Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-A'raaf
Tafsir al-Tabari · The Heights · 206 ayat · ayat 91–120 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب، الرجفة. وقد بيّنت معنى"الرجفة" قبل، وأنها الزلزلة المحركة لعذاب الله. [[انظر تفسير"الرجفة" فيما سلف ص: ٥٤٤، ٥٤٥.]]
* *
﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ ، على ركبهم، موتَى هلكى. [[انظر تفسير"الجثوم" فيما سلف: ص: ٥٤٥، ٥٤٦.]]
* *
وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به، كما:-
١٤٨٦٣-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا﴾ ، قال: إن الله بعث شعيبًا إلى مدين، وإلى أصحاب الأيكة = و"الأيكة"، هي الغيضة من الشجر = وكانوا مع كفرهم يبخَسون الكيل والميزان، فدعاهم فكذبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، وما ردُّوا عليه. فلما عتوا وكذبوه، سألوه العذابَ، ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحرّ منه، فلم ينفعهم ظلٌ ولا ماء. ثم إنه بعثَ سحابةً فيها ريحٌ طيبة، فوجدوا بَرْدَ الرّيح وطيبِها، فتنادوا: الظُّلّةَ، عليكم بها"! فلما اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ ، [سورة الشعراء: ١٨٩] .
١٤٨٦٤-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. كانوا أهلَ بخسٍ للناس في مكاييلهم وموازينهم، مع كفرهم بالله، وتكذيبهم نبيَّهم. وكان يدعوهم إلى الله وعبادته، وترك ظلم الناس وبخسهم في مكاييلهم وموازينهم، فقال نُصْحًا لهم، وكان صادقا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ، [هود: ٨٨] . قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ= فيما ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة= إذا ذكر شعيبًا قال:"ذاك خطيب الأنبياء"! لحسن مراجعته قومه فيما يرادُ بهم. فلما كذَّبوه وتوعَّدوه بالرَّجْم والنفي من بلادهم، وعتوا على الله، أخذهُم عذاب يوم الظُّلة، إنه كان عذاب يوم عظيم. فبلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له:" عمرو بن جلهاء، لما رآها قال:
يَا قَوْم إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ... عنكم سُمَيْرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ
إنِّي أَرَى غَبْيَةً يَا قَوْم قَدْ طَلَعَتْ ... تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي [[في المطبوعة: "إني أرى غيمة"، وهي كذلك في قصص الأنبياء، وفي المخطوطة ما أثبت، وهي في الدر المنثور"عينة" خطأ، صوابه ما أثبت.
و"الغبية" (بفتح فسكون) : الدفعة الشديدة من المطر، وقيل: هي المطرة ليست بالكثيرة. وأراد بها هنا سحابة ذات غبية. و"الصمانة". و"الصمان"، أرض صلبة ذات حجارة إلى جنب رمل.]] وَإِنَّكمْ لَنْ تَرَوْا فِيهَا ضَحَاءَ غَدٍ ... إلا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أنْجَادِ [[في المطبوعة والمخطوطة: "وإنكم إن تروا"، والصواب ما أثبت، وفي قصص الأنبياء: "فإنه لن يرى فيها"، وفي الدر المنثور: "فإنه لا يرى". وكان في المطبوعة: "ما فيها إلا الرقيم ... " زيادة مفسدة للوزن، ليست في المخطوطة، ولعلها من الطباعة. و"الأنجاد" جمع"نجد"، وهي الأرض المرتفعة. و"الضحاء" بفتح الضاد، ممدودًا، مثل"الضحى" (بضم الضاد) ، وهو إذا امتد النهار وقارب أن ينتصف. وكان في المطبوعة: "ضحاة غد".]]
و"سمير" و"عمران"، كاهناهم= و"الرقيم"، كلبهم. [[الأثر: ١٤٨٦٩- الدر المنثور ٣: ١٠٣، وقصص الأنبياء للثعلبي: ١٤٤.]]
حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق [[في المطبوعة والمخطوطة: "أبو سحق"، وهو خطأ ظاهر.]] قال: فبلغني، والله أعلم، أنَّ الله سلط عليهم الحرّ حتى أنضجهم، ثم أنشأ لهم الظُّلةَ كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدرُوها يستغيثون ببَرْدها مما هم فيه من الحر، حتى إذا دَخلوا تحتها، أطبقت عليهم، فهلكوا جميعًا، ونجى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمته.
١٤٨٦٥-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني أبو عبد الله البجلي قال:"أبو جاد" و"هوّز" و"حُطّي" و"كلمون" و"سعفص" و"قرشت"، أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب"كلمون"، فقالت أخت كلمون تبكيه:
كَلَمُونٌ [[في المطبوعة والمخطوطة: "كلمون"، هكذا، وفي التاريخ ١: ٩٩، وسائر الكتب"كلمن"، فتركتها على حالها هنا.]] هَدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ وَسْطَ المَحَلَّهْ
سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ ... حَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّةْ
جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ، ... دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّةْ [[الأثر: ١٤٨٧١-"أبو عبد الله البجلي"، لم أجد من يكنى بها، ولكن روى أبو جعفر في تاريخه مثل هذا الخبر، في ذكر هلاء الملوك (١: ٩٩) ، وإسناد يفسر هذا الإسناد قال:
"حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن يحيى بن العلاء، عن القاسم بن سلمان، عن الشعبي قال: أبجد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، كانوا ملوكًا جبابرة ... "
و"يحيى بن العلاء البجلي"، كنيته"أبو سلمة"، ويقال"أبو عمرو". ولم أجد كنيته"أبو عبد الله"، ولكن ظاهر هذا الإسناد يرجح أن"أبا عبد الله البجلي"، هو نفسه"يحيى بن العلاء البجلي"، والله أعلم.
و"يحيى بن العلاء البجلي"، قال أحمد: "كذاب يضع الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/ ٢ / ٢٩٧، وابن أبي حاتم ٤ ٢/ ١٧٩.
وهذا الخبر رواه البغوي (هامش تفسير ابن كثير ٣: ٥٢٠) ، وقصص الأنبياء للثعلبي: ١٤٤، عن أبي عبد الله البجلي، وفيها جميعًا"كلمن"، وزدت منها ما بين القوسين، ولكني كتبته كأخواته في المخطوطة.
وروي في البغوي: "كلمن قد هد ركني"، وفي قصص الأنبياء: "كلمن أهدد ركني"، ولا أدري ما هذا!!]]
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأهلك الذين كذبوا شعيبًا فلم يؤمنوا به، فأبادَهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاءً= ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، يقول: كأن لم ينزلوا قطّ ولم يعيشوا بها حين هلكوا.
* *
يقال:"غَنِيَ فلان بمكان كذا، فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِيًّا"، [[هذا المصدر الثاني"غنيا" ليس في شيء من مراجع اللغة، وضبطته بضم الغين وكسر النون وتشديد الياء، على زنة"فعول" وهكذا استظهرت. ولا أدري أيصح ذلك أم لا يصح.]] إذا نزل به وكان به، كما قال الشاعر. [[هو عبيد بن الأبرص.]]
وَلَقَدْ يَغْنَى بِهَا جِيرَانُكِ الْ ... مُمْسِكُو مِنْكِ بِعَهْدٍ وَوِصَالِ [[ديوانه: ٥٨، مختارات ابن الشجري ٢: ٣٧، والخصائص لابن جني ٢: ٢٤٥٥ والمنصف لابن جني ١: ٦٦، والخزانة ٣: ٢٣٧، وهي القصيدة الفاخرة التي لم يتجشم فيها إلا ما في نهضته ووسعه، عن غير اغتصاب واستكراه أجاءه إليه، فقاد القصيدة كلها على أن آخر مصراع كل بيت منها منته إلى (ال) التعريف، كما قال ابن جني في الخصائص، أولها: يَا خَلِيلَيَّ اُرْبَعَا وَاُسْتَخْبِرَا الْـ ... مَنْزِلَ الدَّارِسَ مِنْ أهْلِ الحِلالِ
مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكِ الْ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ، وَتَأَوِيبُ الشَّمَالِ
وَلَقَدْ يَغْنَى بِه جِيرَانُكِ الْـ ... مُمْسِكُو مِنْكِ بِأَسْبَابِ الوِصَالِ
واستمر بها على ذلك النهج. وكان في المطبوعة: "المستمسكو"، وهو تغيير لما في المخطوطة، وللرواية معًا. وقوله: "الممسكو" يعني"الممسكون"، فحذف النون لطول الاسم، لا للإضافة. وهكذا تفعل العرب أحيانا، كما قال الأنصاري: الْحَافِظُو عَوْرةَ العَشِيرَةِ لا ... يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِنَا نَطَفُ
وقول الأخطل: أَبَنيِ كُلَيْبٍ، إِنْ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلا المُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلالا
انظر سيبويه ١: ٩٥، والمنصف ١: ٦٧.]] وقال رؤبة:
وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا [[ديوانه: ٨٧، ومضى منها بيت فيما سلف ٢: ٥٤٠ في مديح قومه بني تميم، يقول: هَاجَتْ، وَمِثْلي نَوْلُهُ أَنْ يَرْبَعَا ... حَمَامَةٌ هَاجَتْ حَمَامًا سُجَّعَا
أَبْكَتْ أَبَا الشَّعْثَاءِ وَالسَّمَيْدَعَا ... وعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بضَلْفَعَا
بَادَتْ وَأَمْسَى خَيْمُها تَذَعْذَعَا
و"أبو الشعثاء" يعني نفسه. و"ضلفع"، اسم موضع.]]
