Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Aal-i-Imraan
Tafsir al-Tabari · The Family of Imraan · 200 ayat · ayat 121–150 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين"، وإن تصبروا وتتقوا لا يضرُّكم، أيها المؤمنون، كيد هؤلاء الكفار من اليهود شيئًا، ولكن الله ينصرُكم عليهم إن صبرتم على طاعتي واتباع أمر رسولي، كما نصرتكم ببدر وأنتم أذلة. وإن أنتم خالفتم، أيها المؤمنون، أمري ولم تصبروا على ما كلفتكم من فرائضي، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه وخالفتم أمري وأمر رسولي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم بأحُد، واذكروا ذلك اليوم، إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين.
=فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه، اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم إن صبروا على أمره واتقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حلّ بهم من البلاء بأحُد، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله ﷺ وتنازعوا الرأي بينهم.
=وأخرج الخطاب في قوله:"وإذ غدوت من أهلك"، على وجه الخطاب لرسول الله ﷺ، والمراد بمعناه: الذين نهاهم أن يتخذوا الكفار من اليهود بطانة من دون المؤمنين. فقد بيَّن إذًا أن قوله:"وإذ"، إنما جرَّها في معنى الكلام على ما قد بينت وأوضحت.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في اليوم الذي عنى الله عز وجل بقوله:"وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال".
فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحُد.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٠٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال"، قال: مشى النبي ﷺ يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين.
٧٧٠٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال"، ذلك يوم أحد، غدا نبيُّ الله ﷺ من أهله إلى أحُد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال.
٧٧١٠- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال"، فغدا النبي ﷺ من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال.
٧٧١١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال"، فهو يوم أحد.
٧٧١٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين"، قال: هذا يوم أحد.
٧٧١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: مما نزل في يوم أحد:"وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين". [[الأثر: ٧٧١٣- مختصر من سيرة ابن هشام ٣: ١١٢.]]
* *
وقال آخرون: عنى بذلك يوم الأحزاب.
ذكر من قال ذلك:
٧٧١٤- حدثني محمد بن سنان القزاز قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"وإذ غدوتَ من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال"، قال: يعني محمدًا ﷺ، غدا يبوئ المؤمنين مقاعدَ للقتال يوم الأحزاب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بالصواب قول من قال:"عنى بذلك يوم أحد". لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ ، ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عُنى بالطائفتين: بنو سلمة وبنو حارثة، [[بنو سلمة (بفتح السين وكسر اللام) ، وليس في العرب"سلمة" بكسر اللام غيرها، وسائرها بفتح اللام. وهم بنو سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.]] ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله ﷺ، أنّ الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد، دون يوم الأحزاب.
* *
فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد، ورسول الله ﷺ إنما رَاح إلى أحُد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الجمعة في أهله بالمدينة بالناس، كالذي حدثكم:-
٧٧١٥- ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا: أن رسول الله ﷺ راح حين صلَّى الجمعة إلى أحُد، دخل فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله ﷺ، ثم خرج عليهم وقال:"ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل"؟. [[الأثر: ٧٧١٥- إسناده في سيرة ابن هشام ٣: ٦٤، ثم اختصر أبو جعفر خبر ابن إسحاق الذي رواه ابن هشام في السيرة ٣: ٦٧، ٦٨. واللأمة: هي الدرع الحصينة، وسائر أداة الحرب من السلاح كالسيف والرمح. هذا وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ما ينبغي للنبي ﷺ". وهذا غير جيد، وكأنه عجلة من الناسخ، وأثبت نص ابن هشام.]]
* *
قيل: إن النبي ﷺ وإن كان خروجه للقوم كان رَواحًا، [[الرواح: هو وقت العشى آخر النهار.]] فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدَهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوّه. وذلك أنّ المشركين نزلوا منزلهم من أحُد -فيما بلغنا- يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويومَ الخميس ويومَ الجمعة، حتى راح رسول الله ﷺ إليهم يوم الجمعة، بعد ما صَلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشِّعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال.
٧٧١٦- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. [[الأثر: ٧٧١٦- جمعه أبو جعفر من مواضع متفرقة من خبر ابن إسحاق في يوم أحد.]]
* *
فإن قال: وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعدَ للقتال غُدُوًّا قبل خروجه، وقد علمت أن"التبوئة"، اتخاذ الموضع.
قيل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضة عدوه، عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم، بيوم أو يومين، وذلك أن رسول الله ﷺ لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحُدًا قال = فيما:-
٧٧١٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي = لأصحابه: أشيروا عليَّ ما أصنع؟ " فقالوا: يا رسول الله، اخرج إلى هذه الأكلُب! فقالت الأنصار: يا رسول الله، ما غلبنا عدوٌّ لنا أتانا في ديارنا، فكيف وأنت فينا!! فدعا رسول الله ﷺ عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره، فقال: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هذه الأكلب! وكان رسول الله ﷺ يُعجبه أن يدخلوا عليه المدينة فيقاتلوا في الأزقة، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة، فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة! فقال له: بم؟ قال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأني لا أفرُّ من الزحف! قال:"صدقت. فقُتل يومئذ. ثم إن رسول الله ﷺ دعا بدرعه فلبسها، فلما رأوه وقد لبس السلاح، ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه!! فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال رسول الله ﷺ: لا ينبغي لنبيّ أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. [[الأثر: ٧٧١٧- هو في تاريخ الطبري ٣: ١١، ١٢.]]
٧٧١٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني ابن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، قالوا: لما سمع رسول الله ﷺ والمسلمون بالمشركين قد نزلوا منزلهم من أحد، قال رسول الله ﷺ:"إنّي قد رأيتُ بقرًا فأوّلتها خيرًا، ورأيت في ذباب سيفي ثَلْمًا، [[ذباب السيف: طرفه المتطرف الذي يضرب به. والثلم: هو الكسر في حرفه.]] ورأيت أنّي أدخلت يدي في درع حصينة، فأوّلتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان رأيُ عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله ﷺ، يرى رأي رسول الله ﷺ في ذلك: أن لا يخرج إليهم. وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد، وغيرهم ممن كان فاته بدر وحضروه: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبُنَّا عنهم وضعُفنا! فقال عبد الله بن أبى ابن سلول: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا قط إلا أصبنا منه، فدعْهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رَجعوا خائبين كما جاؤوا. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ، الذين كان من أمرهم حُبُّ لقاء القوم، حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته. [[الأثر: ٧٧١٨- سيرة ابن هشام ٣: ٦٦، ٦٧، وهو السابق مباشرة للأثر السالف رقم: ٧٧٥١، وهو من تمامه.]] .
* *
فكانت تبوئة رسول الله ﷺ المؤمنين مقاعدَ للقتال، ما ذكرنا من مشورته على أصحابه بالرأي الذي ذكرنا، على ما وصفه الذين حكينا قولهم.
* *
يقال منه:"بوَّأت القوم منزلا وبوّأته لهم، فأنا أبوِّئهم المنزل تبوئة، وأبوئ لهم منزلا تبوئة".
وقد ذكر أن في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِِ﴾ ، وذلك جائز، كما يقال:"رَدِفَك ورَدِفَ لك"، و"نقدت لها صَداقها ونقدتها"، كما قال الشاعر:
أَسْتغِفرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبَادِ إِلَيْهِ الوَجْهُ وَالعَمَلُ [[مضى تخريجه فيما سلف ١: ١٦٩، وهو في معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٣.]]
والكلام: أستغفر الله لذنب. [[هذه الفقرة من معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٣.]] وقد حكي عن العرب سماعًا:"أبأت القوم منزلا فأنا أبيئهم إباءة"، ويقال منه:"أبأت الإبل". إذا رددتها إلى المباءة. و"المباءة"، المُرَاح الذي تبيت فيه.
* *
"والمقاعد" جمع"مقعد"، وهو المجلس.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: واذكر إذ غدوت، يا محمد، من أهلك تتخذ للمؤمنين معسكرًا وموضعًا لقتال عدوهم.
* *
وقوله:"والله سميع عليم"، يعني بذلك تعالى ذكره:"والله سميع"، لما يقول المؤمنون لك فيما شاورتهم فيه، من موضع لقائك ولقائهم عدوّك وعدوّهم، من قول من قال:"اخرج بنا إليهم حتى نلقاهم خارج المدينة"، وقول من قال لك:"لا تخرج إليهم وأقم بالمدينة حتى يدخلوها علينا"، على ما قد بينا قبل - ولما تشير به عليهم أنت يا محمد = [[في المخطوطة والمطبوعة: " ومما تشير به. . ."، والصواب الذي يقتضيه السياق، هو ما أثبت.]] "عليم" بأصلح تلك الآراء لك ولهم، وبما تخفيه صدور المشيرين عليك بالخروج إلى عدوك، وصدور المشيرين عليك بالمقام في المدينة، وغير ذلك من أمرك وأمورهم، كما:-
٧٧١٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله:"والله سميع عليم"، أي: سميع لما يقولون، عليم بما يخفون. [[الأثر: ٧٧١٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٧١٣.]]
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله سميع عليم، حين همت طائفتان منكم أن تفشلا.
والطائفتان اللتان همتا بالفشل، ذكر لنا أنهم بنو سَلِمة وبنو حارثة. [[انظر ضبط"سلمة" ص: ١٦١ تعليق: ١.]]
ذكر من قال ذلك:
٧٧٢٠- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، قال: بنو حارثة، كانوا نحو أحُد، وبنو سلِمة نحو سَلْع، وذلك يوم الخندق.
* *
قال أبو جعفر: وقد دللنا على أن ذلك كان يوم أحد فيما مضى، بما فيه الكفاية عن إعادته. [[انظر ما سلف ص: ١٦١ وما قبلها.]]
* *
٧٧٢١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، الآية، وذلك يوم أحد، والطائفتان: بنو سلِمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، همُّوا بأمر فعصمهم الله من ذلك = قال قتادة: وقد ذكر لنا أنه لما أنزلت هذه الآية قالوا: ما يسرُّنا أنَّا لم نَهُمَّ بالذي هممنا به، وقد أخبرنا الله أنه ولينا.
٧٧٢٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"إذ همت طائفتان منكم" الآية، وذلك يوم أحد، فالطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار. فذكر مثل قول قتادة.
٧٧٢٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أحد في ألف رجل، وقد وعدهم الفتحَ إن صبروا. فلما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعنَّ معنا = وقال [الله عز وجل] :"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، وهم بنو سلمة وبنو حارثة = هموا بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي، فعصمهم الله، وبقى رسول الله ﷺ في سبعمئة. [[الأثر: ٧٧٢٣- في تاريخ الطبري ٣: ١٢، وهو تمام الأثر السالف رقم: ٧١٧٧، والزيادة بين القوسين من التاريخ.]]
٧٧٢٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة: نزلت في بني سلِمة من الخزرج، وبني حارثة من الأوس، ورأسهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول.
٧٧٢٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، فهو بنو حارثة وبنو سلمة.
٧٧٢٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، والطائفتان: بنو سلمة من جشم بن الخزرج، وبنو حارثة من النبيت من الأوس، وهما الجناحان. [[الأثر: ٧٧٢٦- سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، وهو من تتمة الأثر السالف رقم: ٧٧٩١.]]
٧٧٢٧- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا" الآية، قال: هما طائفتان من الأنصار هَّما أن يفشلا فعصمهم الله، وهزَم عدوهم.
٧٧٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"،قال: هم بنو سلمة وبنو حارثة، وما نحبُّ أن لو لم نكن هممنا لقول الله عز وجلّ:"والله وليهما". [[الأثر: ٧٧٢٨- رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٧: ٢٧٥ / ٨: ١٦٩) من طريق علي بن عبد الله، عن سفيان بن عيينة، بغير هذا اللفظ. وكان في المطبوعة: "وما نحب أن لو لم تكن همتا"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ولكن الناشر لم يحسن قراءتها.]] .
٧٧٢٩- حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول، فذكر نحوه.
٧٧٣٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا"، قال: هذا يوم أحد.
* *
وأما قوله:"أن تفشلا"، فإنه يعني: همَّا أن يضعفا ويجبنا عن لقاء عدوّهما.
* *
=يقال منه:"فشل فلان عن لقاء عدوه ويفشل فشلا"، كما:-
٧٧٣١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"الفشل"، الجبن.
* *
قال أبو جعفر: وكان همُّهما الذي همَّا به من الفشل، الانصرافَ عن رسول الله ﷺ والمؤمنين حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي ابن سلول بمن معه، جبنًا منهم، من غير شك منهم في الإسلام ولا نفاق، فعصمهم الله مما هموا به من ذلك، ومضوا مع رسول الله ﷺ لوجهه الذي مضى له، وتركوا عبد الله بن أبي ابن سلول والمنافقين معه، فأثنى الله عز وجل عليهما بثبوتهما على الحق، وأخبر أنه وليُّهما وناصرهما على أعدائهما من الكفار، [[انظر تفسير"الولي" فيما سلف ٦: ٤٩٧ تعليق: ١. والمراجع هناك.]] كما:
٧٧٣٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله وليُهما"، أي: المدافع عنهما ما همَّتا به من فشلهما. [[في المطبوعة: "الدافع عنهما"، وأثبت ما في المخطوطة وسيرة ابن هشام. وفي المطبوعة والمخطوطة"ما هما به"، وهو صواب، ولكني أثبت نص ابن هشام، فهو أقوم على السياق، والتصحيف في مثل هذا قريب، ولست أظنه من أصل الطبري.]] وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما، من غير شك أصابهما في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائدته حتى سلمتا من وهنهما وضعفهما، ولحقتا بنبِّيهما ﷺ. يقول:"وعلى الله فليتوكل المؤمنون"، أي: من كان به ضعف من المؤمنين أو وهَن، فليتوكل عليّ، وليستعن بي أعنِه على أمره، وأدفع عنه، حتى أبلغ به وأقوّيه على نيته. [[الأثر: ٧٧٣٢- سيرة ابن هشام ٣: ١١٢، ١١٣، وهو من سياق الأثر السالف رقم: ٧٧٢٦.]]
* *
قال أبو جعفر: وذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ: ﴿" وَاللهُ وَليُّهُمْ "﴾ ، وإنما جاز أن يقرأ ذلك كذلك، لأن"الطائفتين" وإن كانتا في لفظ اثنين، فإنهما في معنى جماع، بمنزلة"الخصمين" و"الحزبين". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٣٣.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا، وينصركم ربكم، ="ولقد نصركم الله ببدر" على أعدائكم وأنتم يومئذ ="أذلة" يعني: قليلون، في غير منعة من الناس، حتى أظهركم الله على عدوكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، وأنتم اليوم أكثر عددًا منكم حينئذ، فإن تصبروا لأمر الله ينصركم كما نصركم ذلك اليوم، ="فاتقوا الله"، يقول تعالى ذكره: فاتقوا ربكم بطاعته واجتناب محارمه ="لعلكم تشكرون"، يقول: لتشكروه على ما منَّ به عليكم من النصر على أعدائكم وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحق الذي ضلّ عنه مخالفوكم، كما:-
٧٧٣٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة"، يقول: وأنتم أقل عددًا وأضعف قوة ="فاتقوا الله لعلكم تشكرون"، أي: فاتقون، فإنه شكر نعمتي. [[الأثر: ٧٧٣٣- سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، هو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧٧٣٢، وسياق أبي جعفر في روايته، أقوم من سياق ابن هشام.]]
* *
واختلف في المعنى الذي من أجله سمي بدر"بدرًا".
فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه كان ماء لرجل يسمى"بدرًا"، فسمي باسم صاحبه.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٣٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن زكريا، عن الشعبي قال: كانت"بدر" لرجل يقال له"بدر"، فسميت به.
* *
٧٧٣٥- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي أنه قال:"ولقد نصركم الله ببدر"، قال: كانت"بدر" بئرًا لرجل يقال له"بدر"، فسميت به.
وأنكر ذلك آخرون وقالوا: ذلك اسم سميت به البقعة، كما سمى سائر البلدان بأسمائها.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٣٦- حدثنا الحارث بن محمد قال، حدثنا ابن سعد قال، حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال، حدثنا منصور، عن أبي الأسود، عن زكريا، عن الشعبي قال: إنما سمي"بدرًا"، لأنه كان ماء لرجل من جهينة يقال له"بدر" = وقال الحارث، قال ابن سعد، قال الواقدي: فذكرت ذلك لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا فلأيّ شيء سميت"الصفراء"؟ ولأي شيء سميت "الحمراء"؟ ولأيّ شيء سمي"رابغ"؟ هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع = قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاريّ فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ قط يقال له"بدر"، وما هو من بلاد جهينة، إنما هي بلاد غِفار = قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا.
٧٧٣٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول:"بدر"، ماء عن يمين طريق مكة، بين مكة والمدينة.
* *
وأما قوله:"أذلة"، فإنه جمع"ذليل"، كما"الأعزة" جمع"عزيز"،"والألِبَّة" جمع"لبيب".
* *
قال أبو جعفر: وإنما سماهم الله عز وجل"أذلة"، لقلة عددهم، لأنهم كانوا ثلثمئة نفس وبضعة عشر، وعدوهم ما بين التسعمئة إلى الألف -على ما قد بينا فيما مضى- فجعلهم لقلة عددهم"أذلة".
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٣٨- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون"، وبدر ماء بين مكة والمدينة، التقى عليه نبي الله ﷺ والمشركون، وكان أول قتال قاتله نبي الله ﷺ = وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ:"أنتم اليوم بعدَّة أصحاب طالوت يوم لقى جالوت": فكانوا ثلثمئة وبضعة عشر رجلا والمشركون يومئذ ألفٌ، أو راهقوا ذلك. [[الأثر: ٧٧٣٨- مضى بعضه برقم: ٥٧٣٠، وانظر عدة أهل بدر فيما سلف من ٥٧٢٤ - ٥٧٣٢. وقوله: "راهقوا ذلك" أي: قاربوا ذلك.]]
٧٧٣٩- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون"، قال: يقول:"وأنتم أذلة"، قليل، وهم يومئذ بضعة عشر وثلثمئة.
٧٧٤٠- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحو قول قتادة.
٧٧٤١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة"، أقل عددًا وأضعف قوة. [[الأثر: ٧٧٤١- سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، وهو بعض الأثر السالف قريبًا رقم: ٧٧٣٣.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"فاتقوا الله لعلكم تشكرون"، فإن تأويله، كالذي قد بيَّنت، كما:-
٧٧٤٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فاتقوا الله لعلكم تشكرون"، أي: فاتقوني، فإنه شكر نعمتي. [[الأثر: ٧٧٤٢- سيرة ابن هشام ٣: ١١٣، وهو أيضًا بعض الأثر: ٧٧٣٣. وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"نعمى"، وأثبت ما مضى في المخطوطة والمطبوعة في الأثر السالف، وهو مطابق نص ابن هشام.]]
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربَكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ وذلك يوم بدر.
* *
ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حرَبهم، في أيّ يوم وُعدوا ذلك؟
فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. [[في المخطوطة: "ولم يعدوا"، وهو خطأ صرف. هذا والمخطوطة في هذا الموضع كثيرة الخطأ فيما هو واضح كهذا الحرف الذي أثبته، ولذلك أغفلت كثيرًا من أشباهه، ونبهت عليه.]]
ذكر من قال ذلك:
٧٧٤٣- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال، حُدِّث المسلمون أن كُرز بن جابر المحاربي يُمِدُّ المشركين، قال: فشق ذلك على المسلمين، فقيل لهم:"ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومِّين"، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فرجع، ولم يمدّهم بالخمسة.
٧٧٤٤- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله ﷺ = ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال:"ويأتوكم من فورهم هذا" -يعني كرزا وأصحابه-"يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، قال: فبلغ كرزًا وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم، ولم تنزل الخمسة، وأمِدّوا بعد ذلك بألف، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.
٧٧٤٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد عن الحسن في قوله:"إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة"، الآية كلها، قال: هذا يوم بدر.
٧٧٤٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجلّ:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم" إلى قوله:"من الملائكة مسومِّين"، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة.
* *
وقال آخرون: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٤٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بَصَري، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشُك ولا أتمارى.
٧٧٤٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق، وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا: أنه قال بعد إذ ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارَى. [[الأثران: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦، وانظره بإسناد آخر يأتي برقم: ٧٧٧٧ مع اختلاف في لفظه، ومع نسبته إلى يوم أحد، لا يوم بدر. وانظر التعليق عليه هناك.]]
٧٧٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. [[الدبرة (بفتح الدال وسكون الباء، وبفتحتين أيضًا) والدابرة: الهزيمة في القتال، وهي اسم من"الإدبار". يقال: على من الدبرة؟ أي الهزيمة. ثم يقال: لمن الدبرة؟ أي لمن الدولة والظفر.]] قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. [[قوله: "أقدم" هي كلمة زجر تزجر بها الخيل، وأمر لها بالتقدم. وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل عليه السلام. هذا وفي المخطوطة: "إذ ذهب منا سحابة" وهو تصحيف.]] قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، [[قناع القلب: غشاؤه، تشبيهها له بقناع المرأة الذي تلبسه.]] وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. [[الأثر: ٧٧٤٩- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٥.]]
٧٧٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس قال: لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون. [[الأثر: ٧٧٥٠- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦.]]
٧٧٥١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. [[الأثر: ٧٧٥١- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦.]]
٧٧٥٢- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. [[في المطبوعة: "قوة وعونة"، وليست بشيء، وفي المخطوطة"قوة وعبدا" وصواب قراءتها ما أثبته من سيرة ابن هشام.]] قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، [[طنب الحجرة: جانبها المسدل. أخذ من طنب الخباء، وهو الحبل يشد به إلى الأرض.]] فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. [[يقال الكريم: "فلان لا يليق شيئًا" من"ألاق"، أي: ما يحبس شيئا ولا يمسكه. ويقال للسيف: "سيف لا يليق شيئًا"، أي: ما يرد ضربته شيء. وهذا الأخير هو المراد هنا. وكان في المطبوعة: "ما يليق لها شيء" بدل ما في المخطوطة، إذ لم يفهمه. وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.]] قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! [[الأثر: ٧٧٥٢- سيرة ابن هشام ٢: ٣٠١، مع اختلاف يسير في بعض اللفظ.]]
٧٧٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أبا اليسر ... أخا بني سلمة"، وأثبت ما في التاريخ، فهو أجود عربية.]] وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، [[قوله: "مجموعًا"، يعني: قد اجتمع خلقه فلم يبسط، وهو نقيض الجسيم، كما يظهر من سياق الأثر. ولم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.]] وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر:"كيف أسرت العباس أبا اليسر؟! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! [[في المخطوطة: "هيئته كذا، هيئته كذا"، وتركت ما في المطبوعة على حاله، لأنه مطابق لما في التاريخ.]] قال رسول الله ﷺ:"لقد أعانك عليه ملك كريم". [[الأثر: ٧٧٥٣- لم أجده في المطبوع من سيرة ابن هشام، وهو في تاريخ الطبري ٢: ٢٨٨، ٢٨٩.]]
٧٧٥٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين"، أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف ="بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، وذلك يوم بدر، أمدَّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة.
٧٧٥٥- حدثت عن عمار، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
٧٧٥٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، [["قال حدثني أبي" هذه، سقطت من المطبوعة، والصواب من المخطوطة، وهو إسناد دائر في التفسير.]] عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، فإنهم أتوا محمدًا ﷺ مسوِّمين.
