John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-A'raaf

Tafsir al-Tabari · The Heights · 206 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم﴾ ، من الكساء واللباس = ﴿عند كل مسجد وكلوا﴾ ، من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم = ﴿واشربوا﴾ ، من حلال الأشربة، ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد ﷺ.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٠٣- حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة = وقال في موضع آخر: بغير ثياب = إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله، وتقول:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

قال: فنزلت هذه الآية: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ . [[الأثر: ١٤٥٠٣ - حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق، سأخرجها في هذا الموضع.

((يحيى بن حبيب بن عربي الشيباني)) ، أبو زكرياء، ثقة، مضى برقم: ٧٨١٨، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٣٧.

((خالد بن الحارث بن عبيد الهجيمي)) ، ثقة ثبت إمام. مضى برقم: ٧٥٠٧، ٧٨١٨، ٩٨٧٨.

و ((سلمة)) ، هو ((سلمة بن كهيل)) ، مضى مرارًا.

و ((مسلم البطين)) هو ((مسلم بن عمران)) ، ثقة روى له الجماعة.

وهذا الخبر، رواه مسلم في صحيحه ١٨: ١٦٢، من طريق غندر، عن شعبة (وهو الآتي رقم: ١٤٥٠٦) .

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣١٩، ٣٢٠ من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة، بنحوه، ولكن قال: ((نزلت هذه الآية: قل من حرم زينة الله)) ، ثم قال الحاكم: ((حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي.]]

١٤٥٠٤- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

فقال الله: ﴿خذوا زينتكم﴾ . [[الأثر: ١٤٥٠٤ - مكرر الأثر السالف، وهناك تخريجه.]]

١٤٥٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: الثياب.

١٤٥٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل قال: سمعت مسلمًا البطين يحدث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة = قال غندر: وهي عريانة = قال، وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرَها وما هنالك = قال غندر: وتقول:"مَنْ يعيرني تِطْوافًا"، [[((تطواف)) (بكسر التاء) : ثوب كانوا يتخذونه للطواف، قال النووي: ((وكان أهل الجاهلية يطوفون عراة، ويرمون ثيابهم ويتركونها ملقاة على الأرض، ولا يأخذونها أبدًا، ويتركونها تداس بالأرجل حتى تبلى، ويسمى: اللقاء - حتى جاء الإسلام، فأمر الله بستر العورة فقال: خذوا زينتكم عند كل مسجد، وقال النبي ﷺ: لا يطوف بالبيت عريان)) وروى ((تطواف)) (بفتح التاء) ، وفسروه بأنه ((ذا تطواف)) ، على حذف المضاف.]] تجعله على فرْجها وتقول:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

فأنزل الله ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ . [[الأثر: ١٤٥٠٦ - مكرر الأثرين السالفين: ١٤٥٠٣، ١٤٥٠٤، سلف تخريجه في أولهما. وهذا نص حديث مسلم.]]

١٤٥٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا.

١٤٥٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الآية" قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة = و"الزينة"، اللباس، وهو ما يواري السوءة، وما سوى ذلك من جيِّد البزِّ والمتاع = فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.

١٤٥٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وابن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء: ﴿خذوا زينتكم﴾ ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمروا أن يلبسوا ثيابهم.

١٤٥١٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، بنحوه.

١٤٥١١- حدثني عمرو قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، البسوا ثيابكم.

١٤٥١٢- حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: كان ناس يطوفون بالبيت عراة، فنهوا عن ذلك.

١٤٥١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمروا أن يلبسوا الثياب.

١٤٥١٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: ما وارى العورة ولو عبَاءة.

١٤٥١٥- حدثنا عمرو قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وأبو عاصم، وعبد الله بن داود، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد في قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: ما يواري عورتك، ولو عباءة.

١٤٥١٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، في قريش، لتركهم الثياب في الطواف.

١٤٥١٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٤٥١٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: الثياب.

١٤٥١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم، عن نافع، عن ابن طاوس، عن أبيه: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: الشَّمْلة من الزينة. [[((الشملة)) (بفتح فسكون) : كساء دون قطيفة، سمي بذلك لأنه يشمل البدن. ومنه ما نهى رسول الله عنه في الصلاة، وهو ((اشتمال الصماء)) ، وهو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا فيكون فيه فرجة تخرج منها يده.]]

١٤٥٢٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: الثياب.

١٤٥٢١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد وأبو أسامة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فطافت امرأة بالبيت وهي عريانة فقالت:

الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

١٤٥٢٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، قال: كان حي من أهل اليمن، كان أحدهم إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا يقول:"لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دَنِسْتُ فيه"، [[((الدنس)) في الثوب، لطخ الوسخ ونحوه، حتى في الأخلاق. وعنى بقوله: ((دنست فيه)) ، أي أتيت فيه ما يشين ويعيب من المعاصي.]] فيقول: من يعيرني مئزرًا؟ فإن قدر على ذلك، وإلا طاف عريانًا، فأنزل الله فيه ما تسمعون: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ .

١٤٥٢٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال الله: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ يقول: ما يواري العورة عند كل مسجد.

١٤٥٢٤- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحُمْس، قريش وأحلافهم. فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس، فإنه لا يحل له أن يلبس ثيابه. فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانًا. وإن طاف في ثياب نفسه، ألقاها إذا قضى طوافه، يحرِّمها، فيجعلها حرامًا عليه. فلذلك قال الله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ . [[انظر تفسير ((الحمس)) فيما سلف ص: ٣٧٨، تعليق: ١.]]

١٤٥٢٥- وبه عن معمر قال، قال ابن طاوس، عن أبيه: الشَّملة، من الزينة. [[الأثر: ١٤٥٢٥ - انظر الأثر رقم: ١٤٥١٩.]]

١٤٥٢٦- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، الآية، كان ناسٌ من أهل اليمن والأعراب إذا حجوا البيت يطوفون به عُراة ليلا فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم، ولا يتعرّوا في المسجد.

١٤٥٢٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿خذوا زينتكم﴾ ، قال: زينتهم، ثيابهم التي كانوا يطرحونها عند البيت ويتعرّون.

١٤٥٢٨- وحدثني به مرة أخرى بإسناده، عن ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ ، قال: كانوا إذا جاءوا البيت فطافوا به، حرمت عليهم ثيابهم التي طافوا فيها. فإن وجدوا مَنْ يُعيرهم ثيابًا، وإلا طافوا بالبيت عراة. فقال: ﴿من حرم زينة الله﴾ ، قال: ثياب الله التي أخرج لعباده، الآية.

* *

وكالذي قلنا أيضًا قالوا في تأويل قوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسر فوا﴾ .

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٢٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة. [[((السرف)) (بفتحتين) : وهو الإسراف، ومجاوزة القصد. و ((المخيلة)) (بفتح الميم وكسر الخاء) : الاختيال والكبر، وحديث ابن عباس المعروف: ((كل ماشئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خلتان: سرف ومخيلة)) ، رواه البخاري.]]

١٤٥٣٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ ، في الطعام والشراب.

١٤٥٣١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرِّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم، [[((الودك)) : دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. و ((الموسم)) مجتمع الناس في أيام الحج.]] فقال الله لهم: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ ، يقول: لا تسرفوا في التحريم.

١٤٥٣٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ ، قال: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.

١٤٥٣٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ ، لا تأكلوا حرامًا، ذلك الإسراف.

* *

وقوله ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ ، يقول: إن الله لا يحب المتعدِّين حدَّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحلّ الله أو حرم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، [[انظر تفسير ((الإسراف)) فيما سلف: ص: ١٧٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت، ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: من حرَّم، أيها القوم، عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم. [[انظر تفسير ((الزينة)) فيما سلف قريبًا ص: ٣٨٩، وما بعدها.

= وتفسير ((الطيبات)) فيما سلف من فهارس اللغة (طيب) .]]

* *

واختلف أهل التأويل في المعنيّ: بـ"الطيبات من الرزق"، بعد إجماعهم على أن"الزينة" ما قلنا.

فقال بعضهم:"الطيبات من الرزق" في هذا الموضع، اللحم. وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم.

ذكر من قال ذلك منهم:

١٤٥٣٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، وهو الودَك. [[((الودك)) سلف تفسيره في ص: ٣٩٥، تعليق: ١.]]

١٤٥٣٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، الذي حرموا على أنفسهم. قال: كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها.

١٤٥٣٦- وحدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قل من حرم زينة الله﴾ إلى آخر الآية، قال: كان قوم يحرِّمون ما يخرج من الشاة، لبنها وسمنها ولحمها، فقال الله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، قال: والزينة من الثياب.

١٤٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن قال: لما بعث محمدًا فقال: "هذا نبيي، هذا خياري، استنّوا به"، خذوا في سَنَنه وسبيله، [[في المطبوعة: ((في سنته)) ، وقراءتها في المخطوطة ما أثبت. ((السنن)) (بفتحتين) الطريقة: يقال: ((امض على سننك)) ، و ((استقام فلان على سننه)) ، أي طريقته.]] لم تغلق دونه الأبواب، ولم تُقَمْ دونه الحَجَبَة، [[((الحجبة)) جمع ((حاجب)) ، وهو الذي يحول بين الناس والملك أن يدخلوا عليه.]] ولم يُغْدَ عليه بالجفان، ولم يُرْجع عليه بها، [[في المطبوعة: ((ولم يغد عليه بالجبار)) ، علق عليها أنه في نسخة ((بالجباب)) ، وفي المخطوطة: ((بالجبان)) غير منقوطة، وهي خطأ، وصواب قراءتها ما أثبت، كما وردت على الصواب في حلية الأولياء لأبي نعيم ٢: ١٥٣.

و ((الجفان)) جمع ((جفنة)) ، وهي قصعة الطعام العظيمة. ونص أبي نعيم: ((أما والله ما كان يغدي عليه بالجفان ولا يراح)) ، وهو أجود.]] وكان يجلس بالأرض، ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويُرْدِف بعده، [[في المطبوعة: ((ويردف عبده)) ، غير ما في المخطوطة، وفي أبي نعيم: ((ويردف خلفه)) ، وهو بمعنى ما رواه الطبري. أي: يردف خلفه على الدابة رديفًا.]] وكان يقول:"مَنْ رغب عن سنتي فليس مني". قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته، التاركين لها! ثم إنّ عُلُوجًا فُسَّاقًا، أكلة الربا والغُلول، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((ثم علوجًا)) بإسقاط ((إن)) ، والصواب من حلية الأولياء. و ((الغلول)) : هو الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة.]] قد سفَّههم ربي ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا، وزخرفوا هذه البيوت، يتأوّلون هذه الآية: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان، قد جعلها ملاعبَ لبطنه وفرجه [[يعني قد جعل الآية بما تأولها به، لعبًا يلعب بتأويله، ليفتح الباب لكل شهوة من شهوات بطنه وفرجه.]] = من كلام لم يحفظه سفيان. [[الأثر: ١٤٥٣٧ - الذي لم يحفظه سفيان، حفظه غيره، رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢: ١٥٣، ١٥٤ من طريق محمد بن محمد، عن الحسن بن أحمد بن محمد، عن أبي زرعة، عن مالك بن إسماعيل، عن مسلمة بن جعفر، عن الحسن، بنحو هذا اللفظ، وهي صفة تحفظ، وموعظة تهدى إلى طغاتنا في زماننا، من الناطقين بغير معرفة ولا علم في فتوى الناس بالباطل الذي زخرفته لهم شياطينهم]]

* *

وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرم من البحائر والسوائب.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٣٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قل من حرم زينة الله التي أكل لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، وهو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.

١٤٥٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا﴾ ، [سورة يونس: ٥٩] ، وهو هذا، فأنزل الله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد = لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم: ﴿من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ ، إذ عَيُّوا بالجواب، [[((عي بالجواب)) : إذا عجز عنه، وأشكل عليه، ولم يهتد إلى صوابه.]] فلم يدروا ما يجيبونك =: زينة الله التي أخرج لعباده، وطيبات رزقه، للذين صدّقوا الله ورسوله، واتبعوا ما أنزل إليك من ربك، في الدنيا، وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه، وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة، لا يشركهم في ذلك يومئذ أحدٌ كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه. [[انظر تفسير ((خالصة)) فيما سلف ٢: ٣٦٥ /١٢: ١٤٨، ١٤٩.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خِيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، وخلصوا بها يوم القيامة.

١٤٥٤١- وحدثني به المثنى مرة أخرى بهذا الإسناد بعينه، عن ابن عباس فقال: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ ، يعني: يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا، ثم يُخْلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.

١٤٥٤٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال الله لمحمد ﷺ: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، يقول: قل هي في الآخرة خالصة لمن آمن بي في الدنيا، لا يشركهم فيها أحدٌ في الآخرة. [[أسقطت المطبوعة: ((في الآخرة)) من آخر هذه الجملة.]] وذلك أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة.

١٤٥٤٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، قال: اليهود والنصارى يشركونكم فيها في الدنيا، وهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.

١٤٥٤٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، خالصةً للمؤمنين في الآخرة، لا يشاركهم فيها الكفار. فأما في الدنيا فقد شاركوهم.

١٤٥٤٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، مَنْ عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة، ومَنْ ترك الإيمان في الدنيا قَدِم على ربّه لا عذرَ له.

١٤٥٤٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السديّ: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ ، يشترك فيها معهم المشركون = ﴿خالصة يوم القيامة﴾ ، للذين آمنوا.

١٤٥٤٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، يقول: المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب، ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين، وليس للمشركين في شيء من ذلك نصيبٌ.

١٤٥٤٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: الدنيا يصيب منها المؤمن والكافر، ويخلص خيرُ الآخرة للمؤمنين، وليس للكافر فيها نصيب.

١٤٥٤٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، قال: هذه يوم القيامة للذين آمنوا، لا يشركهم فيها أهل الكفر، ويشركونهم فيها في الدنيا. وإذا كان يوم القيامة، فليس لهم فيها قليل ولا كثير.

* *

وقال سعيد بن جبير في ذلك بما:-

١٤٥٥٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسماعيل بن أبان، وحبويه الرازي أبو يزيد، عن يعقوب القمي، عن سعيد بن جبير: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ ، قال: ينتفعون بها في الدنيا، ولا يتبعهم إثمها. [[الأثر: ١٤٥٥٠ - ((إسماعيل بن أبان الوراق الأزدي، أبو إسحاق)) ، شيعي، ثقة صدوق في الرواية. مترجم في التهذيب، والكبير ١ /١ / ٣٤٧، وابن أبي حاتم ١ /١ / ١٦٠.

و ((حبويه الرازي)) ، أبو يزيد، مضت ترجمته برقم: ١٤٣٦٥.]]

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله:"خالصة".

فقرأ ذلك بعض قرأة المدينة:"خَالِصَةٌ"، برفعها، بمعنى: قل هي خالصة للذين آمنوا.

* *

وقرأه سائر قرأة الأمصار: ﴿خَالِصَةً﴾ ، بنصبها على الحال من"لهم"، وقد ترك ذكرها من الكلام اكتفاءً منها بدلالة الظاهر عليها، على ما قد وصفت في تأويل الكلام أن معنى الكلام: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة. ومن قال ذلك بالنصب، جعل خبر"هي" في قوله: ﴿للذين آمنوا﴾ [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٦، ٣٧٧.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصحة، قراءة من قرأ نصبًا، لإيثار العرب النصبَ في الفعل إذا تأخر بعد الاسم والصفة، [[((الفعل)) ، يعني المصدر. و ((الاسم)) ، هو المشتق. و ((الصفة)) ، حرف الجر والظرف. انظر فهارس المصطلحات. وقد أسلف أبو جعفر في ٢: ٣٦٥ أن ((خالصة)) مصدر مثل ((العافية))]] وإن كان الرفع جائزًا، غير أن ذلك أكثر في كلامهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة، والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها، وميزت بين ذلك لكم، أيها الناس، كذلك أبيِّن جميع أدلتي وحججي، وأعلامَ حلالي وحرامي وأحكامي، [[انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٢٣٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.

= وتفسير ((آية)) فيما سلف من فهرس اللغة (أيي) .]] لقوم يعلمون ما يُبَيَّن لهم، ويفقهون ما يُمَيَّز لهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه: أيها القوم، إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم، وإنما حرم ربِّي القبائح من الأشياء = وهي"الفواحش" [[انظر تفسير ((الفاحشة)) فيما سلف ص: ٣٧٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ="ما ظهر منها"، فكان علانية ="وما بطن"، منها فكان سرًّا في خفاء. [[انظر تفسير ((ظهر)) و ((يظن)) فيما سلف ص: ٢١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وقد روي عن مجاهد في ذلك ما:-

١٤٥٥١- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ ، قال:"ما ظهر منها"، طوافُ أهل الجاهلية عراة="وما بطن"، الزنى.

* *

وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى، فكرهت إعادته. [[انظر ما سلف ص ٢١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

وأما"الإثم"، فإنه المعصية ="والبغي"، الاستطالة على الناس. [[انظر تفسير ((الإثم)) فيما سلف من فهارس اللغة (أثم) .

= وتفسير ((البغي)) فيما سلف ٢: ٣٤٢ /٣: ٣٢٢ / ٤: ٢٨١ / ٦: ٢٧٦.]]

* *

يقول تعالى ذكره: إنما حرم ربي الفواحش مع الإثم والبغي على الناس.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٥٢- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿والإثم والبغي﴾ ، أما"الإثم" فالمعصية = و"البغي"، أن يبغي على الناس بغير الحق.