إنما هو"مفعل" من"غني".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٦٦-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر، عن قتادة. ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ،: كأن لم يعيشوا، كأن لم ينعموا.
١٤٨٦٧-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، يقول: كأن لم يعيشوا فيها.
١٤٨٦٨-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ ، كأن لم يكونوا فيها قطُّ.
* *
وقوله: ﴿الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين﴾ ، يقول تعالى ذكره: لم يكن الذين اتَّبعوا شعيبًا الخاسرين، بل الذين كذّبوه كانوا هم الخاسرين الهالكين. [[انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: ٥٦٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لأنه أخبر عنهم جل ثناؤه: أن الذين كذبوا شعيبًا قالوا للذين أرادُوا اتباعه: ﴿لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون﴾ ، فكذبهم الله بما أحلَّ بهم من عاجلِ نَكاله، ثم قال لنبيه محمد ﷺ: ما خسر تُبَّاع شعيب، بل كانَ الذين كذبوا شعيبًا لما جاءت عقوبة الله، هم الخاسرين، دون الذين صدّقوا وآمنوا به.
القول في تأويل قوله: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فأدبر شعيب عنهم، شاخصًا من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، [[انظر تفسير"تولى" فيما سلف ص: ٥٤٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وقال لما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه، حزنًا عليهم: ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي﴾ ، وأدّيت إليكم ما بعثني به إليكم، [[انظر تفسير"البلاغ" فيما سلف ص: ٥٤٧ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] من تحذيركم غضبَه على إقامتكم على الكفر به، وظلم الناس أشياءهم= ﴿ونصحت لكم﴾ ، بأمري إياكم بطاعة الله، ونهيكم عن معصيته- ﴿فكيف آسى﴾ ، يقول: فكيف أحزن على قوم جَحَدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله، وأتوجَّع لهلاكهم؟ [[انظر تفسير"الأسى" فيما سلف ١٠: ٢٠٠، ٤٧٥.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٦٩-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿فكيف آسى﴾ ، يعني: فكيف أحزن؟
١٤٨٧٠-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فكيف آسى﴾ ، يقول: فكيف أحزن؟
١٤٨٧١-حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أصاب شعيبًا على قومه حُزْن لما يرى بهم من نقمةِ الله، ثم قال يعزي نفسه، فيما ذكر الله عنه: ﴿، يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين﴾ .
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، معرِّفَه سنّته في الأمم التي قد خَلَت من قبل أمته، ومذكّرَ من كفر به من قريش، لينزجروا عما كانوا عليه مقيمين من الشرك بالله، والتكذيب لنبيه محمد ﷺ: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبي﴾ ، قبلك= ﴿إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾ ، وهو البؤس وشَظَف المعيشة وضِيقها= و"الضراء"، وهي الضُّرُ وسوء الحال في أسباب دُنياهم= ﴿لعلهم يضرعون﴾ ، يقول: فعلنا ذلك ليتضرّعوا إلى ربهم، ويستكينوا إليه، وينيبوا، [[انظر تفسير"التضرع" فيما سلف ١١: ٣٤٥، ٤١٤/ ١٢: ٤٨٥.]] بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائِهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٧٢-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾ ، يقول: بالفقر والجوع.
* *
وقد ذكرنا فيما مضى الشواهدَ على صحّة القول بما قلنا في معنى:"البأساء"، و"الضراء"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر تفسير"البأساء" فيما سلف ٣: ٣٤٩- ٣٥٣/ ٤: ٢٨٨/١١: ٣٥٤
= وتفسير"الضراء" فيما سلف ٣: ٣٤٩- ٣٥٣/ ٤: ٢٨٨/ ٧: ٢١٤/ ١١: ٣٥٥.]]
* *
وقيل:"يضرّعون"، والمعنى: يتضرعون، ولكن أدغمت"التاء" في"الضاد"، لتقارب مخرجهما.
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿ثم بدلنا﴾ أهلَ القرية التي أخذنا أهلها بالبأساء والضراء= ﴿مكان السيئة﴾ ، وهي البأساء والضراء. وإنما جعل ذلك"سيئة"، لأنه ممّا يسوء الناس= ولا تسوءهم"الحَسَنة"، وهي الرخاء والنعمة والسعة في المعيشة [[انظر تفسير"الضراء" فيما سلف قبل في التعليق السابق.
= وتفسير"السراء" فيما سلف ٧: ٢١٣.
= وتفسير"السيئة" و"الحسنة"، فيما سلف من فهارس اللغة (سوأ) (حسن) .
= وتفسير"مس" فيما سلف ص: ٥٤٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كَثرُوا.
* *
وكذلك كل شيء كثر، فإنه يقال فيه:"قد عفا"، [[انظر تفسير"عفا" فيما سلف ٣: ٣٧٠/ ٤: ٣٤٣.]] كما قال الشاعر: [[هو لبيد.]]
ولَكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ مِنْهَا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ [[مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٤: ٣٤٣.]]
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٧٣-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال: مكان الشدة رخاء= ﴿حتى عفوا﴾ .
١٤٨٧٤-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الرخاء والمالُ والولد.
١٤٨٧٥-حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿مكان السيئة الحسنة﴾ ، قال:"السيئة"، الشر، و"الحسنة"، الخير.
١٤٨٧٦-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة﴾ ، يقول: مكان الشدة الرَّخاء.
١٤٨٧٧-حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا﴾ ، قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبُّوا في الدنيا= ﴿حتى عفوا﴾ ، من ذلك العذاب= ﴿وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء﴾ .
* *
واختلفوا في تأويل قوله: ﴿حتى عفوا﴾ .
فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٧٨-حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى كثروا وكثرت أموالهم.
حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: جَمُّوا. [["جم الشيء"، و"استجم"، كثر. و"مال جم"، كثيرة.]]
١٤٨٧٩-حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: كثرت أموالهم وأولادهم.
١٤٨٨٠-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٨٨١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿حتى عفوا﴾ ، حتى كثروا.
١٤٨٨٢-حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا وكثروا.
١٤٨٨٣- ... قال، حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى جَمُّوا.
١٤٨٨٤- ... قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿حتى عفوا﴾ ، يعني: جَمُّوا وكثروا.
١٤٨٨٥- ... قال، حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿حتى عفوا﴾ ، قال: حتى كثرت أموالهم وأولادهم.
حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿حتى عفوا﴾ ، كثروا كما يكثر النّبات والرّيش، [["الريش" (بكسر الراء) : المتاع والأموال.]] ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يَشْعُرون.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: حتى سُرُّوا.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٨٦-حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿حتى عفوا﴾ ، يقول: حتى سُرُّوابذلك.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة في معنى:"عفوا"، تأويلٌ لا وجه له في كلام العرب. لأنه لا يعرف"العفو" بمعنى السرور،في شيء من كلامها، إلا أن يكون أراد: حتى سُرُّوا بكثرتهم وكثرةِ أموالهم، فيكون ذلك وجهًا، وإن بَعُد.
* *
وأما قوله: ﴿وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء﴾ ، فإنه خبرٌ من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم مكان الحسنة السيئة التي كانوا فيها، استدراجًا وابتلاء، أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابتْ مَنْ قبلنا من آبائنا، ونالت أسلافَنا، ونحن لا نعدُو أن نكون أمثالَهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة في المعايش والرخاء فيها= وهي"السراء"، لأنها تَسرُّ أهلها. [[انظر تفسير"السراء" ومراجعه فيما سلف قريبًا ص: ٥٧٣، تعليق: ١.]]
وجهل المساكين شكرَ نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامةَ فضلهِ بالإنابة إلى طاعته، والمسارعة إلى الإقلاع عما يكرهه بالتوبة، حتى أتاهم أمره وهم لا يشعرون.
يقول جل جلاله: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ ، يقول: فأخذناهم بالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم على غِرّة منهم بمجيئه، [[انظر تفسير"البغتة" فيما سلف ١١: ٣٢٥، ٣٦٠، ٣٦٨.]] وهم لا يدرون ولا يعلمون أنّه يجيئهم، بل هُم بأنه آتيهم مكذّبون حتى يعاينوه ويَرَوه. [[انظر تفسير"شعر" فيما سلف ص: ٩٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) ﴾ [[سقط تفسير هذه الآيات الثلاث من المطبوعة، ولم ينبه إليه الناشر. وهو ساقط أيضًا من المخطوطة، وقد ساق الكلام فيها متصلا ليس بينه بياض، فسها عن هذه الآيات الثلاث.
والظاهر أن هذا نقص قديم، لا أدري أهو من الطبري نفسه، أم من ناسخ النسخة العتيقة التي نقلت عنها نسختنا، أم من ناسخ نسختنا التي بين أيدينا.