٧٧٥٧- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
* *
وقال آخرون: إن الله عز وجلّ: إنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٥٨- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا، فدعا رسول الله ﷺ بماء فهو يغسل رأسه، [[في المطبوعة: "فبينما رسول الله ﷺ في بيته يغسل رأسه"، وهو تصرف لا شك فيه من ناشر أو ناسخ آخر، فإن الذي في المخطوطة: "فدعا رسول الله ﷺ فهو يغسل رأسه"، لما سقط من الجملة قوله: "بماء"، تصرف الناسخ، وما كان له أن يفعل! والصواب كما أثبته، مطابقًا لما في الخصائص الكبرى للسيوطي. وانظر البغوي (بهامش ابن كثير) ٢: ٢٣٥.]] إذ جاءه جبريل ﷺ فقال: يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها! فدعا رسول الله ﷺ بخرقة، فلفَّ بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا كالِّين مُعْيِينَ لا نعبأ بالسير شيئًا، [[في المخطوطة: "فقمنا كالبر معين" غير منقوطة، فلم يحسن الناشر أن يقرأها، فجعلها في المطبوعة: "كالزمعين"، فجاء معلق على التفسير ففسر الكلمة تفسيرًا لا يصلح أن يكون كلامًا ها هنا، فخرج الكلام تصحيفًا وخلطًا معًا!! وأما السيوطي في الخصائص الكبرى، فالظاهر أنه لم يحسن هو أيضًا قراءة المخطوطة، أو كانت في نسخة مصحفة عنده كمثل هذا التصحيف، فأسقط الجملة كلها وساق الكلام هكذا: "فقمنا حتى أتينا بني قريظة". وكذلك فعل البغوي. وصواب القراءة هو ما أثبت، وهو مطابق لصفة أصحاب رسول الله ﷺ في مخرجهم إلى بني قريظة. يقال"كل الرجل يكل من المشي فهو كال": إذا بلغ منه التعب والإعياء. ويقال: "أعيى الرجل والبعير وغيره يعيي إعياء فهو معي"، إذا أكله السير وطلحه وبرح به. يقول: فقمنا وقد بلغ منا ومن دوابنا التعب.]] حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة، وفتح اللهُ لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل. [[الأثر: ٧٧٨٥- أخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى ١: ٢٣٣ نقلا عن ابن جرير في تفسيره هذا. و"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي"، مضت ترجمته برقم: ٥٧٩٦، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عبد الله بن موسى"، وهو خطأ. وأما "سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي" فهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ١٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٧، قال يحيى بن معين"ليس بثقة، كذاب، ليس يسوى حديثه فلسًا". وقال النسائي: "متروك الحديث". وكان في المطبوعة: "أبو آدم" وهو خطأ، ومثله في التهذيب في ترجمته، وهو خطأ أيضًا صوابه ما أثبت من المخطوطة. و"عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي"، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي الله عنه سنة ٨٨، كما صححه الذهبي في تاريخه.
وهذا الأثر، وإن كان إسناده لا يقوم، فإن معناه يشبه أن يكون حقًا، لموافقته ما جاءت به الرواية عن غزوة بني قريظة في الروايات الصحيحة عن غير عبد الله بن أبي أوفى.]]
* *
وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٥٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، سمعه يقول:"بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: يوم بدر. قال: فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومئذ.
٧٧٦٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا يوم أحُد ولا بملك واحد = أو قال: إلا بملك واحد، أبو جعفر يشك.
٧٧٦١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف" إلى"خمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، كان هذا موعدًا من الله يوم أحُد عرضه على نبيه محمد ﷺ: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين؛ ففرّ المسلمون يوم أحد وولَّوا مدبرين، فلم يمدهم الله.
٧٧٦٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا" الآية كلها. قالوا لرسول الله ﷺ، وهم ينظرون المشركين: يا رسول الله، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال رسول الله ﷺ:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين"، وإنما أمدكم يوم بدر بألف؟ " قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا، قال: بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآية كلها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم.
وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم = وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك. ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم. فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره.
* *
وقد بينا معنى"الإمداد" فيما مضى،"والمدد"، ومعنى"الصبر" و"التقوى." [[انظر معنى"الإمداد والمدد" فيما سلف ١: ٣٠٧، ٣٠٨ / "والصبر" ٢: ١١، ١٢٤ / ٣: ٢١٤، ٣٤٩ كم فهارس اللغة فيما سلف / و"التقوى" ١: ٢٣٢، ٣٣٣، ٣٦٤ / ٤: ١٦٢، وفهارس اللغة.]]
* *
وأما قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، فإنّ أهل التأويل اختلفوا فيه.
فقال بعضهم: معنى قوله:"من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٦٣- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة قال:"ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: من وجههم هذا.
٧٧٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"من فورهم هذا"، يقول: من وجههم هذا.
٧٧٦٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
٧٧٦٦- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
٧٧٦٧- حدثت عن عمار بن الحسن، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من وجههم هذا.
٧٧٦٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا" يقول: من وجههم هذا.
٧٧٧٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من سفرهم هذا = ويقال -يعني عن غير ابن عباس- بل هو من غضبهم هذا.
٧٧٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٧١- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة"، قال:"فورهم ذلك"، كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
٧٧٧٢- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول:"من فورهم هذا"، يقول: من غضبهم هذا.
٧٧٧٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: غضَبٌ لهم، يعني الكفار، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة، وذلك يوم أحد.
٧٧٧٤- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد:"من فورهم هذا"، قال: من غضبهم هذا.
٧٧٧٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك، في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من وجههم وغضبهم.
* *
قال أبو جعفر: وأصل"الفوْر"، ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثم يوصل بآخر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "يوجد فيه"، وهو كلام سخيف. وأخذ في الأمر: شرع وبدأ.]] يقال منه:"فارت القدرُ فهي تفور فورًا وفورانًا" إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل. و"مضيت إلى فلان من فوْري ذلك"، يراد به: من وجهي الذي ابتدأت فيه.
* *
= فالذي قال في هذه الآية: معنى قوله:"من فورهم هذا"، من"وجههم هذا"= قصد إلى أن تأويله: ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.
* *
=وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا =فإنما عنوا أن تأويل ذلك: ويأتيكم كفار قريش وتُبَّاعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها، يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
* *
ولذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، [[في المطبوعة: "وكذلك من اختلاف تأويلهم. . ."، وهو كلام غير مستقيم. ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة، لأن من عادة ناسخها أن يترك كثيرًا شرطة الكاف، ويدعها كاللام، فظنها هنا"كذلك"، ولكنها"لذلك" كما قرأتها لك. يقول الطبري: ومن أجل اختلافهم في تأويل: "ويأتوكم من فورهم هذا"، اختلف أهل التأويل.]] اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحُد بملائكته.
فقال بعضهم: لم يمدوا بهم، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ولم يتقوا الله عز وجل، بترك من ترك من الرماة طاعةَ رسول الله ﷺ في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله ﷺ بالثبوت فيه، ولكنهم أخلُّوا به طلبَ الغنائم، [[في المطبوعة: "طلبًا للغنائم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مثله في المعنى.]] فقتل من قتل المسلمين ونال المشركون منهم ما نالوا، [[في المطبوعة: "فقتل من المسلمين"، وهي غير مستقيمة، وفي المخطوطة: "في قتل من قتل من المسلمين"، وهي الصواب، إلا في تصحيف الناسخ وخطئه إذ كتب مكان"فقتل" -"في قتل".]] وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه ﷺ إمدادَهم بهم إن صبروا واتقوا الله.
* *
=وأما الذين قالوا: كان ذلك يوم بدر بسبب كُرْز بن جابر، فإن بعضهم قالوا: لم يأت كرزٌ وأصحابُه إخوانَهم من المشركين مددًا لهم ببدر، ولم يمد الله المؤمنين بملائكته، لأن الله عز وجل إنما وعدهم أن يمدهم بملائكته إن أتاهم كرز ومدد المشركين من فورهم، ولم يأتهم المددُ.
* *
=وأما الذين قالوا: إنّ الله تعالى ذكره أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر، فإنهم اعتلوا بقول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] ، قال: فالألف منهم قد أتاهم مددًا. وإنما الوعد الذي كانت فيه الشروط، فما زاد على الألف، [[في المطبوعة: "فيما زاد"، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] فأما الألف فقد كانوا أمدُّوا به، لأن الله عز وجل كان قد وعدهم ذلك، ولن يُخلف الله وعده.
* *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"مسوّمين".
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ بفتح"الواو"، بمعنى أن الله سوَّمها.
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر"الواو"، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر"الواو"، لتظاهرُ الأخبار عن [أصحاب] رسول الله ﷺ فأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم [[في المطبوعة: "لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ فأهل التأويل منهم. . ." وهي عبارة فاسدة، ثم لا تؤيدها الأخبار التي رواها بعد. وفي المخطوطة مثلها، إلا أنه كتب"بأهل التأويل"، وهو تحريف وخطأ. والصواب أن الأخبار المتظاهرة التي سيذكرها هي عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم، فلذلك زدت"أصحاب" بين القوسين، وجعلت"فأهل"، "وأهل"، واستقام الكلام. ولو تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ لما كان به ولا بأحد حاجة إلى تظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم ومن التابعين من بعدهم. ففي خبره ﷺ كفاية من كل خبر، بأبي هو وأمي.]] بأن الملائكة هي التي سوَّمت أنفسها، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل، أو إلى غيره من خلقه.
ولا معنى لقول من قال: إنما كان يُختار الكسرُ في قوله:"مسوِّمين"، لو كان في البشر، فأما الملائكة فوصفهم غيرُ ذلك = ظنًا منه بأن الملائكة غير ممكن فيها تسويمُ أنفسها إمكانَ ذلك في البشر. وذلك أنه غيرُ مستحيل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويم أنفسها نحو تمكينه البشر من تسويم أنفسهم، فسوَّموا أنفسهم نحو الذي سوَّم البشر، [[في المطبوعة: ". . . مكنها من تسويم أنفسها بحق تمكينه البشر. . ." ثم". . . فسوموا أنفسهم بحق الذي سوم البشر"، وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة أساء الكاتب في الكلمة الأولى فنقط الحروف ومجمجها فاختلطت، وكتب الثانية"بحق" غير منقوطة، وصواب قراءتها في الموضعين"نحو" كما أثبتها.]] طلبًا منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويمها أنفسهَا إليها. وإن كان ذلك عن تسبيب الله لهم أسبابه. وهي إذا كانت موصوفة بتسويمها أنفسهَا تقرٌُّبًا منها إلى ربها، كأن أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها.
* *
ذكر الأخبار بما ذكرنا: من إضافة من أضاف التسويم إلى الملائكة، دون إضافة ذلك إلى غيرهم، على نحو ما قلنا فيه:
٧٧٧٦- حدثني يعقوب قال، أخبرنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليومئذ = يعني يوم بدر = قال رسول الله ﷺ:"تسوَّموا، فإنّ الملائكة قد تسوَّمت. [[الأثر: ٧٧٧٦-"ابن عون"، هو: "عبد الله بن عون بن أرطبان المزني" أبو عوف الخراز البصري أحد الفقهاء الكبار. رأى أنس بن مالك، وروى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي وطبقتهم. وكان في المطبوعة: "ابن عوف"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة. و"عمير بن إسحاق القرشي" أبو محمد مولى بني هاشم، روى عن المقداد بن الأسود، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وكان قليل الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي: "لا نعلم روى عنه غير ابن عون" قال ابن معين: "ثقة"، وقال أيضا: "لا يساوي حديثه شيئًا، ولكن يكتب حديثه". فهذا الحديث كما ترى مرسل، وعن رجل يكتب حديثه ولا يحتج به.]]
٧٧٧٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مختار بن غسان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد -وكان بدريًا- فكان يقول: لو أن بصري فُرِّج منه، [[في المطبوعة: "لو أن بصري معي، ثم ذهبتم معي"، وهو تصرف من الطابعين فيما يظهر، نقلا عن تصرف السيوطي في الدر المنثور ٢: ٧٠. أما المخطوطة، فكان فيها: "لو أن بصرى حرح منه، ثم ذهبتم معي" فيها"حرح" غير منقوطة، والظاهر أن السيوطي رآها كذلك، فعجز عنها، فاستظهرها من الأثرين السالفين: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨، ولكني حرصت على متابعة ما في المخطوطة، فوجدت رواية الأثرين السالفين من طريق ابن شهاب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "قال لي أبو أسيد الساعدي، بعد ما ذهب بصره: يا ابن أخي، لو كنت أنت وأنا ببدر ثم أطلق الله لي بصري، لأريتك الشعب. . ." (الاستيعاب: ٦٢١) فاستظهرت أن"حرح" تصحيف"فرج" (بتشديد الراء، والبناء للمجهول) ، وهي بمعنى"أطلقه الله". وقوله: "فرج منه"، أي: فرج الله عن بعضه. ولو كانت"فرج عنه" لكان صوابًا مطابقًا لرواية سهل بن سعد في المعنى. وأرجو أن أكون قد وفقت إلى الصواب بحمد الله وتوفيقه.]] ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم. [[الأثر: ٧٧٧٧-"مختار بن غسان التمار الكوفي العبدي"، روى عن حفص بن عمر البرجمي وإسماعيل بن مسلم. مترجم في التهذيب. و"عبد الرحمن بن الغسيل"، هو: "عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري" سلفت ترجمته في رقم: ٥١٢٣. أما "الزبير بن المنذر ابن أبي أسيد" فيقال أيضا أنه"الزبير بن أبي أسيد"، أن أبا أسيد أبوه لا جده، وإسناد الطبري مبين عن أنه جده. وقد ذكر ذلك البخاري في الكبير ٢ / ١ / ٣٧٥، في خبر ساقه عن ابن الغسيل، وكذلك ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٥٧٩، وذكره الحافظ في التهذيب وقال: "وفي إسناده اختلاف"، إشارة إلى هذا الاختلاف في أن أبا أسيد أبوه أو جده.
أما خبر أبي أسيد هذا فقد سلف بإسناد أبي كريب وابن حميد: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨، مع اختلاف في بعض اللفظ، ومع نسبة هذا إلى يوم بدر، لا يوم أحد. والأول هو الثابت الصحيح. وأخشى أن يكون الذي هنا سهوًا من ناسخ أو راو، وأن صوابه"إلى بدر".]]
٧٧٧٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"بخمسة آلاف من الملائكة مسومين"، يقول: معلمين، مجزوزة أذنابُ خيلهم، ونواصيها - فيها الصوف أو العِهْن، [[في المخطوطة: "الصوف، العهن"، بحذف "أو"، وهو صواب. والعهن: هو الصوف المصبوغ الملون.]] وذلك التسويم.
٧٧٧٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، قال: مجزوزة أذنابها، وأعرافها فيها الصوف أو العهن، فذلك التسويم.
٧٧٨٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"مسوّمين"، ذكر لنا أن سيماهم يومئذ، الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها، وأنهم على خيل بُلْق.
٧٧٨١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"مسومين"، قال: كان سيماها صوفًا في نواصيها.
٧٧٨٢- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يقول:"مسومين"، قال: كانت خيولهم مجزوزة الأعراف، معلمة نواصيها وأذنابها بالصوف والعِهْن.
٧٧٨٣- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: كانوا يومئذ على خيل بُلْق.
٧٧٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك وبعض أشياخنا، عن الحسن، نحو حديث معمر، عن قتادة.
٧٧٨٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"مسومين"، معلمين.
٧٧٨٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، فإنهم أتوا محمدًا ﷺ، مسوِّمين بالصوف، فسوَّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
٧٧٨٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة قال، نزلت الملائكة في سيما الزبير، عليهم عمائم صفر. وكانت عمامة الزبير صَفراء.
٧٧٨٨- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"مسومين"، قال: بالصوف في نواصيها وأذنابها.
٧٧٨٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، عليهم عمائم صفر. وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.
٧٧٩٠- حدثني أحمد بن يحيى الصوفي قال، حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال، حدثنا أبي قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير: أنّ الزبير كانت عليه مُلاءة صفراء يوم بدر، فاعتم بها، فنزلت الملائكة يوم بدر على نبيّ الله ﷺ معمَّمين بعمائم صفر. [[الأثر: ٧٧٩٠-"أحمد بن يحيى الصوفي" روى عن محمد بن بشر، ومحمد بن عبيد وزيد بن الحباب، وكتب عنه أبو حاتم، وقال: "ثقة"، وروى عنه أبو عوانة الكوفي. مترجم في ابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨١. و"عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي". روى عن أبيه. روى عنه البخاري في الأدب، وأبو كريب. قال أبو حاتم: "واهن الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "ربما أخطأ".]]
* *
قال أبو جعفر: فهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه:"تسوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمت" وقول أبي أسيد:"خرجت الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم"، وقول من قال منهم:"مسوِّمين" معلمين = ينبئ جميعُ ذلك عن صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك، وأن التسويم كان من الملائكة بأنفسها، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى.
* *
وأما الذين قرأوا ذلك:"مسوَّمين"، بالفتح، فإنهم أراهم تأوَّلوا في ذلك ما:
٧٧٩١- حدثنا به حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة:"بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، يقول: عليهم سيما القتال.
٧٧٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"بخمسة آلاف من الملائكة مسومين"، يقول: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، يقول: عليهم سيما القتال.
* *
=فقالوا: كان سيما القتال عليهم، لا أنهم كانوا تسوَّموا بسيما فيضاف إليهم التسويم، فمن أجل ذلك قرأوا:"مسوَّمين"، بمعنى أن الله تعالى أضاف التسويم إلى مَنْ سوَّمهم تلك السيما.
* *
و"السيما" العلامة يقال:"هي سيما حسنة، وسيمياء حسنة"، كما قال الشاعر: [[هو أسيد بن عنقاء الفزاري.]]
غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بِالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِياءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ [[سلف تخريجه وشرحه في ٥: ٥٩٤، ٥٩٥.]]
يعني بذلك: علامة من حسن، [[انظر تفسيره"السيما" فيما سلف ٥: ٥٩٤.]] فإذا أعلم الرجل بعلامة يعرف بها في حرب أو غيره قيل:"سوَّم نفسه فهو يسوِّمها تسويمًا". [[انظر تفسير"سوم" فيما سلف ٥: ٢٥١ - ٢٥٧.]]
القول في تأويل قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة، إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربَكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين؟ وذلك يوم بدر.
* *
ثم اختلف أهل التأويل في حضور الملائكة يوم بدر حرَبهم، في أيّ يوم وُعدوا ذلك؟
فقال بعضهم: إن الله عز وجل كان وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدَّهم بملائكته، إن أتاهم العدو من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يُمَدُّوا. [[في المخطوطة: "ولم يعدوا"، وهو خطأ صرف. هذا والمخطوطة في هذا الموضع كثيرة الخطأ فيما هو واضح كهذا الحرف الذي أثبته، ولذلك أغفلت كثيرًا من أشباهه، ونبهت عليه.]]
ذكر من قال ذلك:
٧٧٤٣- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال، حُدِّث المسلمون أن كُرز بن جابر المحاربي يُمِدُّ المشركين، قال: فشق ذلك على المسلمين، فقيل لهم:"ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومِّين"، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فرجع، ولم يمدّهم بالخمسة.
٧٧٤٤- حدثني ابن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله ﷺ = ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال:"ويأتوكم من فورهم هذا" -يعني كرزا وأصحابه-"يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، قال: فبلغ كرزًا وأصحابه الهزيمة، فلم يمدهم، ولم تنزل الخمسة، وأمِدّوا بعد ذلك بألف، فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين.
٧٧٤٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد عن الحسن في قوله:"إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة"، الآية كلها، قال: هذا يوم بدر.
٧٧٤٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: حُدِّث المسلمون أن كرزَ بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين ببدر، قال: فشق ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله عز وجلّ:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم" إلى قوله:"من الملائكة مسومِّين"، قال: فبلغته هزيمة المشركين، فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدُّوا بالخمسة.
* *
وقال آخرون: كان هذا الوعد من الله لهم يوم بدر، فصبر المؤمنون واتقوا الله، فأمدهم بملائكته على ما وعدهم.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٤٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بَصَري، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشُك ولا أتمارى.
٧٧٤٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق، وحدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا: أنه قال بعد إذ ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري، لأريتكم الشِّعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارَى. [[الأثران: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦، وانظره بإسناد آخر يأتي برقم: ٧٧٧٧ مع اختلاف في لفظه، ومع نسبته إلى يوم أحد، لا يوم بدر. وانظر التعليق عليه هناك.]]
٧٧٤٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر: أنه حُدِّث عن ابن عباس: أن ابن عباس قال: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة، على من تكون الدَّبْرة فننتهِبُ مع من ينتهب. [[الدبرة (بفتح الدال وسكون الباء، وبفتحتين أيضًا) والدابرة: الهزيمة في القتال، وهي اسم من"الإدبار". يقال: على من الدبرة؟ أي الهزيمة. ثم يقال: لمن الدبرة؟ أي لمن الدولة والظفر.]] قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم. [[قوله: "أقدم" هي كلمة زجر تزجر بها الخيل، وأمر لها بالتقدم. وحيزوم: اسم فرس من خيل الملائكة يومئذ. ويقال هو فرس جبريل عليه السلام. هذا وفي المخطوطة: "إذ ذهب منا سحابة" وهو تصحيف.]] قال: فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، [[قناع القلب: غشاؤه، تشبيهها له بقناع المرأة الذي تلبسه.]] وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت. [[الأثر: ٧٧٤٩- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٥.]]
٧٧٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، وحدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس قال: لم تُقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عَددًا ومَددًا لا يضربون. [[الأثر: ٧٧٥٠- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦.]]
٧٧٥١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد بن إسحاق، حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبعُ رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري. [[الأثر: ٧٧٥١- سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٦.]]
٧٧٥٢- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال محمد: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهلَ البيت، فأسلم العباس وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ. وكان العباس يهاب قومه ويكرَهُ أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه. وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة. وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعِزًّا. [[في المطبوعة: "قوة وعونة"، وليست بشيء، وفي المخطوطة"قوة وعبدا" وصواب قراءتها ما أثبته من سيرة ابن هشام.]] قال: وكنت رجلا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرُّ رجليه بشرٍّ حتى جلس على طُنُب الحجرة، [[طنب الحجرة: جانبها المسدل. أخذ من طنب الخباء، وهو الحبل يشد به إلى الأرض.]] فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم! قال: قال أبو لهب: هلُمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر! قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني، كيف كان أمرُ الناس؟ قال: لا شيء والله، إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا! وايم الله، مع ذلك ما لمتُ الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق ما بين السماء والأرض ما تلِيق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. [[يقال الكريم: "فلان لا يليق شيئًا" من"ألاق"، أي: ما يحبس شيئا ولا يمسكه. ويقال للسيف: "سيف لا يليق شيئًا"، أي: ما يرد ضربته شيء. وهذا الأخير هو المراد هنا. وكان في المطبوعة: "ما يليق لها شيء" بدل ما في المخطوطة، إذ لم يفهمه. وأثبت ما في المخطوطة والسيرة.]] قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك الملائكة! [[الأثر: ٧٧٥٢- سيرة ابن هشام ٢: ٣٠١، مع اختلاف يسير في بعض اللفظ.]]
٧٧٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد قال، حدثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أبا اليسر ... أخا بني سلمة"، وأثبت ما في التاريخ، فهو أجود عربية.]] وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، [[قوله: "مجموعًا"، يعني: قد اجتمع خلقه فلم يبسط، وهو نقيض الجسيم، كما يظهر من سياق الأثر. ولم أجده في كتب اللغة التي بين يدي.]] وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر:"كيف أسرت العباس أبا اليسر؟! قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! [[في المخطوطة: "هيئته كذا، هيئته كذا"، وتركت ما في المطبوعة على حاله، لأنه مطابق لما في التاريخ.]] قال رسول الله ﷺ:"لقد أعانك عليه ملك كريم". [[الأثر: ٧٧٥٣- لم أجده في المطبوع من سيرة ابن هشام، وهو في تاريخ الطبري ٢: ٢٨٨، ٢٨٩.]]
٧٧٥٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين"، أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف ="بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، وذلك يوم بدر، أمدَّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة.
٧٧٥٥- حدثت عن عمار، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.
٧٧٥٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، [["قال حدثني أبي" هذه، سقطت من المطبوعة، والصواب من المخطوطة، وهو إسناد دائر في التفسير.]] عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين"، فإنهم أتوا محمدًا ﷺ مسوِّمين.
