Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Aal-i-Imraan
Tafsir al-Tabari · The Family of Imraan · 200 ayat · ayat 181–200 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
ذكر الآثار بذلك:
٨٣٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المِدْراس، فوجد من يهودَ ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشيْع. فقال أبو بكر رضي الله عنه لفنحاص: ويحك يا فِنحاص، اتق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أنّ محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيُّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًّا ما أعطانا الربا! [[كان في المخطوطة سقط بين، فيها: "وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر"، واستدركت المطبوعة هذا السقط من الدر المنثور فيما أرجح (٢: ١٠٥) ، فتركته كما هو، لموافقته لما جاء في تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٨، وإن خالف رواية ابن هشام في سيرته، في بعض ألفاظ.]] فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عُنقك يا عدو الله! فأكذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ "فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيمًا، زعم أنّ الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك! فأنزل الله تبارك وتعالى فيما قال فنحاص، ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر:"لقد سَمِع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق" = وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٦] . [[الأثران: ٨٣٠٠، ٨٣٠١ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، ٢٠٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٦٩٥، مما روى الطبري من سيرة ابن إسحاق.]]
٨٣٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: دخل أبو بكر = فذكر نحوه، غير أنه قال:"وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنيٍّ، ولو كان غنيًّا"، ثم ذكر سائر الحديث نحوه. [[انظر خبر فنحاص أيضًا في الأثر الآتي رقم: ٨٣١٦.]]
٨٣٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، قالها فنحاص اليهوديّ من بني مَرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا! فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا! وما يستقرض إلا الفقير من الغني! إن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير! فأنزل الله عز وجل هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبي ﷺ وبين بني مَرثد لقتلته.
٨٣٠٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صك أبو بكر رجلا منهم = الذين قالوا:"إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، لم يستقرضنا وهو غني؟! وهم يهود.
٨٣٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال:"الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، لم يستقرضنا وهو غني؟ = قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي، وهو الذي قال:"إنّ الله ثالث ثلاثة" و"يدُ الله مغلولة".
٨٣٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثني يحيى بن واضح قال، حدثت عن عطاء، عن الحسن قال، لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\ سورة الحديد: ١١] قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل الله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء".
٨٣٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن البصري قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال: عجبت اليهود فقالت: إن الله فقير يستقرض! فنزلت:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء".
٨٣٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، ذكر لنا أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لما أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغنيَّ!
٨٣٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما نزلت:"من ذا الذي يقرضُ الله قرضًا حسنًا"، قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني!! قال: فأنزل الله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء".
٨٣٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، قال: هؤلاء يهود. [[في المطبوعة: "هؤلاء اليهود"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود:"إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه"، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق.
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"سنكتب ما قالوا وقتلهم".
فقرأ ذلك قرأة الحجاز وعامة قرأة العراق: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بالنون، "وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بغير حقٍّ" بنصب"القتل".
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين: ﴿" سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ "﴾ بالياء من"سيكتب" وبضمها، ورفع"القتل"، على مذهب ما لم يسمّ فاعله، اعتبارًا بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله في قوله:"ونقول ذوقوا"، يذكر أنها في قراءة عبد الله:"ويُقَالُ". [[هذا كلام الفراء بلا شك، في معاني القرآن ١: ٢٤٩، ولكن وقع في نسخ الفراء خرم لم يتنبه إليه مصححو المطبوعة، تمامه مما ذكره الطبري ورواه عنه كعادته. والنص الذي في المطبوعة من معاني القرآن: "وقرئ: سيكتب ما قالوا، قرأها حمزة اعتبارًا، لأنها في مصحف عبد الله"، وانقطع الكلام، فظاهر أن فيه سقطًا، وظاهر أن تمامه ما رواه الطبري من قراءة عبد الله التي اعتبر بها حمزة في قراءة"سيكتب".]]
فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تُنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قرأة الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ:"سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء" على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ:"ويقال"، لأن قوله:"ونقول" عطف على قوله:"سنكتب". فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما في المعنى بأن يقرآ جميعًا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله. فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سُمِّي فاعله، من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. [[المعروف في كلامهم"ألجأه إلى كذا"، واستعمل الطبري"ألجأه عليه" بمعنى حمله عليه، على إرادة التضمين، وهو كلام فصيح لا يعاب، وهو من النوادر التي لم أجدها في كتاب، وإن كنت أذكر أني قرأتها في بعض كتب الشافعي رحمه الله، وغاب اليوم عني مكانها.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا:"سَنَكْتُب" بالنون"وقَتْلَهُمْ" بالنصب، لقوله:"وَنَقُول"، ولو كانت القراءة في"سيكتب" بالياء وضمها، لقيل:"ويقال"، على ما قد بيّنا.
* *
فإن قال قائل: كيف قيل:"وقتلهم الأنبياء بغير حق"، وقد ذكرت في الآثار التي رويتَ، أن الذين عنوا بقوله: [[في المطبوعة: "وقد ذكرت الآثار التي رويت"، أسقطت"في"، وهي ثابتة في المخطوطة.]] "لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ" بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد ﷺ، ولم يكن من أولئك أحدٌ قتل نبيًا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه؟
قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعلَ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحْلة واحدة، وبالرِّضى من جميعهم فَعل ما فعل فاعلُ ذلك منهم، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ٢: ٢٣، ٢٤، ٣٨، ٣٩، ١٦٤، ١٦٥ وفهارس المباحث في الجزء الثاني ص ٦١١، "إضافة أفعال الأسلاف إلى الأبناء. . .".]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ونقول" للقائلين بأن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامة="ذوقوا عذاب الحريق"، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة. [[تفسير"الحريق" كما فسره أبو جعفر، مما لا تكاد تظفر به في كتب اللغة، بل قالوا: الحريق: اضطرام النار وتلهبها. والحريق أيضًا اللهب". وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٠، ونصه: "النار اسم جامع، تكون نارًا وهي حريق وغير حريق، فإذا التهبت، فهي حريق".]]
* *
و"النار" اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، وإنما"الحريق" صفة لها يراد أنها محرقة، كما قيل:"عذابٌ أليم" يعني: مؤلم، و"وجيع" يعني: موجع.
* *
وأما قوله:"ذلك بما قدمت أيديكم"، أي: قولنا لهم يوم القيامة،"ذوقوا عذاب الحريق"، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا، [[انظر تفسير"بما قدمت أيديهم" فيما سلف ٢: ٣٦٧، ٣٦٨.]] وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم [ذلك] يوم القيامة [[الزيادة بين القوسين لا بد منها لاستقامة الكلام، ويعني بقوله: "الذي قال لهم ذلك"، أي قال لهم: "ذوقوا عذاب الحريق". وسياق العبارة: "فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة. . . بما جازاهم به من عذاب الحريق".]] = من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا:"إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، وقتلوا الأنبياء بغير حق = بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار. فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها. وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه.
القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
ذكر الآثار بذلك:
٨٣٠٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت المِدْراس، فوجد من يهودَ ناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حَبْرٌ يقال له أشيْع. فقال أبو بكر رضي الله عنه لفنحاص: ويحك يا فِنحاص، اتق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أنّ محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحقّ من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل! قال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيُّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيًّا ما أعطانا الربا! [[كان في المخطوطة سقط بين، فيها: "وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر"، واستدركت المطبوعة هذا السقط من الدر المنثور فيما أرجح (٢: ١٠٥) ، فتركته كما هو، لموافقته لما جاء في تفسير ابن كثير ٢: ٣٠٨، وإن خالف رواية ابن هشام في سيرته، في بعض ألفاظ.]] فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عُنقك يا عدو الله! فأكذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ "فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولا عظيمًا، زعم أنّ الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربتُ وجهه. فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك! فأنزل الله تبارك وتعالى فيما قال فنحاص، ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر:"لقد سَمِع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء سنكتبُ ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق" = وفي قول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٦] . [[الأثران: ٨٣٠٠، ٨٣٠١ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، ٢٠٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٦٩٥، مما روى الطبري من سيرة ابن إسحاق.]]
٨٣٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: دخل أبو بكر = فذكر نحوه، غير أنه قال:"وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنيٍّ، ولو كان غنيًّا"، ثم ذكر سائر الحديث نحوه. [[انظر خبر فنحاص أيضًا في الأثر الآتي رقم: ٨٣١٦.]]
٨٣٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، قالها فنحاص اليهوديّ من بني مَرثد، لقيه أبو بكر فكلمه فقال له: يا فنحاص، اتق الله وآمن وصدِّق، وأقرض الله قرضًا حسنًا! فقال فنحاص: يا أبا بكر، تزعم أن ربنا فقير يستقرِضنا أموالنا! وما يستقرض إلا الفقير من الغني! إن كان ما تقول حقًّا، فإن الله إذًا لفقير! فأنزل الله عز وجل هذا، فقال أبو بكر: فلولا هُدنة كانت بين النبي ﷺ وبين بني مَرثد لقتلته.
٨٣٠٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صك أبو بكر رجلا منهم = الذين قالوا:"إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، لم يستقرضنا وهو غني؟! وهم يهود.
٨٣٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال:"الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، لم يستقرضنا وهو غني؟ = قال شبل: بلغني أنه فنحاص اليهودي، وهو الذي قال:"إنّ الله ثالث ثلاثة" و"يدُ الله مغلولة".
٨٣٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثني يحيى بن واضح قال، حدثت عن عطاء، عن الحسن قال، لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥\ سورة الحديد: ١١] قالت اليهود: إنّ ربكم يستقرض منكم! فأنزل الله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء".
٨٣٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن البصري قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال: عجبت اليهود فقالت: إن الله فقير يستقرض! فنزلت:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء".
٨٣٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، ذكر لنا أنها نزلت في حُيَيّ بن أخطب، لما أنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: يستقرضنا ربنا، إنما يستقرض الفقير الغنيَّ!
٨٣٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما نزلت:"من ذا الذي يقرضُ الله قرضًا حسنًا"، قالت اليهود: إنما يستقرض الفقير من الغني!! قال: فأنزل الله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ ونحن أغنياء".
٨٣٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، قال: هؤلاء يهود. [[في المطبوعة: "هؤلاء اليهود"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود:"إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه"، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق.
* *
واختلفت القرأة في قراءة قوله:"سنكتب ما قالوا وقتلهم".
فقرأ ذلك قرأة الحجاز وعامة قرأة العراق: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ بالنون، "وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بغير حقٍّ" بنصب"القتل".
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين: ﴿" سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ "﴾ بالياء من"سيكتب" وبضمها، ورفع"القتل"، على مذهب ما لم يسمّ فاعله، اعتبارًا بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله في قوله:"ونقول ذوقوا"، يذكر أنها في قراءة عبد الله:"ويُقَالُ". [[هذا كلام الفراء بلا شك، في معاني القرآن ١: ٢٤٩، ولكن وقع في نسخ الفراء خرم لم يتنبه إليه مصححو المطبوعة، تمامه مما ذكره الطبري ورواه عنه كعادته. والنص الذي في المطبوعة من معاني القرآن: "وقرئ: سيكتب ما قالوا، قرأها حمزة اعتبارًا، لأنها في مصحف عبد الله"، وانقطع الكلام، فظاهر أن فيه سقطًا، وظاهر أن تمامه ما رواه الطبري من قراءة عبد الله التي اعتبر بها حمزة في قراءة"سيكتب".]]
فأغفل قارئ ذلك وجه الصواب فيما قصد إليه من تأويل القراءة التي تُنسب إلى عبد الله، وخالف الحجة من قرأة الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لمن قرأ:"سيكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء" على وجه ما لم يسم فاعله، أن يقرأ:"ويقال"، لأن قوله:"ونقول" عطف على قوله:"سنكتب". فالصواب من القراءة أن يوفق بينهما في المعنى بأن يقرآ جميعًا على مذهب ما لم يسم فاعله، أو على مذهب ما يسمى فاعله. فأما أن يقرأ أحدهما على مذهب ما لم يسم فاعله، والآخر على وجه ما قد سُمِّي فاعله، من غير معنى ألجأه على ذلك، فاختيار خارج عن الفصيح من كلام العرب. [[المعروف في كلامهم"ألجأه إلى كذا"، واستعمل الطبري"ألجأه عليه" بمعنى حمله عليه، على إرادة التضمين، وهو كلام فصيح لا يعاب، وهو من النوادر التي لم أجدها في كتاب، وإن كنت أذكر أني قرأتها في بعض كتب الشافعي رحمه الله، وغاب اليوم عني مكانها.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا:"سَنَكْتُب" بالنون"وقَتْلَهُمْ" بالنصب، لقوله:"وَنَقُول"، ولو كانت القراءة في"سيكتب" بالياء وضمها، لقيل:"ويقال"، على ما قد بيّنا.