١٤٥٥٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ﴿ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي﴾ ، قال: نهى عن"الإثم"، وهي المعاصي كلها = وأخبر أن الباغيَ بَغْيُه كائنٌ على نفسه. [[في المخطوطة: ((أن اكتفى بغيه على نفسه)) ، وهو شيء لا يقرأ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إنما حرم ربي الفواحش والشرك به، أن تعبدوا مع الله إلهًا غيره = ﴿ما لم ينزل به سلطانًا﴾ ، يقول: حرم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِرْكًا لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهانًا، وهو"السلطان" [[انظر تفسير ((السلطان)) فيما سلف ١١: ٤٩٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعملون﴾ ، يقول: وأن تقولوا إن الله أمركم بالتعرِّي والتجرُّد للطواف بالبيت، وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيَّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه، أو أمر به، أو أباحه، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْره والأمر به، فإن ذلك هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره تهدُّدًا للمشركين الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا:"وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها" [[في المطبوعة: ((مهددًا للمشركين)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو ألصق بالسياق.]] = ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم = ومذكرًا لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم=: ﴿ولكل أمة أجل﴾ ، يقول: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رُسل الله، [[انظر تفسير ((الأمة)) فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وردِّ نصائحهم، والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم ="أجل"، يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثُلات بهم على شركهم [[انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ١١٧، تعليق: ١ والمراجع هناك.]] = ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ ، يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم = ﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ، يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم، [[في المطبوعة: ((يتمتعون)) ، والصواب من المخطوطة.]] ساعة من ساعات الزمان = ﴿ولا يستقدمون﴾ ، يقول: ولا يتقدّمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك.

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إنما حرم ربي الفواحش والشرك به، أن تعبدوا مع الله إلهًا غيره = ﴿ما لم ينزل به سلطانًا﴾ ، يقول: حرم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِرْكًا لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهانًا، وهو"السلطان" [[انظر تفسير ((السلطان)) فيما سلف ١١: ٤٩٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعملون﴾ ، يقول: وأن تقولوا إن الله أمركم بالتعرِّي والتجرُّد للطواف بالبيت، وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيَّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه، أو أمر به، أو أباحه، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْره والأمر به، فإن ذلك هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره تهدُّدًا للمشركين الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا:"وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها" [[في المطبوعة: ((مهددًا للمشركين)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو ألصق بالسياق.]] = ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم = ومذكرًا لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم=: ﴿ولكل أمة أجل﴾ ، يقول: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رُسل الله، [[انظر تفسير ((الأمة)) فيما سلف ص: ٣٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وردِّ نصائحهم، والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم ="أجل"، يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثُلات بهم على شركهم [[انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ١١٧، تعليق: ١ والمراجع هناك.]] = ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ ، يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم = ﴿لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ ، يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم، [[في المطبوعة: ((يتمتعون)) ، والصواب من المخطوطة.]] ساعة من ساعات الزمان = ﴿ولا يستقدمون﴾ ، يقول: ولا يتقدّمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك.

القول في تأويل قوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره معرِّفًا خلقه ما أعدَّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسوله، وما أعدّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم﴾ ، يقول: إن يجئكم رسلي الذين أرسلهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي ="منكم"، يعني: من أنفسكم، ومن عشائركم وقبائلكم = ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ ، يقول: يتلون عليكم آيات كتابي، ويعرّفونكم أدلتي وأعلامي على صدق ما جاؤوكم به من عندي، وحقيقة ما دعوكم إليه من توحيدي [[انظر تفسير ((قص)) فيما سلف ص: ١٢٠، ٣٠٧

= وتفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿فمن اتقى وأصلح﴾ ، يقول: فمن آمن منكم بما أتاه به رُسلي مما قص عليه من آياتي وصدَّق، واتقى الله فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه على لسان رسوله = ﴿وأصلح﴾ ، يقول: وأصلح أعماله التي كان لها مفسدًا قبل ذلك من معاصي الله بالتحوُّب منها [[((تحوب من إثمه)) ، أي: تأثيم منه، أي: ترك الإثم وتوقاه.

= وانظر تفسير ((أصلح)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] = ﴿فلا خوف عليهم﴾ ، يقول: فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه = ﴿ولا هم يحزنون﴾ ، على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها، وشهواتهم التي تجنَّبوها، اتباعًا منهم لنهي الله عنها، إذا عاينوا من كرامة الله ما عاينوا هنالك. [[انظر تفسير ((لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) في نظائرها فيما سلف (خوف) (حزن) من فهارس اللغة.]]

١٤٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام أبو عبد الله قال، حدثنا هياج قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي سيّار السُّلَمي قال، إن الله جعل آدم وذريته في كفّه فقال: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليهم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، ثم نظر إلى الرسل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ، [سورة المؤمنون: ٥١-٥٢] ، ثم بَثَّهم. [[الأثر: ١٤٥٥٤ - هذا إسناد مبهم لم أستطع تفسيره.

((أبو سيار السلمي)) لم أعرف من يكون، فمن أجل ذلك لم أستطع أن أميز من يكون: ((عبد الرحمن بن زياد)) ، ولا ((هياج)) .

والأثر، ذكره السيوطي في الدر المنثور ٣: ٨٢، ولم ينسبه لغير ابن جرير.]]

* *

فإن قال قائل: ما جواب قوله: ﴿إما يأتينكم رسل منكم﴾ ؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعضهم في ذلك: الجوابُ مضمرٌ، يدل عليه ما ظهر من الكلام، وذلك قوله: ﴿فمن اتقى وأصلح﴾ . وذلك لأنه حين قال: ﴿فمن اتقى وأصلح﴾ ، كأنه قال: فأطيعوهم.

* *

وقال آخرون منهم: الجواب:"فمن اتقى"، لأن معناه: فمن اتقى منكم وأصلح. قال: ويدل على أنّ ذلك كذلك، تبعيضه الكلام، فكان في التبعيض اكتفاء من ذكر"منكم".

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وأما من كذّب بإيتاء رسلي التي أرسلتها إليه، وجحد توحيدي، وكفر بما جاء به رسلي، واستكبر عن تصديق حُجَجي وأدلّتي = ﴿فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ، يقول: هم في نار جهنم ماكثون، لا يخرجون منها أبدًا. [[انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.]]

القول في تأويل قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلا وأجهلُ قولا وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب [[انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة.]] = ﴿ممن افترى على الله كذبًا﴾ ، يقول: ممن اختلق على الله زُورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها [[انظر تفسير ((افترى)) فيما سلف ص: ١٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿أو كذب بآياته﴾ ، يقول: أو كذب بأدلته وأعلامه الدّالة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها = ﴿أولئك﴾ يقول: مَنْ فعل ذلك، فافترى على الله الكذب وكذب بآياته = ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، يقول: يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ. [[انظر تفسير ((نال)) فيما سلف ٣: ٢٠ /٦: ٥٨٧.

= وتفسير ((نصيب)) فيما سلف ص: ١٣١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك"النصيب"، الذي لهم في"الكتاب"، وما هو؟

فقال بعضهم: هو عذاب الله الذي أعدَّه لأهل الكفر به.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٥٥- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا مروان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، أي من العذاب.

١٤٥٥٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.

١٤٥٥٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، يقول: ما كتب لهم من العذاب.

١٤٥٥٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: من العذاب.

١٤٥٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن أبي سهل، عن الحسن، قال: من العذاب.

١٤٥٦٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن رجل، عن الحسن، قال: من العذاب.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم من الشقاء والسعادة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٦١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سعيد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: من الشِّقوة والسعادة.

١٤٥٦٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، كشقي وسعيد. [[يعني كقوله في [سورة هود: ١٠٥] : " فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ".]]

١٤٥٦٣- حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن الحسن ابن عمرو الفقيمي، عن الحكم قال: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: هو ما سبق.

١٤٥٦٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة.

١٤٥٦٥- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، ما كتب عليهم من الشقاوة والسعادة، كشقي وسعيد.

١٤٥٦٦-. . . . قال، حدثنا ابن المبارك، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، من الشقاوة والسعادة.

١٤٥٦٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير وابن إدريس، عن الحسن بن عمرو، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما قد سبق من الكتاب.

١٤٥٦٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما سبق لهم في الكتاب.

١٤٥٦٩-. . . . قال، حدثنا سويد بن عمرو ويحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم﴾ ، قال: من الشقاوة والسعادة.

١٤٥٧٠-. . . . قال: حدثنا أبو معاوية، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ما قُضي أو قُدِّر عليهم.

١٤٥٧١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال.

١٤٥٧٢- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن بكر الطويل، عن مجاهد في قول الله: (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) ، قال: قوم يعملون أعمالا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها. [[الأثر: ١٤٥٧٢ - ((إسماعيل بن سميع الحنفي)) ، مضى برقم: ٤٧٩١، ٤٧٩٣.

و ((بكر الطويل)) كأنه هو ((بكر بن يزيد الطويل الحمصي)) ، روى عن أبي هريرة الحمصي، روى عنه أبو سعيد الشج، مترجم في ابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٩٤.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك، أولئك ينالهم نصيبهم من كتابهم الذي كتب لهم أو عليهم، بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرًا جُزي به، ومن عمل شرًّا جزي به.

١٤٥٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ قال: من أحكام الكتاب، على قدر أعمالهم.

١٤٥٧٥- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسْلَفوا.

١٤٥٧٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، أي: أعمالهم، أعمال السوء التي عملوها وأسلفوها.

١٤٥٧٧- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، قال أبي: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، زعم قتادة: من أعمالهم التي عملوا.

١٤٥٧٨- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، يقول: ينالهم نصيبهم من العمل. يقول: إن عمل من ذلك نصيبَ خير جُزِي خيرًا، وإن عمل شرًّا جُزِي مثله.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: ينالهم نصيبهم مما وُعِدوا في الكتاب من خير أو شر.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٧٩- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: من الخير والشر.

١٤٥٨٠-. . . قال حدثنا زيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: ما وُعدوا.

١٤٥٨١- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما وعدوا.

١٤٥٨٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.

١٤٥٨٣-. . . . قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ليث، عن ابن عباس: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما وُعِدوا مثله.

١٤٥٨٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.

١٤٥٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم، قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما وُعِدوا فيه.

١٤٥٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ما وعدوا من خير أو شر.

١٤٥٨٧- حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن الحسن بن عمرو، عن الحكم، عن مجاهد في قول الله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: ينالهم ما سبق لهم من الكتاب.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب الذي كتبه الله على من افترى عليه.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٨٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، يقول: ينالهم ما كتب عليهم. يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أنّ وجهه مسوَدٌّ.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما كتب لهم من الرزق والعمر والعمل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، مما كتب لهم من الرزق.

١٤٥٩٠-. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب، عن ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن القرظي: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: عمله ورزقه وعمره.

١٤٥٩١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، قال: من الأعمال والأرزاق والأعمار، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، مما كتب لهم من خير وشر في الدنيا، ورزق وعمل وأجل. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾ ، فأبان بإتباعه ذلك قولَه: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾ ، أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم، لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسلَه لتقبض أرواحهم. ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب، أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة، لم يكن محدودًا بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لوفاتهم، لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة، وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء، فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه. فبيِّنٌ بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا﴾ ، إلى أن جاءتهم رسلنا. يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، أو كذبوا بآيات ربهم، ينالهم حظوظهم التي كتب الله لهم، وسبق في علمه لهم من رزق وعمل وأجل وخير وشر في الدنيا، إلى أن تأتيهم رسلنا لقبض أرواحهم. فإذا جاءتهم رسلنا، يعني ملك الموت وجنده = ﴿يتوفونهم﴾ ، يقول: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة [[انظر تفسير ((التوفي)) فيما سلف: ١١: ٤٠٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله﴾ ، يقول: قالت الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم، لا يدفعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقكم وخالقهم، وما قد نزل بساحتكم من عظيم البلاء؟ وهلا يُغيثونكم من كرب ما أنتم فيه فينقذونكم منه؟ فأجابهم الأشقياء فقالوا: ضَلَّ عنا أولياؤنا الذين كنا ندعو من دون الله. يعني بقوله: ﴿ضلوا﴾ ، جاروا وأخذوا غير طريقنا، وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا. [[انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .]] يقول الله جل ثناؤه: وشهد القوم حينئذ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله، جاحدين وحدانيته.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قيله لهؤلاء المفترين عليه، المكذبين آياته يوم القيامة. يقول تعالى ذكره: قال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة، ادخلوا، أيها المفترون على ربكم، المكذبون رسله، في جماعات من ضُرَبائكم [[انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ص: ٤٠٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿قد خلت من قبلكم﴾ ، يقول: قد سلفت من قبلكم [[انظر تفسير ((خلا)) فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨ / ٤: ٢٨٩ / ٧: ٢٢٨.]] ="من الجن والإنس في النار"، ومعنى ذلك: ادخلوا في أمم هي في النار، قد خلت من قبلكم من الجن والإنس = وإنما يعني بـ"الأمم"، الأحزابَ وأهلَ الملل الكافرة = ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ ، يقول جل ثناؤه: كلما دخلت النارَ جماعةٌ من أهل ملة = لعنت أختها، يقول: شتمت الجماعة الأخرى من أهل ملتها، تبرِّيًا منها. [[انظر تفسير ((اللعن)) فيما سلف ١٠: ٤٨٩، تعليق: ١.]]

وإنما عنى بـ"الأخت"، الأخوة في الدين والملة، وقيل:"أختها"، ولم يقل:"أخاها"، لأنه عنى بها"أمة" وجماعة أخرى، كأنه قيل: كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٨.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٩٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ ، يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((كلما دخلت أهل ملة)) ، والصواب ما أثبت.]] يلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوسُ المجوسَ، تلعن الآخرةُ الأولى.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: حتى إذا تداركت الأمم في النار جميعًا، يعني اجتمعت فيها.

* *

يقال:"قد ادَّاركوا"، و"تداركوا"، إذا اجتمعوا. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٤، وفي نصه زيادة حسنة: ((ويقال: تدارك لي عليه شيء، أي اجتمع لي عنده شيء. وهو مدغم التاء في الدال، فثقلت الدال)) .]]

* *

يقول: اجتمع فيها الأوَّلون من أهل الملل الكافرة والآخِرون منهم.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن محاورة الأحزاب من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة. يقول الله تعالى ذكره: فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادّاركوا، قالت أخرى أهل كل ملة دخلت النار = الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تَقَدَّمتها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضلالة والكفر = لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك، ودعونا إلى عبادة غيرك، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان، فآتهم اليوم من عذابك الضعفَ على عذابنا، كما:-

١٤٥٩٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قالت أخراهم"، الذين كانوا في آخر الزمان ="لأولاهم"، الذين شرعوا لهم ذلك الدين = ﴿ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾

* *

وأما قوله: ﴿قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾ ، فإنه خبر من الله عن جوابه لهم، يقول: قال الله للذين يدعونه فيقولون:"ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار" =: لكلكم، أوَّلكم وآخركم، وتابعوكم ومُتَّبَعوكم ="ضعف"، يقول: مكرر عليه العذاب.

* *

و"ضعف الشيء"، مثله مرة.

* *

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:-

١٤٥٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعف﴾ ، مضعّف.

١٤٥٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٩٦- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال الله: ﴿لكل ضعف﴾ ، للأولى، وللآخرة ضعف.

١٤٥٩٧- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، حدثني غير واحد، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله: ﴿ضعفًا من النار﴾ ، قال: أفاعي.

١٤٥٩٨- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله: ﴿فآتهم عذابًا ضعفًا من النار﴾ ، قال: حيّات وأفاعي.

* *

وقيل: إن"المضَعَّف"، في كلام العرب، ما كان ضعفين، [[في المطبوعة: ((الضعف، في كلام العرب)) ، والصواب من المخطوطة.]] و"المضاعف"، ما كان أكثر من ذلك.

* *

وقوله: ﴿ولكن لا تعلمون﴾ ، يقول: ولكنكم، يا معشر أهل النار، لا تعلمون ما قدْرُ ما أعدّ الله لكم من العذاب، فلذلك تسأل الضعفَ منه الأمةُ الكافرةُ الأخرى لأختها الأولى.

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقالت أولى كل أمة وملة سبقت في الدنيا، لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم، وحَدَثوا بعد زمانهم فيها، فسلكوا سبيلهم واستنوا سنتهم: ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ ، وقد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله جل ثناؤه بمعصيتنا إياه وكفرنا بآياته، بعدما جاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنذر، [[في المطبوعة: ((وكفرنا به وجاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل)) ، وفي المخطوطة: ((وكفرنا به ما جاءتنا وجاءتكم)) ، وهو غير مستقيم، صوابه إن شاء الله ما أثبت. وهو سياق الآيات قبلها. هكذا استظهرته من تفسير الآيات السالفة.]] فهل أنَبْتم إلى طاعة الله، [[في المطبوعة: ((هل انتهيتم)) ، وفي المخطوطة: ((هل أسم)) ، وهذا صواب قراءتها، وزدت الفاء في أول ((هل)) ، لاقتضاء سياق الكلام إثباتها.]] وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم؟ فانقضت حجة القوم وخُصِموا ولم يطيقوا جوابًا بأن يقولوا:"فضِّلنا عليكم إذ اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدقنا رسله"، [[في المطبوعة: ((إنا اعتبرنا بكم)) وفي المخطوطة: ((إذا اعتبرنا بكم)) ، والصواب ما أثبت.]] قال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم، أيها الكفرة، عذابَ جهنم، [[انظر تفسير: ((ذوقوا العذاب)) فيما سلف ١١: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي، وتجترحون من الذنوب والإجرام. [[انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٥٩٩- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عمران، عن أبي مجلز: ﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون﴾ ، قال: يقول: فما فَضْلكم علينا، وقد بُيِّن لكم ما صنع بنا، وحُذِّرتم؟

١٤٦٠٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل﴾ ، فقد ضللتم كما ضللنا.

* *

وكان مجاهد يقول في هذا بما:-

١٤٦٠١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ ، قال: من التخفيف من العذاب.

١٤٦٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ ، قال: من تخفيف.

