John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-A'raaf

Tafsir al-Tabari · The Heights · 206 ayat · ayat 181–206 · Quran text →

القول في تأويل قوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن الخلق الذين خلقنا "أمة"، يعني جماعة [[انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ص: ٢٠٨. تعليق: ٢. والمراجع هناك]] = "يهدون"، يقول: يهتدون بالحق [[انظر تفسير ((هدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) .]] = ﴿وبه يعدلون﴾ ، يقول: وبالحق يقضُون ويُنصفون الناس، [[انظر تفسير ((عدل)) فيما سلف ص: ١٧٢، تعليق. ٣، والمراجع هناك]] كما قال ابن جريج: -

١٥٤٥٨ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿أمة يهتدون بالحق وبه يعدلون﴾ قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: هذه أمتي! قال: بالحق يأخُذون ويعطون ويَقْضُون.

١٥٤٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ ... [[وضعت هذه النقط، لأن الخبر لم يتم، فإما أن يكون سقط من الناسخ، وإما أن يكون إسناداً آخر للخبر الذي يليه.]]

١٥٤٦٠ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ ، بلغنا أن نبي الله ﷺ كان يقول إذا قرأها: هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلَها: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ، [سورة الأعراف: ١٥٩] .

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بأدلتنا وأعلامِنا، فجحدوها ولم يتذكروا بها، سنمهله بغِرَّته ونزين له سوء عمله، [[فاجأنا أبو جعفر بطرح ضمير الجمع منصرفاً إلى ضمير المفرد، وهو غريب جداً. ولكن هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة. وتركته على حاله، لأني أظن أن أبا جعفر كان أحياناً يستغرقه ما يريد أن يكتب، فربما مال به الفكر من شق الكلام إلى شق غيره. وقد مضى مثل ذلك في بعض المواضع، حيث أشرت إليها. وهذا مفيد في معرفة تأليف المؤلفين، وما الذي يعتريهم وهم يكتبون. ولذلك لم أغيره، احتفاظاً بخصائص ما كتب أبو جعفر. وأنا أستبعد أن يكون ذلك من الناسخ، لأن الجملة أطول من يسهو الناسخ في نفلها كل هذا السهو، ويدخل في جميع ضمائرها كل هذا التغيير. ثم انظر ما سيأتي ص: ٣٣٨، تعليق: ٢.]] حتى يحسب أنه فيما هو عليه من تكذيبه بآيات الله إلى نفسه محسن، وحتى يبلغ الغايةَ التي كُتِبَتْ له من المَهَل، ثم يأخذه بأعماله السيئة، فيجازيه بها من العقوبة ما قد أعدَّ له. وذلك استدراج الله إياه.

* *

وأصل "الاستدراج" اغترارُ المستدرَج بلطف من [استدرجه] ، [[ما بين القوسين، ساقط من المخطوطة والمطبوعة، والسياق يقتضيها كما ترى.]] حيث يرى المستدرَج أن المستدرِج إليه محسنٌ، حتى يورِّطه مكروهًا.

* *

وقد بينا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[غاب عني موضعه فلم أجده.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأُؤخر هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا. [وأصل "الإملاء" من قولهم: "مضى عليه مليٌّ، ومِلاوَة ومُلاوَة] ، ومَلاوة" = بالكسر والضم والفتح = "من الدهر"، [[لا شك أنه قد سقط من كلام أبي جعفر شيء، أتممته استظهاراً، من مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣٤، وضعته بين قوسين. وسيتبين لك بعد أن الكلام في هذه الفقرات مقطع غير متصل، فلا أدري أهو من الناسخ أم من أبي جعفر، ولذلك فصلت بعضه عن بعض. فتنبه إلى هذا الفصل بين المتتابعين، بكلام مفسر، كما ترى. وكان في المطبوعة: ((ملاءة)) . وأثبت ما في المخطوطة.]] وهي الحين، ومنه قيل: انتظرتُك مليًّا. [[انظر تفسير ((الإملاء)) فيما سلف ٧: ٤٢١، ٤٢٢.]]

* *

= [[سياق الكلام: (وأواخر هؤلاء ... ليبلغوا ... ))]] ليبلغوا بمعصيتهم ربهم، المقدارَ الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذاب ثم يقبضهم إليه.

* *

﴿إن كيدي﴾ .

* *

والكيد: هو المكر. [[انظر تفسير ((الكيد)) فيما سلف ٧: ١٥٦ / ٨: ٥٤٧.]]

* *

وقوله: ﴿متين﴾ ، يعني: قويٌّ شديدٌ، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]] [عدلن عدول الناس وأقبح] يَبْتَلِي أَفَانِينَ مِنْ أُلْهُوبِ شَدٍّ مُمَاتِنِ [[جاء البيت في المطبوعة:عَدَلْنَ عُدُولَ الناسِ وأقبح يبتلى ... أقاس من الهراب شد مُمَاتِن

وفي المخطوطة:عدلن عدول الناس دامح سلى ... اماسن من الهرب سد مماتن

غير منقوط إلا ما نقطته.

وصدر البيت لم أعرف له وجهاً، وأما قراءة عجز البيت، فصوابه قراءته ما أثبته بلا ريب، وإنما يصف نوقاً أو خيلا. و ((الأفانين)) جمع ((أفنون)) ، وهو الجرى المختلط من جرى الفرس والناقة. يقال: ((جرى الفرس أفانين من الجرى)) ، و ((أفتن الفرس في جريه)) ، و ((الألهوب)) : أن يجتهد الفرس في عدوه ويضطرم، حتى يثير الغبار. يقال: ((شد ألهوب)) . ويقال: ((ألهب الفرس)) ، اضطرم جريه. و ((الشد)) ، العدو. يقال: ((شد الفرس وغيره في العدو، شداً واشتد)) ، أي: أسرع وعدا عدواً شديداً. وتركت صدر البيت بحاله، حتى أجد له مرجعاً يصححه.]]

يعني: سيرًا شديدًا باقيًا لا ينقطع. [[في المخطوطة: ((يعنى سبباً شديداً)) ، وما في المطبوعة قريب من الصواب.]]

القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم يتفكر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولَنا الذي أرسلناه إليهم، لا جنَّة به ولا خَبَل، وأن الذي دعاهم إليه هو [الرأي] الصحيح، والدين القويم، والحق المبين؟ [[في المطبوعة: ((هو الدين الصحيح القويم)) ، غير ما في المخطوطة، وزدت ما بين القوسين استظهاراً من السياق.]] وإنما نزلت هذه الآية فيما قيل، [[في المطبوعة: ((ولذا نزلت هذه الآية)) ، وفي المخطوطة: ((وإذا أنزلت)) ، ورأيت أن الصواب ما أثبت، على شك منى أن يكون الكلام خرم.]] كما: -

١٥٤٦١ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان على الصَّفا، [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة وابن كثير: "كان على الصفا" وأرجح أن صوابها " قام على الصفا" كما جاء في سائر الأخبار في تفسير آية سورة الشعراء: ٢١٤، (تفسير الطبري) : ١٩: ٧٣- ٧٦ بولاق.]] فدعا قريشًا، فجعل يفخِّذُهم فخذًا فخذًا: "يا بني فلان، يا بني فلان! " [[((فخذ الرجل بنى فلان تفخيداً)) ، دعاهم فخذاً فخذاً. و ((الفخذ)) فرقة من فرق الجماعات والعشائر. يقال: ((الشعب)) ، ثم ((القبيلة)) ، ثم ((الفصيلة)) ، ثم ((العمارة)) ثم ((البطن)) ، ثم ((الفخذ)) .]] فحذّرهم بأس الله، ووَقَائع الله، فقال قائلهم: "إن صاحبكم هذا لمجنون! باتَ يصوّت إلى الصباح =أو: حتى أصبح! " فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أوَ لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين﴾ .

* *

ويعني بقوله: ﴿إن هو إلا نذير مبين﴾ ،: ما هو إلا نذيرٌ ينذركم عقاب الله على كفركم به، [[في المطبوعة: ((منذركم)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] إن لم تنيبوا إلى الإيمان به. [[انظر تفسير ((النذير)) فيما سلف ١١: ٣٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿مبين﴾ ، قد أبان لكم، أيها الناس، إنذارُه ما أنذركم به من بأس الله على كفركم به. [[انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين) .]]

القول في تأويل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآيات الله، في ملك الله وسلطانه في السموات وفي الأرض، [[انظر تفسير ((الملكوت)) فيما سلف ١١: ٤٧٠.]] وفيما خلق جل ثناؤه من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك، ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمنْ لا نظير له ولا شبيه، [[في المطبوعة: ((ممن لا نظير له)) ، غير ما في المخطوطة، بلا علة.]] ومِنْ فِعْلِ من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذرُوا أن تكون آجالهم قد اقتربت، [[انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.

* *

وقوله: ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ ، يقول: فبأيّ تخويفٍ وتحذير ترهيب بعد تحذير محمد ﷺ وترهيبِه الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه، يصدِّقون، إن لم يصدقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به محمد ﷺ من عند الله تعالى؟ [[انظر تفسير ((الحديث)) فيما سلف ٨: ٥٩٢، ٥٩٣.]]

القول في تأويل قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن إعراض هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، التاركي النظر في حجج الله والفكر فيها، لإضلال الله إياهم، ولو هداهم الله لاعتبرُوا وتدبَّروا فأبصروا رُشْدهم؛ ولكن الله أضلَّهم، فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلا ومن أضلَّه عن الرشاد فلا هادي له إليه، ولكن الله يدعهم في تَمَاديهم في كفرهم، وتمرُّدهم في شركهم، يترددون، ليستوجبوا الغايةَ التي كتبها الله لهم من عُقوبته وأليم نَكاله. [[انظر تفسير ((الضلال)) و ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل) ، (هدى) = تفسير ((يذر)) فيما سلف ص: ٣٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ص ١٢: ٤٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = تفسير ((العمه)) فيما سلف ١: ٣٠٩ - ٣١١ / ١٢: ٤٦.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ﴿يسألونك عن الساعة﴾ . فقال بعضهم: عني بذلك قومُ رسول الله ﷺ من قريش، وكانوا سألوا عن ذلك رسولَ الله ﷺ.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٦٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد ﷺ: إنّ بيننا وبينك قرابة، فأسِرَّ إلينا متى الساعة! فقال الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ . [[الأثر: ١٥٤٦٢ - سيأتي برقم: ١٥٤٨١.]]

* *

وقال آخرون: بل عُني به قوم من اليهود.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٦٣ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال جَبَل بن أبي قشير، وشمول بن زيد، لرسول الله ﷺ [[في المطبوعة: ((حمل بن أبي قشير)) ، وهي في المخطوطة كما أثبتها غير منقوطة. والصواب أيضاً في سيرة ابن هشام ٢: ١٦٢، ٢١٨، وكتب هناك: ((شمويل)) ، وهما سواء، وفي المطبوعة هنا ((سمول)) غير منقوطة كما في المخطوطة.]] يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول، فإنا نعلم متى هي؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي﴾ ، إلى قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ . [[الأثر: ١٥٤٦٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٨، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٢٢١٦.]]

١٥٤٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن طارق بن شهاب قال: كان النبي ﷺ لا يزال يذكُر من شأن الساعة حتى نزلت: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ . [[الأثر: ١٥٤٦٤ - ((إسماعيل بن أبي خالد الأحمسى)) ثقة ثبت، مضى برقم: ٥٦٩٤، ٥٧٧٧، ١٢٢٨٠. و ((طارق بن شهاب الأحمسى)) ، رأي النبي ﷺ، وروى عنه مرسلا، مضى مرارًا، رقم: ٩٧٤٤، ١١٦٨٢، ١٢٠٧٣، ١٢٠٧٥، ١٢٠٨٥. وكان في المطبوعة والمخطوطة: ((مخارق بن شهاب)) ، وهو خطأ صرف، صوابه من ابن كثير. وهذا الخبر ساقه ابن كثير في تفسيره ٣: ٦٠٩، وقال: ((ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وهذا إسناد جيد قوي)) .]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قومًا سألوا رسول الله ﷺ عن الساعة، فأنزل الله هذه الآية = وجائز أن يكون كانوا من قريش = وجائز أن يكونوا كانوا [[في المطبوعة: ((أن يكون كانوا)) مرة أخرى، ولكنى أثبت ما في المخطوطة.]] من اليهود؛ ولا خبر بذلك عندنا يجوِّز قَطْعَ القول على أيّ ذلك كان.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذاً: يسألك القومُ الذين يسألونك عن الساعة ﴿أيان مرساها﴾ ؟ يقول: متى قيامها؟

* *

ومعنى "أيان": متى، في كلام العرب، ومنه قول الراجز: [[لم أعرف قائله.]] أَيَّانَ تَقْضِي حَاجَتِي أَيَّانَا أَمَا تَرَى لِنُجْحِهَا إِبَّانَا [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣٤، اللسان (أبن) . و ((إبان الشيء)) ، زمنه ووقته الذي يصلح فيه، أو يكون فيه.]]

* *

ومعنى قوله: ﴿مرساها﴾ ، قيامها، من قول القائل: "أرساها الله فهي مُرْسَاة"، و"أرساها القوم"، إذا حبسوها، و"رسَت هي، ترسُو رُسُوًّا".

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٦٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ ،: يقول متى قيامها.

* *

١٥٤٦٦- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ ،: متى قيامها؟

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: مُنتهاها =وذلك قريب المعنى من معنى مَن قال: معناه: "قيامها"، لأن انتهاءها، بلوغها وقتها. وقد بينا أن أصل ذلك: الحبس والوقوف.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٦٧ - حدثنا المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها﴾ ، يعني: منتهاها.