* *
فإن قال قائل: كيف قيل:"وقتلهم الأنبياء بغير حق"، وقد ذكرت في الآثار التي رويتَ، أن الذين عنوا بقوله: [[في المطبوعة: "وقد ذكرت الآثار التي رويت"، أسقطت"في"، وهي ثابتة في المخطوطة.]] "لقد سمع الله قول الذين قالوا إنّ الله فقيرٌ" بعض اليهود الذين كانوا على عهد نبينا محمد ﷺ، ولم يكن من أولئك أحدٌ قتل نبيًا من الأنبياء، لأنهم لم يدركوا نبيًا من أنبياء الله فيقتلوه؟
قيل: إنّ معنى ذلك على غير الوجه الذي ذهبت إليه. وإنما قيل ذلك كذلك، لأن الذين عنى الله تبارك وتعالى بهذه الآية، كانوا راضين بما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبياء، وكانوا منهم وعلى منهاجهم، من استحلال ذلك واستجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعلَ ما فعله من كانوا على منهاجه وطريقته، إلى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة ونحْلة واحدة، وبالرِّضى من جميعهم فَعل ما فعل فاعلُ ذلك منهم، على ما بينا من نظائره فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ٢: ٢٣، ٢٤، ٣٨، ٣٩، ١٦٤، ١٦٥ وفهارس المباحث في الجزء الثاني ص ٦١١، "إضافة أفعال الأسلاف إلى الأبناء. . .".]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"ونقول" للقائلين بأن الله فقيرٌ ونحن أغنياء، القاتلين أنبياء الله بغير حقّ يوم القيامة="ذوقوا عذاب الحريق"، يعني بذلك: عذاب نار محرقة ملتهبة. [[تفسير"الحريق" كما فسره أبو جعفر، مما لا تكاد تظفر به في كتب اللغة، بل قالوا: الحريق: اضطرام النار وتلهبها. والحريق أيضًا اللهب". وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١٠، ونصه: "النار اسم جامع، تكون نارًا وهي حريق وغير حريق، فإذا التهبت، فهي حريق".]]
* *
و"النار" اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، وإنما"الحريق" صفة لها يراد أنها محرقة، كما قيل:"عذابٌ أليم" يعني: مؤلم، و"وجيع" يعني: موجع.
* *
وأما قوله:"ذلك بما قدمت أيديكم"، أي: قولنا لهم يوم القيامة،"ذوقوا عذاب الحريق"، بما أسلفت أيديكم واكتسبتها أيام حياتكم في الدنيا، [[انظر تفسير"بما قدمت أيديهم" فيما سلف ٢: ٣٦٧، ٣٦٨.]] وبأن الله عَدْل لا يجورُ فيعاقب عبدًا له بغير استحقاق منه العقوبةَ، ولكنه يجازي كل نفس بما كسبت، ويوفّي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم [ذلك] يوم القيامة [[الزيادة بين القوسين لا بد منها لاستقامة الكلام، ويعني بقوله: "الذي قال لهم ذلك"، أي قال لهم: "ذوقوا عذاب الحريق". وسياق العبارة: "فجازى الذين قال لهم ذلك يوم القيامة. . . بما جازاهم به من عذاب الحريق".]] = من اليهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا:"إنّ الله فقير ونحن أغنياء"، وقتلوا الأنبياء بغير حق = بما جازاهم به من عذاب الحريق، بما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا على الله بعد الإعذار إليهم بالإنذار. فلم يكن تعالى ذكره بما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الحريق ظالمًا، ولا واضعًا عقوبته في غير أهلها. وكذلك هو جل ثناؤه، غيرُ ظلام أحدًا من خلقه، ولكنه العادل بينهم، والمتفضل على جميعهم بما أحبّ من فَوَاضله ونِعمه.
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لقد سمع الله قول الذين قالوا:"إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول".
* *
وقوله:"الذين قالوا إن الله"، في موضع خفض ردًّا على قوله:"الذين قالوا إن الله فقيرٌ".
* *
ويعني بقوله:"قالوا إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول"، أوصانا، وتقدم إلينا في كتبه وعلى ألسن أنبيائه [[انظر تفسير"عهد إليه" فيما سلف ٣: ٣٨، وتفسير"العهد" في فهارس اللغة.]] ="أن لا نؤمن لرسول"، يقول: أن لا نصدِّق رسولا فيما يقول إنه جاء به من عند الله من أمر ونهي وغير ذلك="حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، يقول: حتى يجيئنا بقربان، وهو ما تقرَّب به العبد إلى ربه من صدقة.
* *
وهو مصدر مثل"العدوان" و"الخسران" من قولك:"قرَّبتُ قربانًا".
وإنما قال:"تأكله النار"، لأن أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان، كان دليلا على قبول الله منه ما قرِّب له، ودلالة على صدق المقرِّب فيما ادعى أنه محق فيما نازع أو قال، كما:-
٨٣١٠ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، كان الرجل يتصدق، فإذا تُقُبِّل منه، أنزلت عليه نارٌ من السماء فأكلته.
٨٣١١ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد، قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"بقربان تأكله النار"، كان الرجل إذا تصدق بصدقة فتُقُبِّلت منه، بعث الله نارًا من السماء فنزلت على القربان فأكلته.
* *
= فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: [قل، يا محمد، للقائلين: إنّ الله عهد إلينا] أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار: [قد جاءكم] رسل من قبلي بالبينات"، [[في المخطوطة: "فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار رسل من قبلي بالبينات. . ."، وقد وضع ناسخ المخطوطة أمام السطرين في الهامش (ط ط كذا) ، يعني أنه خطأ كان في النسخة التي نقل عنها، فنقله هكذا كما وجده، فجاء ناشر المطبوعة -أو ناسخ قبله- فأراد أن يصححها، فزاد صدر الآية: "قل قد جاءكم" بعد قوله: "بقربان تأكله النار"، ولكن يبقى السياق غير حسن، فزدت ما بين القوسين، استظهارًا من نهج أبي جعفر في بيانه عن معاني آي كتاب الله، والله الموفق للصواب.]] يعني: بالحجج الدالة على صدق نبوتهم وحقيقة قولهم="وبالذي قلتم"، يعني: وبالذي ادَّعيتم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه والإقرار بنبوته، من أكل النار قُربانه إذا قرَّب لله دلالة على صدقه، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إذ قرب لله"، والسياق يقتضي"إذا".]] ="فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين"، يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا من قبلي بالذي زعمتم أنه حجة لهم عليكم، فقتلتموهم، فلم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم="إن كنتم صادقين" في أن الله عهد إليكم أن تؤمنوا بمن أتاكم من رسله بقُربان تأكله النار حجة له على نبوته؟
* *
قال أبو جعفر: وإنما أعلم الله عباده بهذه الآية: أنّ الذين وصف صفتهم من اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، لن يَعْدوا أن يكونوا في كذبهم على الله وافترائهم على ربهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ، وهم يعلمونه صادقًا محقًّا، وجحودهم نبوَّته وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في عهد الله تعالى إليهم أنه رسوله إلى خلقه، مفروضة طاعته [[في المطبوعة: "لن يفروا أن يكونوا في كذبهم على الله"، وفي المخطوطة: "لن يقروا" ولا معنى لهما، وصوابهما ما أثبت. وسياق العبارة: "لن يعدوا أن يكونوا في كذبهم. . . إلا كمن مضى من أسلافهم".]] إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبياء الله بعد قطع الله عذرهم بالحجج التي أيدهم الله بها، والأدلة التي أبان صدقهم بها، افتراء على الله، واستخفافًا بحقوقه.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تعزية من الله جل ثناؤه نبيَّه محمدًا ﷺ على الأذى الذي كان يناله من اليهود وأهل الشرك بالله من سائر أهل الملل. يقول الله تعالى له: لا يحزنك، يا محمد، كذب هؤلاء الذين قالوا:"إن الله فقير"، وقالوا:"إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار"، وافتراؤهم على ربهم اغترارًا بإمهال الله إياهم، ولا يَعظمن عليك تكذيبهم إياك، وادعاؤهم الأباطيل من عهود الله إليهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذبوك وكذبوا على الله، فقد كذَّبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بالحجج القاطعة العذرَ، والأدلة الباهرة العقلَ، والآيات المعجزة الخلقَ، وذلك هو البينات. [[انظر تفسير"البينات" فيما سلف ٢: ٣١٨، ٣٥٥ / ٣: ٢٤٩ / ٤: ٢٥٩ / ٥: ٣٧٩، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة.]]
* *
وأما"الزبر" فإنه جمع"زبور"، وهو الكتاب، وكل كتاب فهو:"زبور"، ومنه قول امرئ القيس:
لِمنْ طَللٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي؟ ... كخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِي [[ديوانه: ١٨٦، وهو مطلع قصيدته. قال الشنتمرى في شرح البيت: "يقول: نظرت إلى هذا الطلل فشجاني، أي: أحزنني. وقوله: "كخط زبور"، أي قد درس وخفيت آثاره، فلا يرى منه إلا مثل الكتاب في الخفاء والدقة. والزبور: الكتاب. وقوله: "في عسيب يمان"، كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة عهودهم وصكاكهم. ويروى: "عسيب يماني"، على الإضافة، أراد: في عسيب رجل يمان.]]
* *
ويعني: بـ"الكتاب"، التوراة والإنجيل. وذلك أن اليهود كذَّبت عيسى وما جاء به، وحرَّفت ما جاء به موسى عليه السلام من صفة محمد ﷺ، وبدلت عهده إليهم فيه، وأن النصارى جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به في أمره.
* *
وأما قوله:"المنير"، فإنه يعني: الذي يُنير فيبين الحق لمن التبس عليه ويوضحه.
* *
وإنما هو من"النور" والإضاءة، يقال:"قد أنار لك هذا الأمر"، بمعنى: أضاء لك وتبين،"فهو ينير إنارة، والشيء منيرٌ"، [[في المخطوطة والمطبوعة: "والشيء المنير"، وعبارة بيان اللغة تقتضي ما أثبت.]] وقد:-
٨٣١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"فإن كذبوك فقد كُذِّب رسل من قبلك"، قال: يعزِّي نبيه ﷺ.
* *
٨٣١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك"، قال: يعزّي نبيه ﷺ.
* *
وهذا الحرف في مصاحف أهل الحجاز والعراق:"وَالزُّبُرِ" بغير"باء"، وهو في مصاحف أهل الشام:"وبالزُّبُرِ" بالباء، مثل الذي في"سورة فاطر". [٢٥] .
القول في تأويل قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: أن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود، المكذبين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربهم= ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم، إليه. لأنه قد حَتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه ﷺ: لا يحزنك تكذيبُ من كذبك، يا محمد، من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليَّ، فقد كُذِّب قبلك رسلٌ جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه، بمثل الذي جئتَ من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوة تتعزى بهم، ومصيرُ من كذَّبك وافترى عليّ وغيرهم ومرجعهم إليّ، فأوفّي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جل ثناؤه:"وإنما توفَّون أجوركم يوم القيامة"، يعني: أجور أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشر="فمن زحزح عن النار"، يقول: فمن نُحِّي عن النار وأبعد منها [[انظر تفسير"زحزح" فيما سلف ٢: ٣٧٥.]] ="فقد فاز"، يقول: فقد نجا وظفر بحاجته.
* *
يقال منه:"فاز فلان بطلبته، يفوز فوزًا ومفازًا ومفازة"، إذا ظفر بها.
* *
وإنما معنى ذلك: فمن نُحِّي عن النار فأبعد منها وأدخل الجنة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة="وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، يقول: وما لذّات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها="إلا متاع الغرور"، يقول: إلا متعة يمتعكموها الغرور والخداع المضمحلّ الذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحة له عند الاختبار. فأنتم تلتذون بما متعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره. يقول تعالى ذكره: ولا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرور تمتَّعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون. [[انظر تفسير: "المتاع" فيما سلف ١: ٥٣٩، ٥٤٠ / ٣: ٥٥.]]
* *
وقد روي في تأويل ذلك ما:-
٨٣١٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله:"وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، قال: كزاد الراعي، تزوِّده الكفّ من التمر، أو الشيء من الدقيق، أو الشيء يشرب عليه اللبن.
* *
فكأن ابن سابط ذهب في تأويله هذا، إلى أن معنى الآية: وما الحياة الدنيا إلا متاعٌ قليلٌ، لا يُبلِّغ مَنْ تمتعه ولا يكفيه لسفره. وهذا التأويل، وإن كان وجهًا من وجوه التأويل، فإن الصحيح من القول فيه هو ما قلنا. لأن"الغرور" إنما هو الخداع في كلام العرب. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لصرفه إلى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قليلا وصاحبه منه في غير خداع ولا غرور. وأما الذي هو في غرور، فلا القليل يصح له ولا الكثير مما هو منه في غرور.
* *
و"الغرور" مصدر من قول القائل:"غرني فلان فهو يغرُّني غرورًا" بضم"الغين". وأما إذا فتحت"الغين" من"الغرور"، فهو صفة للشيطان الغَرور، الذي يغر ابن آدم حتى يدخله من معصية الله فيما يستوجب به عقوبته.