والدليل على أنه خرم قديم، أني لم أجد أحدًا قط نقل شيئًا عن الطبري وأخباره في تفسير هذه الآية. لم يذكر ابن كثير شيئًا منسوبًا إلى ابن جرير، ولا السيوطي في الدر المنثور، ولا القرطبي، ولا أبو حيان، ولا أحد ممن هو مظنة أن ينقل عن أبي جعفر. فهذا يكاد يرجح أن جميع النسخ التي وقعت في أيديهم كان فيها هذا الخرم، ولكن لم ينبه أحد منهم إليه. ومن أجل ذلك وضعت الآيات وحدها، وتركت مكان الخرم بياضًا في هذه الصفحة والتي تليها.]]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) ﴾ [[سقط تفسير هذه الآيات الثلاث من المطبوعة، ولم ينبه إليه الناشر. وهو ساقط أيضًا من المخطوطة، وقد ساق الكلام فيها متصلا ليس بينه بياض، فسها عن هذه الآيات الثلاث.
والظاهر أن هذا نقص قديم، لا أدري أهو من الطبري نفسه، أم من ناسخ النسخة العتيقة التي نقلت عنها نسختنا، أم من ناسخ نسختنا التي بين أيدينا.
والدليل على أنه خرم قديم، أني لم أجد أحدًا قط نقل شيئًا عن الطبري وأخباره في تفسير هذه الآية. لم يذكر ابن كثير شيئًا منسوبًا إلى ابن جرير، ولا السيوطي في الدر المنثور، ولا القرطبي، ولا أبو حيان، ولا أحد ممن هو مظنة أن ينقل عن أبي جعفر. فهذا يكاد يرجح أن جميع النسخ التي وقعت في أيديهم كان فيها هذا الخرم، ولكن لم ينبه أحد منهم إليه. ومن أجل ذلك وضعت الآيات وحدها، وتركت مكان الخرم بياضًا في هذه الصفحة والتي تليها.]]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) ﴾ [[سقط تفسير هذه الآيات الثلاث من المطبوعة، ولم ينبه إليه الناشر. وهو ساقط أيضًا من المخطوطة، وقد ساق الكلام فيها متصلا ليس بينه بياض، فسها عن هذه الآيات الثلاث.
والظاهر أن هذا نقص قديم، لا أدري أهو من الطبري نفسه، أم من ناسخ النسخة العتيقة التي نقلت عنها نسختنا، أم من ناسخ نسختنا التي بين أيدينا.
والدليل على أنه خرم قديم، أني لم أجد أحدًا قط نقل شيئًا عن الطبري وأخباره في تفسير هذه الآية. لم يذكر ابن كثير شيئًا منسوبًا إلى ابن جرير، ولا السيوطي في الدر المنثور، ولا القرطبي، ولا أبو حيان، ولا أحد ممن هو مظنة أن ينقل عن أبي جعفر. فهذا يكاد يرجح أن جميع النسخ التي وقعت في أيديهم كان فيها هذا الخرم، ولكن لم ينبه أحد منهم إليه. ومن أجل ذلك وضعت الآيات وحدها، وتركت مكان الخرم بياضًا في هذه الصفحة والتي تليها.]]
القول في تأويل قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفأمن، يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله، ويجحدون آياته، استدراجَ الله إيّاهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحّة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصَّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، [[انظر تفسير"المكر" فيما سلف ص: ٩٥، ٩٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فإنّ مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا، مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم= ﴿إلا القوم الخاسرون﴾ وهم الهالكون. [[انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: ٥٧٠ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: أوَلم يَبن للّذين يُسْتخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانُوا أهلها، [[انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]] فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم= ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ ، يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، فأخذناهم بذنوبهم، وعجّلنا لهم بأسَنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض، فأهلكناهم بذنوبهم= ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ ، [[انظر تفسير"الطبع" فيما سلف ١: ٢٥٨- ٢٦١/ ٩: ٣٦٤.]] يقول: ونختم على قلوبهم = فهم ﴿لا يسمعون﴾ ، موعظةً ولا تذكيرًا، سماعَ منتفع بهما.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٨٧-حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو لم يهد﴾ ، قال: يبيَّن.
١٤٨٨٨-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٨٨٩- ... قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿أولم يهد﴾ ، أولم يُبَيَّنْ.
١٤٨٩٠-حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، يقول: أو لم يتبين لهم.
١٤٨٩١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها= هم المشركون.
١٤٨٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، أولم نُبَيِّنْ لهم= ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ ، قال: و"الهدى"، البيان الذي بُعث هاديًا لهم، مبيِّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا.
القول في تأويل قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أفأمن، يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله، ويجحدون آياته، استدراجَ الله إيّاهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحّة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصَّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، [[انظر تفسير"المكر" فيما سلف ص: ٩٥، ٩٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] فإنّ مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا، مع مقامهم على كفرهم، وإصرارهم على معصيتهم= ﴿إلا القوم الخاسرون﴾ وهم الهالكون. [[انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: ٥٧٠ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول: أوَلم يَبن للّذين يُسْتخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانُوا أهلها، [[انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]] فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم= ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ ، يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، فأخذناهم بذنوبهم، وعجّلنا لهم بأسَنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض، فأهلكناهم بذنوبهم= ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ ، [[انظر تفسير"الطبع" فيما سلف ١: ٢٥٨- ٢٦١/ ٩: ٣٦٤.]] يقول: ونختم على قلوبهم = فهم ﴿لا يسمعون﴾ ، موعظةً ولا تذكيرًا، سماعَ منتفع بهما.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٨٨٧-حدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو لم يهد﴾ ، قال: يبيَّن.
١٤٨٨٨-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٨٨٩- ... قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿أولم يهد﴾ ، أولم يُبَيَّنْ.
١٤٨٩٠-حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، يقول: أو لم يتبين لهم.
١٤٨٩١-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها= هم المشركون.
١٤٨٩٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها﴾ ، أولم نُبَيِّنْ لهم= ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ ، قال: و"الهدى"، البيان الذي بُعث هاديًا لهم، مبيِّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا.
القول في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذه القرى التي ذكرت لك، يا محمد، أمَرها وأمر أهلها= يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب= "نقص عليك من أنبائها" فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم وأمر رُسل الله التي أرسلت إليهم، [[انظر تفسير ((القصص)) فيما سلف ١٢: ٤٠٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. = وتفسير ((النبأ)) فيما سلف ١٢: ٢٨٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] لتعلم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذَّب رسل الله، فيرتدعوا عن تكذيبك، وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته= "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات"، يقول: ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها،= "رسلهم بالبينات"، يعني بالحجج: البينات [[انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] = "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل".
* *
[ثم] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. [[الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.]] .
فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذبوا من قبل ذلك، [[في المطبوعة: ((بما كذبوا قبل ذلك)) ، وفي المخطوطة: ((بما يحدثوا قبل ذلك)) ، واستظهرت أن يكون الصواب ما أثبت، لقوله في الأثر الذي استدل به ((فآمنوا كرها)) .]] وذلك يوم أخذِ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرهًا.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل، بما سبق في علم الله أنهم يكذبون به يوم أخرجهم من صُلب آدم عليه السلام.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل: قال: كان في علمه يوم أقرُّوا له بالميثاق.
١٤٩٠٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال، يحق على العباد أن يأخذوا من العلم ما أبدى لهم ربهم والأنبياء، ويدعوا علمَ ما أخفى الله عليهم، [[في المخطوطة: ((ولوا علم ما أخفي الله عليهم)) ، وكأن الصواب ما في المطبوعة.]] فإن علمه نافذٌ فيما كان وفيما يكون، وفي ذلك قال: "ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين"، قال: نفذ علمه فيهم، أيُّهم المطيع من العاصي حيث خلقهم في زمان آدم. وتصديق ذلك حيث قال لنوح: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ، [هود: ٤٨] ، وقال في ذلك: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ، [الأنعام: ٢٨] ، وفي ذلك قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا [الإسراء: ١٥] ، وفي ذلك قال: لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] ، ولا حجة لأحد على الله.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: "فما كانوا " لو أحييناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله، "ليؤمنوا بما كذبوا من قبل" هلاكهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ .
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "بما كذبوا من قبل"، قال: كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ .
قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويل الآية وأولاها بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب والربيع. وذلك أن من سبق في علم الله تبارك وتعالى أنه لا يؤمن به، فلن يؤمن أبدًا، وقد كان سبق في علم الله تبارك وتعالى لمن هلك من الأمم التي قص نبأهم في هذه السورة، أنه لا يؤمن أبدًا، فأخبر جل ثناؤه عنهم، أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما هم به مكذبون في سابق علمه، قبل مجيء الرسل وعند مجيئهم إليهم. ولو قيل: تأويله: فما كان هؤلاء الذين وَرِثوا الأرض، يا محمد، من مشركي قومك من بعد أهلها، الذين كانوا بها من عاد وثمود، ليؤمنوا بما كذب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده= كان وجهًا ومذهبًا، غير أني لا أعلم قائلا قاله ممن يعتمد على علمه بتأويل القرآن.
* *
وأما الذي قاله مجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا ليؤمنوا= فتأويلٌ لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى منه بالصواب ما كان عليه من ظاهر التنزيل دليل.
