Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Baqara
Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 1–30 · Quran text →
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿الم﴾ .
قال أبو جعفر: اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره [[تراجمة القرآن: مفسروه، كما مر آنفًا: ١٧٠، تعليق: ٤ وما قبلها ٧٠، تعليق: ١٠]] "ألم" فقالَ بعضُهم: هو اسم من أسماء القرآن.
ذكرُ من قال ذلك:
٢٢٥- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ألم"، قال: اسم من أسماء القرآن.
٢٢٦- حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي، قال: حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:"ألم"، اسم من أسماء القرآن.
٢٢٧- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال:"ألم"، اسم من أسماء القرآن.
وقال بعضُهم: هو فَواتحُ يفتح الله بها القرآن.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧ - حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال:"ألم"، فواتح يفتح الله بها القرآن.
٢٢٩- حدثنا أحمد بن حازم الغِفَاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، قال:"ألم"، فواتح.
٢٣٠- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال:"ألم"، و"حم"، و"ألمص"، و"ص"، فواتحُ افتتح الله بها [[الأثر ٢٣٠ - إسحاق بن الحجاج: هو الطاحوني المقرئ، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/١/ ٢١٧، وقال: "سمعت أبا زرعة يقول: كتب عبد الرحمن الدشتكي تفسير عبد الرزاق عن إسحاق بن الحجاج".]] .
٢٣١- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثلَ حديث هارون بن إدريس.
وقال آخرون: هو اسم للسورة.
ذكرُ من قال ذلك:
٢٣٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا عبد الله بن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن قول الله:"ألم ذلك الكتاب" و"ألم تَنزيل"، و"ألمر تلك"، فقال: قال أبي: إنما هي أسماء السُّوَر.
وقال بعضهم: هو اسم الله الأعظم.
ذكر من قال ذلك:
٢٣٣- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت السُّدِّي عن"حم" و"طسم" و"ألم"، فقال: قال ابن عباس: هو اسْم الله الأعظم.
٢٣٤- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني أبو النعمان، قال: حدثنا شعبة، عن إسماعيل السُّدِّي، عن مُرّة الهمداني، قال: قال عبدُ الله فذكر نحوه.
٢٣٥- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عُبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن الشعبي قال: فواتح السور من أسماء الله.
وقال بعضهم: هو قسمٌ أقسمَ الله به، وهو من أسمائه.
ذكر من قال ذلك:
٢٣٦ - حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: هو قَسَم أقسمَ الله به، وهو من أسماء الله.
٢٣٧- حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَّية، قال: حدثنا خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال:"ألم"، قسم [[الأثر ٢٣٧ - يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح: هو الدورقي الحافظ البغدادي.]] .
وقال بعضهم: هو حُرُوف مقطَّعةٌ من أسماء وأفعالٍ، كلُّ حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
ذكر من قال ذلك:
٢٣٨- حدثنا أبو كريب قال حدثنا وكيع - وحدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس:"ألم" قال: أنا الله أعلم [[الخبر ٢٣٨ - رواه الطبري عن شيخين عن وكيع: عن أبي كريب، وعن سفيان بن وكيع، كلاهما عن وكيع عن شريك، وهو ابن عبد الله النخعي القاضي. وجاء الإسناد الثاني منهما في مطبوعة بولاق محرفا: "سفيان بن وكيع قال حدثنا ابن أبي شريك". وصحح من المخطوطة.]] .
٢٣٩- حُدِّثتُ عن أبي عُبيد، قال: حدثنا أبو اليقظان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: قوله:"ألم"، قال: أنا الله أعلم.
٢٤٠- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد القنَّاد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السُّدِّي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"ألم" قال: أما"ألم" فهو حَرف اشتُقَّ من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه.
٢٤١- حدثنا محمد بن معْمَر، قال: حدثنا عباس بن زياد الباهلي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله:"ألم" و"حم" و"ن"، قال: اسم مُقطَّع [[الخبر ٢٤١- محمد بن معمر بن ربعي، شيخ الطبري: هو المعروف بالبحراني، وهو ثقة، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين، وهو متأخر الوفاة، مات في العام الذي مات فيه البخاري سنة ٢٥٦، كما ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ ٢: ١٢٩، وأما شيخه"عباس بن زياد الباهلي" فلم أجد له ترجمة قط.]] .
وقال بعضهم هي حروفُ هجاءٍ موضوعٍ.
ذكر من قال ذلك:
٢٤٢- حُدِّثتُ عن منصور بن أبي نُويرة، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدِّب، عن خُصَيْف، عن مجاهد، قال: فواتح السور كلها"ق" و"ص" و"حم" و"طسم" و"ألر" وغير ذلك، هجاء موضوع.
وقال بعضهم: هي حروف يشتمل كل حرفٍ منها على معان شتى مختلفة.
ذكر من قال ذلك:
٢٤٣- حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر الرازي، قال: حدثني أبي، عن الربيع بن أنس، في قول الله تعالى ذكره:"ألم"، قال: هذه الأحرف، من التسعة والعشرين حرفًا، دارت فيها الألسُن كلها. ليس منها حرف إلا وهو مِفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبَلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدّةِ قوم وآجالهم. وقال عيسى ابن مريم:"وعجيب ينطقون في أسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون؟ ". قال: الألف: مفتاح اسمه:"الله"، واللام: مفتاح اسمه:"لطيف"، والميم: مفتاح اسمه:"مجيد". والألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم: مجده. الألف سنةٌ، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون سنة.
٢٤٤- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بنحوه [[الأخبار ٢٢٥ - ٢٤٤: ذكرها ابن كثير ١: ٦٥ - ٦٦، بعضها بالإسناد، وبعضها دون إسناد، وسردها السيوطي ١: ٢٢ - ٢٣ مع غيرها من الروايات. ونقل الشوكاني بعضها ١: ٢١.]] .
وقال بعضُهم: هي حُروف من حساب الجُمَّل - كرهنا ذكْر الذي حُكي ذلك عنه، إذْ كان الذي رواه ممن لا يُعتمد على روايته ونقله. وقد مَضت الروايةُ بنظير ذلك من القول عن الربيع بن أنس [[يشير إلى الروايتين السابقتين: ٢٤٣، ٢٤٤.]] .
وقال بعضهم: لكل كتاب سرٌّ، وسرُّ القرآن فواتحه.
* *
وأمَّا أهل العربية، فإنهم اختلفوا في معنى ذلك. فقال بعضهم: هي حروف من حُرُوف المعجم، استُغْنِيَ بذكر ما ذُكر منها في أوائل السور عن ذكر بَواقيها، التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا؛ كما استغنى المُخبرُ - عمن أخبرَ عنه أنه في حروف المعجم الثمانية والعشرين حرفًا - بذكر"أب ت ث"، عن ذكر بواقي حروفها التي هي تتمة الثمانية والعشرين: قال. ولذلك رُفع ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ، لأنّ معنى الكلام: الألف واللام والميم من الحروف المقطعة، ذلك الكتابُ الذي أنزلته إليك مجموعًا لا ريب فيه.
فإن قال قائل: فإن"أب ت ث"، قد صارتْ كالاسم في حروف الهجاء، كما كان"الحمدُ" اسما لفاتحة الكتاب.
قيل له: لما كان جائزًا أن يقول القائل: ابني في"ط ظ"، وكان معلومًا بقيله ذلك لو قاله أنَّه يريد الخبر عن ابنه أنَّه في الحروف المقطَّعة - عُلم بذلك أنّ"أب ت ث" ليس لها باسْم، وإن كان ذلك آثَرَ في الذكر من سائرها [[في المطبوعة: "يؤثر في الذكر". وآثر: يؤثره الناس ويقدمونه.]] . قال: وإنما خُولف بين ذكر حُرُوف المعجم في فواتح السور، فذُكِرت في أوائلها مختلفةً، وذِكْرِها إذا ذُكرت بأوائلها التي هي"أب ت ث"، مؤتلفةً، ليفصل بين الخبر عنها إذا أريد -بذكر ما ذكر منها مختلفًا- الدلالةُ على الكلام المتصل؛ وإذا أريد -بذكر ما ذكر منها مؤتلفًا- الدلالةُ على الحروف المقطعة بأعيانها. واستشهدوا - لإجازة قول القائل: ابني في"ط ظ" وما أشبه ذلك، من الخبر عنه أنه في حرُوف المعجم، وأن ذلك من قيله في البيان يَقوم مقام قوله: ابني في"أب ت ث" - برجز بعض الرُّجّاز من بني أسد:
لَمَّا رَأيْتُ أمرَهَا في حُطِّي ... وفَنَكَتْ في كَذِب ولَطِّ ... أَخذْتُ منها بقُرُونٍ
شُمْطٍ ... فلم يَزَلْ صَوْبِي بها ومَعْطِي ... حَتى علا الرأسَ دَمٌ يُغَطِّي [[أولها في اللسان (فنك) . فنك في الكذب: مضى فيه ولج ومحك. ولط الحق: جحده ومنعه وخاصم فأحمى الخصومة. والقرون، جمع قرن: وهو الضفيرة. وشمط، جمع أشمط: وهو الذي اشتعل رأسه شيبا. صاب يصوب صوبًا: انحدر من علو إلى سفل. وفي المطبوعة: "ضربى". والمعط: المد والجذب، وعنى بذلك إصعاده بها وهو يجذب ضفائرها، وذلك في انحداره بها وصعوده.]]
فزعم أنه أراد بذلك الخبر عن المرأة أنها في"أبي جاد"، فأقام قوله:"لما رأيت أمرها في حُطِّي" مقامَ خبرِه عنها أنها في"أبي جاد"، إذْ كان ذاك من قوله، يدلّ سامعَه على ما يدلُّه عليه قوله: لما رأيت أمرَها في"أبي جاد".
وقال آخرون: بل ابتدئت بذلك أوائل السُّور ليفتح لاستماعه أسماعَ المشركين - إذ تواصَوْا بالإعراض عن القرآن- حتى إذا استمعوا له، تُلي عليهم المؤلَّفُ منه.
وقال بعضهم: الحروفُ التي هي فواتح السُّور حروفٌ يستفتحُ الله بها كلامه.
فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟
قيل [[في المطبوعة والمخطوطة: "فإن قيل: هل يكون من القرآن ما ليس له معنى؟ فإن معنى هذا. . . "، وهو كلام مضطرب، والصواب ما أثبتناه.]] : معنى هذا أنه افتتح بها ليُعْلم أن السورة التي قبلها قد انقضت، وأنه قد أخذ في أخرى، فجعل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينهما، وذلك في كلام العرب، ينشد الرجل منهم الشعر فيقول:
بل * وبلدةٍ مَا الإنسُ من آهَالِها [[اللسان (أهل) غير منسوب، وكأنه لأبي النجم فيما أذكر.]]
ويقول:
لا بَل * مَا هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا [[هو للعجاج، ديوانه: ٧، ويأتي بعد قليل في: ٢١٢ أيضًا و: ٢٢٣.]]
و"بل" ليست من البيت ولا تعد في وزنه، ولكن يقطع بها كلامًا ويستأنفُ الآخر.
قال أبو جعفر: ولكل قول من الأقوال التي قالها الذين وصفنا قولهم في ذلك، وجهٌ معروفٌ.
فأما الذين قالوا:"ألم"، اسم من أسماء القرآن، فلقولهم ذلك وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أرادوا أن"ألم" اسم للقرآن، كما الفُرقان اسم له. وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويل قوله ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ، على معنى القسم. كأنه قال: والقرآن، هذا الكتابُ لا ريب فيه.
والآخر منهما: أن يكونوا أرادوا أنه اسمٌ من أسماء السورة التي تُعرف به، كما تُعرَف سائر الأشياء بأسمائها التي هي لها أمارات تعرف بها، فيَفهم السامع من القائل يقول:- قرأت اليوم"ألمص" و"ن"-، أيُّ السُّوَر التي قرأها من سُوَر القرآن [[في المطبوعة والمخطوطة: "أي السورة التي قرأها. . ".]] ، كما يفهم عنه - إذا قال: لقيتُ اليوم عمرًا وزيدًا، وهما بزيد وعمرو عارفان - مَن الذي لقي من الناس.
وإن أشكل معنى ذلك على امرئ فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك، وَنظائر"ألم""ألر" في القرآن جماعةٌ من السُّور؟ وإنما تكون الأسماء أماراتٍ إذا كانت مميِّزة بين الأشخاص، فأما إذا كانت غير مميزة فليست أمارات.
قيل: إن الأسماء - وإن كانت قد صارت، لاشتراك كثير من الناس في الواحد منها، غيرَ مميِّزة إلا بمعانٍ أخرَ معها من ضَمِّ نسبة المسمَّى بها إليها أو نعته أو صفته، بما يفرِّق بينه وبين غيره من أشكالها - فإنها وُضعت ابتداءً للتمييز لا شَكَّ. ثم احتيج، عند الاشتراك، إلى المعاني المفرِّقة بين المسمَّيْن بها [[في المطبوعة والمخطوطة: "بين المسمى بها".]] . فكذلك ذلك في أسماء السور. جُعل كلّ اسم - في قول قائل هذه المقالة - أمارةً للمسمى به من السُّور. فلما شارك المسمَّى به فيه غيرَه من سور القرآن، احتاج المخبر عن سورةٍ منها أن يضمّ إلى اسمها المسمَّى به من ذلك، ما يفرِّق به السامع بين الخبر عنها وعن غيرها، من نعتٍ وصفةٍ أو غير ذلك. فيقول المخبر عن نفسه إنه تلا سورة البقرة، إذا سماها باسمها الذي هو"ألم": قرأتُ"ألم البقرة"، وفي آل عمران: قرأت"ألم آل عمران"، و"ألم ذلك الكتاب"، و"ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم". كما لو أراد الخبر عن رَجلين، اسم كل واحد منهما"عمرو"، غير أنّ أحدهما تميمي والآخر أزديَّ، للزمه أن يقول لمن أراد إخباره عنهما: لقيت عمرًا التميمي وعمرًا الأزديَّ، إذْ كان لا يفرُقُ بينهما وبين غيرهما ممن يُشاركهما في أسمائهما، إلا بنسبتهما كذلك. فكذلك ذلك في قول من تأوَّل في الحروف المقطعة أنها أسماءٌ للسُّور.
وأما الذين قالوا: ذلك فواتحُ يفتتح الله عز وجل بها كلامه، فإنهم وجهوا ذلك إلى نحو المعنى الذي حكيناه عمَّن حكينا عنهُ من أهل العربية، أنه قال: ذلك أدِلَّةٌ على انقضاء سُورة وابتداءٍ في أخرى، وعلامةٌ لانقطاع ما بينهما، كما جعلت"بل" في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداء فيها، وانقضاءِ أخرى قَبلها كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدة، قالوا:
بل * ما هاجَ أحْزَانًا وشجوًا قد شَجا
و"بل" ليست من البيت ولا داخلةً في وزنه، ولكن ليَدُلَّ به على قطع كلام وابتداء آخر.