* *

وأما قوله: ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجلِّيها لوقتها إلا هو﴾ ، فإنه أمرٌ من الله نبيَّه محمدًا ﷺ بأن يجيب سائليه عن الساعة بأنه لا يعلم وقت قيامها إلا الله الذي يعلم الغيب، وأنه لا يظهرها لوقتها ولا يعلمها غيرُه جل ذكره، كما: -

١٥٤٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ ، يقول: علمها عند الله، هو يجليها لوقتها، لا يعلم ذلك إلا الله.

١٥٤٦٩ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا يجليها﴾ ،: يأتي بها.

١٥٤٧٠ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: ﴿لا يجليها﴾ ، قال: لا يأتي بها إلا هو.

١٥٤٧١ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ ، يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو.

القول في تأويل قوله: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: ثقلت الساعة على أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومجيئها، لخفائها عنهم، واستئثار الله بعلمها.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٧٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ ، يقول: خفيت في السموات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم مَلَك مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل.

١٥٤٧٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا، عن معمر، عن بعض أهل التأويل: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ ، قال: ثقل علمها على أهل السموات وأهل الأرض، إنهم لا يعلمون.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كَبُرت عند مجيئها على أهل السموات والأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٧٤ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور= وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق = جميعًا، عن معمر قال: قال الحسن، في قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ ، يعني: إذا جاءت ثقلت على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبرت عليهم.

١٥٤٧٥ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكوِّرت الشمس، وسُيِّرت الجبال، وكان ما قال الله؛ فذلك ثقلها.

١٥٤٧٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال بعض الناس في "ثقلت": عظمت.

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿في السموات والأرض﴾ ،: على السموات والأرض.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٧٧ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ ، أي: على السموات والأرض.

* *

قال أبو جعفر: وأولى ذلك عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة في السموات والأرض على أهلها، أن يعرفوا وقتها وقيامها؛ لأن الله أخفى ذلك عن خلقه، فلم يطلع عليه منهم أحدًا. وذلك أن الله أخبرَ بذلك بعد قوله: ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ ، وأخبر بعده أنها لا تأتي إلا بغتة، فالذي هو أولى: أن يكون ما بين ذلك أيضًا خبرًا عن خفاء علمها عن الخلق، إذ كان ما قبله وما بعده كذلك.

* *

وأما قوله: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ ، فإنه يقول: لا تجيء الساعة إلا فجأة، لا تشعرون بمجيئها، [[انظر تفسير ((البغتة)) فيما سلف ١١: ٣٢٥، ٣٦٠، ٣٦٨ / ١٢: ٥٧٦.]] كما: -

١٥٤٧٨ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ ، يقول: يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.

١٥٤٧٩ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ ، قضى الله أنها لا تأتيكم إلا بغتة. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: إن الساعة تهيج بالناس والرجل يُصْلِح حوضه، والرجلُ يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يسألك هؤلاء القوم عن الساعة، كأنك حَفِيٌّ عنها.

* *

[واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿حفي عنها﴾ ] . [[الزيادة بين القوسين، يقتضيها نهج أبي جعفر في تفسيره.]]

فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفي بهم. وقالوا: معنى قوله: "عنها" التقديم، وإن كان مؤخرًا.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٨٠ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿يسألونك كأنك حفيّ عنها﴾ ، يقول: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناسُ محمدًا ﷺ عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكًا ولا رسولا.

١٥٤٨١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة، فأسِرَّ إلينا متى الساعة! فقال الله: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ . [[الأثر: ١٥٤٨١ - مضى برقم: ١٥٤٦٢.]]

١٥٤٨٢ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ ،: أي حفي بهم. قال: قالت قريش: يا محمد، أسرّ إلينا علم الساعة، لما بيننا وبينك من القرابة = لقرابتنا منك.

١٥٤٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، وهانئ بن سعيد، عن حجاج، عن خصيف، عن مجاهد وعكرمة: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ قال: حفي بهم حين يسألونك.

١٥٤٨٤ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ قال: قريب منهم، وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم. قال: قريب منهم، وتحفَّى عليهم = قال: وقال أبو مالك: كأنك حفي بهم، فتحدثهم. [[الأثر: ١٥٤٨٤ - ((أبو مالك)) ، في هذا الخبر، لم أعرف من يكون؟]]

١٥٤٨٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ ، كأنك صديق لهم.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد استحفيت المسألة عنها فعلمتها.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٨٦ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كأنك حفي عنها﴾ ، استحفيت عنها السؤال حتى علمتَها.

١٥٤٨٧ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾ قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها.

١٥٤٨٨ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ قال: كأنك عالم بها.

١٥٤٨٩ - ... قال: حدثنا حامد بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك: ﴿يسألونك كأنك حفيّ عنها﴾ قال: كأنك تعلمها. [[الأثر: ١٥٤٨٩ - ((جابر بن نوح)) ، مضى برقم: ٥٦٩٤، ٩٨٦٣، وفي المطبوعة ((حامد بن نوح)) ، وفي المخطوطة، سيئ الكتابة، وهذا صوابه.]]

١٥٤٩٠ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: ثني عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ ، يقول: يسألونك عن الساعة، كأنك عندك علمًا منها = ﴿قل إنما علمها عند ربي﴾ .

١٥٤٩١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن بعضهم: ﴿كأنك حفي عنها﴾ ،: كأنك عالم بها.

١٥٤٩٢ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾ قال: كأنك عالم بها. وقال: أخفى علمها على خلقه. وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ، [سورة لقمان: ٣٤] حتى ختم السورة.

١٥٤٩٣ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿يسألونك كأنك حفي عنها﴾ ، يقول: كأنك يعجبك سؤالهم إياك = ﴿قل إنما علمها عند الله﴾ .

* *

وقوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾ ، يقول: لطيف بها. [[هذه الجملة التي أفردتها، لا شك أنها ليست من كلام ابن عباس في الأثر السالف، ولذلك فصلت بينهما. بقى بعد أنى أخشى أن يكون سقط من الناسخ شيء قبل هذه الجملة، فإن الذي ذكره أبو جعفر قولان فقط، لا ثلاثة أقوال، وهذه الجملة الأخيرة. متعلقة بالقول الأول، وكأنها تفسير له.]]

* *

فوجَّه هؤلاء تأويل قوله: ﴿كأنك حفي عنها﴾ ، إلى حفيّ بها، وقالوا: تقول العرب: "تحفّيت له في المسألة"، و"تحفيت عنه". قالوا: ولذلك قيل: "أتينا فلانًا نسأل به"، بمعنى نسأل عنه.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفي بالمسئلة عنها فتعلمها.

فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿حفي عنها﴾ ، ولم يُقَل: "حفي بها"، إن كان ذلك تأويل الكلام؟

قيل: إن ذلك قيل كذلك، لأن الحفاوة إنما تكون في المسألة، وهي البشاشة للمسئول عند المسألة، والإكثار من السؤال عنه، والسؤال يوصل ب "عن" مرة، وب "الباء" مرة. فيقال: "سألت عنه"، و"سألت به". فلما وضع قوله: "حفي" موضع السؤال، وصل بأغلب الحرفين اللذين يوصل بهما "السؤال"، وهو "عن"، كما قال الشاعر: [[هو المعطل الهذلي.]] سُؤَالَ حَفِيٍّ عَنْ أَخِيهِ كَأَنَّهُ بِذِكْرَتِهِ وَسْنَانُ أَوْ مُتَوَاسِنُ [[ديوان الهذليين ٣: ٤٥ من قصيدة له طويلة. وبهذه الرواية التي رواها أبو جعفر ((سؤال حفي)) ، يختل سياق الشعر. وروايته في ديوانه: فإن ترني قصدًا قريبًا، فإنه ... بعيد علي المرء الحجازي أين

بعيد على ذى حاجة، ولو أننى ... إذا نفجت يوماً بها الدار آمن

يقول الذي أمسى إلى الحرز أهله: ... بأي الحشاء أمسى الخليط المباين

سؤال الغني عن أخيه، كأنه ... بذكرته وسنان أو متواسن

و ((الذي أمسى إلى الحرز أهله)) هو الذي صار في مكان حصين آمناً مطمئناً، فهو يسأل عنه ويقول: ((بأي الحشا)) ، بأي النواحي أمسي فلان؟ وهو صاحبه المفارق. ثم يقول: إنه يسأل سؤال غير حفي - لا سؤال حفي - ((سؤال غني عن أخيه)) وأنما يذكره كالنائم أو المتناوم، لقلة حفاوة به. فهذا نقيض رواية أبي جعفر. وكان في المطبوعة: ((يذكره وسنان)) ، والصواب من المخطوطة والديوان.]]

* *

وأما قوله: ﴿قل إنما علمها عند الله﴾ ، فإن معناه: قل، يا محمد، لسائليك عن وقت الساعة وحين مجيئها: لا علم لي بذلك، ولا علم به إلا [عند] الله الذي يعلم غيب السموات والأرض [[في المطبوعة: ((ولا يعلم به إلا الله)) وليس بجيد، وأثبت ما في المخطوطة وزدت ما يقتضيه السياق بين قوسين.]] = ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك لا يعلمه إلا الله، بل يحسبون أن علم ذلك يوجد عند بعض خلقه.

القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لسائليك عن الساعة: "أيان مرساها؟ " = ﴿لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا﴾ ، يقول: لا أقدر على اجتلاب نفع إلى نفسي، ولا دفع ضر يحلّ بها عنها إلا ما شاء الله أن أملكه من ذلك، بأن يقوّيني عليه ويعينني [[انظر تفسير ((ملك)) فيما سلف ١٠: ١٤٧، ١٨٧، ٣١٧.]] = ﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾ ، يقول: لو كنت أعلم ما هو كائن مما لم يكن بعد [[انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف ١١: ٤٦٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿لاستكثرت من الخير﴾ ، يقول: لأعددت الكثير من الخير. [[انظر تفسير ((استكثر)) فيما سلف ١٢: ١١٥.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الخير" الذي عناه الله بقوله: ﴿لاستكثرت من الخير﴾ . [[انظر تفسير ((الخير)) فيما سلف ٢: ٥٠٥ / ٧: ٩١.]] فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالح.

ذكر من قال ذلك:

١٥٤٩٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قوله: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًّا﴾ قال: الهدى والضلالة = ﴿لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ قال: "أعلم الغيب"، متى أموت = لاستكثرت من العمل الصالح.

١٥٤٩٥ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٥٤٩٦ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء﴾ ،: قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتَّقيته.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: "ولو كنت أعلم الغيب" لأعددت للسَّنة المجدبة من المخصبة، ولعرفت الغلاء من الرُّخْص، واستعددت له في الرُّخْص.

* *

وقوله: ﴿وما مسني السوء﴾ ، يقول: وما مسني الضر [[انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ١٢: ٥٧٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = ﴿إن أنا إلا نذير وبشير﴾ ، يقول: ما أنا إلا رسولٌ لله أرسلني إليكم، أنذر عقابه مَن عصاه منكم وخالف أمره، وأبشّرَ بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعه منكم. [[انظر تفسير ((نذير)) فيما سلف ص: ٢٩٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك. = وتفسير ((بشير)) فيما سلف ١١: ٣٦٩، تعليق ١، والمراجع هناك.]]

* *

وقوله: ﴿لقوم يؤمنون﴾ ، يقول: يصدقون بأني لله رسول، ويقرون بحقية ما جئتهم به من عنده. [[في المطبوعة: ((بحقية ما جئتهم به)) ، والصواب من المخطوطة، وقد غيرها في مئات من المواضع، انظر ما سلف ص: ١١٣، تعليق: ١ والمراجع هناك. و ((الحقيقة)) ، مصدر، بمعني الصدق والحق، كما أسلفت.]]

القول في تأويل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ، يعني بالنفس الواحدة: آدم، [[انظر تفسير ((نفس واحدة)) فيما سلف ٧: ٥١٣، ٥١٤.]] كما: -

١٥٤٩٧ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: ﴿خلقكم من نفس واحدة﴾ قال: آدم عليه السلام. [[الأثر: ١٥٤٩٧ - مضى برقم: ٨٤٠٢]]

١٥٤٩٨ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ، من آدم. [[الأثر: ١٥٤٩٨ - مضى برقم: ٨٤٠١.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿وجعل منها زوجها﴾ ،: وجعل من النفس الواحدة، وهو آدم، زوجها حواء، [[انظر تفسير ((جعل)) فيما سلف من فهارس اللغة (جعل) .]] كما: -

١٥٤٩٩ - حدثني بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة. ﴿وحمل منها زوجها﴾ ،: حواء، فجعلت من ضلع من أضلاعه، ليسكن إليها. [[الأثر: ١٥٤٩٩ - مضى برقم: ٨٤٠٥.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿ليسكن إليها﴾ ،: ليأوي إليها لقضاء حاجتة ولذته. [[في المطبوعة والمخطوطة: ((لقضاء الحاجة ولذته)) ، والسياق يقتضى ما أثبت.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿فلما تغشاها﴾ ، فلما تدثَّرها لقضاء حاجته منها، فقضى حاجته منها = ﴿حملت حملا خفيفًا﴾ ، وفي الكلام محذوف، ترك ذكرُه استغناءً بما ظهر عما حذف، وذلك قوله: ﴿فلما تغشاها حملت﴾ ، وإنما الكلام: فلما تغشاها =فقضى حاجته منها= حملت.

* *

وقوله: ﴿حملت حملا خفيفًا﴾ ، يعني ب "خفة الحمل": الماء الذي حملته حواء في رَحِمها من آدم، أنه كان حملا خفيفًا، وكذلك هو حملُ المرأة ماءَ الرجل خفيفٌ عليها.