* *
وقد:
٨٣١٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة وعبد الرحيم قالا حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم"وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور". [[الحديث: ٨٣١٥ - عبدة: هو ابن سليمان الكلابي الكوفي. وعبد الرحيم: هو ابن سليمان المروزي الأشل.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٩٦٤٩ (ج٢ ص٤٣٨ حلبي) ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد ابن عمرو - بهذا الإسناد.
وكذلك رواه الترمذي ٤: ٨٥، عن عبد بن حميد وغيره، عن محمد بن عمرو. وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٩، من طريق شجاع بن الوليد، عن محمد بن عمرو. وقال: "هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢: ٣١١، من رواية ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن محمد بن عمرو.
ثم قال ابن كثير: "هذا حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه، بدون هذه الزيادة [يعني ذكر الآية في الحديث] . وقد رواه بهذه الزيادة أبو حاتم بن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث محمد بن عمرو".
وذكره السيوطي ٢: ١٠٧، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٤: ٢٧٧، من رواية الترمذي - ضمن ألفاظ للحديث بمعناه، عند أحمد، والبخاري، والطبراني في الأوسط"بأسناد رواته رواة الصحيح"، وابن حبان في صحيحه.]]
القول في تأويل قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ (١٨٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: تعالى ذكره: [[في المطبوعة والمخطوطة"يعني بذلك تعالى ذكره"، وسياق التفسير هنا يقتضي ما أثبت.]] "لتبلون في أموالكم"، لتختبرن بالمصائب في أموالكم [[انظر تفسير"الابتلاء" فيما سلف ٢: ٤٩ / ٣: ٧، ٢٢٠ / ٥: ٣٣٩ / ٧: ٢٩٧، ٢٣٥.]] ="وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم [[انظر تفسير"أنفسهم" فيما سلف ٦: ٥٠١.]] ="ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، يعني: من اليهود وقولهم:"إن الله فقير ونحن أغنياء"، وقولهم:"يد الله مغلولة"، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله="ومن الذين أشركوا"، يعني النصارى="أذى كثيرًا"، [[انظر تفسير"الأذى" فيما سلف ٤: ٣٧٤.]] والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم:"المسيح ابن الله"، وما أشبه ذلك من كفرهم بالله="وإن تصبروا وتتقوا"، يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته="وتتقوا"، يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته="فإن ذلك من عزم الأمور"، يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به.
* *
وقيل: إن ذلك كله نزل في فنخاص اليهودي، سيد بني قَيْنُقَاع، كالذي:-
٨٣١٦ - حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال عكرمة في قوله:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا"، قال: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فنحاص اليهودي سيد بني قينُقاع قال: بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فنحاص يستمدُّه، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر:"لا تَفتاتنَّ عليّ بشيء حتى ترجع". [[كل من أحدث دونك شيئا، ومضى عليه ولم يستشرك، واستبد به دونك، فقد فاتك بالشيء وافتات عليك به أوفيه. هو"افتعال" من"الفوت"، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار أو مشورة.]] فجاء أبو بكر وهو متوشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال:"قد احتاج ربكم أن نمده"! فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي ﷺ:"لا تفتاتنّ علي بشيء حتى ترجع"، فكف، ونزلت: ﴿" وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ"﴾ . [[انظر أخبار فنخاص اليهودي في الآثار السالفة: ٨٣٠٠ - ٨٣٠٢.]] وما بين الآيتين إلى قوله:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم"، نزلت هذه الآيات في بني قينقاع إلى قوله:"فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك" = قال ابن جريج: يعزي نبيه ﷺ قال:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم"، قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم، فينظر كيف صبرهم على دينهم. ثم قال:"ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"، يعني: اليهود والنصارى="ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا) فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم:"عزير ابن الله"، ومن النصارى:"المسيح ابن الله"، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب إذ يسمعون إشراكهم، [[في المطبوعة: "ويسمعون إشراكهم" بالواو، وفي المخطوطة، هذه الواو كأنها (د) ، فآثرت أن أجعلها"إذ"، لأنها حق المعنى.]] فقال الله:"وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور"، يقول: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.
* *
وقال آخرون: بل نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله ﷺ، ويتشبّب بنساء المسلمين.
ذكر من قال ذلك:
٨٣١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله:"ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا"، قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض المشركين على النبي ﷺ وأصحابه في شعره، ويهجو النبي ﷺ. فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار، فيهم محمد بن مسلمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو في مجلس قومه بالعَوَالي، [["العوالي"، جمع عالية. و"العالية": اسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة، من قراها وعمائرها إلى تهامة، وما كان دون ذلك من جهة تهامة فهو"السافلة". وعوالي المدينة، بينها وبين المدينة أربعة أميال، وقيل ثلاثة، وذلك أدناها، وأبعدها ثمانية.]] فلما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجة! قال: فليدن إليّ بعضكم فليحدثني بحاجته. فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها. [[استنفق بالمال: جعله نفقة يقضى بها حاجته وحاجة عياله.]] فقال: والله لئن فعلتم لقد جُهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين هدأ عنهم الناس، [[هدأ عنهم الناس: سكن عنهم الناس وقلت حركتهم وناموا. وفي المخطوطة: "حين هدى عنهم الناس" بطرح الهمزة، وهو صواب جيد، جاء في شعر ابن هرمة، من أبياته الأليمة الموجعة: لَيْتَ السَّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً ... وَأَنَّنَا لا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدَا
إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا عَنْ فَرائِسِهَا ... وَالنَّاسُ لَيْسَ بِهَادٍ شَرُّهُمْ أَبَدَا
يريد: "لتهدأ" و"بهادئ شرهم".]] فأتوه فنادوه، فقالت امرأته: ما طَرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب! قال: إنهم حدثوني بحديثهم وشأنهم.
[[هذا بدأ سياق آخر للخبر، منقطع عما قبله من خبر الزهري، ولم يتم خبر الزهري، بل أتم خبر عكرمة الذي أدخله على سياقه.]] قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه أشرف عليهم فكلمهم، فقال: أترهَنُوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا. قال، فقالوا: إنا نستحيي أن تعير أبناؤنا فيقال:"هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقين"! [["الوسق" كيل معلوم، قيل: هو حمل بعير، وقيل: ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ.]] فقال: أترهنوني نسائكم؟ قالوا: أنت أجملُ الناس، ولا نأمنك! وأي امرأة تمتنع منك لجمالك! ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم. فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم. قالوا: فأنزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا. فذهب ينزل، [[قوله: "ذهب ينزل"، أي تحرك لينزل، و"ذهب" من ألفاظ الاستعانة التي تدخل على الكلام لتصوير حركة، أو بيان فعل مثل قولهم: "قعد فلان لا يمر به أحد إلا سبه"، أو "قعد لا يسأله سائل إلا حرمه"، لا يراد به حقيقة القعود، بل استمرار ذلك منه واتصاله، وحاله عند رؤية الناس، أو طروق السائل. واستعمال"ذهب" بهذا المعنى كثير الورود في كلامهم، وإن لم تذكره كتب اللغة.]] فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني! قالت: فكلِّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوحُ ريحه. قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطرُ أم فلان! امرأته. فدنا إليه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عَبس في خاصرته، وعلاه محمد بن مسلمة بالسيف، فقتلوه ثم رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: قتل سيدنا غيلة! فذكّرهم النبي ﷺ صَنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرض في قتالهم ويؤذيهم، ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، قال: فكان ذلك الكتابُ مع عليّ رضوان الله عليه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: واذكر أيضا من [أمر] هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم، يا محمد، [[الزيادة بين القوسين مما لا يستقيم الكلام إلا بها أو بشبهها.]] إذ أخذ الله ميثاقهم، ليبيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم، وهو التوراة والإنجيل، وأنك لله رسول مرسل بالحق، ولا يكتمونه="فنبذوه وراء ظهورهم"، يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه. [[انظر تفسير"نبد" فيما سلف ٢: ٤٠١ = وتفسير"وراء ظهورهم" فيما سلف ٢: ٤٠٤.]] ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك، فكتموا أمرك، وكذبوا بك="واشتروا به ثمنًا قليلا"، يقول: وابتاعوا بكتمانهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك، عوضًا منه خسيسًا قليلا من عرض الدنيا [[انظر تفسير"اشترى" فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣١٥ / ٢: ٣٤٠ - ٣٤٢، ٤٥٥ / ٣: ٣٣٠ / ٤: ٢٤٦: ٦: ٥٢٧ / ٧: ٤٢٠.
وانظر تفسير"الثمن" فيما سلف ١: ٥٦٥ / ٣: ٣٢٨ / ٦: ٥٢٧ بولاق.]] = ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال:"فبئس ما يشترون". [[انظر بيان معنى"بئس" فيما سلف ٢: ٣٣٨ - ٣٤٠ / ٣: ٥٦.]]
* *
واختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية.
فقال بعضهم: عني بها اليهود خاصّة.
ذكر من قال ذلك:
٨٣١٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه، عن ابن عباس:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" إلى قوله:"عذاب أليم"، يعني: فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار.
٨٣١٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس مثله. [[الأثران: ٨٣١٨، ٨٣١٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٨٣٠٠، ٨٣٠١.]]
٨٣٢٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم"، كان أمرهم أن يتبعوا النبيّ الأميّ الذي يؤمن بالله وكلماته، وقال: ﴿اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨] فلما بعث الله محمدًا ﷺ قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة البقرة: ٤٠] عاهدهم على ذلك، فقال حين بعث محمدًا: صدِّقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي.
٨٣٢١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس" الآية، قال: إن الله أخذ ميثاق اليهود ليبيننه للناس، محمدًا ﷺ، ولا يكتمونه، ="فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا".
٨٣٢٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحّاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج بن يوسف جُلساءه عن هذه الآية:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال:"وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب" يهود،"ليبيننه للناس"، محمدًا ﷺ،"ولا يكتمونه فنبذوه".
٨٣٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"، قال: وكان فيه إن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمدًا يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
* *
وقال آخرون: عني بذلك كل من أوتي علمًا بأمر الدين.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم" الآية، هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإياكم وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَلَكة، ولا يتكلَّفن رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج من دين الله فيكون من المتكلِّفين، كان يقال:"مثلُ علم لا يقال به، كمثل كنز لا ينفق منه! ومثل حكمة لا تخرج، كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب". وكان يقال:"طوبي لعالم ناطق، وطوبي لمستمع واعٍ". هذا رجلٌ علم علمًا فعلّمه وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمع خيرًا فحفظه ووعاه وانتفع به.
٨٣٢٥ - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إنّ أخاكم كعبًا يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه". فقال له عبد الله: وأنت فأقره السلام وأخبرهُ أنها نزلت وهو يهوديّ.
٨٣٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بنحوه، عن عبد الله وكعب.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٢٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال، حدثني يحيى بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرأون: ﴿" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِيثَاقَهَمْ "﴾ ، قال: من النبيين على قومهم.
٨٣٢٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد قال، قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرأون:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ ، قال فقال: أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
* *
وأما قوله:"لتبيننه للناس"، فإنه كما:-
٨٣٢٩ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن ذكوان قال، حدثنا أبو نعامة السعدي قال: كان الحسن يفسر قوله:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"، لتتكلمن بالحق، ولتصدِّقنه بالعمل. [[كانت الآية في المطبوعة: "ليبيننه للناس ولا يكتمونه" بالياء، في جميع الآثار السالفة، فجعلتها على قراءة مصحفنا بالتاء في الكلمتين.]]
* *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة ذلك:
فقرأه بعضهم: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ بالتاء. وهي قراءة عُظْم قرأة أهل المدينة والكوفة، [[في المطبوعة: "وهي قراءة أعظم قراء أهل المدينة. . ." وهو خطأ، صوابه من المخطوطة كما سلف عشرات من المرات. وعظم القوم: أكثرهم ومعظمهم.]] على وجه المخاطب، بمعنى: قال الله لهم: لتُبيننّه للناس ولا تكتمونه.
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿" لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ "﴾ بالياء جميعًا، على وجه الخبر عن الغائب، لأنهم في وقت إخبار الله نبيه ﷺ بذلك عنهم، كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخبر عن الغائب.
* *
قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان، صحيحةٌ وجوههما، مستفيضتان في قرأة الإسلام، غير مختلفتي المعاني، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب الحق والصواب في ذلك. غير أن الأمر في ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتين إليّ أن أقرأ بها: ﴿" لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا يَكْتُمُونَهُ "﴾ ، بالياء جميعًا، استدلالا بقوله:"فنبذوه"، [[في المطبوعة والمخطوطة: "استدلالا بقوله فنبذوه، أنه إذ كان قد خرج مخرج الخبر. . ." وهو كلام لا يستقيم، فحذفت: "أنه"، ويكون السياق: "فإن أحب القراءتين إلى أن أقرأ بها. . . حتى يكون متسقا كله على معنى واحد". وما بينهما فصل، علل به اختيار قراءته.]] إذ كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على سبيل قوله:"فنبذوه"= حتى يكون متَّسقًا كله على معنى واحد ومثال واحد. ولو كان الأول بمعنى الخطاب، لكان أن يقال:"فنبذتموه وراء ظهوركم" أولى، من أن يقال:"فنبذوه وراء ظهورهم".