وأما الذين قالوا: ذلك حروف مقطَّعة بعضها من أسماء الله عز وجل، وبعضُها من صفاته، ولكل حرف من ذلك معنى غيرُ معنى الحرف الآخر، فإنهم نَحَوْا بتأويلهم ذلك نحو قول الشاعر:
قُلْنَا لها: قِفِي لنا، قالت: قافْ ... لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجاف [[الرجز للوليد بن عقبة. الأغاني ٥: ١٣١، شرح شواهد الشافية: ٢٧١، ومشكل القرآن: ٢٣٨. الإيجاف: حيث الدابة على سرعة السير، وهو الوجيف.]]
يعني بقوله:"قالت قاف"، قالت: قد وقفتُ. فدلت بإظهار القاف من"وقفت"، على مرادها من تمام الكلمة التي هي"وقفت". فصرفوا قوله:"ألم" وما أشبه ذلك، إلى نحو هذا المعنى. فقال بعضهم: الألف ألف"أنا"، واللام لام"الله"، والميم ميم"أعلم"، وكلُّ حرف منها دال على كلمة تامة. قالوا: فجملة هذه الحروف المقطَّعة إذا ظهر مع كل حرفٍ منهن تَمام حروف الكلمة،"أنا" الله أعلم". قالوا: وكذلك سائر جميع ما في أوائل سُور القرآن من ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويل. قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلام العرب أن ينقُصَ المتكلم منهم من الكلمةِ الأحرفَ، إذا كان فيما بقي دلالة على ما حذف منها - ويزيدَ فيها ما ليس منها، إذا لم تكن الزيادة مُلبِّسةً معناها على سامعها - كحذفهم في النقص في الترخيم من"حارثٍ" الثاءَ، فيقولون: يا حارِ، ومن"مالك" الكافَ، فيقولون: يا مالِ، وأما أشبه ذلك، وكقول راجزهم:
مَا لِلظليم عَالَ؟ كَيْفَ لا يَا ... يَنْقَذُّ عنه جِلْدُه إذا يَا [[شرح شواهد الشافية: ٢٦٧. عال: دعاء عليه، من قولهم"عال عوله" أي ثكلته أمه، فاختصر. و"يا" في البيت الأول كأنه أراد أن يقول"ينقد عنه. . . " فوقف، ثم عاد يقول: "ينقد"، و"يا" في الآخر: أي إذا يعدو هذا العدو.]]
كأنه أراد أن يقول: إذا يَفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من"يفعل"، وكما قال آخر منهم:
بالخيرِ خيراتٍ وإنْ شرًّا فَا
يريد: فشرًّا.
ولا أُرِيد الشرَّ إلا أن تَا [[سيبويه ٢: ٦٢، الكامل ١: ٢٤٠، والموشح: ١٢٠، وشرح شواهد الشافية: ٢٦٢، ونسبه في ٢٦٤ للقيم بن أوس.]] .
يريد: إلا أن تَشاء، فاكتفى بالتاء والفاء في الكلمتين جَميعًا، من سائر حروفهما، وما أشبهَ ذلك من الشواهد التي يَطول الكتاب باستيعابه.
٢٤٥- وكما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُليَّة، عن أيوب، وابن عون، عن محمد، قال: لما مات يزيدُ بن معاوية قال لي عَبْدَة: إني لا أراها إلا كائنةً فتنةً، فافزع منْ ضَيْعَتِكَ والحقْ بأهلك. قلت: فما تأمرني؟ قال: أحَبُّ إليّ لك أنْ تا - قال أيوبُ وابن عون بَيده تحت خدِّه الأيمن، يصف الاضطجاع - حتى ترى أمرا تَعرفه [[الأثر ٢٤٥- محمد: هو ابن سيرين. وعبدة: لم أوقن من هو ولم أرجح. بل أكاد أوقن أن هذا تحريف، صوابه"عبيدة" بفتح العين وكسر الباء الموحدة وآخرها هاء. وهو عبيدة بن عمرو -أو ابن قيس- السلماني، من كبار التابعين، من طبقة الصحابة، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ، ولم يلقه. وكان ابن سيرين من أروى الناس عنه. وهو مترجم في التهذيب، وفي ابن سعد ٦: ٦٢ - ٦٤، وعند ابن أبي حاتم ٣/١/ ٩١. وأما يزيد: فهو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، مات سنة ٦٤. وقوله: "قال أيوب. . . "، أي أشار.]] .
قال أبو جعفر: يعني بـ "تا" تضطجع، فَاجتزأ بالتاء من تضطجع. وكما قال الآخر في الزيادة في الكلام [[في المطبوعة: "في الكلام".]] على النحو الذي وصفت:
أقُول إِذْ خَرَّتْ على الكَلكالِ ... يَا ناقَتِي ما جُلْتِ من مَجَالِ [[اللسان (كلل) ، ومشكل القرآن: ٢٣٥. والكلكل: الصدر من البعير وغيره.]]
يريد: الكَلْكل، وكما قال الآخر:
إنّ شَكْلِي وَإن شَكْلَك شَتَّى ... فَالزْمي الخُصَّ واخْفِضِي تَبْيضِضِّي [[اللسان (بيض) (خفض) ، ومشكل القرآن: ٢٣٤. يقوله لامرأته. والخص: البيت من قصب. وقوله"اخفضى" من الخفض: وهو الدعة ولين العيش. يقول لها: نحن مختلفان، فالزمى بيتك وعيشي في دعة وخفض، يزدك لين العيش بياضًا ونعمة. أما أنا فالرحلة دأبى، تشقيني وتلوحني.]] .
فزاد ضادًا، وليست في الكلمة.
قالوا: فكذلك ما نقصَ من تمام حُروف كل كلمة من هذه الكلمات التي ذَكرنا أنها تتمة حروف"ألم" ونظائرها - نظيرُ ما نقص من الكلام الذي حكيناهُ عن العرب في أشعارها وكلامها.
وأما الذين قالوا: كل حرف من"ألم" ونظائرها، دالُّ على معان شتى - نحو الذي ذكرنا عن الربيع بن أنس - فإنهم وَجَّهوا ذلك إلى مثل الذي وَجَّهه إليه من قال: هو بتأويل"أنا الله أعلم"، في أنّ كلَّ حرف منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامة، استُغْنِيَ بدلالته عَلى تَمامه عن ذكر تمامه - وإن كانوا له مُخالفين في كلِّ حرف من ذلك: أهو من الكلمة التي ادَّعى أنه منها قائلو القول الأول، أم من غيرها؟ فقالوا: بل الألف من"ألم" من كلمات شتى، هي دالةٌ على معاني جميع ذلك وعلى تمامه. قالوا: وإنما أفرِد كلُّ حرف من ذلك، وقصَّر به عن تمام حروف الكلمة، أن جميعَ حُروف الكلمة لو أظهِرت، لم تدلَّ الكلمة التي تُظهر - التي بعضُ هذه الحروف المقطعة بعضٌ لها - إلا على معنى واحد لا على معنيين وأكثر منهما. قالوا: وإذْ كان لا دلالة في ذلك، لو أظهر جميعها، إلا على معناها الذي هو معنى واحدٌ، وكان الله جل ثناؤه قد أراد الدلالة بكلّ حرف منها على معان كثيرة لشيء واحد - لم يَجُز إلا أن يُفرَد الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني، ليعلمَ المخاطبون به أنّ الله عز وجل لم يقصد قصد مَعنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيء واحد بما خاطبهم به، وأنه إنما قصد الدلالةَ به على أشياء كثيرة. قالوا: فالألف من"ألم" مقتضيةٌ معانيَ كثيرةً، منها تمامُ اسم الربّ الذي هو"الله"، وتمامُ اسم نعماء الله التي هي آلاء الله، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه سنة، إذا كانت الألف في حساب الجُمَّل واحدًا. واللام مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هو لطيف، وتمامَ اسم فَضْله الذي هو لُطفٌ، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه ثلاثون سنة. والميم مقتضيةٌ تمامَ اسم الله الذي هوَ مجيد، وتمامَ اسم عظمته التي هي مَجْد، والدلالةَ على أجَلِ قوم أنه أربعون سنة. فكان معنى الكلام -في تأويل قائل القول الأول- أن الله جل ثناؤه افتتح كلامه بوَصْف نفسه بأنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيء، وَجعل ذلك لعباده مَنهجًا يسلكونه في مُفتتح خطبهم ورسائلهم ومُهِمِّ أمورهم، وابتلاءً منه لهم ليستوجبوا به عظيمَ الثواب في دار الجزاء، كما افتتح ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ﴾ ، [سورة الأنعام: ١] وما أشبه ذلك من السُّور التي جعل مَفاتحها الحمدَ لنفسه، وكما جعل مفاتحَ بَعضها تعظيم نَفسه وإجلالها بالتسبيح، كما قال جل ثناؤه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [سورة الإسراء: ١] ، وما أشبه ذلك من سائر سور القرآن، التي جعل مفاتحَ بعضها تحميدَ نفسه، ومفاتحَ بعضها تمجيدَها، ومفاتح بعضها تعظيمَها وتنزيهها. فكذلك جَعل مفاتحَ السور الأخَر التي أوائلها بعضُ حروف المعجم، مدائحَ نفسه، أحيانًا بالعلم، وأحيانًا بالعدل والإنصاف، وأحيانًا بالإفضال والإحسان، بإيجاز واختصار، ثم اقتصاصَ الأمور بعدَ ذلك.
وعلى هذا التأويل يجبُ أن يكون الألف واللام والميم في أماكن الرفع، مرفوعًا بعضُها ببعض، دون قوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ، ويكون"ذلك الكتاب" خبرا مبتدأ مُنقطِعًا عن مَعنى"ألم". وكذلك"ذلك" في تأويل قول قائل هذا القول الثاني، مرفوعٌ بعضه ببعض، وإن كان مخالفًا معناهُ معنى قول قائل القول الأول.
وأما الذين قالوا: هنّ حروف من حروف حساب الجُمَّل دون ما خالف ذلك من المعاني، فإنهم قالوا: لا نعرف للحروف المقطَّعة معنًى يُفهم سوى حساب الجُمَّل، وسوى تَهَجِّي قول القائل:"ألم". وقالوا: غيرُ جائز أن يخاطبَ الله جلّ ثناؤه عبادَه إلا بما يفهمونه ويعقلونه عنه. فلما كان ذلك كذلك - وكان قوله"ألم" لا يُعقَل لها وجهٌ تُوجَّه إليه، إلا أحد الوجهين اللذين ذكرنا، فبطل أحدُ وَجهيه، وهو أن يكون مُرادًا بها تهجِّي"ألم" - صحَّ وثبت أنه مرادٌ به الوجه الثاني، وهو حساب الجُمَّل؛ لأن قول القائل:"ألم" لا يجوز أن يليَه من الكلام"ذلك الكتاب"، لاستحالة معنى الكلام وخرُوجه عن المعقول، إنْ وَلي"ألم""ذلك الكتاب".
واحتجوا لقولهم ذلك أيضا بما:-
٢٤٦- حدثنا به محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، قال: مرَّ أبو ياسر بن أخْطب برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، فأتى أخَاه حُيَيّ بنَ أخطب من يَهودَ فقال: تعلمون والله [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة: "تعلمون"، ونص محمد بن إسحاق، سيرة ابن هشام ٢: ١٩٤. "تعلموا" بتشديد اللام، أي اعلموا. وهي كثيرة الورود في سيرة ابن هشام وغيره.]] ، لقد سمعتُ محمدًا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم! قال: فمشى حُيَيُّ بن أخطب في أولئك النَّفر من يهودَ إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، ألمْ يذكُرْ لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك"ألم ذلك الكتاب"؟ فقال رسول الله ﷺ: بلى! فقالوا: أجاءك بهذا جبريلُ من عند الله؟ [[الذي في سيرة ابن هشام: "أجاءك بها جبريل من عند الله".]] قال: نعم! قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما نعلمه بيَّن لنبيّ منهم، ما مدَّة ملكه وما أكْل أمَّته غيرَك! [[في المطبوعة، وفي سائر الكتب التي خرجت الخبر عن الطبري: "ما أجل".]] فقال: حُييّ بن أخطب، وأقبلَ على من كان معه فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدَى وسبعون سنة. أفتدخلون في دين نَبيّ إنما مدّة مُلكه وأكْل أمّته إحدى وسبعون سنة [[في المطبوعة"قال، فقال لهم: أتدخلون. . . " و"أجل أمته" والتصحيح من المخطوطة وابن هشام. والأكل (بضم فسكون) : الرزق. يقال: هو عظيم الأكل في الدنيا، أي واسع الرزق، وهو الحظ من الدنيا، كأنه يؤكل. ويراد به: مدة العمر التي يعيشها الناس في الدنيا يأكلون مما رزقهم الله. فيقال للميت: انقطع أكله، بمعنى: انقضى عمره.]] ؟ قال: ثم أقبلَ على رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، هل مع هذا غيرُه؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: ﴿ألمص﴾ . قال: هذه أثقلُ وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة. هل مَع هذا يا محمَّد غيره؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: ﴿ألر﴾ . قال: هذه والله أثقلُ وأطولُ. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة، فقال: هل مع هذا غيرُه يا محمد؟ قال: نعم، ﴿ألمر﴾ ، قال: فهذه والله أثقل وأطولُ، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنة. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمَّد، حتى ما ندري أقليلا أعطيتَ أم كثيرًا؟ ثم قاموا عنه. فقال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب، ولمن معه من الأحبار: ما يُدْريكم لعلَّه قد جُمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومائة، ومائتان وإحدى وثلاثون، ومائتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون! فقالوا: لقد تشابه علينا أمره! ويزعمون أنّ هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [[الحديث ٢٤٦- هذا حديث ضعيف الإسناد، رواه محمد بن إسحاق بهذا الإسناد الضعيف، وبأسانيد أخر ضعاف:
فرواه في السيرة، التي هذبها عبد الملك بن هشام النحوي البصري، ورواها عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق، وعرفت واشتهرت بأنها"سيرة ابن هشام". وابن هشام هذا: ثقة، وثقه ابن يونس وغيره، مات سنة ٢١٨. وشيخه زياد البكائي: ثقة، من شيوخ أحمد. و"البكائي"، بفتح الباء وتشديد الكاف: نسبة إلى"البكاء"، وهو: ربيعة بن عامر بن صعصعة.
فقال ابن هشام ٢: ١٩٤ - ١٩٥ (٢: ٣٥ - ٣٧ من الروض الأنف شرح السيرة) : قال ابن إسحاق: وكان ممن نزل فيه القرآن بخاصة من الأحبار وكفار يهود، الذين كانوا يسألونه ويتعنتونه، ليلبسوا الحق بالباطل، فيما ذكر لي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله بن رئاب: أن أبا ياسر بن أخطب مر برسول الله ﷺ. . . ".
فهذا إسناد ضعيف، جهله ابن إسحاق، فجاء به معلقًا بصيغة التمريض. وفيه أن الرواية عن ابن عباس وجابر، معًا.