* *

وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد، قولٌ لا معنى له لأن قول القائلين: "فما كان لكم علينا من فضل" لمن قالوا ذلك، إنما هو توبيخ منهم على ما سلف منهم قبل تلك الحال، يدل على ذلك دخول"كان" في الكلام. ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربهم:"آتهم عذابًا ضعفًا من النار"، لكان التوبيخ أن يقال:"فما لكم علينا من فضل، في تخفيف العذاب عنكم، وقد نالكم من العذاب ما قد نالنا"، ولم يقل:"فما كان لكم علينا من فضل".

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا [[انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] = ﴿واستكبروا عنها﴾ ، يقول: وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا [[انظر تفسير ((الاستكبار)) فيما سلف ١١: ٥٤٠.]] ="لا تفتح لهم"، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم ="أبواب السماء"، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل، لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يُرْفع الكلم الطيبُ والعملُ الصالح، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر: ١٠] .

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ .

فقال بعضهم: معناه: لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء.

ذكر من قال ذلك:

١٣٦٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يعلى، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: عنى بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين.

١٤٦٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن أبي سنان، عن الضحاك قال، قال ابن عباس: تُفتح السماء لروح المؤمن، ولا تفتح لروح الكافر.

١٤٦٠٥- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: إن الكافر إذا أُخِذ روحُه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط، فضربته ملائكة الأرض فارتفع، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين. وإذا كان مؤمنًا نفخ روحه، [[في المطبوعة: ((وإذا كان مؤمنًا أخذ روحه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] وفتحت له أبواب السماء، فلا يمرّ بملك إلا حيَّاه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول الله: ردّوا روحَ عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيتُ من التراب خلقه، وإلى التراب يعود، ومنه يخرج.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاءٌ إلى الله.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، لا يصعد لهم قولٌ ولا عمل.

١٤٦٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، يعني: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.

١٤٦٠٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، يقول: لا تفتح لخير يعملون.

١٤٦٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: لا يصعد لهم كلامٌ ولا عمل.

١٤٦١٠- حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء. [[الأثر: ١٤٦١٠ - ((مطر بن محمد الضبي)) ، شيخ الطبري، لم أجد له ترجمة، ومضى أيضا برقم: ١٢١٩٨.]]

١٤٦١١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

١٤٦١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سعيد: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: لا يرفع لهم عملٌ صالح ولا دعاء.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦١٣- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ ، قال: لأرواحهم ولا لأعمالهم.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول، لعموم خبر الله جل ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم. ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء، فذلك على ما عمّه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء، مع تأييد الخبر عن رسول الله ﷺ ما قلنا في ذلك، وذلك ما:-

١٤٦١٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء: أن رسول الله ﷺ ذكر قبضَ روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء، قال: فيصعدون بها، فلا يمرّون على ملإ من الملائكة إلا قالوا:"ما هذا الروح الخبيث"؟ فيقولون:"فلان"، بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [[الأثر: ١٤٦١٤ - ((المنهال)) هو ((المنهال بن عمرو الأسدي)) ، ثقة، رجح أخي توثيقه في المسند رقم: ٧١٤، وفيما يلي رقم: ٣٣٧، ٧٩٩.

و ((زاذان)) هو ((أبو عبد الله)) ، ويقال ((أبو عمر)) الكوفي الضرير. تابعي ثقة، مضى أيضًا برقم: ٩٥٠٨، ١٣٠١٧، ١٣٠١٨.

وهذا الخبر مختصرًا رواه أحمد مطولا ومختصرًا في مسنده ٤: ٢٨٧، ٢٨٨، من طريقتين، و ٢٩٧، كلها من طريق العمش، عن المنهال. ورواه أيضًا ٤: ٢٩٥، ٢٩٦، من طريقين. أحدهما من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال، والآخر من طريق أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن يونس بن خباب.

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص: ١٠٢، مطولا من طريق أبي عوانة، عن الأعمش. ورواه أبو داود في سننه ٣: ٢٨٩، رقم: ٣٢١٢ مختصرًا، ورواه مطولا ٤: ٣٣٠ رقم: ٤٧٥٣.

ورواه الحاكم في المستدرك ١: ٣٧ - ٤٠، من طرق، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بالمنهال بن عمرو، وزاذان بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة، وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله)) .

وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٧٣، ٤٧٤، وقال: ((رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن المنهال بن عمرو به)) ثم ساق حديث أحمد في المسند.

وخره السيوطي في الدر المنثور ١: ٨٣، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب عذاب القبر.]]

١٤٦١٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجلَ الصالحَ قالوا:"اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري برَوْح وريحان، وربّ غير غضبان"، قال: فيقولون ذلك حتى يُعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال:"من هذا"؟ فيقولون:"فلان". فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((بالنفس الطيبة التي كانت ... )) ، والظاهر أنها زيادة من الناسخ، فإن روايتهم جميعًا اتفقت على ما أثبت.]] ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان"، فيقال لها حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله. وإذا كان الرجلَ السَّوْءَ قال:"اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج"، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال:"من هذا"؟ فيقولون:"فلان". فيقولون:"لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء"، [[في المطبوعة: ((لا تفتح لك أبواب السماء)) ، وفي المخطوطة: ((لم تفتح)) بغير ((لك)) ، وأثبت ما في تفسير ابن كثير. وفي ابن ماجه: ((لا تفتح لك)) .]] فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر. [[الأثر: ١٤٦١٥، ١٤٦١٦ - ((عبد الرحمن بن عثمان بن أمية الثقفي)) ((أبو بحر البكراوي)) ، ضعيف متكلم فيه، قال أبو حاتم: ((يكتب حديثه ولا يحتج به)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ / ٢٦٤.

و ((ابن أبي ذئب)) هو ((محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب)) ، ثقة حافظ، مضى برقم: ٢٩٩٥.

و ((محمد بن عمرو بن عطاء القرشي العامري)) ، ثقة روى له الجماعة.

و ((سعيد بن يسار)) أبو الحباب المدني، تابعي ثقة لا يختلفون في توثيقه. روى له الجماعة.

وهذا خبر صحيح، رواه عن ابن أبي ذئب غير ((عبد الرحمن بن عثمان)) . وسيأتي بإسناد ليس فيه ضعف، في الأثر التالي.

وهذا الخبر رواه ابن ماجه ص: ١٤٢٣ رقم: ٤٢٦٢.

وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٧٥، ونسبة إلى أحمد، والنسائي وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٨٣، وزاد إلى حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث.

والأثر رقم: ١٤٦١٦. هو إسناد صحيح للخبر السالف.

((ابن أبي فديك)) ، هو ((محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك)) ، ثقة، روى له الجماعة. مضى برقم: ٤٣١٩، ٩٤٨٢، ٩٨٧٦.]]

١٤٦١٦- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه.

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفة:"لا يُفَتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّمَاء"، بالياء من"يفتح"، وتخفيف"التاء" منها، بمعنى: لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدةٍ وفتحةٍ واحدة.

* *

وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين: ﴿لا تُفَتَّحُ﴾ ، بالتاء وتشديد التاء الثانية، بمعنى: لا يفتح لهم باب بعد باب، وشيء بعد شيء.

* *

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى. وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبوابُ السماء بمرة واحدة، ولا مرة بعد مرة، وباب بعد باب. فكلا المعنيين في ذلك صحيح.

وكذلك"الياء"، و"التاء" في"يفتح"، و"تفتح"، لأن"الياء" بناء على فعل الواحد للتوحيد، و"التاء" لأن"الأبواب" جماعة، فيخبر عنها خبر الجماعة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٧٨، ٣٧٩.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، الجنة التي أعدّها الله لأوليائه المؤمنين أبدًا، كما لا يلج الجمل في سمِّ الخياط أبدًا، وذلك ثقب الإبرة.

* *

وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك، فإن العرب تسميه"سَمًّا" وتجمعه"سمومًا"، و"السِّمام"، في جمع"السَّم" القاتل، أشهر وأفصح من"السموم". وهو في جمع"السَّم" الذي هو بمعنى الثقب أفصح. وكلاهما في العرب مستفيض. وقد يقال لواحد"السموم" التي هي الثقوب"سَمٌّ" و"سُمٌّ" بفتح السين وضمها، ومن"السَّم" الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق:

فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حَتَّى تَنَفَّسَا ... وَقُلْتُ لَهُ: لا تَخْشَ شَيْئًا وَرَائِيا [[ديوانه: ٨٩٥، النقائض: ١٦٩، واللسان (سمم) ، من أول قصيدة هاجى بها جريرًا، ونصر البعيث وهجاه معًا. وكان الذي هاج الهجاء بين جرير والفرزدق، أن البعيث المجاشعي، سرقت إبله، سرقها ناس من بني يربوع، من رهط جرير، فطلبها البعيث حتى وجدها في أيديهم، فأرسل لسانه في بني يربوع، فاعترضه جرير، فهجاه، فانبعث الشر بالبعيث، فانطلق الفرزدق بعد قليل ينصره، فقال هذه القصيدة يهجو جريرًا، وينصر البعيث ويهجوه، فيقول للبعيث: دَعَانِي ابْنُ حَمْرَاءِ العِجَانِ وَلَم يَجِدْ ... لَهُ إذْ دَعَا، مُسْتأْخِرًا عَنْ دُعَائيا

فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ............... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

((نفس عنه)) ، فرج عنه كربته إذ أطبق عليه جرير، فاستنقذه من تحت وطأته. فاستطاع أن يتنفس. وقوله: ((لا تخش شيئًا ورائيا)) ، أي: لا تخش ما دمت درعًا لك وأنت من ورائي تحتمي بلساني وهجائي جريرًا. وأما قول أبي عبيدة: ((أي لا تخش شيئًا يأتيك من خلفي)) ، فليس عندي بشيء.

وكان في المطبوعة: ((شيئًا وراءنا)) ، لم يحسن قراءة المخطوطة.]]

يعني بسمِّيه، ثقبي أنفه.

* *

وأما"الخياط" فإنه"المخيط"، وهي الإبرة. قيل لها:"خِيَاط" و"مِخْيَط"، كما قيل:"قِناع" و"مِقْنع"، و"إزار" و"مِئْزر"، و"قِرام" و"مِقْرَم"، و"لحاف" و"مِلْحف".

وأما القرأة من جميع الأمصار، فإنها قرأت قوله: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ، بفتح"السين"، وأجمعت على قراءة:"الجَمَلُ" بفتح"الجيم"، و"الميم" وتخفيف ذلك.

* *

وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير، فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك:"الجُمَّلُ"، بضم"الجيم" وتشديد"الميم"، على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس.

* *

فأما الذين قرؤوه بالفتح من الحرفين والتخفيف، فإنهم وجهوا تأويله إلى"الجمل" المعروف، وكذلك فسروه.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦١٧- حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: الجمل ابن الناقة، أو: زوج الناقة.

١٤٦١٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال:"الجمل"، زوج الناقة.

١٤٦١٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، مثله.

١٤٦٢٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله قال:"الجمل"، زوج الناقة.

١٤٦٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، مثله.

١٤٦٢٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا قرة قال، سمعت الحسن يقول:"الجمل"، الذي يقوم في المِرْبد. [[((المربد)) (بكسر فسكون) : هو المكان الذي تحبس فيه الإبل، يقال: ((ربد الإبل ربدًا)) ، حبسها. ويقال: ((مربد الغنم)) أيضًا. وبه سمى ((مربد البصرة)) ، لأنه كان موضع سوق الإبل.]]

١٤٦٢٣- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: حتى يدخل البعير في خُرت الإبرة. [[((خرت الإبرة)) (بضم الخاء أو فتحها، وسكون الراء) : هو ثقبها. وكان في المطبوعة: ((في خرق)) وهي صواب، والمخطوطة تشبه أن تقرأ هكذا وهكذا.]]

١٤٦٢٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن قال: هو الجمل! فلما أكثروا عليه قال: هو الأشتر. [[((أشتر)) ، وهو الجمل، بالفارسية.]]

١٤٦٢٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن، مثله.

١٤٦٢٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن يحيى قال: كان الحسن يقرؤها: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: فذهب بعضهم يستفهمه، قال: أشتر، أشتر. [[((أشتر)) ، وهو الجمل، بالفارسية.]]

١٤٦٢٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أبي العالية: ﴿حتى يلج الجمل﴾ ، قال: الجمل الذي له أربع قوائم.

١٤٦٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حصين = أو: حصين =، عن إبراهيم، عن ابن مسعود في قوله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: زوج الناقة، يعني الجمل.

١٤٦٢٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك أنه كان يقرأ: ﴿الجمل﴾ ، وهو الذي له أربع قوائم.

١٤٦٣٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك: ﴿حتى يلج الجمل﴾ ، الذي له أربع قوائم.

١٤٦٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب، عن قرة، عن الحسن: ﴿حتى يلج الجمل﴾ ، قال: الذي بالمربد.

١٤٦٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود أنه كان يقرأ:"حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الأَصْفَرُ".

١٤٦٣٣- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا يحيى بن سليم قال، حدثنا عبد الكريم بن أبي المخارق، عن الحسن في قوله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: الجمل ابن الناقة = أو بَعْلُ الناقة.

* *

وأما الذين خالفوا هذه القراءة فإنهم اختلفوا.

فروي عن ابن عباس في ذلك روايتان: إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل.

ذكر الرواية بذلك عنه:

١٤٦٣٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، والجمل: ذو القوائم.

* *

وذكر أن ابن مسعود قال ذلك.

١٤٦٣٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، وهو الجمل العظيم، لا يدخل في خُرْت الإبرة، [[انظر ص: ٤٢٩، التعليق: ٢.]] من أجل أنه أعظم منها.

* *

والرواية الأخرى ما:-

١٤٦٣٦- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: هو قَلْس السفينة. [[((القلس)) (بفتح فسكون) : هو حبل ضخم غليظ من ليف أو خوص، وهو من حبال السفن.]]

١٤٦٣٧- حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن حنظلة السدوسي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، يعني الحبل الغليظ = فذكرت ذلك للحسن فقال: ﴿حتى يلجَ الجمَل﴾ ، قال عبد الأعلى: قال أبو غسان، قال خالد: يعني: البعير.

١٤٦٣٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن فضيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قرأ:"الجُمَّلُ"، مثقَّلة، وقال: هو حبل السفينة.

١٤٦٣٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"الجمَّل"، حبال السفن.

١٤٦٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن مبارك، عن حنظلة، عن عكرمة، عن ابن عباس:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: الحبل الغليظ.

١٤٦٤١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ" قال: هو الحبل الذي يكون على السفينة.

* *

واختُلِف عن سعيد بن جبير أيضًا في ذلك، فروي عنه روايتان إحداهما مثل الذي ذكرنا عن ابن عباس: بضم"الجيم" وتثقيل"الميم".

ذكر الرواية بذلك عنه:

١٤٦٤٢- حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا حسين المعلم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أنه قرأها:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ"، يعني قُلُوس السفن، يعني: الحبال الغلاظ. [[((القلوس)) جمع ((قلس)) ، انظر التعليق السالف.]]

* *

والأخرى منهما بضم"الجيم" وتخفيف"الميم".

ذكر الرواية بذلك عنه:

١٤٦٤٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمرو، عن سالم بن عجلان الأفطس قال، قرأت على أبي:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلَ" فقال:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَلُ" خفيفة، هو حبل السفينة = هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير.

* *

وأما عكرمة، فإنه كان يقرأ ذلك:"الْجُمَّلُ"، بضم"الجيم" وتشديد"الميم"، وبتأوّله كما:-

١٤٦٤٤- حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة، عن عيسى بن عبيد قال: سمعت عكرمة يقرأ: "الْجُمَّلُ" مثقلة، ويقول: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل.

١٤٦٤٥- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة، عن عكرمة، في قوله:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: الحبل الغليظ في خرق الإبرة. [[الأثر: ١٤٦٤٥ - ((كعب بن فروخ، أبو عبد الله البصري)) ، ثقة. مترجم في ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٦٢. وسيأتي في رقم: ١٤٦٥٠.]]

١٤٦٤٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ"، قال: حبل السفينة في سمّ الخياط.

١٤٦٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: سمعت مجاهدًا يقول: الحبل من حبال السفن.

* *

وكأنَّ من قرأ ذلك بتخفيف"الميم" وضم"الجيم"، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير، على مثال"الصُّرَد" و"الجُعَل"، وجهه إلى جماع"جملة" من الحبال جمعت"جُمَلا"، كما تجمع"الظلمة"،"ظُلَمًا"، و"الخُرْبة""خُرَبًا".

* *

وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في"الميم" ويقول: إنما أراد الراوي"الجُمَل" بالتخفيف، فلم يفهم ذلك منه فشدّده.

* *

١٤٦٤٨- وحدثت عن الفراء، عن الكسائي أنه قال: الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا.

* *

وأما من شدد"الميم" وضم"الجيم" فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد، وهو الحبل، أو الخيط الغليظ.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، ما عليه قرأة الأمصار، وهو: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ، بفتح"الجيم" و"الميم" من"الجمل" وتخفيفها، وفتح"السين" من"السم"، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار، وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القراءة.

وكذلك ذلك في فتح"السين" من قوله: ﴿سَمِّ الخياط﴾ .

* *

وإذ كان الصواب من القراءة ذلك، فتأويل الكلام: ولا يدخلون الجنة حتى يلج = و"الولوج" الدخول، من قولهم:"ولج فلان الدار يلِجُ ولوجًا"، [[انظر تفسير ((الولوج)) فيما سلف ٦: ٣٠٢، وفيه زيادة في مصادره.]] بمعنى: دخل = الجملُ في سم الإبرة، وهو ثقبها

= ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾ ، يقول: وكذلك نثيب الذين أجرَموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة. [[انظر تفسير ((الجزاء)) ، و ((الإجرام)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) (جرم) .]]

