قال الشهداء.

* *

وفي نصب قوله:"فرحين" وجهان.

أحدهما: أن يكون منصوبًا على الخروج من قوله:"عند ربهم". [["الخروج"، نصبها على الخروج، يعني على خروجها منه على الحال. انظر ما سلف ٥: ٢٥٣ / ثم ٦: ٥٨٦ / ٧: ٢٥، تعليق: ٣. ثم انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٧.]] والآخر من قوله:"يرزقون". ولو كان رفعًا بالردّ على قوله:"بل أحياء فرحون"، كان جائزًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك ="لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، يعني بذلك: [[انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ١: ٥٥١ / ٢: ١٥٠، ٥١٢، ٥١٣ / ٥: ٥١٩.]] لا خوف عليهم، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صارُوا إليه والدعة والزُّلْفة. [["الخفض": لين العيش وسعته وخصبه، يقال: "عيش خفض، وخافض، وخفيض، ومخفوض": خصيب في دعة ولين. و"الزلفة": القربة والدرجة والمنزلة، عند الله رب العالمين.]] .

* *

ونصب"أن لا" بمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٧.]] .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٢٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الآية، يقول: لإخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم، لما قدموا عليه من الكرامة والفضل والنعيم الذي أعطاهم.

٨٢٢٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم" الآية، قال، يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يلحقونا فيصيبون من كرامة الله تعالى ما أصبنا.

٨٢٢٨- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ذكر لنا عن بعضهم في قوله:"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تبارك وتعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة، [[انظر تفسير"زعم" فيما سلف قريبًا ص ٣٩٢ تعليق: ١.]] جُعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش. فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه! فإذا شهدوا قتالا تعجَّلوا إلى ما نحن فيه! فقال الله تعالى: إنيّ منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه. ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبيكم وإخوانكم بالذي أنتم فيه، فإذا شهدوا قتالا أتوكم! قال: فذلك قوله:"فرحين بما آتاهم الله من فضله" إلى قوله:"أجر المؤمنين".

٨٢٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، أي: ويسرون بلحوق من لحق بهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الخوف والحزن. [[الأثر: ٨٢٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٢٠ ونص ابن هشام: "قد أذهب الله. . ."، وهو أجود.]] .

٨٢٣٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، قال: هم إخوانهم من الشهداء ممَّن يُستشهد من بعدهم ="لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" حتى بلغ:"وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين".

٨٢٣١- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"، فإن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله، فيقال:"يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا"، فيستبشر حين يقدم عليه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.

القول في تأويل قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه:"يستبشرون"، يفرحون ="بنعمة من الله"، يعني بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كرامته عند ورودهم عليه ="وفضل" يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله ﷺ وجهاد أعدائه ="وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين"، كما:-

٨٢٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن أبي إسحاق:"يستبشرون بنعمة من الله وفضل" الآية، لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب. [[الأثر: ٨٢٣٢- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٢٩.]]

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله:"وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين".

فقرأ ذلك بعضهم بفتح"الألف" من"أنّ" بمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأنّ الله لا يضيع أجر المؤمنين.

* *

= وبكسر"الألف"، على الاستئناف. واحتج من قرأ ذلك كذلك بأنها في قراءة عبد الله: ﴿" وَفَضْلٍ وَاللَّهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ "﴾ . قالوا: فذلك دليل على أن قوله:"وإن الله" مستأنف غير متصل بالأول. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٧.]] .

* *

ومعنى قوله:"لا يضيع أجر المؤمنين"، لا يبطل جزاء أعمال من صدّق رسوله واتبعه، وعمل بما جاءه من عند الله.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءه من قرأ ذلك:"وأن الله" بفتح"الألف"، لإجماع الحجة من القرأة على ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين"، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم. [[انظر تفسير"القرح" فيما سلف ٧: ٢٣٧.]] .

* *

وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله ﷺ إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو -أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش- مُنصَرَفهم عن أحد. وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله ﷺ في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم. كالذي:-

٨٢٣٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني حسين بن عبد الله، [[في المطبوعة والمخطوطة: "حسان بن عبد الله"، وهو خطأ، والصواب من تاريخ الطبري. وهو"حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب". روي عن عكرمة، وروي عنه هشام ابن عروة، وابن جريج، وابن المبارك، وابن إسحاق. وهو ضعيف الحديث. مترجم في التهذيب.]] عن عكرمة قال: كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، [[ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام ومن تاريخ الطبري.]] فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن:"لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس". فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي:"يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي! فتخلَّف على أخواتك"، فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. [[الأثر: ٨٢٣٣- سيرة ابن هشام ٣: ١٠٦، ١٠٧، وتاريخ الطبري ٣: ٢٩.]] .

٨٢٣٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله ﷺ أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدوّ، [[ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري.]] قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل! فخرجنا مع رسول الله ﷺ، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، [["العقبة": قدر ما يسره الماشي ما استطاع المشي، يريد: حملته شوطًا، وسار شوطًا.]] حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. [[الأثر: ٨٢٣٤- سيرة ابن هشام ٣: ١٠٧ - ١٠٨، وتاريخ الطبري ٣: ٢٩.]]

٨٢٣٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله تبارك وتعالى:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ"، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله ﷺ الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح ="للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم". [[الأثر: ٨٢٣٥- سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨.]]

٨٢٣٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح" الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون -أبو سفيان وأصحابه- فقال ﷺ لأصحابه:"ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، [[في المطبوعة: "ألا عصابة تشد لأمر الله"، ولا معنى له، وفي المخطوطة: ألا عصابة تشدد لأمر الله"، وهو بلا ريب تصحيف ما أثبت."ندب القوم إلى الأمر فانتدبوا": دعاهم إليه وحثهم، فأسرعوا إليه واستجابوا. وفضلا عن ذلك، فهذا هو اللفظ الذي كثر وروده في أخبار حمراء الأسد.]] تطلب عدوّها؟ فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع! فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد.

٨٢٣٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم! [[في المخطوطة: "بئس ما صنعنا صنعتم"، وهو سهو، والصواب ما في المطبوعة. وانظر ما سلف رقم: ٨٠٠٣.]] إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم! ارجعوا واستأصلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جل ثناؤه فيهم:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح". [[الأثر: ٨٢٣٧- مضى برقم: ٨٠٠٣، وانظر التعليق هناك.]]

٨٢٣٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب -يعني يوم أحد- بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ:"إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب"! وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله ﷺ، واشتد عليهم الذي أصابهم. وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال:"إن الناس قد جمعوا لكم"! فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال:"إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد"، لأحضِّضَ الناس. [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة"وتفسير ابن كثير ٢: ٢٩٨. أما الدر المنثور ٢: ١٠١، فقد أسقط"لأحضض الناس"، وأنا أرجح أن صوابه هو: "ليحضض الناس"، ولا أشك أن هذه الكلمة ليس من لفظه ﷺ.]] فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم".

٨٢٣٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا أبو سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا ابن أختي، أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير- لممن قال الله تعالى فيهم:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح". [[الحديث: ٨٢٣٩- هاشم بن القاسم: هو أبو النضر الإمام الحافظ، شيخ الإمام أحمد، وإسحاق، وابن المديني. وهو ثقة ثبت حجة. كان أهل بغداد يفخرون به. أبو سعيد: هو المؤدب، واسمه"محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي". وهو ثقة مأمون.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٨، من طريق العباس بن محمد الدوري، عن هاشم بن القاسم، بهذا الإسناد. ووقع في مطبوعة المستدرك"هشام بن القاسم"، وهو خطأ مطبعي لا شك فيه.

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

والحديث في الصحيحين، كما سيأتي في الرواية الآتية: ٨٢٤١. ولعلهما اعتبراه من المستدرك لقوله في هذه الرواية"أنها قالت لعبد الله بن الزبير". والذي في الرواية الآتية أنها قالت لعروة بن الزبير. وهما أخوان، والكلام لهما واحد. ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى، كرواية مسلم، كما سيأتي.]] .

٨٢٤٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي ﷺ: إنهم عامدون إلى المدينة! فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، [[في المطبوعة: "قد أرعبهم الله"، وفي المخطوطة"فقد رعبهم" كما أثبته وهو الصواب. يقال"رعبه يرعبه" (على وزن فتح) ، و"رعبه" (مشدد العين) ، وقد نص أهل اللغة أنه لا يقال: "أرعبه". وستأتي على الصواب في السطر التالي.]] وليسوا بعامديها". فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح".

٨٢٤١- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة: إنْ كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح - تعني أبا بكر والزبير. [[الحديث: ٨٢٤١- سعيد بن الربيع الرازي - شيخ الطبري: مضت له رواية عنه في: ٣٧٩١، ولم نجد له ترجمة. والحديث تكرار للحديث السابق: ٨٢٣٩. ولكن في هذا أن خطاب عائشة لعروة بن الزبير، وهناك خطابها لأخيه عبد الله، وهما ابنا أختها أسماء بنت أبي بكر.