٧٧٥٧- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن ابن خثيم، عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
* *
وقال آخرون: إن الله عز وجلّ: إنما وعدهم يوم بدر أن يمدَّهم إن صبروا عند طاعته وجهاد أعدائه، واتقوه باجتناب محارمه، أن يمدهم في حروبهم كلها، فلم يصبروا ولم يتقوا إلا في يوم الأحزاب، فأمدَّهم حين حاصروا قريظة.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٥٨- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا، فدعا رسول الله ﷺ بماء فهو يغسل رأسه، [[في المطبوعة: "فبينما رسول الله ﷺ في بيته يغسل رأسه"، وهو تصرف لا شك فيه من ناشر أو ناسخ آخر، فإن الذي في المخطوطة: "فدعا رسول الله ﷺ فهو يغسل رأسه"، لما سقط من الجملة قوله: "بماء"، تصرف الناسخ، وما كان له أن يفعل! والصواب كما أثبته، مطابقًا لما في الخصائص الكبرى للسيوطي. وانظر البغوي (بهامش ابن كثير) ٢: ٢٣٥.]] إذ جاءه جبريل ﷺ فقال: يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها! فدعا رسول الله ﷺ بخرقة، فلفَّ بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا كالِّين مُعْيِينَ لا نعبأ بالسير شيئًا، [[في المخطوطة: "فقمنا كالبر معين" غير منقوطة، فلم يحسن الناشر أن يقرأها، فجعلها في المطبوعة: "كالزمعين"، فجاء معلق على التفسير ففسر الكلمة تفسيرًا لا يصلح أن يكون كلامًا ها هنا، فخرج الكلام تصحيفًا وخلطًا معًا!! وأما السيوطي في الخصائص الكبرى، فالظاهر أنه لم يحسن هو أيضًا قراءة المخطوطة، أو كانت في نسخة مصحفة عنده كمثل هذا التصحيف، فأسقط الجملة كلها وساق الكلام هكذا: "فقمنا حتى أتينا بني قريظة". وكذلك فعل البغوي. وصواب القراءة هو ما أثبت، وهو مطابق لصفة أصحاب رسول الله ﷺ في مخرجهم إلى بني قريظة. يقال"كل الرجل يكل من المشي فهو كال": إذا بلغ منه التعب والإعياء. ويقال: "أعيى الرجل والبعير وغيره يعيي إعياء فهو معي"، إذا أكله السير وطلحه وبرح به. يقول: فقمنا وقد بلغ منا ومن دوابنا التعب.]] حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله عز وجل بثلاثة آلاف من الملائكة، وفتح اللهُ لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل. [[الأثر: ٧٧٨٥- أخرجه السيوطي في الخصائص الكبرى ١: ٢٣٣ نقلا عن ابن جرير في تفسيره هذا. و"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي"، مضت ترجمته برقم: ٥٧٩٦، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عبد الله بن موسى"، وهو خطأ. وأما "سليمان بن زيد أبو إدام المحاربي" فهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ١٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١١٧، قال يحيى بن معين"ليس بثقة، كذاب، ليس يسوى حديثه فلسًا". وقال النسائي: "متروك الحديث". وكان في المطبوعة: "أبو آدم" وهو خطأ، ومثله في التهذيب في ترجمته، وهو خطأ أيضًا صوابه ما أثبت من المخطوطة. و"عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي"، شهد بيعة الرضوان، ومات رضي الله عنه سنة ٨٨، كما صححه الذهبي في تاريخه.
وهذا الأثر، وإن كان إسناده لا يقوم، فإن معناه يشبه أن يكون حقًا، لموافقته ما جاءت به الرواية عن غزوة بني قريظة في الروايات الصحيحة عن غير عبد الله بن أبي أوفى.]]
* *
وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنهم قالوا: لم يصبر القوم ولم يتقوا ولم يُمدوا بشيء في أحُد.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٥٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني عمرو بن دينار، عن عكرمة، سمعه يقول:"بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: يوم بدر. قال: فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد، ولو مُدُّوا لم يُهزموا يومئذ.
٧٧٦٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدوا يوم أحُد ولا بملك واحد = أو قال: إلا بملك واحد، أبو جعفر يشك.
٧٧٦١- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف" إلى"خمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، كان هذا موعدًا من الله يوم أحُد عرضه على نبيه محمد ﷺ: أنّ المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين؛ ففرّ المسلمون يوم أحد وولَّوا مدبرين، فلم يمدهم الله.
٧٧٦٢- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا" الآية كلها. قالوا لرسول الله ﷺ، وهم ينظرون المشركين: يا رسول الله، أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال رسول الله ﷺ:"ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين"، وإنما أمدكم يوم بدر بألف؟ " قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا، قال: بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآية كلها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ عن نبيه محمد ﷺ أنه قال للمؤمنين: ألن يكفيَكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددًا لهم، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم واتقوا الله. ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآف، ولا بالخمسة آلاف، ولا على أنهم لم يمدوا بهم.
وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم، على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم = وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك. ولا خبر عندنا صحَّ من الوجه الذي يثبت أنهم أمِدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف. وغير جائز أن يقال في ذلك قولٌ إلا بخبر تقوم الحجة به. ولا خبر به كذلك، فنسلم لأحد الفريقين قوله. غير أنّ في القرآن دلالةً على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة، وذلك قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] فأما في يوم أحُد، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبينُ منها في أنهم أمدوا. وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا، ويُنالَ منهم ما نيل منهم. فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره.
* *
وقد بينا معنى"الإمداد" فيما مضى،"والمدد"، ومعنى"الصبر" و"التقوى." [[انظر معنى"الإمداد والمدد" فيما سلف ١: ٣٠٧، ٣٠٨ / "والصبر" ٢: ١١، ١٢٤ / ٣: ٢١٤، ٣٤٩ كم فهارس اللغة فيما سلف / و"التقوى" ١: ٢٣٢، ٣٣٣، ٣٦٤ / ٤: ١٦٢، وفهارس اللغة.]]
* *
وأما قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، فإنّ أهل التأويل اختلفوا فيه.
فقال بعضهم: معنى قوله:"من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٦٣- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة قال:"ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: من وجههم هذا.
٧٧٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"من فورهم هذا"، يقول: من وجههم هذا.
٧٧٦٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
٧٧٦٦- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
٧٧٦٧- حدثت عن عمار بن الحسن، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من وجههم هذا.
٧٧٦٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا" يقول: من وجههم هذا.
٧٧٧٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من سفرهم هذا = ويقال -يعني عن غير ابن عباس- بل هو من غضبهم هذا.
٧٧٧٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"من فورهم هذا"، من وجههم هذا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.
ذكر من قال ذلك:
٧٧٧١- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة"، قال:"فورهم ذلك"، كان يوم أحد، غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
٧٧٧٢- حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول:"من فورهم هذا"، يقول: من غضبهم هذا.
٧٧٧٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، قال: غضَبٌ لهم، يعني الكفار، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة، وذلك يوم أحد.
٧٧٧٤- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد:"من فورهم هذا"، قال: من غضبهم هذا.
٧٧٧٥- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال سمعت الضحاك، في قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، يقول: من وجههم وغضبهم.
* *
قال أبو جعفر: وأصل"الفوْر"، ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثم يوصل بآخر، [[في المطبوعة والمخطوطة: "يوجد فيه"، وهو كلام سخيف. وأخذ في الأمر: شرع وبدأ.]] يقال منه:"فارت القدرُ فهي تفور فورًا وفورانًا" إذا ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل. و"مضيت إلى فلان من فوْري ذلك"، يراد به: من وجهي الذي ابتدأت فيه.
* *
= فالذي قال في هذه الآية: معنى قوله:"من فورهم هذا"، من"وجههم هذا"= قصد إلى أن تأويله: ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.
* *
=وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا =فإنما عنوا أن تأويل ذلك: ويأتيكم كفار قريش وتُبَّاعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها، يمددكم ربكم بخمسة آلاف.
* *
ولذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله:"ويأتوكم من فورهم هذا"، [[في المطبوعة: "وكذلك من اختلاف تأويلهم. . ."، وهو كلام غير مستقيم. ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة، لأن من عادة ناسخها أن يترك كثيرًا شرطة الكاف، ويدعها كاللام، فظنها هنا"كذلك"، ولكنها"لذلك" كما قرأتها لك. يقول الطبري: ومن أجل اختلافهم في تأويل: "ويأتوكم من فورهم هذا"، اختلف أهل التأويل.]] اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحُد بملائكته.
فقال بعضهم: لم يمدوا بهم، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ولم يتقوا الله عز وجل، بترك من ترك من الرماة طاعةَ رسول الله ﷺ في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله ﷺ بالثبوت فيه، ولكنهم أخلُّوا به طلبَ الغنائم، [[في المطبوعة: "طلبًا للغنائم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو مثله في المعنى.]] فقتل من قتل المسلمين ونال المشركون منهم ما نالوا، [[في المطبوعة: "فقتل من المسلمين"، وهي غير مستقيمة، وفي المخطوطة: "في قتل من قتل من المسلمين"، وهي الصواب، إلا في تصحيف الناسخ وخطئه إذ كتب مكان"فقتل" -"في قتل".]] وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه ﷺ إمدادَهم بهم إن صبروا واتقوا الله.
* *
=وأما الذين قالوا: كان ذلك يوم بدر بسبب كُرْز بن جابر، فإن بعضهم قالوا: لم يأت كرزٌ وأصحابُه إخوانَهم من المشركين مددًا لهم ببدر، ولم يمد الله المؤمنين بملائكته، لأن الله عز وجل إنما وعدهم أن يمدهم بملائكته إن أتاهم كرز ومدد المشركين من فورهم، ولم يأتهم المددُ.
* *
=وأما الذين قالوا: إنّ الله تعالى ذكره أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر، فإنهم اعتلوا بقول الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [سورة الأنفال: ٩] ، قال: فالألف منهم قد أتاهم مددًا. وإنما الوعد الذي كانت فيه الشروط، فما زاد على الألف، [[في المطبوعة: "فيما زاد"، وفي المخطوطة مثلها غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت.]] فأما الألف فقد كانوا أمدُّوا به، لأن الله عز وجل كان قد وعدهم ذلك، ولن يُخلف الله وعده.
* *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"مسوّمين".
فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ بفتح"الواو"، بمعنى أن الله سوَّمها.
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الكوفة والبصرة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر"الواو"، بمعنى أن الملائكة سوَّمتْ لنفسها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر"الواو"، لتظاهرُ الأخبار عن [أصحاب] رسول الله ﷺ فأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم [[في المطبوعة: "لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ فأهل التأويل منهم. . ." وهي عبارة فاسدة، ثم لا تؤيدها الأخبار التي رواها بعد. وفي المخطوطة مثلها، إلا أنه كتب"بأهل التأويل"، وهو تحريف وخطأ. والصواب أن الأخبار المتظاهرة التي سيذكرها هي عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم، فلذلك زدت"أصحاب" بين القوسين، وجعلت"فأهل"، "وأهل"، واستقام الكلام. ولو تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ لما كان به ولا بأحد حاجة إلى تظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله وأهل التأويل منهم ومن التابعين من بعدهم. ففي خبره ﷺ كفاية من كل خبر، بأبي هو وأمي.]] بأن الملائكة هي التي سوَّمت أنفسها، من غير إضافة تسويمها إلى الله عز وجل، أو إلى غيره من خلقه.
ولا معنى لقول من قال: إنما كان يُختار الكسرُ في قوله:"مسوِّمين"، لو كان في البشر، فأما الملائكة فوصفهم غيرُ ذلك = ظنًا منه بأن الملائكة غير ممكن فيها تسويمُ أنفسها إمكانَ ذلك في البشر. وذلك أنه غيرُ مستحيل أن يكون الله عز وجل مكنها من تسويم أنفسها نحو تمكينه البشر من تسويم أنفسهم، فسوَّموا أنفسهم نحو الذي سوَّم البشر، [[في المطبوعة: ". . . مكنها من تسويم أنفسها بحق تمكينه البشر. . ." ثم". . . فسوموا أنفسهم بحق الذي سوم البشر"، وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة أساء الكاتب في الكلمة الأولى فنقط الحروف ومجمجها فاختلطت، وكتب الثانية"بحق" غير منقوطة، وصواب قراءتها في الموضعين"نحو" كما أثبتها.]] طلبًا منها بذلك طاعة ربها، فأضيف تسويمها أنفسهَا إليها. وإن كان ذلك عن تسبيب الله لهم أسبابه. وهي إذا كانت موصوفة بتسويمها أنفسهَا تقرٌُّبًا منها إلى ربها، كأن أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة الله من أن تكون موصوفة بأن ذلك مفعول بها.
* *
ذكر الأخبار بما ذكرنا: من إضافة من أضاف التسويم إلى الملائكة، دون إضافة ذلك إلى غيرهم، على نحو ما قلنا فيه:
٧٧٧٦- حدثني يعقوب قال، أخبرنا ابن علية قال، أخبرنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليومئذ = يعني يوم بدر = قال رسول الله ﷺ:"تسوَّموا، فإنّ الملائكة قد تسوَّمت. [[الأثر: ٧٧٧٦-"ابن عون"، هو: "عبد الله بن عون بن أرطبان المزني" أبو عوف الخراز البصري أحد الفقهاء الكبار. رأى أنس بن مالك، وروى عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والحسن البصري والشعبي وطبقتهم. وكان في المطبوعة: "ابن عوف"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة. و"عمير بن إسحاق القرشي" أبو محمد مولى بني هاشم، روى عن المقداد بن الأسود، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وكان قليل الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي: "لا نعلم روى عنه غير ابن عون" قال ابن معين: "ثقة"، وقال أيضا: "لا يساوي حديثه شيئًا، ولكن يكتب حديثه". فهذا الحديث كما ترى مرسل، وعن رجل يكتب حديثه ولا يحتج به.]]
٧٧٧٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مختار بن غسان قال، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن الزبير بن المنذر، عن جده أبي أسيد -وكان بدريًا- فكان يقول: لو أن بصري فُرِّج منه، [[في المطبوعة: "لو أن بصري معي، ثم ذهبتم معي"، وهو تصرف من الطابعين فيما يظهر، نقلا عن تصرف السيوطي في الدر المنثور ٢: ٧٠. أما المخطوطة، فكان فيها: "لو أن بصرى حرح منه، ثم ذهبتم معي" فيها"حرح" غير منقوطة، والظاهر أن السيوطي رآها كذلك، فعجز عنها، فاستظهرها من الأثرين السالفين: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨، ولكني حرصت على متابعة ما في المخطوطة، فوجدت رواية الأثرين السالفين من طريق ابن شهاب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: "قال لي أبو أسيد الساعدي، بعد ما ذهب بصره: يا ابن أخي، لو كنت أنت وأنا ببدر ثم أطلق الله لي بصري، لأريتك الشعب. . ." (الاستيعاب: ٦٢١) فاستظهرت أن"حرح" تصحيف"فرج" (بتشديد الراء، والبناء للمجهول) ، وهي بمعنى"أطلقه الله". وقوله: "فرج منه"، أي: فرج الله عن بعضه. ولو كانت"فرج عنه" لكان صوابًا مطابقًا لرواية سهل بن سعد في المعنى. وأرجو أن أكون قد وفقت إلى الصواب بحمد الله وتوفيقه.]] ثم ذهبتم معي إلى أحد، لأخبرتكم بالشِّعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صُفر قد طرحوها بين أكتافهم. [[الأثر: ٧٧٧٧-"مختار بن غسان التمار الكوفي العبدي"، روى عن حفص بن عمر البرجمي وإسماعيل بن مسلم. مترجم في التهذيب. و"عبد الرحمن بن الغسيل"، هو: "عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري" سلفت ترجمته في رقم: ٥١٢٣. أما "الزبير بن المنذر ابن أبي أسيد" فيقال أيضا أنه"الزبير بن أبي أسيد"، أن أبا أسيد أبوه لا جده، وإسناد الطبري مبين عن أنه جده. وقد ذكر ذلك البخاري في الكبير ٢ / ١ / ٣٧٥، في خبر ساقه عن ابن الغسيل، وكذلك ابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٥٧٩، وذكره الحافظ في التهذيب وقال: "وفي إسناده اختلاف"، إشارة إلى هذا الاختلاف في أن أبا أسيد أبوه أو جده.
أما خبر أبي أسيد هذا فقد سلف بإسناد أبي كريب وابن حميد: ٧٧٤٧، ٧٧٤٨، مع اختلاف في بعض اللفظ، ومع نسبة هذا إلى يوم بدر، لا يوم أحد. والأول هو الثابت الصحيح. وأخشى أن يكون الذي هنا سهوًا من ناسخ أو راو، وأن صوابه"إلى بدر".]]
٧٧٧٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"بخمسة آلاف من الملائكة مسومين"، يقول: معلمين، مجزوزة أذنابُ خيلهم، ونواصيها - فيها الصوف أو العِهْن، [[في المخطوطة: "الصوف، العهن"، بحذف "أو"، وهو صواب. والعهن: هو الصوف المصبوغ الملون.]] وذلك التسويم.
٧٧٧٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، قال: مجزوزة أذنابها، وأعرافها فيها الصوف أو العهن، فذلك التسويم.
٧٧٨٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"مسوّمين"، ذكر لنا أن سيماهم يومئذ، الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها، وأنهم على خيل بُلْق.
٧٧٨١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"مسومين"، قال: كان سيماها صوفًا في نواصيها.
٧٧٨٢- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، أنه كان يقول:"مسومين"، قال: كانت خيولهم مجزوزة الأعراف، معلمة نواصيها وأذنابها بالصوف والعِهْن.
٧٧٨٣- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: كانوا يومئذ على خيل بُلْق.
٧٧٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك وبعض أشياخنا، عن الحسن، نحو حديث معمر، عن قتادة.
٧٧٨٥- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"مسومين"، معلمين.
٧٧٨٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، فإنهم أتوا محمدًا ﷺ، مسوِّمين بالصوف، فسوَّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
٧٧٨٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عباد بن حمزة قال، نزلت الملائكة في سيما الزبير، عليهم عمائم صفر. وكانت عمامة الزبير صَفراء.
٧٧٨٨- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"مسومين"، قال: بالصوف في نواصيها وأذنابها.
٧٧٨٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، عليهم عمائم صفر. وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.
٧٧٩٠- حدثني أحمد بن يحيى الصوفي قال، حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال، حدثنا أبي قال، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير: أنّ الزبير كانت عليه مُلاءة صفراء يوم بدر، فاعتم بها، فنزلت الملائكة يوم بدر على نبيّ الله ﷺ معمَّمين بعمائم صفر. [[الأثر: ٧٧٩٠-"أحمد بن يحيى الصوفي" روى عن محمد بن بشر، ومحمد بن عبيد وزيد بن الحباب، وكتب عنه أبو حاتم، وقال: "ثقة"، وروى عنه أبو عوانة الكوفي. مترجم في ابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨١. و"عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي". روى عن أبيه. روى عنه البخاري في الأدب، وأبو كريب. قال أبو حاتم: "واهن الحديث"، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "ربما أخطأ".]]
* *
قال أبو جعفر: فهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها عن رسول الله ﷺ أنه قال لأصحابه:"تسوَّموا فإن الملائكة قد تسوَّمت" وقول أبي أسيد:"خرجت الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم"، وقول من قال منهم:"مسوِّمين" معلمين = ينبئ جميعُ ذلك عن صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك، وأن التسويم كان من الملائكة بأنفسها، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى.
* *
وأما الذين قرأوا ذلك:"مسوَّمين"، بالفتح، فإنهم أراهم تأوَّلوا في ذلك ما:
٧٧٩١- حدثنا به حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، عن عكرمة:"بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين"، يقول: عليهم سيما القتال.
٧٧٩٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"بخمسة آلاف من الملائكة مسومين"، يقول: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدر، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، يقول: عليهم سيما القتال.
* *
=فقالوا: كان سيما القتال عليهم، لا أنهم كانوا تسوَّموا بسيما فيضاف إليهم التسويم، فمن أجل ذلك قرأوا:"مسوَّمين"، بمعنى أن الله تعالى أضاف التسويم إلى مَنْ سوَّمهم تلك السيما.
* *
و"السيما" العلامة يقال:"هي سيما حسنة، وسيمياء حسنة"، كما قال الشاعر: [[هو أسيد بن عنقاء الفزاري.]]
غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بِالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِياءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ [[سلف تخريجه وشرحه في ٥: ٥٩٤، ٥٩٥.]]
يعني بذلك: علامة من حسن، [[انظر تفسيره"السيما" فيما سلف ٥: ٥٩٤.]] فإذا أعلم الرجل بعلامة يعرف بها في حرب أو غيره قيل:"سوَّم نفسه فهو يسوِّمها تسويمًا". [[انظر تفسير"سوم" فيما سلف ٥: ٢٥١ - ٢٥٧.]]
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم ="إلا بشرى لكم"، يعني بشرى، يبشركم بها ="ولتطمئن قلوبكم به"، يقول. وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم ="وما النصر إلا من عند الله"، يعني: وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله، لا من قِبَل المدد الذي يأتيكم من الملائكة. يقول: فعلى الله فتوكلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف، [[في المخطوطة والمطبوعة: "وبعونه معكم من ملائكته. . ." بإسقاط الواو من"معكم"، وهو خلل في الكلام والسياق.]] فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة = أحْرَى، [[سياق الكلام: "فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم. . . أحرى". ثم انظر إلى هذا الإمام كيف يتحرى في بيان معاني كتاب الله إخلاص التوحيد لله، ونفى الشرك عنه في صفاته سبحانه، فأخرج من النصر ما يتوهم المتوهم أن نزول الملائكة كان هو سبب نصر المؤمنين، فلخص المعنى تلخيصًا كله تقوى لله وإخلاص له، ونفي للشرك عن صفاته سبحانه، فبين أن النصر من عند الله للمؤمنين وللملائكة جميعًا على عدو الله وعدوهم، وأنهم إنما كانوا مددًا للمؤمنين، كما قال ربنا سبحانه. وهذا من فقه أبي جعفر وبصره وتحققه بمعاني هذا الكتاب الذي لا يدرك أحد توحيد الله حق توحيده إلا بتلاوته وفهمه وتفقهه فيه، واتباعه لبيانه العربي المحكم. ورحم الله أبا جعفر، فإنه كان إمامًا في التفسير، قيما عليه.]] فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم، فإن الله ناصركم عليهم. كما:-
٧٧٩٣- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وما جعله الله إلا بشرى لكم"، يقول: إنما جعلهم ليستبشروا بهم وليطمئنوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذ = يعني يوم أحد = قال مجاهد: ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر.
٧٧٩٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به"، لما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أن العزّ والحكم إلىّ، [[في المطبوعة: "وذلك أني أعرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي"، وهو كلام قد ضل عنه معناه. وفي المخطوطة: "وذلك أن العرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي"، وهو شبيه به في الخطل. والصواب ما أثبته من نص ابن إسحاق في سيرة ابن هشام.]] لا إلى أحد من خلقي. [[الأثر: ٧٩٩٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٤، وهو تابع للأثرين السالفين: ٧٧٣٣، ٧٧٤١.]]
٧٧٩٥- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وما النصر إلا من عند الله"، لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعَل"العزيز الحكيم".
* *
وأما معنى قوله:"العزيز الحكيم"، فإنه جل ثناؤه يعني:"العزيز" في انتقامه من أهل الكفر به بأيدي أوليائه من أهل طاعته ="الحكيم" في تدبيره لكم، أيها المؤمنون، على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره. [[في المخطوطة: "في تدبيره ولكم أيها المؤمنون وعلى أعدائكم"، وهو لا يستقيم مع سياقته، والصواب ما في المطبوعة.]] يقول: فأبشروا أيها المؤمنون، بتدبيري لكم على أعدائكم، ونصري إياكم عليهم، إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به، وصبرتم لجهاد عدوِّى وعدوِّكم.
القول في تأويل قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولقد نصركم الله ببدر"ليقطع طرفًا من الذين كفروا"، ويعني بـ"الطرف"، الطائفة والنفر.
* *
يقول تعالى ذكره: ولقد نصركم الله ببدر، كما يُهلك طائفة من الذين كفروا بالله ورسوله، فجحدوا وحدانية ربهم، ونبوة نبيهم محمد ﷺ، كما:-
٧٧٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ليقطع طرفًا من الذين كفروا"، فقطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشر.
٧٧٩٧- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحوه.
٧٧٩٨- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ليقطع طرفًا من الذين كفروا" الآية كلها، قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة.
٧٧٩٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ليقطع طرفًا من الذين كفروا"، أي: ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم. [[الأثر: ٧٧٩٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٩٩٤. هذا وقد أسقطت المخطوطة والمطبوعة"عن ابن إسحاق"، فأثبتها، فهو إسناد دائر في التفسير كما ترى.]]
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما النصر إلا من عند الله ليقطع طرفًا من الذين كفروا. وقال: إنما عنى بذلك من قُتل بأحد.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٠٠- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين -يعني بأحد- وكانوا ثمانية عشر رجلا فقال:"ليقطع طرفًا من الذين كفروا"، ثم ذكر الشهداء فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية. [سورة آل عمران: ١٦٩]
* *
وأما قوله:"أو يكبتهم"، فإنه يعني بذلك: أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر بكم.
وقد قيل: إن معنى قوله:"أو يكبتهم"، أو يصرعهم لوجوههم. ذكر بعضهم أنه سمع العرب تقول:"كبته الله لوجهه"، بمعنى صرعه الله. [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٠٣.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ولقد نصركم الله ببدر ليهلك فريقًا من الكفار بالسيف، أو يخزيهم بخيبتهم مما طمعوا فيه من الظفر ="فينقلبوا خائبين"، يقول: فيرجعوا عنكم خائبين، لم يصيبوا منكم شيئًا مما رجوا أن ينالوه منكم، كما:-
٧٨٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"أو يكبتهم فينقلبوا خائبين"، أو يردهم خائبين، أي: يرجع من بقي منهم فلاًّ خائبين، [[في المخطوطة والمطبوعة: "أو يرجع من بقي. . ."، والصواب من سيرة ابن هشام. وأما المطبوعة فقد حذفت قوله: "فلا"، لأن قلم الناسخ قد اضطرب فضرب خطأ غير بالغ على قوله: "فلا"، فظنها الناشر علامة حذف. والصواب إثباتها كما في سيرة ابن هشام. والفل (بفتح الفاء وتشديد اللام) : المنهزمون، يقال: "جاء فل القوم"، أي منهزموهم، يستوي فيه الواحد والجمع.]] لم ينالوا شيئًا مما كانوا يأملون. [[الأثر: ٧٨٠١- سيرة ابن هشام ٣: ١١٤، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: ٧٧٩٩.]]