* *
وأما قوله: "كذلك يطيع الله على قلوب الكافرين"، فإنه يقول تعالى ذكره: كما طبع الله على قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمم التي قصصنا عليك نبأهم، يا محمد، في هذه السورة، حتى جاءهم بأسُ الله فهلكوا به= "كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين"، الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون أبدًا من قومك. [[انظر تفسير الطبع فيما سلف ١٢: ٥٧٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولم نجد لأكثر أهل هذه القرى التي أهلكناها واقتصصنا عليك، يا محمد، نبأها= "من عهد"، يقول: من وفاء بما وصيناهم به، من توحيد الله، واتباع رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصيه، وهجر عبادة الأوثان والأصنام.
* *
و"العهد"، هو الوصية، قد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير ((العهد)) فيما سلف ١: ٤١٠، ٥٥٧ / ٢: ٢٧٩ / ٣: ٢٠ - ٢٤، ٣٤٩ / ٦: ٥٢٦.]] . = "وإن وجدنا أكثرهم"، يقول: وما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم، تاركين عهده ووصيته.
وقد بينا معنى "الفسق"، قبل. [[انظر تفسير الفسق فيما سلف ١٢: ١٩٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: "وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين" قال: القرون الماضية.
١٤٩٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد"، الآية، قال: القرون الماضية. و"عهده"، الذي أخذه من بني آدم في ظهر آدم ولم يفوا به.
١٤٩٠٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد" قال: في الميثاق الذي أخذه في ظهر آدم عليه السلام.
١٤٩٠٨ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين" وذلك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به.
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، موسى بن عمران.
* *
و"الهاء والميم" اللتان في قوله: "من بعدهم"، هي كناية ذكر الأنبياء عليهم السلام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى هذا الموضع.
* *
="بآياتنا" يقول: بحججنا وأدلتنا [[انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف في فهارس اللغة (أيى) .]] "إلى فرعون وملئه"، يعني: إلى جماعة فرعون من الرجال [[انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ١٢: ٥٦٥ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = "فظلموا بها"، يقول: فكفروا بها. و"الهاء والألف" اللتان في قوله: "بها" عائدتان على "الآيات". ومعنى ذلك: فظلموا بآياتنا التي بعثنا بها موسى إليهم= وإنما جاز أن يقال: "فظلموا بها،" بمعنى: كفروا بها، لأن الظلم وَضْعُ الشيء في غير موضعه. وقد دللت فيما مضى على أن ذلك معناه، بما أغنى عن إعادته. [[انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم) .]] .
* *
والكفر بآيات الله، وضع لها في غير موضعها، وصرف لها إلى غير وجهها الذي عُنِيت به= "فانظر كيف كان عاقبه المفسدين"، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: فانظر يا محمد، بعين قلبك، كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض؟ [[انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف ١٢: ٥٦٠، تعليق ١، والمراجع هناك. = وتفسير ((الفساد)) فيما سلف ١٢: ٥٦٠ تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = يعني فرعون وملأه، إذ ظلموا بأيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعًا في البحر.
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) ﴾
قال أبوجعفر: يقول جل ثناؤه: وقال موسى لفرعون: يا فرعون إنّي رسول من رب العالمين.
القول في تأويل قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: "حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق".
فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصرة والكوفة: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ﴾ ، بإرسال "الياء" من "على"، وترك تشديدها، بمعنى: أنا حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق= فوجهوا معنى "على" إلى معنى "الباء" كما يقال: "رميت بالقوس" و"على القوس"، و"جئت على حال حسنة" و"بحال حسنة". [[انظر ما سلف ١١: ٣١٧، تعليق: ١، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٨٦.]] .
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: إذا قرئ ذلك كذلك، فمعناه: حريص على أن لا أقول، أو فحق أن لا أقول. [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٤، وكان في المطبوعة هنا: ((حريص على أن لا أقول إلا بحق)) ، وفي المخطوطة: ((حريص على أن لا أقول بحق لا أقول)) ، وكلتاهما خطأ، والصواب من مجاز القرآن، فهو نص كلامه.]] .
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة: " حَقِيقٌ عَلَيَّ أَلا أَقُولَ"، بمعنى: واجب عليَّ أن لا أقول، وحق علي أن لا أقول.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ.
* *
وقوله: "قد جئتكم ببينة من ربكم"، يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم، يشهدُ، أيها القوم، على صحة ما أقول، [[انظر تفسير ((البينة)) فيما سلف ١٠: ٢٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رَسولا فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل. فقال له فرعون: "إن كنت جئت بآية"، يقول: بحجة وعلامة شاهدة على صدق ما تقول [[تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .]] = "فأت بها إن كنت من الصادقين".
القول في تأويل قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: "حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق".
فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصرة والكوفة: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ﴾ ، بإرسال "الياء" من "على"، وترك تشديدها، بمعنى: أنا حقيقٌ بأن لا أقول على الله إلا الحق= فوجهوا معنى "على" إلى معنى "الباء" كما يقال: "رميت بالقوس" و"على القوس"، و"جئت على حال حسنة" و"بحال حسنة". [[انظر ما سلف ١١: ٣١٧، تعليق: ١، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٨٦.]] .
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: إذا قرئ ذلك كذلك، فمعناه: حريص على أن لا أقول، أو فحق أن لا أقول. [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٢٤، وكان في المطبوعة هنا: ((حريص على أن لا أقول إلا بحق)) ، وفي المخطوطة: ((حريص على أن لا أقول بحق لا أقول)) ، وكلتاهما خطأ، والصواب من مجاز القرآن، فهو نص كلامه.]] .
* *
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة: " حَقِيقٌ عَلَيَّ أَلا أَقُولَ"، بمعنى: واجب عليَّ أن لا أقول، وحق علي أن لا أقول.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ.
* *
وقوله: "قد جئتكم ببينة من ربكم"، يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم، يشهدُ، أيها القوم، على صحة ما أقول، [[انظر تفسير ((البينة)) فيما سلف ١٠: ٢٤٢، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إليكم رَسولا فأرسل يا فرعون معي بني إسرائيل. فقال له فرعون: "إن كنت جئت بآية"، يقول: بحجة وعلامة شاهدة على صدق ما تقول [[تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أيى) .]] = "فأت بها إن كنت من الصادقين".
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فألقى موسى عصاه= "فإذا هي ثعبان مبين"، يعني حية= "مبين" يقول: تتبين لمن يراها أنها حية. [[انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] .
* *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "فإذا هي ثعبان مبين" قال: تحولت حية عظيمة. وقال غيره: مثل المدينة.
١٤٩١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "فإذا هي ثعبان مبين"، يقول: فإذا هي حية كاد يَتَسوَّره= يعني: كاد يَثبُ عليه. [[في المطبوعة: ((كادت)) بالتأنيث في الموضعين وأثبت ما في المخطوطة. وفي ((الحية)) ذكر وأنثى.]] .
١٤٩١١ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فإذا هي ثعبان مبين"، "والثعبان": الذكر من الحيات، فاتحةً فاها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، [[(اللحي)) بفتح اللام وسكون الحاء، وهما ((لحيان)) : وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحى.]] ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رأها ذُعِر منها، ووثب فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها وأنا مؤمن بك، وأرسل معك بنى إسرائيل! فأخذها موسى فعادت عصًا.
١٤٩١٢ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "فإذا هي ثعبان مبين" قال: ألقى العصا فصارت حية، فوضعت فُقْمًا لها أسفل القبة، وفُقْمًا لها أعلى القبة [[((الفقم)) (بضم فسكون) هو ((اللحي)) الذي فسرته قبل، وهما ((فقمان)) .]] = قال عبد الكريم، قال إبراهيم: وأشار سفيان بأصبعه الإبهام والسبابة هكذا: شِبْه الطاق [[((الطاق)) هو عقد البناء، وهو ما عطف من الأبنية كأنه القوس.]] = فلما أرادت أن تأخذه، قال فرعون: يا موسى خذها! فأخذها موسى بيده، فعادت عصا كما كانت أول مرة.
١٤٩١٣ - حدثنا العباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ألقى عصاه فتحولت حيه عظيمة فاغرةً فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رأى فرعون أنها قاصدةٌ إليه، اقتحم عن سريره، [[((اقتحم عن سريره)) ، رمي بنفسه وسقط عن سريره.]] فاستغاث بموسى أن يكفَّها عنه، ففعل.
١٤٩١٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " ثعبان مبين" قال: الحية الذكر.
١٤٩١٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما دخل موسى على فرعون، قال له فرعون: [[في المطبوعة والمخطوطة: ((قال له موسي: أعرفك)) ، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه من تفسير ابن كثير ٣: ٥٢٧.]] أعرفك؟ قال: نعم! قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا؟ [سورة الشعراء: ١٨] . قال: فرد إليه موسى الذي ردَّ، فقال فرعون: خذوه! فبادره موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضُهم بعضًا، وقام فرعون منهزمًا حتى دخل البيتَ.
١٤٩١٦ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، [سورة طه: ٢٠] ، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((فألقي عصاه فإذا هي حية تسعي)) ليس هذا في شيء من التلاوة، والتلاوة ما أثبت.]] قال: ما بين لَحْيَيها أربعون ذراعًا.
١٤٩١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: "فإذا هي ثعبان مبين"، قال: الحية الذكر.
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله: "ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"، فإنه يقول: وأخرج يده، فإذا هي بيضاء تلوح لمن نظر إليها من الناس. [[انظر تفسير ((نزع)) فيما سلف ١٢: ٤٣٧.]] .