ورواه مسلم ٢: ٢٤١، بأسانيد، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، ومن رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي - وهو: عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير - عن عروة، به، نحوه.

ورواه البخاري ٧: ٢٨٧، مطولا، من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة. ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى ٣: ٣٦٣، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، عن عروة - كرواية مسلم. ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"! وسقطت هذه الرواية من تلخيص الذهبي، مخطوطًا ومطبوعًا.

وذكره ابن كثير ٢: ٢٩٧ - ٢٩٨ رواية البخاري، ثم أشار إلى رواية الحاكم الأولى، وتعقبه في دعواه أن الشيخين لم يخرجاه، بقوله: "كذا قال". ثم أشار إلى أنه رواه ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وأبو بكر الحميدي في مسنده. ثم أشار إلى رواية الحاكم الثانية.

وذكره السيوطي ٢: ١٠٢، مطولا. وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل.]] .

٨٢٤٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان عبد الله من الذين استجابوا لله والرسول.

* *

قال أبو جعفر: فوعد تعالى ذكره، مُحسنَ من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله ﷺ، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، إذا اتقى الله فخافه، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره ="أجرًا عظيما"، وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا.

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين"،"الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم".

* *

و"الذين" في موضع خفض مردود على"المؤمنين"، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول.

* *

و"الناس" الأوّل، هم قوم -فيما ذكر لنا- كان أبو سفيان سألهم أن يثبِّطوا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد.

و"الناس" الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد.

* *

ويعني بقوله:"قد جمعوا لكم"، قد جمعوا الرجال للقائكم والكرّة إليكم لحربكم ="فاخشوهم"، يقول: فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم ="فزادهم إيمانًا"، يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا = ثقة بالله وتوكلا عليه، إذ خوَّفهم من خوفَّهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين ="حسبنا الله ونعم الوكيل"، يعني بقوله:"حسبنا الله"، كفانا الله، يعني: يكفينا الله = [[انظر تفسير"حسب" فيما سلف ٤: ٢٤٤.]] "ونعم الوكيل"، يقول: ونعم المولى لمن وليَه وكفَله.

* *

وإنما وصف تعالى نفسه بذلك، لأن"الوكيل"، في كلام العرب، هو المسنَد إليه القيام بأمر من أسنِد إليه القيام بأمره. فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات، قد كانوا فوَّضوا أمرهم إلى الله، ووثِقوا به، وأسندوا ذلك إليه، وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرهم إليه بالوكالة فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم.

* *

واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله ﷺ:"إن الناس قد جمعوا لكم".

فقال بعضهم: قيل ذلك لهم في وجههم الذين خرجوا فيه مع رسول الله ﷺ من أحد إلى حمراء الأسد، في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين.

ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله:

٨٢٤٣- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: مرَّ به -يعني برسول الله ﷺ- معبدٌ الخزاعيّ بحمراء الأسد= وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركهم، عَيْبةَ نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، [[العيبة: وعاء من أدم يكون في المتاع. ثم أخذوا منه على المثل قولهم: "عيبة الرجل"، أي موضع سره، وفي الحديث: "الأنصار كرشى وعيبتي" أي: خاصتي وموضع سرى. ويقال لأهل الرجل"هم عيبته"، من ذلك.]] صفقتهم معه، [[الصفقة: البيعة، ثم استعملت في العهد والميثاق، وفي الحديث: "إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك"، وذلك إذا أعطى الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله، وأصل ذلك كله من الصفق باليد. لأن المتعاهدين والمتبايعين، يضع أحدهما يده في يد الآخر. ومنه حديث ابن عمر: "أعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه". فالصفقة المرة من التصفيق باليد.]] لا يخفون عليه شيئًا كان بها، =ومعبد يومئذ مشرك= فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم! [[عافاه الله وأعفاه: وهب له العافية من العلل والبلايا. وفي سيرة ابن هشام"عافاك فيهم"، وهما سواء. وقوله: "عافاك فيهم"، أي: صانك مما نزل بأصحابك.]] ثم خرج من عند رسول الله ﷺ بحمراء الأسد، [[في المطبوعة: "من حمراء الأسد"، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري.]] حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا! حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟! [[في المطبوعة: "أصبنا في أحد أصحابه. . ."، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام والتاريخ. وحد كل شيء: طرف شباته، كحد السكين والسيف والسنان. ومنه يقال: "حد الرجل" وهو بأسه ونفاذه في نجدته. و"رجل ذو حد": أي بأس ماض. وقوله: "أصبنا حد أصحابه"، أي: كسرنا حدهم وثلمناه كما يثلم السيف، فصاروا أضعف مما كانوا.]] لنَكرَّن على بقيَّتهم، فلنفرغنَّ منهم". فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد، قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرَّقون عليكم تحرُّقا، [[يتحرق: يتلهب من الغيظ كمثل حريق النار.]] قد اجتمع معه من كان تخلَّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيء لم أر مثله قط! [[في المطبوعة: "فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط"، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب الموافق لما في سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري.]] . قال: ويلك! ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل! قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم! قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلت فيه أبياتًا من شعر! قال: وما قلت؟ قال: قلت:

كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتي ... إِذْ سَالَتِ الأرَضُ بِالجُرْدِ الأبَابيِل [[هد البناء: ضعضعه وهدمه. ومنه"هده الأمر" إذا بلغ منه فضعضعه وكسره وأوهنه. يقول: كادت تنهار راحلته من الفزع. و"الجرد" جمع أجرد: وهو القصير الشعر من الخيل، وهو من علامات عتقها وكرمها. و"الأبابيل" الجماعات المتفرقة، واحدها"إبيل" (بكسر الهمزة وتشديد الباء المكسورة) ، وقيل غير ذلك، وقيل: هو جمع لا واحد له. وزعم معبد كثرة خيل المسلمين في مخرجهم إلى حمراء الأسد، والذي في السير أن المسلمين كانوا في أحد ألفًا، فيهم مئة دارع. وفرسان: أحدهما لرسول الله ﷺ، والآخر لأبي بردة بن نيار.]] تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لا تَنَابِلَةٍ ... عِنْد اللِّقَاء وَلا خُرْقٍ مَعَازِيِل [[ردت الخيل تردى (على وزن جرى يجري) : رجمت الأرض بحوافرها في سيرها أو عدوها. و"التنابل" جمع تنبال وتنبالة (بكسر التاء) ، وهو القصير، والقصر معيب، لأن المقاتل القصير لا يطول باعه إذا قاتل بسيف أو رمح. وفي المطبوعة"ولا ميل معازيل"، كما في سيرة ابن هشام، ولكن الذي أثبته هو رواية الطبري في التفسير، وفي التاريخ. و"الخرق" جمع. خرق: وهو الأحمق الذي لا رفق له في عمل. وأنا أرجح أنه أراد الصفة من قولهم: "خرق الظبي وغيره": إذا دهش وفزع، فلصق بالأرض ولم يقدر على النهوض، والصفة من ذلك"خرق" على وزن"فرح"، ولكنه جمعه على باب"أفعل".

وأما"الميل" فهو جمع أميل: وهو الذي يميل على السرج في جانب ولا يستوي عليه، لأنه لا يحسن الركوب ولا الفروسية. و"المعازيل" جمع معزال: وهو الذي لا سلاح معه. وأنا أرى أن"الأميل"، هو الذي يميل عن عدوه من الخوف و"المعزال"، الذي يعتزل المعركة من الفرق، فلا يكاد يقاتل، ولا ينجد من استغاث به.]]

فَظَلْتُ عَدْوًا، أَظُنُّ الأرْضَ مَائِلَةً ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ [[قوله: "فظلت عدوا"، أي: فظللت أعدو عدوًا. و"سما الرجل لعدوه": إذ أشرف له وقصد نحوه، عاليًا عليه.]] فَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ منْ لِقَائِكُمُ ... إِذَا تَغَطْمَطَتِ البَطْحَاءُ بِالخِيِل [["تغطمطت القدر": اشتد غليانها، وبان صوتها كصوت اضطراب الأمواج. و"البطحاء": مسيل الوادي، فيه دقاق الحصى. و"الخيل"، ضبطه السهيلي في الروض الأنف (٢: ١٤٤) بفتح الخاء وسكون الباء، وقال: "قوله: بالخيل، جعل الردف حرف لين، والأبيات كلها مردفة الروى بحرف مد ولين. وهذا هو السناد.. ونظيره قول ابن كلثوم: "ألا هبى بصحنك فاصبحينا" ثم قال: "تصفقها الرياح إذا جرينا". وهو وجه صحيح مقارب. وأما أبو ذر الخشني فقد ضبطه"الجيل" بكسر الجيم، وقال: "الجيل: الصنف من الناس". وهذا لا معنى له. وهو في مطبوعة سيرة ابن هشام"الجيل" بالجيم، وكذلك هو في تاريخ الطبري. فلو صح أنها بالجيم، فأنا أرى أنها جماعة الخيل، وذلك أنهم قالوا: "الجول" (بضم الجيم) و"الجول" بفتحها: هي جماعة الخيل أو الإبل، وقالوا أيضا: "الجول" بضم الجيم و"الجال" و"الجيل" ناحية البئر وجانبها. فكأنه قاس هذا على هذا. أو كأنه جمع جائل من قولهم: "جالت الخيل بفرسانها" إذا طافت وذهبت وجاءت، جمعه كجمع: هائم وهيم، على شذوذه. فأما إذا كانت الرواية"الخيل" بكسر الخاء، فهو جمع خائل أيضا كالذي سلف، والخائل هو الحافظ للشيء الراعي له، من خال المال يخوله: إذا ساسه وأحسن القيام عليه، فهو خائل وخال. يقال: "من خال هذا الفرس"، أي صاحبها القائم بأمرها.]] إنِّي نَذِيرٌ لأهْلِ البَسْلِ ضَاحِيَةً ... لِكَلِّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ [[قال أبو ذر الخشني: "البسل: الحرام. وأراد بأهل البسل قريشًا، لأنهم أهل مكة، ومكة حرام". وقوله: "ضاحية" أي علانية من"ضحا" أي برز، والضاحية من كل شيء ما برز منه. فهو إما مصدر على وزن"عافية"، أو اسم فاعل قام مقامه. و"الإربة" البصر بالأمور. و"المعقول" مصدر كالمصادر التي جاءت على وزنه، وهو العقل.]] مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لا وَخْشٍ قَنَابِلُهُ ... وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالقِيلِ [["الوخش": رذالة الناس وسقاطهم وصغارهم. و"القنابل" جمع قنبلة (بفتح القاف) وهي الطائفة من الناس والخيل.]]