٧٨٠٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أو يكبتهم"، يقول: يخزيهم،"فينقلبوا خائبين".
٧٨٠٣- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
القول في تأويل قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء.
* *
فقوله:"أو يتوب عليهم"، منصوبٌ عطفًا على قوله:"أو يكبتهم".
وقد يحتمل أن يكون تأويله: ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم = فيكون نصب"يتوب" بمعنى"أو" التي هي في معنى"حتى". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٤.]]
* *
قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بالصواب، لأنه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم، قبل توبة الكفار وعقابهم وبعد ذلك.
* *
وتأويل قوله:"ليس لك من الأمر شيء"، ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهيَ فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنّقَم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددتُ لأهل الكفر بي. كما:-
٧٨٠٤- حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ثم قال لمحمد ﷺ:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي، إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئتُ فعلتُ، أو أعذبهم بذنوبهم = [[في سيرة ابن هشام: ". . . بذنوبهم، فبحقي".]] "فإنهم ظالمون"، أي قد استحقوا ذلك بمعصيتهم إياي. [[الأثر: ٧٨٠٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٠١، مع اختلاف يسير في بعض لفظه.]]
* *
وذكر أن الله عز وجل إنما أنزل هذه الآية على نبيه محمد ﷺ، لأنه لما أصابه بأحُد ما أصابه من المشركين، قال، كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحق:"كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيهم!!
ذكر الرواية بذلك:
٧٨٠٥- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، قال أنس: قال النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رَبَاعيته، وشُجَّ، فجعل يمسح عن وجهه الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم!! فأنزلت:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". [[الحديث: ٧٨٠٥- هذا الحديث رواه الطبري متصلا بخمسة أسانيد: ٧٨٠٥ - ٧٨٠٨، ٧٨١٠، من طريق بشر بن المفضل، وابن أبي عدي، وهشيم، وأبي بكر بن عياش، وابن علية = الخمسة عن حميد بن أبي حميد الطويل، عن أنس بن مالك. ورواه: ٧٨٠٩، من حديث الحسن البصري، بنحوه، مرسلا.
وقد رواه أحمد في المسند: ١١٩٨٠، عن هشيم، و: ١٢٨٦٢، عن سهل بن يوسف، و: ١٣١١٥، عن يزيد بن هارون، و: ١٣١٧٠، عن ابن أبي عدي = أربعتهم عن حميد الطويل، به. (ج٣ ص٩٩، ١٧٨ - ١٧٩، ٢٠١، ٢٠٦ حلبى) . ورواه الترمذي ٤: ٨٣، عن أحمد بن منيع، وعبد بن حميد - كلاهما عن يزيد بن هارون، كرواية المسند: ١٣١١٥. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ورواه أبو جعفر النحاس، في الناسخ والمنسوخ، ص: ٩٠، من طريق يزيد بن هارون.
ورواه أحمد أيضًا، بنحوه: ١٣٦٩٢ (ج٣ ص٢٥٣ حلبي) ، عن عفان، عن حماد - وهو ابن سلمة - عن ثابت، عن أنس.
وكذلك رواه مسلم ٢: ٦٧، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن حماد بن سلمة، به
وذكره البخاري في الصحيح ٧: ٢٨١، مختصرًا، معلقًا، من الوجهين. قال: "قال حميد وثابت، عن أنس. . .". وبين الحافظ في الفتح أن رواية حميد وصلها أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن إسحاق في المغازي. وأن رواية ثابت وصلها مسلم.
وذكر ابن كثير ٢: ٢٣٨ رواية البخاري المعلقة. وفي ص: ٢٣٩ رواية أحمد عن هشيم. ثم أشار إلى رواية مسلم.
وذكره السيوطي ٢: ٧٠ - ٧١، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل.
وانظر ما يأتي: ٧٨١٨ - ٧٨٢١.
"الرباعية" - على وزن"ثمانية": الأسنان الأربعة التي تلي الثناياه، بين الثنية والناب.]]
٧٨٠٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ بنحوه.
٧٨٠٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﷺ بنحوه.
٧٨٠٨- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ حين شُجَّ في جبهته وكسِرت رباعيته: لا يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم! فأوحى الله إليه:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". [[الحديث: ٧٨٠٨- يحيى بن طلحة اليربوعي: سبق في: ٤٢١ أن النسائي ضعفه. والراجح توثيقه. فقد ترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٦٠، فلم يذكر فيه جرحًا.]]
٧٨٠٩- حدثني يعقوب، عن ابن علية قال، حدثنا ابن عون، عن الحسن: أن النبي ﷺ قال يوم أحُد: كيف يفلح قوم دمَّوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله عز وجل!! فنزلت:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون". [[الحديث: ٧٨٠٩- هذه رواية الحسن المرسلة. وقد ذكر السيوطي ٢: ٧١ رواية عن الحسن، مطولة مرسلة أيضًا، ونسبها لعبد بن حميد، وحده.]]
٧٨١٠- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ، نحو ذلك.
٧٨١١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وقد جُرح نبي الله ﷺ في وجهه وأصيبَ بعضُ رباعيته، فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد وكِسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله! فأنزل الله تبارك وتعالى:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٣- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قوله:"ليس لك من الأمر شيء" الآية قال قال الربيع بن أنس: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ يوم أحُد، وقد شج رسول الله ﷺ في وجهه وأصيبتْ رباعيته، فهم رسول الله ﷺ أن يدعوَ عليهم، فقال: "كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله وهم يدعونه إلى الشيطان، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! فهمَّ أن يدعوَ عليهم، فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون"، فكفَّ رسول الله ﷺ عن الدعاء عليهم.
٧٨١٤- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم" الآية كلها، فقال: جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صُنع بأصحابه يوم بدر، فقاتل أصحابَ محمد ﷺ يوم أحد قتالا شديدًا، حتى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ كلمةً علم الله أنها قد خالطت غضبًا: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الإسلام! فقال الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: أن رباعية النبي ﷺ أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في وجهه. وكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي ﷺ الدمَ، والنبي ﷺ يقول: كيف يفلح قوم صنعوا بنبيهم هذا!! فأنزل الله عز وجل:"ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون".
٧٨١٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم: أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد، حين كسر رباعيته، وَوثأ وجهه، [[وثأه وثأه: فهو أن يضرب حتى يرهص الجلد واللحم، ويصل الضرب إلى العظم من غير أن ينكسر، يكسر اللحم ولا يكسر العظم.]] فقال:"اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا! " قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرا.
٧٨١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: شج النبي ﷺ في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته.
= قال ابن جريج: ذكر لنا أنه لما جرح، جعل سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه، ورسول الله ﷺ يقول:"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى الله! ". فأنزل الله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾
* *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النبي ﷺ، لأنه دعا على قوم، فأنزل الله عز وجل: ليس الأمر إليك فيهم.
ذكر الرواية بذلك:
٧٨١٨ - حدثني يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ، كان يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ قال: وهداهم الله للإسلام [[الحديث: ٧٨١٨ - خالد بن الحارث بن عبيد، أبو عثمان الهجيمي: ثقة ثبت إمام. وقال أحمد: " إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ".
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٨١٣، عن يحيى بن حبيب بن عربي- شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد. ولم يذكر لفظه، إحالة على رواية قبله.
ورواه الترمذي ٤: ٨٤ عن يحيى بن حبيب بن عربي أيضًا. وقال: " هذا حديث حسن غريب صحيح، يستغرب من هذا الوجه، من حديث نافع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان".
ورواه أحمد أيضًا: ٥٨١٢ - قبل الرواية السابقة -: عن أبي معاوية الغلابي، عن خالد بن الحارث.
ورواه أحمد أيضًا: ٥٩٩٧، بنحوه، عن هارون بن معروف المروزي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر.
وهو متابعة صحيحة لرواية ابن عجلان عن نافع، التي استغربها الترمذي - فكانت غير غريبة، بهذه المتابعة الصحيحة.
وذكره ابن كثير ٢: ٢٣٨، من رواية المسند: ٥٨١٢.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٧٠، من روايتي أحمد والترمذي.
وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه للترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، فقط.
وانظر الحديث التالي لهذا.]] .
٧٨١٩ - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أحمد بن بشير، عن عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ: اللهم العن أبا سفيان! اللهم العن الحارث بن هشام! اللهم العن صفوان بن أميه! فنزلت: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [[الحديث: ٧٨١٩ - أحمد بن بشير، أبو بكر الكوفي، مولى عمرو بن حريث المخزومي: ثقة، أخرج له البخاري في صحيحه، وترجمه هو وابن أبي حاتم، فلم يذكرا فيه جرحًا. ومن نقل فيه جرحًا عن ابن معين فقد وهم. ذاك " أحمد بن بشير " آخر، كما بينه الخطيب في تاريخ بغداد ٤: ٤٦ - ٤٨.
ووقع في المطبوعة هنا اسم أبيه " سفيان"، وفي المخطوطة "سنين" - وكلاهما خطأ، ليس في الرواة من يسمى بهذا أو بذاك، إلا راويًا اسمه " أحمد بن سفيان أبو سفيان النسائي" وهو متأخر عن هذه الطبقة. وأثبتنا الصواب عن ذلك، وعن رواية الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد، كما سيأتي.
عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: رجحنا توثيقه في شرح المسند: ٥٦٣٨، بأنه أخرج له مسلم في صحيحه، وبقول الحاكم: " أحاديثه كلها مستقيمة". وهو يروي هنا عن عمه " سالم بن عبد الله بن عمر " عن جده " عبد الله بن عمر".
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٦٧٤، عن أبي النضر، عن أبي عقيل عبد الله بن عقيل، عن عمر بن حمزة، به وزاد في آخره بعد نزول الآية: " قال: فتيب عليهم ".
ورواه الترمذي ٤: ٨٣، عن أبي السائب سلم بن جنادة بن سلم الكوفي - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد. وزاد في آخره: " فتاب عليهم، فأسلموا فحسن إسلامهم ".
وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم. وكذا رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه".
ورواية الزهري عن سالم - التي أشار إليها الترمذي - رواها أحمد في المسند: ٦٣٤٩، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.
وكذا رواها أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: ٨٩، من طريق عبد الرزاق، به. ورواه أيضًا ابن المبارك عن معمر.
فرواه أحمد في المسند: ٦٣٥٠، عن علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن معمر، عن سالم. عن أبيه.
وكذلك رواه البخاري ٧ / ٢٨١، ٨: ١٧٠ / و ١٣: ٢٦٣ - ٢٦٤، من طريق عبد الله بن المبارك.
ورواه البخاري أيضًا ٧: ٢٨١، من رواية ابن المبارك، عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن سالم بن عبد الله: " كان رسول الله ﷺ يدعو. . . " رواه تبعًا لحديث ابن المبارك عن معمر، فقال الحافظ في الفتح: " والراوي له عن حنظلة، هو عبد الله بن المبارك".
ووهم من زعم أنه معلق. وقوله: " سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله ﷺ يدعو "، إلى آخره -: هو مرسل.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٢٣٨، عن رواية المسند: ٥٦٧٤.
وذكره السيوطي ٢: ٧١، وزاد نسبته للنسائي، والبيهقي في الدلائل.]] .
٧٨٢٠ - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال، صلى رسول الله ﷺ الفجر، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قالاللهم أنج عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد! اللهم أنج المستضعفين من المسلمين! اللهم اشدد وطأتك على مضر! اللهم سنين كسنين آل يوسف! فأنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم﴾ [[الحديث: ٧٨٢٠ - عبد الله بن كعب: هو الحميري المدني، مولى عثمان بن عفان. وهو ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه، وترجمه ابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ١٤٢.
وهذا الحديث مرسل، لأن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي - تابعي- وقد مضت ترجمته في: ٢٣٥١. ولم أجد هذا الحديث المرسل في موضع آخر. ومعناه ثابت صحيح في الحديث الآتي عقبه: ٧٨٢١، وفي حديث أبي هريرة في المسند: ٧٦٥٦، من رواية الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. عن أبي هريرة. ولكن ليس فيه نزول الآية.
ثم وجدته موصولا من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن نفسه:
فرواه البخاري ٢: ٢٤١ - ٢٤٢، في حديث مطول، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري " قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة ... قالا: وقال أبو هريرة: وكان رسول الله ﷺ حين يرفع رأسه. . . " - إلخ.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٢٠٧، مقتصرًا على القسم الأخير منه، من أول قوله: " كان رسول الله ﷺ " - من طريق عثمان بن سعيد الدارمي، عن أبي اليمان، بمثل إسناد البخاري، ثم قال: " رواه البخاري في الصحيح، عن أبي اليمان ".
ووجدته أيضا مرسلا، مثل رواية الطبري هنا:
فرواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ١٤٢، من طريق سلمة بن رجاء، عن محمد بن إسحاق، بمثل إسناد الطبري هنا. وزاد في آخره بعد الآية: " قال: فما دعا رسول الله ﷺ بدعاء على أحد ".]] الآية.
٧٨٢١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أخبره، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن: أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ، في صلاة الفجر، من القراءة ويكبر ويرفع رأسه:"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" ثم يقول وهو قائم:"اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين! اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف! اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله! ". ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ [[الحديث: ٧٨٢١ - روى مسلم في صحيحه ١: ١٨٧، عن أبي الطاهر، وحرملة بن يحيى - كلاهما عن ابن وهب، بهذا الإسناد.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ١٩٧، من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، به. ثم أشار إلى رواية مسلم.
ورواه الطحاوي في معاني الآثار ١: ١٤٢، عن يونس بن عبد الأعلى - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد؛ ولكنه اختصر آخره، فلم يذكر قوله: " ثم بلغنا أنه ترك ذلك. . . ".
ورواه أحمد في المسند: ٧٤٥٨، عن أبي كامل، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، بهذا الإسناد، نحوه.
وكذلك رواه البخاري ٨: ١٧٠ - ١٧١ (فتح) ، عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد، به.
وكذلك رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٩، من طريق الحسن بن محمد، عن إبراهيم بن سعد.
وكذلك رواه البيهقي ٢: ١٩٧، من طريق محمد بن عثمان بن خالد، عن إبراهيم بن سعد.
ونقله ابن كثير ٢: ٢٣٨، عن رواية البخاري، التي أشرنا إليها آنفًا.
وذكره السيوطي ٢: ٧١، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم يفرق بين روايتي إبراهيم بن سعد ويونس، والفرق بينهما واضح - فنسبه بنحو رواية يونس - للبخاري والنحاس، وهما لم يروياه بهذا اللفظ.
وقد قال الحافظ في الفتح ٧: ٢٨٢، في شرح حديث ابن عمر، الذي أشرنا إليه في شرح: ٧٨١٩ - قال: " ووقع في رواية يونس، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، نحو حديث ابن عمر، لكن فيه: اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية، قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت: (ليس لك من الأمر شيء) . قلت: [القائل ابن حجر] . وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخى عن قصة أحد. لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها، كما سيأتي تلو هذه الغزوة، وفيه بعد. والصواب: أنها نزلت في شأن الذين دعا عليهم بسبب قصة أحد. والله أعلم. ويؤيد ذلك ظاهر قوله في صدر الآية: (ليقطع طرفًا من الذين كفروا) أي يقتلهم، (أو يكبتهم) أي يخزيهم، ثم قال: (أو يتوب عليهم) أي فيسلموا، (أو يعذبهم) أي إن ماتوا كفارًا ".
وهذا تحقيق نفيس جيد من الطراز العالي.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) ﴾ قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: ليس لك يا محمد، من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها، دونك ودونهم، يحكم فيهم بما يشاء، ويقضي فيهم ما أحب، فيتوب على من أحب من خلقه العاصين أمرَه ونهيه، ثم يغفر له، ويعاقب من شاء منهم على جرمه فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه ذنوبه من خلقه بفضله عليهم بالعفو والصفح، والرحيم بهم في تركه عقوبتهم عاجلا على عظيم ما يأتون من المآثم. كما:-
٧٨٢٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله غفور رحيم"، أي يغفر الذنوب، ويرحم العباد، على ما فيهم. [[الأثر: ٧٨٢٢- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: ٧٨٠٤.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تأكلوا الربا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليتكم.
* *
وكان أكلهم ذلك في جاهليتهم: أنّ الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخِّر عنى ديْنك وأزيدك على مالك. فيفعلان ذلك. فذلك هو"الربا أضعافًا مضاعفة"، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه،. كما:-
٧٨٢٣- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: كانت ثقيف تدَّاين في بني المغيرة في الجاهلية، فإذا حلّ الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخِّرون؟ فنزلت:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة".
٧٨٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة"، أي: لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله له، [[سيرة ابن هشام: "هداكم الله به".]] ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره، مما لا يحل لكم في دينكم. [[الأثر: ٧٨٢٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، من بقية الآثار التي آخرها رقم: ٧٨٢٢.]]
٧٨٢٥- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجلّ:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة" قال: ربا الجاهلية.
٧٨٢٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة"، قال: كان أبي يقول: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن. [[السن: العمر. يريد بها أسنان الأنعام، كما سيتبين لك من بقية الأثر.]] يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ [[في المخطوطة: "تقضي أو تزدني".]] فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك = إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حِقَّة، ثم جَذَعة، ثم رباعيًا، [["المخاض": النوق الحوامل. و"ابن المخاض" و"ابنة المخاض"، ما دخل في السنة الثانية، لأن أمه لحقت بالمخاض، أي الحوامل."واللبون": الناقة ذات اللبن. و"ابن اللبون" و"ابنة لبون"، ما أتى عليه سنتان، ودخل في السنة الثالثة. فصارت أمه لبونًا، أي ذات لبن. و"الحق" و"الحقة" البعير إذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة."والجدع" و"الجذعة" ما استكمل أربعة أعوام ودخل في الخامسة. فإذا طعن البعير في السادسة فهو"ثنى"، وقد سقط هذا من الأسنان التي يذكرها. أما "الرباع" للذكر، و"الرباعية" للأنثى، فهو الذي دخل في السابعة.]] ثم هكذا إلى فوق = وفي العين يأتيه، [[العين: المال. من ذهب وفضة وأشباهها.]] فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله:"لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة".
* *
وأما قوله:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، فإنه يعني: واتقوا الله أيها المؤمنون، في أمر الربا فلا تأكلوه، وفي غيره مما أمركم به أو نهاكم عنه، وأطيعوه فيه ="لعلكم تفلحون"، يقول: لتنجحوا فتنجوا من عقابه، وتدركوا ما رغَّبكم فيه من ثوابه والخلود في جنانه، كما:-
٧٨٢٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، أي: فأطيعوا الله لعلكم أن تنجوا مما حذركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فيه من ثوابه. [[الأثر: ٧٨٢٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٤، وفي السيرة"لعلكم تنجون. . . وتدركون".]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه = التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، [[في المطبوعة: "مداخلهم" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة.]] بخلافكم أمري، وترككم طاعتي. كما:-
٧٨٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"واتقوا النار التي أعدت للكافرين"، التي جعلت دارًا لمن كفر بي. [[الأثر: ٧٨٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥ تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٧.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك ="لعلكم ترحمون"، يقول: لترحموا فلا تعذبوا.
* *
وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحابَ رسول الله ﷺ الذين خالفوا أمرَه يوم أحد، فأخلُّوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد. [[الأثر: ٧٨٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٨.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واتقوا، أيها المؤمنون، النارَ أن تصلوْها بأكلكم الربا بعد نهيي إياكم عنه = التي أعددتها لمن كفر بي، فتدخلوا مَدْخَلَهم بعد إيمانكم بي، [[في المطبوعة: "مداخلهم" بالجمع، وأثبت ما في المخطوطة.]] بخلافكم أمري، وترككم طاعتي. كما:-
٧٨٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"واتقوا النار التي أعدت للكافرين"، التي جعلت دارًا لمن كفر بي. [[الأثر: ٧٨٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥ تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٧.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك ="لعلكم ترحمون"، يقول: لترحموا فلا تعذبوا.
* *
وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحابَ رسول الله ﷺ الذين خالفوا أمرَه يوم أحد، فأخلُّوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون"، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد. [[الأثر: ٧٨٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، تابع الآثار التي آخرها: ٧٨٢٨.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وسارعوا"، وبادروا وسابقوا = [[انظر تفسير"سارع" فيما سلف ٧: ١٣٠.]] "إلى مغفرة من ربكم"، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها ="وجنة عرضها السموات والأرض"، يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
* *
ذكر أن معنى ذلك: وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وجنة عرضها السموات والأرض"، قال: قال ابن عباس: تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة.
* *
وإنما قيل:"وجنة عرضها السموات والأرض"، فوصف عرضها بالسموات والأرضين، والمعنى ما وصفنا: من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨] ، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر: [[هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي، وينسب لأعشى باهلة، وللنابغة خطأ.]]
كأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوب سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ [[الكامل ٢: ١٩٦، معجم البلدان (سلى) ، واللسان (فوق) (سلل) ، وكان شقيق بن جزء قد أغار على بني ضبة بروضة سلى وروضة ساجر، وهما روضتان لعكل -وضبة وعدى وعكل وتيم حلفاء متجاورون- فهزمهم، وأفلت عوف بن ضرار، وحكيم بن قبيصة بن ضرار بعد أن جرح، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي، فقال شقيق: لَقَدْ قَرَّتْ بِهِمْ عَيْني بِسِلَّى ... وَرَوْضَةِ سَاجِرٍ ذَاتِ القَرَارِ
جَزَيْتُ المُلْجِئِينَ بِمَا أَزَلْتْ ... مِنَ البُؤْسَى رِمَاحُ بني ضِرَارِ
وَأَفْلَتَ من أسِنَّتِنَا حَكِيمٌ ... جَرِيضًا مِثْلَ إفْلاتِ الحِمارِ
كأَنَّ عَذِيرَهُمْ............ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي المعجم"ذات العرا"، والصواب ما أثبت. والقرار: المكان المنخفض المطمئن يستقر فيه الماء، فتكون عندها الرياض، ومنه قوله تعالى: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين". والملجئ الذي قد تحصن بملجأ واعتصم. وأزل إليه زلة: أي أنعم إليه واصطنع عنده صنيعة، وإنما أراد: ما قدم من السوء، سخرية منهم. يقول: جزيتهم هؤلاء المعتصمين بأسوأ ما صنعوا. وقوله: "جريضًا"، أي أفلت وقد كاد يقضى ويهلك. والعذير: الحال. يقول كأن حالهم حال نعام في أرض قفر يصوت مذعورًا، هزموا وتصايحوا. والقفار جمع قفر، يقال: "أرض قفر وأرض قفار"، يوصف بالجمع.]]
أي: عذيرُ نعام، وكما قال الآخر: [[هو ذو الخرق الطهوي.]]
حَسِبتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا! ... وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ [[سلف تخريجه وشرحه في ٣: ١٠٣.]]
يريد صوت عناق.
* *
قال أبو جعفر: وقد ذكر أنّ رسول الله ﷺ سئل فقيل له: هذه الجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء، أين الليل.
ذكر الأخبار عن رسول الله ﷺ وغيره.
٧٨٣١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد. [[في المطبوعة: "قد أقعد". وهو خطأ لا شك فيه، وفي تفسير ابن كثير ٢: ٢٤٠"قد فسد"، وهو خطأ أيضًا، ولكنه رجع عندي أن نص الطبري هنا قد"فند" (بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيًا للمجهول) بمعنى: قد نسب إلى الفند (بفتحتين) وهو العجز، والخرف وإنكار العقل من الهرم والمرض، ولم يرد ذلك إنما أراد الكبر والهرم إلى أقصى العمر. وأهل اللغة يقولون في ذلك"أفند" (بالبناء للمعلوم) ، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند، وأما رواية أحمد في المسند، فنصها: "شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب".]] قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره. قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية. فإذا كتاب صاحبي:"إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، [[في المطبوعة: "فإذا هو أنك كتبت تدعوني"، وهو محاولة تصحيح لما في المخطوطة، وكان فيها: "فإذا كان كتبت تدعوني"، والصواب الذي أثبته من ابن كثير في تفسيره ٢: ٢٤١، ومثله في خبر أحمد في مسنده.]] فأين النار؟ " فقال رسول الله ﷺ: سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ [[الحديث: ٧٨٣١-"مسلم بن خالد": هو الزنجي المكي الفقيه، شيخ الإمام الشافعي. وهو في نفسه صدوق، ولكنه يخطئ كثيرًا في روايته، حتى قال البخاري: "منكر الحديث" ولذلك رجحنا تضعيفه في المسند: ٦١٣. ابن خثيم - بضم الخاء المعجمة ثم فتح الثاء المثلثة: هو عبد الله بن عثمان بن خثيم، مضت ترجمته في: ٤٣٤١. سعيد بن أبي راشد: في التهذيب ٤: ٢٦ ويقال: ابن ر٠اشد. روى عن يعلى بن مرة الثقفي، وعن التنوخي النصراني رسول قيصر، ويقال: رسول هرقل. وعنه عبد الله بن عثمان بن خثيم. ذكره ابن حبان في الثقات، قلت: وفي الرواة سعيد بن أبي راشد، أو ابن راشد - آخر".