ورواه البخاري في التاريخ الكبير، في ترجمة"جابر بن عبد الله بن رئاب" ١/٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨ بثلاثة أسانيد، بعادته الدقيقة المتقنة، في الإيجاز والإشارة إلى الأسانيد وعللها:
وأولها: "حدثني عمرو بن زرارة، قال: حدثنا زياد: قال ابن إسحاق: حدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله: أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي ﷺ وهو يتلو (ألم. ذلك الكتاب) ".
فهذه هي إشارة البخاري إلى الإسناد الأول من الثلاثة الأسانيد.
و"زياد" في هذا الإسناد: هو البكائي. فهذا إسناد صحيح إلى ابن إسحاق. ولكن فيه الضعف بجهالة أحد رواته"مولى لزيد بن ثابت". وهو كإسناد السيرة: عن ابن عباس وجابر معًا. ولعل عمرو ابن زرارة -شيخ البخاري- روى السيرة عن البكائي، كما رواها عنه ابن هشام.
وثانيها: "وقال سلمة: حدثني ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس: (ألم. ذلك الكتاب) - بطوله".
وهذه إشارة البخاري إلى الإسناد الثاني. يريد أنه رواه سلمة -وهو ابن الفضل الذي في إسناد الطبري هنا- عن ابن إسحاق. ولم يذكر لفظ الحديث، اكتفاء بهذه الإشارة إليه.
وابن إسحاق -في هذا الإسناد- يرويه عن"محمد بن أبي محمد"، وهو الأنصاري المدني، مولى زيد بن ثابت. زعم الذهبي في الميزان أنه"لا يعرف"! وهو معروف، ترجمه البخاري في الكبير ١/١/٢٢٥ فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابن حبان في الثقات. وكفى بذلك معرفة وتوثيقًا. ولعله هو"مولى زيد بن ثابت" الذي أبهم في الإسناد الأول. ولكن اضطرب هذا الإسناد على ابن إسحاق، أو على سلمة بن الفضل - فكانت الرواية فيه: عن عكرمة، أو سعيد، يعني ابن جبير، على الشك. ثم كانت عن ابن عباس، دون ذكر"جابر بن عبد الله بن رئاب".
ثالثها: "وعن ابن إسحاق: كان مما نزل فيه القرآن من الأحبار، فيما حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب: مر أبو ياسر بن أخطب بالنبي ﷺ وهو يتلو (ألم) ، بطوله - في الحساب".
وهذه الرواية الثالثة، بالإسناد الذي عند الطبري هنا. تابعة للرواية الثانية، عن سلمة بن الفضل، عطفها عليها بقوله"وعن ابن إسحاق"، ليست تعليقًا جديدًا.
وأشار البخاري -بصنيعه هذا- إلى اضطراب الرواية على سلمة بن الفضل، بين هذا وذاك. ولذلك ذهب إلى جرح"سلمة" بهذا الاضطراب، فقال عقب ذلك: "قال علي [يريد به شيخه علي بن المديني، إمام الجرح والتعديل] : ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلمة".
وقال في ترجمة سلمة ٢/٢/٨٥: "سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري، سمع محمد بن إسحاق، روى عنه عبد الله بن محمد الجعفي. عنده مناكير. يقال: مولاهم. مات بعد التسعين. وهنه علي"، يعني شيخه ابن المديني. ويعني أن سلمة مات بعد سنة ١٩٠. وقال في التاريخ الصغير ص ٢١٧: "مات سلمة بن الفضل أبو عبد الله الأبرش الرازي الأنصاري بعد تسعين ومائة. قال علي [يعني ابن المديني] : رمينا بحديثه قبل أن نخرج من الري. وضعفه إسحاق بن إبراهيم". وقال في ترجمته أيضًا، في كتاب الضعفاء (ص ١٦) : "سمع محمد بن إسحاق، روى عنه عبد الله بن عمر بن أبان ومحمد بن حميد. ولكن عنده مناكير. وفيه نظر".
وأنا أذهب إلى توثيق سلمة بن الفضل، فقد وثقه ابن معين، فيما رواه ابن أبي حاتم في كتابه، وله عنده ترجمة جيدة وافية ٢/١/١٦٨ - ١٦٩. وروى أيضًا عن جرير، قال: "ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق - من سلمة بن الفضل". وقد رجحت توثيقه أيضًا في شرح المسند: ٨٨٦.
وعندي أن هذا الاضطراب إنما هو من ابن إسحاق، أو لعله رواه بهذه الأسانيد كما سمعه. وكلها ضعيف مضطرب. وأشدها ضعفًا الرواية التي هنا، والتي أشار إليها البخاري: من رواية الكلبي عن أبي صالح.
ولله در الحافظ ابن كثير، فقد وضع الحق موضعه، حين قال في التفسير ١: ٦٩ - ٧٠: "وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفن والملاحم - فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطارد! وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته". ثم نقل هذا الحديث من هذا الموضع من الطبري -ثم قال: "فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك- إن كان صحيحًا: أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها. وذلك يبلغ منه جملة كثيرة. وإن حسبت مع التكرار، فأطم وأعظم!! ".
ومحمد بن السائب الكلبي: ضعيف جدا، رمى بالكذب، بل روى ابن أبي حاتم في الجرح ٣/١/٢٧٠ - ٢٧١ في ترجمته، عن أبي عاصم النبيل، قال: "زعم لي سفيان الثوري قال: قال لنا الكلبي: ما حدثت عنى عن أبي صالح عن ابن عباس، فهو كذب، فلا تروه". وقال أبو حاتم: "الناس مجتمعون على ترك حديثه، لا يشتغل به، هو ذاهب الحديث".
والطبري نفسه قد ضعفه جدا، فيما مضى: ٦٦ إذ أشار إلى رواية عن ابن عباس: "روى جميع ذلك عن ابن عباس، وليست الرواية عنه من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله"، ثم ذكر أن الذي روى ذلك"الكلبي عن أبي صالح". ووصف الحديث: ٧٢ الذي رواه من طريقه، بأنه"خبر في إسناده نظر".
فكان عجبًا منه بعد هذا، أن يحتج بهذه الروايات المتهافتة، ويرضى هذا التأويل المستنكر، بحساب الجمل! إذ يختار فيما سيأتي (هذه الصفحة سطر: ٨ وما بعدها) ، أن هذه الأحرف تحوي سائر المعاني التي حكاها إلا قولا واحدًا غير هذا المعنى المنكر. بل هو يصرح بعد ذلك ص: ٢٢٢ سطر: ٨ أن من المعاني التي ارتضاها: أنهن"من حروف حساب الجمل"!!
وقد نقل السيوطي هذا الحديث في الدر المنثور ١: ٢٢، و ٢: ٤ - ٥، ووصفه في الموضع الأول بالضعف. وكذلك نقله الشوكاني ١: ٢٠، وضعفه.
وقوله في آخره: "ويزعمون أن هؤلاء الآيات. . " - هو من تتمة الرواية. وهو من كلام ابن إسحاق حكاية عمن روى عنهم.]] .
قالوا: فقد صرّح هذا الخبر بصحة ما قلنا في ذلك من التأويل، وفساد ما قاله مخالفونا فيه.
والصواب من القول عندي في تأويل مفاتِح السور، التي هي حروف المعجم: أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض -فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل الحروف - لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد، كما قال الربيعُ بن أنس. وإن كان الربيع قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ، دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويل ذلك عندي: أنّ كلّ حرف منه يحوي ما قاله الربيع، وما قاله سائر المفسرين غيرُه فيه - سوى ما ذكرتُ من القول عَمَّن ذكرت عنه من أهل العربية: أنهّ كان يوجِّه تأويلَ ذلك إلى أنّه حروف هجاء، استُغني بذكر ما ذُكر منه في مفاتيح السور، عن ذكر تتمة الثمانية والعشرين حرفًا من حروف المعجم، بتأويل: أن هذه الحروف، ذلك الكتاب، مجموعة، لا ريب فيه - فإنه قول خطأ فاسدٌ، لخروجه عن أقوال جميع الصحابة والتابعين وَمن بَعدَهم من الخالفين منْ أهل التفسير والتأويل [[الخالفين جمع خالف. خلف قوم بعد قوم يخلفون خلفًا فهم خالفون: جاءوا بعدهم وتبعوهم على آثارهم. تقول: أنا خاِلفه وخاِلفته: أي جئت بعده.]] . فكفى دلالة على خَطئة، شهادةُ الحجة عليه بالخطأ، مع إبطال قائل ذلك قولَه الذي حكيناه عنه - إذ صار إلى البيان عن رفع"ذلك الكتاب" - بقوله مرّة إنه مرفوعٌ كلّ واحد منهما بصاحبه، ومرة أخرى أنه مرفوعٌ بالرّاجع من ذكره في قوله"لا ريب فيه" ومرة بقوله"هدى للمتقين". وذلك تركٌ منه لقوله: إن"ألم" رافعةٌ"ذلك الكتاب"، وخروجٌ من القول الذي ادّعاه في تأويل"ألم ذلك الكتاب"، وأنّ تأويل ذلك: هذه الحروف ذلك الكتاب.
فإن قال لنا قائل: وكيفَ يجوز أن يكون حرفٌ واحدٌ شاملا الدلالةَ على معانٍ كثيرة مختلفة؟
قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدةٌ تشتمل على معانٍ كثيرة مختلفةٍ، كقولهم للجماعة من الناس: أمَّة، وللحين من الزمان: أمَّة، وللرجل المتعبِّد المطيع لله: أمّة، وللدين والملة: أمّة. وكقولهم للجزاء والقصاص: دين، وللسلطان والطاعة: دين، وللتذلل: دين، وللحساب: دِينٌ، في أشباه لذلك كثيرةٍ يطول الكتاب بإحصائها - مما يكون من الكلام بلفظ واحد، وهو مشتمل على معان كثيرة. وكذلك قول الله جل ثناؤه:"ألم" و"ألر"، و"ألمص" وما أشبه ذلك من حروف المعجم التي هي فواتح أوائل السور، كل حرف منها دالّ على معانٍ شتى، شاملٌ جميعُها من أسماء الله عز وجل وصفاته ما قاله المفسِّرُون من الأقوال التي ذكرناها عنهم. وهنّ، مع ذلك، فواتح السور، كما قاله من قال ذلك.
وليسَ كونُ ذلك من حُروف أسماء الله جل ثناؤه وصفاته، بمانعها أنْ تكون للسُّور فواتح. لأن الله جلّ ثناؤه قد افتتح كثيرًا من سوَر القرآن بالحمد لنفسه والثناء عليها، وكثيرًا منها بتمجيدها وتعظيمها، فغيرُ مستحيل أن يبتدئ بعض ذلك بالقسم بها.
فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحُروف المعجم، أحدُ مَعاني أوائلها: أنهنّ فواتحُ ما افتتَح بهنّ من سُور القرآن. وهنّ مما أقسم بهن، لأن أحدَ معانيهن أنّهنّ من حروف أسماء الله تعالى ذكُره وصفاتِه، على ما قدَّمنا البيان عنها، ولا شك في صحة معنى القسَم بالله وأسمائه وصفاته. وهنّ من حروف حساب الجُمَّل. وهنّ للسُّور التي افتتحت بهنّ شعارٌ وأسماء. فذلك يحوى مَعانِيَ جميع ما وصفنا، مما بيَّنا، من وجوهه. لأن الله جلّ ثناؤه لو أراد بذلك، أو بشيء منه، الدلالةَ على معنًى واحد مما يحتمله ذلك [[في المخطوطة والمطبوعة: "مما لا يحتمله ذلك"، وهو محيل لمعناه.]] ، دون سائر المعاني غيره، لأبان ذلك لهم رسول الله ﷺ إبانةً غيرَ مشكلةٍ. إذْ كان جلّ ثناؤه إنما أنزل كتابه على رسوله ﷺ ليُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه. وفي تركه ﷺ إبانةَ ذلك -أنه مرادٌ به من وُجوه تأويله البعضُ دون البعض- أوضحُ الدليل على أنه مُرادٌ به جميعُ وجوهه التي هو لها محتمل. إذ لم يكن مستحيلا في العقل وجهٌ منها أن يكون من تأويله ومعناه، كما كان غير مستحيل اجتماعُ المعاني الكثيرة للكلمة الواحدة، باللفظ الواحد، في كلام واحد.
ومن أبىَ ما قلناه في ذلك، سُئِل الفرقَ بين ذلك، وبين سائر الحروف التي تأتي بلفظ واحد، مع اشتمالها على المعاني الكثيرة المختلفة، كالأمّة والدين وما أشبه ذلك من الأسماء والأفعال. فلن يقول في أحدٍ منْ ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وكذلك يُسأل كلّ من تأوّل شيئًا من ذلك -على وجهٍ دُون الأوجه الأخَر التي وصفنا- عن البرهان على دَعْواه، من الوَجه الذي يجبُ التسليم له. ثم يُعارَض بقول مُخالفه في ذلك، ويسأل الفرقَ بينه وبينه: من أصْل، أو مما يدل عليه أصْل. فلن يقولَ في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
وأما الذي زعم من النحويين: أنّ ذلك نظيرُ"بل" في قول المنشد شعرًا:
بل * ما هَاج أحزانًا وشجوًا قد شَجَا
وأنه لا معنى له، وإنما هو زيادة في الكلام معناه الطَّرْح - فإنه أخطأ من وُجُوه شَتَّى [[انظر ما مضى: ٢١٠.]]
أحدها: أنه وَصفَ الله تعالى ذكره بأنه خاطب العرب بغير ما هوَ من لغتها، وغير ما هو في لغة أحد من الآدميين. إذْ كانت العرُب - وإن كانت قد كانتْ تفتتح أوائل إنشادها ما أنشدت من الشعر بـ "بل" - فإنه معلوم منها أنها لم تكن تبتدئُ شيئًا من الكلام بـ "ألم" و"ألر" و"ألمص"، بمعنى ابتدائها ذلك بـ "بل". وإذْ كان ذلك ليس من ابتدائها - وكان الله جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم من القرآن، بما يعرفون من لغاتهم، ويستعملون بينهم من منطقهم، في جميع آيه - فلا شك أن سبيل ما وصفنا من حروف المعجم، التي افتُتِحت بها أوائل السور، التي هن لها فواتح، سَبيلُ سائر القرآن، في أنه لم يعدلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارفين، ولها بينهم في منطقهم مستعملين. لأن ذلك لو كان معدولا به عن سبيل لغاتِهم ومنطقهم، كان خارجًا عن معنى الإبانة التي وصف الله عزّ وجل بها القرآن، فقال تعالى ذكره: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . وأنَّى يكون مُبينًا ما لا يعقله ولا يفقهه أحد من العالمين [[في المطبوعة: "ما لا يعقله ولا يفقهه".]] ، في قول قائل هذه المقالة، ولا يُعْرَف في منطق أحد من المخلوقين، في قوله؟ وفي إخبار الله جَلّ ثناؤه عنه أنه عربي مبين، ما يُكذِّب هذه المقالة، وينبئ عنه أنّ العربَ كانوا به عالمين، وهو لها مُستبينٌ. فذلك أحدُ أوجه خطئه.