قال: فثنَى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرَّ به ركب من عبد القيس. فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلَّغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم! فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله ﷺ وأصحابه: [[أسقطت المطبوعة: "وأصحابه"، وهي ثابتة في التاريخ وفي المخطوطة، وفعل الناشر ذلك ليوافق ما في سيرة ابن هشام.]] "حسبنا الله ونعم الوكيل". [[الأثر: ٨٢٤٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٠٨- ١١٠، وهو بقية الأثر السالف: ٨٢٣٣، وتاريخ الطبري ٣: ٢٨- ٢٩.]]

٨٢٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله:"الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، و"الناس" الذين قالوا لهم ما قالوا= النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال=: إنّ أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم! يقول الله تبارك وتعالى:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء" الآية. [[الأثر: ٨٢٤٤ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٣٥.]]

٨٢٤٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ندموا= يعني أبا سفيان وأصحابه= على الرجوع عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا:"ارجعوا فاستأصلوهم"، فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابيًّا فجعلوا له جُعْلا فقالوا له: إن لقيت محمدًا وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم! فأخبر الله جل ثناؤه رسول الله ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابيَّ في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا:"حسبنا الله ونعم الوكيل"! ثم رجعوا من حمراء الأسد. فأنزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم:"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".

٨٢٤٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، [["العير" (بكسر العين) : القافلة من الإبل أو الحمير أو البغال، تحمل عليها الميرة.]] وبينهم وبين النبي ﷺ حِبال، [["الحبال" جمع حبل: وهو العهد.]] فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة. فاستقبلت العيرُ رسول الله ﷺ فقالوا له: [[في المطبوعة: "قالوا له"، بحذف الفاء، والصواب من المخطوطة.]] يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل! فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: [[في المطبوعة: "ولم يزده ذلك" بالواو، والصواب من المخطوطة.]] "حسبنا الله ونعم الوكيل". فأنزل الله تبارك وتعالى:"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم" الآية.

٨٢٤٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، انطلق رسول الله ﷺ وعصابةٌ من أصحابه بعد ما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم، حتى كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناسُ يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائلٌ عليكم بالناس! فقالوا:"حسبنا الله ونعم الوكيل". فأنزل الله تعالى فيهم:"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل".

* *

وقال آخرون: بل قال ذلك لرسول الله ﷺ وأصحابه من قال ذلك له، في غزوة بدر الصغرى، وذلك في مسير النبي ﷺ عامَ قابلٍ من وقعة أحد للقاء عدوِّه أبي سفيان وأصحابه، للموعد الذي كان واعده الالتقاءَ بها.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٤٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم"، قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد:"موعدكم بدرٌ حيث قتلتم أصحابنا"، فقال محمد ﷺ:"عسى"! فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا، فذلك قوله تبارك وتعالى:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء"، وهي غزوة بدر الصغرى.

٨٢٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه= وزاد فيه: وهي بدر الصغرى= قال ابن جريج: لما عبَّى النبي ﷺ لموعد أبي سفيان، [[في المطبوعة: "لما عمد النبي. . ."، وفي المخطوطة"لما عبد"، ورجحت أن صحة قراءتها ما أثبت."عبى الجيش تعبئة": هيأه وأصلح أمره وجمعه، مثل"عبأه". ورجحت ذلك، لأن معناه وارد في الآثار الأخرى.]] فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون:"قد جمعوا لكم"! يكيدونهم بذلك، يريدون أن يَرْعَبوهم، فيقول المؤمنون:"حسبنا الله ونعم الوكيل"، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد. [[قوله: "أسواقهم عافية"، أي وافرة، من قولهم: "أرض عافية": لم يرع أحد نبتها، فوفر نبتها وكثر. يعني أن الأسواق لم يحضرها أحد يزاحمهم في تجارتها. وانظر الأثر الآتي رقم: ٨٢٥٢.]] قال: وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخيل محمد عليه السلام، وقال في ذلك: [[هو معبد بن أبي معبد الخزاعي، كما روى ابن هشام في سيرته ٣: ٢٢٠، ٢٢١، والطبري في تاريخه ٣: ٤١.]]

نَفَرَتْ قَلُوصيِ عَنْ خُيولِ مُحَمَّدِ ... وَعَجْوَةٍ مَنْثُورَةٍ كَالعُنْجُدِ وَاتَّخَذَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي

* *

قال أبو جعفر: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو:

قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ ... وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثْرِبٍ كَالعُنْجُدِ [[سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٠، ٢٢١، وتاريخ الطبري ٣: ٤١، ومعجم ما استعجم: ٨٥٦، ٨٥٧. وقوله: "رفقتي محمد" بالتثنية، يعنى المهاجرين والأنصار. و"العجوة" ضرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلته هي"اللينة" المذكورة في قوله تعالى: "ما قطعتم من لينة"، في سورة الحشر. و"يثرب" مدينة رسول الله ﷺ. و"العنجد": الزبيب الأسود.]] تَهْوِي عَلَى دِينِ أَبيهَا الأتْلَدِ ... قَدْ جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي [[تهوي: تسرع، هوت الناقة تهوى: أسرعت إسراعًا. والدين: الدأب والعادة. و"الأتلد" الأقدم، من التليد، وهو القديم. و"قديد": موضع ماء بين مكة والمدينة.]]

وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الغَدِ [[و"ضجنان" (بفتح أوله وسكون الجيم) : وهو جبل على طريق المدينة من مكة، بينه وبين قديد ليلة، كما بينه هذا الشعر. قاله أبو عبيد البكرى في معجم ما استعجم.]]

* *

٨٢٥٠ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم:"إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم"! فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا:"حسبنا الله ونعم الوكيل"! فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنزل الله عز وجل فيهم:"إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم"= قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو قال: هي كلمة إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، فقال:"حسبنا الله ونعم الوكيل".

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال:"إن الذي قيل لرسول الله ﷺ وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله ﷺ وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد".

لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم:"حسبنا الله ونعم الوكيل"، لما قيل لهم:"إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم"، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله:"الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح"، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله ﷺ من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد.

وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، [[في المطبوعة: "وأما قول الذين خرجوا معه"، وهي زيادة فاسدة، وليست في المخطوطة.]] فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه. وذلك أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي ﷺ لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ ﷺ بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى. وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي ﷺ بدرًا الصغرى.

القول في تأويل قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فانقلبوا بنعمة من الله"، فانصرف الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، [[انظر تفسير"انقلب" فيما سلف ٣: ١٦٣.]] من وجههم الذي توجَّهوا فيه -وهو سيرهم في أثر عدوهم- إلى حمراء الأسد="بنعمة من الله"، يعني: بعافية من ربهم، لم يلقوا بها عدوًّا. [[انظر تفسير"النعمة" فيما سلف ٤: ٢٧٢.]] "وفضل"، يعني: أصابوا فيها من الأرباح بتجارتهم التي تَجَروا بها، [[في المطبوعة: "اتجروا بها"، وأثبت ما في المخطوطة."تجر يتجر تجرًا وتجارة": باع واشترى، ومثله: "اتجر" على وزن (افتعل) . والثلاثي على وزن (نصر وينصر) .]] الأجر الذي اكتسبوه [[انظر تفسير"الفضل" فيما سلف ص٢٩٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] =:"لم يمسسهم سوء" يعني: لم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى [[انظر تفسير"المس" فيما سلف ٥: ١١٨ / ٧: ١٥٥، ٢٣٨.]] ="واتبعوا رضوان الله"، يعني بذلك: أنهم أرضوا الله بفعلهم ذلك، واتباعهم رسوله إلى ما دعاهم إليه من اتباع أثر العدوّ، وطاعتهم="والله ذو فضل عظيم"، يعني: والله ذو إحسان وطَوْل عليهم -بصرف عدوهم الذي كانوا قد همُّوا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم- بنعمه [[السياق: "والله ذو إحسان وطول. . . بنعمه".]] ="عظيم" عند من أنعم به عليه من خلقه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٥١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل"، قال: والفضل ما أصابوا من التجارة والأجر.