* *

وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿سم الخياط﴾ ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٤٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة وابن مهدي وسويد الكلبي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق قال: سألت الحسن عن قوله: ﴿حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ، قال: ثقب الإبرة. [[الأثر: ١٤٦٤٩ - ((سويد الكلبي)) ، هو: ((كان يقلب السانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية)) !! ووثقه النسائي وابن معين والعجلي. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ /٢ / ١٤٩، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٢٣٩.

و ((يحيى بن عتيق الطفاوي البصري)) ، ثقة، وكان ورعًا متفنًا.

مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٩٥، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٧٦.]]

١٤٦٥٠- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة، عن عكرمة: ﴿في سم الخياط﴾ ، قال: ثقب الإبرة. [[الأثر: ١٤٦٥٠ - ((كعب بن فروخ)) ، مضى برقم: ١٤٦٤٥.]]

١٤٦٥١- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، مثله.

١٤٦٥٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿في سم الخياط﴾ ، قال: جُحْر الإبرة.

١٤٦٥٣- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿في سم الخياط﴾ ، يقول: جُحْر الإبرة.

١٤٦٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿في سم الخياط﴾ ، قال: في ثقبه.

القول في تأويل قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: لهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها = ﴿من جهنم مهاد﴾ .

* *

= وهو ما امتهدوه مما يقعد عليه ويضطجع، كالفراش الذي يفرش، والبساط الذي يبسط. [[انظر تفسير ((المهاد)) فيما سلف ٤: ٢٤٦ /٦: ٢٢٩ /٧: ٤٩٤.]]

* *

= ﴿ومن فوقهم غواش﴾ .

* *

وهو جمع"غاشية"، وذلك ما غَشَّاهم فغطاهم من فوقهم.

* *

وإنما معنى الكلام: لهم من جهنم مهاد من تحتهم فُرُش، ومن فوقهم منها لُحُف، وإنهم بين ذلك.

* *

وبنحو ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٥٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ ، قال: الفراش = ﴿ومن فوقهم غواش﴾ ، قال: اللُّحُف

١٤٦٥٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ ، قال:"المهاد"، الفُرُش، و"الغواشي"، اللحف.

١٤٦٥٧- حدثني محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ ، أما"المهاد" كهيئة الفراش = و"الغواشي"، تتغشاهم من فوقهم.

* *

وأما قوله ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾ ، فإنه يقول: وكذلك نثيب ونكافئ من ظلم نفسه، فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه، وتكذيبه أنبياءه. [[انظر تفسير ((الجزاء)) و ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى) و (ظلم) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: والذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به من وحي الله وتنزيله وشرائع دينه، وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه، وتجنبوا ما نهاهم عنه [[انظر تفسير ((الصالحات)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] = ﴿لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾ ، يقول: لا نكلف نفسًا من الأعمال إلا ما يسعها فلا تحرج فيه [[انظر تفسير ((التكليف)) و ((الوسع)) فيما سلف ص: ٢٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿أولئك﴾ ، يقول: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات = ﴿أصحاب الجنة﴾ ، يقول: هم أهل الجنة الذين هم أهلها، دون غيرهم ممن كفر بالله، وعمل بسيئاتهم [[انظر تفسير ((أصحاب الجنة)) فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]] = ﴿هم فيها خالدون﴾ ، يقول [[في المطبوعة والمخطوطة: ((فيها خالدون)) ، بغير ((هم)) ، وأثبت نص التلاوة.]] هم في الجنة ماكثون، دائمٌ فيها مكثهم، [[انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة (خلد) .]] لا يخرجون منها، ولا يُسلبون نعيمها. [[في المطبوعة والمخطوطة: ((ولا يسلبون نعيمهم)) ، والسياق يقتضي ما أثبت.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وَصَف صفتهم، وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغِمْرٍ وعَداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، [[((الغمر)) (بكسر فسكون) و ((الغمر)) (بفتحتين) : الحقد الذي يغمر القلب.]] فجعلهم في الجنة إذا أدخلهموها على سُرُر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضًا على شيء خصَّ الله به بعضهم وفضّله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٥٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ ، قال: العداوة.

١٤٦٥٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن بشير، عن قتادة: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ ، قال: هي الإحَن.

١٤٦٦٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن، عن علي قال: فينا والله أهلَ بدر نزلت: ﴿وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧] .

١٤٦٦١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل قال: سمعته يقول: قال علي عليه السلام: فينا والله أهلَ بدر نزلت: ﴿وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾

١٤٦٦٢- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قال علي رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير، من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنزعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ، رضوان الله عليهم.

١٤٦٦٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار﴾ ، قال: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو"الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم"نَضْرة النعيم"، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوابعدها أبدًا.

١٤٦٦٤- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة قال، يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يقضى لبعضهم من بعض، حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقلامة ظُفُرٍ ظلمها إياه. ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض، فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحدٌ منهم أحدًا بقُلامة ظفر ظلمها إياه. [[الأثر: ١٤٦٦٤ - ((الجريري)) ، ((سعيد بن إياس الجريري)) ، مضى برقم: ١٩٦. و ((أبو نضرة)) ، هو ((المنذر بن مالك بن قطعة العبدي)) ، روى عن علي. مضى برقم: ٦٣٣٧.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، حين أدخلوا الجنة، ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته، وما صرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رُسله: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ ، يقول: الحمد لله الذي وفقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله، وصرف عذابه عنا = ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ، يقول: وما كنا لنرشد لذلك، لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنّه وطَوْله، كما:-

١٤٦٦٥- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن [أبي سعيد] قال، قال رسول الله ﷺ: كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيقولون:"لو هدانا الله"، فتكون عليهم حسرة. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار، فيقولون:"لولا أن هدانا الله"! فهذا شكرهم. [[الأثر: ١٤٦٦٥ - جاء هكذا في المخطوطة والمطبوعة: ((عن أبي سعيد)) ، يعني أبا سعيد الخدري.

وكأنه خطأ لا شك فيه، فإني لم أجد الخبر في حديث أبي سعيد، ولأن هذا الخبر معروف في حديث أبي هريرة، وبذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٨٥، فقال: ((أخرج النسائي، وابن أبي الدنيا، وابن جرير في ذكر الموت، وابن مردويه عن أبي هريرة)) ، وساق الخبر. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٧٧، فقال: ((روى النسائي وابن مردويه، واللفظ له، من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة)) ، وساق الخبر. وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠: ٣٩٩ فقال: ((عن أبي هريرة، قال قال رسول الله ﷺ)) ، وساق الخبر بنحوه من طريقين، ثم قال: ((رواه كله أحمد، ورجال الرواية الولى رجال الصحيح)) ، ولم أعرف مكانه من المسند.

فهذا كله يوشك أن يقطع بأن ما في المطبوعة والمخطوطة من قوله: ((عن أبي سعيد)) ، خطأ، صوابه: ((عن أبي هريرة)) ، ولذلك وضعته بين القوسين.]]

١٤٦٦٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا إسحاق يحدِّث عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال، ذكر عمر = لشيء لا أحفظه =، ثم ذكر الجنة فقال: يدخلون، فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان. قال: فيغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعَث أشعارهم ولا تغبرُّ أبشارهم. ويشربون من الأخرى، فيخرج كل قذًى وقذر وبأس في بطونهم. [[في المطبوعة: ((قذى وقذر أو شيء في بطونهم)) ، وفي المخطوطة: ((أوس)) ، غير منقوطة وفوقها حرف (ط) دلالة على الشك والخطأ. وأثبت الصواب من حادي الأرواح لابن القيم، والدر المنثور.]] قال، ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم: ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ ، قال: فتستقبلهم الوِلدان، فيحفّون بهم كما تحفّ الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته. [[((الحميم)) ، ذو القرابة القريب الذي تحبه وتهتم لأمره.]] ثم يأتون فيبشرون أزواجهم، فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم. فيقلن: أنت رأيته! قال: فيستخفهنَّ الفرَح، قال: فيجئن حتى يقفن على أُسْكُفَّة الباب. [[((أسكفة الباب)) (بضم الهمزة، وسكون السين، وضم الكاف، بعدها فاء مشددة مفتوحة) : عتبة الباب التي يوطأ عليها.]] قال: فيجيئون فيدخلون، فإذا أسُّ بيوتهم بِجَندل اللؤلؤ، وإذا صُرُوح صفر وخضر وحمر ومن كل لون، وسُرُر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرِابيُّ مبثوثة. فلولا أن الله قدَّرها، لالْتُمِعَتْ أبصارهم مما يرون فيها. [[((التمع الشيء)) اختلسه وذهب به. و ((التمع بصره)) باليناء بالمجهول، اختلس واختطف فلا يكاد يبصره. ويقال مثله ((التمع لونه)) ، ذهب وتغير.]] فيعانقون الأزواج، ويقعدون على السرر، ويقولون: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إذ هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ ، الآية. [[الأثر: ١٤٦٦٦ - ((عاصم بن ضمرة السلولي)) ، وثقه ابن سعد وابن المديني، والعجلي، وقال النسائي: ((ليس به بأس)) . ولكن الجوزجاني وابن عدي ضعفاه، وقال ابن أبي حاتم: ((كان رديء الحفظ، فاحش الخطأ، على أنه أحسن حالا - يعني الأعور)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٣٤٥، وميزان الاعتدال ٢: ٣.

وهذا الخبر، ذكره ابن القيم في حادي الأرواح (إعلام الموقعين) ١: ٢٣٣ مطولا، فقال: ((وقال عدي بن الجعد في الجعديات: أنبأنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال)) وليس فيه ذكر ((عمر)) .

ثم وجدت أبا جعفر قد رواه في تفسيره (٢٤: ٢٤، بولاق) ، من طريق مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، بنحوه.

ثم رواه بعد من طريق أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، عن علي، بنحوه.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥: ٣٤٢، ونسبه إلى ابن المبارك في الزهد، وعبد الرازق، وابن أبي شيبة، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبيهقي في البعث، والضياء في المختارة، ولم ينسبه لابن جرير. وساقه مطولا.

وساقه ابن كثير في تفسيره ٧: ٢٧٣، من تفسير ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، بنحوه.

وليس في هذه جميعًا ذكر ((عمر)) ، فقوله: ((قال ذكر عمر، لشيء لا أحفظه)) غريب جدًا لم أعرف تأويله، ولا ما فيه من تحريف، إلا أن يكون: ((قال غندر، لشيء لا أحفظه)) و ((غندر)) هو ((محمد بن جعفر)) الراوي عن شعبة، فيكون قوله ((قال غندر)) من قول ((محمد بن المثنى)) ، والله أعلم.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة، ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها، وهو أنّ أعداء الله في النار: والله لقد جاءتنا في الدنيا، وهؤلاء الذين في النار، رسل ربنا بالحق من الأخبار عن وعد الله أهلَ طاعته والإيمان به وبرسله، ووعيده أهلَ معاصيه والكفر به.

* *

وأما قوله: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، فإن معناه: ونادى منادٍ هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته: أنْ يا هؤلاء، هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها، أورَثكموها الله عن الذين كذبوا رسله، لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم. وذلك هو معنى قوله: ﴿بما كنتم تعملون﴾ .

* *

وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٦٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، قال: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، ودخلوا منازلهم، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم:"هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله"، ثم يقال:"يا أهل الجنة، رِثُوهم بما كنتم تعملون"، فتُقْسم بين أهل الجنة منازلهم.

١٤٦٦٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن سعد أبو داود الحفري، [عن سعيد بن بكير] ، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ ، قال: نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا، واخلُدوا فلا تموتوا، وانعموا فلا تَبْأسوا. [[الأثر: ١٤٦٦٨ - ((عمر بن سعد)) ، ((أبو داود الحفري)) ، ثقة. مضى رقم: ٨٦٣، وهو يروي عن ((سفيان الثوري)) ، ولكن جاء هنا ((سعيد بن بكير)) .

وأما ((سعيد بن بكير)) ، فهو في المطبوعة ((سعد بن بكر)) ، وأثبت ما في المخطوطة. ولست أدري من يكون؟ أو عن أي شيء هو محرف.

و ((الأغر)) هو ((الأغر)) ، أبو مسلم المدني، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه. روى عنه أبو إسحاق السبيعي، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ١ /٢ / ٤٤، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣٠٨.

وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه ١٧: ١٧٤، من طريق عبد الرازق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، مطولا، بنحوه. وسيأتي مختصرًا في الذي يليه.]]

١٤٦٦٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي سعيد: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة﴾ ، الآية، قال: ينادي منادٍ: أن لكم أنْ تصحُّوا فلا تسقموا أبدًا. [[الأثر: ١٤٦٦٩ - هذا مختصر حديث مسلم (١٧: ١٧٤) الذي خرجته في التعليق السالف.]]

* *

واختلف أهل العربية في"أنْ" التي مع"تلكم".

فقال بعض نحويي البصرة: هي"أنّ" الثقيلة، خففت وأضمر فيها، ولا يستقيم أن تجعلها الخفيفة، لأن بعدها اسمًا، والخفيفة لا تليها الأسماء، وقد قال الشاعر: [[هو الأعشى.]]

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد، قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ [[ديوانه: ٤٥، سيبويه ١: ٢٨٢، ٤٤٠، ٤٨٠ /٢: ١٢٣، أمالي ابن الشجري ٢: ٢، الإنصاف: ٨٩، والخزانة ٣: ٥٤٧ / ٤: ٣٥٦، وشرح شواهد العيني (بهامش الخزانة) ٢: ٢٨٧، وغيرها.

وهذا البيت أنشده سيبويه، وتبعه النحاة في كتبهم، وهو بيت ملفق من بيتين، يقول الأعشى في قصيدته المشهورة: إمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لا نِعَالَ لَنَا ... إِنَّا كَذَلِكَ مَا تَحْفَى ونَنْتَعِلُ

فَقَدْ أُخَالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتُهُ ... وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِلُ

وَقَدْ أَقُودُ الصِّبَا يَوْمًا فَيَتْبَعُنِي ... وَقَدْ يُصَاحِبْنِي ذُو الشِّرَّةِ الغَزِلُ

وَقَدْ غَدَوْتُ إلَى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد، قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَنْ ذِي الحِيلَة الحيَلُ

نازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتَّكِئًا ... وَقَهْوَةً مُزَّةً رَواوُوقُها خَضِلُ

لا يَسْتَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ ... إِلا بِهَاتِ، وَإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا]]

وقال آخر: [[لم أعرف قائله.]]

أُكَاشِرُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ كِلانَا ... عَلَى مَا سَاءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ [[سيبويه ١: ٤٤٠، الإنصاف لابن الأنباري: ٨٩، ١٨٣، وأمالي ابن الشجري ١: ١٨٨، وغيرها وقوله: ((أكاشره)) : أضاحكه.]]

قال: فمعناه: أنه كِلانا. قال: ويكون كقوله: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ ، في موضع"أي"؛ وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا﴾ ، [سورة الشورى: ١٣] ، ولا تكون"أن" التي تعمل في الأفعال، لأنك تقول:"غاظني أن قام"، و"أن ذهب"، فتقع على الأفعال، وإن كانت لا تعمل فيها. وفي كتاب الله: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ [سورة ص: ٦] ، أي: امشوا.

* *

وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة، فقال: غير جائز أن يكون مع"أن" في هذا الموضع"هاء" مضمرة، لأن"أن" دخلت في الكلام لتَقِيَ ما بعدها. قال:"وأن" هذه التي مع"تلكم" هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية، وليس بلفظ الحكاية، نحو:"ناديت أنك قائم،" و"أنْ زيد قائم" و"أنْ قمت"، فتلي كلَّ الكلام، وجعلت"أن" وقاية، لأن النداء يقع على ما بعده، وسلم ما بعد"أن" كما سلم ما بعد"القول". ألا ترى أنك تقول:"قلت: زيد قائم"، و"قلت: قام"، فتليها ما شئت من الكلام؟ فلما كان النداء بمعنى"الظن" وما أشبهه من"القول" سلم ما بعد"أن"، ودخلت"أن" وقاية. قال: وأما"أي"، فإنها لا تكون على"أن" لا يكون"أي" جواب الكلام، و"أن" تكفي من الاسم.

القول في تأويل قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى أهلُ الجنة أهلَ النار بعد دخولهموها: يا أهل النار، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا في الدنيا على ألسن رسله، من الثواب على الإيمان به وبهم، وعلى طاعته، فهل وجدتم ما وعدنا ربكم على ألسنتهم على الكفر به وعلى معاصيه من العقاب؟ [[انظر تفسير ((أصحاب الجنة)) و ((أصحاب النار)) فيما سلف من فهارس اللغة (صحب) .]] فأجابهم أهل النار: بأنْ نعم، قد وجدنا ما وعد ربنا حقًّا، كالذي:-

١٤٦٧٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا قالوا نعم﴾ ، قال: وجد أهل الجنة ما وُعدوا من ثواب، وأهل النار ما وُعدوا من عقاب.

١٤٦٧١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا﴾ ، وذلك أن الله وعد أهل الجنة النعيم والكرامة وكلَّ خير علمه الناس أو لم يعلموه، ووعدَ أهل النار كلَّ خزي وعذاب علمه الناس أو لم يعلموه، فذلك قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ، [سورة ص: ٥٨] . قال: فنادى أصحاب الجنة أصحابَ النار أنْ قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ قالوا: نعم. يقول: من الخزي والهوان والعذاب. قال أهل الجنة: فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا من النعيم والكرامة = ﴿فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين﴾ .

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿قالوا نعم﴾ .

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ ، بفتح العين من"نعم".

* *

ورُوِي عن بعض الكوفيين أنه قرأ:"قَالُوا نَعِمْ" بكسر"العين"، وقد أنشد بيتا لبني كلب:

نَعِمْ، إِذَا قالَهَا، مِنْهُ مُحَقَّقَةٌ ... وَلاتَخِيبُ"عَسَى" مِنْهُ وَلا قَمنُ [[لم أجد البيت، ولم أعرف قائله. ((قمن)) ، جدير. يقول: لو قال لك: ((عسى أن يكون ما تسأل)) أو: ((أنت قمن أن تنال ما تطلب)) ، فذلك منه إنفاذ منه لما تسأل، وتحقيق لما تطلب.