* *
وكان موسى، فيما ذكر لنا، آدمَ، فجعل الله تحوُّل يده بيضاء من غير برص، له آية، وعلى صدق قوله: "إني رسول من رب العالمين"، حجة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩١٨ - حدثنا العباس قال، أخبرنا يزيد قال، حدثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء = يعني: من غير برص= ثم أعادها إلى كمّه، فعادت إلى لونها الأول.
١٤٩١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: "بيضاء للناظرين"، يقول: من غير برص.
١٤٩٢٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"، قال: نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص.
١٤٩٢١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٩٢٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ونزع يده"، أخرجها من جيبه= "فإذا هي بيضاء للناظرين".
١٤٩٢٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: "ونزع يده" قال: نزع يده من جيبه= "فإذا هي بيضاء للناظرين"، وكان موسى رجلا آدم، فأخرج يده، فإذا هي بيضاء، أشد بياضا اللبن= "من غير سوء"، قال: من غير برص، آيةً لفرعون.
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فألقى موسى عصاه= "فإذا هي ثعبان مبين"، يعني حية= "مبين" يقول: تتبين لمن يراها أنها حية. [[انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]] .
* *
وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٠٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "فإذا هي ثعبان مبين" قال: تحولت حية عظيمة. وقال غيره: مثل المدينة.
١٤٩١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "فإذا هي ثعبان مبين"، يقول: فإذا هي حية كاد يَتَسوَّره= يعني: كاد يَثبُ عليه. [[في المطبوعة: ((كادت)) بالتأنيث في الموضعين وأثبت ما في المخطوطة. وفي ((الحية)) ذكر وأنثى.]] .
١٤٩١١ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "فإذا هي ثعبان مبين"، "والثعبان": الذكر من الحيات، فاتحةً فاها، واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، [[(اللحي)) بفتح اللام وسكون الحاء، وهما ((لحيان)) : وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحى.]] ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رأها ذُعِر منها، ووثب فأحدث، ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها وأنا مؤمن بك، وأرسل معك بنى إسرائيل! فأخذها موسى فعادت عصًا.
١٤٩١٢ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "فإذا هي ثعبان مبين" قال: ألقى العصا فصارت حية، فوضعت فُقْمًا لها أسفل القبة، وفُقْمًا لها أعلى القبة [[((الفقم)) (بضم فسكون) هو ((اللحي)) الذي فسرته قبل، وهما ((فقمان)) .]] = قال عبد الكريم، قال إبراهيم: وأشار سفيان بأصبعه الإبهام والسبابة هكذا: شِبْه الطاق [[((الطاق)) هو عقد البناء، وهو ما عطف من الأبنية كأنه القوس.]] = فلما أرادت أن تأخذه، قال فرعون: يا موسى خذها! فأخذها موسى بيده، فعادت عصا كما كانت أول مرة.
١٤٩١٣ - حدثنا العباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ألقى عصاه فتحولت حيه عظيمة فاغرةً فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رأى فرعون أنها قاصدةٌ إليه، اقتحم عن سريره، [[((اقتحم عن سريره)) ، رمي بنفسه وسقط عن سريره.]] فاستغاث بموسى أن يكفَّها عنه، ففعل.
١٤٩١٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " ثعبان مبين" قال: الحية الذكر.
١٤٩١٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما دخل موسى على فرعون، قال له فرعون: [[في المطبوعة والمخطوطة: ((قال له موسي: أعرفك)) ، وهو خطأ لا شك فيه، صوابه من تفسير ابن كثير ٣: ٥٢٧.]] أعرفك؟ قال: نعم! قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا؟ [سورة الشعراء: ١٨] . قال: فرد إليه موسى الذي ردَّ، فقال فرعون: خذوه! فبادره موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فحملت على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضُهم بعضًا، وقام فرعون منهزمًا حتى دخل البيتَ.
١٤٩١٦ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى، [سورة طه: ٢٠] ، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((فألقي عصاه فإذا هي حية تسعي)) ليس هذا في شيء من التلاوة، والتلاوة ما أثبت.]] قال: ما بين لَحْيَيها أربعون ذراعًا.
١٤٩١٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن جويبر، عن الضحاك: "فإذا هي ثعبان مبين"، قال: الحية الذكر.
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله: "ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"، فإنه يقول: وأخرج يده، فإذا هي بيضاء تلوح لمن نظر إليها من الناس. [[انظر تفسير ((نزع)) فيما سلف ١٢: ٤٣٧.]] .
* *
وكان موسى، فيما ذكر لنا، آدمَ، فجعل الله تحوُّل يده بيضاء من غير برص، له آية، وعلى صدق قوله: "إني رسول من رب العالمين"، حجة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩١٨ - حدثنا العباس قال، أخبرنا يزيد قال، حدثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال، أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء = يعني: من غير برص= ثم أعادها إلى كمّه، فعادت إلى لونها الأول.
١٤٩١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قوله: "بيضاء للناظرين"، يقول: من غير برص.
١٤٩٢٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين"، قال: نزع يده من جيبه بيضاء من غير برص.
١٤٩٢١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٤٩٢٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: "ونزع يده"، أخرجها من جيبه= "فإذا هي بيضاء للناظرين".
١٤٩٢٣ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: "ونزع يده" قال: نزع يده من جيبه= "فإذا هي بيضاء للناظرين"، وكان موسى رجلا آدم، فأخرج يده، فإذا هي بيضاء، أشد بياضا اللبن= "من غير سوء"، قال: من غير برص، آيةً لفرعون.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت الجماعة من رجال قوم فرعون والأشراف منهم [[انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص ١٢،، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = "إن هذا"، يعنون موسى صلوات الله عليه = "لساحر عليم"، يعنون: أنه يأخذ بأعين الناس بخداعه إياهم، حتى يخيل إليهم العصا حية، والآدم أبيض، والشيء بخلاف ما هو به. ومنه قيل: "سَحر المطرُ الأرضَ"، إذا جادها، فقطع نباتها من أصوله، وقلب الأرض ظهرًا لبطن، فهو يَسْحَرُها سَحْرًا"، و"الأرض مسحورة"، إذا أصابها ذلك. [[هذا البيان عن معنى ((سحر المطر الأرض)) ، جيد جداً، مبين عن معنى الكلمة، وهو أوضح مما جاء في كتب اللغة، فليقيد هذا هناك.]] فشبه "سحر الساحر" بذلك، لتخييله إلى من سحره أنه يرى الشيء بخلاف ما هو به، [[انظر تفسير ((السحر)) فيما سلف ٢: ٤٣٦ - ٤٤٢ / ١١: ٢٦٥.]] ومنه قول ذي الرمة في صفة السراب:
وَسَاحِرَةِ العُيُونِ مِنَ المَوَامِي تَرقَّصُ في نَوَاشِرِهَا الأرُومُ [[ديوانه: ٥٩١، واللسان (أرم) ، بهذه الرواية، أما رواية الديوان فهي: وَسَاحِرَةِ السَّرَابِ مِنَ المَوَامِي ... تَرَقَّصُ فِي عَسَاقِلِهَا الأُورُومُ
تَمُوتُ قَطَا الفَلاةِ بِهَا أُوَامًا ... وَيَهْلِكُ فِي جَوَانِبِهَا النَّسِيمُ
بِهَا غُدُرٌ، وَلَيْسَ بِهَا بَلالٌ ... وَأَشْبَاحٌ تَحُولُ وَلا تَرِيمُ
وهذا شعر غاية! ، والرواية التي هنا هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن. ورواية أبي عمرو بن العلاء: ((نواشرها)) . وكان في المطبوعة: ((نواشزها)) بالزاي، وهي في المخطوطة غير منقوطة. و ((الموامى)) جمع موماة، وهي المفازة الواسعة الملساء، لا ماء بها ولا أنيس. و ((العساقل)) جمع ((عسقلة)) ، و ((العساقيل)) جمع ((عسقول)) ، وهي قطع السراب التي تلمع وتتريع لعين الناظر. و ((الأوروم)) جمع إرم، وهي الأعلام، وقيل: هي قبور عاد وإرم. ورواية ديوانه ((وساجرة)) بالجيم، أي مملوءة من السراب. يصف السراب وهو يترجرج، فترى الحجارة والأعلام ترتفع فيه وتنخفض، وهو يتحرك بها. وأما رواية أبي جعفر ((ترقص في نواشرها)) ، فلم أجد له تفسيرًا عند أحد من شراح الشعر، أو في كتب اللغة. وظني أنه يعني به السراب كما قال ((في عساقلها)) ، وإنها من ((نشر الشيء)) بسطه ومده، وعنى به ما يمتد من السراب وينبسط؟]] .
وقوله ﴿عليم﴾ يقول: ساحر عليم بالسحر [[انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]] = "يريد أن يخرجكم من أرضكم" أرض مصر، معشر القبط السحرة [[هكذا في المخطوطة مضبوطة بشدة على السين: ((السحرة)) ولو قرئت ((بسحره)) ، لكان صواب جيداً.]] = وقال فرعون للملأ "فماذا تأمرون" يقول: فأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ بأي شيء تشيرون فيه؟
* *
وقيل: "فماذا تأمرون"، والخبر بذلك عن فرعون، ولم يذكر فرعون، وقلما يجيء مثل ذلك في الكلام، وذلك نظير قوله: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ، [يوسف: ٥١-٥٢] . فقيل: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، من قول يوسف، ولم يذكر يوسف، ومن ذلك أن يقول: "قلت لزيد قم، فإنى قائم"، وهو يريد: "فقال زيد: إنّي قائم". [[انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٧]] .