* *

وأما قوله: ﴿فمرت به﴾ ، فإنه يعني: استمرَّت بالماء: قامت به وقعدت، وأتمت الحمل، كما: -

١٥٥٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عمير، عن أيوب قال: سألت الحسن عن قوله: ﴿حملت حملا خفيفًا فمرت به﴾ قال: لو كنت امرءًا عربيًّا لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرَّت به. [[الأثر: ١٥٥٠٠ ((أبو عمير)) ، هو (الحارث بن عمير البصري) . ثقة متكلم فيه، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ٢ / ٨٣. و ((أيوب)) هو السختياني، ((أيوب بن أبي تميمه، مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ٤٠٩، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٢٥٥.]]

١٥٥٠١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا فمرت به﴾ ، استبان حملها.

١٥٥٠٢ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فمرت به﴾ قال: استمرّ حملها.

١٥٥٠٣ - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: ﴿حملت حملا خفيفًا﴾ قال: هي النطفة = وقوله: ﴿فمرّت به﴾ ، يقول: استمرّت به.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: فشكَّت فيه.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٠٤ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فمرت به﴾ قال: فشكت، أحملت أم لا؟

* *

ويعني بقوله: ﴿فلما أثقلت﴾ ، فلما صار ما في بطنها من الحمل الذي كان خفيفًا، ثقيلا ودنت ولادتها.

* *

يقال منه: "أثقلت فلانة" إذا صارت ذات ثقل بحملها، كما يقال: "أَتْمَرَ فلان": إذا صار ذا تَمْر. كما: -

١٥٥٠٥ - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلما أثقلت﴾ ،: كبر الولد في بطنها.

* *

قال أبو جعفر: ﴿دعوا الله ربهما﴾ ، يقول: نادى آدم وحواء ربهما وقالا يا ربنا، "لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين".

* *

واختلف أهل التأويل في معنى "الصلاح" الذي أقسم آدم وحواء عليهما السلام أنه إن آتاهما صالحًا في حمل حواء: لنكونن من الشاكرين.

فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الحمل غلامًا.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٠٦ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن، في قوله: ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ قال: غلامًا.

* *

وقال آخرون: بل هو أن يكون المولود بشرًا سويًّا مثلهما، ولا يكون بهيمة.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٠٧ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن زيد بن جبير الجُشَمي، عن أبي البختري، في قوله: ﴿لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين﴾ قال: أشفقا أن يكون شيئًا دون الإنسان. [[الأثر: ١٥٥٠٧ - ((زيد بن جبير الحشمي الطائى)) ، ثقة، روى له الجماعة، مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ / ٣٥٦، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٥٥٨. وكان في المطبوعة: ((الحسمي)) ، غير منقوطة كما في المخطوطة، والصواب ما أثبت.]]

١٥٥٠٨ - ... قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن زيد بن جبير، عن أبي البختري قال: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.

١٥٥٠٩ - ... قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: لما حملت امرأة آدم فأثقلت، كانا يشفقان أن يكون بهيمة، فدعوا ربهما: ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ ، الآية.

١٥٥١٠ - ... قال: حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشفقا أن يكون بهيمة.

١٥٥١١ - حدثني القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء، ألقيت الشهوة في نفسه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها، [[هذا تعبير جيد، يصور سرعة حدوث ذلك، ولو شاء أن يقوله قائل، لقال: ((فليس إلا أن أصابها حتي حملت. . .)) ، فتهوى العبارة من قوة إلى ضعف.]] قالت: ما هذا؟ فجاءها إبليس، فقال [لها: إنك حملت فتلدين! قالت: ما ألد؟ قال] : [[الزيادة بين القوسين من الدر المنثور٣: ١٥٢، وهي زيادة لا بد منها. والمخطوطة مضطربة في الوضع.]] أترين في الأرض إلا ناقةً أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو بعض ذلك! [[في المطبوعة والدر المنثور: ((هو بعض ذلك)) .]] [ويخرج من أنفك، أو من أذنك، أو من عينك] . [[الزيادة بين القوسين من الدر المنثور، ولا يستقيم الكلام إلا بها.]] قالت: والله ما مني شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال: فأطيعيني وسميه "عبد الحارث" = [وكان اسمه في الملائكة الحارث] = [[هذه الزيادة أيضا من الدر المنثور.]] تلدي شبهكما مثلكما! قال: فذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فقال: هو صاحبنا الذي قد علمت! [[في المطبوعة: ((هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الجنة)) ، وفي المخطوطة: ((الذي قد فمات)) وبين ((قد)) و ((فمات)) حرف ((ط)) وبالهامش و ((كذا)) . وأثبت نص العبارة من الدر المنثور.]] فمات، ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعيني وسميه عبد الحارث -وكان اسمه في الملائكة الحارث= وإلا ولدت ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو قتلته، فإني أنا قتلت الأول! قال: فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمته "عبد الحارث"، فذلك قوله: ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ ، يقول: شبهنا مثلنا = ﴿فلما آتاهما صالحًا﴾ قال: شبههما مثلهما. [[الأثر: ١٥٥١١ - هذه أخبار باطلة كما أشرنا إليه مرارًا.]]

١٥٥١٢ - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فلما أثقلت﴾ ، كبر الولد في بطنها، جاءها إبليس، فخوَّفها وقال لها: ما يدريك ما في بطنك؟ لعله كلب، أو خنزير، أو حمار! وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من قُبُلك، أو ينشق بطنك فيقتلك؟ فذلك حين ﴿دعوا الله ربهما لئن آتينا صالحًا﴾ ، يقول: مثلنا = ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحًا ليكونان لله من الشاكرين.

و"الصلاح" قد يشمل معاني كثيرة: منها "الصلاح" في استواء الخلق، ومنها "الصلاح" في الدين، و"الصلاح" في العقل والتدبير.

وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني "الصلاح" دون بعض، ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله، فيقال: إنهما قالا ﴿لئن آتيتنا صالحًا﴾ بجميع معاني "الصلاح". [[انظر تفسير ((الصلاح)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلح) .]]

* *

وأما معنى قوله: ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ ، فإنه: لنكونن ممن يشكرك على ما وهبت له من الولد صالحًا.

القول في تأويل قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدًا صالحًا كما سألا =جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في "الشركاء" التي جعلاها فيما أوتيا من المولود.

فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥١٣ - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: كانت حوّاء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسمينه "عبد الحارث"، فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث"، [[في المطبوعة: ((من وحي الشيطان)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الموافق لما في المراجع.]] وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان. [[الأثر: ١٥٥١٣ - ((عبد الصمد)) هو ((عبد الصمد بن عبد الوارث)) . مضى مرارًا.

و ((عمر بن إبراهيم العبدى)) ، وثقه أحمد وغيره، ولكنه قال: ((يروى عن قتادة أحاديث مناكير، يخالف)) . وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه ولا يحتج به)) ، وقال ابن عدى: يروى عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب)) . وذكره ابن حبان في الثقاب وقال: ((يخطئ، ويخالف)) . ثم ذكره في الضعفاء فقال: ((كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه. فلا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد. فأما فيما روى الثقات، فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأساً)) ، وقال الدارقطني: (لين، يترك)) . مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٩٨، وميزان الاعتدال ٢: ٢٤٨.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده ٥: ١١، بغير هذا اللفظ، ورواه بهذا اللفظ الحاكم في المستدرك ٢: ٥٤٥، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)) ، ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي في تفسير الآية وقال: ((هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، عن قتادة. وقد رواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه)) .

وخرجه ابن كثير في تفسيره ٣: ٦١١، ٦١٢، وأعله من ثلاثة وجوه:

الأول: أن عمر بن إبراهيم لا يحتج به =

الثاني: أنه قد روى من قول سمرة نفسه غير مرفوع

= الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، وذكر بعض أخبار أبي جعفر بأسانيدها رقم ١٥٥٢٦ - ١٥٥٢٨، ثم قال: ((وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية. ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره، ولاسيما مع تقواه وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم، مثل كعب أو وهب بن منيه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم)) .

قلت: وسترى أن أبا جعفر قد رجح أن المعني بذلك آدم وحواء، قال: ((لإجماع الحجة من أهل التأويل علي ذلك)) . وإجماع أهل التأويل في مثل هذا، مما لا يقوم الأول: لأن الآية مشكلة، ففيها نسبة الشرك إلى آدم الذي اصطفاه ربه، بنص كتاب الله، وقد أراد أبو جعفر أن يخرج من ذلك، فزعم (ص: ٣١٥) أن القول عن آدم وحواء انقضى عند قوله: ((جعلا له شركاء فيما آتاهما، ثم استأنف قوله: ((فتعالى الله عما يشركون)) ، يعنى عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان.وهذا مخرج ضعيف جداً.

الثاني أن مثل هذا المشكل في أمر آدم وحواء، ونسبة الشرك إليهما، مما لا يقضى به، إلا بحجة يجب التسليم لها من نص كتاب، أو خبر عن رسول الله ﷺ. ولا خبر بذلك، إلا هذا الخبر الضعيف الذي بينا ضعفه، وأنه من رواية عمر بن إبراهيم، عن قتادة. وروايته عن قتادة مضطربة، خالف فيها ما روى عن الحسن، أنه عنى بالآية بعض أهل الملل والمشركون.

هذا، وقد رد هذا القول، جماعة من المفسرين، كابن كثير في تفسيره، والفخر الرازي (٣: ٢٤٣ - ٣٤٥) ، وحاول الزمخشرى في تفسيره أن يرده فلم يحسن، وتعقبه أحمد بن محمد بن المنير في الإنصاف. وغير هؤلاء كثير.

ولكن بعد هذا كله، نجد إن تفسير ألفاظ الآية، ومطابقته للمعنى الصحيح الذي ذهب العلماء إليه في نفي الشرك عن أبينا آدم عليه السلام، وفي أن الآية لا تعنى أبانا آدم وأمنا حواء = بقى مبهماً، لم يتناوله أحد ببيان صحيح. وكنت أحب أن يتيسر لى بيانه في هذا الموضع، ولكنى وجدت الأمر أعسر من أن أتكلم فيه في مثل هذا التعليق.]]

١٥٥١٤ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا معتمر، عن أبيه قال: حدثنا أبو العلاء، عن سمرة بن جندب: أنه حدث أن آدم عليه السلام سمى ابنه "عبد الحارث".

١٥٥١٥ -.... قال: حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخّير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدمُ ابنه: "عبد الحارث". [[الأثر: ١٥٥١٤، ١٥٥١٥ - ((أبو العلاء بن الشخير)) ، منسوب إلى جده، وهو: ((يزيد بن عبد الله بن الشخير العامرى)) ، تابعى عابد ثقة، كان يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه، فكان أخوه مطرف يقول له: ((أغن عنا مصحفك سائر اليوم)) . مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/١/١١٣، والكبير ٤/٢/٣٤٥، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٧٤.]]

١٥٥١٥ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حوّاء تلد لآدم، فتعبِّدهم لله، وتسميه "عبيد الله" و"عبد الله" ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاها إبليسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش! فولدت له رجلا فسماه "عبد الحارث"، ففيه أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ، إلى قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، إلى آخر الآية.

١٥٥١٧ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله في آدم: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ، إلى قوله: ﴿فمرت به﴾ ، فشكّت: أحبلت أم لا = ﴿فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا﴾ الآية، فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون أم لا؟ وزيَّن لهما الباطل، إنه غويٌّ مبين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي، لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان! فسميا ولدهما "عبد الحارث"؛ فذلك قوله: ﴿فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، الآية.

١٥٥١٨ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد، أتاه إبليس فقال: إني سأنصح لك في شأن ولدك هذا، تسميه "عبد الحارث"! فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك! =قال ابن عباس: وكان اسمه في السماء "الحارث"= قال آدم: أعوذ بالله من طاعتك، إني أطعتك في أكل الشجرة، فأخرجتني من الجنة، فلن أطيعك. فمات ولده، ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر، فقال: أطعني وإلا مات كما مات الأول! فعصاه، فمات، فقال: لا أزال أقتلهم حتى تسميه "عبد الحارث". فلم يزل به حتى سماه "عبد الحارث"، فذلك قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه.

١٥٥١٩ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سَلَمَة، عن هارون قال: أخبرنا الزبير بن الخِرِّيت، عن عكرمة قال: ما أشرك آدم ولا حواء، وكان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان فقال: إن سرَّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه "عبد الحارث"! فهو قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ . [[الأثر: ١٥٥١٩ - كان الإسناد في المطبوعة: "حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن هارون، لا أدري من أين جاء بقوله "سلمة"!! فإن المخطوطة فيها بياض في هذا الموضع هكذا: "حدثنا ابن حميد قال: حدثنا......، عن هارون، فوضعت مكان البياض نقطا، وفيها بعد "عكرمة" وقبل "قال" خط معقوف، وفي الهامش أمام البياض وعند هذه العلامة حرف (ط) ثم إلى جوارها حرف (ا) عليه ثلاث نقط، كل ذلك دال على الشك والخطأ.

و"هارون" هو النحوي الأعور "هارون بن موسى الأزدي" صاحب القراءات ثقة مضى برقم ٤٩٨٥، ١١٦٩٣.

و"الزبير بن الخريت" ثقة، مضى أيضا برقم ٤٩٨٥، ١١٦٩٣.