ثم نقل طابع التهذيب هامشة عن الأصل الذي يطبع عنه. وجعل رقمها عند قوله"النصراني" - وهذا نصها: "قال شيخنا: أسلم متأخرًا، عن هذا يقال له أبو محمد المازني، السماك، مذكور في كتاب الضعفاء. نبهت عليه"!!
وهذا تخطيط عجيب من الطابع. فالهامشة أصلها هامشتان يقينًا، كل منهما في موضع، كما هو بديهي.
فإن قوله: "أسلم متأخرًا" هو المناسب لقوله"النصراني". وأما ما بعده، فإنه يريد به أن"سعيد بن راشد" أو"ابن أبي راشد" متأخر عن المترجم الذي يروى عن رسول قيصر، وأن هذا المتأخر هو الذي كنيته"أبو محمد المازني السماك". وهو مترجم في الكبير للبخاري ٢ / ١ / ٤٣١، وقال فيه: "منكر الحديث". وترجمه ابن أبي حاتم ٤ / ١ / ١٩ - ٢٠ برقم: ٨٠، وترجم قبله، برقم: ٧٩"سعيد بن أبي راشد" وأنه صحابي، وترجم بعدهما برقم: ٨١"سعيد بن راشد المرادى" - وهو متأخر عن هذين.
وترجم الحافظ في الإصابة ٣: ٩٦ للصحابي، ثم قال في آخر الترجمة: "وأما سعيد بن أبي راشد شيخ عبد الله بن عثمان بن خثيم، روى عنه عن رسول قيصر حديثًا = فأظنه غير هذا".
وترجم الذهبي في الميزان ١: ٣٧٩ ثلاث تراجم، فرق بينها، وبين ضعف"سعيد بن راشد المازني السماك". وكذلك صنع الحافظ في لسان الميزان ٣: ٢٧ - ٢٨. و"سعيد بن راشد السماك" الضعيف: ترجمه ابن حبان في المجروحين، برقم: ٣٩٨، وأساء القول فيه. والراجح عندي أن"سعيد بن أبي راشد" الذي هنا = هو الصحابي. وأنه روى هذا عن التنوخي رسول هرقل.
يعلى بن مرة: هو الثقفي الصحابي المعروف. وعندي أن ذكره في هذا الإسناد مقحم خطأ، كما سيأتي.
التنوخي رسول هرقل: لم أجد له ترجمة، إلا ذكره بهذا الوصف وأنه روى عنه سعيد بن أبي راشد، كما ذكره الحافظ في التعجيل، ص: ٥٣٥. وإلا الكلمة التي نقلها طابع التهذيب عن هامش أصله بأنه أسلم متأخرًا. فهو بهذا لا يعتبر من الصحابة، لأنه حين لقي النبي ﷺ لم يكن مسلمًا، وإنما أسلم بعده. ولا يعتبر من الصحابة إلا من رأى النبي ﷺ وكان مسلمًا حين الرؤية. أما من رآه وكان كافرًا حين الرؤية ثم أسلم بعد موته ﷺ -كالتنوخي هذا- فلا صحبة له. انظر تدريب الراوي، ص: ٢٠٢
ولكن روايته تكون صحيحة مقبولة، لأنه كان مسلمًا حين الأداء، أعني التبليغ والتحديث، وإن كان كافرًا حين التحمل، أعني الرؤية وسماع ما يرويه. وانظر أيضًا تدريب الراوي، ص: ١٢٨. وهذا الحديث طرف من حديث طويل في قصة، رواه الإمام أحمد في المسند: ١٥٧١٩ (ج٣ ص ٤٤١ - ٤٤٢ حلبي) ، عن إسحاق بن عيسى -وهو الطباع- عن يحيى بن سليم، وهو الطائفي، "عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، قال: رأيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ، بحمص، وكان جارًا لي، شيخًا كبيرًا، قد بلغ الفند أو قرب. . ." - إلى آخر القصة.
وقد نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ ٥: ١٥ - ١٦، عن المسند -بطوله- وبإسناده، ثم قال: "هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به. تفرد به أحمد". وأشار إليه في التفسير ٢: ٢٤٠، إشارة موجزة.
وقد وقع في نسختي المسند - المطبوعة والمخطوطة: "يحيى بن سليمان"، بدل"يحيى بن سليم". وهو خطأ من الناسخين. وثبت على الصواب في تاريخ ابن كثير. فهذه رواية يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم - فيها أن سعيد بن أبي راشد هو الذي لقى التنوخي وسمع منه هذا الحديث.
ويحيى بن سليم: سبق توثيقه في: ٤٨٩٤. وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، ومهما يقل في حفظه فلا نشك أنه كان أحفظ من مسلم بن خالد الزنجي الضعيف، وخاصة في حديث ابن خثيم، فقد شهد أحمد ليحيى بن سليم بأنه"كان قد أتقن حديث ابن خثيم".
فعن ذلك قطعنا بأن زيادة"عن يعلى بن مرة" - في إسناد الطبري هذا - خطأ ووهم. والراجح أن الخطأ من مسلم بن خالد. ورواية الطبري - هذه - ذكرها ابن كثير في التفسير ٢: ٢٤٠ - ٢٤١، والسيوطي ٢: ٧١، ولم ينسبها لغيره.]]
٧٨٣٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أنّ ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن"جنة عرضها السموات والأرض"، أين النار؟ قال: أرأيتم إذا جاء الليل، أن يكون النهار؟ "فقالوا: اللهم نزعْتَ بمثَله من التوراة! [[في المطبوعة: "مثله من التوراة"، وفي المخطوطة"فمثله"، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: "انتزع معنى جيدًا ونزعه"، أي استخرجه واستنبطه.]] .
٧٨٣٣- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيت قوله:"وجنة عرضها السموات والأرض"، فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر:"أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ " فقالوا: نزعت مثَلها من التوراة.
٧٨٣٤- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، أخبرنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر بنحوه، في الثلاثة الرّهط الذين أتوا عمر فسألوه: عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بمثل حديث قيس بن مسلم.
٧٨٣٥- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون:"جنة عرضها السموات والأرض"، أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟ أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ.
٧٨٣٦- حدثني أحمد بن حازم قال، أخبرنا أبو نعيم قال، حدثنا جعفر بن برقان قال، حدثنا يزيد بن الأصم: أن رجلا من أهل الكتاب أتى ابن عباس فقال: تقولون"جنة عرضها السموات والأرض"، فأين النار؟ فقال ابن عباس: أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟ [[الحديث: ٧٨٣٦- جعفر بن برقان -بضم الباء الموحدة وسكون الراء- الكلابي الجزري: ثقة صدوق، وثقه ابن معين، وابن نمير، وغيرهما. يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي: تابعي ثقة، أمه برزة بنت الحارث، أخت ميمونة أم المؤمنين. وعبد الله بن عباس هو ابن خالته.
ووقع في المطبوعة هنا"يزيد الأصم"، وهو خطأ."الأصم" لقب أبيه، وليس لقبه. وهذا الحديث رواه يزيد بن الأصم عن ابن خالته ابن عباس، موقوفًا عليه من كلامه. والإسناد إليه صحيح.
وقد رواه أيضًا يزيد، عن أبي هريرة، مرفوعًا قال، "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي ﷺ: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء، أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال: فإن الله يفعل ما يشاء". رواه ابن حبان في صحيحه، رقم: ١٠٣ بتحقيقنا، والحاكم في المستدرك ١: ٣٦ - من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولا أعلم له علة"، ووافقه الذهبي. وكذلك رواه البزار من حديثه. نقله عنه ابن كثير ٢: ٢٤١، بنحوه.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣٢٧، وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح". وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه للبزار والحاكم فقط. وأما الموقوف على ابن عباس، فقد نقله ابن كثير ٢: ٢٤١، عن هذا الموضع من الطبري. وذكره السيوطي ٢: ٧١، ونسبه إليه وإلى عبد بن حميد.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"أعدت للمتقين" فإنه يعني: إنّ الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع، أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه. كما:-
٧٨٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين"، أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي. [[الأثر: ٧٨٣٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٢٩. وكان في المطبوعة: "أي ذلك لمن أطاعني"، وهو إن كان مستقيما على وجه، إلا أن نص ابن هشام أشد استقامة على منهاج المعنى في الآية، فأثبت نص ابن هشام. هذا مع قرب التصحيف في"دارًا" إلى"ذلك". فمن أجل هذا رجحت ما في سيرة ابن هشام.]]
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء"، أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله. [[في المطبوعة: "للجهاد"، بلامين، وأثبت ما في المخطوطة. والمضعف: الذي قد ضعفت دابته.]]
* *
وأما قوله:"في السراء"، فإنه يعني: في حال السرور، بكثرة المال ورخاء العيش
* *
"والسراء" مصدر من قولهم"سرني هذا الأمر مسرَّة وسرورًا"
* *
"والضراء" مصدر من قولهم:"قد ضُرّ فلان فهو يُضَرّ"، إذا أصابه الضُّر، وذلك إذا أصابه الضيق، والجهد في عيشه. [[انظر تفسير"الضراء" فيما سلف ٣: ٣٥٠ - ٣٥٢.]]
* *
٧٨٣٨- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء"، يقول: في العسر واليسر.
* *
فأخبر جل ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها، لمن اتقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة، [[في المخطوطة: "في حال الرضا"، وكأنها صواب أيضًا.]] وفي حال الضيق والشدة، في سبيله.
* *
وقوله:"والكاظمين الغيظ"، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه.
* *
يقال منه:"كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.
وأصل ذلك من"كظم القربة"، يقال منه:"كظمتُ القربة"، إذا ملأتها ماء. و"فلان كظيمٌ ومكظومٌ"، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا. ومنه قول الله عز وجل، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: ٨٤] يعني: ممتلئ من الحزن. ومنه قيل لمجاري المياه:"الكظائم"، لامتلائها بالماء. ومنه قيل:"أخذت بكَظَمِه" يعني: بمجاري نفسه.
* *
و"الغيظ" مصدر من قول القائل:"غاظني فلان فهو يغيظني غيظًا"، وذلك إذا أحفظه وأغضبهُ.
* *
وأما قوله:"والعافين عن الناس"، فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.
* *
وأما قوله:"والله يحب المحسنين"، فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم"احسنون"، وإحسانهم، هو عملهم بها،. كما:-
٧٨٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"الذين ينفقون في السراء والضراء" الآية:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به. [[الأثر: ٧٨٣٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٥ وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٣٧.]]
٧٨٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله. فنِعْمت والله يا ابن آدم، الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ، وأنت مظلومٌ.
٧٨٤١- حدثني موسى بن عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محرز أبو رجاء، عن الحسن قال: يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر. فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية:"والعافين عن الناس والله يحب المحسنين". [[الأثر: ٧٨٤١-"موسى بن عبد الرحمن المسروقي" سلفت ترجمته برقم: ٣٣٤٥. و"محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي" مضت ترجمته أيضًا برقم: ٤٥٥٧. و"محرز""أبو رجاء" هو"محرز بن عبد الله الجزري"، مولى هشام بن عبد الملك. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان يدلس عن مكحول".]]
٧٨٤٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة في قوله:"والكاظمين الغيظ": أن النبي ﷺ قال: من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا. [[الحديث ٧٨٤٢- داود بن قيس الفراء: سبق توثيقه في: ٥٣٩٨. زيد بن أسلم: تابعي ثقة معروف، مضى في ٥٤٦٥.
وأما عبد الجليل، الذي ذكر غير منسوب، إلا بأنه من أهل الشام -: فإنه مجهول. وعمه أشد جهالة منه.
وقد ذكره الذهبي في الميزان، والحافظ في اللسان، في ترجمة"عبد الجليل"، وقالا: "قال البخاري: لا يتابع عليه".
وترجمه ابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٣، وقال: "روى عنه داود بن قيس. وقال بعضهم: عن داود ابن قيس، عن زيد بن أسلم". أي كمثل رواية الطبري هنا.
وهذا الإسناد ضعيف، لجهالة اثنين من رواته. وقد نقله ابن كثير ٢: ٢٤٤، عن عبد الرزاق، به.
ونقله السيوطي ٢: ٧١ - ٧٢، ونسبه لعبد الرزاق، والطبري وابن المنذر.
وذكره في الجامع الصغير: ٨٩٩٧، ونسبه لابن أبي الدنيا في ذم الغضب؛ ولم ينسبه لغيره، فكان عجبًا!!
وفي معناه حديثان، رواهما أبو داود: ٤٧٧٧، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه. و: ٤٧٧٨، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء الصحابة، عن أبيه.
وقد روى أحمد في المسند: ٦١١٤، عن علي بن عاصم، عن يونس بن عبيد، أخبرنا الحسن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ، يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى".
وهذا إسناد صحيح. ونقله ابن كثير ٢: ٢٤٤، من تفسير ابن مردويه. من طريق علي بن عاصم، عن يونس بن عبيد، به. ثم قال: "رواه ابن جرير. وكذا رواه ابن ماجه، عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، به". فنسبه ابن كثير -في هذا الموضع- لرواية الطبري. ولم يقع إلينا فيه في هذا الموضع. فلا ندري: أرواه ابن جرير في موضع آخر، أم سقط هنا سهوًا من الناسخين؟ فلذلك أثبتناه في الشرح احتياطًا.]]
٧٨٤٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"والكاظمين الغيظ" إلى"والله يحب المحسنين"، فـ"الكاظمين الغيظ" كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [سورة الشورى: ٣٧] ، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله ="والعافين عن الناس" كقوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [سورة النور: ٢٢] ، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا.
القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"والذين إذا فعلوا فاحشة"، أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في السراء والضراء، والذين إذا فعلوا فاحشة. وجميع هذه النعوت من صفة"المتقين"، الذين قال تعالى ذكره:"وجنة عرضُها السموات والأرض أعدت للمتقين"، كما:-
٧٨٤٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية:"الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين"، ثم قرأ:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" إلى"أجر العاملين"، فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد.
٧٨٤٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم"، قال: هذان ذنبان،"الفاحشة"، ذنب،"وظلموا أنفسهم" ذنب.
* *
وأما"الفاحشة"، فهي صفة لمتروك، ومعنى الكلام: والذين إذا فعلوا فعلة فاحشة.
* *
ومعنى"الفاحشة"، الفعلة القبيحة الخارجة عما أذِن الله عز وجل فيه. وأصل"الفحش": القبح، والخروج عن الحد والمقدار في كل شيء. ومنه قيل للطويل المفرط الطول:"إنه لفاحش الطول"، يراد به: قبيح الطول، خارج عن المقدار المستحسن. ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد:"كلام فاحش"، وقيل للمتكلم به:"أفحش في كلامه"، إذا نطق بفُحش [[انظر تفسير"الفحشاء" فيما سلف ٣: ٣٠٣ / ٤: ٥٧١.]] .
* *
وقيل: إن"الفاحشة" في هذا الموضع، معنىٌّ بها الزنا.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٤٦- حدثنا العباس بن عبد العظيم قال، حدثنا حبان قال، حدثنا حماد، عن ثابت، عن جابر:"والذين إذا فعلوا فاحشة"، قال: زنى القوم وربّ الكعبة.
٧٨٤٧- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والذين إذا فعلوا فاحشة"، أما"الفاحشة"، فالزنا.
* *
وقوله:"أو ظلموا أنفسهم"، يعني به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك، ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته، كما:-
٧٨٤٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قوله:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم"، قال: الظلم من الفاحشة، والفاحشة من الظلم.
* *
وقوله:"ذكروا الله"، يعني بذلك: ذكروا وعيد الله على ما أتوا من معصيتهم إياه ="فاستغفروا لذنوبهم"، يقول: فسألوا ربهم أن يستُر عليهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة عليها ="ومن يغفر الذنوب إلا الله"، يقول: وهل يغفر الذنوب -أي يعفو عن راكبها فيسترها عليه- إلا الله ="ولم يصروا على ما فعلوا"، يقول: ولم يقيموا على ذنوبهم التي أتوها، ومعصيتهم التي ركبوها ="وهم يعلمون"، يقول: لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها، وهم يعلمون أنّ الله قد تقدم بالنهي عنها، وأوعد عليها العقوبةَ من ركبها.
* *
وذكر أن هذه الآية أنزلت خصوصًا بتخفيفها ويسرها أُمَّتَنا، [[في المطبوعة: "أمنا"، مكان"أمتنا"، أخطأ الناشر الأول قراءتها، لأنها غير منقوطة في المخطوطة، وقوله: "أمتنا" منصوب، مفعول به لقوله: "خصوصًا". أي: قد خص الله بتخفيفها ويسرها أمتنا.]] مما كانت بنو إسرائيل ممتحنة به من عظيم البلاء في ذنوبها.
٧٨٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبى رباح: أنهم قالوا: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه:"اجدع أذنك"،"اجدع أنفك"،"افعل"! فسكت رسول الله ﷺ، فنزلت:"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" إلى قوله:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم"، فقال رسول الله ﷺ:"ألا أخبركم بخير من ذلك"؟ فقرأ هؤلاء الآيات.
٧٨٥٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني عمر بن أبي خليفة العبدي قال، حدثنا علي بن زيد بن جدعان قال: قال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيل إذا أذنبوا أصبح مكتوبًا على بابه الذنب وكفارته، فأعطينا خيرًا من ذلك، هذه الآية. [[الأثر: ٧٨٥٠-"عمر بن أبي خليفة العبدي"، واسم"أبي خليفة": "حجاج بن عتاب"، ثقة مات سنة ١٨٩، مترجم في التهذيب، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمر بن خليفة" وهو خطأ.]]
٧٨٥١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني قال: لما نزلت:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه"، بكى إبليس فزعًا من هذه الآية.
٧٨٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم"، بكى.
٧٨٥٣- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي قال، سمعت علي بن ربيعة يحدِّث، عن رجل من فزارة يقال له أسماء -و: ابن أسماء-، عن علي قال: كنت إذا سمعتُ من رسول الله ﷺ شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني [منه] ، فحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- عن النبي ﷺ قال:"ما من عبد -قال شعبة: وأحسبه قال: مسلم- يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب [إلا غفر له] = وقال شعبة: وقرأ إحدى هاتين الآيتين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ . [[الحديث: ٧٨٥٣- عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي: هو عثمان بن المغيرة مولى ثقيف. وسيأتي باسم أبيه في الحديث التالي لهذا. وهو ثقة، وثقه أحمد، وابن معين وغيرهما.
علي بن ربيعة بن فضلة الوالبي الأسدي: تابعي ثقة، روى له الشيخان وأصحاب السنن. أسماء أو ابن أسماء؛ هكذا شك فيه شعبة. وغيره لم يشك فيه. وهو أسماء بن الحكم الفزاري، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا. وهو تابعي ثقة، وثقه العجلي وغيره. وترجمه ابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٢٥، فلم يذكر فيه جرحًا.
وترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٥٥، وأشار إلى روايته هذا الحديث، ثم قال: "ولم يتابع عليه. وقد روى أصحاب النبي ﷺ بعضهم عن بعض، فلم يحلف بعضهم بعضًا". وهذا لا يقدح في صحة الحديث، كما قال الحافظ المزي.
والحديث رواه الطيالسي، عن شعبة، بهذا الإسناد. وهو أول حديث في مسنده المطبوع.
ورواه أحمد في المسند، برقم: ٤٨، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، به. ورواه أيضًا، برقم: ٤٧، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة.
ورواه أيضًا، برقم: ٥٦، عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة. و"عثمان بن أبي زرعة": هو عثمان بن المغيرة الثقفي. وكذلك رواه الترمذي ١: ٣١٣ - ٣١٤ (رقم: ٤٠٦ بشرحنا) . عن قتيبة، عن أبي عوانة. وكذلك رواه أيضا في كتاب التفسير ٤: ٨٤، بهذا الإسناد.
وقال في الموضع الأول: "حديث على حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة. وروى عنه شعبة وغير واحد، فرفعوه مثل حديث أبي عوانة. ورواه سفيان الثوري ومسعر فأوقفاه، ولم يرفعاه إلى النبي ﷺ"! وقال نحو ذلك في الموضع الثاني. كأنه يريد تعليل المرفوع بالموقوف. وما هي بعلة. ولكنه وهم -رحمه الله- وهمًا شديدًا فيما نسب إلى مسعر وسفيان. وها هي ذي روايتهما عقب هذه الرواية، مرفوعة أيضًا. ولعل له عذرًا أن تكون روايتهما وقعت له موقوفة]]
٧٨٥٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي = وحدثنا الفضل بن إسحاق قال، حدثنا وكيع = عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدَّقته. وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يتوضأ، ثم يصلي = قال أحدهما: ركعتين، وقال الآخر:"ثم يصلي = ويستغفر الله، إلا غفر له". [[الحديث: ٧٨٥٤- هو تكرار للحديث السابق، ولكنه مختصر قليلا. والفضل بن إسحاق - شيخ الطبري: لم أعرف من هو؟ ولم أجد له ترجمة. ولعله محرف عن اسم آخر.
والحديث من هذا الوجه رواه أحمد في المسند، برقم: ٢، عن وكيع، عن مسعر وسفيان، بهذا الإسناد، مرفوعًا أيضًا. فهو يرد على الترمذي ادعاءه أن سفيان ومسعرًا روياه موقوفًا.
وقد نقله ابن كثير ٢: ٢٤٦، عن رواية المسند هذه. ثم قال: "وهكذا رواه علي بن المديني، والحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والبزار، والدارقطني - من طرق، عن عثمان بن المغيرة، به".
وذكره السيوطي ٢: ٧٧، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ٢٤١، مختصرًا، ونسبه لبعض من ذكرنا، ثم قال: "وذكره ابن خزيمة في صحيحه بغير إسناد، وذكر فيه الركعتين".]]
٧٨٥٥- حدثنا الزبير بن بكار قال، حدثني سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أخيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما حدثني أحدٌ عن رسول الله ﷺ إلا سألته أن يقسم لي بالله لَهُوَ سمعه من رسول الله ﷺ، إلا أبا بكر، فإنه كان لا يكذب. قال علي رضي الله عنه: فحدثني أبو بكر، أنّ رسول الله ﷺ قال: ما من عبد يذنب ذنبًا ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ويستغفر الله من ذنبه ذلك، إلا غفره الله له. [[الحديث: ٧٨٥٥- وهذا إسناد ثالث للحديث السابق. ولكنه إسناد ضعيف جدًا. الزبير بن بكار - شيخ الطبري: ثقة ثبت عالم بالنسب، عارف بأخبار المتقدمين. وهو ابن أخي المصعب بن عبد الله الزبيري، صاحب كتاب"نسب قريش".
سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: قال أبو حاتم - فيما روى عنه ابنه ٢ / ١ / ٨٥: "هو في نفسه مستقيم، وبليته أنه يحدث عن أخيه عبد الله بن سعيد، وعبد الله بن سعيد ضعيف الحديث، ولا يحدث عن غيره. فلا أدري، منه أو من أخيه؟ ". وأخوه: هو عبد الله بن سعيد المقبري، وهو ضعيف جدًا، رمي بالكذب. والإسنادان السابقان كافيان كل الكفاية لصحة الحديث، دون هذا الإسناد الواهي.]]
* *
وأما قوله"ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم"، فإنه كما بينا تأويله.
وبنحو ذلك كان أهل التأويل يقولون:
٧٨٥٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق:"والذين إذا فعلوا فاحشة"، أي إن أتوا فاحشة ="أو ظلموا أنفسهم" بمعصية، ذكروا نهي الله عنها، وما حرَّم الله عليهم، فاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوبَ إلا هو. [[الأثر: ٧٨٥٦- ابن هشام ٣: ١١٥، ١١٦ - وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧٨٣٩.]]
* *
وأما قوله:"ومن يغفر الذنوب إلا الله"، فإن اسم"الله" مرفوع ولا جحد قبله، وإنما يرفع ما بعد"إلا" بإتباعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل:"ما في الدار أحد إلا أخوك". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٤.]] فأما إذا قيل:"قام القوم إلا أباك"، فإن وجه الكلام في"الأب" النصب. و"مَنْ" بصلته في قوله:"ومن يغفر الذنوب إلا الله"، معرفة. فإن ذلك إنما جاء رفعًا، لأن معنى الكلام: وهل يغفر الذنوب أحدٌ = أو: ما يغفر الذنوب أحدٌ إلا الله. فرفع ما بعد"إلا" من [اسم] الله، [[في المخطوطة والمطبوعة: "ما بعد إلا من الله"، والصواب زيادة ما بين القوسين.]] على تأويل الكلام لا على لفظه.