٨٢٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال، وافقوا السوق فابتاعوا، وذلك قوله:"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل". قال: الفضل ما أصابوا من التجارة والأجر= قال ابن جريج: ما أصابوا من البيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عَفْوه وغِرَّته [[في المطبوعة: "وعزته"، ولا معنى لها، وفي المخطوطة غير منقوطة. و"الغرة" (بكسر الغين) الغفلة، يريد خلو السوق ممن يزاحمهم فيها، كأنهم أتوها والناس في غفلة عنها. وهو مجاز، ومثله عيش غرير: أي ناعم، لا يفزع أهله.]] لا ينازعهم فيه أحد= قال: وقوله:"لم يمسسهم سوء"، قال: قتل="واتبعوا رضوان الله"، قال: طاعة النبيّ ﷺ.

٨٢٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله ذو فضل عظيم"، لما صرف عنهم من لقاء عدوهم. [[الأثر: ٨٢٥٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٤٤.]]

٨٢٥٤ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أطاعوا الله وابتغوا حاجتهم، ولم يؤذهم أحد،"فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم".

٨٢٥٥ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أعطي رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى- ببدر دراهم، [[في المطبوعة والدر المنثور"ببدر دراهم"، وفي المخطوطة "بردراهم" غير منقوطة، وأخشى أن تكون كلمة مصحفة لم أهتد إليها، وإن قرأتها"نثر دراهم"، فلعلها! وشيء نثر (بفتحتين) متناثر. ولا أدري أيصح ذلك أو لا يصح.]] ابتاعوا بها من موسم بدر فأصابوا تجارة، فذلك قول الله:"فانقلبوا بنعمة من لله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله". أما"النعمة" فهي العافية، وأما"الفضل" فالتجارة، و"السوء" القتل.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنما الذي قال لكم، أيها المؤمنون:"إن الناس قد جمعوا لكم"، فخوفوكم بجموع عدوّكم ومسيرهم إليكم، من فعل الشيطان ألقاه على أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأوليائه من المشركين -أبي سفيان وأصحابه من قريش- لترهبوهم، وتجبنوا عنهم، كما:-

٨٢٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، يخوف والله المؤمنَ بالكافر، ويُرهب المؤمن بالكافر.

٨٢٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.

٨٢٥٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.

٨٢٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه"، أي: أولئك الرهط، يعني النفر من عبد القيس، الذين قالوا لرسول الله ﷺ ما قالوا، وما ألقى الشيطان على أفواههم="يخوّف أولياءه"، أي: يرهبكم بأوليائه. [[الأثر: ٨٢٥٩ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٥٣.]]

٨٢٦٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا علي بن معبد، عن عتاب بن بشير مولى قريش، عن سالم الأفطس في قوله:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، قال: يخوفكم بأوليائه.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك، إنما ذلكم الشيطان يعظِّم أمر المشركين، أيها المنافقون، في أنفسكم فتخافونه.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٦١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر أمر المشركين وعِظمهم في أعين المنافقين فقال:"إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه"، يعظم أولياءه في صدوركم فتخافونه.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل:"يخوف أولياءه"؟ وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ [وكيف] قيل= إن كان معناه يخوّفكم بأوليائه="يخوف أولياءه"؟ [[في المطبوعة والمخطوطة: "وهل يخوف الشيطان أولياءه؟ قيل إن كان معناه يخوفكم بأوليائه" وهو كلام لا يستقيم، ورجحت أن الناسخ أسقط ما زدته بين القوسين.]] قيل: ذلك نظير قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [سورة الكهف: ٢] بمعنى: لينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا يُنذر، وإنما ينذر به. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٨.]]

* *

وقد كان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوف الناسَ أولياءه، كقول القائل:"هو يُعطي الدراهم، ويكسو الثياب"، بمعنى: هو يعطي الناس الدراهم ويكسوهم الثياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه.

* *

قال أبو جعفر: وليس الذي شبه [من] ذلك بمشتبه، [[في المطبوعة: "الذي شبه ذلك بمشبه"، والذي في المخطوطة مثله إلا أنه كتب"بمشتبه" ورجحت أن الناسخ أسقط"من" فوضعها بين القوسين، مع إثبات نص المخطوطة، وهو الصواب.]] لأن"الدراهم" في قول القائل:"هو يعطي الدراهم"، معلوم أن المعطَى هي"الدراهم"، وليس كذلك"الأولياء" -في قوله:"يخوف أولياءه"- مخوَّفين، [[السياق: "وليس كذلك الأولياء. . . مخوفين".]] بل التخويف من الأولياء لغيرهم، فلذلك افترقا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول: فلا تخافوا، أيها المؤمنون، المشركين، ولا يعظُمَن عليكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم، مع طاعتكم إياي، ما أطعتموني واتبعتم أمري، وإني متكفِّل لكم بالنصر والظفر، [[في المخطوطة: "وإني متكلف لكم بالنصر"، وهو خطأ فاحش، تعالى ربنا عن أن يتكلف شيئًا، وهو القادر الذي لا يؤوده شيء. وقد أصاب ناشر الطبعة السالفة فيما فعل.]] ولكن خافون واتقوا أن تعصوني وتخالفوا أمري، فتهلكوا="إن كنتم مؤمنين"، يقول: ولكن خافونِ دون المشركين ودون جميع خلقي، أنْ تخالفوا أمري، إن كنتم مصدِّقي رسولي وما جاءكم به من عندي.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يحزنك، يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر مرتدِّين على أعقابهم من أهل النفاق، [[انظر تفسير"سارع" فيما سلف ٧: ١٣٠، ٢٠٧.]] فإنهم لن يضروا الله بمسارعتهم في الكفر شيئًا، وكما أنّ مسارعتهم لو سارعوا إلى الإيمان لم تكن بنافعته، [[في المطبوعة والمخطوطة: "كما أن مسارعتهم" بغير واو، والصواب إثبات الواو.]] كذلك مسارعتهم إلى الكفر غير ضارَّته. كما:-

٨٢٦٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، يعني: أنهم المنافقون. [[في المطبوعة: "هم المنافقون"، وأثبت ما في المخطوطة، ولو قرئت المخطوطة: "فهم المنافقون"، لكان أجود.]]

٨٢٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر"، أي: المنافقون. [[الأثر: ٨٢٦٣ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٥٩.]]

القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-

٨٢٦٤ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة"، أن يُحبط أعمالهم. [[الأثر: ٨٢٦٤ - ليس في سيرة ابن هشام.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه ﷺ فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه ﷺ: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، [[انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣١٥ / ٢: ٣٤١، ٣٤٢ / ٣: ٢٢٨.]] ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به.

* *

وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه= ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، [[في المطبوعة: "أو نصراؤه"، والصواب ما في المخطوطة.]] كما:-

٨٢٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان"، أي: المنافقين="لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم"، أي: موجع. [[الأثر: ٨٢٦٥ - سيرة ابن هشام: ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٦٣. وليس في سيرة ابن هشام تفسير"أليم".]]

٨٢٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم المنافقون.

القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-

٨٢٦٤ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة"، أن يُحبط أعمالهم. [[الأثر: ٨٢٦٤ - ليس في سيرة ابن هشام.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه ﷺ فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه ﷺ: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، [[انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣١٥ / ٢: ٣٤١، ٣٤٢ / ٣: ٢٢٨.]] ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به.

* *

وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه= ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، [[في المطبوعة: "أو نصراؤه"، والصواب ما في المخطوطة.]] كما:-

٨٢٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان"، أي: المنافقين="لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم"، أي: موجع. [[الأثر: ٨٢٦٥ - سيرة ابن هشام: ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٦٣. وليس في سيرة ابن هشام تفسير"أليم".]]

٨٢٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم المنافقون.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله [[انظر تفسير"حسب" فيما سلف قريبا ص: ٣٨٤.]] ، أن إملاءنا لهم خيرٌ لأنفسهم.

* *

ويعني بـ"الإملاء"، الإطالة في العمر، والإنساء في الأجل، ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [سورة مريم: ٤٦] أي: حينًا طويلا ومنه قيل:"عشتَ طويلا وتملَّيت حبيبًا" [[في المطبوعة: "وتمليت حينًا"، وهو خطأ، وفي المخطوطة: "وتمليت حنينًا"، وهو تصحيف، والصواب ما أثبت. وهو قول يقال في الدعاء، ومثله في الدعاء لمن لبس ثوبًا جديدًا: "أبليت جديدًا، وتمليت حبيبًا"، أي: عشت معه ملاوة من دهرك وتمتعت به.]] . "والملا" نفسه الدهر،"والملوان"، الليل والنهار، ومنه قول تميم بن مقبل: [[وينسب البيت لابن أحمر، وإلى أعرابي من بني عقيل.]]