* *
وأما قوله:"فنبذوه وراء ظهورهم"، فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق وتركهم العمل به.
وقد بينا المعنى الذي من أجله قيل ذلك كذلك، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ٢: ٤٠٤، وما سلف ص: ٤٥٩، تعليق: ١.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا يحيى بن أيوب البَجَلي، عن الشعبي في قوله:"فنبذوه وراء ظهورهم"، قال: إنهم قد كانوا يقرأونه، إنما نبذوا العمل به.
٨٣٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"فنبذوه وراء ظهورهم"، قال: نبذوا الميثاق.
٨٣٣٢ - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا مالك بن مغول: قال، نبئت عن الشعبي في هذه الآية:"فنبذوه وراء ظهورهم"، قال: قذفوه بين أيديهم، وتركوا العمل به.
* *
وأما قوله:"واشتروا به ثمنًا قليلا"، فإن معناه ما قلنا، من أخذهم ما أخذوا على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب، [[انظر ما سلف ص: ٤٥٩، تعليق: ٢.]] كما:-
٨٣٣٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واشتروا به ثمنًا قليلا"، أخذوا طمعًا، وكتموا اسم محمد ﷺ.
* *
وقوله:"فبئس ما يشترون"، يقول: فبئس الشراء يشترون في تضييعهم الميثاق وتبديلهم الكتاب، كما:-
٨٣٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فبئس ما يشترون"، قال: تبديل اليهود التوراة.
القول في تأويل قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله ﷺ إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله ﷺ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٣٥ - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله. وإذا قدم النبي ﷺ من السفر اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فأنزل الله تعالى فيهم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية. [[الحديث: ٨٣٣٥ - رواه البخاري من طريق شيخه سعيد بن أبي مريم، كرواية الطبري (الفتح: ٨: ١٧٥) . وقال ابن كثير ٢: ٣١٧: "رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه".]]
٨٣٣٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: هؤلاء المنافقون، يقولون للنبي ﷺ: لو قد خرجت لخرجنا معك! فإذا خرج النبي ﷺ تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.
* *
وقال آخرون: عني بذلك قوم من أحبار اليهود، كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو سعيد بن جبير:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب" إلى قوله:"ولهم عذاب أليم"، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، [[سيرة ابن هشام"هدى ولا حق". وفي المطبوعة: "لم يحملوهم على هدى" غير ما في المخطوطة، ولكنها الصواب، ويدل على ذلك الأثر التالي، فإنه ذكر وجه الخلاف بين الروايتين.]] ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا. [[الأثر: ٨٣٣٧، ٨٣٣٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تتمة الأثر السالف رقم: ٨٣١٨، والإسناد متصل إلى ابن عباس، كما مضى مرارًا.]]
٨٣٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك= إلا أنه قال: وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى. [[في المطبوعة: "ابن كريب"، وهو خطأ، قد مضى على صحته في مئات من المواضع.]]
* *
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمد ﷺ، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم: أهل صلاة وصيام.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٣٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، فإنهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمد ﷺ وقالوا:"قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحد منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبي] . [[هذه الجملة بين القوسين، كان مكانها في المطبوعة: "أنه نبي"، وفي المخطوطة"أن بنبي"، والذي في المطبوعة مخالف لما تمالأ عليه اليهود، والذي في المخطوطة بين الفساد والخرم، واستظهرت ما بين القوسين من الأثر الذي رواه السيوطي في الدر المنثور ٢: ١٠٩ ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك، والذي سيأتي في الأثر التالي، ونصه: "إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم". فمن هذا استظهرت صواب العبارة التي أثبتها.]] وقالوا:"نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أهل الصلاة والصيام"، وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء على الله، قال الله:"يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا".
٨٣٤٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "قال: قالت اليهود أمر بعضهم بعضًا"، وهو كلام غير مستقيم، صحفت"كانت" إلى"قالت" فأثبتها على الصواب إن شاء الله.]] فكتب بعضهم إلى بعض:"أنّ محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم"، ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد ﷺ.
٨٣٤١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد ﷺ، ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد ﷺ.
٨٣٤٢ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد ﷺ، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون:"نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم ﷺ"، فأنزل الله فيهم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، من كتمان محمد ﷺ="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، أحبوا أن تحمدهم العرب، بما يزكون به أنفسهم، وليسوا كذلك.
٨٣٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية:"لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا"، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: هو قولهم:"نحن على دين إبراهيم عليه السلام". [[الأثر: ٨٣٤٣ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٢.]]
٨٣٤٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، هم أهل الكتاب، أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فرحوا بأنهم كفروا بمحمد ﷺ وما أنزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون ويصلون، ويطيعون الله. فقال الله جل ثناؤه لمحمد ﷺ:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، كفرًا بالله وكفرًا بمحمد ﷺ [[في المطبوعة: "كفروا بالله، وكفروا بمحمد"، والصواب من المخطوطة.]] ="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، من الصلاة والصوم، فقال الله جل وعز لمحمد ﷺ:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم".
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، من تبديلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمَدهم الناس على ذلك.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٤٥ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه، ولا تملك يهود ذلك. [[قوله: "ولا تملك يهود ذلك" كأنه يعني: ولا تملك يهود النجاة من عذاب الله، كما أنذرهم في الآية.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم فرحوا بما أعطى الله تعالى آل إبراهيم عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٤٦ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية:"ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: اليهود، يفرحون بما آتى الله إبراهيم عليه السلام.
* *
٨٣٤٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة عن أبي المعلى العطّار، عن سعيد بن جبير قال: هم اليهود، فرحوا بما أعطى الله تعالى إبراهيم عليه السلام.
وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، سألهم رسول الله ﷺ عن شيء فكتموه، ففرحوا بكتمانهم ذلك إياه.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن أبي وقاص أخبره: أن مروان قال لرافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له:"لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، ليعذبنا الله أجمعين"! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه! إنما دعا النبي ﷺ يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه. ثم قال:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، الآية.
٨٣٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان بن الحكم قال لبوابه: يا رافع، اذهب إلى ابن عباس فقل له:"لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن جميعًا"! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت في أهل الكتاب! ثم تلا ابن عباس:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس" إلى قوله:"أن يحمدوا بما لم يفعلوا". قال ابن عباس: سألهم النبيّ ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. [[الأثران: ٨٣٤٨، ٨٣٤٩ - أخرجهما البخاري في كتاب التفسير، الأول من طريق: "إبراهيم بن موسى عن هشام، أن ابن جريج أخبرهم ... " والآخر من طريق: "ابن مقاتل، أخبرنا الحجاج، عن ابن جريج"، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير. وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الفتح ٨: ١٧٥، ١٧٦، في هذين الأثرين، ذكر رافع، الذي لم يروا له ذكرًا في كتب الرواة، وفي اختلافهم على ابن جريج في شيخ شيخه مرة"علقمة بن أبي وقاص"، وأخرى"حميد بن عبد الرحمن بن عوف". وانظر أسباب النزول الواحدي: ١٠١، ١٠٢.]]
* *
وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من يهود، أظهروا النفاق للنبي ﷺ محبة منهم للحمد، والله عالم منهم خلاف ذلك.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء الله اليهود، يهود خيبر، أتوا نبي الله ﷺ، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمَدهم نبي الله ﷺ بما لم يفعلوا، فأنزل الله تعالى:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، الآية.
٨٣٥١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: إن أهل خيبر أتوا النبي ﷺ وأصحابه فقالوا:"إنا على رأيكم وسنتكم، [[في المطبوعة: "على رأيكم وهيئتكم"، والذي في المخطوطة"على رأيكم وسكم" غير منقوطة، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت. وأكثر من روى هذا الخبر حذف منه هذه الكلمة. و"السنة": الطريقة والنهج.]] وإنا لكم رِدْء". [["الردء": العون والناصر، ينصره ويشد ظهره.]] فأكذبهم الله فقال:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآيتين.
٨٣٥٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إن كعبًا يقرأ عليك السلام ويقول: إن هذه الآية لم تنزل فيكم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهودي. [[الأثر: ٨٣٥٢ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٥، "وكعب" هو"كعب الأحبار".]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية، قول من قال:"عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم، ليبين للناس أمر محمد ﷺ، ولا يكتمونه، لأن قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك.
فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم الناسَ أمرك، وأنك لي رسول مرسل بالحق، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك، وبيان أمرك للناس، وأن لا يكتموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه="فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم".
* *
وقوله:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"، فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، [[انظر تفسير"فاز" فيما سلف قريبا ص: ٤٥٢.]] من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٠.]] كما:-
٨٣٥٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"، قال: بمنجاة من العذاب.
* *
قال أبو جعفر:"ولهم عذاب أليم"، يقول: ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل. [[أخشى أن يكون صواب العبارة: "ولهم عذاب مؤلم في الآخرة أيضا مؤجل، مع الذي لهم في الدنيا معجل".]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا:"إن الله فقير ونحن أغنياء". يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟
ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه= فقال:"والله على كل شيء قدير"، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ (١٩٠) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره على قائل ذلك، وعلى سائر خلقه، بأنه المدبر المصرّف الأشياء والمسخِّر ما أحب، وأن الإغناء والإفقار إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، [[عاقب بين الشيئين: راوح بينهما، لهذا مرة ولذاك مرة. واستعمل الطبري"عقب" مشددة القاف، بنفس المعنى، كما يقال: "ضاعف وضعف"، و"عاقد وعقد". و"اعتقب الليل والنهار" جاء هذا بعد هذا، دواليك.]] تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم= معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أنّي فقير وهو غني كاذب مفتر، [[في المخطوطة: "يعلم أنه أن من نسبي إلى أني فقير وهو غني، دادب معى"، وهو كلام مصحف مضطرب، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب إن شاء الله.]] فإنّ ذلك كله بيدي أقلّبه وأصرّفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب إلى فقر من كان كل ما به عيش ما في السموات والأرض بيده وإليه؟ [[في المطبوعة: "فكيف ينسب فقر إلى من كان ... "، أخر"إلى"، والصواب الجيد تقديمها كما في المخطوطة.]] أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حَرَمه؟ فاعتبروا يا أولي الألباب.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله جل ثناؤه الذين قالوا:"إن الله فقير ونحن أغنياء". يقول تعالى ذكره، مكذبا لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض. فكيف يكون أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيرًا؟
ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلي ذلك، ولكل مكذب به ومفتر عليه، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه= فقال:"والله على كل شيء قدير"، يعني: من إهلاك قائلي ذلك، وتعجيل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ (١٩٠) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره على قائل ذلك، وعلى سائر خلقه، بأنه المدبر المصرّف الأشياء والمسخِّر ما أحب، وأن الإغناء والإفقار إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، [[عاقب بين الشيئين: راوح بينهما، لهذا مرة ولذاك مرة. واستعمل الطبري"عقب" مشددة القاف، بنفس المعنى، كما يقال: "ضاعف وضعف"، و"عاقد وعقد". و"اعتقب الليل والنهار" جاء هذا بعد هذا، دواليك.]] تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم= معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أنّي فقير وهو غني كاذب مفتر، [[في المخطوطة: "يعلم أنه أن من نسبي إلى أني فقير وهو غني، دادب معى"، وهو كلام مصحف مضطرب، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب إن شاء الله.]] فإنّ ذلك كله بيدي أقلّبه وأصرّفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب إلى فقر من كان كل ما به عيش ما في السموات والأرض بيده وإليه؟ [[في المطبوعة: "فكيف ينسب فقر إلى من كان ... "، أخر"إلى"، والصواب الجيد تقديمها كما في المخطوطة.]] أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حَرَمه؟ فاعتبروا يا أولي الألباب.
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾
قال أبو جعفر: وقوله:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا" من نعت"أولي الألباب"، و"الذين" في موضع خفض ردًّا على قوله:"لأولي الألباب".
* *
ومعنى الآية: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= يعني بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا. كما:-
٨٣٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا" الآية، قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.
٨٣٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم"، وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا.
* *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل:"وعلى جنوبهم": فعطف بـ"على"، وهي صفة، [["الصفة": حرف الجر، كما سلف في مواضع كثيرة، وانظر ١: ٢٩٩، تعليق: ١، وفهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة.]] على"القيام والقعود" وهما اسمان؟
قيل: لأن قوله:"وعلى جنوبهم" في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو:"مضطجعين على جنوبهم"، فحسن عطف ذلك على"القيام" و"القعود" لذلك المعنى، كما قيل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [سورة يونس: ١٢] فعطف بقوله:"أو قاعدا أو قائما" على قوله:"لجنبه"، لأن معنى قوله:"لجنبه"، مضطجعا، [[انظر ما سلف ٣: ٤٧٥.]] فعطف بـ"القاعد" و"القائم" على معناه، فكذلك ذلك في قوله:"وعلى جنوبهم". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٠.]]
* *
وأما قوله:"ويتفكرون في خلق السموات والأرض"، فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره:"ويتفكرون في خلق السموات والأرض" قائلين:"ربنا ما خلقت هذا باطلا"، فترك ذكر"قائلين"، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه.