وإسناد أبي جعفر في الموضعين في رواية "الزبير بن الخريت" عن عكرمة هو "حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا هارون النحوي، قال حدثني الزبير بن الخريت، عن عكرمة" فأخشى أن يكون سقط من التفسير هنا إسناد ابن حميد وخبره ثم صدر إسناد بعده، هو إسناد أبي جعفر السالف: "حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن هارون. . . " إلى آخر الإسناد، والله أعلم".]]

١٥٥٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فلما تغشاها حملت حملا خفيفًا﴾ قال: كان آدم عليه السلام لا يولد له ولد إلا مات، فجاءه الشيطان، فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا، فسمِّه "عبد الحارث"! ففعل قال: فأشركا في الاسم، ولم يشركا في العبادة.

١٥٥٢١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، ذكر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان، فقال لهما: سمياه "عبد الحارث"! وكان من وحي الشيطان وأمره، وكان شركًا في طاعةٍ، ولم يكن شركًا في عبادةٍ.

١٥٥٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد. فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد، فسمياه "عبد الحارث"! ففعلا وأطاعاه، فذلك قول الله: ﴿فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء﴾ ، الآية.

١٥٥٢٣ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا ابن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن سعيد بن جبير، قوله: ﴿أثقلت دعوا الله ربهما﴾ ،.. إلى قوله تعالى: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ قال: لما حملت حوّاء في أوّل ولد ولدته حين أثقلت، أتاها إبليس قبل أن تلد، فقال: يا حوّاء، ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري. قال: أرأيت إن خرج سليمًا أمطيعتي أنت فيما آمرك به؟ [[في المطبوعة: ((أتطيعينى أنت)) ، والصواب الجيد من المخطوطة.]] قالت: نعم. قال: سميه "عبد الحارث"! =وقد كان يسمى إبليس الحارث= فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتاني آت في النوم فقال لي كذا وكذا، فقال: إن ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدوُّنا الذي أخرجنا من الجنة! ثم أتاها إبليس، فأعاد عليها، فقالت: نعم. فلما وضعته أخرجه الله سليمًا، فسمته "عبد الحارث" فهو قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾ .

١٥٥٢٤ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن فضيل، عن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت، أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا، من أنفك، أو من عينك، أو من فيك؟ فقنَّطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا = زاد ابن فضيل: لم يضرك ولم يقتلك = أتطيعيني؟ قالت: نعم. قال: فسميه "عبد الحارث"! ففعلت = زاد جرير: فإنما كان شركه في الاسم. [[في المطبوعة: ((شركة)) بالتاء في آخره، والصواب ما أثبت.]]

١٥٥٢٥ - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي قال: فولدت غلامًا =يعني حوّاء= فأتاهما إبليس فقال: سموه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم عليه السلام: قد أطعتك وأخرجتني من الجنة! فأبى أن يطيعه، فسماه "عبد الرحمن"، فسلط الله عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر؛ فلما ولدته قال لها: سميه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة! فأبى، فسماه "صالحًا" فقتله. فلما أن كان الثالث قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه "عبد الحارث"، [[في المطبوعة: ((فإذا غلبتم فسموه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] وكان اسم إبليس؛ وإنما سمي "إبليس" حين أبلس =فَعَنَوَا، [[في المطبوعة: ((ففعلوا)) ، وهو خطأ لا شك فيها، لو كان لقال: ((ففعلا)) ، ورسم المخطوطة غير منقوطة هو ما أثبت، وصواب قراءته ما قرأت. = يقال: ((عنا له يعنو)) : إذا خضع له وأطاعه.]] فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، يعني في التسمية.

* *

وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم، جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها﴾ : أي هذا الرجل الكافر، ﴿حملت حملا خفيفًا، فلما أثقلت﴾ دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ، [سورة يونس: ٢٢] وقد بينا نظائر ذلك بشواهده فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ١: ١٥٤ / ٣: ٣٠٤، ٣٠٥ / ٦: ٢٣٨، ٤٦٤ / ٨: ٤٤٧ / ١١: ٢٦٤.]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم.

١٥٥٢٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال. قال الحسن: عني بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده =يعني بقوله: ﴿فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ .

١٥٥٢٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصَّروا. [[الآثار: ١٥٥٢٦-١٥٥٢٨-انظر التعليق على الأثر السالف رقم ١٠٠١٣.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب، قول من قال: عنى بقوله: ﴿فلما آتاهما صالحًا جعلا له شركاء﴾ في الاسم لا في العبادة =وأن المعنيَّ بذلك آدم وحواء، لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

* *

فإن قال قائل: فما أنت قائل =إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية، وأن المعنيّ بها آدم وحواء= في قوله: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ ؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك، أو في العبادة؟ فإن قلت: "في الأسماء" دلّ على فساده قوله: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون﴾ ؟ فإن قلت: "في العبادة"، قيل لك: أفكان آدم أشرك في عباد الله غيره؟

قيل له: إن القول في تأويل قوله: ﴿فتعالى عما يشركون﴾ ، ليس بالذي طننت، وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحواء، فقد انقضى عند قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، ثم استؤنف قوله: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ ، [[انظر التعليق عن الأثر رقم ١٥٥١٣٠.]] كما:-

١٥٥٢٩ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قوله: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ ، يقول: هذه فصْلٌ من آية آدم، خاصة في آلهة العرب.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿شركاء﴾ ،

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والكوفيين: "جَعَلا لَهُ شِرْكًا" بكسر الشين، بمعنى الشَّرِكَة. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٠.]]

* *

وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ ، بضم الشين، بمعنى جمع "شريك".

* *

قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين بالصواب، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين، لوجب أن يكون الكلام: فلما أتاهما صالحًا جعلا لغيره فيه شركًا =لأن آدم وحواء لم يدينا بأن ولدهما من عطية إبليس، ثم يجعلا لله فيه شركًا لتسميتهما إياه ب "عبد الله"، وإنما كانا يدينان لا شك بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه "عبد الحارث"، فجعلا لإبليس فيه شركًا بالاسم.

فلو كانت قراءة من قرأ: "شِرْكًا"، صحيحة، وجب ما قلنا، أن يكون الكلام: جعلا لغيره فيه شركًا. وفي نزول وحي الله بقوله: ﴿جعلا له﴾ ، ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: ﴿شُرَكَاء﴾ ، بضم الشين على ما بينت قبل.

* *

فإن قال قائل: فإن آدم وحواء إنما سميا ابنهما "عبد الحارث"، و"الحارث" واحد، وقوله: ﴿شركاء﴾ ، جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما "جعلا له شركاء"، وإنما أشركا واحدًا!

قيل: قد دللنا فيما مضى على أن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمِّه، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٣] وإنما كان القائل ذلك واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة، إذ لم يقصد قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها. [[انظر ما سلف ١: ٢٩٢، ٢٩٣ / ٢: ٤٨٥ - ٤٨٧، ٥٠٠ /٤: ١٩١ / ٦: ٣٦٤ / ٧: ٤٠٤ - ٤١٣ / ١٢: ٢١٣.]]

* *

وأما قوله: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ ، فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسَه، وتعظيم لها عما يقول فيه المبطلون، ويدَّعون معه من الآلهة والأوثان، [[انظر تفسير ((تعالى)) فيما سلف ١٢: ١٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] كما: -

١٥٥٣٠ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ قال: هو الإنكاف، أنكف نفسه جل وعز = يقول: عظَّم نفسه = وأنكفته الملائكة وما سبَّح له.

١٥٥٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة قال: سمعت صدقة يحدِّث عن السدي قال: هذا من الموصول والمفصول، قوله: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، في شأن آدم وحواء، ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما. [[عند هذا الموضع، انتهي الجزء العاشر من مخطوطتنا، وفي آخرها ما نصه: ((نجز الجز العاشر من كتاب البيان، بحمد الله وعونه، وحسن توفيقه ويمنه. وصلى الله على محمد. يتلوه في الحادي عشر إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وكان الفراغ من نسخه في شهر جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمئة. غفر الله لكاتبه ومؤلفه، ولمن كتب لأجله ولجميع المسلمين. الحمد لله رب العالمين)) ثم يتلوه في أول الجزء الحادي عشر من المخطوطة "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن".]]

القول في تأويل قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون معه = "ما لا يخلق شيئًا"، والله يخلقها وينشئها؟ وإنما العبادة الخالصة للخالق لا للمخلوق.

* *

وكان ابن زيد يقول في ذلك بما: -

١٥٥٣٢ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد قال: ولد لآدم وحواء ولد، فسمياه "عبد الله"، فأتاهما إبليس فقال: ما سميتما يا آدم ويا حواء ابنكما؟ قال: وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد، فسمياه "عبد الله"، فمات. فقالا سميناه "عبد الله". فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهبَ بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه "عبد شمس"! قال: فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون﴾ ، آلشمس تخلق شيئًا حتى يكون لها عبد؟ إنما هي مخلوقة! وقد قال رسول الله ﷺ: "خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض. [[الخبر عن رسول الله ﷺ لم أجده. وفي الدر المنثور ٣: ١٥٢ ((قال رسول الله ﷺ: خدعهما مرتين. قال زيد: خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض)) .]]

* *

وقيل: ﴿وهم يخلقون﴾ ،، فأخرج مكنيَّهم مخرج مكنيّ بني آدم، [[((المكنى)) الضمير.]] ﴿أيشركون ما﴾ ، فأخرج ذكرهم ب "ما" لا ب "من" مخرج الخبر عن غير بني آدم، لأن الذي كانوا يعبدونه إنما كان حجرًا أو خشبًا أو نحاسًا، أو بعض الأشياء التي يخبر عنها ب "ما" لا ب "من"، فقيل لذلك: "ما"، ثم قيل: "وهم"، فأخرجت كنايتهم مُخْرَج كناية بني آدم، لأن الخبر عنها بتعظيم المشركين إياها، نظير الخبر عن تعظيم الناس بعضهم بعضًا.

القول في تأويل قوله: ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يخلق شيئًا من خلق الله، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحلّ بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟ وإنما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضر منه عن نفسه، وآلهتهم التي يعبدونها ويشركونها في عبادة الله لا تنفعهم ولا تضرهم، بل لا تجتلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضرًّا، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضر عنها أبعدُ؟ يعجِّب تبارك وتعالى خلقه من عظيم خطأ هؤلاء الذين يشركون في عبادتهم اللهَ غيرَه.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره في وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء المشركون في عبادتهم ربَّهم إياه: ومن صفته أنكم، أيها الناس، إن تدعوهم إلى الطريق المستقيم، والأمر الصحيح السديد لا يتبعوكم، لأنها ليست تعقل شيئًا، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلا جائرًا، وتركب ما كان مستقيمًا سديدًا.

* *

وإنما أراد الله جل ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها، تنبيهَهم على عظيم خطئهم، وقبح اختيارهم. يقول جل ثناؤه: فكيف يهديكم إلى الرشاد مَنْ إن دُعي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشادًا من ضلال، وكان سواءً دعاءُ داعيه إلى الرشاد وسكوته، لأنه لا يفهم دعاءه، ولا يسمع صوته، ولا يعقل ما يقال له. يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلهًا؟ وإنما الرب المعبود هو النافع من يعبده، الضارّ من يعصيه، الناصرُ وليَّه، الخاذل عدوه، الهادي إلى الرشاد من أطاعه، السامع دعاء من دعاه.

* *

وقيل: ﴿سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ ، فعطف بقوله: "صامتون"، وهو اسم على قوله: "أدعوتموهم"، وهو فعل ماض، ولم يقل: أم صمتم، [[انظر سيبويه ١: ٤٣٥، ٤٥٦.]] كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]] سَوَاءٌ عَلَيْكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ لَيْلَةً بِأَهْلِ الْقِبَابِ مِنْ نُمَيْرِ بنِ عَامِرِ [[معاني القرآن للفراء ١: ٤٠١، وكان في المطبوعة والمخطوطة ((عليك الفقر)) ، وهو خطأ محض، صوابه من المعاني. و ((النفر)) بمعنى: النفر من منى في أيام الحج، وهو الثاني من أيام التشريق.]]

وقد ينشد: "أم أنْتَ بَائِتٌ".

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، موبِّخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام: ﴿إن الذين تدعون﴾ أيها المشركون، آلهةً = ﴿من دون الله﴾ ، وتعبدونها، شركًا منكم وكفرًا بالله = ﴿عباد أمثالكم﴾ ، يقول: هم أملاك لربكم، كما أنتم له مماليك. فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع، وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم، فليستجيبوا لدعائكم إذا دعوتموهم، [[انظر تفسير ((الاستجابة)) فيما سلف ٣: ٤٨٣، ٤٨٤ / ٧: ٤٨٦ - ٤٨٨ / ١١: ٣٤١.]] فإن لم يستجيبوا لكم، لأنها لا تسمع دعاءكم، فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر؛ لأن الضر والنفع إنما يكونان ممن إذا سُئل سمع مسألة سائله وأعطى وأفضل، ومن إذا شكي إليه من شيء سمع، فضرّ من استحق العقوبة، ونفع من لا يستوجب الضرّ.