وكان في المطبوعة: ((ولا تجيء عسى)) ، غير ما في المخطوطة، وهو الصواب. لأنه قال إن العدة بنعم محققة، وبما أقل منها في الوعد محقق أيضًا لا يخيب معها سائله.]]

بكسر"نعم".

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا ﴿نَعَمْ﴾ بفتح"العين"، لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار، واللغة المشهورة في العرب.

* *

وأما قوله: ﴿فأذن مؤذن بينهم﴾ ، يقول: فنادى مناد، وأعلم مُعْلِمٌ بينهم = ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾ ، يقول: غضب الله وسخطه وعقوبته على مَنْ كفر به. [[انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ص: ٤١٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقد بينا القول في"أنّ" إذا صحبت من الكلام ما ضارع الحكاية، وليس بصريح الحكاية، بأنها تشددها العرب أحيانًا، وتوقع الفعل عليها فتفتحها وتخففها أحيانًا، وتعمل الفعل فيها فتنصبها به، وتبطل عملها عن الاسم الذي يليها، فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف قريبًا ص ٤٤٣ - ٤٤٥.]]

* *

وإذ كان ذلك كذلك، فسواء شُدِّدت"أن" أو خُفِّفت في القراءة، إذ كان معنى الكلام بأيّ ذلك قرأ القارئ واحدًا، وكانتا قراءتين مشهورتين في قرأة الأمصار.

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إن المؤذن بين أهل الجنة والنار يقول:"أن لعنة الله على الظالمين"، الذين كفروا بالله وصدّوا عن سبيله [[انظر تفسير ((الصد)) فيما سلف ١٠: ٥٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿ويبغونها عوجًا﴾ ، يقول: حاولوا سبيل الله = وهو دينه [[انظر تفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سبل) .]] ="أن يغيروه ويبدِّلوه عما جعله الله له من استقامته [[انظر تفسير ((بغى)) فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿وهم بالآخرة كافرون﴾ ، يقول: وهم لقيام الساعة والبعث في الآخرة والثواب والعقاب فيها جاحدون.

* *

والعرب تقول للميل في الدِّين والطريق: "عِوَج" بكسر"العين"، وفي ميل الرجل على الشيء والعطف عليه:"عاجَ إليه يَعُوج عِيَاجًا وعَوَجًا وعِوَجًا"، بالكسر من"العين" والفتح، [[انظر تفسير ((العوج)) فيما سلف ٧: ٥٣، ٥٤، ومجاز القرآن أبي عبيدة ١: ٩٨.]] كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]

قِفَا نَسْأَلْ مَنَازِلَ آلِ لَيْلى ... عَلَى عِوَجٍ إلَيْهَا وَانْثِنَاءِ [[اللسان (عوج) ، وروايته: * مَتَى عِوَجٌ إلَيْهَا وَانْثنَاءُ *

وفي المطبوعة: ((قفا نبكي)) ، وهو من سوء قراءة الناشر للمخطوطة، وصوابه ما أثبت كما في رواية اللسان أيضًا.]]

ذكر الفراء أن أبا الجرّاح أنشده إياه بكسر العين من"عوج"، فأما ما كان خلقة في الإنسان، فإنه يقال فيه:"عَوَج ساقه"، بفتح العين.

القول في تأويل قوله: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وبينهما حجاب﴾ ، وبين الجنة والنار حجاب، يقول: حاجز، وهو: السور الذي ذكره الله تعالى فقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ، [سورة الحديد: ١٣] . وهو"الأعراف" التي يقول الله فيها: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، كذلك.

١٤٦٧١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله بن رجاء عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد قال:"الأعراف"، حجاب بين الجنة والنار.

١٤٦٧٢- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وبينهما حجاب﴾ ، وهو"السور"، وهو"الأعراف".

* *

وأما قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، فإن"الأعراف" جمع، واحدها"عُرْف"، وكل مرتفع من الأرض عند العرب فهو"عُرْف"، وإنما قيل لعُرف الديك"عرف"، لارتفاعه على ما سواه من جسده، ومنه قول الشماخ بن ضرار:

وَظَلًّتْ بِأَعْرَافٍ تَغَالَى، كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وِجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ [[ديوانه: ٥٣، مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٥، ورواية ديوانه وغيره ((وظلت تغالي باليفاع كأنها)) . وهذا البيت من آخر القصيدة في صفة حمر الوحش، بعد أن عادت من رحلتها الطويلة العجيبة في طلب الماء، يقودها العير، فوصفه ووصفهن، فقال: مُحَامٍ على عَوْراتِهَا لا يَرُوعُها ... خَيَالٌ، وَلا رَامِي الوُحُوشِ المنَاهِزُ

وأصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ، نَشْزِ حَمَامةٍ، ... لَهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ بَارِزُ

وَظلَّتْ تغَالَي بِاليَفَاع.......... ... ...................................

و ((تغالي الحمر)) احتكاك بعضها ببعض.يصف ضمور حمر الوحش، كأنها رماح مائلة تستقبل مهب الرياح. وكان في المطبوعة: ((تعالى)) ، وهو خطأ. وفي المخطوطة هكذا: ((وطلت بأعراف تعالى كأنها رماح وجهه راكز)) ، صوابه ما أثبت.]] يعني بقوله:"بأعراف"، بنشوز من الأرض، ومنه قول الآخر: [[لم أعرف قائله.]]

كُلُّ كِنَازٍ لَحْمُهُ نِيَافِ ... كَالْعَلَمِ الْمُوفِي عَلَى الأعْرَافِ [[مجاز القرآن أبي عبيدة ١: ٢١٥، اللسان (نوف) ، ((الكناز)) المجتمع اللحم القوية. و ((النياف)) ، الطويل، يصف جملا. و ((العلم)) الجبل.]]

* *

وكان السدي يقول: إنما سمي"الأعراف" أعرافًا، لأن أصحابه يعرفون الناس.

١٤٦٧٢- حدثني بذلك محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٧٣- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول:"الأعراف"، هو الشيء المشرف. [[الأثر: ١٤٦٧٣ - ((عبيد الله بن أبي يزيد المكي)) ، روى عن ابن عباس، مضى برقم: ٣٧٧٨. وكان في المطبوعة ((عبيد الله بن يزيد)) ، والصواب من المخطوطة.]]

١٤٦٧٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول، مثله. [[الأثر: ١٤٦٧٤ - ((عبيد الله بن أبي يزيد)) ، المذكور آنفًا، في المطبوعة والمخطوطة هنا ((عبيد الله بن يزيد)) .]]

١٤٦٧٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور كعرف الديك.

١٤٦٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس، مثله.

١٤٦٧٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال:"الأعراف"، حجاب بين الجنة والنار، سور له باب = قال أبو موسى: وحدثني عبيد الله بن أبي يزيد: أنه سمع ابن عباس يقول: إن الأعراف تَلٌّ بين الجنة والنار، حُبس عليه ناسٌ من أهل الذنوب بين الجنة والنار. [[الأثر: ١٤٦٧٧ - ((عيسى)) ، هو ((عيسى بن ميمون المكي)) صاحب التفسير، مضى مئات من المرات، وترجم في رقم: ٢٧٨، ٣٣٤٧، وكنيته ((أبو موسى)) فهو الرواي هنا عن ((عبيد الله بن أبي يزيد)) .

وكان في المطبوعة هنا أيضًا (عبيد الله بن يزيد)) ، والصواب من المخطوطة. انظر التعليقين السالفين.]]

١٤٦٧٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:"الأعراف"،حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.

١٤٦٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار.

١٤٦٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار.

١٤٦٨١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، يعني بالأعراف: السور الذي ذكر الله في القرآن، [[هو المذكور في آية سورة الحديد: ١٣، والمذكور آنفًا في الآثار السالفة.]] وهو بين الجنة والنار.

١٤٦٨٢- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور له عُرْف كعرف الديك.

١٤٦٨٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار.

١٤٦٨٤- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثني عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول:"الأعراف"، السور الذي بين الجنة والنار.

* *

واختلف أهل التأويل في صفة الرجال الذين أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم على الأعراف، وما السبب الذي من أجله صاروا هنالك.

فقال بعضهم: هم قوم من بني آدم، استوت حسناتهم وسيئاتهم، فجعلوا هنالك إلى أن يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٨٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال، قال الشعبي: أرسل إليّ عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرَا من أصحاب الأعراف ذكرًا ليس كما ذَكَرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة، فقالا هات! فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف فقال: هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيِّئاتهم عن الجنة، فإذا صُرفت أبصارُهم تلقاء أصحاب النار قالوا:"ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين". فبينا هم كذلك، اطّلع إليهم ربك تبارك وتعالى فقال: اذهبوا وادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم. [[الأثر: ١٤٦٨٥ - ((عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي)) ، وهو ((الأعرج)) استعمله عمر بن عبد العزيز على الكوفة، وكان أبو الزناد كاتبًا له. ثقة، روى له الجماعة مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١ / ١٥، ونسب قريش: ٣٦٣.

و ((أبو الزناد)) ، ((عبد الله بن ذكوان)) مولى على قريش)) ، مضى برقم: ١١٨١٣.]]

١٤٦٨٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة، أنه سئل عن أصحاب الأعراف، قال فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلّفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوُقِفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم.

١٤٦٨٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير وعمران بن عيينة، عن حصين، عن عامر، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قومٌ كانت لهم ذنوب وحسنات، فقصرت بهم ذنوبهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فهم كذلك حتى يقضي الله بين خلقه، فينفذ فيهم أمره.

١٤٦٨٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فيقول: ادخلوا الجنة بفضلي ومغفرتي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون.

١٤٦٨٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يونس بن أبي إسحاق، عن عامر، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة.

١٤٦٩٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير، وهو يحدّث ذلك عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار. ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ، [سورة الأعراف: ٨-٩] . ثم قال: إن الميزان يخفّ بمثقال حبة ويرجح. قال: فمن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا:"سلام عليكم"، وإذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظرُوا أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٧] ، فيتعوذون بالله من منازلهم، قال: فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، وكل أمَةٍ نورًا. فإذا أتوا على الصراط سَلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، [[في المخطوطة: ((فلما رأوا أهل الجنة)) ، وهو جائز.]] قالوا: ربنا أتمم لنا نورنا". وأما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ ، فكان الطمع دخولا. قال: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من غلب وُحْدَانُه أعشارَه. [[الأثر: ١٤٦٩٠ - ((أبو بكر الهذلي)) ، ليس بثقة، ولا يحتج بحديثه. وقال غندر: ((كان إمامنا، وكان يكذب)) . مضى برقم: ٥٩٧، ٨٣٧٦، ١٣٠٥٤، ١٤٣٩٨

غندر: ((كان إمامنا، وكان يكذب)) . مضى برقم: ٥٩٧، ٨٣٧٦، ١٣٠٥٤، ١٤٣٩٨.

و ((الوحدان)) بضم الواو، جمع ((واحد)) . و ((واحد)) . و ((الأعشار)) جمع ((عشر)) .]]

١٤٦٩١- حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع قال، أخبرني ابن وهب قال، أخبرني عيسى الحنّاط، عن الشعبي، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار، وهم آخر من يدخل الجنة، قد عرَفوا أهل الجنة وأهل النار. [[الأثر: ١٤٦٩١ - ((الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني)) ، ((أبو همام)) ، شيخ الطبري، تكلموا فيه، وقال ابن معين: ((لا بأس به، ليس هو ممن يكذب)) ، وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه ولا يحتج به)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٧.

و ((عيسى الحناط)) ، هو ((عيسى بن أبي عيسى الحناط الغفاري)) ، وهو ((عيسى بن ميسرة)) ضعيف مضطرب الحديث لا يكتب حديثه. وكان ((خباطًا)) ، ثم ترك ذلك وصار ((حناطًا)) ، ثم ترك ذلك وصار يبيع الخيط. قال ابن سعد: ((كان يقول: أنا خباط، حناط، خياط، كلا قد عالجت)) . وكان في المطبوعة هنا ((الخياط)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وإن كان صوابًا ما في المطبوعة.

مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٨٩.]]

١٤٦٩٢- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام، عن قتادة قال: قال ابن عباس: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم.

١٤٦٩٣- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال:"الأعراف"، سور بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بَدَا لله أن يعافيهم، انْطُلِق بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، [[في ابن كثير ٣: ٤٨١ ((يقال له نهر الحياة)) . وانظر الأثر التالي. و ((قصب الذهب)) ، أنابيب من الذهب، مجوفة مستطيلة. وفي المطبوعة هنا وفيما يلي ((قضب)) ، بالضاد.]] حافتاه قَصَبُ الذهب، مكلَّل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه حتى تصلح ألوانهم، ويبدو في نحورهم شامَةٌ بيضاء يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم، أتى بهم الرحمنُ فقال: تمنوا ما شئتم! قال: فيتمنون، حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم: لكم الذي تمنيتم ومثله سبعين مرة! فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمَّون مساكين الجنة. [[الأثر: ١٤٦٩٣ - سيرويه موقوفًا على عبد الله بن الحارث في الأثر التالي، قال ابن كثير بعد أن ذكر الخبرين: ((وعن عبد الله بن الحارث من قوله، وهذا أصح)) ، التفسير ٣: ٤٨٢.]]

١٤٦٩٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، يؤمر بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، ترابه الوَرْس والزعفران، وحافتاه قَصَبُ اللؤلؤ = قال: وأحسبه قال: مكلل باللؤلؤ = وقال: فيغتسلون فيه، فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، فيقال لهم: تمنوا! فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا! وإنهم مساكين أهل الجنة = قال حبيب: وحدثني رجل: أنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

١٤٦٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث قال: أصحاب الأعراف، ينتهى بهم إلى نهر يقال له:"الحياة"، حافتاه قَصَب من ذهب = قال سفيان: أراه قال: مكلل باللؤلؤ = قال: فيغتسلون منه اغتسالةً فتبدو في نحورهم شامة بيضاء، ثم يعودون فيغتسلون، فيزدادون. فكلما اغتسلوا ازدادت بياضًا، فيقال لهم: تمنوا ما شئتم! فيتمنون ما شاءوا، فيقال لهم: لكم ما تمنيتم وسبعون ضعفًا! قال: فهم مساكين أهل الجنة.

١٤٦٩٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن حصين، عن الشعبي، عن حذيفة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم على سور بين الجنة والنار: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ .

١٤٦٩٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان ابن عباس يقول:"الأعراف"، بين الجنة والنار، حبس عليه أقوام بأعمالهم. وكان يقول: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم تزد حسناتهم على سيئاتهم، ولا سيئاتهم على حسناتهم.

١٤٦٩٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال، قال ابن عباس: أهل الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

١٤٦٩٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

١٤٧٠٠-. . . . وقال، حدثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أصحاب الأعراف، استوت أعمالهم.

١٤٧٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوُقِفوا هنالك على السور.

١٤٧٠٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سفيع، أو سميع = قال أبو جعفر: كذا وجدت في كتاب سفيع [[في المخطوطة: ((كتابي)) ثم ضرب على ((بي)) ، وكتب بعدها ((ب)) ، وأخشى أن يكون الذي ضرب عليه الناسخ هو الصواب.]] =، عن أبي علقمة قال: أصحاب الأعراف، قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. [[الأثر: ١٤٧٠٢ - ((سفيع)) ، لم أجد من ذكره.

وأما ((سميع)) الراوي عن ابن عباس، فهو ((سميع الزيات)) ((أبو صالح)) ، ثقة مترجم في الكبير ٢ /٢ / ١٩٠، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٠٥.]]

* *

وقال آخرون: كانوا قتلوا في سبيل الله عصاة لآبائهم في الدنيا.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن أبي مسعر، عن شرحبيل بن سعد قال: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم.

١٤٧٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني خالد، عن سعيد، عن يحيى بن شبل: أن رجلا من بني النضير أخبره، عن رجل من بني هلال: أن أباه أخبره: أنه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم غزوا في سبيل الله عصاةً لآبائهم، فقتلوا، فأعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله، وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة. [[الأثر: ١٤٧٠٤ - ((يحيى بن شبل)) ، ((مولى بني هاشم)) لم أعرف حاله، ترجم له ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٥٧، ولم يذكر فيه جرحًا، والبخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٢٨٢، وذكره في التهذيب إلحاقًا فقال: ((ولهم بن شبل شيخ آخر مدني، أقدم من هذا، يروي عنه أبو معشر حديثًا في أصحاب الأعراف))

واقتصر البخاري على أنه يروي عنه سعيد بن أبي هلال. وأما ابن أبي حاتم، فذكر أنه روى عن ((عمر بن عبد الرحمن المزني، وعن جده بن حسين (؟؟) عن علي رضي الله عنه)) ثم قال: ((روى عنه سعيد بن أبي هلال، وعبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، وأبو معشر، وموسى بن عبيدة الربذي، وابن أبي سبرة)) .

وزادنا أبو جعفر في الأثر التالي أنه ((مولى بني هاشم)) ، ولم أجد لذلك ذكرًا في الكتب التي بأيدينا.

وهذا خبر ضعيف، لما فيه من المجاهيل، ولأن ((أبا معشر)) نفسه، قد تكلموا فيه، وضعفوه. وانظر التعليق على الأثر التالي، ففيه التخريج.]]

١٤٧٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن أبي معشر، عن يحيى بن شبل مولى بني هاشم، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف، فقال: قوم قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم قتلهم في سبيل الله عن النار، ومنعتهم معصية آبائهم أن يدخلوا الجنة. [[الأثر: ١٤٧٠٥ - ((يحيى بن شبل، مولى بني هاشم)) ، انظر الأثر السالف.

و ((محمد بن عبد الرحمن المزني)) ، لم أجد له ترجمة مفردة، ويقال أيضًا ((عمر بن الرحمن المزني)) ، ويقال: ((عمرو بن عبد الرحمن)) ، إن صلح ما في ترجمة أبيه في أسد الغابة.