* *
وقوله:"ما خلقت هذا باطلا" يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال:"ما خلقت هذا باطلا" ولم يقل:"ما خلقت هذه، ولا هؤلاء"، لأنه أراد بـ"هذا"، الخلقَ الذي في السموات والأرض. يدل على ذلك قوله:"سبحانك فقنا عذاب النار"، ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم. ولو كان المعنيّ بقوله:"ما خلقت هذا باطلا"، السموات والأرض، لما كان لقوله عقيب ذلك:"فقنا عذاب النار"، معنى مفهوم. لأن"السموات والأرض" أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب، الأمر والنهي.
وإنما وصف جل ثناؤه:"أولي الألباب" الذين ذكرهم في هذه الآية: أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا:"يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبثًا سبحانك"، يعني: تنزيهًا لك من أن تفعل شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار.
ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته. قال: ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٥٦ - حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار قالا أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس في قوله:"ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته"، قال: من تُخلد. [[الأثر: ٨٣٥٦ -"أبو حفص الجبيري"، لم أجده، والذي يروى عنه أبو جعفر هو عمرو بن علي الفلاس، "أبو حفص الصيرفي"، وهو في المخطوطة"الحبرى" غير منقوطة، ولا أدري أيقرأ"الجبيري" أو "الخيبري"، ولم أجد هذه النسبة في ترجمة"عمرو بن علي الفلاس"،. وعمرو بن علي الفلاس يروي عن مؤمل بن إسماعيل كما مضى في مواضع كثيرة منها رقم: ١٨٨٥، ١٨٩١، ١٨٩٨، وغيرها كثير.]]
٨٣٥٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب:"ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته"، قال: هي خاصة لمن لا يخرج منها.
٨٣٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحمْليّ قال، قلت للحسن: يا أبا سعيد، أرأيت ما تذكر من الشفاعة، حق هو؟ قال: نعم حق. قال، قلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله تعالى:"ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته" و ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [[في المطبوعة والمخطوطة، أسقط"الواو" بين الآيتين، والصواب إثباتها كما يدل عليه سياق سؤاله، وجواب الحسن له.]] [سورة المائدة: ٣٧] ؟ قال فقال لي: إنك والله لا تسطو على بشيء، [[في المطبوعة: "إنك والله لا تستطيع على شيء"، وهو كلام لا خير فيه، والصواب ما أثبته من المخطوطة، غيره الناشرون إذ لم يفهموه. وقوله: "لا تسطو علي بشيء"، أي: إنك لا تحتج علي بحجة تقهرني بها وتغلبني. وأصله من"السطو"، وهو البطش والقهر. و"فلان يسطو على فلان"، أي يتطاول عليه.]] إنّ للنار أهلا لا يخرجون منها، كما قال الله. قال قلت: يا أبا سعيد، فيمن دخلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبًا في الدنيا فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها ثم أخرجهم، بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به. [[الأثر: ٨٣٥٨ -"قبيصة بن مروان بن المهلب" روى عن والان، وروى عنه حماد بن زيد. مترجم في الكبير ٤ / ١ / ١٧٧، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٢٥. والأشعث الحملي" منسوب إلى جده، وهو: "الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني الأعمى" ويقال: "الأزدي"، و"حدان" بطن من الأزد. روى عن أنس، والحسن، وابن سيرين. وروى عنه شعبة، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد القطان، مترجم في التهذيب.]]
٨٣٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"إنك من تدخل النار فقد أخزيته"، قال: هو من يخلد فيها.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر، عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت:"ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته"؟ قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار! وإن دون ذلك لخزيًا. [[الأثر: ٨٣٦٠ -"الحارث بن مسلم الرازي" مضى برقم: ٨٠٩٧، و"بحر السقاء"، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء" مضى أيضًا برقم: ٨٠٩٧، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "الحارث بن مسلم، عن يحيى بن عمرو بن دينار"، وهو خطأ صرف.
وهذا الأثر قد أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠٠، ولم يقل فيه شيئًا، وقال الذهبي في تعليقه: "قلت: بحر هالك"، ورواه بأتم مما هنا، بيد أن السيوطي في الدر المنثور ٢: ١١١، خرجه، ونسبه للحاكم وابن جرير، وساق لفظ الأثر بأتم من لفظ أبي جعفر، ومخالفًا لفظ الحاكم، ولفظه: "قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهت إليه أنا وعطاء، فقلت: "وما هم بخارجين من النار"؟ قال: أخبرني رسول الله ﷺ أنهم الكفار. قلت لجابر: فقوله: إنك من تدخل النار فقد أخزيته ... "، وسائر لفظه مطابق لما في الطبري.
وفي المخطوطة: "حين أحروه بالنار"، والصواب ما في المطبوعة، موافقًا لفظ الحاكم والسيوطي. وفي المخطوطة والمطبوعة: "وما إخزاؤه" وهو لا يستقيم، والصواب ما في الدر المنثور. وقوله: "ما أخزاه" تعجب. والذي في الحاكم"قد أخزاه حين أحرقه بالنار". فهما روايتان تصحح إحداهما معنى الأخرى. ويدل على صواب ذلك ترجيح الطبري لقول جابر في الفقرة التالية.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندي، قول جابر:"إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها". وذلك أن"الخزي" إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، [[انظر تفسير"الخزي" فيما سلف ٢: ٣١٤، ٥٢٥.]] ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو"الخزي".
* *
وأما قوله:"وما للظالمين من أنصار"، يقول: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (١٩٣) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل"المنادي" الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية.
فقال بعضهم: ا"لمنادي" في هذا الموضع، القرآن.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب:"إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان"، قال: هو الكتاب، ليس كلهم لقي النبي ﷺ. [[الأثر: ٨٣٦١ -"قبيصة بن عقبة بن محمد السوائي" مضى برقم: ٤٨٩، ٢٧٩٢، وهو ثقة معروف، أخرج له الستة، وتكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري: بأنه يخطئ في بعض روايته، بأنه سمع من الثوري صغيرًا.
و"موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي"، ضعيف جدا، مضى برقم: ١٨٧٥، ١٨٧٦، ٣٢٩١.]]
٨٣٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا منصور بن حكيم، عن خارجة، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي في قوله:"ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان"، قال: ليس كل الناس سمع النبيّ ﷺ، ولكن المنادي القرآن. [[الأثر: ٨٣٦٢ -"منصور بن حكيم"، لم أعرفه ولم أجد له ترجمة، وكذلك"خارجة" لم أعرف من يكون فيمن اسمه"خارجة"، وأخشى أن يكون فيهما تصحيف أو تحريف.]]
* *
وقال آخرون: بل هو محمد ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان": قال: هو محمد ﷺ.
٨٣٦٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان"، قال: ذلك رسول الله ﷺ.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول محمد بن كعب، وهو أن يكون"المنادي" القرآن. لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات، ليسوا ممن رأى النبي ﷺ، ولا عاينه فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، ولكنه القرآن، وهو نظير قوله جل ثناؤه مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [سورة الجن: ١، ٢]
وبنحو ذلك:-
٨٣٦٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان" إلى قوله:"وتوفَّنَا مع الأبرار"، سمعوا دعوة من الله فأجابوها فأحسنوا الإجابة فيها، وصبروا عليها. ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الجنّ كيف قال. فأما مؤمن الجن فقال: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وأما مؤمن الإنس فقال:"إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا"، الآية.
* *
وقيل:"إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان"، يعني: ينادي إلى الإيمان، كما قال تعالى ذكره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٤٣] بمعنى: هدانا إلى هذا، [[انظر ما سلف ١: ١٦٩.]] وكما قال الراجز: [[هو العجاج.]]
أَوْحَى لَها القَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ ... وَشَدَّهَا بِالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ [[سلف تخريجهما في ٦: ٤٠٥، تعليق: ٣.]]
بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة: ٥]
* *
وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا مناديًا للإيمان، ينادي أن آمنوا بربكم. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٠، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١١.]]
* *
فتأويل الآية إذًا: ربنا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان= يقول: إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك="فآمنا ربنا"، يقول: فصدقنا بذلك يا ربنا. ="فاغفر لنا ذنوبنا"، يقول: فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، فامحها بفضلك ورحمتك إيانا="وتوفنا مع الأبرار"، [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١١١.]] يعني بذلك: واقبضنا إليك إذا قبضتنا إليك، في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم.
* *
و"الأبرار" جمع"بَرَ"، وهم الذين برُّوا الله تبارك وتعالى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتى أرضوه فرضي عنهم. [[وانظر تفسير"البر" فيما سلف ٢: ٨ / ٣: ٣٣٦ - ٣٣٨، ٥٥٦ / ٤: ٤٢٥ / ٦: ٥٨٧.]]
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربَّهم أن يؤتيهم ما وعدهم، وقد علموا أن الله منجز وعده، وغيرُ جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قيل: اختلف في ذلك أهل البحث. [["أهل البحث"، أهل النظر من المتكلمين، وانظر ما سلف ٥: ٣٨٧، تعليق ٢، وأيضا: ٤٠٦، تعليق: ١.]]
فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج المسألة، ومعناه الخبر. قالوا: وإنما تأويل الكلام:"ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار" لتؤتينا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. قالوا: وليس ذلك على أنهم قالوا:"إن توفيتنا مع الأبرار، فأنجز لنا ما وعدتنا"، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، وأن ما وعد على ألسنة رسله ليس يعطيه بالدعاء، [[في المخطوطة: "بعطية"، وعلى الياء شدة، وكأن الصواب ما في المطبوعة على الأرجح.]] ولكنه تفضل بابتدائه، ثم ينجزه. [[في المطبوعة: "تفضل بإيتائه"، والصواب ما في المخطوطة، يعني أن الله ابتدأه متفضلا به من غير سؤال ولا دعاء.]]
* *
وقال آخرون: بل ذلك قول من قائليه على معنى المسألة والدعاء لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، [[في المطبوعة: "بل ذلك قول من قائله" على الإفراد، وصواب السياق الجمع، كما في المخطوطة.]] لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، فيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يُخلف وعده. قالوا: ولو كان القوم إنما سألوا ربهم أن يؤتيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكَّوْا أنفسهم، وشهدوا لها أنها ممن قد استوجب كرامة الله وثوابه. قالوا. وليس ذلك صفة أهل الفضل من المؤمنين.
* *
وقال آخرون: بل قالوا هذا القول على وجه المسألة، والرغبة منهم إلى الله أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، فيعجل ذلك لهم. قالوا: ومحال أن يكون القوم= مع وصف الله إياهم بما وصفهم به، كانوا على غير يقين من أن الله لا يخلف الميعاد، فيرغبوا إلى الله جل ثناؤه في ذلك، ولكنهم كانوا وُعدوا النصرَ، ولم يوقَّت لهم في تعجيل ذلك لهم، لما في تعجَله من سرور الظفر ورَاحة الجسد.
* *
قال أبو جعفر: والذي هو أولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله ﷺ من وطنه وداره، مفارقًا لأهل الشرك بالله إلى الله ورسوله، وغيرهم من تُبّاع رسول الله ﷺ الذين رغبوا إلى الله في تعجيل نصرتهم على أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نُصرتك عليهم عاجلا فإنك لا تخلف الميعاد، ولكن لا صبر لنا على أناتك وحلمك عنهم، فعجل [لهم] خزيهم، ولنا الظفر عليهم. [[في المطبوعة: "فعجل حربهم"، وفي المخطوطة، غير منقوطة، إلا نقطة على الخاء، وصواب قراءتها ما أثبت. وزدت"لهم" بين القوسين، استظهارًا من قوله"ولنا الظفر عليهم". ولو كان قوله"ولنا" تصحيف"وآتنا"، لكان جيدًا أيضًا، ولما احتاج الكلام إلى زيادة"لهم".]]
يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) الآيات بعدها. وليس ذلك مما ذهب إليه الذين حكيت قولهم في شيء. وذلك أنه غير موجود في كلام العرب أن يقال:"افعل بنا يا رب كذا وكذا"، بمعنى:"لتفعل بنا كذا وكذا". [[في المطبوعة: "بمعنى أفعل بنا لكذا الذي. ولو جاز ذلك ... "، وهذا خلط ليس له معنى مفهوم. وفي المخطوطة: "بمعنى: افعل بنا كذى الذي. ولو جاز ذلك"، وهذا خلط أشد فسادًا من الأول. والصواب الذي لا شك فيه هو ما أثبته، لأن هذا رد من أبي جعفر على أصحاب القول الأول الذين قالوا إنها بمعنى: "لتؤتينا ما وعدتنا" في تفسير"وآتنا ما وعدتنا"، ولأنه مثل بعد بقوله: "أقبل إلي وكلمني"، أنه غير موجود بمعنى"أقبل إلي لتكلمني".]] ولو جاز ذلك، لجاز أن يقول القائل لآخر [[في المخطوطة والمطبوعة: "أن يقول القائل الآخر" وهو خطأ لا شك فيه.]] : "أقبل إليّ وكلمني"، بمعنى:"أقبل إليّ لتكلمني"، وذلك غير موجود في الكلام ولا معروف جوازه.