والوجه الثاني من خطئه في ذلك: إضافته إلى الله جلّ ثناؤه أنه خاطب عباده بما لا فائدة لهم فيه ولا معنى له، من الكلام الذي سواءٌ الخطابُ فيه به وترك الخطاب به. وذلك إضافة العبث الذي هو منفيٌّ في قول جميع الموحِّدين عن الله - إلى الله تعالى ذكره.
والوجهُ الثالث من خطئه: أن"بل" في كلام العرب مفهومٌ تأويلها ومعناها، وأنها تُدْخلها في كلامها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تَقضَّى كقولهم: ما جاءني أخوك بل أبوك ؛ وما رأيتُ عمرًا بل عبد الله، وما أشبه ذلك من الكلام، كما قال أعشى بني ثعلبة:
وَلأشْرَبَنَّ ثَمَانِيًا وثَمَانِيًا ... وثَلاثَ عَشْرَةَ واثْنَتَينِ وأَرْبَعَا [[ديوان الأعشى، زيادات: ٢٤٨، باختلاف في الرواية. وانظر مراجعه هناك.]]
ومضى في كلمته حتى بلغ قوله:
بالجُلَّسَانِ، وطَيِّبٌ أرْدَانُهُ ... بِالوَنِّ يَضْرِبُ لِي يَكُرُّ الإصْبَعَا [[الجلسان: قبة أو بيت ينثر فيه الورد والريحان للشرب. وقوله: "وطيب أردانه" يعني قينة تغنيهم وتعزف لهم، طيبة الريح، تضمخت وتزينت. والأردان جمع ردن (بضم فسكون) : وهو مقدم كم القميص. والون: صنج يضرب بالأصابع. وقوله"يكر" أي يرد إصبعه مرة بعد مرة في ضربه بالصنج، وأراد به سرعة حركة أصابعها بالصنج. وفي المطبوعة"يكد" بالدال، وهو خطأ.]]
ثم قال:
بَلْ عَدِّ هذا، فِي قَريضٍ غَيْرِهِ ... وَاذكُرْ فَتًى سَمْحَ الخَلِيقةِ أَرْوَعَا
فكأنه قال: دَعْ هذا وخذ في قريض غيره. فـ "بل" إنما يأتي في كلام العرب على هذا النحو من الكلام، فأما افتتاحًا لكلامها مُبتدأ بمعنى التطوّل والحذف [[انظر ما مضى: ١٨ تعليق: ٢، وعنى بالتطول: الزيادة.]] ، من غير أن يدلّ على معنى، فذلك مما لا نعلم أحدًا ادعاه من أهل المعرفة بلسان العرب ومنطقها، سوى الذي ذكرتُ قوله، فيكون ذلك أصلا يشبَّه به حُرُوف المعجم التي هي فواتح سور القرآن التي افتتحت بها -لو كانت له مُشبهةً- فكيف وهي من الشبه به بعيدة؟
القول في تأويل قوله جَل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ .
قال عامّة المفسرين: تأويل قول الله تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ : هذا الكتاب.
ذكر من قال ذلك:
٢٤٧- حدثني هارون بن إدريس الأصم الكوفيّ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"ذلك الكتاب" قال: هو هذا الكتاب.
٢٤٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَية، قال: أخبرنا خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال:"ذلك الكتاب": هذا الكتاب.
٢٤٩- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا الحَكَم بن ظُهَير، عن السُّدِّي، في قوله"ذلك الكتاب" قال: هذا الكتاب [[الأثر ٢٤٩- الحكم بن ظهير -بضم الظاء المعجمة- الفزاري، أبو محمد بن أبي ليلى الكوفي: ضعيف جدًا، رمى بوضع الحديث. قال البخاري في الكبير ١/٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣: "تركوه منكر الحديث". وقال ابن أبي حاتم في الجرح ١/٢/ ١١٨ - ١١٩ عن أبي زرعة: "واهي الحديث". وقال ابن حبان في كتاب المجروحين، رقم ٢٣٩: "كان يشتم أصحاب محمد ﷺ، يروى عن الثقات الأشياء الموضوعات".]] .
٢٥٠- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود. قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قوله:"ذلك الكتاب": هذا الكتاب. قال: قال ابن عباس:"ذلك الكتاب": هذا الكتاب [[هذه الآثار جميعًا ٢٤٧ - ٢٥٠ ذكرها ابن كثير في تفسيره ١: ٧٠، والدر المنثور ١: ٢٤، والشوكاني ١: ٢١.]] .
فإن قال قائل: وكيف يجوزُ أن يكون"ذلك" بمعنى"هذا"؟ و"هذا" لا شكّ إشارة إلى حاضر مُعايَن، و"ذلك" إشارة إلى غائب غير حاضر ولا مُعايَن؟ قيل: جاز ذلك، لأن كل ما تَقضَّى، بقُرْبِ تَقضِّيه من الإخبار [[في المطبوعة"وقرب تقضيه". يريد: أن ذكر ما انقضى، وانقضاؤه قريب من إخبارك عنه.]] ، فهو -وإن صار بمعنى غير الحاضر- فكالحاضر عند المخاطب. وذلك كالرجل يحدِّث الرجلَ الحديثَ فيقول السامع:"إن ذلك والله لكما قلت"، و"هذا والله كما قلت"، و"هو والله كما ذكرت"، فيخبرُ عنه مَرَّة بمعنى الغائب، إذْ كان قد تَقضَّى ومضى، ومرة بمعنى الحاضر، لقُرْب جوابه من كلام مخبره، كأنه غير مُنْقَضٍ. فكذلك"ذلك" في قوله ﴿ذلك الكتاب﴾ لأنه جلّ ذكره لما قدم قبلَ"ذلك الكتاب""ألم"، التي ذكرنا تصرُّفَها في وجُوهها من المعاني على ما وصفنا، قال لنبيه ﷺ: يا محمد، هذا الذي ذكرته وبيَّنته لك، الكتابُ. ولذلكَ حسن وضع"ذلك" في مكان"هذا"، لأنه أشير به إلى الخبر عما تضمَّنهُ قوله"ألم" من المعاني، بعد تقضّي الخبر عنه بـ "ألم"، فصار لقرب الخبر عنه من تقضِّيه، كالحاضر المشار إليه، فأخبر به بـ "ذلك" لانقضائه، ومصير الخبر عنه كالخبر عن الغائب، وترجمهُ المفسِّرون [[ترجمه: أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف. انظر ما مضى ٧٠ تعليق ١/٩٣: ٤/ ومواضع أخر.]] : أنه بمعنى"هذا"، لقرب الخبر عنه من انقضائه، فكانَ كالمشاهَد المشار إليه بـ "هذا"، نحو الذي وصفنا من الكلام الجاري بين الناس في محاوراتهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ هَذَا ذِكْرٌ﴾ [سورة ص: ٤٨، ٤٩] فهذا ما في"ذلك" إذا عنى بها"هذا".
وقد يحتمل قوله جل ذكره ﴿ذلك الكتاب﴾ أن يكون معنيًّا به السُّوَرُ التي نزلت قبل سورة البقرة بمكة والمدينة، فكأنه قال جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، اعلم أنّ ما تضمَّنتْه سُوّرُ الكتاب التي قد أنزلتها إليك، هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه. ثم ترجمه المفسرون [[ترجمه: أي فسره المفسرون وبينوه بوضع حرف مكان حرف. انظر ما مضى ٧٠ تعليق ١/٩٣: ٤/ ومواضع أخر.]] بأن معنى"ذلك""هذا الكتاب"، إذْ كانت تلك السُّور التي نزلت قبل سورة البقرة، من جملة جميع كتابنا هذا، الذي أنزله الله عز وجل على نبينا محمد ﷺ.
وكان التأويل الأول أولى بما قاله المفسرون، لأنّ ذلك أظهرُ معاني قولهم الذي قالوه في"ذلك".
وقد وَجَّه معنى"ذلك" بعضُهم، إلى نظير معنى بيت خُفاف بن نُدبة السُّلميّ:
فَإن تَكُ خَيْلي قد أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا [[الأغاني ٢: ٣٢٩/ ١٣: ١٣٤، ١٣٥/١٦: ١٣٤، والخزانة ٢: ٤٧٠، وغيرهما، ويأتي في الطبري ١: ٣١٤، ٤٣٧. يقول الشعر في مقتل ابن عمه معاوية بن عمرو أخى الخنساء. ومالك، هو مالك بن حِمَار الشمخي الفزاري. والخيل هنا: هم فرسان الغارة، وكان معاوية وخفاف غزوَا بني مرة وفزارة. والصميم: الخالص المحض من كل شيء. وأراد معاوية ومقتله يومئذ. ويقال: "فعلت هذا الأمر عمد عين، وعمدًا على عين"، إذا تعمدته مواجهة بجد ويقين. وتيمم: قصد وأمَّ.]] أقولُ له، والرُّمحُ يأطِرُ مَتْنَهُ: ... تأمَّل خُفاَفًا، إنني أنا ذلِكَا [["أقول له"، يعني لمالك بن حِمَار. وأطر الشيء يأطره أطرًا: هو أن تقبض على أحد طرفي الشيء ثم تعوجه وتعطفه وتثنيه. وأراد أن حر الطعنة جعله يتثنى من ألمها، ثم ينحني ليهوى صريعًا إذ أصاب الرمح مقتله. وأرى أن الإشارة في هذا البيت إلى معنى غائب، كأنه قال: "أنا ذلك الذي سمعت به وببأسه". وهذا المعنى يخرج البيت عن أن يكون شاهدًا على ما أراد الطبري.]]
كأنه أراد: تأملني أنا ذلك. فزعم أنّ"ذلك الكتاب" بمعنى"هذا"، نظيرُه [[في المطبوعة: "كأنه أراد: تأملني أنا ذلك، فرأى أن"ذلك الكتاب" بمعنى"هذا" نظير ما أظهر خفاف من اسمه. . . "، وهو تغيير لا خبر فيه.]] . أظهر خفافٌ من اسمه على وجه الخبر عن الغائب، وهو مخبر عن نفسه. فكذلك أظهر"ذلك" بمعنى الخبر عن الغائب [[في المطبوعة: "فلذلك أظهر ذلك. . ".]] ، والمعنى فيه الإشارة إلى الحاضر المشاهَد.
والقول الأول أولى بتأويل الكتاب، لما ذكرنا من العلل.
وقد قال بعضهم: ﴿ذلك الكتاب﴾ ، يعني به التوراة والإنجيل، وإذا وُجّه تأويل"ذلك" إلى هذا الوجه، فلا مؤونة فيه على متأوِّله كذلك، لأن"ذلك" يكون حينئذ إخبارًا عن غائب على صحة.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ .
وتأويل قوله:"لا ريب فيه""لا شك فيه". كما:-
٢٥١- حدثني هارون بن إدريس الأصم، قال: حدثنا عبد الرحمن المحاربي عن ابن جُريج، عن مجاهد: لا ريب فيه، قال: لا شك فيه.
٢٥٢- حدثني سَلام بن سالم الخزاعي، قال: حدثنا خَلَف بن ياسين الكوفي، عن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، عن عطاء،"لا ريب فيه": قال: لا شك فيه [[الأثر ٢٥٢ - سلام، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة إلا في تاريخ بغداد ٩: ١٩٨ قال: "سلام بن سالم أبو مالك الخزاعي الضرير: حدث عن يزيد بن هارون، وعمر بن سعيد التنوخي، وموسى بن إبراهيم المروزي، والفضل بن جبير الوراق. روى عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي". ليس غير. وأما شيخ سلام في هذا الإسناد"خلف بن ياسين الكوفي": فلم أجد إلا ترجمة في الميزان ١: ٢١١ ولسان الميزان ٢: ٤٠٥ لراو اسمه"خلف بن ياسين بن معاذ الزيات"، وهو رجل سخيف كذاب، لا يشتغل به. لا أدري أهو هذا أم غيره؟]] .
٢٥٣- حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا الحَكم بن ظُهَير، عن السُّدِّيّ، قال:"لا ريب فيه"، لا شك فيه.
٢٥٤- حدثني موسى بن هارون الهَمْداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"لا ريب فيه"، لا شك فيه.
٢٥٥- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"لا ريبَ فيه"، قال: لا شكّ فيه.
٢٥٦- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس:"لا ريب فيه"، يقول: لا شك فيه.
٢٥٧- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة:"لا ريب فيه"، يقول: لا شك فيه.
٢٥٨- حُدِّثت عن عَمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: قوله"لا ريب فيه"، يقول: لا شك فيه [[هذه الآثار جميعًا ٢٥١ - ٢٥٨ ساقها ابن كثير ١: ٧١، وبعضها في الدر المنثور ١: ٢٤، والشوكاني ١: ٢٢. وقال ابن كثير بعد سياقتها: "قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا".]] .
وهو مصدر من قول القائل: رابني الشيء يَريبني رَيبًا. ومن ذلك قول ساعدة بن جُؤَيَّة الهذليّ:
فقالوا: تَرَكْنَا الحَيَّ قد حَصِرُوا به، ... فلا رَيْبَ أنْ قد كان ثَمَّ لَحِيمُ [[ديوان الهذليين ١: ٢٣٢، واللسان (حصر) .]]
ويروى:"حَصَرُوا" و"حَصِرُوا" والفتحُ أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله"حصروا به": أطافوا به. ويعني بقوله"لا ريب". لا شك فيه. وبقوله"أن قد كان ثَمَّ لَحِيم"، يعني قتيلا يقال: قد لُحِم، إذا قُتل.
والهاء التي في"فيه" عائدة على الكتاب، كأنه قال: لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هُدًى للمتقين.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿هُدًى﴾
٢٥٩- حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن بَيَان، عن الشعبي،"هُدًى" قال: هُدًى من الضلالة [[الأثر ٥٩ - بيان، بفتح الباء الموحدة والياء التحتية المخففة: هو ابن بشر الأحمسي، ثقة من الثقات، كما قال أحمد. وسفيان، الراوي عنه: هو الثوري. وهذا الأثر نقله السيوطي ١: ٢٤، ونسبه لوكيع والطبري.]] .
٢٦٠- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السُّدّي، في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ،"هدى للمتقين"، يقول: نور للمتقين [[الخبر ٢٦٠ - نقله ابن كثير ١: ٧١، ونقله السيوطي ١: ٢٤، والشوكاني ١: ٢٢ مع الخبر الآتي ٢٦٣، جعلاه خبرًا واحدًا، وذكراه عن ابن مسعود فقط.]] .
والهدى في هذا الموضع مصدرٌ من قولك: هديتُ فلانًا الطريق -إذا أرشدتَه إليه، ودللَته عليه، وبينتَه له- أهديه هُدًى وهداية.