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت الجماعة من رجال قوم فرعون والأشراف منهم [[انظر تفسير ((الملأ)) فيما سلف ص ١٢،، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = "إن هذا"، يعنون موسى صلوات الله عليه = "لساحر عليم"، يعنون: أنه يأخذ بأعين الناس بخداعه إياهم، حتى يخيل إليهم العصا حية، والآدم أبيض، والشيء بخلاف ما هو به. ومنه قيل: "سَحر المطرُ الأرضَ"، إذا جادها، فقطع نباتها من أصوله، وقلب الأرض ظهرًا لبطن، فهو يَسْحَرُها سَحْرًا"، و"الأرض مسحورة"، إذا أصابها ذلك. [[هذا البيان عن معنى ((سحر المطر الأرض)) ، جيد جداً، مبين عن معنى الكلمة، وهو أوضح مما جاء في كتب اللغة، فليقيد هذا هناك.]] فشبه "سحر الساحر" بذلك، لتخييله إلى من سحره أنه يرى الشيء بخلاف ما هو به، [[انظر تفسير ((السحر)) فيما سلف ٢: ٤٣٦ - ٤٤٢ / ١١: ٢٦٥.]] ومنه قول ذي الرمة في صفة السراب:
وَسَاحِرَةِ العُيُونِ مِنَ المَوَامِي تَرقَّصُ في نَوَاشِرِهَا الأرُومُ [[ديوانه: ٥٩١، واللسان (أرم) ، بهذه الرواية، أما رواية الديوان فهي: وَسَاحِرَةِ السَّرَابِ مِنَ المَوَامِي ... تَرَقَّصُ فِي عَسَاقِلِهَا الأُورُومُ
تَمُوتُ قَطَا الفَلاةِ بِهَا أُوَامًا ... وَيَهْلِكُ فِي جَوَانِبِهَا النَّسِيمُ
بِهَا غُدُرٌ، وَلَيْسَ بِهَا بَلالٌ ... وَأَشْبَاحٌ تَحُولُ وَلا تَرِيمُ
وهذا شعر غاية! ، والرواية التي هنا هي رواية أبي عبيدة في مجاز القرآن. ورواية أبي عمرو بن العلاء: ((نواشرها)) . وكان في المطبوعة: ((نواشزها)) بالزاي، وهي في المخطوطة غير منقوطة. و ((الموامى)) جمع موماة، وهي المفازة الواسعة الملساء، لا ماء بها ولا أنيس. و ((العساقل)) جمع ((عسقلة)) ، و ((العساقيل)) جمع ((عسقول)) ، وهي قطع السراب التي تلمع وتتريع لعين الناظر. و ((الأوروم)) جمع إرم، وهي الأعلام، وقيل: هي قبور عاد وإرم. ورواية ديوانه ((وساجرة)) بالجيم، أي مملوءة من السراب. يصف السراب وهو يترجرج، فترى الحجارة والأعلام ترتفع فيه وتنخفض، وهو يتحرك بها. وأما رواية أبي جعفر ((ترقص في نواشرها)) ، فلم أجد له تفسيرًا عند أحد من شراح الشعر، أو في كتب اللغة. وظني أنه يعني به السراب كما قال ((في عساقلها)) ، وإنها من ((نشر الشيء)) بسطه ومده، وعنى به ما يمتد من السراب وينبسط؟]] .
وقوله ﴿عليم﴾ يقول: ساحر عليم بالسحر [[انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم) .]] = "يريد أن يخرجكم من أرضكم" أرض مصر، معشر القبط السحرة [[هكذا في المخطوطة مضبوطة بشدة على السين: ((السحرة)) ولو قرئت ((بسحره)) ، لكان صواب جيداً.]] = وقال فرعون للملأ "فماذا تأمرون" يقول: فأي شيء تأمرون أن نفعل في أمره؟ بأي شيء تشيرون فيه؟
* *
وقيل: "فماذا تأمرون"، والخبر بذلك عن فرعون، ولم يذكر فرعون، وقلما يجيء مثل ذلك في الكلام، وذلك نظير قوله: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ، [يوسف: ٥١-٥٢] . فقيل: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"، من قول يوسف، ولم يذكر يوسف، ومن ذلك أن يقول: "قلت لزيد قم، فإنى قائم"، وهو يريد: "فقال زيد: إنّي قائم". [[انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٧]] .
القول في تأويل قوله: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره. قال الملأ من قوم فرعون لفرعون: أرجئه: أي أخِّره.
* *
وقال بعضهم: معناه: احبس.
* *
والإرجاء في كلام العرب التأخير. يقال منه: "أرجيت هذا الأمر"، و"أرجأته"، إذا أخرته. ومنه قول الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ ، [سورة الأحزاب: ٥١] تؤخر، فالهمز من كلام بعض قبائل قيس، يقولون: "أرجأت هذا الأمر"، وترك الهمز من لغة تميم وأسد، يقولون: "أرجيته". [[تفصيل اللغات ونسبتها إلى قبائلها، ليس في شيء من معاجم اللغة، فهي زيادة تقيد في مكانها هناك.]] .
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة المدينة وبعض العراقيين: "أَرْجِهِ" بغير الهمز وبجرّ الهاء.
وقرأه بعض قرأة الكوفيين: "أَرْجِهْ" بترك الهمز وتسكين "الهاء"، على لغة من يقف على الهاء في المكنيِّ في الوصل، [[((المكنى)) ، الضمير.]] إذا تحرك ما قبلها، كما قال الراجز: [[هو دويد بن زيد بن نهد القضاعى، وهو أحد المعمرين.]]
أَنْحَى عَلَيَّ الدَّهْرُ رِجْلا وَيَدَا يُقْسِمُ لا يُصْلِحُ إلا أَفْسَدَا
فَيُصْلِحُ الْيَوْمَ وَيُفْسِدُهُ غَدَا [[طبقات فحول الشعراء: ٢٨، والمعمرين: ٢٠، وأما لى الشريف ١: ١٣٧، والشعر والشعراء: ٥١ والمؤتلف والمختلف: ١١٤، وشرح شواهد الشافية: ٢٧٤؛ وغيرها كثير، وهو من قديم الشعر، كما قال ابن سلام. ورواية هذه الأبيات تختلف اختلافا كبيرا في المراجع جميعا كما أشرت إليه في شرح طبقات ابن سلام. وكان في المطبوعة ((ألحى على الدهر)) ، و ((فقسمه لا نصلح)) ، وهذا خطأ فاسد صوابه في المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء.]]
وقد يفعلون مثل هذا بهاء التأنيث، فيقولون: "هذه طلحَهْ قد أقبلت"، كما قال الراجز: [[يقال هو: منظور بن حبة الأسدي.]]
لَمَّا رأَى أنْ لا دَعَهْ وَلا شِبَعْ مَالَ إلَى أَرْطَأةِ حِقْفٍ فَاضْطَجَعْ [[معاني القرآن للفراء ١: ٣٨٨، إصلاح المنطق: ١٠٨، وتهذيب إصلاح المنطق ١: ١٦٧، وشرح شواهد الشافية: ٢٧٤ - ٢٧٦، ٤٨٠، يصف ظبيا، ويقول قبله: يَا رَبُّ أَبَّازٍ مِنَ العُفْرِ صَدَعْ ... تَقَبَّضَ الذّئْبُ إِلَيْهِ وَاجْتَمَعْ
قال التبريزى في شرحها: ((يصف ظبياً. والأباز: الذي يقفز. والعفر من الظباء: التي تعلو ألوانها حمرة. وتقبض: أي أنه جمع قوائمه ليثبت على الظبى. لما رأي أن أن لا دعه، يعني الذئب، لما رأي أنه لا يشبع من الظبى ولا يدركه، وأنه قد تعب في طلبه. مال إلى أرطاة فاضطجع عندها. والأرطى: ضرب من شجر الرمل، واحدته أرطاة. والحقف: المعوج من الرمل)) .]] وقراه بعض البصريين: "أَرْجِئْهُ" بالهمز وضم "الهاء"، على لغة من ذكرت من قيس.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، أشهرها وأفصحها في كلام العرب، وذلك ترك الهمز وجرُّ "الهاء"، وإن كانت الأخرى جائزة، غير أن الذي اخترنا أفصح اللغات وأكثرها على ألسن فصحاء العرب.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "أرجه"
فقال بعضهم: معناه: أخره.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٤ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: "أرجه وأخاه" قال: أخِّره.
* *
وقال آخرون. معناه احبسه.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "أرجه وأخاه"، أي: أحبسه وأخاه.
* *
وأما قوله: "وأرسل في المدائن حاشرين" يقول: من يحشرُ السحرة فيجمعهم إليك. [[انظر تفسير "الحشر" فيما سلف ١٢: ١١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] .