أَلا يَا دِيَارَ الحَيِّ بِالسَّبُعَانِ ... أَمَلَّ عَلَيْهَا بِالبِلَى المَلَوَانِ [[سيبويه ٢: ٣٢٢، ومجاز القرآن ١: ١٠٩، والأمالي ١: ٢٣٣، والسمط: ٥٣٣، والخزانة ٣: ٢٧٥، واللسان (ملل) ، وغيرها، وسيأتي في التفسير ١٣: ١٠٦ (بولاق) . وقد بين صاحب الخزانة نسبة هذه الأبيات وذكر الشعر المختلف فيه، وقال إن أبيات ابن مقبل بعد هذا البيت: نَهَارٌ وَلَيْلٌ دَائِبٌ مَلَوَاهُمَا ... عَلَى كُلِّ حَالِ النَّاسِ يَخْتَلِفَانِ

ألا يا دَيارَ الحَيِّ لا هَجْرَ بَيْننَا ... وَلكنَّ رَوْعَاتٍ مِنَ الحَدَثَانِ

لِدَهْمَاءَ إِذْ لِلنَّاس والعَيْشِ غِرَّةٌ ... وَإِذْ خُلُقَانَا بِالصِّبَا عَسِرَانِ

قال أبو عبيد البكري: "أمل عليها": دأب ولازم، وقال أبو عبيدة: أي رجع عليها حتى أبلاها، أي: طال عليها. وعندي أن أصله من"الملل"، يقول: حتى بلغ أقصى الملل والسآمة.]] يعني: بـ"الملوان"، الليل والنهار.

* *

وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله:"ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم".

فقرأ ذلك جماعة منهم: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء، وبفتح"الألف" من قوله:"أَنَّمَا"، على المعنى الذي وصفتُ من تأويله.

* *

وقرأه آخرون: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء و"أَنَّمَا" أيضا بفتح"الألف" من"أنما"، بمعنى: ولا تحسبنّ، يا محمد، الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.

* *

فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتحت"الألف" من قوله:"أنما" في قراءة من قرأ بالتاء، وقد علمت أن ذلك إذا قرئ بالتاء فقد أعملت"تحسبن"، في"الذين كفروا"، وإذا أعملتها في ذلك، لم يجز لها أن تقع على"أنما" لأن"أنما" إنما يعمل فيها عاملٌ يعمل في شيئين نصبًا؟

قيل: أما الصواب في العربية ووجهُ الكلام المعروف من كلام العرب، كسر"إن" إذا قرئت"تحسبن" بالتاء، لأن"تحسبن" إذا قرئت بالتاء فإنها قد نصبت"الذين كفروا"، فلا يجوز أن تعمل، وقد نصبت اسمًا، في"أن". ولكني أظن أنّ من قرأ ذلك بالتاء في"تحسبن" وفتح الألف من"أنما"، إنما أراد تكرير تحسبن على"أنما"، كأنه قصد إلى أنّ معنى الكلام: ولا تحسبن، يا محمد أنت، الذين كفروا، لا تحسبن أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [سورة محمد: ١٨] بتأويل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتيهم بغتة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٤٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٠٨، ١٠٩.]] وذلك وإن كان وجهًا جائزًا في العربية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالياء من"يحسبن"، وبفتح الألف من"أنما"، على معنى الحسبان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل في"أنما" نصبًا لأن"يحسبن" حينئذ لم يشغل بشيء عمل فيه، وهي تطلب منصوبين.

وإنما اخترنا ذلك لإجماع القرأة على فتح"الألف" من"أنما" الأولى، فدل ذلك على أن القراءة الصحيحة فى"يحسبن" بالياء لما وصفنا.

وأما ألف"إنما" الثانية، فالكسر على الابتداء، بإجماع من القرأة عليه:

* *

وتأويل قوله:"إنما نُملي لهم ليزدادوا إثمًا"، إنما نؤخر آجالهم فنطيلها ليزدادوا إثمًا، يقول: يكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم وتكثر="ولهم عذاب مهين"، يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بالله ورسوله في الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة. [[انظر تفسير"مهين" فيما سلف ٢: ٣٤٧، ٣٤٨.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك جاء الأثر.

٨٢٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال، قال عبد الله: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. وقرأ:"ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرٌ لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا"، وقرأ: ﴿نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٨] . [[الحديث: ٨٢٦٧ - عبد الرحمن: هو ابن مهدي. وسفيان: هو الثوري.

خيثمة: هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي. وهو تابعي ثقة، أخرج له الجماعة كلهم.

الأسود: هو ابن يزيد النخعي.

وهذا الحديث، وإن كان موقوفًا لفظًا، فإنه - عندنا - مرفوع حكمًا، لأنه مما لا يدرك بالرأي.

وسيأتي مرة أخرى: ٨٣٧٤، من طريق عبد الرزاق، عن الثوري، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٨، من رواية جرير، عن الأعمش، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وذكره ابن كثير ٢: ٣٢٨، من رواية ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، به، نحوه. ثم قال: "وكذا رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، به".

وذكره السيوطي ٢: ١٠٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي بكر المروزى في الجنائز، وابن المنذر، والطبراني.

وسيأتي نحو معناه، من حديث أبي الدرداء: ٨٣٧٥.]]

القول في تأويل قوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"ما كان الله ليذر المؤمنين"، ما كان الله ليدع المؤمنين [[انظر تفسير"يذر" فيما سلف ٦: ٢٢.]] ="على ما أنتم عليه" من التباس المؤمن منكم بالمنافق، فلا يعرف هذا من هذا="حتى يميز الخبيث من الطيب"، يعنى بذلك:"حتى يميز الخبيث" وهو المنافق المستسرُّ للكفر [[انظر تفسير"الخبيث" فيما سلف ٥: ٥٥٩.]] ="من الطيب"، وهو المؤمن المخلص الصادق الإيمان، [[انظر تفسير"الطيب" فيما سلف ٣: ٣٠١ / ٥: ٥٥٥، ٥٥٦ / ٦: ٣٦١.]] بالمحن والاختبار، كما ميَّز بينهم يوم أحد عند لقاء العدوّ عند خروجهم إليهم.

* *

واختلف أهل التأويل في"الخبيث" الذي عنى الله بهذه الآية.

فقال بعضهم فيه، مثل قولنا.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٦٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، قال: ميز بينهم يوم أحد، المنافقَ من المؤمن.

٨٢٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، قال: ابن جريج، يقول: ليبين الصادق بإيمانه من الكاذب= قال ابن جريج، قال مجاهد: يوم أحد، ميز بعضهم عن بعض، المنافق عن المؤمن.

٨٢٧٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، أي: المنافقين. [[الأثر: ٨٢٧٠ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو جزء من الأثر السالف رقم: ٨٢٦٥، وتتمة الآثار التي قبله من تفسير ابن إسحاق. وكان في المطبوعة هنا"المنافق"، والصواب من المخطوطة، والأثر السالف، وسيرة ابن هشام.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٧١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه"، يعني الكفار. يقول: لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة:"حتى يميز الخبيث من الطيب"، يميز بينهم في الجهاد والهجرة.

٨٢٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"حتى يميز الخبيث من الطيب"، قال: حتى يميز الفاجر من المؤمن.

٨٢٧٣ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي،"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" قالوا:"إن كان محمدٌ صادقًا، فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومن يكفر"!! فأنزل الله:"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"، حتى يخرج المؤمن من الكافر.

* *

قال أبو جعفر: والتأويل الأول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها. فكونها بأن تكون فيهم، أشبه منها بأن تكون في غيرهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم بما:-

٨٢٧٤ - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وما كان الله ليطلعكم على الغيب"، وما كان الله ليطلع محمدًا على الغيب، ولكن الله اجتباه فجعله رسولا.

* *

وقال آخرون بما:-

٨٢٧٥ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان الله ليطلعكم على الغيب"، أي: فيما يريد أن يبتليكم به، لتحذروا ما يدخل عليكم فيه="ولكنّ الله يجتبي من رسله من يشاء"، يعلمه. [[الأثر: ٨٢٧٥ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٧٠، وكان في المطبوعة: "بعلمه" بالباء في أوله، والصواب من سيرة ابن هشام، ونصه: "أي: يعلمه ذلك"، أما المخطوطة، فالكلمة فيها غير منقوطة.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بتأويله: وما كان الله ليطلعكم على ضمائر قلوب عباده، فتعرفوا المؤمن منهم من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والابتلاء= كما ميز بينهم بالبأساء يوم أحد= وجهاد عدوه، وما أشبه ذلك من صنوف المحن، حتى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالى ذكره يجتبي من رسله من يشاء فيصطفيه، فيطلعه على بعض ما في ضمائر بعضهم، بوحيه ذلك إليه ورسالته، كما:-

٨٢٧٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء"، قال: يخلصهم لنفسه.