فإن قال لنا قائل: أوَ ما كتابُ الله نورًا إلا للمتّقين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟ قيل: ذلك كما وصفه رّبنا عزّ وجل. ولو كان نورًا لغير المتقين، ورشادًا لغير المؤمنين، لم يخصُصِ الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدًى، بل كان يعُمّ به جميع المنذَرين. ولكنه هدًى للمتقين، وشفاءٌ لما في صدور المؤمنين، وَوَقْرٌ في آذان المكذبين، وعمىً لأبصار الجاحدين، وحجةٌ لله بالغةٌ على الكافرين. فالمؤمن به مُهتدٍ، والكافر به محجوجٌ [[حجه يحجه فهو محجوج: غلبه بالحجة فهو مغلوب.]] .
وقوله"هدى" يحتمل أوجهًا من المعاني:
أحدُها: أن يكون نصبًا، لمعنى القطع من الكتاب، لأنه نكرة والكتاب معرفة [[يريد بقوله"لمعنى القطع"، أن يقطع عن نعت الكتاب، ويصير حالا.]] . فيكون التأويل حينئذ: ألم ذلك الكتاب هاديًا للمتقين. و"ذلك" مرفوع بـ "ألم"، و"ألم" به، والكتابُ نعت لـ "ذلك".
وقد يحتمل أن يكون نصبًا، على القطع من رَاجع ذكر الكتاب الذي في "فيه"، فيكونُ معنى ذلك حينئذ: ألم الذي لا ريب فيه هاديًا.
وقد يحتمل أن يكون أيضًا نصبًا على هذين الوجهين، أعني على وجه القطع من الهاء التي في"فيه"، ومن"الكتاب"، على أن"ألم" كلام تام، كما قال ابن عباس إنّ معناه: أنا الله أعلم. ثم يكون"ذلك الكتاب" خبرًا مستأنفًا، فيرفع حينئذ"الكتاب" بـ "ذلك"، و"ذلك" بـ "الكتاب"، ويكون"هُدًى" قطعًا من"الكتاب"، وعلى أن يرفع"ذلك" بالهاء العائدة عليه التي في"فيه"، و"الكتاب" نعتٌ له؛ والهدى قطع من الهاء التي في" فيه". وإن جُعِل الهدى في موضع رفع، لم يجز أن يكون"ذلك الكتاب" إلا خبرًا مستأنفًا، و"ألم" كلاما تامًّا مكتفيًا بنفسه، إلا من وجه واحد، وهو أن يُرفع حينئذ"هُدًى" بمعنى المدح، كما قال الله جل وعز: ﴿ألم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة لقمان: ١-٣] في قراءة من قرأ"رحمةٌ". بالرفع، على المدح للآيات.
والرفع في"هدى" حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه: أحدُها ما ذكرنا من أنه مَدْحٌ مستأنفٌ. والآخر: على أن يُجعل مُرافعَ" ذلك"، و"الكتاب" نعتٌ"لذلك". والثالث: أن يُجعل تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، ويكون"ذلك الكتاب" مرفوعًا بالعائد في"فيه". فيكون كما قال تعالى ذكره: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [سورة الأنعام: ٩٢] .
وقد زعم بعض المتقدمِّين في العلم بالعربية من الكوفيين، أنّ"ألم" مرافعُ"ذلك الكتاب" بمعنى: هذه الحروف من حروف المعجم، ذلك الكتابُ الذي وعدتُك أن أوحَيه إليك [[يعني بصاحب هذا القول، الفراء في كتابه معاني القرآن ١: ١٠.]] . ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نَقْضَه، وهَدمَ ما بنى فأسرع هَدْمَه، فزعم أن الرفع في"هُدًى" من وجهين، والنصبَ من وجهين. وأنّ أحد وَجهي الرفع: أن يكون"الكتابُ" نعتًا لِـ "ذلك" و"الهدى" في موضع رفعٍ خبرٌ لِـ "ذلك".
كأنك قلت: ذلك هدًى لا شكّ فيه [[في المطبوعة والمخطوطة"ذلك لا شك فيه"، والتصحيح من معاني القرآن للفراء ١: ١١.]] . قال: وإن جعلتَ"لا ريب فيه" خبرَه، رفعتَ أيضًا"هدى"، بجعله تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ، كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى من صفته كذا وكذا. قال: وأما أحدُ وجهي النَّصْب فأن تَجعَل الكتاب خبرًا لـ "ذلك"، وتنصبَ"هدى" على القطع، لأن"هدى" نكرة اتصلت بمعرفة، وقد تمّ خبرُها فنصبْتَها [[في المطبوعة"فتنصبها"، والتصحيح من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء.]] لأن النكرة لا تكون دليلا على معرفة. وإن شئت نصبت"هدى" على القطع من الهاء التي في"فيه" كأنك قلت: لا شك فيه هاديًا [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١١ - ١٢.]] .
قال أبو جعفر: فترك الأصل الذي أصَّله في"ألم" وأنها مرفوعة بـ "ذلك الكتاب"، ونبذه وراء ظهره. واللازم كان له على الأصل الذي أصَّله، أن لا يجيز الرَّفع في"هدى" بحالٍ إلا من وَجْه واحدٍ، وذلك من قِبَلِ الاستئناف، إذ كان مَدْحًا. فأما على وجه الخبر"لذلك"، أو على وجه الإتباع لموضع"لا ريب فيه"، فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ. وذلك أن"ألم" إذا رافعت"ذلك الكتاب"، فلا شك أن"هدى" غيرُ جائز حينئذٍ أن يكون خبرًا"لذلك"، بمعنى المرافع له، أو تابعًا لموضع"لا ريب فيه"، لأن موضعه حينئذ نصبٌ، لتمام الخبر قبلَه، وانقطاعه -بمخالفته إيّاه- عنه.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) ﴾
٢٦١- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قوله:"للمتقين" قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افتُرِض عليهم.
٢٦٢- حدثنا محمد بن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"للمتقين"، أي الذين يحذَرُون من الله عز وجل عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهُدى، ويرجون رحمَته بالتَّصديق بما جاء به.
٢٦٣- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"هدًى للمتقين"، قال: هم المؤمنون.
٢٦٤- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، قال: سألني الأعمش عن"المتقين"، قال: فأجبتُه، فقال لي: سئل عنها الكَلْبَيّ. فسألتُه، فقال: الذين يَجتنِبُون كبائِرَ الإثم. قال: فرجَعْت إلى الأعمش، فقال: نُرَى أنه كذلك. ولم ينكره.
٢٦٥- حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال حدثنا عمر أبو حفص، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة:"هدى للمتقين"، هم مَنْ نعتَهم ووصفَهم فأثبت صفتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
٢٦٦- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمَارة، عن أبي رَوق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"للمتقين" قال: المؤمنين الذين يتَّقُون الشِّرك بي، ويعملون بطاعتي [[الآثار ٢٦١ - ٢٦٦ ساقها جميعًا ابن كثير في تفسيره ١: ٧١ - ٧٢، وبعضها في الدر المنثور ١: ٢٤، والشوكاني ١: ٢٢.]] .
وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه ﴿هدى للمتقين﴾ ، تأويلُ من وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقوُا اللهَ تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، فتجنبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمرهم به من فرائضِه، فأطاعوه بأدائها. وذلك أنّ الله عزّ وجلّ وصَفهم بالتقوَى، فلم يحصُرْ تقواهم إياه على بعضِ ما هو أهلٌ له منهم دون بعض [[في المطبوعة: "وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم"، ولا فائدة من زيادة"إنما". ثم جاء في المخطوطة والمطبوعة: "فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض"؛ وهو كلام مختلط، وصوابه ما أثبته، وهو معنى الكلام كما ترى بعد.]] . فليس لأحد من الناس أن يحصُر معنى ذلك، على وَصْفهم بشيء من تَقوى الله عز وجل دون شيء، إلا بحجة يجبُ التسليمُ لها. لأن ذلك من صفة القوم -لو كان محصورًا على خاصّ من معاني التقوى دون العامّ منها- لم يدعِ الله جل ثناؤه بيانَ ذلك لعباده: إما في كتابه، وإما على لسان رسوله ﷺ، إذْ لم يكن في العقل دليلٌ على استحالة وصفهم بعموم التقوى.
فقد تبيّن إذًا بذلك فسادُ قول من زعم أن تأويل ذلك إنما هو: الذين اتَّقَوُا الشرك وبرئوا من النِّفاق. لأنه قد يكون كذلك، وهو فاسقٌ غيرُ مستَحِق أن يكون من المتقين، إلا أن يكون -عند قائل هذا القول- معنى النفاق: ركوبُ الفواحش التي حَرَّمها الله جل ثناؤه، وتضييعُ فرائضه التي فرضها عليه. فإن جماعةً من أهل العلم قد كانت تسمِّي من كان يفعل ذلك منافقًا. فيكون -وإن كان مخالفًا في تسميته من كان كذلك بهذا الاسم- مصيبًا تأويلَ قول الله عز وجل"للمتقين".
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾
٢٦٧- حدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"الذين يؤمنون"، قال: يصدِّقون.
٢٦٨- حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يؤمنون": يصدِّقون [[الأثر ٢٦٧- سيأتي باقيه بهذا الإسناد: ٢٧٢. ونقلهما ابن كثير ١: ٧٣ مفرقين. ونقل ٢٦٨ مع أولهما. ونقل السيوطي ١: ٢٥ الثلاثة مجتمعة.]] .
٢٦٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"يؤمنون": يخشَوْنَ.
٢٧٠- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر، قال: قال الزهري: الإيمانُ العملُ [[الأثران ٢٦٩ - ٢٧٠: ذكرهما ابن كثير ١: ٧٣]] .
٢٧١- حُدِّثْتُ عن عمّار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيَّب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: الإيمان: التَّصْديق [[الخبر ٢٧١- عبد الله: هو ابن مسعود. وقد نقل ابن كثير هذا الخبر وحده ١: ٧٣، ثم نقل الخبر الآتي ٢٧٣ وحده. وفصل إسناد كل واحد منهما. أما السيوطي ١: ٢٥ فقد جمع اللفظين دون بيان، وأدخل معهما لفظ الخبر ٢٧٧! وهو تصرف غير سديد، لاختلاف الإسنادين أولا، ولأن ٢٧٣، ٢٧٧ ليسا عن ابن مسعود وحده، كما ترى.]] .
ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق، فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولا مؤمنًا به، ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله، مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [سورة يوسف: ١٧] ، يعني: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القولِ بالعمل. والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرارَ بالله وكتُبه ورسلِه، وتصديقَ الإقرار بالفعل. وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولا واعتقادًا وعملا إذ كان جلّ ثناؤه لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصْفهم به، من غير خُصوصِ شيء من معانيه أخرجَهُ من صفتهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
* *
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾
٢٧٢- حدثنا محمد بن حُميد الرازي، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"بالغيب"، قال: بما جاء منه، يعني: من الله جل ثناؤه.
٢٧٣- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ،"بالغيب": أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار، وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن. لم يكن تصديقهُم بذلك -يعني المؤمنين من العرب- من قِبَل أصْل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.
٢٧٤- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزّبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرٍّ، قال: الغيبُ القرآن [[الأثر ٢٧٤- سفيان: هو الثوري، عاصم: هو ابن أبي النجود -بفتح النون- القارئ. زر، بكسر الزاي وتشديد الراء: هو ابن حبيش، بضم الحاء. وهو تابعي كبير إمام. وهذا الأثر عند ابن كثير ١: ٧٣ - ٧٤.]] .
٢٧٥- حدثنا بشر بن مُعَاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله"الذين يُؤمنون بالغيب"، قال: آمنوا بالجنّة والنار، والبَعْث بعدَ الموت، وبيوم القيامة، وكلُّ هذا غيبٌ [[الأثر ٢٧٥- ذكره ابن كثير والسيوطي أيضًا.]] .
٢٧٦- حُدِّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس،"الذين يؤمنون بالغيب": آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وجَنّته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت. فهذا كله غيبٌ [[الأثر ٢٧٦- ذكره ابن كثير ١: ٧٣ هكذا: "قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية. . . ". وذكره السيوطي ١: ٢٥ هكذا: "وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية. . ". فأخشى أن يكون ذكر"عن أبي العالية" سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند هذين الناقلين عنه.]] .
وأصل الغيب: كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ. وهو من قولك: غاب فُلان يغيبُ غيبًا.
وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم، وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها، من إيمانهم بالغيب، وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه.
فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصة، دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب.
واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين، وهو قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . قالوا: فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجلّ على محمد ﷺ، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به. وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها. قالوا: فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله -بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب- علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر، وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنزل على محمد ﷺ، والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله [[في المخطوطة: "والآخر منهما على من قبله رسول الله"، والظاهر أن صوابها: "على من قبل رسول الله"، كما أثبتناها. وأما المطبوعة ففيها: "على من قبله من رسل الله تعالى ذكره".]] .
قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار، والثَّواب والعقاب والبعث، والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها، مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم.
ذكر من قال ذلك:
٢٧٧- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ، فهم المؤمنون من العرب، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن. لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم. ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب [[الخبر ٢٧٧- سبق أوله بهذا الإسناد: ٢٧٣. ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول. وقد مضى في شرح ٢٧١ أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة: ٢٧١، ٢٧٣، ٢٧٧ في سياقة واحدة!]] .
وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة، لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها، فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه ﷺ على ذلك منهم في تنزيله، أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بالنبي ﷺ، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه، من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله.
وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة، أنزلت على محمد ﷺ بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم، وأهل الكتابين وسواهم [[في المطبوعة والمخطوطة"وأهل الكتابين سواهم"، والصواب أن يقال"وسواهم". فقد ذكر الطبري ثلاثة أقوال: أما الأول: فهو أن المعنى به العرب خاصة، والثاني: أن المعنى به أهل الكتاب خاصة، فيكون الثالث: أن يعني به الصنفين جميعا وسواهم من الناس.]] . وإنما هذه صفة صنف من الناس، والمؤمن بما أنزل الله على محمد ﷺ، وما أنزل من قبله، هو المؤمن بالغيب.
قالوا: وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنزل إلى محمد وبما أنزل إلى من قبله، بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب، لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب، كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه الإيمان بها، مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت، دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ ومن قبله من الرسل ومن الكتب.
قالوا: فلما كان معنى قوله تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ غير موجود في قوله ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ - كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم، نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب، ليعلموا ما يرضى الله من أفعال عباده ويحبه من صفاتهم، فيكونوا به -إن وفقهم له ربهم-[مؤمنين] [[هذه الزيادة بين القوسين واجبة لتمام المعنى. وليست في المطبوعة ولا المخطوطة.]] .
ذكر من قال ذلك:
٢٧٨- حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين [[الأثر ٢٧٨- أبو عاصم: هو النبيل، الحافظ الكبير. عيسى بن ميمون المكي: هو المعروف بابن داية، قال ابن عيينة: "كان قارئًا للقرآن. قرأ على ابن كثير". وثقه أبو حاتم وغيره.]] .