* *
وقيل: هم الشُّرَط.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٢٦ - حدثني عباس بن أبي طالب قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن ابن عباس: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٨ - قال: حدثنا حميد، عن قيس، عن السدي: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٢٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: "في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
١٤٩٣٠ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وأرسل في المدائن حاشرين"، قال: الشرط.
القول في تأويل قوله: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشورة الملأ من قوم فرعون على فرعون، أن يرسل في المدائن حاشرين يحشرون كل ساحر عليم.
* *
=وفي الكلام محذوف، اكتفى بدلالة الظاهر من إظهاره، وهو: فأرسل في المدائن حاشرين، يحشرون السحرة.
* *
="فجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرًا" يقول: إن لنا لثوابًا على غلبتنا موسى عندك [[انظر تفسير ((الأجر)) فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) .]] = "إن كنا"، يا فرعون، "نحن الغالبين".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٣١ - حدثنا العباس قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "فأرسل في المدائن حاشرين"، فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعملُ هذا الساحر؟ [[في المطبوعة: ((بم يعمل)) وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضاً.]] قالوا: يعمل بالحيات. قالوا: والله ما في الأرض قوم يعملون بالسحر والحيات والحبال والعصي أعلم منا، فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتم قرابتي وحامَّتي، [[في المطبوعة: ((وحاميتى)) ، والصواب في المخطوطة. و ((الحامة)) و ((الحميم)) خاصة الرجل من أهله وولده وذوى قرابته.]] وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم.
١٤٩٣٢ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال فرعون: لا نغالبه = يعني موسى = إلا بمن هو منه، فأعدّ علماء من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية بمصر يقال لها: "الفرما"، يعلمونهم السحر كما يعلم الصبيان الكِتَاب في الكتّاب. قال: فعلموهم سحرًا كثيرًا. قال: وواعد موسى فرعون موعدًا، فلما كان في ذلك الموعد، بعث فرعون، فجاء بهم وجاء بمعلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم من السحر سحرًا لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمرًا من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، فأما سحر أهل الأرض، فإنه لن يغلبهم. فلما جاءت السحرة قالوا لفرعون: أئن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم إذًا لمن المقربين. [[هكذا جاءت في المخطوطة. كما كتبتها، لم يذكر لفظ الآية كما هو في التلاوة.]]
١٤٩٣٣ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فأرسل فرعون في المدائن حاشرين"، فحشروا عليه السحرة= "فلما جاء السحرة فرعون قالوا إنّ لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين" يقول: عطية تعطينا= "إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن المقربين".
١٤٩٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ساحر عليم"، أي كاثره بالسحرة، لعلك أن تجد في السحرة من يأتي بمثل ما جاء به. وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم. [[في المطبوعة: ((من سلطانه)) ، وكان في المخطوطة: ((من سلطان وبعث فرعون)) ، أسقط من الكلام ما أثبته من تاريخ الطبري ١: ٢١٠.]] وبعث فرعون في مملكته، فلم يترك في سلطانه ساحرًا إلا أتي به. فذكر لي، والله أعلم، أنه جمع له خمسة عشر ألف ساحر، فلما اجتمعوا إليه، أمرهم أمره، وقال لهم: قد جاءنا ساحرٌ ما رأينا مثله قط، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم، وقرَّبتكم على أهل مملكتي! قالوا: وإن لنا ذلك إن غلبناه؟ قال: نعم!. [[الأثر: ١٤٩٣٤ - هذا جزء من خبر طويل رواه أبو جعفر؛ بإسناده هذا في تاريخه ١: ٢١٠.]] .
١٤٩٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة قال: السحرة كانوا سبعين= قال أبو جعفر: أحسبه أنه قال: ألفًا. [[يعني "سبعين ألفًا.]]
١٤٩٣٦ - قال: حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن ابن المنذر، قال: كان السحرة ثمانين ألفا.
١٤٩٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن خيثمة، عن أبي سودة، عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفًا.
القول في تأويل قوله: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشورة الملأ من قوم فرعون على فرعون، أن يرسل في المدائن حاشرين يحشرون كل ساحر عليم.
* *
=وفي الكلام محذوف، اكتفى بدلالة الظاهر من إظهاره، وهو: فأرسل في المدائن حاشرين، يحشرون السحرة.
* *
="فجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرًا" يقول: إن لنا لثوابًا على غلبتنا موسى عندك [[انظر تفسير ((الأجر)) فيما سلف من فهارس اللغة (أجر) .]] = "إن كنا"، يا فرعون، "نحن الغالبين".
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٣١ - حدثنا العباس قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "فأرسل في المدائن حاشرين"، فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعملُ هذا الساحر؟ [[في المطبوعة: ((بم يعمل)) وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب أيضاً.]] قالوا: يعمل بالحيات. قالوا: والله ما في الأرض قوم يعملون بالسحر والحيات والحبال والعصي أعلم منا، فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتم قرابتي وحامَّتي، [[في المطبوعة: ((وحاميتى)) ، والصواب في المخطوطة. و ((الحامة)) و ((الحميم)) خاصة الرجل من أهله وولده وذوى قرابته.]] وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم.
١٤٩٣٢ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال فرعون: لا نغالبه = يعني موسى = إلا بمن هو منه، فأعدّ علماء من بني إسرائيل، فبعث بهم إلى قرية بمصر يقال لها: "الفرما"، يعلمونهم السحر كما يعلم الصبيان الكِتَاب في الكتّاب. قال: فعلموهم سحرًا كثيرًا. قال: وواعد موسى فرعون موعدًا، فلما كان في ذلك الموعد، بعث فرعون، فجاء بهم وجاء بمعلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم من السحر سحرًا لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمرًا من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، فأما سحر أهل الأرض، فإنه لن يغلبهم. فلما جاءت السحرة قالوا لفرعون: أئن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم إذًا لمن المقربين. [[هكذا جاءت في المخطوطة. كما كتبتها، لم يذكر لفظ الآية كما هو في التلاوة.]]
١٤٩٣٣ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: فأرسل فرعون في المدائن حاشرين"، فحشروا عليه السحرة= "فلما جاء السحرة فرعون قالوا إنّ لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين" يقول: عطية تعطينا= "إن كنا نحن الغالبين* قال نعم وإنكم لمن المقربين".
١٤٩٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: "أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين* يأتوك بكل ساحر عليم"، أي كاثره بالسحرة، لعلك أن تجد في السحرة من يأتي بمثل ما جاء به. وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم. [[في المطبوعة: ((من سلطانه)) ، وكان في المخطوطة: ((من سلطان وبعث فرعون)) ، أسقط من الكلام ما أثبته من تاريخ الطبري ١: ٢١٠.]] وبعث فرعون في مملكته، فلم يترك في سلطانه ساحرًا إلا أتي به. فذكر لي، والله أعلم، أنه جمع له خمسة عشر ألف ساحر، فلما اجتمعوا إليه، أمرهم أمره، وقال لهم: قد جاءنا ساحرٌ ما رأينا مثله قط، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضلتكم، وقرَّبتكم على أهل مملكتي! قالوا: وإن لنا ذلك إن غلبناه؟ قال: نعم!. [[الأثر: ١٤٩٣٤ - هذا جزء من خبر طويل رواه أبو جعفر؛ بإسناده هذا في تاريخه ١: ٢١٠.]] .
١٤٩٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة قال: السحرة كانوا سبعين= قال أبو جعفر: أحسبه أنه قال: ألفًا. [[يعني "سبعين ألفًا.]]
١٤٩٣٦ - قال: حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا موسى بن عبيدة، عن ابن المنذر، قال: كان السحرة ثمانين ألفا.
١٤٩٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن خيثمة، عن أبي سودة، عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفًا.