القول في تأويل قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين عبدوا الأصنام من دونه، معرِّفَهم جهل ما هم عليه مقيمون: ألأصنامكم هذه، أيها القوم = ﴿أرجل يمشون بها﴾ ، فيسعون معكم ولكم في حوائجكم، ويتصرفون بها في منافعكم = ﴿أم لهم أيد يبطشون بها﴾ ، فيدفعون عنكم وينصرونكم بها عند قصد من يقصدكم بشرّ ومكروهٍ = ﴿أم لهم أعين يبصرون بها﴾ ، فيعرفونكم ما عاينوا وأبصروا مما تغيبون عنه فلا ترونه = ﴿أم لهم آذان يسمعون بها﴾ ، فيخبروكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه؟

يقول جل ثناؤه: فإن كانت آلهتكم التي تعبدونها ليس فيها شيء من هذه الآلات التي ذكرتُها، والمعظَّم من الأشياء إنما يعظَّم لما يرجى منه من المنافع التي توصل إليه بعض هذه المعاني عندكم، فما وجه عبادتكم أصنامكم التي تعبدونها، وهي خالية من كل هذه الأشياء التي بها يوصل إلى اجتلاب النفع ودفع الضر؟

وقوله: ﴿قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون﴾ ، [قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان: ادعوا شركاءكم الذين جعلتموهم لله شركاء في العبادة = ﴿ثم كيدون﴾ ، [[هذه العبارة التي بين الأقواس، استظهرتها من سياق الآية والتفسير، وظاهر أنها قد سقطت من الناسخ، وأن الكلام بغيرها، أو بغير ما يقوم ما مقامها، لا يستقيم.]] ] أنتم وهي [[في المطبوعة: ((أنتم وهن)) ، وأثبت ما في المخطوطة. ثم انظر تفسير ((الكيد)) فيما سلف ص ٢٨٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] ﴿فلا تنظرون﴾ ، يقول: فلا تؤخرون بالكيد والمكر، [[انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ١٢: ٣٣١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ولكن عجِّلوا بذلك. يُعْلِمه جل ثناؤه بذلك أنهم لن يضروه، وأنه قد عصمه منهم، ويُعَرِّف الكفرة به عجز أوثانهم عن نصرة من بغى أولياءهم بسوء.

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للمشركين من عبدة الأوثان = "إن وليي"، نصيري ومعيني وظهيري عليكم [[انظر تفسير ((الولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .]] = ﴿الله الذي نزل الكتاب﴾ عليّ بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين. يقول له تعالى ذكره: [[في المطبوعة: ((بقوله تعالى)) ، وفي المخطوطة مثله غير منقوط، والصواب: ((يقول له)) .]] قل لهم، إن الله نصيري وظهيري، والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة، لا يستطيعون نصركم، ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة؟ أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده، أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبَغاه بمكروه؟

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للمشركين من عبدة الأوثان = "إن وليي"، نصيري ومعيني وظهيري عليكم [[انظر تفسير ((الولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى) .]] = ﴿الله الذي نزل الكتاب﴾ عليّ بالحق، وهو الذي يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه أن يقوله للمشركين. يقول له تعالى ذكره: [[في المطبوعة: ((بقوله تعالى)) ، وفي المخطوطة مثله غير منقوط، والصواب: ((يقول له)) .]] قل لهم، إن الله نصيري وظهيري، والذين تدعون أنتم أيها المشركون من دون الله من الآلهة، لا يستطيعون نصركم، ولا هم مع عجزهم عن نصرتكم يقدرون على نصرة أنفسهم، فأي هذين أولى بالعبادة وأحق بالألوهة؟ أمن ينصر وليه ويمنع نفسه ممن أراده، أم من لا يستطيع نصر وليه ويعجز عن منع نفسه ممن أراده وبَغاه بمكروه؟

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل للمشركين: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم إلى الهدى =وهو الاستقامة إلى السداد= ﴿لا يسمعوا﴾ ، يقول: لا يسمعوا دعاءكم = ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ .

* *

وهذا خطاب من الله نبيَّه ﷺ. يقول: وترى، يا محمد، آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد. [[يعني أن الخطاب أولا كان للمشركين جميعا، فقال: "وإن تدعوهم"، ثم قال: "وتراهم" على الإفراد، خطابا لرسول الله ﷺ.]] ولو كان أمر النبي ﷺ بخطاب المشركين، لقال: "وترونهم ينظرون إليكم". [[في المخطوطة: ((وترونهم ينظرون إليك ... )) وبعد ((إليك)) بياض بقدر كلمة. والذي في المطبوعة شبيه بالصواب.]]

* *

وقد روى عن السدي في ذلك ما: -

١٥٥٣٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك هم لا يبصرون﴾ قال: هؤلاء المشركين.

* *

وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: "هؤلاء المشركون"، قول الله: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا﴾ . وقد كان مجاهد يقول في ذلك، ما: -

١٥٥٣٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ ، ما تدعوهم إلى الهدى. وكأنّ مجاهدًا وجّه معنى الكلام إلى أن معناه: وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون = فهو وجهٌ، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة، فهو بوصفها أشبه.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه؟

قيل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئًا أو حاذاه: "هو ينظر إلى كذا"، ويقال: "منزل فلان ينظر إلى منزلي" إذا قابله. وحكي عنها: "إذا أتيتَ موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينًا أو شمالا". وحدثت عن أبي عبيد قال: قال الكسائي: "الحائط ينظر إليك" إذا كان قريبًا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر: [[لم أعرف قائله.]] إِذَا نَظَرْتَ بِلادَ بَنِي تَمِيمٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِلادَ بَنِي صُبَاحِ [[نوادر أبي زيد: ١٣١، أساس البلاغة (عين) ، المقاييس ٤: ٢٠٣، ورواية أبي زيد:إذا نظرت بلاد بني حبيب ... بعينٍ أو بلاد بني صباح

رميناهم بكل أقب نهدٍ ... وفتيان الغدو مع الرواح

ولا أدري ما ((بنو حبيب)) ، وأما ((بنو صباح)) ، فهم في ضبة، والظاهر أن في غيرهم من العرب أيضاً ((بنو صباح)) . انظر الاشتقاق: ١٢٢. ورواية الزمخشري وابن فارس ((بلاد بني نمير)) ، فلا أدري ما أصح ذلك، حتى يعرف صاحب الشعر، وفيمن قيل. قال الزمخشري قبل استشهاده بالشعر: ((نظرت الأرض بعين أو بعينين)) ، إذا طلع بأرض ما ترعاه الماشية بغير استكمال. وقال ابن فارس: إذا طلع النبت، وكل هذا محمول، واستعارة وتشبيه.]]

يريد: تقابل نبتُها وعُشْبها وتحاذَى.

* *

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام: وترى، يا محمد، آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان، يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك، لأنه لا أبصار لهم. وقيل: "وتراهم"، ولم يقل: "وتراها"، لأنها صور مصوَّرة على صور بني آدم عليه السلام.

القول في تأويل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

فقال بعضهم: تأويله: ﴿خذ العفو﴾ من أخلاق الناس، وهو الفضل وما لا يجهدهم. [[(١) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف ٤: ٣٣٧ - ٣٤٣.]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٣٥ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن مجاهد، في قوله: ﴿خذ العفو﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. [[(٢) في المخطوطة هنا، وفي الذي يليه رقم: ١٥٥٣٩ ((تحسيس)) بالياء، ولا أدرى ما هو. و ((تحسس الشيء)) تبحثه وتطلبه، كأنه يعني الاستقصاء في الطلب، يؤيد هذا ما سيأتي برقم: ١٥٥٤٢.]]

١٥٥٣٦ - حدثنا يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿خذ العفو﴾ قال: عفو أخلاق الناس، وعفوَ أمورهم.

١٥٥٣٧ - حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله: ﴿خذ العفو﴾ ،.. الآية. قال عروة: أمر الله رسوله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. [[(١) الأثر: ١٥٥٣٧ - رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٢٩) من طريق عبد الله بن براد، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير. وانظر ما قاله فيه الحافظ ابن حجر.]]

١٥٥٣٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾ ، الآية. [[(٢) الأثر: ١٥٥٣٨ - ((هشام بن عروة بن الزبير)) ، ثقة، معروف، مضي مرارًا.وأبوه ((عروة بن الزبير)) ، يروى عن أخيه ((عبد الله بن الزبير)) . وكان في المطبوعة هنا: ((عن أبي الزبير)) ، وهو خطأ، صوابه ما كان في المخطوطة.

وهذا خبر صحيح، رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٨: ٢٩٩) وسيأتي برقم ١٥٥٤١، بإسناد آخر]]

١٥٥٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج قال: بلغني عن مجاهد: ﴿خذ العفو﴾ ، من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تحسس. [[انظر التعليق السالف، ص: ٣٢٦ رقم: ٢.]]

١٥٥٤٠ -.... قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير: ﴿خذ العفو﴾ قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنَّه منهم ما صحبتم. [[الأثر: ١٥٥٤٠ - ((ابن الزبير)) ، وهو ((عبد الله بن الزبير)) ، وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا ((أبي الزبير)) ، وهو خطأ صححناه آنفاً.]]

١٥٥٤١ -.... قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن الزبير [[في المطبوعة هنا ((عن أبي الزبير)) ، وهو خطأ كما أسلفت.]] قال: إنما أنزل الله: ﴿خذ العفو﴾ ، من أخلاق الناس.

١٥٥٤٢ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خذ العفو﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم، من غير تحسس =أو تجسس، شك أبو عاصم. [[((التجسس)) ، مثل ((التحسس)) ، مع خلاف يسير، وانظر ما سلف ص: ٣٢٦، تعليق رقم: ٢.]]

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: خذ العفو من أموال الناس، وهو الفضل. قالوا: وأمر بذلك قبل نزول الزكاة، فلما نزلت الزكاة نُسِخ.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٤٣ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿خذ العفو﴾ ، يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها وما انتهت الصدقات إليه.

١٥٥٤٤ - حدثني محمد بن الحسين. قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿خذ العفو﴾ ، أما "العفو": فالفضل من المال، نسختها الزكاة.

١٥٥٤٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك، يقول في قوله: ﴿خذ العفو﴾ ، يقول: خذ ما عفا من أموالهم. وهذا قبل أن تنزل الصدقة المفروضة.

* *

وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله نبيَّه ﷺ بالعفو عن المشركين، وترك الغلظة عليهم قبل أن يفرض قتالهم عليه.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٤٦ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿خذ العفو﴾ قال: أمره فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مَرْصَد، وأن يحصرهم، ثم قال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) ، [سورة التوبة: ٥، ١١] الآية، كلها. وقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ، [سورة التوبة: ٧٣ / سورة التحريم: ٩] قال: وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ ، [سورة التوبة: ١٢٣] بعدما كان أمرهم بالعفو. وقرأ قول الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ، [سورة الجاثية: ١٤] ثم لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلام أو القتل، فنسخت هذه الآية العفو. [[مضي خبر آخر برقم: ٤١٧٥، فيه ذكر هذه الآية، وتفسيرها بذلك عن ابن عباس.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم = وقال: أُمر بذلك نبيّ الله ﷺ في المشركين.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه أتبع ذلك تعليمَه نبيَّه ﷺ محاجَّته المشركين في الكلام، وذلك قوله: ﴿قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون﴾ ، وعقَّبه بقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾ ، فما بين ذلك بأن يكون من تأديبه نبيَّه ﷺ في عشرتهم به، [[قوله: ((به)) في آخر الجملة، متعلق بقوله في أولها ((من تأديبه)) ، كأنه قال ((من تأديبه به)) ، أي بهذا الذي بين الآيتين.]] أشبهُ وأولى من الاعتراض بأمره بأخذ الصدقة من المسلمين.

* *

فإن قال قائل: أفمنسوخ ذلك؟

قيل: لا دلالة عندنا على أنه منسوخ، إذ كان جائزًا أن يكون = وإن كان الله أنزله على نبيه ﷺ في تعريفه عشرةَ من لم يُؤْمَر بقتاله من المشركين = مرادًا به تأديبُ نبيّ الله والمسلمين جميعًا في عشرة الناس، وأمرهم بأخذ عفو أخلاقهم، فيكون وإن كان من أجلهم نزل تعليمًا من الله خلقه صفةَ عشرة بعضهم بعضًا، [إذا] لم يجب استعمال الغلظة والشدة في بعضهم، [[في المطبوعة ((لم يجب)) ، بغير ((إذا)) ، فوضعتها بين قوسين، فالسياق يتطلبها، وإلا اضطرب الكلام.]] فإذا وجب استعمال ذلك فيهم، استعمل الواجب، فيكون قوله: ﴿خذ العفو﴾ ، أمرًا بأخذه ما لم يجب غيرُ العفو، فإذا وجب غيره أخذ الواجب وغير الواجب إذا أمكن ذلك. فلا يحكم على الآية بأنها منسوخة، لما قد بينا ذلك في نظائره في غير موضع من كتبنا. [[انظر مقالة أبي جعفر في ((النسخ)) فيما سلف من فهارس الأجزاء الماضية.]]

* *

وأما قوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم بما: -

١٥٥٤٧ - حدثني الحسن بن الزبرقان النخعي قال: حدثني حسين الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن رجل قد سماه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال رسول الله ﷺ: يا جبريل، ما هذا؟ قال: ما أدري حتى أسأل العالِم! قال: ثم قال جبريل: يا محمد، إن الله يأمرك أن تَصِل مَن قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. [[الأثر: ١٥٥٤٧ - ((الحسن بن الزبرقان النخعي)) ، شيخ الطبري، مضى برقم: ٢٩٩٥. والرجل الذي لم يسم في هذا الخبر هو ((أمي بن ربيعة)) ، الذي يأتي في الخبر التالي.]]