* *
وأما قوله:"ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون"؛ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويل"الإصرار"، ومعنى هذه الكلمة.
فقال بعضهم: معنى ذلك: لم يثبتوا على ما أتوا من الذنوب ولم يقيموا عليه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٥٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون"، فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرُّون، الماضون قُدُمًا، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموتُ وهم على ذلك.
٧٨٥٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"؟ قال: قُدمًا قُدُمًا في معاصي الله!! لا تنهاهم مخافة الله، حتى جاءهم أمر الله.
٧٨٥٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، أي: لم يقيموا على معصيتي، كفعل من أشرك بي، فيما عملوا به من كفرٍ بي. [[الأثر: ٧٨٥٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٥٦.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: لم يواقعوا الذنب إذا همُّوا به.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"ولم يصروا على ما فعلوا"، قال: إتيان العبد ذنبًا إصرارٌ، حتى يتوب.
٧٨٦١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"ولم يصروا على ما فعلوا"، قال: لم يواقعوا. [[في المخطوطة: "قال: لم يصروا"، لم يفعل غير إعادة لفظ الآية، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب، كما سترى في ترجيح أبي جعفر بعد.]]
* *
وقال آخرون: معنى"الإصرار"، السكوت على الذنب وترك الاستغفار.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، أما"يصروا" فيسكتوا ولا يستغفروا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال:"الإصرار"، الإقامة على الذنب عامدًا، وترك التوبة منه. [[في المخطوطة والمطبوعة: "أو ترك التوبة"، ولا معنى لوضع "أو" هنا والصواب ما أثبت.]] ولا معنى لقول من قال:"الإصرار على الذنب هو مواقعته"، لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مُواقع الذنب، فقال:"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، ولو كان المواقع الذنب مصرًّا بمواقعته إياه، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم. لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه، وجهٌ.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:"ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة".
٧٨٦٣- حدثني بذلك الحسين بن يزيد السبيعي قال، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر، عن رسول الله ﷺ. [[الحديث: ٧٨٦٣- الحسين بن يزيد السبيعي؛ مضى الكلام في: ٢٨٩٢ بالشك في نسبته"السبيعي". ولكن هكذا ثبتت هذه النسبة مرة أخرى في هذا الموضع. فلعله شيخ للطبري لم تصل إلينا معرفته. عبد الحميد الحماني - بكسر الحاء وتشديد الميم: هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني الكوفي، وهو ثقة، وثقه ابن معين، وأخرج له الشيخان. عثمان بن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: ثقة، وثقه ابن معين. وقال أحمد: "لا أرى به بأسا".
أبو نصيرة -بضم النون وفتح الصاد المهملة- الواسطي: اسمه مسلم بن عبيد. وهو تابعي ثقة. والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٢٤٨، من رواية أبي يعلى، من طريق عبد الحميد الحماني، بهذا الإسناد، ووقع فيه تحريف في كنية"أبي نصيرة" واسمه ونسبته. وهو خطأ مطبعي فيما أرجح.
وقال ابن كثير - بعد ذكره: "ورواه أبو داود، والترمذي، والبزار في مسنده، من حديث عثمان بن واقد، وقد وثقه يحيى بن معين - به. وشيخه أبو نصيرة الواسطى، واسمه مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد، وابن حبان. وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك - فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر. ولكن جهالة مثله لا تضر، لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن".
وذكره السيوطي ٢: ٧٨، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب.]]
* *
= فلو كان مواقع الذنب مصرًّا، لم يكن لقوله"ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة"، معنى لأن مواقعةَ الذنب إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيل الاسمَ الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيل عن الزاني اسم"زان" وعن القاتل اسم"قاتل"، توبته منه، ولا معنى غيرها. وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصرٍّ عليه، فمعلوم بذلك أن"الإصرار" غير المواقعة، وأنه المقام عليه، على ما قلنا قبل.
* *
واختلف أهل التأويل، في تأويل قوله:"وهم يعلمون".
فقال بعضهم: معناه: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٤- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"وهم يعلمون"، فيعلمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا فلم يستغفروا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلمون أن الذي أتوا معصية لله. [[في المخطوطة: "معصية الله"، والصواب ما أثبت.]]
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وهم يعلمون"، قال: يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. [[الأثر: ٧٨٦٥- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٥٩ وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بما حرمت عليهم"، وأثبت ما في ابن هشام، فهو الصواب.]]
* *
قال أبو جعفر: وقد تقدم بياننا أولى ذلك بالصواب.
القول في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أولئك"، الذين ذكر أنه أعد لهم الجنة التي عرضها السموات والأرض، من المتقين، ووصفهم بما وصفهم به. ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم ="جزاؤهم"، يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصَفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، [[انظر تفسير: "الجزاء" فيما سلف ٢: ٢٧، ٢٨، ٣١٤ / ٦: ٥٧٦.]] = "مغفرة من ربهم"، يقول: عفوٌ لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها ="جنات"، وهي البساتين [[انظر تفسير: "الجنات" فيما سلف ١: ٣٨٤ / ٥: ٥٣٥، ٥٤٢.]] = "تجري من تحتها الأنهار"، يقول: تجري خلال أشجارها الأنهار وفي أسافلها، جزاء لهم على صالح أعمالهم [[انظر تفسير: "تجري من تحتها الأنهار" فيما سلف ٥: ٥٤٢.]] = "خالدين فيها" يعني: دائمي المقام في هذه الجنات التي وصفها ="ونعم أجر العاملين"، يعني: ونعم جزاء العاملين لله، الجنات التي وصفها، كما:-
٧٨٦٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين"، أي ثواب المطيعين. [[الأثر: ٧٨٦٦- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٦٥.]]
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"قد خلت من قبلكم سنن"، مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، [[انظر تفسير"خلا" فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨ / ٤: ٢٨٩.]] يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم [["سلاف" على وزن"جهال" جمع"سلف"، وجمعه أيضًا"أسلاف"، والسلاف: المتقدمون من الآباء الذين مضوا.]] = "سنن"، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، [[في المطبوعة: "نقمتي"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا ="فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانَ عاقبه المكذبين"، يقول: فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، [[في المطبوعة: "عن خلافهم أمري"، وهي في المخطوطة"عب" غير منقوطة، فلم يحسن الناشر قراءتها، وغب الأمر: عاقبته وآخرته.]] وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم.
ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٧- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، فقال: ألم تسيروا في الأرض فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقومَ صالح، والأممَ التي عذَّب الله عز وجل؟
٧٨٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، يقول: في الكفار والمؤمنين، والخير والشرّ.
٧٨٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قد خلت من قبلكم سنن"، في المؤمنين والكفار.
٧٨٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم = يعني بالمسلمين يوم أحد = والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفًا لهم فيما صنعوا، وما هو صانع بهم:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: [[في المخطوطة والمطبوعة: "والشرك في عاد وثمود. . ."، وهو خطأ جدًا، والصواب ما أثبته من سيرة ابن هشام.]] عادٍ وثمودَ وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروْا مثُلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني، [[في المخطوطة والمطبوعة: "ما هم عليه مثل ذلك مني"، والصواب من ابن هشام.]] وإن أمْليْتُ لهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "إن أمكنت لهم"، والصواب من ابن هشام. والإملاء: الإمهال والاستدراج.]] أي: لئلا تظنوا أنّ نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، [[في المخطوطة والمطبوعة: "عن عدوهم وعدوي"، والصواب من ابن هشام، وهو مقتضى سياق الضمائر في عبارته.]] للدوْلة التي أدلتها عليكم بها، لأبتليكم بذلك، [[الإدالة الغلبة. يقال: "أديل لنا على عدونا"، أي نصرنا عليهم، و"أدلني على فلان"، أي: انصرني عليه. والدولة (بضم الدال، وبفتحها وسكون الواو) : الانتقال من حال إلى حال في الحرب وغيرها. وانظر ما سيأتي في تفسير ذلك بعد قليل ص: ٢٣٩.]] لأعلم ما عندكم. [[الأثر: ٧٨٧٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٦٦.]]
٧٨٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين"، يقول: متَّعهم في الدنيا قليلا ثم صيرَّهم إلى النار.
* *
قال أبو جعفر: وأما"السنن" فإنها جمع"سنَّة"،"والسُّنَّة"، هي المثالُ المتبع، والإمام المؤتمُّ به. يقال منه:"سنّ فلان فينا سُنة حسنة، وسنّ سُنة سيئة"، إذا عمل عملا اتبع عليه من خير وشر، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آباؤُهُمْ ... وَلِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإِمَامُهَا [[من معلقته البارعة، يذكر قومه وفضلهم، والبيت متعلق بقوله قبل: إِنّا إِذَا التَقَتِ المَجَامِعُ لم يَزَلْ ... مِنَّا لِزَازُ عَظِيمَةٍ جَشّامُهَا
وَمُقَسِّمٌ يُعْطِى العَشِيرَةَ حَقّهَا ... ومُغَذْمِرٌ لِحقوقِها هَضّامُها
فَضْلا وَذُو كَرَمٍ يعِين عَلَى النَّدَى ... سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنّامُهَا
مِنْ مَعْشَرٍ............................ ... ......................................
يقول: هذه العادة سنة وطريقة قد توارثناها، ولكل سنة إمام قد تقدم الناس فيها فاتبعوه، فنحن أهل الفضل القديم الذي ابتدعته أوائلنا للناس.]] وقولُ سليمان بن قَتَّه: [[في المطبوعة: "سليمان بن قنة"، وهو تصحيف وقع في كتب كثيرة، و"قتة" أمه، وهو مولى لتيم قريش. وهو من التابعين، روى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر وابن عباس، وعمرو ابن العاص، ومعاوية. ترجم له البخاري في الكبير ٢ / ٢ / ٣٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٣٦. وزعم بعضهم أنه"سليمان بن حبيب المحاربي"، وهو خطأ، بل هما رجلان، هذا محاربي، وهذا تيمي. وهو أحد الشعراء الفرسان، وهو القائل: وَقَدْ يَحْرِمُ الله الفَتَى وَهْوَ عَاقِلٌ ... وَيُعْطِى الفَتَى مَالا وَلَيْس له عَقْلُ
وهو من أول من سن رثاء أهل البيت، وله في رثائهم شعر كثير.]]
وَإنَّ الألَى بالطَفِّ مِنْ آل هَاشِم ... تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلكِرَامِ التَّآسِيَا [[تاريخ الطبري ٧: ١٨٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٣٩، وأمالي الشجري ١: ١٣١، واللسان (أسى) ، وغيرها. وهذا البيت، أنشده مصعب بن الزبير قبل مقتله، فعلم الناس أن لا يريم حتى يقتل. و"الطف": أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقوله: "تآسوا"، صار بعضهم أسوة لبعض في الصبر على المصير إلى الموت بلا رهبة ولا فرق.]]
* *
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
٧٨٧٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، قال: أمثالٌ.
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بـ"هذا".
فقال بعضهم: عنى بقوله"هذا"، القرآن.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٧٣- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، قال: هذا القرآن.
٧٨٧٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة. قوله:"هذا بيان للناس"، وهو هذا القرآن، جعله الله بيانًا للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خصوصًا.
٧٨٧٥- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال في قوله:"هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، خاصةً.
٧٨٧٦- حدثني المثني قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج في قوله:"هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، خاصةً.
* *
وقال آخرون: إنما أشير بقوله"هذا"، إلى قوله:"قد خلت من قبلكم سُنن فسيروا في الأرض فانظرُوا كيف كان عاقبه المكذبين"، ثم قال: هذا الذي عرَّفتكم، يا معشر أصحاب محمد، بيان للناس.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٧٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بذلك.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: قوله:"هذا"، إشارةٌ إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضِّهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم. لأن قوله:"هذا"، إشارة إلى حاضر: إما مرئيّ وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة.
فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحتُ لكم وعرفتكموه، بيانٌ للناس = يعني بـ"البيان"، الشرح والتفسير، كما:-
٧٨٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"هذا بيان للناس"، أي: هذا تفسير للناس إن قبلوه. [[الأثر: ٧٨٧٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: ٧٨٧٠.]]
٧٨٧٩- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي:"هذا بيان للناس"، قال: من العَمى.
٧٨٨٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الشعبي، مثله.
* *
وأما قوله:"وهدى وموعظة"، فإنه يعني بـ"الهدى"، الدلالةَ على سبيل الحق ومنهج الدين = وبـ"الموعظة"، التذكرة للصواب والرشاد، [[انظر تفسير: "الهدى" فيما سلف، من فهارس اللغة = وتفسير"الموعظة"، فيما سلف ٢: ١٨٠ / ٦: ١٤.]] كما:-
٧٨٨١- حدثنا أحمد بن حازم والمثني قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن بيان، عن الشعبي:"وهدى"، قال: من الضلالة ="وموعظة"، من الجهل.
٧٨٨٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن بيان، عن الشعبي مثله.
٧٨٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"للمتقين"، أي: لمن أطاعني وعرَف أمري. [[الأثر: ٧٨٨٣- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٧٨، والظاهر أنه قد سقط من نص ابن إسحاق، ما أثبته ابن هشام في تفسير هذه الآية، وهو قوله قبل الذي رواه أبو جعفر: أي: "نور وأدب للمتقين". أما ما رواه أبو جعفر فهو تفسير قوله: "للمتقين"، وهو في هذا الموضع يفسر"الهدى"، و"الموعظة".]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله ﷺ على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد.
قال:"ولا تهنوا ولا تحزنوا"، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح - عن جهاد عدوكم وحربهم.
* *
=من قول القائل:"وهنَ فلان في هذا الأمر فهو يهنُ وَهْنًا".
* *
="ولا تحزنوا"، ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم"أنتم الأعلون"، يعني: الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم ="إن كنتم مؤمنين"، يقول: إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد ﷺ فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم. كما:-
٧٨٨٤- حدثنا المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد ﷺ القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنزل الله عز وجل القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين" إلى قوله:"لبرز الذين كُتب عليهم القتلُ إلى مضاجعهم".
٧٨٨٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، يعزّي أصحاب محمد ﷺ كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله.
٧٨٨٦- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"، قال: يأمر محمدًا، يقول:"ولا تهنوا"، أن تمضوا في سبيل الله. [[في المخطوطة: "وأن تمضوا"، بزيادة "واو"، والذي في المطبوعة أظهر.]]
٧٨٨٧- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"ولا تهنوا"، ولا تضعفوا.
٧٨٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٧٨٨٩- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:"ولا تهنوا ولا تحزنوا"، يقول: ولا تضعفوا.
٧٨٩٠- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولا تهنوا"، قال ابن جريج: ولا تضعفوا في أمر عدوكم، ="ولا تحزنوا وأنتم الأعلون"، قال: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن. فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب. فلما رأوا النبيّ ﷺ فرحوا، وقال النبي ﷺ:"اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر"!. قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ. فذلك قوله:"وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
٧٨٩١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولا تهنوا"، أي: لا تضعفوا ="ولا تحزنوا"، ولا تأسوا على ما أصابكم، [[في سيرة ابن هشام: "ولا تبتئسوا".]] ="وأنتم الأعلون"، أي: لكم تكون العاقبة والظهور ="إن كنتم مؤمنين" إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني. [[الأثر: ٧٨٩١- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٧٨.]]
٧٨٩٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي ﷺ:"اللهم لا يعلُون علينا". فأنزل الله عز وجل:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾
قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة والبصرة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ ، كلاهما بفتح"القاف"، بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح، يا معشر أصحاب محمد، فقد مس القوم من أعدائكم من المشركين قرح = قتلٌ وجراح = مثله.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ﴾ . [كلاهما بضم القاف] . [[ما بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق كلامه. هذا، وظاهر من ترجيح أبي جعفر بعد، أن في الكلام سقطًا من الناسخ، وذلك تفسير"القرح" بضم القاف، ولعله كان قد ذكر هنا ما قاله الفراء في معاني القرآن ١: ٢٣٤ وذلك قوله: "وقد قرأ أصحابُ عبد الله"قُرْح" وكأن القُرْح: ألم الجراحات، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها".]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:"إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قَرْح مثله"، بفتح"القاف" في الحرفين، لإجماع أهل التأويل على أن معناه: القتل والجراح، فذلك يدل على أن القراءة هي الفتح.
وكان بعض أهل العربية يزعُمُ أن"القَرح" و"القُرح" لغتان بمعنى واحد. والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا. [[انظر التعليق السالف، فنص قوله هنا دال على خرم في نص الطبري.]]
* *
ذكر من قال: إنّ"القَرح"، الجراح والقتل.
٧٨٩٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قرحٌ مثله"، قال: جراحٌ وقتلٌ.
٧٨٩٤- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٧٨٩٥- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله"، قال: إن يقتلوا منكم يوم أحد، فقد قتلتم منهم يوم بدر.
٧٨٩٦- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله"، والقرح الجراحة، وذاكم يوم أحد، فشا في أصحاب نبي الله ﷺ يومئذ القتل والجراحة، فأخبرهم الله عز وجل أن القوم قد أصابهم من ذلك مثلُ الذي أصابكم، وأن الذي أصابكم عقوبة.
٧٨٩٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله"، قال: ذلك يوم أحد، فشا في المسلمين الجراح، وفشا فيهم القتل، فذلك قوله:"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله"، يقول: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوّكم مثله = يعزّي أصحاب محمد ﷺ ويحثهُّم على القتال.
٧٨٩٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله"، والقرح هي الجراحات.
٧٨٩٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إن يمسسكم قرح" أي: جراح ="فقد مس القوم قرح مثله"، أي: جراح مثلها. [[الأثر: ٧٨٩٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٩١.]]
٧٩٠٠- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم = يعني يوم أحد = قال عكرمة: وفيهم أنزلت:"إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس"، وفيهم أنزلت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [سورة النساء: ١٠٤] .
* *
وأما تأويل قوله:"إن يمسسكم قرحٌ"، فإنه: إن يصبكم،. [[انظر تفسير: "المس" فيما سلف ٢: ٢٧٤ / ٥: ١١٨ / ٧: ١٥٥.]] كما:-
٧٩٠١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إن يمسسكم"، إن يصبكم.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره [بقوله] [[ما بين القوسين زيادة يقتضيها سياق تفسيره.]] "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، أيام بدر وأحُد.
* *
ويعني بقوله:"نداولها بين الناس"، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة. = ويعني بـ"الناس"، المسلمين والمشركين. وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين. وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم.
* *
يقال منه:"أدال الله فلانًا من فلان، فهو يُديله منه إدالة"، إذا ظفر به فانتصر منه مما كان نال منه المُدَال منه.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٩٠٢- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، قال جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله ﷺ.
٧٩٠٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.
٧٩٠٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، فأظهر الله عز وجل نبيه ﷺ وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد. وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب. وأما من ابتلى منهم = من المسلمين = يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله ﷺ.
٧٩٠٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، يومًا لكم، ويومًا عليكم.
٧٩٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس:"نداولها بين الناس"، قال: أدال المشركين على النبي ﷺ يوم أحد.
٧٩٠٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله ﷺ يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم.
٧٩٠٨- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي ﷺ الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد! يا محمد! ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار! فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم! فقال رَسول الله ﷺ: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل! فقال رسول الله ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجل! فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى = قال عكرمة: وفيهم أنزلت:"وتلك الأيام نداولها بين الناس".
٧٩٠٩- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن ابن عباس، في قوله:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، فإنه أدال على النبي ﷺ يوم أحد.
٧٩١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص. [[الأثر: ٧٩١٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٨٩٩.]]
٧٩١١- حدثني إبراهيم بن عبد الله قال، أخبرنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، عن محمد في قول الله:"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، قال: يعني الأمراء. [[الأثر: ٧٩١١-"إبراهيم بن عبد الله"، كثير، والذي نصوا على أن الطبري روى عنه، هو: "إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة" توفى سنة ٢٦٥. مترجم في التهذيب."وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي"، روى عن مالك وحماد بن زيد. وروى عنه البخاري، مات سنة ٢٢٨. مترجم في التهذيب. و"محمد" هو ابن سيرين.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء = نداولها بين الناس.
ولو لم يكن في الكلام"واو"، لكان قوله:"ليعلم" متصلا بما قبله، وكان"وتلك الأيام نداولها بين الناس"، ليعلم الله الذين آمنوا. ولكن لما دخلت"الواو" فيه، آذنت بأن الكلام متصل بما قبلها، وأن بعدها خبرًا مطلوبًا، واللام التي في قوله:"وليعلم"، به متعلقة. [[في المطبوعة والمخطوطة"اللام" بغير واو، والصواب إثباتها. وفي المطبوعة: "متعلقة به"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل:"وليعلم الله الذين آمنوا" معرِفةً، وأنت لا تستجيز في الكلام:"قد سألت فعلمتُ عبد الله"، وأنت تريد: علمت شخصه، إلا أن تريد: علمت صفته وما هو؟
قيل: إن ذلك إنما جاز مع"الذين"، لأن في"الذين" تأويل"مَن" و"أيّ"، وكذلك جائز مثله في"الألف واللام"، كما قال تعالى ذكره: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ٣] ، [[في المخطوطة والمطبوعة: "وليعلمن الله" بالواو، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.]] لأن في"الألف واللام" من تأويل"أيّ"، و"مَن"، مثل الذي في"الذي". ولو جعل مع الاسم المعرفة اسم فيه دلالة على"أيّ"، جاز، كما يقال:"سألت لأعلم عبد الله مِنْ عمرو"، ويراد بذلك: لأعرف هذا من هذا. [[انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٤، ٢٣٥.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم، نداول بين الناس = فاستغنى بقوله:"وليعلم الله الذين آمنوا منكم"، عن ذكر قوله:"من الذين نافقوا"، لدلالة الكلام عليه. إذ كان في قوله:"الذين آمنوا" تأويل"أيّ" على ما وصفنا. فكأنه قيل: وليعلم الله أيكم المؤمن، كما قال جل ثناؤه: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [سورة الكهف: ١٢] [[في المخطوطة والمطبوعة: "ليعلم" بالياء، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.]] غير أن"الألف واللام"، و"الذي" و"من" إذا وضعت مع العَلم موضع"أيّ"، نصبت بوقوع العلم عليه، كما قيل:"وليعلمَنَّ الكاذبين"، فأما"أيّ" فإنها ترفع. [[انظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٤، ٢٣٥.]]
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"ويتخذ منكم شهداء"، فإنه يعني:"وليعلم الله الذين آمنوا" وليتخذ منكم شهداء، أي: ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها.
* *
="والشهداء" جمع"شهيد"، [[انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف ١: ٣٧٦ - ٣٧٨ / ٣: ٩٧، ١٤٥ / ٦: ٧٥.]] كما:-
٧٩١٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"، أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة. [[الأثر: ٧٩١٢- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩١٠.]]
٧٩١٣- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج في قوله:"وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"، قال: فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم:"ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة"! فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
٧٩١٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.
٧٩١٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"، قال: قال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
٧٩١٦- حدثني عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"، كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين يوم أحد، [[في المطبوعة: "فلقى المسلمون"، بدل الناشر ما كان في المخطوطة: "فلقوا المسلمين"، أما السيوطي في الدر المنثور ٢: ٧٩، فحذف"المسلمين"، وكتب: "فلقوا يوم أحد" لفساد العبارة التي في مخطوطة الطبري فيما استظهر. ولكني رجحت أن الناسخ الكثير السهو، سها أيضًا فكتب"المسلمين" مكان"المشركين"، وأثبت ما رجحت، لأنه حق الكلام.]] فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل فقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية، [سورة البقرة: ١٥٤] .
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"والله لا يحب الظالمين"، فإنه يعني به: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم،، كما:-
٧٩١٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"والله لا يحب الظالمين"، أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية. [[الأثر: ٧٩١٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩١٢.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وليمحِّصَ الله الذين آمنوا"، وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق. كما:-
٧٩١٨- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"وليمحص الله الذين آمنوا"، قال: ليبتلي. [[في المطبوعة: ". . . عن مجاهد مثله في قوله. . ."، وزيادة"مثله" فساد، وليس في المخطوطة.]]
٧٩١٩- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٧٩٢٠- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"وليمحص الله الذين آمنوا"، قال: ليمحص الله المؤمن حتى يصدِّق.
٧٩٢١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وليمحص الله الذين آمنوا"، يقول: يبتلي المؤمنين.
٧٩٢٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وليمحص الله الذين آمنوا"، قال: يبتليهم.
٧٩٢٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"، فكان تمحيصًا للمؤمنين، ومحقًا للكافرين.