وأبوه ((عبد الرحمن المزني)) ، ويقال ((عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن)) ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: ((وقد قيل: اسم أبيه محمد، وهو الصواب إن شاء الله)) .

وترجم له ابن عبد البر في الاستيعاب: ٣٩٩، وابن الأثير في أسد الغابة في موضعين ٣: ٣٠٧، ٣٢٢، وابن حجر في الإصابة في موضعين: في ((عبد الرحمن بن أبي الهلالي)) وفي ((عبد الرحمن المزني)) ، ولم يشر إلى ذلك في واحدة من الترجمتين، وهو عجيب!! واختلفوا في تسمية ولده، فقال ابن حجر: ((والد عمر، ويقال: والد محمد)) ، وقال ابن عبد البر: ((وله ولد آخر يقال له: ((عبد الرحمن)) . أما ابن الأثير، ففيه أن ولده ((عمرو)) ، وان كنية ((عبد الرحمن المزني)) هو ((أبو عمرو)) .

وأما قوله في الأثر السالف: ((أن رجلا من بني النضير)) ، فهكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، وفي المراجع الأخرى: ((أن رجلا من بني نضر)) ، ولا أدري أهو بالضاد المعجمة أم الصاد المهملة. وأما ((عن رجل من بني هلال)) فكأنه يعني من ((بني هلال بن رئاب)) من ((بني عمرو بن أد)) ، وهم مزينة، ومن بني هلال بن رئاب ((إياس بن معاوية المزني)) القاضي المشهور. انظر جمهرة الأنساب لابن حزم: ١٩٢. ويدل على ذلك ان ابن حجر ترجم له في ((عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن الهلالي)) وفي ((عبد الرحمن المزني)) ، وذكر فيهما حديثه في الأعراف.

وهذا الخبر ذكروه جميعًا من طرق مختلفة، وكلها مضطرب، وقد جمع الكلام فيه الحافظ ابن حجر في الإصابة في الموضعين، ولكنه لم يستوفه.

ومهما يكن من شيء، فهو حديث ضعيف لضعف أبي معشر، ولما يحيط به من الجهالة كما أسلفت في التعليق على الأثر السالف.]]

* *

وقال آخرون: بل هم قوم صالحون فقهاء علماء.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٠٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف، قوم صالحون فقهاء علماء.

* *

وقال آخرون: بل هم ملائكة وليسوا ببني آدم.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٠٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي مجلز قوله: ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: هم رجال من الملائكة، يعرفون أهل الجنة وأهل النار، قال: ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم﴾ ، إلى قوله: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ ، قال: فنادى أصحاب الأعراف رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة﴾ ، قال: فهذا حين دخل أهل الجنة الجنة: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ .

١٤٧٠٨- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عمران قال: قلت لأبي مجلز: يقول الله: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، وتزعم أنتَ أنهم الملائكة؟ قال فقال: إنهم ذكور، وليسوا بإناث.

١٤٧٠٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، قال: رجال من الملائكة، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم، أهل النار وأهل الجنة، وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة.

١٤٧١٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن التيمي، عن أبي مجلز، بنحوه.

١٤٧١١-. . . . وقال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن التيمي، عن أبي مجلز قال: أصحاب الأعراف، الملائكة.

١٤٧١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا يعلى بن أسد قال، حدثنا خالد قال، أخبرنا التيمي، عن أبي مجلز: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، قال: هم الملائكة.

١٤٧١٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ، قال: هم الملائكة. قلت: يا أبا مجلز، يقول الله تبارك وتعالى:"رجال"، وأنت تقول: ملائكة؟ قال: إنهم ذُكران ليسوا بإناث.

١٤٧١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز في قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: الملائكة. قال قلت: يقول الله"رجال"؟ قال: الملائكة ذكور. [[في المخطوطة: ((الملائكة)) دون صفتهم ((ذكور)) ، كأنه قطع الكلام بالإثبات. وإن كان يخشى أيضًا أن يكون الناسخ أسقط ما ثبت في المطبوعة.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كُلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده،ولا أنه متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة.

فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسًا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن"الرجال" اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيِّنًا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قولٌ لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع مَنْ قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها، وقد:-

١٤٧١٥- حدثني القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال، سئل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال:"هم آخر مَنْ يفصل بينهم من العباد، وإذا فرغ ربُّ العالمين من فصله بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلكم الجنة، وأنتم عُتَقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم. [[الأثر: ١٤٧١٥ - ((عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي، روى له الجماعة، مضى برقم: ١٤٢٠٣، ١٤٢٠٩.

و ((أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي)) ، ثقة، روى له الجماعة مضى كثيراص، آخرها أيضًا رقم: ١٤٢٠٣، ١٤٢٠٩. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((أبو زرعة، عن عمرو بن جرير)) ، وهو خطأ.

وهذا خبر مرسل حسن، خرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ٨٧، وزاد إلى ابن المنذر. ذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٨٢.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وعلى الأعراف رجال يعرفون أهل الجنة بسيماهم، وذلك بياض وجوههم، ونضرةُ النعيم عليها = ويعرفون أهل النار كذلك بسيماهم، وذلك سواد وجوههم، وزرقة أعينهم، فإذا رأوا أهل الجنة نادوهم:"سلام عليكم".

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧١٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: يعرفون أهل النار بسواد الوجوه، وأهل الجنة ببياض الوجوه.

١٤٧١٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: أنزلهم الله بتلك المنزلة، ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه، ويتعوَّذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم في ذلك يحيّون أهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله.

١٤٧١٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بسيماهم﴾ ، قال: بسواد الوجوه، وزُرقة العيون.

١٤٧١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، الكفار بسواد الوجوه وزرقة العيون، وسيما أهل الجنة مبيَضَّة وجوههم.

١٤٧٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أصحاب الأعراف إذا رأوا أصحاب الجنة عرَفوهم ببياض الوجوه، وإذا رأوا أصحاب النار عرفوهم بسواد الوجوه.

١٤٧٢١- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف رجال كانت لهم ذنوبٌ عِظام، وكان حَسْمُ أمرهم لله، فأقيموا ذلك المقام، إذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، فقالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ ، وإذا نظروا إلى أهل الجنة عرفوهم ببياض الوجوه، فذلك قوله: ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ .

١٤٧٢٢- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، زعموا أن أصحاب الأعراف رجال من أهل الذنوب، أصابوا ذنوبًا، وكان حَسْم أمرهم لله، فجعلهم الله على الأعراف. فإذا نظروا إلى أهل النار عرفوهم بسواد الوجوه، فتعوذوا بالله من النار. وإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم:"أن سلام عليكم"، قال الله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ . قال: وهذا قول ابن عباس.

١٤٧٢٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، يعرفون الناس بسيماهم، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم.

١٤٧٢٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، يعرفون أهل النار بسواد وجوههم، وأهل الجنة ببياض وجوههم.

١٤٧٢٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: أهل الجنة بسيماهم. بيض الوجوه = وأهل النار بسيماهم، سود الوجوه. قال: وقوله ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: أصحاب الجنة وأصحاب النار ="ونادوا أصحاب الجنة"، قال: حين رأوا وجوههم قد ابيضت.

١٤٧٢٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾ ، قال: بسواد الوجوه.

١٤٧٢٧- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن مبارك، عن الحسن: ﴿بسيماهم﴾ ، قال: بسواد الوجوه وزرقة العيون.

* *

و"السيماء"، العلامة الدالة على الشيء، في كلام العرب. وأصله من"السِّمَة"، نقلت واوها التي هي فاء الفعل، إلى موضع العين، كما يقال:"اضمحلّ" و"امضحلّ". وذكر سماعًا عن بعض بني عقيل:"هي أرض خامة"، يعني"وَخِمة". ومنه قولهم:"له جاه عند الناس"، بمعنى"وجه"، نقلت واوه إلى موضع عين الفعل. [[انظر ((جاه)) فيما سلف ٦: ٤١٥.]] وفيها لغات ثلاث:"سيما" مقصورة، و"سيماء"، ممدودة، و"سيمياء"، بزيادة ياء أخرى بعد الميم فيها، ومدها، على مثال"الكبرياء"، [[انظر تفسير ((سيما)) فيما سلف ٥: ٥٩٤ - ٥٩٧ /٧: ١٨٩، ١٩٠.]] كما قال الشاعر: [[هو أسيد بن عنقاء الفزاري.]]

غُلامٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ إذْ رَمَى ... لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ [[سلف البيت وتخريجه فيما سلف ٥: ٥٩٥ /٧: ١٨٩.]]

* *

وأما قوله: ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، أي: حلت عليهم أمنة الله من عقابه وأليم عذابه. [[انظر تفسير ((سلام)) فيما سلف ص: ١١٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ .

فقال بعضهم: هذا خبر من الله عن أهل الأعراف: أنهم قالوا لأهل الجنة ما قالوا قبل دخول أصحاب الأعراف، غير أنهم قالوه وهم يطمعون في دخولها.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٢٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أهل الأعراف يعرفون الناسَ، فإذا مرُّوا عليهم بزُمْرة يُذْهب بها إلى الجنة قالوا:"سلام عليكم". يقول الله لأهل الأعراف: لم يدخلوها، وهم يطمعون أن يدخلوها.

١٤٧٢٩- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال، تلا الحسن: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، قال: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم، إلا لكرامة يريدها بهم.

١٤٧٣٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، قال: أنبأكم الله بمكانهم من الطمع.

١٤٧٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال، قال سعيد بن جبير، وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود قال: أما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم، فانتزع من أيديهم، [[في المطبوعة: ((ما انتزع)) ، والصواب من المخطوطة.]] يقول الله: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، قال: في دخولها. قال ابن عباس: فأدخل الله أصحاب الأعراف الجنة.

١٤٧٣٢- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعطاء: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، قالا في دخولها.

* *

وقال آخرون: إنما عني بذلك أهلَ الجنة، وأن أصحاب الأعراف يقولون لهم قبل أن يدخلوا الجنة:"سلام عليكم"، وأهل الجنة يطمعون أن يدخلوها، ولم يدخلوها بعدُ.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٣٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ ، قال: الملائكة، يعرفون الفريقين جميعًا بسيماهم. وهذا قبل أن يدخل أهل الجنة الجنة، أصحاب الأعراف ينادون أصحابَ الجنة: أنْ سلام عليكم، لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا صرفت أبصارُ أصحاب الأعراف تلقاء أصحاب النار = يعني: حِيالَهم ووِجاههم = فنظروا إلى تشويه الله لهم = ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ ، الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها من سخطك ما أورثهم من عذابك ما هم فيه.

١٤٧٣٤- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: وإذا مروا بهم = يعني بأصحاب الأعراف = بزمرة يُذهب بها إلى النار، قالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ .

١٤٧٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار وعرفوهم، قالوا: ﴿ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ .

١٤٧٣٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي مكين، عن أخيه، عن عكرمة: ﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار﴾ ، قال: تحرد وجوههم للنار، فإذا رأوا أهل الجنة ذهبَ ذلك عنهم. [[الأثر: ١٤٧٣٦ - ((أبو مكين)) ، هو ((نوح بن ربيعة الأنصاري)) ، مضى برقم: ٩٧٤٢ - ٩٨٣٩. وكان وكيع يهم فيقول: ((أبو مكين)) هو ((نوح بن أبان)) ، أخو ((الحكم بن أبان)) ، ونبهوا على هذا الوهم. انظر ترجمة ((نوح بن ربيعة)) في التهذيب وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٨٢.

وأخوه، يعني وكيع: ((الحكم بن أبان العدني)) ، وهو يروي عن طاوس وعكرمة، ثقة مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٣٣٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /١١٣.]]

١٤٧٣٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، ابن زيد في قوله: ﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار﴾ ، فرأوا وجوههم مسودّة، وأعينهم مزرقّة، = ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ .

القول في تأويل قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا﴾ ، من أهل الأرض = ﴿يعرفونهم بسيماهم﴾ ، سيما أهل النار = ﴿قالوا ما أغنى عنكم جمعكم﴾ ، ما كنتم تجمعون من الأموال والعَدَد في الدنيا = ﴿وما كنتم تستكبرون﴾ ، يقول: وتكبُّركم الذي كنتم تتكبرون فيها، [[انظر تفسير ((الاستكبار)) فيما سلف ١١: ٥٤٠ / ١٢: ٤٢١.]] كما:

١٤٧٣٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، فمرّ بهم = يعني بأصحاب الأعراف = ناس من الجبَّارين عرفوهم بسيماهم. قال: يقول: قال أصحاب الأعراف: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾ .

١٤٧٣٩- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا﴾ ، قال: في النار = (يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم

وما كنتم تستكبرون) ، وتكبركم. [[في المطبوعة: (( ... جميعكم وتكبركم وما كنتم تستكبرون)) ، وهو كذلك في المخطوطة، إلا أنه فوق ((وتكبركم)) حرف (م) دلالة على أنه مقدم عن مكانه، فرددته إلى الأصل، وهو الصواب.]]

١٤٧٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾ ، قال: هذا حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ، = ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة﴾ ، الآية، قلت لأبي مجلز: عن ابن عباس؟ قال: لا بل عن غيره.

١٤٧٤١- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم﴾ ، قال: نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم = ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة﴾ ، قال: هذا حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ = ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ .

١٤٧٤٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم﴾ ، فالرجال، عظماء من أهل الدنيا. قال: فبهذه الصفة عرَف أهلُ الأعراف أهلَ الجنة من أهل النار. وإنما ذكر هذا حين يذهب رئيس أهل الخير ورئيس أهل الشر يوم القيامة = قال: وقال ابن زيد في قوله: ﴿ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾ ، قال: على أهل طاعة الله.

القول في تأويل قوله: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بهذا الكلام.

فقال بعضهم: هذا قِيل الله لأهل النار، توبيخًا على ما كان من قِيلهم في الدنيا، لأهل الأعراف، عند إدخاله أصحابَ الأعراف الجنة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال:"أصحاب الأعراف"، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حَسْم أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها. وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة. فذلك قوله تعالى:"أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، يعني أصحابَ الأعراف="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك قال، قال ابن عباس: إن الله أدخل أصحابَ الأعراف الجنة لقوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قال الله لأهل التكبر والأموال:"أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، يعني أصحاب الأعراف="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أهؤلاء"، الضعفاء="الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، قال: فقال حذيفة:"أصحاب الأعراف"، قوم تكافأت أعمالهم، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم. فلما قُضِي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم عليه السلام، فقالوا: يا آدم، أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك! فقال: هل تعلمون أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، [[في المطبوعة: "رحمة الله إليه غضبه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وسجدت له الملائكة، غيري؟ فيقولون: لا! قال: فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [["كنه الشيء" قدره ونهايته وغايته وحقيقته، يريد: ما عملت ما يبلغ بي مرتبة الشفاعة لكم. وفي المطبوعة: "ما علمت"، وأثبت ما في المخطوطة. وفي تفسير ابن كثير، نقلا عن هذا الموضع من التفسير: "ما علمت كنهه ما أستطيع"، والصواب ما في مخطوطة الطبري.]] ولكن ائتوا ابني إبراهيم! قال: فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون من أحدٍ اتخذه الله خليلا؟ هل تعلمون أحدًا أحرقه قومه في النار في الله، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: ما عملت كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [[في المطبوعة هنا أيضًا: "ما علمت"، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المخطوطة: "ما عملت فيه ما أستطيع"، بإسقاط"كنه" سهوًا من الناسخ على الأرجح.]] ولكن ائتوا ابني موسى! فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا، وقرّبه نجيًّا، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى! فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك! فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا! قال: فيقول: أنا حجيجُ نفسي، ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [[في المطبوعة: "ما علمت كنه ما أستطيع"، وأثبت ما في المخطوطة، كما ذكرت في التعليقين السالفين.]] ولكن ائتوا محمدًا رسول الله ﷺ! قال رسول الله ﷺ: فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها! ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قطُّ، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع! فأرفع رأسي فأقول: رب، أمتي! فيقال: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرَّب إلا غَبَطني يومئذ بذلك المقام، وهو المقام المحمود. قال: فآتي بهم باب الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له"نهر الحيوان"، [[في المطبوعة: "نهر الحياة"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو المطابق لما في تفسير ابن كثير.]] حافتاه قَصَب من ذهب مكلل باللؤلؤ، [["القصب" أنابيب مستطيلة مجوفة من الجوهر، أو الذهب أو الفضة. وكان في المطبوعة كما سلف آنفًا ص: ٤٥٥، تعليق: ١، "قضب" بالضاد، وأثبت ما في المخطوطة، وغيرها من المراجع]] ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، [[في المخطوطة: "وريح"، بإسقاط"أهل الجنة". وفي المطبوعة: "وريحهم"، وأثبت ما في تفسير ابن كثير ٣: ٤٨٥، نقلا عن هذا الموضع من تفسير الطبري.]] ويصيرون كأنهم الكواكب الدرّية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم:"مساكين أهل الجنة".

١٤٧٤٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة، وهو قوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس، ومن ذكرنا قوله فيه=: قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله، والإذعان لطاعته وطاعة رسله، الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة كانوا في الدنيا، [[في المطبوعة: "أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا"، زاد"الذين"، وليست في المخطوطة، والذي في المخطوطة حق الصواب.]] أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ قال: قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم.

* *

وقال أبو مجلز: بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار، بعد ما دخلوا النار، تعييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته. وأما قوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها.

١٤٧٤٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز قال: نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم:"ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، قال: فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنةَ ="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

القول في تأويل قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة، عند نزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع، عقوبةً من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله، وأداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين من الزكاة والصدقة.

يقول تعالى ذكره:"ونادى أصحاب النار"، بعد ما دخلوها="أصحاب الجنة"، بعد ما سكنوها="أن"، يا أهل الجنة="أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، أي: أطعمونا مما رزقكم الله من الطعام، كما:-

١٤٧٤٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، قال: من الطعام.