١٥٥٤٨ - حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن أمَيّ قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال النبي ﷺ: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطيَ من حرمك، وتصل من قطعك. [[الأثر: ١٥٥٤٨ - ((سفيان)) هو ابن عيينة. و ((أمي)) هو: ((أمي بن ربيعة المرادى الصيرفي)) ، سمع الشعبي، وعطاء، وطاوس. روى عنه سفيان بن عيينة، وشريك. ثقة. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٥٤، والكبير ١/٢/ ٦٧، وابن أبي حاتم ١/١/ ٣٤٧. وكان في المخطوطة فوق ((أمى)) حرف (ط) دلالة على الخطأ، وبالهامش (كذا) ، ولكن الناسخ جهل الاسم فأشكل علية. فجاء في المطبوعة فجعله ((أبى)) ، وكذلك في تفسير ابن كثير ٣: ٦١٨، والصواب ما اثبت. وهذا الخبر، رواه ((أمى بن ربيعة)) ، عن الشعبي، كما يظهر ذلك من روايات الخبر في ابن كثير، والدر المنثور ٣: ١٥٣.]]

* *

وقال آخرون بما:-

١٥٥٤٩ - حدثني محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: ﴿وأمر بالعرف﴾ ، يقول: بالمعروف.

١٥٥٥٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وأمر بالعرف﴾ قال: أما العرف: فالمعروف.

١٥٥٥١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأمر بالعرف﴾ ، أي: بالمعروف.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر الناس بالعرف =وهو المعروف في كلام العرب، مصدر في معنى: "المعروف".

* *

يقال: "أوليته عُرْفًا، وعارفًا، وعارفةً" [[قولة: ((عارفا)) ، لم أجدها في المعاجم، وهي صحيحة فيما أرجح.]] كل ذلك بمعنى: "المعروف". [[انظر تفسير ((المعروف)) فيما سلف ص: ١٦٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

فإذا كان معنى العرف ذلك، فمن "المعروف" صلة رحم من قطع، وإعطاء من حرم، والعفو عمن ظلم. وكل ما أمر الله به من الأعمال أو ندب إليه، فهو من العرف. ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى؛ فالحق فيه أن يقال: قد أمر الله نبيه ﷺ أن يأمر عباده بالمعروف كله، لا ببعض معانيه دون بعض.

* *

وأما قوله: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ ، فإنه أمر من الله تعالى نبيّه ﷺ أن يعرض عمن جهل. [[انظر تفسير ((الإعراض)) فيما سلف ١٢: ٣٢، تعليق: ١، والمراجع هناك. = وتفسير ((الجهل)) فيما سلف ٢: ١٨٣ / ٨: ٨٩ - ٩٢ / ١١: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٩٣، ٣٩٤.]] وذلك وإن كان أمرًا من الله نبيَّه، فإنه تأديب منه عز ذكره لخلقه باحتمال من ظلمهم أو اعتدى عليهم، [[يعني أن "الجهل" هنا بمعنى السفه والتمرد والعدوان، لا بمعنى "الجهل" الذي هو ضد العلم والمعرفة.]] لا بالإعراض عمن جهل الواجبَ عليه من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حَرْبٌ.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٥٢ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال: أخلاقٌ أمر الله بها نبيه ﷺ، ودلَّه عليها.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ ، وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم. = ﴿فاستعذ بالله﴾ ، يقول: فاستجر بالله من نزغه = [[انظر تفسير ((الاستعاذة)) فيما سلف ١: ١١١ / ٦: ٣٢٦.]] ﴿إنه سميع عليم﴾ ، يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزع الشيطان = ﴿سميع﴾ لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء = ﴿عليم﴾ بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه، [[انظر تفسير ((سميع)) و ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) و (علم) .]] كما:

١٥٥٥٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال رسول الله ﷺ: فكيف بالغضب يا رب؟ قال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ .

١٥٥٥٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ قال: علم الله أن هذا العدوَّ مَنِيع ومَريد.

* *

وأصل "النزغ": الفساد، يقال: "نزغ الشيطان بين القوم"، إذا أفسد بينهم وحمّل بعضهم على بعض. ويقال منه: "نزغ ينزغ"، و"نغز ينغز".

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿إن الذين اتقوا﴾ ، اللهَ من خلقه، فخافوا عقابه، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه = ﴿إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ ، [[انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٣٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] يقول: إذا ألمَّ بهم لَمَمٌ من الشيطان، [[في المطبوعة: ((إذا ألم بهم طيف)) ، لم يحسن قراءة المخطوطة، فاستبدل بما كان فيها.]] من غضب أو غيره مما يصدّ عن واجب حق الله عليهم، تذكروا عقاب الله وثوابه، ووعده ووعيده، وأبصروا الحق فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم، وتركوا فيه طاعة الشيطان.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: "طيف".

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿طَائِفٌ﴾ ، على مثال "فاعل".

* *

وقرأه بعض المكيين والبصريين والكوفيين: "طَيْفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ". [[انظر معاني القراًن للقراء ١: ٤٠٢.]]

* *

واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرق ما بين "الطائف" و"الطيف.

فقال بعض البصريين: "الطائف" و"الطيف" سواء، وهو ما كان كالخيال والشيء يلم بك. [[نسبها أبو جعفر إلى البصريين، وهي في لسان العرب (طوف) ، منسوبة إلى الفراء، وهو كوفي، ولم أجدها في المطبوع من معاني القرآن.]] قال: ويجوز أن يكون "الطيف" مخففًا عن "طَيِّف" مثل "مَيْت" و"مَيِّت".

* *

وقال بعض الكوفيين: "الطائف": ما طاف بك من وسوسة الشيطان. وأما "الطيف": فإنما هو من اللّمم والمسِّ.

* *

وقال أخر منهم: "الطيف": اللّمم، و"الطائف": كل شيء طاف بالإنسان.

* *

وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: "الطيف": الوسوسة.

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ ، لأن أهل التأويل تأولوا ذلك بمعنى الغضب والزلة تكون من المطيف به. وإذا كان ذلك معناه، كان معلومًا = إذ كان "الطيف" إنما هو مصدر من قول القائل: "طاف يطيف" = أن ذلك خبر من الله عما يمس الذين اتقوا من الشيطان، وإنما يمسهم ما طاف بهم من أسبابه، وذلك كالغضب والوسوسة. وإنما يطوف الشيطان بابن آدم ليستزلَّه عن طاعة ربه، أو ليوسوس له. والوسوسة والاستزلال هو "الطائف من الشيطان". [[من أول قوله: ((وأما الطيف)) ، إلى آخر الفقرة الثانية المختومة بيت من الشعر، لا أشك أنه قد وضع في غير موضعه. فهو يقول بعد: ((ويقول: لم أسمع في ذلك)) ، وهذا القائل غير أبي جعفر بلا شك، ولم استطع تحديد موضعه من الأقوال السالفة. فلذلك تركته مكانه وفصلته. وكان حقه أن يقدم قبل قوله: ((قال أبو جعفر: وأولى القراءتين. . .)) .]]

* *

وأما "الطيف" فإنما هو الخيال، وهو مصدر من "طاف يطيف"، ويقول: لم أسمع في ذلك "طاف يطيف" [[قوله: ((ولم اسمع في ذلك طاف يطيف)) ، يعنى في ((الطائف)) .]] ويتأوله بأنه بمعنى "الميت" وهو من الواو.

* *

وحكى البصريون وبعض الكوفيين سماعًا من العرب: [[هذا نص كلام أبي عبيده في مجاز القرآن ١: ٢٣٧، إلى آخره.]] "طاف يطيف"، و"طِفْتُ أطِيف"، وأنشدوا في ذلك: [[كعب بن زهير.]]

أنَّى أَلَمَّ بِكَ الخَيَالُ يَطِيفُ وَمَطَافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ [[ديوانه: ١١٣، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣٧، واللسان (طيف) (شعف) ، من قصيده له طويلة.

و ((الشعوف)) مصدر من قولهم ((شعفه حب فلانة)) ، إذا أحرق قلبه، ووجد لذة اللوعة في احتراقه، وفي ذهاب لبه حتى لا يعقل غير الحب.]]

* *

وأما التأويل، فإنهم اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: ذلك "الطائف" هو الغضب.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٥٥ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد: ﴿إذا مسهم طائف﴾ قال: و"الطيف": الغضب.

١٥٥٥٦ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: "إذا مسهم طيف من الشيطان" قال: هو الغضب. [[تركت ما في الآثار على ما جاء في المخطوطة: ((طائف)) مرة، و ((طيف)) أخرى، وهما قراءتان في الآية كما سلف قبل.]]

١٥٥٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: الغضب.

١٥٥٥٨ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿إذا مسهم طَيْف من الشيطان تذكروا﴾ قال: هو الغضب.

١٥٥٥٩ - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿طائف من الشيطان﴾ قال: الغضب.

* *

وقال آخرون: هو اللَّمَّة والزَّلة من الشيطان.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٦٠ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ ، و"الطائف": اللَّمَّة من الشيطان = ﴿فإذا هم مبصرون﴾ .

١٥٥٦١ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان) ، يقول: نزغٌ من الشيطان = ﴿تذكروا﴾ .

١٥٥٦٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا﴾ ، يقول: إذا زلُّوا تابوا.

* *

قال أبو جعفر: وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن "الغضب" من استزلال الشيطان، و"اللّمة" من الخطيئة أيضًا منه، وكل ذلك من طائف الشيطان. [[في المطبوعة والمخطوطة: ((وكان ذلك)) ، والصواب ما أثبت.]] وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لخصوص معنى منه دون معنى، بل الصواب أن يعم كما عمه جل ثناؤه، فيقال: إن الذين اتقوا إذا عرض لهم عارض من أسباب الشيطان، ما كان ذلك العارض، تذكروا أمر الله وانتهوا إلى أمره.

* *

وأما قوله: ﴿فإذا هم مبصرون﴾ ، فإنه يعني: فإذا هم مبصرون هدى الله وبيانه وطاعته فيه، فمنتهون عما دعاهم إليه طائف الشيطان. كما: -

١٥٥٦٣ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فإذا هم مبصرون﴾ ، يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان.

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي. [[انظر تفسير ((الغي)) فيما سلف ص: ٢٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] يعني بقوله: ﴿يمدونهم﴾ ، يزيدونهم، ثم لا ينقصون عما نقص عنه الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان. [[في المطبوعة: ((ثم لا يقصرون عما قصر عنه الذي اتقوا)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وبنحو المعنى ذكره أبو حيان في تفسيره ٤: ٤٥١، قال: ((ثم لا ينقصون من إمدادهم وغوايتهم)) . فلذلك أبقيت ما في المخطوطة على حاله، وإن كنت في شك من جودته.]]

وإنما هذا خبرٌ من الله عن فريقي الإيمان والكفر، بأن فريق الإيمان وأهل تقوى الله إذا استزلهم الشيطان تذكروا عظمة الله وعقابه، فكفَّتهم رهبته عن معاصيه، وردّتهم إلى التوبة والإنابة إلى الله مما كان منهم زلَّةً = وأن فريق الكافرين يزيدهم الشيطان غيًّا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله، ولا يحجزهم تقوى الله، ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها، فهو أبدًا في زيادة من ركوب الإثم، والشيطان يزيده أبدًا، لا يقصر الإنسي عن شيء من ركوب الفواحش، ولا الشيطان من مدِّه منه، [[هكذا فعل الطبري، أتى بالضمائر مفردة بعد الجمع، وقد تكرر ذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، أقربها ما أشرت إليه في ص ٢٨٦،، تعليق: ٢.]] كما: -

١٥٥٦٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغيّ ثم لا يقصرون﴾ قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تُمْسك عنهم.

١٥٥٦٥ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ ، يقول: هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس = ﴿ثم لا يقصرون﴾ ، يقول: لا يسأمون.

١٥٥٦٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغيّ﴾ ، إخوان الشياطين من المشركين، يمدهم الشيطان في الغيّ = ﴿ثم لا يقصرون﴾ ،

١٥٥٦٧ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج قال عبد الله بن كثير: وإخوانهم من الجن، يمدون إخوانهم من الإنس = ﴿ثم لا يقصرون﴾ ، يقول لا يقصر الإنسان. قال: و"المد" الزيادة، يعني: أهل الشرك، يقول: لا يُقصر أهل الشرك، كما يقصر الذين اتقوا، لا يرعَوُون، لا يحجزهم الإيمان [[في المطبوعة مكان ((لا يرعوون)) . ((لأنهم لا يحجزهم)) ... )) . لم يحسن قراءتها، لأنها كانت في المخطوطة: ((لا يرعون)) . والصواب ما أثبت ((ارعوى عن القبيح)) . ندم. فانصرف عنه وكف.]] = قال ابن جريج قال مجاهد ﴿وإخوانهم﴾ ، من الشياطين = ﴿يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ ، استجهالا يمدون أهل الشرك = قال ابن جريج: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ ، [سورة الأعراف: ١٧٩] . قال: فهؤلاء الإنس. يقول الله: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ .

١٥٥٦٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثني محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ قال: إخوان الشياطين، يمدهم الشياطين في الغيّ = ﴿ثمّ لا يقصرون﴾ .

١٥٥٦٩ - حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد = ﴿وإخوانهم﴾ ، من الشياطين. ﴿يمدونهم في الغي﴾ ، استجهالا.

* *

وكان بعضهم يتأول قوله: ﴿ثم لا يقصرون﴾ ، بمعنى: ولا الشياطين يقصرون في مدِّهم إخوانَهم من الغيّ.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ ، عنهم، ولا يرحمونهم.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا أولى التأويلين عندنا بالصواب. وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك على ما بيناه؛ لأن الله وصفَ في الآية قبلها أهل الإيمان به، وارتداعَهم عن معصيته وما يكرهه إلى محبته عند تذكرهم عظمته، ثم أتبع ذلك الخبرَ عن إخوان الشياطين وركوبهم معاصيه، فكان الأولى وصفهم بتماديهم فيها، [[في المطبوعة والمخطوطة: ((وكان الأولى)) بالواو، والسياق يقتضى الفاء.]] إذ كان عَقِيب الخبر عن تقصير المؤمنين عنها.