٧٩٢٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق،"وليمحص الله الذين آمنوا"، أي يختبر الذين آمنوا، حتى يخلِّصهم بالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم. [[الأثر: ٧٩٢٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩١٧.]]
٧٩٢٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"، قال: يمحق من مُحق في الدنيا، وكان بقية من يمحق في الآخرة في النار.
* *
وأما قوله:"ويمحق الكافرين"، فإنه يعني به: أنه ينقُصهم ويفنيهم.
* *
يقال منه:"محقَ فلان هذا الطعام"، إذا نقصه أو أفناه،"يمحقه محقًا"، ومنه قيل لمحاق القمر:"مُحاق"، وذلك نقصانه وفناؤه، [[انظر تفسير"محق" فيما سلف ٦: ١٥. و"المحاق" بضم الميم وكسرها.]] كما:-
٧٩٢٦- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"ويمحق الكافرين"، قال: ينقصهم.
٧٩٢٧- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله:"ويمحق الكافرين"، قال: يمحق الكافر حتى يكذِّبه.
٧٩٢٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ويمحق الكافرين"، أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم. [[الأثر: ٧٩٢٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٢٤.]]
القول في تأويل قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"أم حسبتم"، يا معشر أصحاب محمد، وظننتم ="أن تدخلوا الجنة"، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده ="ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم"، يقول: ولما يتبيَّن لعبادي المؤمنين، المجاهدُ منكم في سبيل الله، على ما أمره به.
* *
وقد بينت معنى قوله:"ولما يعلم الله"،"وليعلم الله"، وما أشبه ذلك، بأدلته فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"لنعلم فيما سلف ٣: ١٥٨ - ١٦٢.]] .
* *
وقوله:"ويعلم الصابرين"، يعني: الصابرين عند البأس على ما ينالهم في ذات الله من جرح وألم ومكروه. كما:-
٧٩٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة" وتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم صِدق ذلك منكم الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ. [[الأثر: ٧٩٢٩- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٢٨ وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى أعلم أصدق ذلكم الإيمان بي. . ." فرددته إلى الصواب من رواية ابن هشام.]]
* *
ونصب"ويعلم الصابرين"، على الصرف. و"الصرف"، أن يجتمع فعلان ببعض حروف النسق، وفي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق، فينصب الذي بعد حرف العطف على الصرف، لأنه مصروف عن معنى الأول، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي في أول الكلام. [[انظر"الصرف" فيما سلف ١: ٥٦٩، وتعليق: ١ / ٣: ٥٥٢، تعليق: ١.]] وذلك كقولهم:"لا يسعني شيء ويضيقَ عنك"، لأن"لا" التي مع"يسعني" لا يحسن إعادتها مع قوله:"ويضيقَ عنك"، فلذلك نصب. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٥، ٢٣٦.]] .
والقرأة في هذا الحرف على النصب.
* *
وقد روي عن الحسن أنه كان يقرأ: ﴿وَيَعْلَمِ الصَّابِرِينَ﴾ ، فيكسر"الميم" من"يعلم"، لأنه كان ينوي جزمها على العطف به على قوله:"ولما يعلم الله".
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولقد كنتم تمنون الموت"، ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد ="تمنون الموت"، يعني أسبابَ الموت، وذلك: القتالُ ="فقد رأيتموه"، فقد رأيتم ما كنتم تمنونه - و"الهاء" في قوله"رأيتموه" عائدة على"الموت"، والمعنىُّ: [القتال] = [[في المطبوعة: " عائدة على الموت، ومعنى وأنتم تنظرون"، وهو كلام فاسد. وفي المخطوطة: "عائدة على الموت، والمعنى" وبعدها بياض قدر كلمة، ثم كتب: "وأنتم تنظرون" فوضعت بين القوسين ما استظهرته من كلام أبي جعفر.]] "وأنتم تنظرون"، يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم.
* *
وكان بعض أهل العربية يزعم أنه قيل:"وأنتم تنظرون"، على وجه التوكيد للكلام، كما يقال:"رأيته عيانًا" و"رأيته بعيني، وسمعته بأذني".
* *
قال أبو جعفر: وإنما قيل:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، لأن قومًا من أصحاب رسول الله ﷺ ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيُبْلُوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر. فلما كان يوم أحد فرّ بعضهم، وصبرَ بعضهم حتى أوفَى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فرّ منهم فقال:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم.
ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك:
٧٩٣٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصابَ أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولَّى من ولىَّ منهم، فعاتبهم الله = أو: فعابهم، أو: فعيَّبهم = على ذلك. [[في المطبوعة: "أو فعتبهم"، وفي المخطوطة" فتعتهم" غير منقوطة، وكأن صواب قراءتها ما أثبت عابه وعيبه: نسبه إلى العيب.]] شك أبو عاصم.
٧٩٣١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه - إلا أنه قال:"فعاتبهم الله على ذلك"، ولم يشكّ.
٧٩٣٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أناسٌ من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر، فكان يتمنون أن يرزقوا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان في ناحية المدينة يوم أحُد، فقال الله عز وجل كما تسمعون:"ولقد كنتم تمنون الموت"، حتى بلغ"الشاكرين".
٧٩٣٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا.
٧٩٣٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله عز وجل:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، الآية.
٧٩٣٥- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون:"لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن"، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنزل الله عز وجل."ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".
٧٩٣٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: كان ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ لم يشهدوا بدرًا، فلما رأوا فضيلة أهل بدر قالوا:"اللهم إنا نسألك أن ترينا يومًا كيوم بدر نبليك فيه خيرًا"! فرأوا أحدًا، فقال لهم:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".
٧٩٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم = يعني الذين استنهضوا رسول الله ﷺ على خروجه بهم إلى عدوهم، [[في المطبوعة: "يعني الذين حملوا رسول الله. ."، غيره الناشر، وكان في المخطوطة"استاصوا" غير منقوطة، ولولا أن الذي في سيرة ابن هشام"استنهضوا"، لقلت إن صواب قراءتها: "استباصوا" بالصاد في آخره من قولهم: "بصت فلانًا" إذا استعجلته. والبوص (بفتح فسكون) : أن تستعجل إنسانًا في تحميلكه أمرًا، لا تدعه يتمهل فيه. وهذه صفة فعل أصحاب رسول الله الذين لم يشهدوا بدرًا، وأرادوا القتال يوم أحد.]] لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به. يقول:"فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، [[في المطبوعة: "قد حل بينكم وبينهم"، وهي في المخطوطة غير بينة، والصواب ما جاء في سيرة ابن هشام، وقد أثبته.]] وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم. [[الأثر: ٧٩٣٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٢٩. هذا وفي السيرة خطأ بين، تصحيحه في رواية الطبري، فليراجع. وقد جاء في السيرة."ثم صدهم عنكم" مكان"فصددتم عنهم"، وهما معنيان مختلفان، ولكنها الرواية، لا يمكن أن أرجح فيها بغير مرجح، فكلاهما صواب.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه، داعيًا إلى الله وإلى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه. [[قوله: "الذين حين انقضت آجالهم"، من صفة"رسل الله" الذين ذكرهم قبل.]] يقول جل ثناؤه: فمحمد ﷺ إنما هو فيما الله به صانعٌ من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله، كسائر رسله إلى خلقه الذين مضوْا قبله، [[في المخطوطة والمطبوعة: "كسائر مدة رسله إلى خلقه" بزيادة"مدة"، وهي مفسدة للكلام وكأنها سبق قلم من الناسخ، فلذلك أسقطتها.]] وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم.
ثم قال لأصحاب محمد، معاتبَهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحُد:"إنّ محمدًا قتل"، ومُقبِّحًا إليهم انصرافَ من انصرفَ منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم: أفائن مات محمد، أيها القوم، لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدو = [[في المطبوعة: "أو قتله عدوكم"، وأثبت ما في المخطوطة.]] "انقلبتم على أعقابكم"، = يعني: ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدًا بالدعاء إليه ورجعتم عنه كفارًا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وَضَحت لكم صحةُ ما دعاكم محمد إليه، وحقيقةُ ما جاءكم به من عند ربه ="ومن ينقلب على عقبيه"، يعني بذلك: ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرًا بعد إيمانه، [[انظر تفسير"انقلب على عقبيه" فيما سلف ٣: ١٦٣.]] ="فلن يضر الله شيئًا" يقول: فلن يوهن ذلك عزة الله ولا سلطانه، ولا يدخل بذلك نقصٌ في ملكه، [[في المطبوعة: "ولا يدخل بذلك"، وأثبت ما في المخطوطة.]] بل نفسه يضر بردَّته، وحظَّ نفسه ينقص بكفره ="وسيجزي الله الشاكرين"، يقول: وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته إياه لدينه، بثبوته على ما جاء به محمد ﷺ إن هو مات أو قتل، واستقامته على منهاجه، وتمسكه بدينه وملته بعده. كما:-
٧٩٣٨- حدثنا المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عمر، [[في المطبوعة: "سيف بن عمرو"، وهو خطأ والصواب من المخطوطة. وهو: "سيف بن عمر التميمي" صاحب كتاب الردة والفتوح. وقد أكثر أبو جعفر سياق روايته في تاريخه.]] عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي في قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه. فكان عليّ رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحِباء الله، وكان أشكرَهم وأحبَّهم إلى الله.
٧٩٣٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن العلاء بن بدر قال: إن أبا بكر أمينُ الشاكرين. وتلا هذه الآية:"وسيجزي الله الشاكرين". [[الأثر: ٧٩٣٩-"العلاء بن بدر"، هو: "العلاء بن عبد الله بن بدر الغنوي"، نسب إلى جده، أرسل عن علي. وهو ثقة. مترجم في التهذيب.]]
٧٩٤٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وسيجزي الله الشاكرين"، أي: من أطاعه وعمل بأمره. [[الأثر: ٧٩٤٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٣٧.]]
* *
وذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ فيمن انهزم عنه بأحد من أصحابه.
ذكر الأخبار الواردة بذلك:
٧٩٤١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" إلى قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، ذاكم يوم أحُد، حين أصابهم القَرْح والقتل، ثم تناعوا نبي الله ﷺ تَفِئة ذلك، [[في المطبوعة: "ثم تنازعوا نبي الله ﷺ بقية ذلك"، وهو كلام أهدر معناه. وأما السيوطي في الدر المنثور ٢: ٨٠ فقد خفى عليه صواب الكلام، فجعله: "ثم تداعوا نبي الله قالوا قد قتل"، ولعلها رواية الربيع، كما نسبها إليه. أما المخطوطة فإن فيها"ساعوا"، و" ذلك" غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت. وقوله: "تناعوا نبي الله" أي نعاه بعضهم لبعض، قالوا: قتل نبي الله. وكانت العرب تتناعى في الحرب، ينعون قتلاهم ليحرضوهم على القتل وطلب الثأر. وقوله: "تفئة ذلك"، أي: على إثر ذلك. يقال: "أتيته على تفئة ذلك" أي: على حينه وزمانه. وفي الحديث: "دخل عمر فكلم رسول الله ﷺ، ثم دخل أبو بكر على تفئة ذلك"، أي على إثره، وفي ذلك الحين.]] فقال أناسٌ:"لو كان نبيًّا ما قتل"! وقال أناس من عِليْة أصحاب نبي الله ﷺ:"قاتلوا على ما قاتل عليه محمدٌ نبيكم حتى يفتح الله لكم أو تلحقوا به"! فقال الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، يقول: إن مات نبيكم أو قُتل، ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.
٧٩٤٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بنحوه = وزاد فيه، قال الربيع: وذكر لنا والله أعلم، أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، [[تشحط القتيل في دمه: تخبط فيه واضطرب وتمرغ.]] فقال: يا فلان، أشعرت أنّ محمدًا قد قتل؟ [[قوله: "أشعرت"، أي: أعلمت.]] فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، يقول: ارتددتم كفارًا بعد إيمانكم.
٧٩٤٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما برز رسول الله ﷺ يوم أحُد إليهم - يعني: إلى المشركين - أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال:"لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم". [[نص ما في تاريخ الطبري: "إن رأيتم قد هزمناهم، فإنا لا نزال غالبين"، وهي أجود، وأخشى أن يكون ما في التفسير من تصرف الناسخ. ثم انظر ما سيأتي رقم: ٨٠٠٤.]] وأمرَّ عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوَّات بن جبير. [[بين هذه الفقرة والتي تليها، كلام قد اختصره أبو جعفر، وأثبته في روايته في التاريخ.]]
= ثم شدّ الزبيرُ بن العوام والمقدادُ بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموا أبا سفيان. فلما رأى ذلك خالد بن الوليد، وهو على خيل المشركين، كرّ. [[في المطبوعة مكان"كر""قدم" بمعنى أقدم. وهو تصرف كالمقبول من الناشر الأول، ولكنه في المخطوطة"لر" وعلى الراء شدة، وصواب قراءتها ما أثبت."كر على العدو" رجع وعطف ثم حمل عليه. وأما رواية التاريخ، ففيها مكان"كر""حمل"، وهما سواء في المعنى، والأولى أجودهما. وانظر ما سيأتي في التعليق على الأثر: ٨٠٠٤.]] فرمته الرماة فانقمع. [[انقمع: رجع وارتد وتداخل فرقًا وخوفًا.]] فلما نظرَ الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادرُوا الغنيمة، فقال بعضهم:"لا نترك أمرَ رسول الله ﷺ"! فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر. فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله ثم حمل، فقتل الرماة وحَمل على أصحاب النبي ﷺ. فلما رأى المشركونَ أنّ خيلهم تقاتل، تنادوْا، [[في المطبوعة: "تبادروا"، وهو خطأ غث، والصواب من المخطوطة والتاريخ، ومن الأثر الآتي: ٨٠٠٤. وقوله: "تنادوا" تداعوا ونادى بعضهم بعضًا لكي يؤوبوا إلى المعرك.]] فشدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم. [[إلى هذا الموضع من الأثر، انتهى ما رواه أبو جعفر في تاريخه ٣: ١٤، ١٥، وسيأتي تخريج بقية الأثر كله في آخره. وانظر ما سيأتي رقم: ٨٠٠٤.]] .
=فأتى ابن قميئة الحارثي - أحد بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة [[في المطبوعة والمخطوطة: "بني الحارث بن عبد مناف"، وهو خطأ محض. والصواب من التاريخ ومن نسب القوم.]] - فرمى رسول الله ﷺ بحجر فكسرَ أنفه ورباعيته، وشجَّه في وجهه فأثقله، [[الرباعية (مثل ثمانية) : إحدى الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا، بين الثنية والناب.]] وتفرق عنه أصحابه، ودخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها. وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس:"إليَّ عباد الله! إلى عباد الله! "، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه، فلم يقف أحدٌ إلا طلحة وسهل بن حنيف. فحماه طلحة، فَرُمِيَ بسهم في يده فيبست يده.
= وأقبل أبي بن خلف الجمحي - وقد حلف ليقتلن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: بل أنا أقتله [[في المطبوعة: "بل أقتلك"، غير الناشر ما في المخطوطة، وهو موافق لما في التاريخ، ظنًا منه أن أبي بن خلف، قال ذلك للنبي ﷺ، وليس ذلك كذلك، بل قاله في مغيبه لا في مشهده. فلما بلغ ذلك رسول الله قال: بل أنا أقتله.]] - فقال: يا كذاب، أين تفرّ؟ فحمل عليه، فطعنه النبي ﷺ في جيب الدرع، [[في المطبوعة والمخطوطة: "جنب الدرع"، وهو خطأ، صوابه من التاريخ. وجيب القميص والدرع: الموضع الذي يقور منه ويقطع، لكي يلبس من ناحيته.]] فجُرح جَرحًا خفيفًا، فوقع يخور خوار الثور. [[في المطبوعة والمخطوطة: "يخور خوران الثور"، وهو خطأ صرف، والصواب من التاريخ. خار الثور يخور خوارًا: صاح وصوت أشد صوت. وليس في مصادره"خوران".]] فاحتملوه وقالوا: ليس بك جراحة!، [فما يُجزعك] ؟ [[الزيادة بين القوسين من التاريخ.]] قال: أليس قال:"لأقتلنك"؟ لو كانت لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم! ولم يلبث إلا يومًا وبعض يوم حتى مات من ذلك الجرح.
= وفشا في الناس أنّ رسول الله ﷺ قد قُتل، فقال بعض أصحاب الصخرة:"ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أمَنَةً من أبي سفيان!! يا قوم، إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم". [[الأمنة (بفتح الألف والميم والنون) : الأمان.]] قال أنس بن النضر:"يا قوم، إن كان محمد قد قُتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ﷺ، اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء"! ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل.
= وانطلق رسول الله ﷺ يدعو الناس، حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة. فلما رأوه، وضع رجُل سهمًا في قوسه فأراد أن يرميه، فقال:"أنا رسول الله"! ففرحوا حين وجدوا رسول الله ﷺ حيًّا، وفرحَ رسول الله ﷺ حين رأى أنّ في أصحابه من يمتنع به. [[في المخطوطة والمطبوعة"من يمتنع" بإسقاط"به" وليست بشيء، والصواب من التاريخ. وانظر التعليق على الأثر رقم: ٨٠٦٤، الآتي.]] فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ، ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. [[في المخطوطة والمطبوعة: "ويذكرون أصحابه"، والصواب من التاريخ.]]
= فقال الله عز وجل للذين قالوا: إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن ماتَ أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين". [[الأثر: ٧٩٤٣- صدره في التاريخ ٣: ١٤، ١٥ / ثم سائره فيه ٣: ٢٠ / ثم انظر رقم: ٨٠٠٤.]]
٧٩٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن ينقلب على عقبيه"، قال: يرتدّ.
٧٩٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه = وحدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه =: أنّ رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحَّط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدًا قد قتل! فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل، فقد بلَّغ! فقاتلوا عن دينكم.
٧٩٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر = عم أنس بن مالك = إلى عمر، وطلحة بن عبد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، [["ألقى بيده": استسلم، فبقى لا يصنع شيئًا يأسًا أو مللا. وهو مجاز، كأنه طرح يده طرحًا بعيدًا عنه.]] فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمدٌ رسول الله! قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله! واستقبل القومَ فقاتل حتى قتل = وبه سمي أنس بن مالك. [[الأثر: ٧٩٤٦- سيرة ابن هشام ٣: ٨٨، وتاريخ الطبري ٣: ١٩.]]
٧٩٤٧- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قال: نادى منادٍ يوم أحد حين هزم أصحاب محمد ﷺ:"ألا إنّ محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى دينكم الأول"! فأنزل الله عز وجل:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، الآية.
٧٩٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: القى في أفواه المسلمين يومَ أحد أن النبي ﷺ قد قتل، فنزلت هذه الآية:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" الآية.
٧٩٤٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة، والناس يفرُّون، ورجل قائم على الطريق يسألهم:"ما فعل رسول الله ﷺ"؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم، فيقولون:"والله ما ندري ما فعل"! فقال:"والذي نفسي بيده، لئن كان النبي ﷺ قُتل، لنعطينَّهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا"! وقالوا:"إن محمدًا إن كان حيًّا لم يهزم، ولكنه قُتل"! فترخَّصوا في الفرار حينئذ. فأنزل الله عز وجل على نبيه ﷺ:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، الآية كلها.
٧٩٥٠- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" الآية، ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبي الله ﷺ وشُجَّ فوق حاجبه وكُسرت رباعيته:"قُتل محمد، فالحقوا بدينكم الأول"! فذلك قوله:"أفإئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم".
٧٩٥١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم"، قال: ما بينكم وبين أن تدعوا الإسلام وتنقلبوا على أعقابكم إلا أن يموت محمد أو يقتل! فسوف يكون أحد هذين: فسوف يموت، أو يقتل.
٧٩٥٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، إلى قوله:"وسيجزي الله الشاكرين"، أي: لقول الناس:"قتل محمد"، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم = أي: أفائن مات نبيكم أو قتل، رجعتم عن دينكم كفارًا كما كنتم، وتركتم جهاد عدوكم وكتابَ الله، وما قد خلف نبيُّه من دينه معكم وعندكم، وقد بين لكم فيما جاءكم عني أنه ميتٌ ومفارقكم؟ ="ومن ينقلب على عقبيه"، أي: يرجع عن دينه ="فلن يضر الله شيئا"، أي: لن ينقص ذلك من عز الله ولا ملكه ولا سلطانه. [[الأثر: ٧٩٥٢- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، ١١٨، وهو تتمة الآثار السالفة التي آخرها: ٧٩٣٧، ثم تتمة هذا الأثر، مرت برقم: ٧٩٤٠.]]
٧٩٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال: أهل المرض والارتياب والنفاق، حين فرّ الناس عن النبي ﷺ:"قد قتل محمد، فألحقوا بدينكم الأول"! فنزلت هذه الآية.
* *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفتنقلبون على أعقابكم، إن مات محمد أو قتل؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئا = فجعل الاستفهام في حرْف الجزاء، ومعناه أن يكون في جوابه. وكذلك كلّ استفهام دخل على جزاء، فمعناه أن يكون في جوابه. لأن الجواب خبرٌ يقوم بنفسه، والجزاء شرط لذلك الخبر، ثم يجزم جوابه وهو كذلك ومعناه الرفع، لمجيئه بعد الجزاء، كما قال الشاعر: [[هو الراعي.]]
حَلَفْتُ لَهُ إنْ تُدْلِجِ اللَّيلَ لا يَزَلْ ... أَمَامَك بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِي سَائِر [[معاني القرآن للفراء ١: ٦٩، ٢٣٦، والمعاني الكبير: ٨٠٥، والخزانة ٤: ٤٥٠، وسيأتي في التفسير ١٣: ٦٩ (بولاق) ، ورواه ابن قتيبة في المعاني الكبير: "عائر" مكان"سائر" وقال: "أي بيت هجاء سائر". وذلك من قولهم: "عار الفرس"، إذا أفلت وذهب على وجهه، وذهب وجاء مترددًا. ويقال: "قصيدة عائرة"، أي سائرة في كل وجه. وكان في المطبوعة هنا"ساتر" وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، ومن الموضع الآخر من التفسير، ومن المراجع.]]
فمعنى"لا يزل" رفع، ولكنه جزم لمجيئه بعد الجزاء، فصار كالجواب. ومثله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٤] و ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [سورة المزمل: ١٧] ، [[في المطبوعة والمخطوطة"وكيف تتقون. . ."، وهو خطأ في التلاوة.]] ولو كان مكان"فهم الخالدون"،"يخلدون"، وقيل:"أفائن مت يخلدوا"، جاز الرفع فيه والجزم. وكذلك لو كان مكان"انقلبتم"،"تنقلبوا"، جاز الرفع والجزم، لما وصفت قبل. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٦.]] وتركت إعادة الاستفهام ثانية مع قوله:"انقلبتم"، اكتفاءً بالاستفهام في أول الكلام، وأنّ الاستفهام في أوَّله دالٌّ على موضعه ومكانه.
وقد كان بعض القرأة يختار في قوله: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [سورة الإسراء: ٨٢\سورة الصافات: ١٦\سورة الواقعة: ٤٧] ، [[في المطبوعة والمخطوطة: "أئذا كنا ترابًا وعظامًا "أسقط"متنا" والواو من"وكنا"، وهو خطأ في التلاوة.]] ترك إعادة الاستفهام مع"أئنا"، اكتفاء بالاستفهام في قوله:"أئذا كنا ترابًا"، ويستشهد على صحة وجه ذلك بإجماع القرأة على تركهم إعادة الاستفهام مع قوله: [[في المطبوعة"باجتماع القراء"، وأثبت ما في المخطوطة.]] "انقلبتم"، اكتفاء بالاستفهام في قوله:"أفائن مات"، إذ كان دالا على معنى الكلام وموضع الاستفهام منه. [[في المخطوطة والمطبوعة: "إذا كان دالا"، والصواب"إذ" كما أثبتها.]] وكان يفعل مثل ذلك في جميع القرآن.
وسنأتي على الصواب من القول في ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إليه. [[كأنه يعني ما سيأتي في تفسيره ١٣: ٦٩ (بولاق) ، فإذا وجدت بعد ذلك مكانًا آخر غيره أشرت إليه.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وما يموت محمد ولا غيره من خلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له، وأذن له بالموت، فحينئذ يموت. فأما قبل ذلك، فلن يموت بكيد كائد ولا بحيلة محتال، كما:-
٧٩٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلا"، أي: أن لمحمد أجلا هو بالغه، إذا أذن الله له في ذلك كان. [[الأثر: ٧٩٥٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٤٠.]]
* *
وقد قيل إنّ معنى ذلك: وما كانت نفسٌ لتموت إلا بإذن الله. [[هو أبو عبيدة في مجاز القرآن ١: ١٠٤.]]
* *
وقد اختلف أهل العربية في معنى الناصب قوله:"كتابًا مؤجلا".