٢٧٩- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، بمثله [[الأثر ٢٧٩- هذا إسناد ضعيف، بضعف سفيان بن وكيع، ولإبهام الرجل الذي روى عنه سفيان الثوري. ولكن الأثر موصول بالإسنادين اللذين قبله وبعده.]] .
٢٨٠- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله [[الأثر ٢٨٠- موسى بن مسعود: هو أبو حذيفة النهدي، وهو ثقة، روى عنه البخاري في صحيحه، ووثقه ابن سعد والعجلي. وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/ ٢٩٥. شبل: هو ابن عباد المكي القارئ، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما.
وهذا الأثر، بأسانيده الثلاثة، ذكره ابن كثير ١: ٨٠ دون تفصيلها، قال: "والظاهر قول مجاهد - فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال. . . ".]] .
٢٨١- حُدِّثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: أربعُ آياتٍ من فاتحة هذه السورة -يعني سورة البقرة- في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب.
وأولى القولين عندي بالصواب، وأشبههما بتأويل الكتاب، القولُ الأول، وهو: أنّ الذين وَصَفهم الله تعالى ذِكره بالإيمان بالغيب، وبما وصفهم به جَلَّ ثناؤه في الآيتين الأوَّلتَيْن [[الأولة: الأولى، وليست خطأ.]] ، غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنزِل على محمد والذي أنزل على مَنْ قبله من الرسل، لما ذكرت من العلل قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يدلّ أيضًا مع ذلك على صحّة هذا القول، أنه جنَّسَ - بعد وصف المؤمنين بالصِّفتين اللتين وَصَف، وبعد تصنيفه كلَّ صنف منهما على ما صنَّف الكفار - جنْسَيْن [[سياقه: "جنَّس. . . جنسين"، وما بينهما فصل، وجنس الشيء: جعله أجناسًا، كصنفه أصنافًا.]] فجعل أحدهما مطبوعًا على قلبه، مختومًا عليه، مأيوسًا من إيابه [[في المطبوعة: "إيمانه"، وهي صحيحة المعنى أيضًا. والإياب: الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾]] والآخرَ منافقًا، يُرائي بإظهار الإيمان في الظاهر، ويستسرُّ النفاق في الباطن. فصيَّر الكفار جنسَيْن، كما صيَّر المؤمنين في أول السورة جِنْسين. ثم عرّف عباده نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفَتَهم، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب، وَذمّ أهل الذَّم منهم، وشكرَ سَعْيَ أهل الطاعة منهم.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيُقِيمُونَ﴾
وإقامتها: أداؤها -بحدودها وفروضها والواجب فيها- على ما فُرِضَتْ عليه. كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها، وكما قال الشاعر:
أَقَمْنَا لأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوقَ الـ ... ـضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعَا [[في المطبوعة"فحاسوا"، وفي المخطوطة"مجآمرا". وخام في الحرب عن قرنه بخيم خيمًا: جبن ونكص وانكسر. ولم أعرف قائل البيت.]]
٢٨٢- وكما حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس،"ويقيمون الصلاة"، قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها.
٢٨٣- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس،"ويقيمون الصلاة" قال: إقامة الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود، والتِّلاوةُ والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها [[الخبران ٢٨٢، ٢٨٣- في تفسير ابن كثير ١: ٧٧، والدر المنثور ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الصَّلاةَ﴾
٢٨٤- حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جُوَيْبر، عن الضحاك في قوله:"الذين يقيمون الصلاة": يعني الصلاة المفروضة [[الأثر ٢٨٤- إسناده ضعيف جدًّا. يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان: قال الذهبي: "محدث مشهور. . . وثقه الدارقطني وغيره. . . والدارقطني من أخبر الناس به". مات سنة ٢٧٥ عن ٩٥ سنة. يزيد: هو ابن هارون، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير، من شيوخ الأئمة أحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني. جويبر - بالتصغير: هو ابن سعيد الأزدي البلخي، ضعيف جدًّا، ضعفه يحيى القطان، فيما روى عنه البخاري في الكبير ١/٢/ ٢٥٦، والصغير: ١٧٦، وقال النسائي في الضعفاء: ٨"متروك الحديث"، وفي التهذيب ٢: ١٢٤"قال أبو قدامة السرخسي: قال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث. ثم ذكر الضحاك وجويبرًا ومحمد بن السائب. وقال: هؤلاء لا يحتمل حديثهم، ويكتب التفسير عنهم".]] .
وأما الصلاةُ فإنها في كلام العرب الدُّعاءُ، كما قال الأعشى:
لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَهَا ... وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا [[ديوانه: ٢٠٠، يذكر الخمر في دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم. وفعلهم ذلك هو الزمزمة. "ذبحت" أي بزلت وأزيل ختمها. وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر.]]
يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا [[في المطبوعة والمخطوطة: "وكقول الآخر أيضًا"، والصواب أنه الأعشى، وسبق قلم الناسخ.]] .
وَقَابَلَهَا الرِّيحَ فِي دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ
[[ديوان الأعشى: ٢٩. وقوله"وقابلها الريح" أي جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها. ويروى: "فأقبلها الريح" وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخافة أن يجدها قد فسدت، فتبور تجارته.]]
وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت"صلاة"، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) ﴾
اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم بما:-
٢٨٥- حدثنا به ابن حُميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"ومما رزقناهم ينفقون"، قال: يؤتون الزكاة احتسابًا بها.
٢٨٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس،"ومما رزقناهم ينفقون"، قال: زكاةَ أموالهم [[الخبر ٢٨٦- في المخطوطة"ابن المثنى"، وهو خطأ. والخبر ذكره ابن كثير ١: ٧٧.]] .
٢٨٧- حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا جُوَيْبر، عن الضحاك،"ومما رزقناهم يُنفقون"، قال: كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدهم، حتى نَزَلت فرائضُ الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءَة، مما يذكر فيهنّ الصدقات، هنّ المُثْبَتات الناسخات [[الأثر ٢٨٧- ذكره ابن كثير ١: ٧٧، والسيوطي ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥. وقوله"المثبتات": بفتح الباء، أي التي أثبت حكمها ولم ينسخ، ويجوز كسرها، بمعنى أنها أثبتت الفريضة بعد نسخها ما سبقها في النزول. وبدلها عند السيوطي والشوكاني"الناسخات المبينات". وليس بشيء]] .
وقال بعضهم بما:-
٢٨٨- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذَكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ،"ومما رَزقناهم ينفقون": هي َنفقَةُ الرّجل على أهله. وهذا قبل أن تنزِل الزكاة [[الخبر ٢٨٨- نقله ابن كثير أيضًا. ونقله السيوطي مختصرًا، وجعله من كلام ابن مسعود وحده. وقلده الشوكاني دون بحث.]] .
وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مُؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفَقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نَفَقتُه بالقرابة والمِلك وغير ذلك. لأن الله جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصَفهم بالإنفاق مما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم. فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت، وأي أجناس الناس هم [[انظر ٢٣٧ - ٢٤١.]] . غير أنَّا نذكر ما رُوي في ذلك عمن روي عنه في تأويله قولٌ:
٢٨٩- فحدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"والذين يؤمنون بما أنزِل إليك وما أنزل من قبلك": أي يصدِّقونك بما جئت به من الله جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرِّقون بينهم، ولا يجْحَدون ما جاءوهم به من عند ربهم [[الخبر ٢٨٩- ذكره ابن كثير ١: ٧٩ مع باقيه الآتي: ٢٩١. وذكره السيوطي ١: ٢٧، والشوكاني ١: ٢٥ بزيادة أخرى على الروايتين، منسوبًا لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم.]] .
٢٩٠- حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ،"والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون": هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب [[الخبر ٢٩٠- وهذا ذكره ابن كثير أيضًا، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه. وقلده الشوكاني.
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه
سمع أحمد ومحمد والحسن، بنو عبد الله بن أحمد الفرغاني جميعه.
سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان، والحسن بن إبراهيم الحناس جميعه. والحمد لله كثيرًا.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) ﴾
قال أبو جعفر: أما الآخرةُ فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٦٤] . وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخِرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل:"أنعمتُ عليك مرَّة بعد أخرى، فلم تشكر لي الأولى ولا الآخرة"، وإنما صارت آخرة للأولى، لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، سُمِّيت آخرةً لتقدُّم الدار الأولى أمامها، فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون سُمِّيت آخرةً لتأخُّرها عن الخلق، كما سميت الدنيا"دنيا" لِدُنُوِّها من الخلق.
وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد ﷺ وما أنزل إلى من قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البعث والنشور والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعد الله لخلقه يوم القيامة. كما:-
٢٩١- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ : أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي، لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك [[الخبر ٢٩١- هو تتمة الخبر السابق ٢٨٩ وقد أشرنا إليه هناك.]] .
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرح عن أن السورة من أولها - وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين - تعريض من الله عز وجل بذم كفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم - بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه - مصدقون، وهم بمحمد صلى الله عليه مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ . وأخبر جل ثناؤه عباده: أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصة، دون من كذب بمحمد ﷺ وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد ﷺ وبما أنزل إليه وإلى من قبله من الرسل - بقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله جل ثناؤه بقوله:"أولئك على هدى من ربهم": فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الصفتين المتقدمتين، أعني: المؤمنين بالغيب من العرب، والمؤمنين بما أنزل إلى محمد ﷺ وإلى من قبله من الرسل. وإياهم جميعا وصف بأنهم على هدى منه، وأنهم هم المفلحون.
ذكر من قال ذلك من أهل التأويل:
٢٩٢- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، أما "الذين يؤمنون بالغيب"، فهم المؤمنون من العرب،"والذين يؤمنون بما أنزل إليك"، المؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقين فقال:"أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" [[الخبر ٢٩٢- نقله ابن كثير ١: ٨١، والشوكاني ١: ٢٦. ونقله السيوطي ١: ٢٥ مطولا، جمع معه الأخبار الماضية: ٢٧٣، ٢٧٧، ٢٨١، جعلها سياقا واحدا، عن ابن مسعود وحده، ونسبه للطبري.]] .
وقال بعضهم: بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب، وهم الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد، وبما أنزل إلى من قبله من الرسل.
وقال آخرون: بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد ﷺ، وبما أنزل إلى من قبله، وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدقوا بمحمد ﷺ وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبل بسائر الأنبياء والكتب.
وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في محل خفض، ومحل رفع.
فأما الرفع فيه فإنه يأتيها من وجهين: أحدهما: من قبل العطف على ما في"يؤمنون بالغيب" من ذكر"الذين"، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ، أو يكون"أولئك على هدى من ربهم"، مرافعها.
وأما الخفض فعلى العطف على"المتقين"، وإذا كانت معطوفة على"الذين" اتجه لها وجهان من المعنى: أحدهما: أن تكون هي و"الذين" الأولى، من صفة المتقين. وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد"ألم"، نزلت في صنف واحد من أصناف المؤمنين. والوجه الثاني: أن تكون"الذين" الثانية معطوفة في الإعراب على"المتقين" بمعنى الخفض، وهم في المعنى صنف غير الصنف الأول. وذلك على مذهب من رأى أن الذين نزلت فيهم الآيتان الأولتان من المؤمنين بعد قوله"ألم"، غير الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأولتين.
وقد يحتمل أن تكون"الذين" الثانية مرفوعة في هذا الوجه بمعنى الائتناف [[في المطبوعة: "الاستئناف" في هذا الموضع والذي يليه. وهما بمعنى.]] ، إذ كانت مبتدأ بها بعد تمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فيها أيضا بنية الائتناف، إذ كانت في مبتدأ آية، وإن كانت من صفة المتقين.
فالرفع إذا يصح فيها من أربعة أوجه، والخفض من وجهين.
وأولى التأويلات عندي بقوله ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عباس، وأن تكون"أولئك" إشارة إلى الفريقين، أعني: المتقين، والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وتكون"أولئك" مرفوعة بالعائد من ذكرهم في قوله"على هدى من ربهم"؛ وأن تكون"الذين" الثانية معطوفة على ما قبل من الكلام، على ما قد بيناه.
وإنما رأينا أن ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقين بنعتهم المحمود، ثم أثنى عليهم. فلم يكن عز وجل ليخص أحد الفريقين بالثناء، مع تساويهما فيما استحقا به الثناء من الصفات. كما غير جائز في عدله أن يتساويا فيما يستحقان به الجزاء من الأعمال، فيخص أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم الآخر جزاء عمله. فكذلك سبيل الثناء بالأعمال، لأن الثناء أحد أقسام الجزاء.
وأما معنى قوله ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن معنى ذلك: أنهم على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد، بتسديد الله إياهم، وتوفيقه لهم. كما:-
٢٩٣- حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،"أولئك على هدى من ربهم": أي على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم [[الخبر ٢٩٣- ذكره ابن كثير ١: ٨١ مع تتمته الآتية: ٢٩٤.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) ﴾
وتأويل قوله:"وأولئك هم المفلحون" أي أولئك هم المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنان، والنجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب. كما:-
٢٩٤- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا من شرّ ما منه هَرَبُوا.
ومن الدلالة على أن أحد معاني الفلاح، إدراكُ الطَّلِبة والظفر بالحاجة، قول لبيد بن ربيعة:
اعْقِلِي، إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي، ... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ [[ديوانه ٢: ١٢، والخطاب في البيت لصاحبته.]]
يعني ظَفِر بحاجته وأصابَ خيرًا، ومنه قول الراجز:
عَدِمتُ أُمًّا ولَدتْ رِياحَا ... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحَا [[البيت الثاني في اللسان (فركح) . والفركحة: تباعد ما بين الأليتين. والفركاح والمفركح منه، يعني به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمَّل في حرب أو مأثرة تبقى.]] تَحْسِبُ أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحَا! ... أَشْهَدُ لا يَزِيدُهَا فَلاحَا
يعني: خيرًا وقربًا من حاجتها. والفلاحُ مصدر من قولك: أفلح فلان يُفلح إفلاحًا وفلاحًا وفَلَحًا. والفلاح أيضًا: البقاءُ، ومنه قول لبيد:
نَحُلُّ بِلادًا، كُلُّهَا حُلَّ قَبْلَنَا ... وَنَرْجُو الْفَلاحَ بَعْدَ عَادٍ وَحِمْيَرِ [[ديوانه القصيدة رقم: ١٤، يرثى من هلك من قومه.]]
يريد البقاء، ومنه أيضًا قول عَبيد:
أَفْلِحَ بِمَا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضَّـ ... ـعْفِ، وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ [[ديوانه: ٧، وفي المطبوعة والديوان"فقد يبلغ"، وهما روايتان مشهورتان.]]