وكذلك أيضًا غير معروف في الكلام:"آتنا ما وعدتنا"، بمعنى:"اجعلنا ممن آتيته ذلك". وإن كان كل من أعطى شيئًا سنيًّا، فقد صُيِّر نظيرًا لمن كان مثله في المعنى الذي أعطيه. ولكن ليس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إليه. [[وهذا رد على أصحاب القول الثاني من الأقوال الثلاثة التي ذكرها قبل. وهم الذين قالوا إن قوله: "وآتنا ما وعدتنا"، على معنى المسألة والدعاء لله بإن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا على ألسن رسلك: أنك تُعلي كلمتك كلمةَ الحق، بتأييدنا على من كفر بك وحادَّك وعبد غيرك [[في المخطوطة: "بأيدينا على من كفر بك"، وأرجح ما جاء في المطبوعة.]] = وعجَل لنا ذلك، فإنا قد علمنا أنك لا تخلف ميعادك- ولا تخزنا يوم القيامة فتفضحنا بذنوبنا التي سلفت منا، ولكن كفِّرها عنا واغفرها لنا. وقد:-
٨٣٦٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك"، قال: يستنجز موعود الله على رُسله.
القول في تأويل قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين= بما وصف من أدعيتهم أنهم دعوا به [[في المطبوعة"فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم ... " وهو كلام لا يستقيم. وفي المخطوطة: "فأجاب الله هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوه به ربهم.." وهو أيضًا غير مستقيم، والصواب الراجح ما أثبت. لأن الله عدد أدعيتهم التي دعوه بها قبل في الآيات السالفة، فكان صوابًا أن يذكرها إجمالا في بيان تفسير الآية. وغير مستقيم في العربية أن يقال: "وصف عن فلان كذا"، فلذلك رجحت قراءتها كما أثبت. والناسخ كما ترى كثير السهو والغلط.
وسياق الكلام"فأجاب هؤلاء الداعين ... ربهم" برفع"ربهم"، وما بينهما فصل في السياق، وهو تأويل قوله: "فاستجاب لهم ربهم".]] = ربُّهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرًا، ذكرًا كان العامل أو أنثى.
* *
وذكر أنه قيل لرسول الله ﷺ:"ما بال الرجال يُذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة"؟ فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية.
٨٣٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تُذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟ فنزلت:"أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى"، الآية. [[الحديث: ٨٣٦٧ - هذا إسناد صحيح. ومؤمل: هو ابن إسماعيل، وهو ثقة، كما ذكرنا في: ٢٠٥٧.
سفيان - هنا -: هو الثوري، وإن كان مؤمل يروى أيضا عن ابن عيينة. ولكن بين أنه الثوري في رواية الحاكم، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.
والحديث رواه الطبري أيضا، فيما يأتي في تفسير الآية: ٢٥ من سورة الأحزاب (ج٢٢ ص٨ بولاق) ، عن ابن حميد، عن مؤمل، بهذا الإسناد. وذكره سببًا لنزول تلك الآية.
والحديث مروي على أنه سبب في نزول هذه الآية وتلك.
فرواه الحاكم في المستدرك ٢: ٤١٦، من طريق الحسين بن حفص، عن سفيان بن سعيد [وهو الثوري] ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة، قالت: "قلت: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟ فأنزل الله عز وجل: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" الآية، وأنزل: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
والحسين بن حفص الهمداني الإصبهاني: ثقة، كما ذكرنا في شرح: ٢٤٣٥.
وقد ذكر ابن كثير رواية الطبري الأخرى، في سورة الأحزاب ٦: ٥٣٣، غير منسوب.
ورواه أحمد في المسند ٦: ٣٠١ (حلبى) ، سببًا لنزول آية الأحزاب. رواه من وجهين، جمعهما في إسناد واحد: من رواية عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، ومن رواية عبد الرحمن بن شيبة المكي الحجبي = كلاهما عن أم سلمة.
ثم أعاده مرة أخرى، ص: ٣٠٥ من الوجهين، فرقهما إسنادين.
ورواه المزي في تهذيب الكمال، في ترجمة"عبد الرحمن بن شيبة"، بإسناده إليه.
وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن النسائي رواه في التفسير من طريق عبد الرحمن. فهو في السنن الكبرى.
ورواه الطبري، فيما سيأتي (ج٢٢ ص٨ بولاق) ، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أم سلمة - سببًا لنزول آية الأحزاب.
ويحيى بن عبد الرحمن: تابعي ثقة جليل رفيع القدر.
وذكر ابن كثير ٦: ٥٣٣ أنه رواه النسائي من طريقه ثم أشار إلى رواية الطبري إياه.
وانظر أيضا الدر المنثور ٥: ٢٠٠.
فالحديث في الموضعين في الطبري، من طريق مجاهد = مختصر.
وانظر الروايتين التاليتين لهذا.]]
٨٣٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلا من ولد أم سلمة زوج النبي ﷺ يقول: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تبارك وتعالى:"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى".
٨٣٦٩ - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى:"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عملٍ عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض". [[الحديثان: ٨٣٦٨، ٨٣٦٩ - الرجل من ولد أم سلمة: أبهم هنا، ولكنه عرف من إسناد آخر.
وكذلك ذكره الترمذي في روايته مبهمًا.
فرواه ٤: ٨٨، عن ابن أبي عمر، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بهذا الإسناد.
وكذلك أبهمه سعيد بن منصور: فرواه عن سفيان، به. فيما نقله عنه ابن كثير في التفسير ٢: ٣٢٦.
وبينه الحاكم في المستدرك.
فرواه ٢: ٣٠٠، من طريق يعقوب بن حميد: "حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة بن أبي سلمة: رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. سمعت أبا أحمد الحافظ - وذكر في بحثين في كتاب البخاري: يعقوب عن سفيان، ويعقوب عن الدراوردي = فقال أبو أحمد: هو يعقوب بن حميد". والذهبي وافق الحاكم على أنه على شرط البخاري.
ويعقوب بن حميد بن كاسب: مضى توثيقه في: ٤٧٧٩، ٤٨٨٠، ومضى اعتراض الذهبي على الحاكم في تصحيح حديثه هناك. فالعجب أن يوافقه هنا!
و"سلمة بن أبي سلمة" هذا: هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة"، نسب إلى جده الأعلى. وبعضهم يذكر نسبه كاملا، وبعضهم ينسبه لجده، يقول: "سلمة بن عمر بن أبي سلمة". وأم سلمة أم المؤمنين: هي أم جده"عمر بن أبي سلمة".
و"سلمة" هذا: مترجم في تهذيب التهذيب، ولم يترجم في أصله"تهذيب الكمال". وله ترجمة في الكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٨١، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٦٦.
والحديث ذكره السيوطي ٢: ١١٢، دون التقيد بتابعي معين عن أم سلمة، وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني.]]
* *
وقيل:"فاستجاب لهم" بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر: [[كعب بن سعد الغنوي.]]
وَدَاٍع دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى؟ ... فَلَم يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١: ٣٢٠، تعليق: ١ / ٣: ٤٨٣، تعليق: ١.]]
بمعنى: فلم يجبه عند ذاك مجيب.
* *
وأدخلت"من" في قوله:"من ذكر أو أنثى" على الترجمة والتفسير عن قوله: [["الترجمة": البدل، كما سلف في ٢: ٣٤٠، تعليق: ١، ص: ٣٧٤، ٤٢٠، ٤٢٤ - ٤٢٦. أما "التفسير"، فكأنه عنى به"التبيين"، ولم يرد التمييز، وانظر فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء السالفة.]] "منكم"، بمعنى:"لا أضيع عمل عامل منكم"، من الذكور والإناث. وليست"من" هذه بالتي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام في الجحد، [[انظر زيادة"من" في الجحد فيما سلف ٢: ١٢٦، ١٢٧، ٤٤٢، ٤٧٠ / ٥: ٥٨٦.]] لأنها دخلت بمعنى لا يصلح الكلام إلا به.
* *
وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخل في قولهم:"قد كان من حديث"، قال: و"من" ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله:"لا أضيع".
* *
وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال: = لا تدخل"من" وتخرج إلا في موضع الجَحد. [[انظر ما سلف ٢: ١٢٧.]] وقال: قوله:"لا أضيع عمل عامل منكم"، لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول:"لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت"، فتدخل،"ولا"، [[في المطبوعة"فيدخل" بالياء، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها.]] لأنه لم ينله الجحد، ولكن"مِنْ" مفسرة. [[يعني بقوله"مفسرة" مبينة، وانظر التعليق السالف رقم: ١.]]
* *
وأما قوله:"بعضكم من بعض"، فإنه يعني: بعضكم= أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= من بعض، في النصرة والملة والدين، [[في المطبوعة: "والمسألة والدين"، والصواب من المخطوطة.]] وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل، على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكرٍ منكم ولا أنثى.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فالذين هاجروا" قومَهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، [[انظر تفسير"هاجر" فيما سلف ٤: ٣١٧، ٣١٨.]] "وأخرجوا من ديارهم"، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة="وأوذوا في سبيلي"، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو"سبيل الله" التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله ﷺ من أهلها [[انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف ٣: ٥٦٣، ٥٨٣، ٥٩٢ / ٤: ٣١٨ / ٥: ٢٨٠ / ٦: ٢٣٠.]] ="وقاتلوا" يعني: وقاتلوا في سبيل الله ="وقتلوا" فيها [[في المطبوعة والمخطوطة: "وقتلوا: يعني، وقتلوا في سبيل الله، وقاتلوا فيها" قدم وأخر في سياق الآية، وفي سياقة المعنى، والصواب ما أثبت، وإن كانت إحدى القراءات تجيز ما كان في المخطوطة، وانظر القراآت في الآية بعد.]] ="لأكفرن عنهم سيئاتهم"، يعني: لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم [[انظر تفسير"التكفير" فيما سلف قريبًا ص: ٤٨٢.]] ="ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا"، يعني: جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله [[انظر تفسير"الثواب" فيما سلف ٢: ٤٥٨ / ٧: ٢٦٢، ٣٠٤.]] ="من عند الله"، يعني: من قبل الله لهم [[انظر تفسير"عند" فيما سلف ٢: ٥٠١.]] ="والله عنده حسن الثواب"، يعني: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، كما:-
٨٣٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول:"أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة"، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون:"ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا" فيقول الرب جل ثناؤه:"هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي". فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ . [[الحديث: ٨٣٧٠ - أبو عشانة، بضم العين المهملة وتشديد الشين المعجمة، المعافري، بفتح الميم: هو حي بن يؤمن بن عجيل المصري. تابعي ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ١١٠، وابن سعد ٧ / ٢ / ٢٠١، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٧٦.
والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٧١- ٧٢، من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب -وهو عبد الله- بهذا الإسناد، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ورواه أيضا الطبراني، من طريق أحمد بن صالح، عن ابن وهب - فيما نقل عنه ابن كثير ٤: ٥١٩
ورواه أحمد في المسند، بنحوه: ٦٥٧٠، من طريق معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عشانة المعافري.
ثم رواه - بنحوه أيضًا: ٦٥٧١، من طريق ابن لهيعة، عن أبي عشانة.
ورواه أبو نعيم في الحلية - مختصرًا - من طريق معروف بن سويد ١: ٣٤٧. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٢٥٩، من روايتي المسند، وذكر في الأولى أنه رواه أيضًا البزار، والطبراني، "ورجالهم ثقات". وذكر في الثانية أنه رواه أيضًا الطبراني، "ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير أبي عشانة، وهو ثقة". وذكره السيوطي ٢: ١١٢، ونسبه لابن جرير، وأبي الشيخ، والطبراني والحاكم"وصححه"، والبيهقي في الشعب.
ثم ذكره مرة أخرى ٤: ٥٧- ٥٨، ونسبه لأحمد، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبي الشيخ، والحاكم"وصححه"، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان.
ولم يذكره ابن كثير في هذا الموضع، بل ذكره في ذاك الموضع، في تفسير سورة الرعد، كما أشرنا إليه.]] [سورة الرعد: ٢٤]
* *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"وقاتلوا وقتلوا".
* *
فقرأه بعضهم: ﴿" وَقَتَلُوا وَقُتِّلُوا "﴾ بالتخفيف، بمعنى: أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين.
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا﴾ بتشديد"قتَلوا"، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقتَّلهم المشركون، بعضًا بعد بعض، وقتلا بعد قتل.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين: ﴿وَقَاتَلُوا وَقَتَلُوا﴾ بالتخفيف، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقَتَلوا.
* *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين:"وَقُتِلُوا" بالتخفيف."وقاتلوا"، بمعنى: أن بعضهم قُتِل، وقاتل من بقي منهم.