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال فرعون للسحرة، إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابًا إن نحن غلبنا موسى؟ قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لممن أقرِّبه وأدْنيه مني= "قالوا يا موسى" يقول: قالت السحرة لموسى: يا موسى، اختر أن تلقي عصاك، أو نلقي نحن عصينا. ولذلك أدخلت "أن" مع "إما" في الكلام، لأنها في موضع أمر بالاختيار. ف"أن" إذًا في موضع نصب لما وصفت من المعنى، لأن معنى الكلام: اختر أن تلقي أنت، أو نلقي نحن، والكلام مع "إما" إذا كان على وجه الأمر، فلا بد من أن يكون فيه "أن"، كقولك للرجل: إما أن تمضي، وإما أن تقعد"، بمعنى الأمر: امض أو اقعد، فإذا كان على وجه الخبر، لم يكن فيه "أن" كقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] . وهذا هو الذي يسمى "التخيير" [[قوله: ((وهذا الذي سيمى التخيير)) ، هو الحكم الأول في دخول ((أن)) مع ((إما)) ، أما الذي يجئ على وجه الخبر نحو: ((إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم)) ، فهم يسمونه ((الإبهام)) . وكان حق أبي جعفر أن يقدم قوله ((وهذا الذي يسمى التخيير)) قبل قوله: ((فإذا كان على وجه الخبر)) ، لرفع الشبهة عن كلامه.]] = وكذلك كل ما كان على وجه الخبر، و"إما" في جميع ذلك مكسورة. [[انظر معاني القرآن ١: ٣٨٩، ٣٩٠، وهو فصل جيد جداً.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال فرعون للسحرة، إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابًا إن نحن غلبنا موسى؟ قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لممن أقرِّبه وأدْنيه مني= "قالوا يا موسى" يقول: قالت السحرة لموسى: يا موسى، اختر أن تلقي عصاك، أو نلقي نحن عصينا. ولذلك أدخلت "أن" مع "إما" في الكلام، لأنها في موضع أمر بالاختيار. ف"أن" إذًا في موضع نصب لما وصفت من المعنى، لأن معنى الكلام: اختر أن تلقي أنت، أو نلقي نحن، والكلام مع "إما" إذا كان على وجه الأمر، فلا بد من أن يكون فيه "أن"، كقولك للرجل: إما أن تمضي، وإما أن تقعد"، بمعنى الأمر: امض أو اقعد، فإذا كان على وجه الخبر، لم يكن فيه "أن" كقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] . وهذا هو الذي يسمى "التخيير" [[قوله: ((وهذا الذي سيمى التخيير)) ، هو الحكم الأول في دخول ((أن)) مع ((إما)) ، أما الذي يجئ على وجه الخبر نحو: ((إما يعذبهم، وإما يتوب عليهم)) ، فهم يسمونه ((الإبهام)) . وكان حق أبي جعفر أن يقدم قوله ((وهذا الذي يسمى التخيير)) قبل قوله: ((فإذا كان على وجه الخبر)) ، لرفع الشبهة عن كلامه.]] = وكذلك كل ما كان على وجه الخبر، و"إما" في جميع ذلك مكسورة. [[انظر معاني القرآن ١: ٣٨٩، ٣٩٠، وهو فصل جيد جداً.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة: ﴿ألقوا﴾ ما أنتم ملقون! فألقت السحرة ما معهم، فلما ألقوا ذلك= "سحروا أعين الناس"، خيلوا إلى أعين الناس بما أحدثوا من التخييل والخُدَع أنها تسعى [[انظر تفسير ((السحر) ٩ فيما سلف ص: ١٩، تعليق ٢، والمراجع هناك.]] "واسترهبوهم"، يقول: واسترهبوا الناس بما سحروا في أعينهم، حتى خافوا من العصيّ والحبال، ظنًّا منهم أنها حيات= "وجاؤوا" كما قال الله، = "بسحر عظيم"، بتخييل عظيم كبير، من التخييل والخداع [[انظر تفسير ((السحر) ٩ فيما سلف ص: ١٩، تعليق ٢، والمراجع هناك.]] . وذلك كالذي: -
١٤٩٣٨ - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون! فألقوا حبالهم وعصيهم! وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل، ليس منهم رجل إلا معه حبل وعصا= "فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم" يقول: فرَّقوهم، [[((فرقوهم)) (بتشديد الراء) ، أدخلوا عليهم الفرق (بفتح الفاء والراء) ، وهو الفزع.]] فأوجس في نفسه خيفة موسى.
١٤٩٣٩ - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ألقوا حبالا غلاظًا طوالا وخشبًا طوالا قال: فأقبلت يخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى.
١٤٩٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: صفّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه. وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمعَ، وفرعونُ في مجلسه مع أشراف مملكته، ثم قالت السحرة: ﴿يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٥-٦٦] . [[في المطبوعة والمخطوطة: ((كأمثال الحبال)) بالحاء، والصواب من التاريخ.]] . فكان أوّل ما اختطفوا بسحرهم بصرَ موسى وبصرَ فرعون، ثم أبصارَ الناس بعدُ. ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصىّ والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الجبال، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((كأمثال الحبال)) بالحاء، والصواب من التاريخ.]] قد ملأت الوادي يركبُ بعضها بعضًا= ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ، [طه: ٦٧] ، وقال: والله إن كانت لعصيًّا في أيديهم، ولقد عادت حيات! وما تعدو عصايَ هذه! [[في المطبوعة والمخطوطة: ((وما تعدوا هذه)) بإسقاط ((عصأي)) ، أثبتها من التاريخ.]] أو كما حدّث نفسه. [[الأثر: ١٤٩٤٠ - وهو جزء من أثر طويل رواه أبو جعفر في تاريخه ١: ٢١٠، ٢١١، وهو تابع للأثر السالف رقم ١٤٩٣٤، وبينهما فصل من كلام.]] .
١٤٩٤١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، وألقوا سبعينَ ألف حبل، وسبعين ألف عصًا، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك، فألقاها فاذا هي تلقم وتبتلع ما يسحرون كذبًا وباطلا.
* *
يقال منه: لقفت الشيء فأنا ألقُفُه لَقْفًا ولَقَفَانًا. [[انظر معاني القرآن للفراء: ٣٩٠.]] .
* *
=وذلك كالذي:-
١٤٩٤٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: "وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك"، فألقى موسى عصاه، فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله.
١٤٩٤٣ - حدثنا عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس: فألقى عصاه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون= لا تمر بشيء من حبالهم وخُشُبهم التي ألقوها إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمرٌ من السماء، وليس هذا بسحر، فخرُّوا سجَّدًا وقالوا: آمنا بربّ العالمين* رب موسى وهارون. [[هذا تضمين آية "سورة طه": ٧٠.]] .
١٤٩٤٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أوحى الله إلى موسى: لا تخف، وألق ما في يمينك تلقف ما يأفكون. فألقى عصاه، فأكلت كل حية لهم. فلما رأوا ذلك سجدوا، وقالوا: آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون.
١٤٩٤٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أوحى الله إليه: أن ألق ما في يمينك! فألقى عصاه من يده، فاستعرضَت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها، حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوه. ثم أخذها موسى، فإذا هى عصاه في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدًا قالوا: "آمنا برب العالمين رب موسى وهارون. لو كان هذا سحرا ما غلبنا"! [[الأثر: ١٤٩٤٥ - جزء من خبر أبي جعفر في تاريخه ١: ٢١٠، ٢١١، وهو تابع للأثر السالف رقم ١٤٩٤٠.]] .
١٤٩٤٦ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: أوحى الله إليه: أن ألق عصاك! فألقى عصاه، فاذا هي ثعبان فاغرٌ فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم. فألقي السحرة عند ذلك سجّدًا، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنارَ وثوابَ هلهما. [[في المطبوعة والمخطوطة: ((وثواب أهلها)) ، والسياق يقتضي ما أثبت.]] .
١٤٩٤٧ - [[أخشى أن يكون سقط قبل هذه الآثار تفسير ((الإفك)) بمعنى الكذب، ولذلك فصلتها عن الآثار التي قبلها.]] حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: "يأفكون" قال: يكذبون.
١٤٩٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: "فإذا هي تلقف ما يأفكون"، قال: يكذبون.
١٤٩٤٩ - حدثنا إبراهيم بن المستمر قال، حدثنا عثمان بن عمر قال، حدثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الحسن: "تلفق ما يأفكون"، قال: حيالهم وعصيهم، تسترطها استراطا. [[الأثر: ١٤٩٤٩ - ((إبراهيم بن المستمر الهذلى الناجى العروقى)) ، ثقة.روى عن أبيه ((المستمر)) ، وعن حيان بن هلال، وأبي داود الطيالسي، وأبي عاصم النبيل، وغيرهم. روى عنه الأربعة، وابن خزيمة، وأبو حاتم مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/١/١٤٠. و ((عثمان بن عمر بن فارس بن لقيط العبدى)) مضى برقم ٥٤٥٨، ٨٣٣٢. و ((سرط الطعام)) ، و ((استرطه)) ، إذا ازدرده، وابتلعه ابتلاعاً سهلا سريعا ً لا غصة فيه.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فظهر الحق وتبين لمن شهده وحضره في أمر موسى، وأنه لله رسول يدعو إلى الحق= "وبطل ما كانوا يعملون"، من إفك السحر وكذبه ومخايله.
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤٩٥٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "فوقع الحق"، قال: ظهر.
١٤٩٥١ - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن مجاهد في قوله: "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعلمون"، قال: ظهر الحق، وذهب الإفك الذي كانوا يعملون.
١٤٩٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: "فوقع الحق"، قال: ظهر الحق.
١٤٩٥٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "فوقع الحق"، ظهر موسى.
القول في تأويل قوله: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغلب موسى فرعون وجموعه= "هنالك"، عند ذلك= "وانقلبوا صاغرين"، يقول: وانصرفوا عن موطنهم ذلك بصغر مقهورين. [[انظر تفسير ((انقلب)) فيما سلف ٣: ١٦٣ / ٧: ٤١٤ / ١٠: ١٧٠.]] . يقال منه: "صغِرَ الرجل يصْغَر صَغَرًا وصُغْرًا وصَغارًا. [[انظر تفسير ((صغر)) فيما سلف ١١٢: ٩٦، ٣٣٠.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) ﴾
القول في تأويل قوله: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فغلب موسى فرعون وجموعه= "هنالك"، عند ذلك= "وانقلبوا صاغرين"، يقول: وانصرفوا عن موطنهم ذلك بصغر مقهورين. [[انظر تفسير ((انقلب)) فيما سلف ٣: ١٦٣ / ٧: ٤١٤ / ١٠: ١٧٠.]] . يقال منه: "صغِرَ الرجل يصْغَر صَغَرًا وصُغْرًا وصَغارًا. [[انظر تفسير ((صغر)) فيما سلف ١١٢: ٩٦، ٣٣٠.]]
القول في تأويل قوله: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) ﴾