* *

وإنما قلنا هذا التأويل أولى بتأويل الآية، لأنّ ابتداءها خبرٌ من الله تعالى ذكره أنه غير تارك عباده [[في المطبوعة والمخطوطة"وابتداؤها خبر من الله"، وهو سياق لا يستقيم، والظاهر أن ناسخ المخطوطة لما نسخ، أشكل على بصره، "الآية" ثم"لأن" بعقبها. فأسقط"لأن"، وكتب"وابتداؤها"، ورسم الكلمة في المخطوطة"وابتداها"، فلذلك رجحت ما أثبته، وإن كان ضبط السياق وحده كافيًا في الترجيح.]] -يعني بغير محن- حتى يفرق بالابتلاء بين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفاقهم. ثم عقب ذلك بقوله:"وما كان الله ليطلعكم على الغيب"، فكان فيما افتتح به من صفة إظهار الله نفاق المنافق وكفر الكافر، دلالةٌ واضحةٌ على أن الذي ولي ذلك هو الخبر عن أنه لم يكن ليطلعهم على ما يخفى عنهم من باطن سرائرهم، إلا بالذي ذكر أنه مميِّزٌ به نعتَهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلمه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: [[في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه بقوله"، وإقحام"بذلك" مفسدة وهجنة في الكلام، فأسقطتها، وهي سبق قلم من الناسخ.]] "وإن تؤمنوا"، وإن تصدِّقوا من اجتبيته من رُسلي بعلمي وأطلعته على المنافقين منكم="وتتقوا" ربكم بطاعته فيما أمركم به نبيكم محمد ﷺ وفيما نهاكم عنه="فلكم أجر عظيم"، يقول: فلكم بذلك من إيمانكم واتقائكم ربكم، ثوابٌ عظيم، كما:-

٨٢٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا"، أي: ترجعوا وتتوبوا="فلكم أجر عظيم". [[الأثر: ٨٢٧٧ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٧٥.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:

فقرأه جماعة من أهل الحجاز والعراق: ﴿" وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُون "﴾ بالتاء من"تحسبن".

* *

وقرأته جماعة أخر: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء. [[في المطبوعة والمخطوطة في ذكر هاتين القراءتين، كتب القراءة الأولى"ولا يحسبن" بالياء، والقراءة الثانية"ولا تحسبن" بالتاء. وهو خطأ بين جدًا، لأنه عقب على هذه القراءة الأخيرة بقوله: "ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك"، واختلافهم كما ترى في قراءة"الياء" لا"التاء"، فمن أجل ذلك صححت مكان القراءتين، كما أثبتها، وهو الصواب المحض إن شاء الله.]]

* *

ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك.

فقال بعض نحويي الكوفة: [[هو الفراء.]] معنى ذلك: لا يحسبن الباخلون البخلَ هو خيرًا لهم= فاكتفى بذكر"يبخلون" من"البخل"، كما تقول:"قدم فلان فسررت به"، وأنت تريد: فسررت بقدومه. و"هو"، عمادٌ. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٠٤، ٢٤٨، ٢٤٩، وهو نص كلامه، و"العماد" عند الكوفيين، هو ضمير الفصل عند البصريين، ويسمى أيضا"دعامة" و"صفة"، انظر ما سلف ٢: ٣١٢، تعليق ٢ / ثم ص٣١٣ / ثم ص: ٣٧٤.]]

* *

وقال بعض نحويي أهل البصرة: إنما أراد بقوله:"ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم" [[في المطبوعة: "ولا تحسبن" بالتاء، والصواب بالياء كما أثبتها. وانظر التعليق السالف. وهي في المخطوطة غير منقوطة.]] ="لا يحسبن البخل هو خيرًا لهم"، [[وكان في المطبوعة أيضا: "ولا تحسبن البخل"، بالتاء، والصواب بالياء، وانظر التعليق السالف.]] فألقى الاسم الذي أوقع عليه"الحسبان" به، هو البخل، لأنه قد ذكر"الحسبان" وذكر ما آتاهم الله من فضله"، فأضمرهما إذ ذكرهما. [[هكذا جاءت هذه الجملة من أولها، وهي مضطربة أشد الاضطراب، وكان في المطبوعة: "به وهو البخل" بزياد واو، ولكني أثبت ما في المخطوطة كما هو على اضطراب الكلام. وقد جهدت أن أجد إشارة في كتب التفسير وإعراب القرآن، إلى هذا الذي قاله البصري فيما رواه أبو جعفر، فلم أجد شيئًا، وأرجح أن الناسخ قد أسقط من الكلام سطرًا أو بعضه، وأرجح أن سياق الجملة من أولها، كان هكذا:

"وقال بعض نحوِّيى أهل البصرة: إِنّما أراد بقوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الذين يبخَلُونَ بما آتاهُمُ الله من فَضْله هو خيرًا لهم بل هو شَرٌّ لهم) =: ولا يحسبَنَّ الذين يبخلونَ بما آتاهم الله من فضله، لا يَحْسَبُنَّ البُخْلَ هو خيرًا لهم= فألقى"الحسبان" الثاني، وألقى الاسمَ الذي أوقعَ عليه"الحسبان". وما وقع"الحسبان" به هو البخل= لأنه قد ذكر"الحسبان"، وذكر"ما آتاهم الله من فضله"، فأضمرهما إذ ذكرهما".

ويكون القائل هذا من أهل البصرة، قد عنى أن هذه الآية شبيهة بأختها الآتية في سورة آل عمران: ١٨٨ (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمفَازَةِ مِنَ العَذَابِ)

إذ كرر"لا تحسبن" تأكيدًا لما طال الكلام، وهو صحيح كلام العرب وصريحه. فكذلك هو في هذه الآية، على ما أرجح أن البصري قال، كرر"الحسبان"، ولكنه حذف"الحسبان" الذي كرره، وأبقى الأول الذي ألجأ إلى التكرار والتوكيد.

ويعني بقوله: "أضمرهما"، "الحسبان" الثاني في تأويله، و"البخل"، ولم أجد وجهًا يستقيم به الكلام غير هذا الوجه، فإن أصبت فبحمد الله وتوفيقه، وإن أخطأت، فأسأل الله المغفرة بفضله.]] قال: وقد جاء من الحذف ما هو أشد من هذا، قال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ولم يقل:"ومن أنفق من بعد الفتح"، لأنه لما قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ﴾ [سورة الحديد: ١٠] ، كان فيه دليل على أنه قد عناهم.

* *

وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة: إنّ"مَنْ" في قوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ في معنى جمع. ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتح؟ فالأول مكتفٍ. وقال: في قوله:"لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم" محذوف، غير أنه لم يُحذف إلا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف، لأن"هو" عائد البخل، و"خيرا لهم" عائد الأسماء، فقد دل هذان العائدان على أن قبلهما اسمين، واكتفى بقوله:"يبخلون" من"البخل".

* *

قال: وهذا إذا قرئ بـ"التاء"، فـ"البخل" قبل"الذين"، وإذا قرئ بـ"الياء"، فـ"البخل" بعد"الذين"، وقد اكتفى بـ"الذين يبخلون"، من البخل، كما قال الشاعر: [[لم يعرف قائله.]]

إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ ... وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلى خِلافِ [[معاني القرآن للفراء ١: ١٠٤، ٢٤٩، أمالي الشجري ١: ٦٨، ١١٣، ٣٠٥ / ٢: ١٣٢، ٢٠٩، والإنصاف: ٦٣، والخزانة ٢: ٣٨٣، وسائر كتب النحاة.]]

كأنه قال: جرى إلى السفه، فاكتفى عن"السفه" بـ"السفيه"، كذلك اكتفى بـ"الذين يبخلون"، من"البخل".

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ﴿" وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ "﴾ بالتاء، بتأويل: ولا تحسبن، أنت يا محمد، بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم= ثم ترك ذكر"البخل"، إذ كان في قوله:"هو خيرًا لهم" دلالة على أنه مراد في الكلام، إذ كان قد تقدمه قوله:"الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله".

وإنما قلنا: قراءة ذلك بالتاء أولى بالصواب من قراءته بالياء، لأن"المحسبة" من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرئ قوله:"ولا يحسبن الذين يبخلون" بالياء: لم يكن للمحسبة اسم يكون قوله:"هو خيرًا لهم" خبرًا عنه. وإذا قرئ ذلك بالتاء، كان قوله:"الذين يبخلون" اسمًا له قد أدّى عن معنى"البخل" الذي هو اسم المحسبة المتروك، وكان قوله:"هو خيرًا لهم" خبرًا لها، فكان جاريًا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بـ"التاء" في ذلك على ما بيناه، وإن كانت القراءة بـ"الياء" غير خطأ، ولكنه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.

* *

قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية الذي هو تأويلها على ما اخترنا من القراءة في ذلك: ولا تحسبن، يا محمد، بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال، فلا يخرجون منه حق الله الذي فرضه عليهم فيه من الزكوات، هو خيرًا لهم عند الله يوم القيامة، بل هو شر لهم عنده في الآخرة، كما:-

٨٢٧٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم"، هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخلوا أن ينفقوها في سبيل الله، ولم يؤدُّوا زكاتها.

* *

وقال آخرون: بل عنى بذلك اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما أنزل الله في التوراة من أمر محمد ﷺ ونعته.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٧٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله" إلى"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، يعني بذلك أهل الكتاب، أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس.