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها، إحدى هاتين القراءتين، وهي:"وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا" بالتخفيف، أو"وَقَتَلُوا" بالتخفيف"وَقَاتَلُوا" لأنها القراءة المنقولة نقل وراثةٍ، وما عداهما فشاذ. وبأيّ هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوَهما، قرأ قارئ فمصيب في ذلك الصوابَ من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قرأة الإسلام، مع اتفاق معنييهما.
القول في تأويل قوله: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولا يغرنك" يا محمد="تقلب الذين كفروا في البلاد"، يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، [[انظر تفسير"التقلب" فيما سلف ٣: ١٧٢.]] كما:-
٨٣٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد"، يقول: ضربهم في البلاد.
* *
= فنهى الله تعالى ذكره نبيّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره. وخرج الخطاب بذلك للنبي ﷺ، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله= ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا. [[أخشى أن يكون سقط من هذه العبارة شيء، وإن كان الكلام مفهوم المعنى، وكأن أصل العبارة"كما قد بينا فيما مضى قبل - ولم يكل رسول الله ﷺ إلى أهل الشرك والكفر شيئًا من أمر الله، ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا".]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة.
٨٣٧٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا يغرَّنك تقلب الذين كفروا في البلاد"، والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك.
* *
وأما قوله:"متاع قليل"، فإنه يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم="ثم مأواهم جهنم"، بعد مماتهم.
* *
و"المأوى": المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه. [[انظر تفسير"المأوى" فيما سلف ص: ٢٧٩.]]
* *
ويعني بقوله:"وبئس المهاد". وبئس الفراش والمضجع جهنم. [[انظر تفسير"المهاد" فيما سلف ٤: ٢٤٦ / ٦: ٢٢٩.]]
القول في تأويل قوله: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولا يغرنك" يا محمد="تقلب الذين كفروا في البلاد"، يعني: تصرفهم في الأرض وضربهم فيها، [[انظر تفسير"التقلب" فيما سلف ٣: ١٧٢.]] كما:-
٨٣٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد"، يقول: ضربهم في البلاد.
* *
= فنهى الله تعالى ذكره نبيّه ﷺ عن الاغترار بضربهم في البلاد، وإمهال الله إياهم، مع شركهم، وجحودهم نعمه، وعبادتهم غيره. وخرج الخطاب بذلك للنبي ﷺ، والمعنيُّ به غيره من أتباعه وأصحابه، كما قد بينا فيما مضى قبل من أمر الله= ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا. [[أخشى أن يكون سقط من هذه العبارة شيء، وإن كان الكلام مفهوم المعنى، وكأن أصل العبارة"كما قد بينا فيما مضى قبل - ولم يكل رسول الله ﷺ إلى أهل الشرك والكفر شيئًا من أمر الله، ولكن كان بأمر الله صادعًا، وإلى الحق داعيًا".]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة.
٨٣٧٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا يغرَّنك تقلب الذين كفروا في البلاد"، والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك.
* *
وأما قوله:"متاع قليل"، فإنه يعني: أن تقلبهم في البلاد وتصرفهم فيها، متعة يمتَّعون بها قليلا حتى يبلغوا آجالهم، فتخترمهم منياتهم="ثم مأواهم جهنم"، بعد مماتهم.
* *
و"المأوى": المصير الذي يأوون إليه يوم القيامة، فيصيرون فيه. [[انظر تفسير"المأوى" فيما سلف ص: ٢٧٩.]]
* *
ويعني بقوله:"وبئس المهاد". وبئس الفراش والمضجع جهنم. [[انظر تفسير"المهاد" فيما سلف ٤: ٢٤٦ / ٦: ٢٢٩.]]
القول في تأويل قوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (١٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: [[في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناؤه"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] "لكن الذين اتقوا ربهم"، لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه="لهم جنات" يعني: بساتين، [[انظر تفسير"الجنة" فيما سلف ١: ٣٨٤ / ٥: ٥٣٥، ٥٤٢ / ٦: ٢٦١، ٢٦٢ / ٧: ٢٢٧.]] ="تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها"، يقول: باقين فيها أبدًا. [[انظر تفسير"الخلود" فيما سلف ٦: ٢٦١: ٢٦٢ تعليق: ١، والمراجع هناك، وفهارس اللغة.]] ="نزلا من عند الله"، يعني: إنزالا من الله إياهم فيها، أنزلوها.
ونصب"نزلا" على التفسير من قوله:"لهم جنات تجري من تحتها الأنهار"، كما يقال:"لك عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا"، وكما يقال:"هو لك صدقة": و"هو لك هبة". [["التفسير"، عند الكوفيين، هو التمييز عند البصريين، وانظر ما سلف ٢: ٣٣٨، تعليق: ١ / ٣: ٩٠، تعليق: ٢ / ٥: ٩١، تعليق: ٤ وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥١.]]
* *
= وقوله:"من عند الله" يعني: من قبل الله، [[انظر تفسير"عند" فيما سلف قريبًا ص: ٤٩٠، تعليق ٦، والمراجع هناك.]] ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم.
* *
وقوله:"وما عند الله خير للأبرار"، يقول: وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب"،"خير للأبرار"، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - [[في المطبوعة: "وما عند الله خير من كرامته للأبرار"، وهو فاسد المعنى، وكان مثله في المخطوطة، إلا أنه ضرب على"خير" بإشارة الحذف، ولكن الناشر لم يدرك معنى الإشارة فأبقاها. فأفسدت الكلام.]] وهم أهل طاعته [[انظر تفسير"الأبرار" فيما سلف قريبًا ص: ٤٨٢، تعليق: ٦، والمراجع هناك.]] باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل.
* *
٨٣٧٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله:"وما عند الله خير للأبرار"، قال: لمن يطيع الله.
٨٣٧٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، عن عبد الله قال: ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها. ثم قرأ عبد الله:"وما عند الله خير للأبرار"، وقرأ هذه الآية: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ . [[الحديث: ٨٣٧٤ - مضى برقم: ٨٢٦٧، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن -وهو ابن مهدي- عن سفيان.
ورواه ابن أبي حاتم، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش كما نقله ابن كثير عنه ٢: ٣٢٨.]] [سورة آل عمران: ١٧٨]
٨٣٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول:"وما عند الله خير للأبرار"، ويقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ . [[الحديث-: ٨٣٧٥ - فرج بن فضالة: ضعيف، كما بينا في: ١٦٨٨.
لقمان: هو ابن عامر الوصابي الحمصي. وهو ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٢٥١، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٨٢- ١٨٣. ولم يذكرا فيه جرحا.
و"الوصابي": بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة، كما ضبطه ابن الأثير في اللباب، والذهبي في المشتبه، ووهم الحافظ ابن حجر، فضبطه في التقريب بتخفيفها.
والحديث ذكره ابن كثير ٢: ٣٢٨ - ٣٢٩، عن هذا الموضع من الطبري. ووقع في طبعته"نوح ابن فضالة" بدل"فرج بن فضالة"، وهو خطأ مطبعي سخيف.
وذكره السيوطي ٢: ١٠٤، عند الآية السابقة: ١٧٨، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها أصحمة النجاشي، وفيه أنزلت.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٧٦ - حدثنا عصَام بن رواد بن الجراح قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو بكر الهذليّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال:"اخرجوا فصلوا على أخ لكم". فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال:"هذا النجاشي أصحمة"، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط! [["العلج": الرجل من كفار العجم، غير العرب، والجمع"علوج" و"أعلاج".]] فأنزل الله:"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله". [[الحديث: ٨٣٧٦ - عصام بن رواد بن الجراح: مضت ترجمته وتوثيقه: ٢١٨٣. وقع هنا في المطبوعة"عصام بن زياد بن رواد بن الجراح"؛ فزيادة اسم"زياد" في نسبه لا أصل لها. وثبت في المخطوطة بحذفها، على الصواب.
أبوه"رواد بن الجراح": مضت ترجمته وتضعيفه: ١٢٦، ٢١٨٣.
أبو بكر الهذلي: سبق بيان ضعفه جدًا، في: ٥٩٧، وشرح: ٢٥٢٦.
وهذا الحديث ذكره السيوطي ٢: ١١٣، ولم ينسبه لغير الطبري.
وذكره ابن كثير ٢: ٣٣٠، عن الطبري، ولكن في روايته خلاف في بعض لفظه لما هنا، ولم يذكر أول إسناده. فلعله نقله عن موضع آخر من الطبري.
وهذا الحديث ضعيف كما ترى، وسيأتي قول الطبري، ص: ٤٩٩ س: ١٥"قيل: ذلك خبر في إسناده نظر".
والضعف إنما هو في هذا الإسناد لحديث جابر، أما أصل المعنى، في صلاة النبي ﷺ على النجاشي صلاة الجنازة الغائبة، فإنه ثابت صحيح لا شك في صحته. رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر، ومن حديث أبي هريرة. انظر المنتقى: ١٨٢١ - ١٨٢٤.]]
٨٣٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: يصلَّى على رجل ليس بمسلم! قال: فنزلت:"وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله". قال قتادة: فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة! فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١١٥]
٨٣٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم"، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في النَّجاشي، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله ﷺ وصدَّقوا به. قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته، قال لأصحابه:"صلّوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم"! فقال أناس من أهل النفاق:"يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه"؟ فأنزل الله هذه الآية:"وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب".
٨٣٧٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم"، قال: نزلت في النجاشي وأصحابه ممن آمن بالنبي ﷺ = واسم النجاشي، أصحْمة.
٨٣٨٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الرزاق، وقال ابن عيينة: اسم النجاشي بالعربية: عطية.
٨٣٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: لما صلى النبي ﷺ على النجاشي، طعن في ذلك المنافقون، فنزلت هذه الآية:"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله"، إلى آخر الآية.
* *
وقال آخرون: بل عنى بذلك عبد الله بن سَلامٍ ومن معه.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: نزلت -يعني هذه الآية- في عبد الله بن سلام ومن معه.
٨٣٨٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في قوله:"وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم"، الآية كلها= قال: هؤلاء يهود.
* *
وقال آخرون: بل عنى بذلك مُسْلِمة أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم"، من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد. وذلك أنّ الله جل ثناؤه عَمّ بقوله:"وإنّ من أهل الكتاب" أهلَ الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى. وإنما أخبر أن من"أهل الكتاب" من يؤمن بالله. وكلا الفريقين =أعني اليهود والنصارى= من أهل الكتاب.
* *
فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في الخبر الذي رويتَ عن جابر وغيره: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه؟
قيل: ذلك خبر في إسناده نظر. ولو كان صحيحًا لا شك فيه، لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف. [[في المطبوعة: "خلاف"، والصواب ما في المخطوطة. وقوله: "بخلاف"، أي بمخالف.]] وذلك أنّ جابرًا ومن قال بقوله، إنما قالوا:"نزلت في النجاشيّ"، وقد تنزل الآية في الشيء، ثم يعم بها كل من كان في معناه. فالآية وإن كانت نزلت في النجاشيّ، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشيّ، حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيّ في اتباعهم رسول الله ﷺ، والتصديق بما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك من اتباع أمر الله فيما أمر به عباده في الكتابين، التوراة والإنجيل.
* *
فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية:"وإن من أهل الكتاب" التوراة والإنجيل="لمن يؤمن بالله" فيقرّ بوحدانيته="وما أنزل إليكم"، أيها المؤمنون، يقول: وما أنزل إليكم من كتابه ووحيه على لسان رسوله محمد ﷺ="وما أنزل إليهم"، يعني: وما أنزل على أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنجيل والزبور="خاشعين لله"، يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين، [[انظر تفسير"الخشوع" فيما سلف ٢: ١٦، ١٧.]] كما:-
٨٣٨٥ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في قوله:"خاشعين لله"، قال: الخاشع، المتذلل لله الخائف.
* *
ونصب قوله:"خاشعين لله"، على الحال من قوله:"لمن يؤمن بالله"، وهو حال مما في"يؤمن" من ذكر"من". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥١.]]
* *
="لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا"، يقول: لا يحرِّفون ما أنزل إليهم في كتبه من نعت محمد ﷺ فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، [[انظر تفسير"الاشتراء" وتفسير"الثمن" فيما سلف قريبًا: ٤٥٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه [[في المطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه"، والسياق يقتضي ما أثبت.]] "أولئك لهم أجرهم"، هؤلاء الذين يؤمنون بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم="لهم أجرهم عند ربهم"، يعني: لهم عوض أعمالهم التي عملوها، وثواب طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه [[انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ٢: ١٤٨، ٥١٢ / ٥: ٥١٩.]] ="عند ربهم" يعني: مذخور ذلك لهم لديه، حتى يصيروا إليه في القيامة، فيوفِّيهم ذلك ="إنّ الله سريع الحساب"، وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء، فلذلك قال:"إن الله سريع الحساب". [[انظر تفسير"سريع الحساب" فيما سلف ٤: ٢٠٧ / ٦: ٢٧٩.]]
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك:"اصبروا على دينكم وصابروا الكفار ورَابطوهم".
ذكر من قال ذلك:
٨٣٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه سمعه يقول في قول الله:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، ولا يدعوه لشدة ولا رخاء ولا سَرَّاء ولا ضراء، وأمرهم أن يُصابروا الكفار، وأن يُرابطوا المشركين.