١٤٧٥٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، قال: يستطعمونهم ويستسقونهم.

* *

= فأجابهم أهل الجنة، إن الله حرم الماء والطعام على الذين جحدوا توحيده، وكذبوا في الدنيا رسله.

* *

و"الهاء والميم" في قوله:"إن الله حرّمهما"، عائدتان على"الماء" وعلى"ما" التي في قوله:"أو مما رزقكم الله".

* *

وبنحو ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٥١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، قال: ينادي الرجلُ أخاه أو أباه، فيقول:"قد احترقت، أفض عليَّ من الماء! "، فيقال لهم: أجيبوهم! فيقولون:"إن الله حرمهما على الكافرين"

١٤٧٥٢ - وحدثني المثنى قال، حدثنا ابن دكين قال، حدثنا سفيان، عن عثمان، عن سعيد بن جبير:"ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله"، قال: ينادي الرجل أخاه: يا أخي، قد احترقتُ فأغثني! فيقول:"إن الله حرمهما على الكافرين". [[الأثر: ١٤٧٥٢ -"ابن دكين"، هو"الفضل بن دكين التيمي"، مضى مرارًا، منها: ٢٥٥٤، ٣٠٣٥، ٨٥٣٥.]]

١٤٧٥٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قالوا إن الله حرمهما على الكافرين"، قال: طعامُ أهل الجنة وشرابُها.

القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عن قِيل أهل الجنة للكافرين.

يقول تعالى ذكره: فأجاب أهلُ الجنة أهلَ النار:"إن الله حرمهما على الكافرين" الذين كفروا بالله ورسله، الذين اتخذوا دينهم الذي أمرهم الله به لهوًا ولعبا، يقول: سخرية ولعبًا. [[انظر تفسير"اللهو" فيما سلف ١١: ٤٤١.

= وتفسير"اللعب" فيما سلف ١١: ٤٤١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

وروي عن ابن عباس في ذلك ما:-

١٤٧٥٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:"الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا"، الآية، قال: وذلك أنهم كانوا إذا دُعوا إلى الإيمان سخِروا ممن دعاهم إليه وهزؤوا به، اغترارًا بالله.

* *

="وغرتهم الحياة الدنيا"، يقول: وخدعهم عاجلُ ما هم فيه من العيش والخفض والدَّعة، عن الأخذ بنصيبهم من الآخرة، حتى أتتهم المنية [[انظر تفسير"الغرور" فيما سلف ص: ٣٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = يقول الله جل ثناؤه:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"، أي ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة ="ننساهم"، يقول: نتركهم في العذاب المبين جياعًا عطاشًا بغير طعام ولا شراب، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب أبدانهم في طاعة الله.

* *

وقد بينا معنى قوله:"ننساهم"، بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"النسيان" فيما سلف ١١: ٣٥٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد: "فاليوم ننساهم"، قال: نسوا في العذاب.

١٤٧٥٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فاليوم ننساهم"، قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا.

١٤٧٥٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"ننساهم"، قال: نتركهم في النار.

١٤٧٥٨ - حدثني المثتي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"، قال: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا.

١٤٧٥٩ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"، الآية، يقول: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشرّ.

١٤٧٦٠ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا في قوله:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"، قال: نؤخرهم في النار.

* *

وأما قوله:"وما كانوا بآياتنا يجحدون"، فإن معناه:"اليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"، وكما كانوا بآياتنا يجحدون.

* *

فـ"ما" التي في قوله:"وما كانوا" معطوفة على"ما" التي في قوله:"كما نسوا".

* *

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاليوم نتركهم في العذاب، كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما كانوا بآيات الله يجحدون = وهي حججه التي احتج بها عليهم، من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك [[انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]]

="يجحدون"، يكذبون ولا يصدقون بشيء من ذلك. [[انظر تفسير"الجحد" فيما سلف ١١: ٣٣٤.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أقسم، يا محمد، لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب = يعني القرآن الذي أنزله إليه. يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن، مفصَّلا مبيَّنًا فيه الحق من الباطل ="على علم"، يقول: على علم منا بحقِّ ما فُصِّل فيه، من الباطل الذي مَيَّز فيه بينه وبين الحق [[انظر تفسير"التفصيل" فيما سلف ص: ٤٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = "هدى ورحمة"، يقول: بيناه ليُهْدَى ويُرْحَم به قومٌ يصدقون به، وبما فيه من أمر الله ونهيه، وأخباره، ووعده ووعيده، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى.

وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف ٢] ="ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم".

* *

و"الهدى" في موضع نصب على القطع من"الهاء" التي في قوله:"فصلناه"، [["القطع"، الحال، وانظر فهارس المصطلحات.]] ولو نصب على فعل"فصلناه"، [[نصبه على"الفعل"، أي: هو مفعول مطلق، من غير فعله، كأنه قال: فصلناه تفصيلا.]] فيكون المعنى: فصلنا الكتاب كذلك = كان صحيحًا.

ولو قرئ:"هدى ورحمةٍ" كان في الإعراب فصيحًا، وكان خفض ذلك بالردِّ على"الكتاب". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٠.]]

القول في تأويل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره:"هل ينظرون إلا تأويله"، هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله ويجحدون لقاءه ="إلا تأويله"، يقول: إلا ما يؤول إليه أمرهم، من ورودهم على عذاب الله، وصِلِيِّهم جحيمه، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به.

* *

وقد بينا معنى"التأويل" فيما مضى بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"التأويل" فيما سلف ٦: ١٩٩ - ٢٠٦/ ٨: ٥٠٦.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٦١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"هل ينظرون إلا تأويله"، أي: ثوابه ="يوم يأتي تأويله"، أي ثوابه.

١٤٧٦٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة:"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله"، قال:"تأويله"، عاقبته.

١٤٧٦٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح: عن مجاهد،"هل ينظرون إلا تأويله"، قال: جزاءه ="يوم يأتي تأويله"، قال: جزاؤه.

١٤٧٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٤٧٦٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"هل ينظرون إلا تأويله"، أما"تأويله"، فعواقبه، مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيها من موعد. [[في المطبوعة: "وما وعد فيه" وأثبت ما في المخطوطة.]]

١٤٧٦٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق"، فلا يزال يقع من تأويله أمرٌ بعد أمر، حتى يتم تأويله يوم القيامة، ففي ذلك أنزل:"هل ينظرون إلا تأويله"، حيث أثابَ الله تبارك وتعالى أولياءَه وأعداءه ثواب أعمالهم. يقول يومئذ الذين نسوه من قبل:"قد جاءت رسل ربنا بالحق"، الآية.

١٤٧٦٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله"، قال: يوم القيامة.

١٤٧٦٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يوم يأتي تأويله"، قال: يوم يأتي حقيقته، [[في المطبوعة: "يوم يأتي تحقيقه" وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.]] وقرأ قول الله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ ، [سورة يوسف: ١٠٠] . قال: هذا تحقيقها. وقرأ قول الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾

، [سورة آل عمران: ٧] ، قال: ما يعلم حقيقته ومتى يأتي، إلا الله تعالى

* *

وأما قوله:"يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل"، فإن معناه: يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله ="يقول الذين نسوه من قبل"، أي: يقول الذين ضيَّعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذ من العذاب، من قبل ذلك في الدنيا ="لقد جاءت رسل ربنا بالحق"، أقسم المساكين حين عاينوا البلاءَ وحلّ بهم العقاب: أنّ رسل الله التي أتتهم بالنِّذارة وبلغتهم عن الله الرسالة، [["النذارة" بكسر النون، كالإنذار، على وزن"الرسالة"، وانظر ما كتبته آنفًا ١٠: ٥٧٥، تعليق: ٢.]] قد كانت نصحت لهم وصَدَقتهم عن الله، وذلك حين لا ينفعهم التصديق. ولا ينجيهم من سَخَط الله وأليم عقابه كثرة القال والقيل.

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٦٩ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق"، أما"الذين نسوه"، فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم، استيقنوا فقالوا:"قد جاءت رسل ربنا بالحق".

١٤٧٧٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"يقول الذين نسوه"، قال: أعرضوا عنه.

١٤٧٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم، أنهم يقولون عند حلول سَخَط الله بهم، وورودهم أليمَ عذابه، ومعاينتهم تأويل ما كانت رسلُ الله تعِدهم: هل لنا من أصدقاءَ وأولياء اليوم فيشفعوا لنا عند ربنا، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حلّ بنا من سوء فعالنا في الدنيا [[انظر تفسير"الشفاعة" فيما سلف ١١: ٥٤٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = أو نردّ إلى الدنيا مرة أخرى، فنعمل فيها بما يرضيه ويُعْتِبُه من أنفسنا؟ [["أعتبه من نفسه"، أعطاه العتبى - وهي الرضا - ورجع إلى مسرته.]] قال هذا القولَ المساكينُ هنالك، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم، فيذكروا ذلك في وقت لا خُلة فيه لهم ولا شفاعة.

يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه:"قد خسروا أنفسهم"، [[انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف ص: ٣٥٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] يقول: غَبَنوا أنفسهم حظوظها، ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرة الدائم، بالخسيس من عَرَض الدنيا الزائل ="وضل عنهم ما كانوا يفترون"، يقول: وأسلمهم لعذاب الله، وحار عنهم أولياؤهم، [[في المطبوعة: "وحاد" بالدال، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) .]] ويزعمون كذبًا وافتراء أنهم أربابهم من دون الله. [[انظر تفسير"الافتراء" فيما سلف ص: ٤٠٨ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

١٤٧٧٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"قد خسروا أنفسهم"، يقول: شروها بخسران.

* *

وإنما رفع قوله:"أو نردُّ" ولم ينصب عطفًا على قوله:"فيشفعوا لنا"، لأن المعنى: هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا = أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل؟ = ولم يرد به العطف على قوله:" فيشفعوا لنا". [[في المخطوطة خلط وتكرار في هذه الجملة، وصوابها ما في المطبوعة. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٠.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم، أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء [[انظر تفسير"الرب" فيما سلف ١: ١٤٢- ١٤٣/ ١٢: ٢٨٦.]] ="الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام"، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، كما:-

١٤٧٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد قال: بدءُ الخلق العرشُ والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وجُمع الخلق في يوم الجمعة، وتهوَّدت اليهودُ يوم السبت. ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون.

* *

="ثم استوى على العرش".

* *

وقد ذكرنا معنى"الاستواء" واختلاف الناس فيه، فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير"الاستواء" فيما سلف ١: ٤٢٨- ٤٣١.]]

* *

وأما قوله:"يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا"، فإنه يقول: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب نضرته ونوره [[انظر تفسير"الغشاوة" فيما سلف ١: ٢٦٥، ٢٦٦.]] =" يطلبه"، يقول: يطلب الليل النهار ="حثيثًا"، يعني: سريعًا.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يطلبه حثيثًا"، يقول: سريعًا.

١٤٧٧٥ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا"، قال: يغشي الليل النهارَ بضوئه، ويطلبه سريعًا حتى يدركه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، كلّ ذلك بأمره، أمرهن الله فأطعن أمرَه، ألا لله الخلق كله، والأمرُ الذي لا يخالف ولا يردّ أمره، دون ما سواه من الأشياء كلها، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا تأمر، تبارك الله معبودُنا الذي له عبادة كل شيء، رب العالمين. [[انظر تفسير"تبارك" فيما سلف ص: ٢٣٨، تعليق ٢، والمراجع هناك.

= وتفسير"رب" فيما سلف قريبًا ص: ٤٨٢، تعليق: ٢ والمراجع هناك.

= وتفسير"العالمين" فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]]

١٤٧٧٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن قال، حدثنا بقية بن الوليد قال، حدثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ: مَنْ لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح وحمد نفسه، قلَّ شكره، وحَبِط عمله. ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله:"ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين". [[الأثر: ١٤٧٧٦ -"عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري"، هكذا جاء هنا في المخطوطة والمطبوعة، وهكذا نقله الحافظ ابن حجر عن هذا الموضع من التفسير في ترجمة (أبو عبد العزيز) من الإصابة، وهكذا نقله ابن كثير في تفسيره ٣: ٤٨٩.

ولكن الذي أطبقت عليه كتب التراجم، والأسانيد الأخرى التي نقلها الحافظ ابن حجر، في موضع آخر من الإصابة أنه:

"عبد الغفور بن عبد العزيز"، وكنوه"أبو الصباح"، ونسبوه"الواسطي"، وهو مترجم في لسان الميزان ٤: ٤٣، ٤٤، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٥٥، وميزان الاعتدال ٢: ١٤٢، وهو ضعيف منكر الحديث، وأخرجه البخاري في الضعفاء.

وأبوه هو: "عبد العزيز الشامي"، ولم أجد له ذكرًا، إلا في أثناء هذه الأسانيد.

وأبوه، الذي له صحبة يقال اسمه"سعيد الشامي"، وهو مترجم بذلك في الإصابة، وكنيته"أبو عبد العزيز"، وهو مترجم أيضًا في باب الكنى من الإصابة، وفي أسد الغابة ٥: ٢٤٧.

وهذا الخبر، رواه الحافظ ابن حجر في الموضعين من ترجمة"أبي عبد العزيز" و"سعيد"، وابن الأثير في أسد الغابة ٥: ٢٤٧، وابن كثير في تفسيره ٣: ٤٨٩، والسيوطي في الدر المنثور ٣: ٩٢.

وهو خبر ضعيف هالك الإسناد. و"بقية بن الوليد" كما قال ابن المبارك: ((كان صدوقًا، ولكنه يكتب عمن أقبل وأدبر)) . وقال أحمد: "إذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوه". وقال يحيى بن معين: "كان يحدث عن الضعفاء بمئة حديث قبل أن يحدث عن الثقات". وقال أبو زرعة: "بقية عجب!! إذا روى عن الثقات فهو ثقة". وذكر قول ابن المبارك الذي تقدم، ثم قال: "وقد أصاب ابن المبارك. ثم قال: هذا في الثقات، فأما في المجهولين، فيحدث عن قوم لا يعرفون ولا يضبطون".]]

القول في تأويل قوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ادعوا، أيها الناس، ربَّكم وحده، فأخلصوا له الدعاء، دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام ="تضرعًا"، يقول: تذلُّلا واستكانة لطاعته [[انظر تفسير"التضرع" فيما سلف ١١: ٣٥٥، ٤١٤.]] ="وخفية"، يقول بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا ومراءاةً، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعلَ أهل النفاق والخداع لله ولرسوله، [[انظر تفسير"خفية" فيما سلف ١١: ٤١٤.]] كما:-

١٤٧٧٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعرُ جارُه. وإن كان الرجل لقد فَقُه الفقهَ الكثير، وما يشعرُ به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْر، [["الزور" (بفتح فسكون) جمع"زائر"، مثل"صاحب" و"صحب". وفي المخطوطة: "الزور" مضبوطة بالقلم بضم الزاي وتشديد الواو مفتوحة، وهو صواب أيضًا.]] وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبدًا! ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله يقول:"ادعوا ربكم تضرعًا وخفية"، وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا فرضِي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ ، [سورة مريم: ٣] .

١٤٧٧٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى قال: كان النبي ﷺ في غَزَاة، [[هذه الغزاة، هي غزوة خيبر.]] فأشرفوا على وادٍ يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال: أيها الناس، اربَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا! إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". [[الأثر: ١٤٧٧٨- رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٧: ٣٦٣) ، ومسلم في صحيحه ١٧: ٢٥ من هذه الطريق، مطولا.

وقوله: "اربعوا على أنفسكم"، أي: ارفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم. وفي المخطوطة: "سميعًا قريبًا أنا معكم" غير منقوطة، وأثبت ما في الصحيحين، وفي المطبوعة، حذف ما في المخطوطة، ولم يزد"وهو" التي زدتها.]]

١٤٧٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله:"ادعوا ربكم تضرعًا وخفية"، قال: السر.

* *

وأما قوله:"إنه لا يحب المعتدين"، فإن معناه: إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه، ومسألتهم، وفي غير ذلك من الأمور، [[انظر تفسير"الاعتداء" فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .]] كما:-

١٤٧٨٠ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان، عن عباد بن عباد، عن علقمة، عن أبي مجلز:"ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين"، قال: لا يسأل منازلَ الأنبياء عليهم السلام.

١٤٧٨١ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس:"إنه لا يحب المعتدين"، في الدعاء ولا في غيره = قال ابن جريج: إن من الدعاء اعتداءً، يُكره رفعُ الصوتِ والنداءُ والصياحُ بالدعاء، ويُؤمر بالتضرُّع والاستكانة.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها"، لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها، وذلك هو الفساد فيها.

* *

وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى، وبينا معناه بشواهده. [[انظر تفسير"الفساد في الأرض" فيما سلف ١: ٢٨٧، ٤١٦، ومواضع أخرى آخرها ١٠: ٤٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

="بعد إصلاحها" يقول: بعد إصلاح الله إياها لأهل طاعته، بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحق، وإيضاحه حججه لهم [[انظر تفسير"الإصلاح" فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]] ="وادعوه خوفًا وطمعًا"، يقول: وأخلصوا له الدعاء والعمل، ولا تشركوا في عملكم له شيئًا غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه. وإنّ مَن كان دعاؤه إياه على غير ذلك، فهو بالآخرة من المكذبين، لأنّ من لم يخف عقابَ الله ولم يرجُ ثوابه، لم يبال ما ركب من أمر يسخَطه الله ولا يرضاه ="إن رحمة الله قريب من المحسنين"، يقول تعالى ذكره: إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا، قريب منهم، وذلك هو رحمته، [[انظر تفسير"الرحمة" فيما سلف من فهارس اللغة (رحم) .

= وتفسير"الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (حسن) .]] لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم.