* *

وأما قوله: ﴿يمدونهم﴾ ، فإنَّ القرأة اختلفت في قراءته.

فقرأه بعض المدنيين: "يُمِدُّونَهُمْ" بضم الياء من "أمددت".

* *

وقرأته عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ، بفتح الياء من "مددت".

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ، بفتح الياء، لأن الذي يمد الشياطينُ إخوانَهم من المشركين، إنما هو زيادة من جنس الممدود، وإذا كان الذي مد من جنس الممدود، كان كلام العرب "مددت" لا "أمددت". [[انظر تفسير ((مد)) و ((أمد)) فيما سلف ١: ٣٠٦ - ٣٠٨ / ٧: ١٨١.]]

* *

وأما قوله: ﴿يقصرون﴾ ، فإن القرأة على لغة من قال: "أقصَرْت أقْصِر". وللعرب فيه لغتان: "قَصَرت عن الشيء" و"أقصرت عنه". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٢، وصحح الخطأ هناك، فإنه ضبط ((قصر)) بضم الصاد، والصواب فتحها لا صواب غيره.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا لم تأت، يا محمد، هؤلاء المشركين بآية من الله = ﴿قالوا لولا اجتبَيتَها﴾ ، يقول: قالوا: هلا اخترتها واصطفيتها.

[[انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] = من قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٧٩] يعني: يختار ويصطفي. وقد بينا ذلك في مواضعه بشواهده. [[انظر تفسير ((اجتبى)) فيما سلف ٧: ٤٣٧ / ١١: ٥١٢، ٥١٣.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: هلا افتعلتها من قِبَل نفسك واختلقتها؟ بمعنى: هلا اجتبيتها اختلاقًا؟ كما تقول العرب: "لقد اختار فلان هذا الأمر وتخيره اختلاقًا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٢، والتعليق عليه هناك. وهذا معنى غريب جداً في ((اختار)) ، أنا في ريب منه، إلا أن يكون أراد أن العرب تقول في مجازها ((اختار الشيء اختلاقاً، كل ذلك بمعنى: اختلقه، لا أن ((اختار)) بمعنى اختلق. وإن كان صاحب اللسان قد اتبع قول الفراء الآتى بعد ص ٣٤٣ ((وهو في كلام العرب جائز أن يقول: ((لقد اختار لك الشيء واجتباه وارتجله)) .]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٧١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا أجتبيتها﴾ ، أي: لولا أتيتنا بها من قِبَل نفسك؟ هذا قول كفار قريش.

١٥٥٧٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا اقتضبتها! [[((اقتضب الكلام اقتضاباً)) ، ارتجله من غير تهيئة أو إعداد له. يقال: ((هذا شعر مقتضب، وكتاب مقتضب)) .]] قالوا: تخرجها من نفسك.

١٥٥٧٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ قالوا: لولا تقوَّلتها، جئتَ بها من عندك؟.

١٥٥٧٤ - حدثني المثنى قال: حدثني عبد الله قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتها = وقال مرة أخرى: لولا أحدَثتها فأنشأتها.

١٥٥٧٥ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قالوا لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أحدثتها.

١٥٥٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ قال: لولا جئت بها من نفسك!

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: هلا أخذتها من ربك وتقبَّلتها منه؟ [[في المطبوعة والمخطوطة، في هذا الموضع، والذي يليه في الأثر: ((تقبلتها)) ، وفي الأثر الذي بعده: ((تلقيتها؛ في المخطوطة والمطبوعة، وأرجو أن يكون هذا الأخير هو الصواب، كما سلفت في رقم: ١٥٥٧٤، وإن كان الأول جائزا.]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٧٧ - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تقبَّلتها من الله!

١٥٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا تلقَّيتَها من ربك!

١٥٥٧٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ قال: حدثنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿لولا اجتبيتها﴾ ، يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من قال تأويله: هلا أحدثتها من نفسك! لدلالة قول الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، فبيَّن ذلك أن الله إنما أمر نبيه صلى الله عليه

وسلم، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((يبين ذلك أن الله ... ) والسياق يقتضى ما أثبت.]] بأن يجيبهم بالخبر عن نفسه أنه إنما يتبع ما ينزل عليه ربه ويوحيه إليه، لا أنه يحدث من قبل نفسه قولا وينشئه فيدعو الناس إليه.

* *

وحكي عن الفراء أنه كان يقول: "اجتبيت الكلام" و"اختلقته"، و"ارتجلته": إذا افتعلته من قِبَل نفسك. [[انظر ما سلف ص ٣٤١، تعليق رقم: ٢.]]

١٥٥٨٠ - حدثني بذلك الحارث قال: حدثنا القاسم عنه.

* *

قال أبو عبيدة: وكان أبو زيد يقول: إنما تقول العرب ذلك للكلام يبتدئه الرجل، [[في المطبوعة: ((يبديه الرجل)) ، وفي المخطوطة: ((البديه الرجل)) ، وكأن الصواب ما أثبت.]] لم يكن أعدَّه قبل ذلك في نفسه. قال أبو عبيد: و"اخترعته" مثل ذلك. [[في المطبوعة: ((واخترعه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية: "هلا أحدثتها من قبل نفسك! ": إن ذلك ليس لي، ولا يجوز لي فعله؛ لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليّ من عنده، فإنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، لأني عبده، وإلى أمره أنتهي، وإياه أطيع. [[انظر تفسير ((الاتباع)) ، و ((الوحي)) فيما سلف من فهارس اللغة (تبع) و (وحي) .]] = ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، يقول: هذا القرآن والوحي الذي أتلوه عليكم = "بصائر من ربكم"، يقول: حجج عليكم، وبيان لكم من ربكم.

* *

= واحدتها "بصيرة"، كما قال جل ثناؤه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، [سورة الجاثية: ٢٠] . [[انظر تفسير ((بصيرة)) فيما سلف ١٢: ٢٣، ٢٤.]] .

* *

وإنما ذكر "هذا" ووحّد في قوله: ﴿هذا بصائر من ربكم﴾ ، لما وصفت من أنه مرادٌ به القرآن والوحي.

* *

وقوله: ﴿وهدى﴾ ، يقول: وبيان يهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم = ﴿ورحمة﴾ ، رحم الله به عباده المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالة والهلكة = ﴿لقوم يؤمنون﴾ ، يقول: هو بصائر من الله وهدى ورحمة لمن آمن، يقول: لمن صدَّق بالقرآن أنه تنزيل الله ووحيه، وعمل بما فيه، دون من كذب به وجحده وكفر به، [[انظر تفسير ((الهدى)) و ((الرحمة)) و ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى) ، (رحم) ، (أمن) .]] بل هو على الذين لا يؤمنون به عمًى وخزي. [[في المطبوعة "غم" وفي المخطوطة "عم" غير منقوطة وهذا صواب قراءتها لقوله تعالى في سورة فصلت: ٤٤، في صفة القرآن " والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى".]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدقين بكتابه، الذين القرآنُ لهم هدى ورحمة: ﴿إذا قرئ﴾ ، عليكم، أيها المؤمنون، ﴿القرآن فاستمعوا له﴾ ، يقول: أصغوا له سمعكم، لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه [[انظر تفسير ((استمع)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) .]] = ﴿وأنصتوا﴾ ، إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه = ﴿لعلكم ترحمون﴾ ، يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ والإنصات له.

فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمام يأتمّ به، وهو يسمع قراءة الإمام، عليه أن يسمع لقراءته. وقالوا: في ذلك أنزلت هذه الآية.

ذكر من قال ذلك:

١٥٥٨١ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: "سلام على فلان، وسلام على فلان". قال: فجاء القرآن: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ . [[الأثر: ١٥٥٨١ - ((أبو بكر بن عياش)) ، ثقة معروف، مضى مرارًا. و ((عاصم)) ، هو ((عاصم بن أبي النجود)) ، ((عاصم ابن بهدلة)) ، ثقة مضى مرارًا. و ((المسيب بن رافع الأسدى)) ، تابعى ثقة، لم يلق ابن مسعود، مضى برقم ١٢٨، ٦١٧٥. و ((عبد الله)) ، هو ابن مسعود. فهذا الخبر منقطع الإسناد. وذكره ابن كثير في تفسيره ٣: ٦٢٣.]]

١٥٥٨٢ -.... قال: حدثنا حفص بن غياث، عن إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ ، والآية الأخرى، أمروا بالإنصات. [[الأثر: ١٥٥٨٢ - سيأتي بإسناد آخر، بلفظ آخر رقم: ١٥٦٠١. ((حفص بن غياث)) ثقة مأمون، أخرج له الجماعة، مضى مرارًا. ((إبراهيم الهجرى)) ، هو ((إبراهيم بن مسلم الهجرى)) ، وهو ضعيف، مضى برقم: ١١، ٤١٧٣. و ((أبو عياض)) ، هو ((عمر بن الأسود العنسى)) ، ثقة من عباد أهل الشام، مضى برقم ١٣٨٢، ١١٢٥٥، ١٢٨٠٤. وهذا خبر ضعيف الإسناد، لضعف إبراهيم الهجرى. ورواه البيهقي في السنن ٢: ١٥٥، بنحوه، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ٣: ١٥٦، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]]

١٥٥٨٣ - حدثني أبو السائب قال: حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا قرأه، فنزلت: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .

١٥٥٨٤ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناسًا يقرأون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا! أما آن لكم أن تعقلوا؟ ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ، كما أمركم الله. [[الأثر: ١٥٥٨٤ - ((بشير بن جابر)) هكذا في المطبوعة وابن كثير ٣: ٦٢٣. وفي المخطوطة: ((بسير)) غير منقوط، وقد أعيانى أن أجد لها وجهاً، أو أن أجد ((بشير بن جابر)) في شيء من المراجع.]]

١٥٥٨٥ - حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصّ يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت، فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إلي فقالا إنما ذلك في الصلاة: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ . [[الأثر: ١٥٥٨٥ - ((طلحة بن عبيد بن كريز الخزاعى)) ، أبو المطرف المصرى. ثقة قليل الحديث. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/١/١٦٦، والكبير ٢/٢/٣٤٨. وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٧٤. و ((كريز)) (بفتح الكاف، وكسر الراء)) .]]

١٥٥٨٦ - حدثني العباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثنا عبد الله بن عامر قال: ثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ، في الصلاة. [[الأثر: ١٥٥٨٦ - ((عبد الله بن عامر الأسلمى)) ، روى عنه الأوزعى، وابن أبي ذئب، وسليمان بن بلال وغيرهم. ضعفه أحمد وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/١٢٣، وميزان الاعتدال ٢: ٥٠. وهذا خبر ضعيف لضعف ((عبد الله بن عامر)) . ورواه الواحدى في أسباب النزول: ١٧١، ١٧٢ من طريق أبي منصور المنصورى، عن عبد الله بن عامر، بمثله.]]

١٥٥٨٧ - حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة.

١٥٥٨٨ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن رجل، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة.

١٥٥٨٩ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن إدريس قال: حدثنا ليث، عن مجاهد: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة.

١٥٥٩٠ - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت حميدًا الأعرج قال: سمعت مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة.

١٥٥٩١ -.... قال: حدثني عبد الصمد قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا حميد، عن مجاهد، بمثله.

١٥٥٩٢ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير وابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة المكتوبة.

١٥٥٩٣ -.... قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد، وعن حجاج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد = وعن ابن أبي ليلى، عن الحكم = عن سعيد بن جبير: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة المكتوبة.

١٥٥٩٤ -.... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد: في الصلاة المكتوبة.

١٥٥٩٥ -.... قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

١٥٥٩٦ -.... قال: حدثنا المحاربي وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك قال: في الصلاة المكتوبة.

١٥٥٩٧ -.... قال: حدثنا جرير وابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: في الصلاة المكتوبة.

١٥٥٩٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: كانوا يتكلمون في صلاتهم بحوائجهم أوَّلَ ما فرضت عليهم، فأنزل الله ما تسمعون: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .

١٥٥٩٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ، وقال غيره: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، فأنزل الله: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ .

١٥٦٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد والمحاربي، عن أشعث، عن الزهري قال: كان النبي ﷺ يقرأ ورجل يقرأ، فنزلت: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .

١٥٦٠١ -.... قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: هذا في الصلاة. [[الأثر: ١٥٦٠١ - ((الهجرى)) ، هو ((إبراهيم بن مسلم الهجرى)) ، ومضى هذا الخبر برقم: ١٥٥٨٢، بنحوه، وبينا ضعف إسناده هناك.]]

١٥٦٠٢ -.... قال: حدثنا أبي، عن حريث، عن عامر قال: في الصلاة المكتوبة.

١٥٦٠٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: إذا قرئ في الصلاة.

١٥٦٠٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ ، يعني: في الصلاة المفروضة.

١٥٦٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد قال: هذا في الصلاة في قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ = قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد: أنه كره إذا مرّ الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد ممن خلفَه شيئًا. قال: السكوت = قال: أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد: قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.

١٥٦٠٦ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ قال: هذا إذا قام الإمام للصلاة ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .

١٥٦٠٧ - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: لا يقرأ مَن وراء الإمام فيما يجهر به من القراءة، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يُسْمِعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لم يجهر به سرًّا في أنفسهم. ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًّا ولا علانية. قال الله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ .

١٥٦٠٨ - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾ ، هذا في المكتوبة. وأما ما كان من قصص أو قراءة بعد ذلك، فإنما هي نافلة. إن نبي الله ﷺ قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ وراءه أصحابه، فخلَّطوا عليه قال: فنزل القرآن: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ ، فهذا في المكتوبة.

* *

وقال آخرون: بل عُني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قرئ القرآن في خطبة. [[في المطبوعة: ((إذا قرئ القرآن في خطبة)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٦٠٩ - حدثنا تميم بن المنتصر قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن مجاهد، في قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: الإنصات للإمام يوم الجمعة.

١٥٦١٠ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو خالد وابن أبي عتبة، عن العوام، عن مجاهد قال: في خطبة يوم الجمعة.

* *

وقال آخرون: عني بذلك: الإنصات في الصلاة، وفي الخطبة.

ذكر من قال ذلك:

١٥٦١١ - حدثني ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن منصور قال: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة، يحدث أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: في الصلاة، والخطبة يوم الجمعة.

١٥٦١٢ - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن عطاء قال: وجب الصُّمُوت في اثنتين، عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلي، وعند الإمام وهو يخطب.

١٥٦١٣ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد: ﴿وإذا قرئ القرآن﴾ ، وجب الإنصات في اثنتين، [[في المطبوعة: ((وإذا قرئ القرآن، وجب الإنصات قال: وجب في اثنتين. وهو مضطرب صوابه من المخطوطة، بحذف ما زاده، وتقديم ما أخره.]] في الصلاة والإمام يقرأ، والجمعة والإمام يخطب.

١٥٦١٤ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال حدثنا هشيم، أخبرنا من سمع الحسن يقول: في الصلاة المكتوبة، وعند الذكر.

١٥٦١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مجاهد قال: وجب الإنصات في اثنتين: في الصلاة، ويوم الجمعة.

١٥٦١٦ - حدثني المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك، عن بقية بن الوليد قال: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ قال: الإنصات: يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. [[الأثر: ١٥٦١٦ - ((ثابت بن عجلان الأنصارى السلمي)) ، متكلم فيه، وثقه بعضهم، ومرضه آخرون. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/١٦٦، ولم يذكر فيه جرحاً، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٤٥٥.]]

١٥٦١٧ - حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن [عون] قال: أخبرنا هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة، وعند الذكر. [[الأثر: ١٥٦١٧ - ((عمرو بن عون الواسطى)) ، مضى مرارًا. وكان في المخطوطة: ((قال حدثنا عمرو بن قال أخبرنا هشيم)) ، سقط من الإسناد ما أثبته بين القوسين. وكان في المطبوعة: ((عمرو بن حماد)) ، مكان ((عمرو بن عون)) ، وهو فاسد وسئ جداً. وقد مضى مرارًا مثل إسناد ((المثنى)) هذا إلى ((هشيم)) برقم: ٣١٥٩، ٣٨٧٩، ١٠٩٦٢، وغيرها. فمن هذا استظهرت ما أثبته، وهو الصواب إن شاء الله.]]

١٥٦١٨ - حدثنا ابن البرقي قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن أيوب قال: ثني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أوجب الإنصات يوم الجمعة، قول الله تعالى ذكره: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ ، وفي الصلاة مثل ذلك.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتمّ به يسمعه، وفي الخطبة.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، [[انظر تخريج الخبر في السنن الكبرى ٢: ١٥٥، ١٥٦.]] وإجماع الجميع على أن [على] من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماعَ والإنصاتَ لها، [[الزيادة بين القوسين لا بد منها، والسياق: ((أن على من سمع ... الاستماع والإنصات)) .]] مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله ﷺ، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه، من قارئه، إلا في هاتين الحالتين، [[في المخطوطة حرف (ط) فوق ((لسامعه)) ، دلالة على الخطأ والشك في صحته، ولكنه مستقيم. وهو عطف على ما قبله، كأنه قال: وأنه لا وقت يجب الإنصات لسامعه، من قارئه)) .]] على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بما ذكرنا من قوله: "إذا قرأ الإمام فانصتوا" فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتمًّا سامعًا قراءته، بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله ﷺ

القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ﴿واذكر﴾ أيُّها المستمع المنصت للقرآن، إذا قرئ في صلاة أو خطبة [[رد ابن كثير ما ذهب إليه الطبري في تفسير هذه الآية فقال: ((زعم ابن جرير، وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه للذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد، مناف للإنصات المأمور به. ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم، أو في الصلاة والخطبة. ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سراً أو جهراً. وهذا الذي قالاه، لم يتابعا عليه. بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين)) . تفسير ابن كثير ٣: ٦٢٦، ٦٢٧. وهذا الذي قاله هو الصواب المحض إن شاء الله.]] =، ﴿ربك في نفسك﴾ ، يقول: اتعظ بما في آي القرآن، واعتبر به، وتذكر معادك إليه عند سماعكه = ﴿تضرعًا﴾ ، يقول: افعل ذلك تخشعًا لله وتواضعًا له. [[انظر تفسير ((التضرع)) فيما سلف ١٣: ٥٧٢ تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ﴿وخيفة﴾ ، يقول: وخوفًا من الله أن يعاقبك على تقصير يكون منك في الاتعاظ به والاعتبار، وغفلة عما بين الله فيه من حدوده. [[انظر تفسير ((الخوف)) فيما سلف ٩: ١٢٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] = ﴿ودون الجهر من القول﴾ ، يقول: ودعاء باللسان لله في خفاء لا جهار. [[انظر تفسير ((الجهر)) فيما سلف ٢: ٨٠ / ٩: ٣٤٤، ٣٥٨ / ١١: ٣٦٨.]] يقول: ليكن ذكر الله عند استماعك القرآن في دعاء إن دعوت غير جهار، ولكن في خفاء من القول، كما:-

١٥٦١٩ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول﴾ ، لا يجهر بذلك.

١٥٦٢٠ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول﴾ ، الآية قال: أمروا أن يذكروه في الصدور تضرعًا وخيفة.

١٥٦٢١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي، عن أبيه، عن حيان بن عمير، عن عبيد بن عمير، في قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ قال: "يقول الله إذا ذكرني عبدي في نفسه، ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدي وحده ذكرته وحدي، وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في أحسنَ منهم وأكرم". [[الأثر: ١٥٦٢١ - ((ابن التيمى)) ، هو: ((معتمر بن سليمان بن طرخان التيمى)) وأبوه ((سليمان بن طرخان التيمى)) ، وقد مضيا مرارًا. و ((حيان بن عمر القيسمى الجريرى)) ، ثقة قليل الحديث روى عن عبد الرحمن بن سمرة، وابن عباس، وسمرة بن جندب وغيرهم. روى عنه سليمان التيمى، وسعيد الجريرى، وقتاده. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/١/ ١٣٧، ١٦٥، والكبير ٢/١/ ٥٠، وابن أبي حاتم ١/٢/ ٢٤٤. و ((عبيد بن عمير بن قتادة الجندعى)) ، قاص أهل مكة، تابعى ثقة من كبار التابعين، مضى برقم: ٩١٨٠، ٩١٨١، ٩١٨٩، وغيرها.]]

١٥٦٢٢ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾ قال: يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء.

* *

وأما قوله: ﴿بالغدو والآصال﴾ ، فإنه يعني بالبُكَر والعشِيَّات.

* *

وأما "الآصال" فجمع، واختلف أهل العربية فيها.

فقال بعضهم: هي جمع "أصيل"، كما "الأيمان" جمع "يمين"، و"الأسرار" جمع "سرير". [[((السرير)) الذي جمعه ((أسرار)) ، هو ((سرير الكمأة)) ، وهو ما يكون عليها من التراب والقشور والطين، وليس للكمأة عروق، ولكن لها أسرار.]]

* *

وقال آخرون منهم: هي جمع "أصُل"، و"الأصُل" جمع "أصيل". [[مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢٣٩.]]

* *

وقال آخرون منهم: هي جمع "أصل" و"أصيل". قال: وإن شئت جعلت "الأصُل" جمعًا ل "لأصيل"، وإن شئت جعلته واحدًا. قال: والعرب تقول: "قد دنا الأصُل" فيجعلونه واحدًا.

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول أولى بالصواب في ذلك، وهو أنه جائز أن يكون جمع "أصيل" و"أصُل"، لأنهما قد يجمعان على أفعال. وأما "الآصال"، فهي فيما يقال في كلام العرب: ما بين العصر إلى المغرب.

* *

وأما قوله: ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ ، فإنه يقول: ولا تكن من اللاهين إذا قرئ القرآن عن عظاته وعبره، وما فيه من عجائبه، ولكن تدبر ذلك وتفهمه، وأشعره قلبك بذكر الله، [[في المخطوطة والمطبوعة: ((بذكر الله)) ، والسياق يتطلب ما أثبت.]] وخضوعٍ له، وخوفٍ من قدرة الله عليك، إن أنت غفلت عن ذلك.

١٥٦٢٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿بالغدو والآصال﴾ قال: بالبكر والعشي = ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ .

١٥٦٢٤ - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا معرّف بن واصل السعدي، قال: سمعت أبا وائل يقول لغلامه عند مغيب الشمس: آصَلْنا بعدُ؟ [[الأثر: ١٥٦٢٤ - ((معرف بن واصل السعدي)) ، ((أبو بدل)) أو ((أبو يزيد)) ، ثقة. كان أمام مسجد بنى عمرو بن سعيد بن تميم، أمهم ستين سنة، لم يسه في صلاة قط، لأنها كانت تهمه. روى عن أبي وائل وإبراهيم التيمى، والنخعى، والشعبى. وغيرهم. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٤٨، والكبير ٤/٢/٣٠، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤١٠.

و ((أبو وائل)) هو ((شقيق بن سلمة الأسدى)) ، أدرك النبي ﷺ، ولم يره، حجة في العربية. وقوله: ((آصل)) ، أي: دخل في الأصيل.]]

١٥٦٢٥ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج قال: قال ابن جريج قال مجاهد، قوله: ﴿بالغدو والآصال﴾ قال: "الغدو"، آخر الفجر، صلاة الصبح = ﴿والآصال﴾ ، آخر العشي، صلاة العصر. قال: وكل ذلك لها وقت، أول الفجر وآخره. وذلك مثل قوله في "سورة آل عمران": ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ ، [سورة آل عمران: ٤١] . وقيل: "العشي": مَيْل الشمس إلى أن تغيب، و"الإبكار": أول الفجر. [[الأثر: ١٥٦٢٥ - آخر هذا الخبر، مضى برقم: ٧٠٢٤، من طريق أخرى.]]

١٥٦٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن محمد بن شريك، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، سئل عن [صلاة الفجر، فقال: إنها لفي كتاب الله، ولا يقوم عليها] ..... ثم قرأ: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ، الآية [سورة النور: ٣٦] . [[الأثر: ١٥٦٢٦ - ((محمد بن شريك المكى)) ، ثقة، مضى برقم: ١٠٢٦٠، مترجم في التهذيب، وابن سعد ٥: ٣٦٠، والكبير ١/١/١١٢، وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٨٤. وهكذا جاء الخبر في المخطوطة، كما هو في المطبوعة، وأنا أكاد أقطع أنه خطأ وتحريف، وفيه سقط، ولكنى لم أجد الخبر بإسناده، فلذلك لم أغيره، ووجدت نص الخبر بغير إسناد في الدر المنثور ٥: ٥٢، عن صلاة الضحى، لا صلاة الفجر، وهو الصواب إن شاء الله قال:

(وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن؟ ، وما يغوص عليها إلا غواص، في قوله: " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ " فهذا صواب العبارة، ولكني وضعت ما كان في المخطوطة والمطبوعة بين قوسين، لأني لم أجد الخبر بإسناده. ووضعت مكان السقط نقطاً. ثم أتممت الآية إلى غايتها أيضاً.]]

١٥٦٢٧ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعًا وخيفة﴾ ، إلى قوله: ﴿بالغدو والآصال﴾ ، أمر الله بذكره، ونهى عن الغفلة. أما "بالغدو": فصلاة الصبح = "والآصال": بالعشي. [[الأثر: ١٥٦٢٧ - كان في المخطوطة والمطبوعة: (( ... حدثنا يزيد قال، حدثنا سويد قال، حدثنا سعيد ... )) ، زاد في الإسناد ((قال حدثنا سويد)) ، وهو خطأ محض، وإنما كرر الكتابة كتب ((يزيد)) ، ثم كتب ((سويد) ، وزاد في الإسناد. وهذا إسناد دائر في التفسير، آخره رقم: ١٥٥٩٨.]]

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا تستكبر، أيها المستمع المنصت للقرآن، عن عبادة ربك، واذكره إذا قرئ القرآن تضرعًا وخيفة ودون الجهر من القول، فإن الذين عند ربك من ملائكته لا يستكبرون عن التواضع له والتخشع، وذلك هو "العبادة". [[انظر تفسير ((العبادة)) فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) .]] = ﴿ويسبحونه﴾ ، يقول: ويعظمون ربهم بتواضعهم له وعبادتهم [[انظر تفسير ((التسبيح)) فيما سلف ١: ٤٧٤ - ٤٧٦ / ٦: ٣٩١، ومادة (سبح) في فهارس اللغة.]] = ﴿وله يسجدون﴾ ، يقول: ولله يصلون = وهو سجودهم = [[انظر تفسير ((السجود)) فيما سلف من فهارس اللغة (سجد) .]] فصلوا أنتم أيضًا له، وعظموه بالعبادة، كما يفعله من عنده من ملائكته.

* *

آخر تفسير سورة الأعراف [[عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه: "والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا. الحمد لله رب العالمين".]]

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com