٨٢٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله"، قال: هم يهود، إلى قوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٤] . [[تركت الآية في هذه الآثار على قراءة أبي جعفر"ولا تحسبن" بالتاء، وقراءة مصحفنا اليوم"ولا يحسبن" بالياء.]]

* *

وأولى التأويلين بتأويل هذه الآية، التأويل الأوَل، وهو أنه معني بـ"البخل" في هذا الموضع، منع الزكاة، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه تأوَّل قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: البخيل الذي منع حق الله منه، أنه يصير ثعبانًا في عنقه= ولقول الله عقيب هذه الآية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ، فوصف جل ثناؤه قول المشركين من اليهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بالزكاة أن الله فقيرٌ.

القول في تأويل قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"سيطوَّقون"، سيجعل الله ما بخل به المانعون الزكاةَ، طوقًا في أعناقهم كهيئة الأطواق المعروفة، كالذي:-

٨٢٨١ - حدثني الحسن بن قزعة قال، حدثنا مسلمة بن علقمة قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي مالك العبدي قال: ما من عبد يأتيه ذُو رَحمٍ له، يسأله من فضلٍ عنده فيبخل عليه، إلا أخرِج له الذي بَخِل به عليه شجاعًا أقْرَع. [["الشجاع": الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات خبيث مارد. و"أقرع" صفة من صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.]] قال: وقرأ:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة" إلى آخر الآية. [[الحديث: ٨٢٨١ - الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي، شيخ الطبري: ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٣٤.

و"قزعة": بفتح القاف والزاي، وقيل: بسكون الزاي. انظر المشتبه، ص٤٢٥. واقتصر الحافظ في تحريره على الفتح.

مسلمة - بفتح الميم - بن علقمة المازني: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. وضعفه أحمد. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٣٨٨، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٣٦٧ - ٣٦٨. ولم يذكر فيه البخاري جرحًا. فهو ثقة عنده.

داود: هو ابن أبي هند.

أبو قزعة: هو سويد بن حجير - بالتصغير فيهما - بن بيان، الباهلي البصري. وهو تابعي ثقة، وثقه أحمد، وابن المديني، وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٤٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٣٥- ٢٣٦.

وسها الحافظ في الإصابة ١: ٣٣١، في ترجمة أبيه، فذكر أنه"ذهلي"، والمصادر كلها على أنه"باهلي".

وسيأتي في: ٨٢٨٣"عن أبي قزعة حجر بن بيان"؛ وهو خطأ صرف، كما سنبينه هناك، إن شاء الله.

أبو مالك العبدي: لا ندري من هو؟ ولا ندري: أهو صحابي أم تابعي؟ فما علمت أحدًا ترجمه، إلا الحافظ في الإصابة ٧: ١٦٩، بنى ترجمته على هذا الحديث عند الطبري وحده:

فأشار إلى هذه الرواية، وإلى الرواية التالية"عن أبي قزعة، عن رجل"، وذكر أن الثعلبى رواها: "عن رجل من قيس". وإلى الرواية الثالثة: "عن أبي قزعة، مرسلا". ثم قال: "وأبو قزعة: تابعي بصري مشهور، لكنه كان يرسل عن الصحابة. فهو على الاحتمال".

يعني الحافظ: أنه من المحتمل أن يكون"أبو مالك العبدي" هذا صحابيًا، لأن أبا قزعة يروي عن الصحابة ويرسل الرواية عنهم! وما بمثل هذا تثبت الصحبة، ولا بمثله يثبت وجود الشخص والصفة معًا!! خصوصًا وأنه في الرواية التالية"عن رجل" - لم يزعم أنه من الصحابة، ولم يقل ما يشير لذلك.

فلا يزال - بعد هذا - الحديث ضعيفًا، لأنه لم يعرف أن راويه عن رسول الله صحابي.

وقد أشار ابن كثير ٢: ٣٠٧ إلى هذه الروايات الثلاث عند الطبري، ولم ينسبها لغيره.

ولا نعلم أحدًا رواها غير الطبري، إلا إشارة الحافظ في الإصابة لرواية الثعلبي.]]

٨٢٨٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبى قزعة، عن رجل، عن النبي ﷺ قال: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إلا أخرج له من جهنم شُجاع يتلمَّظ حتى يطوِّقه". [[الحديث: ٨٢٨٢ - عبد الأعلى: هو ابن عبد الأعلى، القرشي السامي، من بني"سامة ابن لؤي". وهو ثقة، أخرج له الجماعة كلهم. والحديث مكرر ما قبله.

"تلمظت الحية"، إذا أخرجت لسانها كتلمظ الآكل، وهو تحريك للسان في الفم، والتمطق بالشفتين.]]

٨٢٨٣ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم قال، حدثنا داود، عن أبي قزعة حجر بن بيان قال: قال رسول الله ﷺ: ما من ذي رحم يأتي ذا رحمِه فيسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عليه، إلا أخرج له يوم القيامة شجاع من النار يتلمظ حتى يطوِّقه". ثم قرأ:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله" حتى انتهى إلى قوله:"سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة". [[الحديث: ٨٢٨٣ - هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة: "عن أبي قزعة حجر بن بيان"؛ وهو خطأ من وجهين:

فأولا: "حجر"، صوابه"حجير" بالتصغير، وقد وقع هذا الخطأ في الإصابة أيضا، في ترجمة"أبي مالك العبدي": "عن أبي قزعة سويد بن حجر". وهو خطأ ناسخ أو طابع، لا شك في ذلك لأن الحافظ ترجم لأبي قزعة في التهذيب وغيره على الصواب"سويد بن حجير".

وثانيا: سقط هنا بين الكنية والاسم كلمة"بن". لأن"حجير بن بيان" - هو والد أبي قزعة، وليس اسمه.

وأبوه"حجير بن بيان": مذكور في الصحابة. مترجم في الاستيعاب، رقم: ٥٤٣، وأسد الغابة ١: ٣٨٧؛ والإصابة ١: ٣٣٠ - ٣٣١، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٩٠. وهو عندهم جميعًا بالتصغير نصا.

وسها الحافظ ابن كثير، ولم يراجع المصادر! فاغتر بهذه الرواية المغلوطة من وجهين - فذكر في هذه الروايات: "عن أبي قزعة، واسمه حجر بن بيان"!! فزاد على الخطأ الذي في أصول الطبري بحذف"بن" - فصرح بأن هذا اسم أبي قزعة! وما كان ذلك في رواية ولا قول قط.

والسيوطي تبع الحافظ ابن كثير، ثم زاد خطأ على خطأ، فذكر الحديث ٢: ١٠٥، ونسبه لابن أبي شيبة في مسنده، وابن جرير"عن حجر بن بيان"!!]]

٨٢٨٤ - حدثني زياد بن عبيد الله المرّي قال، حدثنا مروان بن معاوية= وحدثني عبد الله بن عبد الله الكلابي قال، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبيدة الحداد، واللفظ ليعقوب= جميعًا، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه. عن جده قال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده، فيمنعه إياه، إلا دُعِيَ له يوم القيامة شجاعٌ يتلمَّظ فضله الذي منع. [[الحديث: ٨٢٨٤ - هذا الحديث رواه الطبري عن ثلاثة شيوخ: زياد بن عبيد الله المرى، وعبد الله بن عبد الله الكلابي - وهذان لم أعرفهما، ولم أجد لواحد منهما ترجمة ولا ذكرًا في غير هذا الموضع. ثم إن في المطبوعة بدل"عبد الله بن عبد الله الكلابي": "محمد بن عبد الله"! وهو أشد جهالة من ذاك.

وفي لسان الميزان ٢: ٤٩٥، ترجمة: "زياد بن عبد الله بن خزاعى، عن مروان بن معاوية. قال ابن حبان في الثقات: حدثنا عنه شيوخنا، ربما أغرب".

فمن المحتمل أن يكون هذا الشيخ هو شيخ الطبري"زياد بن عبيد الله الكلابي"، وأن يكون"عبيد الله" محرفًا في طبعة اللسان إلى"عبد الله".

والشيخ الثالث: يعقوب بن إبراهيم، وهو الدورقي الحافظ، مضى مرارًا، آخرها: ٣٧٢٦.

وأسانيده صحاح، على الرغم من جهالة شيخي الطبري الأولين، اكتفاء برواية الحافظ الدورقي. ولأن الحديث ثابت عن شيوخ آخرين عن بهز بن حكيم، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.

وقد بينا فيما مضى رقم: ٨٧٣ صحة إسناد بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

والحديث رواه أحمد في المسند، عن عبد الرزاق عن معمر، وعن يزيد - وهو ابن هارون، وعن يحيى بن سعيد: ثلاثتهم عن بهز بن حكيم، بهذا الإسناد.

ورواه النسائي ١: ٣٥٨، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عن بهز.

ومن عجب أنه -وهو في المسند وسنن النسائي- لا ينسبه الحافظ ابن كثير ٢: ٣٠٧، إلا لابن جرير وابن مردويه!