يريد: عش وابقَ بما شئت، وكذلك قول نابغة بني ذبيان:
وَكُلُّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ ... وَإِنْ أَثْرَى، وَإِنْ لاقَى فَلاحًا [[من قصيدة ليست في زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة، ليس هذا أحدها. وشعوب: اسم للمنية والموت، غير مصروف، لأنها تشعب الناس، أي تصدعهم وتفرقهم. وشعبته شعوب: أي حطمته من ألافه فذهبت به وهلك.]]
أي نجاحًا بحاجته وبَقاءً.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) ﴾
اختلف أهل التأويل فيمن عُنِي بهذه الآية، وفيمن نزلَتْ. فكان ابن عباس يقول، كما:-
٢٩٥- حدثنا به محمد بن حميد، قال حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"إن الذين كفروا"، أي بما أنزِل إليك من ربِّك، وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك [[الخبر ٢٩٥- ذكره ابن كثير ١: ٨٢ مع باقيه الآتي: ٢٩٩. وساقه السيوطي ١: ٢٩ بأطول من ذلك، زاد فيه ما يأتي: ٣٠٧، ٣١١، ونسبه أيضًا لابن إسحاق وابن أبي حاتم، وكذلك نسبه الشوكاني ١: ٢٨ دون الزيادة الأخيرة.]] .
وكان ابن عباس يرى أنَّ هذه الآية نزلتْ في اليهود الذين كانوا بنَواحي المدينةِ على عهد رسول الله ﷺ، توبيخًا لهم في جُحودهم نبوَّةَ محمد ﷺ وتكذيبِهم به، مع علمهم به ومعرفتِهم بأنّه رسولُ الله إليهم وإلى الناس كافّة.
٢٩٦- وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن صَدر سورة البقرة إلى المائة منها، نزل في رجال سَمَّاهم بأعيانهم وأنْسَابهم من أحبار يهود، من المنافقين من الأوس والخزرج. كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم [[الخبر ٢٩٦- ذكره ابن كثير ١: ٨٦ بنحوه، من رواية ابن إسحاق. ونقله السيوطي ١: ٢٩ بلفظ الطبري، عنه وعن ابن إسحاق. ونقله الشوكاني موجزًا ١: ٢٩. ومن الواضح أن قوله"كرهنا تطويل الكتاب. . " من كلام الطبري نفسه. وانظر ما يأتي: ٣١٢.]] .
وقد رُوِي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر، وهو ما:-
٢٩٧- حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، قال: كان رسول الله ﷺ يحرِصُ أن يؤمن جميعُ الناس ويُتَابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمنُ إلا من سبق له من الله السعادةُ في الذّكْر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاءُ في الذكر الأول [[الخبر ٢٩٧- هو في ابن كثير ١: ٨٢، والسيوطي ١: ٢٨ - ٢٩، والشوكاني ١: ٢٨، ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي.]] .
وقال آخرون بما:-
٢٩٨- حُدِّثت به عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: آيتان في قادةِ الأحزاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، قال: وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٨، ٢٩] ، قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر [[الأثر ٢٩٨- هكذا هو في الطبري، من قول الربيع بن أنس. وذكره ابن كثير ١: ٨٢ - ٨٣ مختصرًا من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية، ولم يذكر من خرجه. ونقله السيوطي ١: ٢٩، والشوكاني ١: ٢٨، بأطول مما هنا بذكر الأثر: ٣٠٩ معه، من قول أبي العالية أيضًا، ونسباه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. فالظاهر أن الطبري قصر بإسناده أو قصر به شيخه المبهم.]] .
وأولى هذه التأويلات بالآية تأويلُ ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير عنه. وإنْ كان لكلِّ قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب.
فأما مذهب من تأوَّل في ذلك ما قاله الربيع بن أنس، فهو أنّ الله تعالى ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم، ثم كانَ من الكُفّار من قد نَفَعه الله بإنذار النبي ﷺ إيّاه، لإيمانه بالله وبالنبي ﷺ وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة [[سياق عبارته"فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم. . . لم يجز. . . "]] - لم يَجُز أن تكون الآية نزلت إلا في خاصٍّ من الكفار وإذ كان ذلك كذلك - وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي ﷺ إياه، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدرٍ - عُلم أنهم مِمّن عنَى الله جل ثناؤه بهذه الآية.
وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك، فهي أنّ قول الله جل ثناؤه ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ، عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله. فأوْلى الأمور بحكمة الله، أن يُتلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفّارهم ونُعُوتهم، وذمِّ أسبابهم وأحوالهم [[الأسباب جمع سبب: وأراد بها الطرق والوسائل.]] ، وإظهارَ شَتْمهم والبراءةَ منهم. لأن مؤمنيهم ومشركيهم -وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم- فإن الجنس يجمع جميعَهم بأنهم بنو إسرائيل.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه ﷺ على مشرِكي اليهود من أحبار بني إسرائيل، الذين كانوا مع علمهم بنبوّته مُنْكِرين نبوّته - بإظهار نبيِّه ﷺ على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُمه، فيجهلُهُ عظْم اليهود وتعلمُه الأحبار منهم [[عظم اليهود: معظمهم وأكثرهم.]] - ليعلموا أن الذي أطلعه على علم ذلك، هو الذي أنزل الكتابَ على موسى. إذْ كان ذلك من الأمور التي لم يكنْ محمد ﷺ ولا قومُه ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد ﷺ، فيمكنَهم ادّعاء اللَّبس في أمره عليه السلام أنه نبيٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند الله [[في المطبوعة: "من عند الله".]] . وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس في صدق أمِّيٍّ نشأ بين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ، ولا يحسُب، فيقال قرأ الكتب فعَلِم، أو حَسَب [[يعني بالحساب هنا: حساب سير الكواكب وبروجها، وبها يعرف المنجم أخبار ما يدّعى من علم الغيب.]] فنجَّم؟ وانبعثَ على أحْبارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَة [[في المطبوعة: "وانبعث على أحبار"، كأنه معطوف على كلام سابق. وليس صحيحًا، بل هو استئناف كلام جديد.]] - قد دَرَسوا الكتب ورَأسوا الأمم - يخْبرهم عن مستور عُيوبهم، ومَصُون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم. إنّ أمرَ من كان كذلك لغَيرُ مُشْكِلٍ، وإنّ صدقَه لبَيِّن.
ومما ينبئ عن صحة ما قُلنا - من أنّ الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هُم أحبارُ اليهود الذين قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ الله تعالى ذكره نَبأهم، وتذكيرُه إياهم ما أخَذ عليهم من العهود والمواثيق في أمر محمدٍ عليه السلام، بَعْد اقتصاصه تعالى ذكرُه ما اقتصّ من أمر المنافقين، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن إبليسَ وآدمَ - في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٤٠ وما بعدها] ، واحتجاجُه لنبيِّه عليهم، بما احتجَّ به عليهم فيها بعد جُحُودهم نبوّته. فإذْ كان الخبر أوّلا عن مُؤمِني أهل الكتاب، وآخرًا عن مشركيهم، فأولى أن يكون وَسطًا:- عنهم. إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض تَبَعٌ، إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعُدول بعض ذلك عما ابتَدأ به من معانيه، فيكونَ معروفًا حينئذ انصرافه عنه.
وأما معنى الكفر في قوله"إن الذين كفروا" فإنه الجُحُود. وذلك أن الأحبار من يَهودِ المدينة جحدوا نبوّةَ محمد ﷺ وستَروه عن الناس وكتمُوا أمره، وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.
وأصْلُ الكفر عند العرب: تَغطيةُ الشيء، ولذلك سمَّوا الليل"كافرًا"، لتغطية ظُلمته ما لبِستْه، كما قال الشاعر:
فَتَذَكَّرَا ثَقَلا رًثِيدًا، بَعْدَ مَا ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَهَا في كافِرِ [[الشعر لثعلبة بن صعير المازني، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير في قوله"فتذكرا" للنعامة والظليم. والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شيء نفيس خطير مصون: ثقل. ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده. وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه بعضه إلى بعض. وذكاء: هي الشمس.]]
وقال لبيدُ بن ربيعة:
فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومُ غَمَامُهَا [[معلقته المشهورة، ويأتي في تفسير آية سورة المائدة: ١٢ (٦: ٩٨ بولاق) . ويروى "ظلامها". وصدره: " يَعْلُو طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِرَا"
يعني البقرة الوحشية، قد ولجت كناسها في أصل شجرة، والرمل يتساقط على ظهرها.]]
يعني غَطَّاها. فكذلك الأحبار من اليهود غَطَّوا أمر محمد ﷺ وكَتَمُوه الناسَ - مع علمهم بنبوّته، ووُجُودِهم صِفَتَه في كُتُبهم - فقال الله جل ثناؤه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩] ، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) ﴾
وتأويل"سواءٌ": معتدل. مأخوذ من التَّساوي، كقولك:"مُتَساوٍ هذان الأمران عندي"، و"هما عِندي سَواءٌ"، أي هما متعادلان عندي، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [سورة الأنفال: ٥٨] ، يعني: أعْلمهم وآذِنْهم بالحرب، حتى يَستوي علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر. فكذلك قوله"سَواءٌ عليهم": معتدلٌ عندهم أيّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذار أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون [[في المطبوعة"كانوا لا يؤمنون".]] ، وقد خَتمتُ على قلوبهم وسمعهم. ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرُّقَيَّات:
تُغِذُّ بيَ الشّهبَاءُ نَحْوَ ابن جَعْفٍر ... سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا ونَهَارُهَا [[ديوانه: ١٦٣، والكامل للمبرد ١: ٣٩٨، ٣٩٩. يمدح عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. أغذ السير وأغذ فيه: أسرع. ورواية ديوانه، والكامل"تقدت". وتقدى به بعيره: أسرع على سنن الطريق. والشهباء: فرسه، للونها الأشهب، وهو أن يشق سوادها أو كمتتها شعرات بيض حتى تكاد تغلب السواد أو الكمتة.]]
يعني بذلك: معتدلٌ عندها في السير الليلُ والنهارُ، لأنه لا فُتُورَ فيه. ومنه قول الآخر [[الشعر لمضرس بن ربعي الفقعسي. حماسة ابن الشجري: ٢٠٤.]]
وَلَيْلٍ يَقُولُ المَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِه ... سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ العُيُونِ وَعُورُهَا
لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرًا ضعيفًا من ظُلْمته.
وأما قوله: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، فإنه ظهرَ به الكلام ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ ؛ لأنه وَقع مَوقع"أيّ" كما تقول:"لا نُبالي أقمتَ أم قعدت"، وأنت مخبرٌ لا مستفهم، لوقوع ذلك موقع"أي". وذلك أنّ معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيّ هذين كان منك. فكذلك ذلك في قوله:"سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، لمَّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم - حسُن في موضعه مع سواءٌ:"أفعلتَ أم لم تفعل".
وكان بعضُ نحوِيِّي البصرة يزعمُ أنّ حرفَ الاستفهام إنما دَخَل مع"سواء"، وليس باستفهام، لأن المستفهِم إذا استفهَم غيرَه فقال:"أزيد عندك أم عمرو؟ " مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده. فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهام من الآخر. فلما كان قوله:"سَواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرهم" بمعنى التسوية، أشبه ذلك الاستفهامَ، إذ أشبهه في التَّسوية. وقد بينّا الصَّواب في ذلك.
فتأويل الكلام إذًا: معتدلٌ يا محمد - على هؤلاء الذين جحدوا نبوَّتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها، وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ أن لا يكتموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناس، وُيخْبرُوهم أنهم يجدُون صِفَتَك في كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فإنهم لا يؤمنون، ولا يرجعون إلى الحق، ولا يصدقونَ بك وبما جئتَهم به. كما:-
٢٩٩- حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ، أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العِلْم من ذكرٍ، وجحدوا ما أخِذ عليهم من الميثاق لك، فقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟ [[الخبر ٢٩٩- سبق تخريجه مع الخبر ٢٩٥.]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: وأصلُ الختم: الطَّبْع. والخاتَم هو الطَّابع. يقال منه: ختمتُ الكتابَ، إذا طبَعْتَه.
فإن قال لنا قائل: وكيف يختِمُ على القلوبِ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعية والظروف والغلف [[الغلف جمع غلاف: وهو الصوان الذي يشتمل على ما أوعيت فيه.]] ؟
قيل: فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أُودِعت من العلوم، وظروفٌ لما جُعل فيها من المعارف بالأمور [[في المخطوطة: "من المعارف بالعلوم".]] . فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التي بها تُدرَك المسموعات، ومن قِبَلها يوصَل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيَّبات - نظيرُ معنى الختم على سائر الأوعية والظروف.
فإن قال: فهل لذلك من صفةٍ تصفُها لنا فنفهمَها؟ أهي مثل الختم الذي يُعْرَف لما ظَهَر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم:
٣٠٠- فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلي، قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مُجاهدٌ بيَدِه فقال: كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا [[قال بإصبعه: أشار بإصبعه.]] - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعَه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابَعٍ. قال مُجاهد: وكانوا يُرَوْن أنّ ذلك: الرَّيْنُ [[الأثر ٣٠٠- عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن، التميمي النهشلي: قال النسائي: "صالح". وهو من شيوخ الترمذي وابن مندة وغيرهما، مات سنة ٢٥١، وروى عنه البخاري أيضًا في التاريخ الصغير: ٢٢٤ في ترجمة عمه. وعمه"يحيى بن عيسى". وثقه أحمد والعجلي وغيرهما، وترجمه البخاري في الصغير، قال: "حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى، قال: مات يحيى بن عيسى أبو زكريا التميمي سنة ٢٠١ أو نحوها. كوفي الأصل، وإنما قيل: الرملي، لأنه حدث بالرملة ومات فيها"، وترجمه في الكبير أيضًا ٤/٢: ٢٩٦"يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي، سمع الأعمش، وهو التميمي أبو زكريا الكوفي، سكن الرملة. . . ". ولم يذكر فيه جرحًا.
وهذا الأثر، سيأتي بهذا الإسناد في تفسير آية سورة المطففين: ١٤ (٣٠: ٦٣ بولاق) . وذكره ابن كثير ١: ٨٢، والسيوطي ٦: ٣٢٦.]] .
٣٠١- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أذنب ذنبًا قبض أصبعًا حتى يقبض أصابعه كلها - وكان أصحابنا يُرون أنه الرَّان [[الأثر ٣٠١- سيأتي أيضًا (٣٠: ٦٣ بولاق) . وأشار إليه ابن كثير ١: ٨٣ دون أن يذكر لفظه. وكذلك السيوطي ٦: ٣٢٥.]] .
٣٠٢- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جُريج، قال: قال مجاهد: نُبِّئت أنِّ الذنوبَ على القلب تحُفّ به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤُها عليه الطَّبعُ، والطبعُ: الختم. قال ابن جريج: الختْم، الخَتْم على القلب والسَّمع [[الأثر ٣٠٢- هذا من رواية ابن جريج عن مجاهد، والظاهر أنه منقطع، لأن ابن جريج يروي عن مجاهد بالواسطة، كما سيأتي في الأثر بعده. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٨٣، ولكنه محرف فيه من الناسخ أو الطابع.]] .