٨٣٨٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"، أي: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله="واتقوا الله لعلكم تفلحون".
٨٣٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، يقول: صابروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله.
٨٣٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله.
٨٣٩٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: اصبروا على ما أمرتم به، وصابروا العدو ورابطوهم.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على دينكم، وصابروا وَعدي إياكم على طاعتكم لي، ورَابطوا أعداءكم.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٩١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، يقول: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. [[الأثر: ٨٣٩١ -"أبو صخر" هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق، أبو صخر الخراط، صاحب العباء، سكن مصر. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.]]
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم ورابطوهم.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٩٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم.
٨٣٩٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد الله المدنّي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، فذكر له جموعًا من الروم وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر:"أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عُسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورَابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". [[الأثر: ٨٣٩٣ -"مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالي، المدني، مولى ميمونة أم المؤمنين، وأمه أخت مالك بن أنس، روى عن خاله مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عمر العمري، وغيرهم. روى عنه البخاري والترمذي، عن محمد بن أبي الحسن عنه وابن ماجه، عن الذهلي عنه، والربيع المرادي، وأبو حاتم، وأبو زرعة وآخرون. قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث صدوق". وقال= ابن سعد"كان ثقة، وبه صمم". مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٩٧، والجرح ٤ / ١ / ٣١٥. وكان في المطبوعة: "المرى"، وفي المخطوطة مثلها، وتقرأ"المزني" والصواب"المدني" أو "المديني" في نسبه كما جاء في المراجع، وابن كثير ٢: ٣٣٧.
وفي ابن كثير ٢: ٣٣٧: "مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة"، وفي الدر المنثور ٢: ١١٤"مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة"، وفي المطبوعة والمخطوطة: "مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة"، بحذف"من" والصواب إثباتها.
ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن"مهما" لا تدخل على الماضي، وقد وردت في الآثار والأخبار والأشعار، من ذلك قول أبي هريرة للفرزدق: "مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله" (الكامل ١: ٧٠) وقول الأسود بن يعفر (نوادر أبي زيد: ١٥٩) : أَلا هَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلِ ... سِوَى النَّاسِ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ
وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا في المستدرك ٢: ٣٠٠ بإسناده قال:
"أخبرنا أبو العباس السباريّ، حدثنا عبد الله بن علي، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم، وقد تألّبَ عليه القوم، فكتب إليه عمر: "سلام الله عليك، أمّا بعد، فإنه ما ينزلْ بعبد مؤمن من منزلة شدة، إلا يجعل الله له بعدها فرجًا، ولن يغلب عُسْرٌ يُسْرين، (يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
فكتب إليه أبو عبيدة: "سلامٌ عليك، أما بعد، فإن الله يقول في كتابه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأوْلادِ) - إلى آخرها".
قال: فخرج عمر بكتابه، فقعد على المنبر، فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهْل المدينة، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة: أَنِ ارغبوا في الجهادِ".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.]]
* *
وقال آخرون: معنى:"ورابطوا"، أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدة بعد واحدة.
ذكر من قال ذلك:
٨٣٩٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال، حدثني داود بن صالح قال، قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية:"اصبروا وصابروا ورابطوا"؟ قال قلت: لا! قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. [[الأثر: ٨٣٩٤ -"مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير"، مضت ترجمته برقم: ٦٤٥٦. و"داود بن صالح التمار المدني"،. روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة. قال أحمد: "لا أعلم به بأسًا"، وذكره ابن حبان في الثقات، مترجم في التهذيب. و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" من التابعين، روى عن خلق من الصحابة والتابعين. كان ثقة فقيها كثير الحديث.
والأثر خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٣٢، وذكر سياق ابن مردويه له (٢: ٣٣١) من طريق"محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل على أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية"، وساق الخبر بغير هذا اللفظ.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠١ من طريق سعيد بن منصور، عن ابن المبارك، بمثل رواية الطبري، إلا أنه قال في جواب السؤال: "قال: قلت: لا. قال: يا ابن أخي إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي ... " بلفظه.
وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ١١٣، ونسبه لابن المبارك وابن المنذر، والحاكم، وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان.
وفي جميع هذه المواضع: "انتظار الصلاة بعد الصلاة"، والثابت في المخطوطة"خلف الصلاة"، وكان الكاتب قد كتب فيها"بعد" ثم جعل الباء والعين خاء، ومد الدال وعقد عليها فاء، فالظاهر أنه كتبها كما كان يحفظها، ثم استدرك، لأنه رأى في النسخة التي كتب عنها"خلف".]]
٨٣٩٥ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط". [[الحديث: ٨٣٩٥ - أبو السائب: هو سلم بن جنادة. وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان.
عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: ضعيف جدا، رمي بالكذب. وقد مضى في: ٧٨٥٥.
شرحبيل: لست أدري من هو؟ والإسناد ضعيف من أجل عبد الله بن سعيد، كما ترى.
ولو صح هذا الإسناد لظننت أنه"شرحبيل بن السمط الكندى"، من كبار التابعين، مختلف في صحبته. وهو معاصر لعلي. ومن المحتمل أن يروي عنه أبو سعيد المقبري، الذي يروي عن علي مباشرة.
والحديث نقله ابن كثير ٢: ٣٣٢، عن هذا الموضع. ولم ينسبه لغير الطبري. وأشار إليه السيوطي ٢: ١١٤، بعد حديث جابر، الآتي بعد هذا، فقال: "وأخرج ابن جرير عن علي مثله".
ومعنى الحديث ثابت عن علي، من وجه آخر صحيح. ولكن ليس فيه قوله: "فذلك الرباط" - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ٣٦، وقال: "رواه أبو يعلى، والبزار، ورجاله رجال الصحيح".
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ٩٧، وقال: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم".]]
٨٣٩٦ - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن مهاجر قال، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفِّر به الذنوب؟ " قال: قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط. [[الحديث: ٨٣٩٦ - محمد بن مهاجر بن أبي مسلم، الأنصاري الشامي: ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. مترجم في التهذيب. والكبير للبخاري ١ / ١ / ٢٢٩، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٩١.
يحيى بن يزيد الجزري، أبو شيبة الرهاوي: قال البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٣١٠: "لم يصح حديثه" وذكره في الضعفاء أيضا، ص: ٣٧، وقال مثل ذلك. وقال ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٩٨، عن أبيه: "ليس به بأس، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك".
فمثل هذا حديثه حسن. ثم هو لم ينفرد براوية هذا الحديث، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.
زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. قال ابن سعد ٧ / ٢ / ١٨٠: "كان ثقة كثير الحديث، فقيها راوية للعلم". أخرج له الجماعة كلهم.
شرحبيل -هنا-: هو ابن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار. مختلف فيه، والحق أنه ثقة. إلا أنه اختلط في آخر عمره، إذ جاوز المئة. وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: ٢١٠٤، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٥٢، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن سعد ٥: ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٣٨- ٣٣٩.
وقد بين ابن حبان في صحيحه، في رواية هذا الحديث، أنه شرحبيل بن سعد.
والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (٢: ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان) ، من طريق أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، به.
وأبو عبد الرحيم: هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره. فروايته متابعة صحيحة، توثق رواية يحيى بن يزيد، التي هنا، وتؤيدها.
والحديث نقله ابن كثير ٢: ٣٣٢، عن رواية الطبري هذه.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ١٦٠- ١٦١، عن رواية ابن حبان في صحيحه، وأشار إليه أيضا قبل ذلك، ص: ١٢٨.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ٣٧، ونسبه للبزار، وذكر أن"في إسناده شرحبيل بن سعد، وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له في صحيحه هذا الحديث".
وذكره السيوطي ٢: ١١٤، ونسبه لابن جرير، وابن حبان.]]
٨٣٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يحطُّ الله به الخطايا ويَرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط". [[الحديث: ٨٣٩٧ - خالد بن مخلد: هو القطواني. ومحمد بن جعفر: هو ابن أبي كثير. وقد مضى مثل هذا الإسناد في حديث آخر: ٢٢٠٦.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٧٢٠٨، من طريق شعبة، عن العلاء، عن أبيه، دون كلمة"فذلك" الرباط".
ورواه أحمد أيضا: ٧٧٥١، مع هذه الكلمة - من طريق مالك عن العلاء.
ثم رواه ثالثًا: ٨٠٠٨، (ج٢ ص٣٠٣ حلبي) ، من طريق مالك أيضًا. وفي آخره: "فذلكم الرباط" - ثلاث مرات.
وهو بهذا اللفظ، في الموطأ، ص: ١٦١.
وكذلك رواه النسائي ١: ٣٤، من طريق مالك.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (٢: ٣٢٩- ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان) ، من طريق مالك.
ونقله ابن كثير ٢: ٣٣١، من رواية ابن أبي حاتم، من حديث مالك، كرواية الموطأ.
ورواه مسلم ١: ٨٦، من طريق مالك، ومن طريق شعبة. وذكر أن رواية مالك -عنده-"فذلكم الرباط" مرتين.
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ٩٧، ١٢٨، ونسبه لمالك، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
وذكره السيوطي ٢: ١١٤، وزاد نسبته للشافعي، وعبد الرزاق.
وانظر الإسناد التالي لهذا.]]
٨٣٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الحديث: ٨٣٩٨ - القاسم: هو ابن الحسن، والحسين: هو ابن داود المصيصي، ولقبه"سنيد".
وهذا الإسناد"القاسم، عن الحسين" يدور عند الطبري كثيرًا، في التفسير والتاريخ، فما مضى منه في التفسير: ١٤٤، ١٦٥، ١٦٨٨. وفي التاريخ -مثلا- ١: ٢١، ٤١.
أما "سنيد" فقد ترجمنا له في: ١٤٤، ١٦٨٨.
وأما "القاسم بن الحسن" - شيخ الطبري: فلم أجد له ترجمة. ولكن في تاريخ بغداد ١٢: ٤٣٢- ٤٣٣ ترجمة"القاسم بن الحسن بن يزيد، أبو محمد الهمذاني الصائغ"، المتوفى سنة ٢٧٢. فهذا يصلح أن يكون هو المراد، ولكن لا أطمئن إلى ذلك، ولا أستطيع الجزم به، بل لا أستطيع ترجيحه.
وعسى أن نجد ما يدل على حقيقة هذا الشيخ، في فرصة أخرى، إن شاء الله.
إسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري القارئ، وهو ثقة مأمون. مضت الإشارة إليه في شرح: ٦٨٨٤.
وهذا الحديث تكرار لما قبله.
وكذلك رواه مسلم ١: ٨٦، والترمذي. (رقم: ٥١ بشرحنا) = كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر. ورواه الترمذي أيضا: ٥٢، من طريق الدراوردي، عن العلاء. وقال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح".]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال في ذلك:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله،="اصبروا" على دينكم وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني"الصبر" على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عني بقوله:"اصبروا"، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها. [[انظر تفسير"الصبر" فيما سلف ٢: ١١، ١٢٤ / ٣: ٢١٤، ٣٤٩ / ٥: ٣٥٢ / ٦: ٢٦٤ / ٧: ١٨١.]]
="وصابروا"، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين.
* *
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في"المفاعلة" أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم. [[في المطبوعة: "وإلا يكن عددهم"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.]]
* *
وكذلك قوله:"ورابطوا"، معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله.
* *
قال أبو جعفر: ورأى أن أصل"الرباط"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، [[في المخطوطة: "كما ارتبط عددهم لهم حملهم"، ولعل صواب قراءتها"جيادهم"، ولكني تركت ما في المطبوعة على حاله، فهو صواب حسن.]] ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له. [["الرجلة" (بضم الراء وسكون الجيم) : المشي راجلا غير راكب.]]
* *
وإنما قلنا معنى:"ورابطوا"، ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني"الرباط". وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه= حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل. [[قوله: "حجة"، فاعل قوله: "حتى تأتي بخلاف ذلك..". وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه ... "، والصواب"مما يوجب" كما أثبتها، وفي المطبوعة أيضا: "إلى الخفي من معاينة"، وهو خطأ ظاهر.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره:"واتقوا الله"، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه [[في المطبوعة: "وتتقدموا" بالواو، والصواب من المخطوطة. وقوله: "تتقدموا نهيه" هكذا جاء متعديا، وكأنه أراد: أو تسبقوا نهيه، وسبقهم نهيه. أن يخاطروا بالإسراع إلى المحارم بشهواتهم، قبل أن يردهم نهي الله عن إتيانها.]] ="لعلكم تفلحون"، يقول: لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده، [[انظر تفسير"لعل" فيما سلف ١: ٣٦٤، ٣٦٥، ومواضع أخرى كثيرة. وانظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ١: ٢٤٩، ٢٥٠ / ٣: ٥٦١ / ٧: ٩١.]] كما:-
٨٣٩٩ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في قوله:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني.
* *
آخر تفسير سورة آل عمران. [[عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:
"يتلوه القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا"
ثم يتلوه ما أثبتناه في أول تفسير سورة النساء.]]