وذكره السيوطي ٢: ١٠٥، وزاد نسبته لأبي داود، والترمذي وحسنه، والبيهقي في الشعب.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ٣٣، ونسبه لأبي داود، والترمذي، والنسائي.]]

٨٢٨٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: ثعبان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخلت به! [[الحديث: ٨٢٨٥ - عبد الرحمن: هو ابن مهدي. وسفيان: هو الثوري. وأبو إسحاق: هو السبيعي.

وهذا الحديث لفظه هنا موقوف على ابن مسعود. وهو في معناه مرفوع. وهو أيضًا مختصر اللفظ.

وقد رواه الطبري هكذا، مختصرًا موقوفًا، بأسانيد: ٨٢٨٥ - ٨٢٨٨، ٨٢٩٢. ثم رواه أثناء ذلك: ٨٢٨٩، مرفوعًا بلفظ أطول.

ورواه أيضًا الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٨- ٢٩٩، من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، ومن طريق الثوري، عن أبي إسحاق - موقوفًا، بنحوه. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وقد تساهل الحافظ ابن كثير ٢: ٣٠٦ فأشار إلى رواية الحاكم هذه، عقب رواية الحديث المرفوع من مسند أحمد - بصيغة توهم أن رواية الحاكم مثل رواية المسند مرفوعة.

ثم زاد القارئ لبسًا، إذ قال عقب ذلك: "ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود - موقوفًا"! فهذا السياق عقب ذكر رواية الحاكم، يوقع في وهم الناظر أنها مرفوعة!! وليست كذلك.]] .

٨٢٨٦ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، سمعت أبا وائل يحدّث: أنه سمع عبد الله قال في هذه الآية:"سيطوقون ما بخلوا له يوم القيامة"، قال: شجاع يلتوي برأس أحدهم.

٨٢٨٧ - حدثني ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة قال، حدثنا خلاد بن أسلم قال، أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن عبد الله بمثله - إلا أنهما قالا قال: شجاع أسود.

٨٢٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: يجيء ماله يوم القيامة ثعبانًا، فينقر رأسه فيقول: أنا مالك الذي بخلت به! فينطوي على عنقه.

٨٢٨٩ - حدثت عن سفيان بن عيينة قال، حدثنا جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثَل له شجاع أقرع يطوقه. [["مثل له": انتصب له ماثلا، قائمًا.]] ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ:"ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم" الآية. [[الحديث: ٨٢٨٩ - هكذا أبهم الطبري شيخه في هذا الإسناد. ولكن الحديث ثابت برواية الثقات عن ابن عيينة، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.

جامع بن أبي راشد الكاهلي الصيرفي: ثقة، وثقه أحمد وغيره، وأخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٢٤٠، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٥٣٠.

ووقع هنا في نسخ الطبري: "جامع بن شداد". وهو خطأ، فليس لجامع بن شداد في هذا الحديث رواية، فيما أعلم - كما يتبين من التخريج.

ثم إن جامع بن شداد قديم الوفاة، لم يدركه ابن عيينة ولا روى عنه. لأنه ولد سنة ١٠٧، وابن شداد مات سنة ١٠٧ وقيل سنة ١٠٨. وأما ما وقع في ترجمته في التهذيب ٢: ٥٦، في الأقوال في سني وفاته، بين: ١٢٨، ١١٨، ١٢٧، فإنه غلط، بعضه من الحافظ المزي في التهذيب الكبير، وبعضه من نسخ تهذيب التهذيب. وقد ثبتت هذه الأرقام على الصواب بالكتابة بالحروف في الكبير للبخاري ١ / ٢ / ٢٣٩- ٢٤٠، والصغير، ص: ١٣٢؛ وابن سعد ٦: ٢٢٢، ٢٢٦.

عبد الملك بن أعين الكوفي: تابعي ثقة. وقد تكلم فيه بأنه شيعي، ولكن لم يدفعه أحد عن الصدق. وأخرج له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٣٤٣. وذكره البخاري في الضعفاء، ص: ٢٢٢، فقال: "عبد الملك بن أعين، وكان شيعيًا. روى عنه ابن عيينة وإسماعيل ابن سميع. يحتمل في الحديث". فلم يجرحه في صدقه وروايته، ولذلك أدخله في صحيحه.

والحديث رواه أحمد في المسند: ٣٥٧٧، عن سفيان، وهو ابن عيينة، عن جامع، وهو ابن أبي راشد، عن أبي وائل، به، نحوه، مرفوعًا.

وكذلك رواه الترمذي ٤: ٨٥، وابن ماجه: ١٧٨٤، كلاهما عن ابن أبي عمر. والنسائي١: ٣٣٣ - ٣٣٤، عن مجاهد بن موسى - كلاهما عن سفيان بن عيينة، به. ولكن زاد الترمذي وابن ماجه في روايتهما: أنه عن جامع بن أبي راشد وعبد الملك بن أعين - كرواية الطبري هنا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".

وذكره ابن كثير ٢: ٣٠٦، من رواية المسند، ثم ذكر أنه رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

وذكره السيوطي ٢: ١٠٥، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن خزيمة، وابن المنذر.]]

٨٢٩٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا"سيطوقون ما بخلوا به"، فإنه يُجعل ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع يطوِّقه، فيأخذ بعنقه، فيتبعه حتى يقذفه في النار.

٨٢٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي وائل قال: هو الرجل الذي يرزقه الله مالا فيمنع قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجْعل حية فيطوَّقها، فيقول: ما لي ولك! فيقول: أنا مالك!

٨٢٩٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن قوله:"سيطوَّقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: يطوقون شجاعًا أقرع ينهش رأسه. [[الحديث: ٨٢٩٢ - أبو غسان: هو مالك بن إسماعيل بن درهم النهدي الحافظ. مضت ترجمته في: ٢٩٨٩.

إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.

حكيم بن جبير الأسدي: ضعيف، بينا ضعفه في شرح المسند: ٣٦٧٥. وهو مترجم في التهذيب والكبير للبخاري ٢ / ١ / ١٦، والصغير، ص: ١٥٠، ١٥٢؛ والضعفاء له ص: ١٠، وللنسائي ص: ٩، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٠١- ٢٠٢. وهذا اللفظ موقوف على ابن مسعود. وضعف إسناده لا يضر، فقد مضى موقوفًا بأسانيد صحاح: ٨٢٨٥ - ٨٢٨٨، ومرفوعًا: ٨٢٨٩.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، فيجعل في أعناقهم طوقًا من نار.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٩٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: طوقًا من النار.

٨٢٩٤ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية:"سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: طوقًا من نار.

٨٢٩٥ - حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم في قوله:"سيطوقون"، قال: طوقًا من نار.

٨٢٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: طوقًا من نار. [[في المطبوعة: "طوق"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: سيحمل الذين كتموا نبوَّة محمد ﷺ من أحبار اليهود، ما كتموا من ذلك.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٩٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه عن ابن عباس قوله:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، ألم تسمع أنه قال: ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [سورة النساء: ٣٧\ سورة الحديد: ٢٤] ، [[وإنما عنى آية سورة النساء، لأن تمامها"ويكتمون ما آتاهم الله من فضله".]] يعني أهل الكتاب: يقول: يكتمون، ويأمرون الناس بالكتمان.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: سيكلَّفون يوم القيامة أن يأتوا بما بَخِلوا به في الدنيا من أموالهم.

ذكر من قال ذلك:

٨٢٩٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، قال: سيكلَّفون أن يأتوا بما بخلوا به، إلى قوله:"والكتاب المنير".

٨٢٩٩ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد"سيطوقون"، سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية، التأويل الذي قلناه في ذلك في مبدإ قوله:"سيطوقون ما بخلوا به"، للأخبار التي ذكرنا في ذلك عن رسول الله ﷺ، ولا أحدَ أعلم بما عَنى الله تبارك وتعالى بتنزيله، منه عليه السلام.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه الحي الذي لا يموت، والباقي بعد فَناء جميع خلقه.

* *

فإن قال قائل: فما معنى قوله:"له ميراث السموات والأرض"، و"الميراث" المعروف، هو ما انتقل من ملك مالك إلى وارثه بموته، ولله الدنيا قبل فناء خلقه وبعده؟

قيل: إن معنى ذلك ما وصفنا، من وصفه نفسه بالبقاء، وإعلام خلقه أنه كتِب عليهم الفناء. وذلك أنّ ملك المالك إنما يصير ميراثًا بعد وفاته، فإنما قال جل ثناؤه:"ولله ميراث السموات والأرض"، إعلامًا بذلك منه عبادَه أن أملاك جميع خلقه منتقلة عنهم بموتهم، وأنه لا أحد إلا وهو فانٍ سواه، فإنه الذي إذا أهلك جميع خلقه فزالت أملاكهم عنهم، لم يبق أحدٌ يكون له ما كانوا يملكونه غيره.

وإنما معنى الآية:"لا تحسبن الذي يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة"، بعد ما يهلكون وتزولُ عنهم أملاكهم، في الحين الذي لا يملكون شيئًا، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه.

ثم أخبر تعالى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلا منهم على قدر استحقاقه، المحسنَ بالإحسان، والمسيء على ما يرى تعالى ذكره.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com