فقال بعض نحويي البصرة: هو توكيد، ونصبه على:"كتب الله كتابًا مؤجلا". قال: وكذلك كل شيء في القرآن من قوله: ﴿حَقًّا﴾ إنما هو: أحِقُّ ذلك حقًّا". وكذلك: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ﴿ورَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وكِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ، [[هذه مواضع الآيات من كتاب الله على الترتيب: [سورة النساء: ١٢٢ / سورة يونس: ٤ / سورة لقمان: ٩] / [سورة الكهف: ٨٢ / سورة القصص: ٤٦ / سورة الدخان: ٦] / [سورة النمل: ٨٨] / [سورة النساء: ٢٤] .]] إنما هو: صَنَعَ الله هكذا صنعًا. فهكذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا، فإنه كثيرٌ.
* *
وقال بعض نحويي الكوفة في قوله:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله"، معناه: كتب الله آجالَ النفوس، ثم قيل:"كتابًا مؤجلا"، فأخرج قوله:"كتابًا مؤجلا"، نصبًا من المعنى الذي في الكلام، إذ كان قوله:"وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله"، قد أدَّى عن معنى:"كتب"، [[في المطبوعة: "عن معناه كتب"، وهو كلام مختل، والصواب من المخطوطة.]] قال: وكذلك سائر ما في القرآن من نظائر ذلك، فهو على هذا النحو.
* *
وقال آخرون منهم: قول القائل:"زيد قائم حقًّا"، بمعنى:"أقول زيد قائم حقًّا"، لأن كل كلام"قول"، فأدى المقول عن"القول"، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول:"أقول قولا حقًّا"، وكذلك"ظنًّا" و"يقينًا" وكذلك:"وعدَ الله"، وما أشبهه.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن كل ذلك منصوب على المصدر من معنى الكلام الذي قبله، لأن في كل ما قبل المصادر التي هي مخالفة ألفاظُها ألفاظَ ما قبلها من الكلام، معانِيَ ألفاظ المصادر وإن خالفها في اللفظ، فنصبها من معاني ما قبلها دون ألفاظه.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: من يرد منكم، أيها المؤمنون، بعمله جزاءً منه بعضَ أعراض الدنيا، دون ما عند الله من الكرامة لمن ابتغى بعمله ما عنده ="نؤته منها"، يقول: نعطه منها، يعني من الدنيا، يعني أنه يعطيه منها ما قُسم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدها لمن أطاعه وطلب ما عنده في الآخرة ="ومن يرد ثوابَ الآخرة"، يقول: ومن يرد منكم بعمله جزاءً منه ثواب الآخرة، يعني: ما عند الله من كرامته التي أعدها للعاملين له في الآخرة ="نؤته منها"، يقول: نعطه منها، يعني من الآخرة. والمعنى: من كرامة ألله التي خصَّ بها أهلَ طاعته في الآخرة. فخرج الكلامُ على الدنيا والآخرة، والمعنىُّ ما فيهما. كما:-
٧٩٥٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها"، أي: فمن كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظ له في الآخرة = ومن يرد ثواب الآخرة نوته منها" ما وعده، مع ما يُجرى عليه من رزقه في دنياه. [[الأثر: ٧٩٥٥- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٥٤. والاختلاف عظيم في لفظ الأثر.]]
* *
وأما قوله:"وسنجزي الشاكرين"، يقول: وسأثيب من شكر لي ما أوليته من إحساني إليه = بطاعته إياي، وانتهائه إلى أمري، وتجنُّبه محارمي = في الآخرة مثل الذي وعدت أوليائي من الكرامة على شكرهم إياي.
وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-
٧٩٥٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وسنجزي الشاكرين"، أي: ذلك جزاء الشاكرين، يعني بذلك، إعطاء الله إياه ما وعده في الآخرة، مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا. [[الأثر: ٧٩٥٦- ليس في سيرة ابن هشام بنصه.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه بعضهم: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ ، بهمز"الألف" وتشديد"الياء".
* *
وقرأه آخرون بمد"الألف" وتخفيف"الياء"
* *
وهما قراءتان مشهورتان في قرأة المسلمين، ولغتان معروفتان، لا اختلاف في معناهما، فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيبٌ. لاتفاق معنى ذلك، وشهرتهما في كلام العرب. ومعناه: وكم من نبي.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله:"قتل معه ربيون". [[في المطبوعة: "ربيون كثير"، واتبعت ما في المخطوطة.]]
فقرأ ذلك جماعة من قرأة الحجاز والبصرة: ﴿قُتِلَ﴾ ، بضم القاف.
* *
وقرأه جماعة أخر بفتح"القاف" و"بالألف". [[في المطبوعة: "جماعة أخرى"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وهي قراءة جماعة من قرأة الحجاز والكوفة.
* *
قال أبو جعفر: فأما من قرأ ﴿قَاتَلَ﴾ ، فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قُتلوا لم يكن لقوله:"فما وهنوا"، وجه معروف. لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يَهِنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا.
وأما الذين قرأوا ذلك: ﴿قُتِلَ﴾ ، فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبيَّ وبعضَ من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقى من الربيين ممن لم يقتل.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب، قراءة من قرأ بضم"القاف": ﴿" قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ "﴾ ، لأن الله عز وجل إنما عاتب بهذه الآية والآيات التي قبلها = من قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [[السياق: إنما عاتب بهذه الآية. . . الذين انهزموا. . .]] الذين انهزموا يوم أحُد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح:"إن محمدًا قد قتل". فعذلهم الله عز وجل على فرارهم وتركهم القتال فقال: أفائن مات محمد أو قتل، أيها المؤمنون، ارتددتم عن دينكم وانقلبتم على أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثير من أتباع الأنبياء قبلهم، وقال لهم: هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم = من المضي على منهاج نبيهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم = ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم؟ وبذلك من التأويل جاء تأويل المتأوِّلين. [[في المطبوعة والمخطوطة: "تأويل المتأول"، ولكن"لام""المتأول" في المخطوطة ممدودة في الهامش، وتحتها نقطتان، فهذا صواب قراءتها، وهو صواب السياق.]]
* *
وأما"الربيون"، فإنهم مرفوعون بقوله:"معه" لا بقوله:"قتل". وإنما تأويل الكلام: وكأين من نبيّ قتل، ومعه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله. وفي الكلام إضمار"واو"، لأنها"واو" تدل على معنى حال قَتْل النبي ﷺ، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام عليها من ذكرها، وذلك كقول القائل في الكلام:"قتل الأمير معه جيش عظيم"، بمعنى: قتل ومعه جيشٌ عظيم.
* *
وأما"الربيون"، فإن أهل العربية اختلفوا في معناه.
فقال بعض نحويي البصرة: هم الذين يعبدون الرَّبَّ، واحدهم"رِبِّي".
* *
وقال بعض نحويي الكوفة: لو كانوا منسوبين إلى عبادة الربّ لكانوا"رَبِّيون" بفتح"الراء"، ولكنه: العلماء، والألوف.
* *
و"الربيون" عندنا، الجماعات الكثيرة، [[في المطبوعة: "الجماعة الكثيرة"، وأثبت ما في المخطوطة.]] واحدهم"رِبِّي"، وهم الجماعة. [[في المطبوعة والمخطوطة: "وهم جماعة"، وكأن الأجود ما أثبت، إلا أن يكون قد سقط من الناسخ شيء.]]
* *
واختلف أهل التأويل في معناه.
* *
فقال بعضهم مثل ما قلنا.
ذكر من قال ذلك:
٧٩٥٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: الربيون: الألوف.
٧٩٥٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، مثله.
٧٩٥٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، مثله.
٧٩٦٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.
٧٩٦١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله:"ربيون كثير"، قال: جموع كثيرة.
٧٩٦٢- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله:"قاتل معه ربيون كثير" [[في هذا الموضع من الآثار التالية، كتب"قاتل معه"، وسائرها"قتل"، كالقراءة التي اختارها أبو جعفر، فتركت قراءة أبي جعفر كما هي في هذه الآثار، وإن خالفت القراءة التي عليها مصحفنا وقراءتنا في مصر وغيرها. وذلك لأن معاني الآثار كلها مطابقة لقراءتها"قتل" بالبناء للمجهول.]] قال: جموع.
٧٩٦٣- حدثني حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: الألوف.
* *
وقال آخرون بما:-
٧٩٦٤- حدثني به سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: علماء كثير.
٧٩٦٥- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، قال: فقهاء علماء.
٧٩٦٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية. عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: الجموع الكثيرة = قال يعقوب: وكذلك قرأها إسماعيل: ﴿" قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ "﴾ .
٧٩٦٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" يقول: جموع كثيرة.
٧٩٦٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"قتل معه ربيون كثير"، قال: علماء كثير = [[في المطبوعة: "علماء كثيرة"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وقال قتادة: جموعٌ كثيرة.
٧٩٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة في قوله:"ربيون كثير"، قال: جموع كثيرة.
٧٩٧٠- حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله.
٧٩٧١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"قتل معه ربيون كثير" قال: جموع كثيرة.
٧٩٧٢- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٧٩٧٣- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"قتل معه ربيون كثير" يقول: جموع كثيرة.
٧٩٧٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، يقول: جموع كثيرة، قُتل نبيهم.
٧٩٧٥- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جعفر بن حبان والمبارك، عن الحسن في قوله:"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير"، قال جعفر: علماء صبروا = وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر. [[في المطبوعة: "أتقياء صبروا" والصواب ما في المخطوطة: "صبر" (بضمتين) جمع"صبور".]]
٧٩٧٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"قتل معه ربيون كثير" يعني الجموع الكثيرة، قتل نبيهم.
٧٩٧٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قاتل معه ربيون كثير"، يقول: جموع كثيرة.
٧٩٧٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير" قال: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه جماعات. [[الأثر: ٧٩٧٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٥٥ مع بعض خلاف في لفظه.]]
٧٩٧٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، الربيون: هم الجموع الكثيرة. [[في المطبوعة: "الربيون الجموع" بإسقاط"هم"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وقال آخرون: الربيون، الاتباع.
ذكر من قال ذلك:
٧٩٨٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير"، قال:"الربيون" الأتباع، و"الرّبانيون" الولاة، و"الربِّيون" الرعية. وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، [[في المطبوعة: "وهذا عاتبهم"، وكأن صواب قراءتها في المخطوطة ما أثبت، وهو السياق.]] حين صاح الشيطان:"إن محمدًا قد قتل" = قال: كانت الهزيمة عند صياحه في [سه صاح] : [[الكلمات التي بين القوسين، هكذا جاءت في المخطوطة غير منقوطة، أما المطبوعة فقد قرأها"في سننية صاح"، وهو لا معنى له. وقد جهدت أن أجد هذا الأثر في مكان آخر، أو أن أعرف وجهًا مرضيًا في قراءته، فأعياني طلب ذلك. وقد بدا لي أنها محرفة عن اسم موضع، أو ثنية، وقف عندها إبليس فنادى بذلك النداء، ولكني لم أجد ما أردت. والمعروف في السير، أن أزب العقبة إبليس قد تصور متمثلا في شبه جعال بن سراقة، وصرخ بما صرخ به، حتى هم أناس بقتل جعال، فشهد له خوات بن جبير، وأبو بردة بن نيار، بأن جعالا كان عندهما وبجنبهما يقاتل، حين صرخ ذلك الصارخ. فأرجو أن أجد بعد إن شاء الله صواب قراءة هذا الرسم المشكل.]] أيها الناس، إنّ محمدًا رسول الله قد قُتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمِّنوكم!.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله"، فما عجزوا = لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل الله، [[انظر تفسير"وهن" فيما سلف قريبًا: ٢٣٤.]] ولا لقتل من قُتل منهم =، عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم ="وما ضعفوا"، يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبيهم ="وما استكانوا"، يعني وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر الله وأمر نبيهم، وطاعة لله واتباعًا لتنزيله ووحيه = "والله يحب الصابرين"، يقول: والله يحب هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته وطاعة رسوله في جهاد عدوه، لا مَنْ فشل ففرَّ عن عدوه، ولا من انقلب على عقبيه فذلّ لعدوه لأنْ قُتِل نبيه أو مات، ولا مَن دخله وهن عن عدوه، وضعفٌ لفقد نبيه.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٩٨١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا"، يقول: ما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم ="وما استكانوا" يقول: ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، [[في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع"عن نصرتهم"، وهو خطأ لا معنى له. و"البصيرة": عقيدة القلب، والمعرفة على تثبت ويقين واستبانة. يريد ما اعتقدوا في قلوبهم من الدين عن بصر ويقين. وقد سلف منذ أسطر": ولكن مضوا قدمًا على بصائرهم"، وانظر ما سيأتي في الأثر التالي، والتعليق عليه.]] بل قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله.
٧٩٨٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا"، يقول: ما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم ="وما استكانوا"، يقول: وما ارتدوا عن بصيرتهم، [[في المطبوعة: "عن نصرتهم" كما في الأثر السالف، وهو خطأ، وفي المخطوطة"عن نصرتهم" غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها. انظر التعليق السالف.]] قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ حتى لحقوا بالله.
٧٩٨٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فما وهنوا"، فما وهن الربيون ="لما أصابهم في سبيل الله" من قتل النبي ﷺ ="وما ضعفوا"، يقول: ما ضعفوا في سبيل الله لقتل النبي ="وما استكانوا"، يقول: ما ذلُّوا حين قال رسول الله ﷺ:"اللهم ليس لهم أن يعلونا" - و ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [[في المطبوعة: "ليس لهم أن يعلونا ولا تهنوا. . ."، وفي المخطوطة: "ليس لهم أن يعلونا لا تهنوا. . ."، والصواب ما أثبت، مع الفصل، يعني: ما ذلوا حين قال لهم رسول الله ما قال، وحين نزل الله على رسوله الآية. وانظر تفسير الآية فيما سلف ص: ٢٣٤، والأثر: ٧٨٩٢.]] .
٧٩٨٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فما وهنوا" لفقد نبيهم ="وما ضعفوا"، عن عدوهم ="وما استكانوا"، لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ="والله يحب الصابرين". [[الأثر: ٧٩٨٤- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٧٨.]]
٧٩٨٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وما استكانوا"، قال: تخشَّعوا.
٧٩٨٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وما استكانوا"، قال: ما استكانوا لعدوهم ="والله يحب الصابرين".
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وما كان قولهم"، وما كان قول الرِّبِّيين - و"الهاء والميم" من ذكر أسماء الربيين -"إلا أن قالوا"، يعني: ما كان لهم قولٌ سوى هذا القول، إذ قتل نبيهم = وقوله:"ربنا اغفر لنا ذنوبنا"، يقول: لم يعتصموا، إذ قتل نبيهم، إلا بالصبر على ما أصابهم، ومجاهدة عدوهم، وبمسألة ربهم المغفرة والنصر على عدوهم. ومعنى الكلام: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا. [[هذا نص الآية؛ وكأن الصواب: "وما كان قولا لهم إلا أن قالوا"؛ ليبين عن أن"قولهم" خبر"كان" و"أن قالوا" اسمها. وانظر ص: ٢٧٣، ٢٧٤.]] .
* *
وأما"الإسراف"، فإنه الإفراط في الشيء: يقال منه:"أسرف فلانٌ في هذا الأمر"، إذا تجاوز مقداره فأفرط.
* *
ومعناه هاهنا: اغفر لنا ذنوبنا: الصغارَ منها، وما أسرفنا فيه منها فتخطينا إلى العظام. وكان معنى الكلام: اغفر لنا ذنوبنا، الصغائر منها والكبائر. كما:-
٧٩٨٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله:"وإسرافنا في أمرنا"، قال: خطايانا.
٧٩٨٨- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإسرافنا في أمرنا"، خطايانا وظلمَنا أنفسنا.
٧٩٨٩- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد الله بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله:"وإسرافنا في أمرنا"، يعني: الخطايا الكِبار.
٧٩٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم قال، الكبائر.
٧٩٩١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"وإسرافنا في أمرنا"، قال: خطايانا.
٧٩٩٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإسرافنا في أمرنا"، يقول: خطايانا.
* *
وأما قوله:"وثبت أقدامنا"، فإنه يقول: اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوّك وقتالهم، ولا تجعلنا ممن ينهزم فيفرَّ منهم ولا يثبتُ قدمه في مكان واحد لحربهم ="وانصرنا على القوم الكافرين"، يقول: وانصرنا على الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك. [[انظر تفسير نظيرة هذه الآية فيما سلف ٥: ٣٥٤.]] .
* *
قال أبو جعفر: وإنما هذا تأنيب من الله عز وجل عبادَه الذين فرُّوا عن العدو يوم أحد وتركوا قتالهم، وتأديبٌ لهم. يقول: الله عز وجل: هلا فعلتم إذ قيل لكم:"قُتل نبيكم" - كما فعل هؤلاء الرِّبِّيون، الذين كانوا قبلكم من أتباع الأنبياء إذ قتلت أنبياؤهم. فصبرتم لعدوكم صبرَهم، ولم تضعفوا وتستكينوا لعدوكم، فتحاولوا الارتداد على أعقابكم، كما لم يضعف هؤلاء الرِّبِّيون ولم يستكينوا لعدوهم، وسألتم ربكم النصر والظفر كما سألوا، فينصركم الله عليهم كما نصروا، فإن الله يحب من صَبر لأمره وعلى جهاد عدوه، فيعطيه النصر والظفر على عدوه؟. كما:-
٧٩٩٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين"، أي: فقولوا كما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، ولا ترتدُّوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبِّت أقدامكم، واستنصروه كما استنصروه على القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قُتل نبيهم، فلم يفعلوا كما فعلتم. [[الأثر: ٧٩٩٣- سيرة ابن هشام ٣: ١١٨، ١١٩، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٨٤.]]
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي هي القراءة في قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ النصب لإجماع قرأة الأمصار على ذلك نقلا مستفيضًا وراثة عن الحجة. [[انظر استعمال"وراثة"، و"موروثة" فيما سلف ٦: ١٢٧، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]]
وإنما اختير النصب في"القول"، لأن"أن" لا تكون إلا معرفة، [[في المطبوعة: "لأن إلا أن لا تكون إلا معرفة" بزيادة"إلا" الأولى، وهو فساد مستهجن، والصواب من المخطوطة، ولكن الناسخ كان قد أخطأ، فغير وضرب، فأخطأ الناشر الأول قراءة ما كتب.]] فكانت أولى بأن تكون هي الاسم، دون الأسماء التي قد تكون معرفة أحيانًا ونكرة أحيانًا، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣٧.]] ولذلك اختير النصب في كل اسم وِلى"كان" إذا كان بعده"أن" الخفيفة: كقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [سورة العنكبوت: ٢٤] [[في المخطوطة والمطبوعة: "وما كان جواب ... " بالواو، وصحيح التلاوة ما أثبت.]] وقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا﴾ [سوة الأنعام: ٢٣] [[أثبت قراءة النصب كما ذكر الطبري، والذي عليه مصحفنا وقراءتنا، رفع"فتنتهم".]] فأمّا إذا كان الذي يلي"كان" اسما معرفة، والذي بعده مثله، فسواء الرفعُ والنصبُ في الذي ولى"كان". فإن جعلت الذي ولى"كان" هو الاسم، رفعته ونصبت الذي بعده. وإن جعلت الذي ولى"كان" هو الخبر، نصبته ورفعت الذي بعده، وذلك كقوله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [سورة الروم: ١٠] إن جعلت"العاقبة" الاسم رفعتها، وجعلت"السوأى" هي الخبر منصوبةً. وإن جعلت"العاقبة" الخبر، نصبت فقلت:"ثم كان عاقبةَ الذين أساءوا السوأى"، وجعلت"السوأى" هي الاسم، فكانت مرفوعة، وكما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
لَقَدْ عَلِمَ الأقْوَام مَا كَانَ دَاءَهَا ... بِثَهْلانَ إلا الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُهَا [[سيبويه ١: ٢٤، ولم ينسبه، قال الشنتمري: "استشهد به على استواء اسم كان وخبرها في الرفع والنصب، لاستوائهما في المعرفة. وصف كتيبة انهزمت، فيقول: لم يكن داؤها وسبب انهزامها إلا جبن من يقودها وانهزامه. وجعل الفعل للخزي مجازًا واتساعًا، والمعنى: إلا قائدها المنهزم الخزيان، وثهلان: اسم جبل".]]
وروي أيضًا:"ما كان داؤها بثهلان إلا الخزيَ"، نصبًا ورفعًا على ما قد بينت. ولو فُعل مثل ذلك مع"أن" كان جائزًا، غير أن أفصحَ الكلام ما وصفت عند العرب.
القول في تأويل قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله -"ثوابَ الدنيا"، يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد ="وحسن ثواب الآخرة"، يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنةُُ ونعيمُها، كما:-
٧٩٩٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا"، فقرأ حتى بلغ:"والله يحب المحسنين"، أي والله، لآتاهم الله الفتح والظهورَ والتمكينَ والنصر على عدوهم في الدنيا ="وحسنَ ثواب الآخرة"، يقول: حسن الثواب في الآخرة، هي الجنة.
٧٩٩٥- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وما كان قولهم"، ثم ذكر نحوه.
٧٩٩٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله:"فآتاهم الله ثواب الدنيا"، قال: النصر والغنيمة ="وحسن ثواب الآخرة"، قال: رضوانَ الله ورحمته.
٧٩٩٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"فآتاهم الله ثوابَ الدنيا"، الظهورَ على عدوهم = [[في المطبوعة: "حسن الظهور على عدوهم"، وفي المخطوطة كتب"وحسن الظهور" ثم ضرب على"وحسن". وفي ابن هشام: "بالظهور" بالباء.]] "وحسن ثواب الآخرة"، الجنةَ وما أعدَّ فيها = وقوله:"والله يحب المحسنين"، يقول تعالى ذكره: فعل الله ذلك بهم بإحسانهم، فإنه يحب المحسنين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبيُّهم. [[الأثر: ٧٩٩٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٩، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٩٣، مع اختلاف في اللفظ، ومع اختصاره.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده وأمره ونهيه ="إن تطيعوا الذين كفروا"، يعني: الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد ﷺ من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون ="يردوكم على أعقابكم"، يقول: يحملوكم على الرِّدة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام [[انظر تفسير"ارتد على عقبه" فيما سلف قريبًا: ٢٥١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] ="فتنقلبوا خاسرين"، يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له ="خاسرين"، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم. [[انظر تفسير"خسر" فيما سلف ١: ٤١٧ / ٢: ١٦٦، ٥٧٢ / ٦: ٥٧٠.]] .
ينهى بذلك أهل الإيمان بالله أن يطيعوا أهل الكفر في آرائهم، وينتصحوهم في أديانهم. كما:-
٧٩٩٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين"، أي: عن دينكم: فتذهب دنياكم وآخرتكم. [[الأثر: ٧٩٩٨- سيرة ابن هشام ٣: ١١٩، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٩٧. وفي سيرة ابن هشام: "أي: عن عدوكم، فتذهب دنياكم وآخرتكم"، وهو فاسد المعنى، تصحيحه من هذا الموضع من الطبري.]]
٧٩٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا"، قال ابن جريج: يقول: لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم، ولا تصدِّقوهم بشيء في دينكم.
٨٠٠٠- حدثنا محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين"، يقول: إن تطيعوا أبا سفيان، يردَّكم كفارًا. [[في المطبوعة: "يردوكم كفارًا" بالجمع، وهو غير مستقيم، والصواب من المخطوطة.]]
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن الله مسدِّدكم، أيها المؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا.
* *
وإنما قيل:"بل الله مولاكم"، لأن في قوله:"إن تطيعوا الذين كفروا يردُّوكم على أعقابكم"، نهيًا لهم عن طاعتهم، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لا تُطيعوا الذين كفروا فيردُّوكم على أعقابكم، ثم ابتدأ الخبر فقال:"بل الله مولاكم"، فأطيعوه، دون الذين كفروا، فهو خيرُ من نَصَر. ولذلك رفع اسم"الله"، ولو كان منصوبًا على معنى: بل أطيعوا الله مولاكم، دون الذين كفروا = كان وجهًا صحيحًا.
* *
ويعني بقوله:"بل الله مولاكم"، وليّكم وناصركم على أعدائكم الذين كفروا، [[انظر تفسير"المولى" فيما سلف ٦: ١٤١.]] "وهو خير الناصرين"، لا من فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله. فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا، وإياه فاستنصروا، دون غيره ممن يبغيكم الغوائل، ويرصدكم بالمكاره، كما:-
٨٠٠١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"بل الله مولاكم"، إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقًا في قلوبكم ="وهو خير الناصرين"، أي: فاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على أعقابكم مرتدِّين عن دينكم. [[الأثر: ٨٠٠١- سيرة ابن هشام ٣: ١١٩، ١٢٠، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٩٨، مع اختلاف يسير في اللفظ.]]