* *

ولذلك من المعنى ذُكِّر قوله:"قريب"، وهو من خبر"الرحمة"، و"الرحمة" مؤنثة، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النَّسب، والأوقات بذلك المعنى إذا وقعت أخبارًا للأسماء، [[في المطبوعة: "إذا رفعت أخبارًا"، لم يحسن قراءة المخطوطة.]] أجرتها العرب مجرى الحال، فوحّدتها مع الواحد والاثنين والجميع، وذكَّرتها مع المؤنث، فقالوا:"كرامة الله بعيد من فلان"، و"هي قريب من فلان"، كما يقولون:"هند قريب منا"، و"الهندان منا قريب"، و"الهندات منا قريب"، لأن معنى ذلك: هي في مكان قريب منا. فإذا حذفوا المكان وجعلوا"القريب" خلفًا منه، ذكَّروه ووحَّدوه في الجمع، كما كان المكان مذكرًا وموحدًا في الجمع. وأما إذا أنثوه، أخرجوه مثنى مع الاثنين، ومجموعًا مع الجميع، فقالوا:"هي قريبة منا"، و"هما منّا قريبتان"، كما قال عروة [بن الورد] : [[هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة، والصواب أنه"عروة بن حزام"، كما سترى في التخريج، وكأنه سهو من الناسخ وزيادة منه، فإن هذا كله تابع فيه أبو جعفر، الفراء في معاني القرآن، والفراء لم يذكر سوى"عروة"، فزاد الناسخ سهوًا"بن الورد".]]

عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ [[معاني القرآن للفراء ١: ٣٨١، على ما ذكره أبو جعفر، وهو نقله عنه. والبيت في ديوان عروة بن حزام، وفي تزيين الأسواق ١: ٨٤، والبكري في شرح الأمالي: ٤٠١، من شعر له صواب إنشاده على الباء: عَشِيَّة لا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدَةٌ ... فَتَسْلُو، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبُ

وَإنِّي لَتَغْشَانِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ ... لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامِ دَبيبُ]]

فأنث"قريبة"، وذكّر"بعيدًا"، على ما وصفت. ولو كان"القريب"، من"القرابة" في النسب، لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثًا، ومع الجميع إلا مجموعًا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٦، ٢١٧..]]

وكان بعض نحويي البصرة يقول: ذكَّر"قريب" وهو صفة لـ"الرحمة"، وذلك كقول العرب:"ريح خريق"، [["ريح خريق": شديدة، وقيل: لينة سهلة. ضد.]] و"ملحفَة جديد"، [[في المطبوعة: "وساحفة حديد"، وفي المخطوطة: "وماحقه جديد"، غير منقوطة والصواب ما أثبت، وهو المثل الذي ضرب في هذا الباب. قال ابن سيده: "ملحفة جديد، وجديدة"، وقال سيبويه: وقد قالوا ملحفة جديدة، وهو قليلة.]] و"شاة سديس". [["شاة سديس": أتت عليها السنة السادسة.]] قال: وإن شئت قلت: تفسير"الرحمة" هاهنا، المطر ونحوه، فلذلك ذكَّر، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ ، [سورة الأعراف: ٨٧] ، فذكَّر، لأنه أراد الناس. وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث، كقول الشاعر: [[عامر بن جوين الطائي.]]

وَلا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا [[مضى البيت وتخريجه فيما سلف ١: ٤٣٢، ونسيت أن أذكر هناك أنه سيأتي في هذا الموضع من التفسير، ثم في ١٨: ١١٨ (بولاق) ، وصدر البيت: فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا]]

* *

وقد أنكر ذلك من قِيله بعضُ أهل العربية، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكِّر"قريبًا"، توجيهًا منه للرحمة إلى معنى المطر، أن يقول:"هند قام"، توجيهًا منه لـ"هند" وهي امرأة، إلى معنى:"إنسان"، ورأى أن ما شبَّه به قوله:"إن رحمة الله قريب من المحسنين"، بقوله:"وإن كان طائفة منكم آمنوا"، غير مُشْبِهِه. وذلك أن"الطائفة" فيما زعم مصدر، بمعنى"الطيف"، كما"الصيحة" و"الصياح"، بمعنًى، ولذلك قيل: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ، [سورة هود: ٦٧] .

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، هو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته. [[القراءة التي أثبتها أبو جعفر في تفسير الآية"نشرا"، ولكني أثبت في الآية قراءتنا في مصحفنا، وسأثبتها في سائر المواضع بقراءة أبي جعفر بالنون.]]

* *

و"النشر" بفتح"النون" وسكون"الشين"، في كلام العرب، من الرياح، الطيبة اللينة الهبوب، التي تنشئ السحاب. وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهي"نشر"، ومنه قول امرئ القيس:

كَأَنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمَامِ ... وَرِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ [[ديوانه: ٧٩، واللسان (نشر) من قصيدة له طويلة، وهذا البيت في ذكر"هو" صاحبته وهذا البيت في صفة رائحة ثغرها عند الصباح، حين تتغير أفواه الناس، يقول بعده: يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... إذَا طَرَّبَ الطَّائِر المُسْتَحِرْ

و"القطر" (بضمتين) : هو العود الذي يتبخر به. و"صوب الغمام"، وقعه حيث يقع. و"يعل" يسقى بالمدام مرة بعد مرة. و"الطائر المستحر"، الديك إذا صوت عند السحر. يصفها بطيب رائحة فمها، حين تتغير الأفواه بعد النوم.]]

* *

وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه:"بشرًا" على اختلاف عنه فيه.

* *

فروى ذلك بعضهم عنه: ﴿بُشْرًا﴾ ، بالباء وضمها، وسكون الشين.

وبعضهم، بالباء وضمها وضم الشين.

وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [سورة الروم: ٤٦] ، تبشر بالمطر، وأنه جمع"بشير" يبشر بالمطر، جُمِع"بُشُرًا"، كما يجمع"النذير""نُذُرًا". [[في المطبوعة: "وأنه جمع بشير بشرًا، كما يجمع النذير نذرًا"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وأما قرأة المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرؤوا ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاحَ نُشُرَا﴾ ، بضم"النون"، و"الشين" بمعنى جمع"نَشور" جمع"نشرًا"، كما يجمع"الصبور""صُبُرًا"، و"الشكور""شُكُرًا".

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك: أنها الريح التي تهبّ من كل ناحية، وتجيء من كل وجه. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٧.]]

* *

وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضم النون، فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى"النَّشْر" بالفتح. وقال: العرب تضم النون من"النُّشْر" أحيانًا، وتفتح أحيانًا بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرأة في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير"الخَسْف"،"والخُسْف"، بفتح الخاء وضمها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك: ﴿نَشْرًا﴾ و ﴿نُشُرًا﴾ ، بفتح"النون" وسكون"الشين"، وبضم"النون" و"الشين" قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار.

.. ... .... ...... ..... ..... ...... ...... ...... ..... ..... ... ... ...... ..... ..... ... ... [[في موضع هذه النقط سقط لا شك فيه، ذكر فيه العلة التي سيشير إليها بعد. ولم أستطع أن أجد نقلا عن أبي جعفر يهدي إلى ما يسد هذا الخرم.]] .

فلا أحب القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإعراب، لما ذكرنا من العلة.

* *

وأما قوله:"بين يدي رحمته"، فإنه يقول: قدام رحمته وأمامها.

* *

والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه:"جاء بين يديه"، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم، وكثر استعماله فيهم، حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يَدَ له. [[انظر تفسير: " بين يديه " فيما سلف ٦: ١٦٠، ٤٣٨.]]

* *

و"الرحمة" التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع، المطر.

* *

فمعنى الكلام إذًا: والله الذي يرسل الرياح ليّنًا هبوبها، طيبًا نسيمها، أمام غيْثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشئ بها سحابًا ثقالا حتى إذا أقلتها = و"الإقلال" بها، حملها، كما يقال:"استقلّ البعير بحمله"، و"أقله"، إذا حمله فقام به = ساقه الله لإحياء بلد ميت، قد تعفَّت مزارعه، ودَرَست مشاربه، وأجدب أهلُه، [[انظر تفسير"ميت" و"موت الأرض" فيما سلف ٣: ٢٧٤/ ٥: ٤٤٦.]] فأنزل به المطر، وأخرج به من كل الثمرات.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٨٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وهو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته" إلى قوله:"لعلكم تذكرون"، قال: إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثَمَّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما"رحمته"، فهو المطر.

* *

وأما قوله:"كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون"، فإنه يقول تعالى ذكره: كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقُحُوط أهله، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم ودروس آثارهم ="لعلكم تذكرون"، يقول تعالى ذكرُه للمشركين به من عبدة الأصنام، المكذبين بالبعث بعد الممات، المنكرين للثواب والعقاب: ضربتُ لكم، أيها القوم، هذا المثل الذي ذكرت لكم: من إحياء البلد الميت بقَطْر المطر الذي يأتي به السحاب الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها، لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن مَنْ كان ذلك من قدرته، فيسيرٌ في قدرته إحياء الموتى بعد فنائها، وإعادتها خلقًا سويًّا بعد دُرُوسها. [[انظر تفسير"التذكر" فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٨٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون"، وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء.

* *

١٤٧٨٤ - وقال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى، أمطر عليهم من ماء تحت العرش يُدعى"ماء الحيوان" أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. حتى إذا استكملت أجسادهم، نفخ فيهم الروح، ثم تُلْقى عليهم نَوْمة، فينامون في قبورهم. فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا، وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فناداهم المنادي: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: ٥٢] . [[الأثر: ١٤٧٨٤ - هذا الخبر عن أبي هريرة، رواه بغير إسناد، وكنت أظنه من رواية السدي في الأثر السالف، ولكني شككت في ذلك، فآثرت أن أضع له رقمًا مستقلا. وأيا ما كان، فإني لم أجد نص هذا الخبر في شيء من مراجعي. وحديث أبي هريرة في البعث، رواه مسلم في صحيحه ١٨: ٩١، قال:

"قال رسول الله ﷺ: ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيتُ، ثم ينزل الله من السماء ماءً فيَنْبُتُون كما يَنْبُتُ البَقْل. وَليس من الإنسانِ شيء إلا يَبْلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنب، ومنه يُرَكَّبُ الخلقُ يوم القيامة".]]

* *

١٤٧٨٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"كذلك نخرج الموتى"، قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى، أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح، فتعود كل روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.

القول في تأويل قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والبلدُ الطيبة تربته، العذبةُ مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا، بإذنه، طيبًا ثمرُه في حينه ووقته. والذي خَبُث فردؤت تربته، وملحت مشاربه، لا يخرج نباته إلا نكدًا =

= يقول: إلا عَسِرًا في شدة، كما قال الشاعر: [[م أعرف قائله.]]

لا تُنْجِزُ الوعْدَ، إِنْ وَعَدْتَ، وإن ... أَعْطَيْتَ أَعْطَيْتَ تَافِهًا نَكِدَا [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٧ ولسان العرب (تفه) .]]

يعني بـ"التافه"، القليل، وبـ"النكد" العسر. يقال منه:"نكِد يَنْكَد نكَدًا، ونَكْدًا = فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ"، والنُّكْد، المصدر. ومن أمثالهم:"نَكْدًا وجحدًا"،"ونُكدًا وجُحْدا". و"الجحد"، الشدة والضيق. ويقال:"إذا شُفِه وسئل: [["شفه الرجل" (بالبناء للمجهول) ، إذا كثر سؤال الناس إياه فأعطى حتى نفد ما عنده فأفنى ماله."فهو مشفوه" ومثله"منكود، ومثمود، ومعروك، ومعجوز، ومصفوف، ومكثور عليه". ويقال: "ماء مشفوه"، كثير الشاربة، وكذلك الماء والطعام.]] قد نَكَدوه ينكَدُونه نَكْدًا"، كما قال الشاعر: [[م أعرف قائله.]]

وَأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَهُ طَيِّبًا ... لا خَيْرَ فِي المَنْكُودِ والنَّاكِدِ [[اللسان (نكد) ، وقد ذكرت البيت آنفًا ١: ٤٤٢، تعليق: ١]]

* *

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل المدينة: ﴿إلا نَكَدًا﴾ ، بفتح الكاف.

* *

وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف: ﴿نَكْدًا﴾ .

* *

وخالفهما بعد سائر القرأة في الأمصار، فقرؤوه: ﴿إلا نَكِدًا﴾ ، بكسر الكاف.

* *

كأن من قرأه:"نكَدًا" بنصب الكاف أراد المصدر.

وكأنّ من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها، فسكنها على لغة من قال:"هذه فِخْذ وكِبْد"، وكان الذي يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر"النون" من"نكد" حتى يكون قد أصاب القياس.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءةُ من قرأهُ: ﴿نَكِدًا﴾ ، بفتح"النون" وكسر"الكاف"، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه.

* *

وقوله:"كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون"، يقول: كذلك: نُبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلا بعد مثل، [[انظر تفسير"التصريف" فيما سلف ٣: ٢٧٥، ٢٧٦/ ١١: ٣٥٦، ٤٣٣/ ١٢: ٢٥

= وتفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي) .]] لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية، وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرَهم باتباعه، وتجنُّبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضرَبه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، مثل للمؤمن = والذي خَبُث فلا يخرج نباته إلا نكدًا، مثلٌ للكافر.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله:"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا"، فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. يقول: هو طيب، وعمله طيب، كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثلَ الكافر كالبلدة السَّبِخة المالحة التي يخرج منها النز [[في المطبوعة: "التي تخرج منها البركة"، زاد"لا"، وليست في المخطوطة اتباعًا لما في الدر ٣: ٩٣. وفي المخطوطة مثلها أنه كتب"النزله" غير المنقوطة. وهو غير مفهوم إذا قرئ: "تخرج منها البركة". وصفة الأرض"السبخة" أنها أرض ذات ملح ونز، وهو الماء تتحلب عنه الأرض، فيصير مناقع. ومن أجل ذلك صار راجحًا عندي أن ما أثبته هو الصواب، وأن ما في المخطوطة من فعل الناسخ.]] فالكافر هو الخبيث، وعمله خبيث.

١٤٧٨٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"والبلد الطيب"، و"الذي خبث" قال: كل ذلك من الأرض السِّباخ وغيرها، مثل آدم وذريته، فيهم طيب وخبيث.

١٤٧٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

١٤٧٨٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا"، قال: هذا مثل ضربه الله في الكافر والمؤمن.

١٤٧٩٠ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد = يعني ابن المفضل = قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث"، هي السبخة لا يخرج نباتها إلا نكدًا = و"النكد"، الشيء القليل الذي لا ينفع. فكذلك القلوب لما نزل القرآن، فالقلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه، والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلا ما لا ينفع، كما لم يُخْرِج هذا البلد إلا ما لا ينفع من النبات.

١٤٧٩١ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد، عن مجاهد:"والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا"، قال: الطيب ينفعه المطر فينبت،"والذي خبث" السباخُ، لا ينفعه المطر، لا يخرج نباته إلا نكدًا. قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذريته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه، فطابَ. ومنهم من كفر بالله وكتابه، فخَبُث.

القول في تأويل قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) ﴾

قال أبو جعفر: أقسم ربنا جل ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية: أنه أرسل نوحًا إلى قومه، منذرَهم بأسَه، ومخوِّفَهم سَخَطه، على عبادتهم غيره، فقال لمن كفر منهم: يا قوم، اعبدوا الله الذي له العبادة، وذِلُّوا له بالطاعة، واخضعوا له بالاستكانة، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، فإنه ليس لكم معبودٌ يستوجب عليكم العبادةَ غيرُه، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك"عذابَ يوم عظيم"، يعني: عذابَ يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربِّكم.

* *

وقد اختلفت القَرَأة في قراءة قوله:"غيره".

فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِهِ﴾ ، بخفض"غير" على النعت لـ"إله".

* *

وقرأه جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ، برفع"غير"، ردًّا لها على موضع"من"، لأن موضعها رفع، لو نزعت من الكلام لكان الكلام رفعًا، وقيل:"ما لكم إله غيرُ الله". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٢، ٣٨٣.]] فالعرب [لما وصفت من أن المعلوم بالكلام] [[هكذا جاءت العبارة في المطبوعة والمخطوطة، وفي الكلام سقط لا شك فيه، لم أستطع أن أرده إلى أصله، ولذلك وضعت هذه العبارة بين القوسين. والظاهر أن السقط طويل، لأن أبا جعفر خالف هنا في هذا السياق ما درج عليه من ذكر أولي القراءتين بالصواب عنده.]] أدخلت "من" فيه أو أخرجت، وأنها تدخلها أحيانًا في مثل هذا من الكلام، وتخرجها منه أحيانًا، تردّ ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه، فإذا خفضت، فعلى كلام واحد، لأنها نعت لـ"الإله". وأما إذا رفعت، فعلى كلامين:"ما لكم غيره من إله"، وهذا قول يستضعفه أهل العربية.

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عن جواب مشركي قوم نوح لنوح، وهم"الملأ" = و"الملأ"، الجماعة من الرجال، لا امرأة فيهم [[انظر تفسير"الملأ" فيما سلف ٥: ٢٩١، وقد فسره هناك بما فسرته كتب اللغة، أنهم وجوه القوم ورؤساؤهم وأشرافهم. وأما التفسير الذي هنا، فلم يرد فيها، وهو شيء ينبغي أن يقيد. وهذا نص الفراء في معاني القرآن ١: ٣٨٣.]] = أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له:"إنا لنراك"، يا نوح ="في ضلال مبين"، [[انظر تفسير"الضلال" و"مبين" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) و (بين) .]] يعنون في أمر زائل عن الحق، مبين زوالهُ عن قصد الحقّ لمن تأمله. [[في المطبوعة: "عن قصد الحد"، وهو لا معنى له، وهي في المخطوطة سيئة الكتابة، وهذا صواب قراءتها. وانظر تفسير الآية التالية.]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com