٣٠٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: حدثني عبد الله بن كَثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: الرّانُ أيسَرُ من الطَّبْع، والطَّبع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله [[الأثر ٣٠٣- عبد الله بن كثير: هو الداري المكي، أحد القراء السبعة المشهورين، وهو ثقة. وقد قرأ القرآن على مجاهد. وقد خلط ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/٢: ١٤٤ بينه وبين"عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي". ويظهر من كلام الحافظ في التهذيب ٥: ٣٦٨ أن هذا الوهم كان من البخاري نفسه، فلعل ابن أبي حاتم تبعه في وهمه دون تحقيق.
وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١: ٨٣، وكذلك السيوطي ٦: ٣٢٦، وزاد نسبته إلى البيهقي.]] .
وقال بعضهم: إنما معنى قوله"ختم الله على قُلوبهم" إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لِمَا دُعُوا إليه من الحق، كما يقال:"إنّ فلانًا لأصَمُّ عن هذا الكلام"، إذا امتنع من سَمَاعه، ورفع نفسه عن تفهُّمه تكبرًا.
قال أبو جعفر: والحق في ذلك عندي ما صَحَّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله ﷺ، وهو ما:-
٣٠٤- حدثنا به محمد بن بشار قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا ابن عَجْلان، عن القَعْقَاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك"الرَّانُ" الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [[الحديث ٣٠٤- سيأتي في الطبري بهذا الإسناد ٣٠: ٦٢ بولاق. ورواه هناك بإسناد آخر قبله، وبإسنادين آخرين بعده: كلها من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع.
محمد بن بشار: هو الحافظ البصري، عرف بلقب"بندار" بضم الباء وسكون النون. روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم من الأئمة. ووقع في المطبوعة هنا"محمد بن يسار"، وهو خطأ. ابن عجلان، بفتح العين وسكون الجيم: هو محمد بن عجلان المدني، أحد العلماء العاملين الثقات. القعقاع بن حكيم الكناني المدني: تابعي ثقة. أبو صالح: هو السمان، واسمه"ذكوان". تابعي ثقة، قال أحمد: "ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم".
والحديث رواه أحمد في المسند ٧٩٣٩ (٢: ٢٩٧ حلبي) عن صفوان بن عيسى، بهذا الإسناد. ورواه الحاكم ٢: ٥١٧ من طريق بكار بن قتيبة القاضي عن صفوان. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ورواه الترمذي ٤: ٢١٠، وابن ماجه ٢: ٢٩١، من طريق محمد بن عجلان. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وذكره ابن كثير ١: ٨٤ من رواية الطبري هذه، ثم قال: هذا الحديث من هذا الوجه، قد رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث بن سعد، وابن ماجه عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسماعيل والوليد ابن مسلم - ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح"، ثم ذكره مرة أخرى ٩: ١٤٣ من رواية هؤلاء ومن رواية أحمد في المسند. وذكره السيوطي ٦: ٣٢٥، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن حبان، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.
وفي متن الحديث هنا، في المطبوعة"كان نكتة. . . صقل قلبه. . . حتى يغلف قلبه". وهو في رواية الطبري الآتية، كما في المخطوطة، إلا قوله"حتى تغلق قلبه"، فهي هناك"حتى تعلو قلبه".]] [سورة المطففين: ١٤] .
فأخبر ﷺ أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله عز وجلّ والطبع [[في المطبوعة: "أغلفتها" في الموضعين، والتصحيح من المخطوطة وابن كثير.]] ، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ ، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها.
ويقال لقائلي القول الثاني، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم"، هو وَصْفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذي دُعوا إليه من الإقرار بالحق تكبُّرًا: أخبرونا عن استكبار الذين وَصَفهم الله جل ثناؤه بهذه الصفة، وإعراضِهم عن الإقرار بما دُعوا إليه من الإيمان وسائر المعاني اللَّواحق به - أفعلٌ منهم، أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُه بهم؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم -وذلك قولهم- قيل لهم: فإنّ الله تبارك وتعالى قد أخبر أنه هو الذي خَتم على قلوبهم وسمْعهم. وكيف يجوز أن يكون إعراضُ الكافرِ عن الإيمان، وتكبُّره عن الإقرار به -وهو فعله عندكم- خَتمًا من الله على قلبه وسمعه، وختمهُ على قَلبه وسَمْعه، فعلُ الله عز وجل دُون الكافر؟
فإن زعموا أن ذلك جائز أن يكون كذلك - لأن تكبُّرَه وإعراضه كانا عن ختم الله على قلبه وسمعه، فلما كان الختمُ سببًا لذلك، جاز أن يسمى مُسَبِّبه به - تركوا قولَهم، وأوجبوا أنّ الختمَ من الله على قلوب الكفار وأسماعهم، معنًى غيرُ كفْرِ الكافِر، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به. وذلك دخولُ فيما أنكروه [[في المطبوعة: "وذلك دخول فيما أنكروه".]] .
وهذه الآية من أوْضحِ الدليل على فساد قول المنكرين تكليفَ ما لا يُطاق إلا بمعونة الله، لأن الله جل ثناؤه أخبرَ أنه ختم على قلوب صِنْف من كُفَّار عباده وأسماعهم، ثم لم يُسقط التكليف عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه، ولم يعذِرْهُ في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه - بَلْ أخبر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيما على تركِهم طاعتَه فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه، مع حَتْمه القضاءَ عليهم مع ذلك، بأنهم لا يؤمنون.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾
قال أبو جعفر: وقوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر عمَّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم. وذلك أن"غِشاوةٌ" مرفوعة بقوله"وعلى أبصارهم"، فذلك دليل على أنه خَبرٌ مبتدأ، وأن قوله"ختم الله على قلوبهم"، قد تناهى عند قوله"وعلى سمْعهم".
وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين:
أحدهما: اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها، وانفرادُ المخالف لهم في ذلك، وشذوذه عمّا هم على تَخطئته مجمعون. وكفى بإجماع الحجة على تخطئة قراءته شاهدًا على خطئها.
والثاني: أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيء من كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله ﷺ، ولا موجودٍ في لغة أحد من العرب. وقد قال تبارك وتعالى في سورة أخرى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ ، ثم قال: (وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) [سورة الجاثية: ٢٣] ، فلم يدخل البصرَ في معنى الختم. وذلك هو المعروف في كلام العرب، فلم يَجُزْ لنا، ولا لأحدٍ من الناس، القراءةُ بنصب الغِشاوة، لما وصفتُ من العلّتين اللتين ذكرت، وإن كان لنَصْبها مخرجٌ معروفٌ في العربية.
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ، رُوي الخبر عن ابن عباس:
٣٠٥- حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم"، والغشاوة على أبصارهم [[الخبر ٣٠٥- هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دورانًا في تفسير الطبري، وقد مضى أول مرة ١١٨، ولم أكن قد اهتديت إلى شرحه. وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير! وهو معروف عند العلماء بـ "تفسير العوفي"، لأن التابعي -في أعلاه- الذي يرويه عن ابن عباس، هو"عطية العوفي"، كما سنذكر. قال السيوطي في الإتقان ٢: ٢٢٤: "وطريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم، كثيرًا. والعوفي ضعيف، ليس بواه، وربما حسن له الترمذي". وسنشرحه هنا مفصلا، إن شاء الله:
محمد بن سعد، الذي يروى عنه الطبري: هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفي، من"بني عوف بن سعد" فخذ من"بني عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن وائل". وهو لين في الحديث، كما قال الخطيب. وقال الدارقطني: "لا بأس به". مات في آخر ربيع الآخر سنة ٢٧٦. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ٥: ٣٢٢ - ٣٢٣. والحافظ في لسان الميزان ٥: ١٧٤. وهو غير"محمد بن سعد بن منيع" كاتب الواقدي، وصاحب كتاب الطبقات الكبير، فهذا أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرين، قديم الوفاة، مات في جمادي الآخرة سنة ٢٣٠.
أبوه"سعد بن محمد بن الحسن العوفي": ضعيف جدًّا، سئل عنه الإمام أحمد، فقال: "ذاك جهمي"، ثم لم يره موضعًا للرواية ولو لم يكن، فقال: "لو لم يكن هذا أيضًا لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، ولا كان موضعًا لذاك". وترجمته عند الخطيب ٩: ١٣٦ - ١٢٧، ولسان الميزان ٣: ١٨ - ١٩.
عن عمه: أي عم سعد، وهو"الحسين بن الحسن بن عطية العوفي". كان على قضاء بغداد، قال ابن معين: "كان ضعيفًا في القضاء. ضعيفًا في الحديث". وقال ابن سعد في الطبقات: "وقد سمع سماعًا كثيرًا، وكان ضعيفًا في الحديث". وضعفه أيضًا أبو حاتم والنسائي. وقال ابن حبان في المجروحين: "منكر الحديث. . ولا يجوز الاحتجاج بخبره". وكان طويل اللحية جدا، روى الخطيب من أخبارها طرائف، مات سنة ٢٠١. مترجم في الطبقات ٧/٢/ ٧٤، والجرح والتعديل ١/٢/ ٤٨، وكتاب المجروحين لابن حبان، رقم ٢٢٨ ص ١٦٧، وتاريخ بغداد ٨: ٢٩ - ٣٢، ولسان الميزان ٢: ٢٧٨.
عن أبيه: وهو"الحسن بن عطية بن سعد العوفي"، وهو ضعيف أيضًا، قال البخاري في الكبير: "ليس بذاك"، وقال أبو حاتم: " ضعيف الحديث". وقال ابن حبان: "يروى عن أبيه، روى عنه ابنه محمد بن الحسن، منكر الحديث، فلا أدري: البلية في أحاديثه منه، أو من أبيه، أو منهما معًا؟ لأن أباه ليس بشيء في الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره، ووجب تركه". مترجم في التاريخ الكبير ١/٢/ ٢٩٩، وابن أبي حاتم ١/٢/ ٢٦، والمجروحين لابن حبان، رقم ٢١٠ ص ١٥٨، والتهذيب.
عن جده: وهو"عطية بن سعد بن جنادة العوفي"، وهو ضعيف أيضًا، ولكنه مختلف فيه، فقال ابن سعد: "كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة. ومن الناس من لا يحتج به"، وقال أحمد: "هو ضعيف الحديث. بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير. وكان الثوري وهشيم يضعفان حديث عطية". قال: صالح". وقد رجحنا ضعفه في شرح حديث المسند: ٣٠١٠، وشرح حديث الترمذي: ٥٥١، وإنما حسن الترمذي ذاك الحديث لمتابعات، ليس من أجل عطية. وقد ضعفه النسائي أيضًا في الضعفاء: ٢٤. وضعفه ابن حبان جدًّا، في كتاب المجروحين، قال: ". . فلا يحل كتبة حديثه إلا على وجه التعجب"، الورقة: ١٧٨. وانظر أيضًا: ابن سعد ٦: ٢١٢ - ٢١٣ والكبير البخاري ٤/١/ ٨ - ٩. والصغير ١٢٦. وابن أبي حاتم ٣/١/ ٣٨٢ - ٣٨٣. والتهذيب.
والخبر نقله ابن كثير ١: ٨٥، والسيوطي في الدر المنثور ١: ٢٩، وزاد نسبته لابن أبي حاتم. وكذلك صنع الشوكاني ١: ٢٨.]] .
فإن قال قائل: وما وجهُ مخرج النَّصْب فيها؟
قيل له: أن تنصبها بإضمار"جعل" [[في المطبوعة: "إن نصبها. . ".]] ، كأنه قال: وجعل على أبصارهم غِشَاوةً، ثم أسقط"جعل"، إذْ كان في أول الكلام ما يدُلّ عليه. وقد يحتمل نَصبُها على إتباعهِا موضعَ السمع، إذ كان موضعه نصبًا، وإن لم يكن حَسَنًا إعادةُ العامل فيه على"غشاوة"، ولكن على إتباع الكلام بعضِه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ ، ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ﴾ ، [سورة الواقعة: ١٧-٢٢] ، فخفَضَ اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة، إتباعًا لآخر الكلام أوّلَه. ومعلومٌ أن اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين، ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا ومَاء بارِدًا ... حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا [[لا يعرف قائله، وأنشده الفراء في معاني القرآن ١: ١٤ وقال: "أنشدني بعض بني أسد يصف فرسه"، وفي الخزانة ١: ٤٩٩: "رأيت في حاشية صحيحة من الصحاح أنه لذي الرمة، ففتشت ديوانه فلم أجده". وسيأتي في تفسير آية سورة المائدة: ١٠٩ (٧: ٨١ بولاق) . وقوله"شتت" من شتا بالمكان: أقام فيه زمن الشتاء، وهو زمن الجدب، وهمالة: تهمل دمعها أي تسكبه وتصبه من شدة البرد.]]
ومعلومٌ أن الماء يُشرَب ولا يعلف به، ولكنه نَصب ذلك على ما وصفتُ قبلُ، وكما قال الآخر:
ورأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا [[مضى تخريج هذا البيت في ص ١٤٠.]]
وكان ابن جُريج يقول - في انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله"وعلى سَمْعهم"، وابتداءِ الخبر بعده - بمثل الذي قلنا فيه، ويتأوّل فيه من كتاب الله ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [سورة الشورى: ٢٤] .
٣٠٦- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: حدثنا ابن جُريج، قال: الختمُ على القلب والسمع، والغشاوة على البَصَر، قال الله تعالى ذكره: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [[الأثر ٣٠٦- ساقه ابن كثير في تفسيره ١: ٨٥، والشوكاني ١: ٢٨.]] ، وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [سورة الجاثية: ٢٣] .
والغشاوة في كلام العرب: الغطاءُ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص:
تَبِعْتُكَ إذْ عَيْني عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا [[الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومي، ويأتي البيت في تفسير آية سورة الأعراف: ١٨ (٨: ١٠٣ بولاق) ، وروايته هناك: "صحبتك إذ عيني. . أذيمها"، شاهدًا على"الذام"، وهو أبلغ في العيب من الذم، ثم قال أبو جعفر: "وأكثر الرواة على إنشاده: ألومها"، وخبر البيت: أن عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقام ببابه شهرًا لا يصل إليه، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده: وما بِيَ إن أقصَيتنِي من ضَرَاعةٍ ... وَلاَ افْتَقَرَتْ نَفْسِي إلى مَنْ يَضِيمُها
(انظر الأغاني ٣: ٣١٧) ، وبلغ عبد الملك شعره، فأرسل إليه من رده إليه.]]
ومنه يقال: تغشَّاه الهم: إذا تجلَّله وركبه، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
هَلا سَأَلْتِ بَنِي ذُبيَان مَا حَسَبي ... إذَا الدُّخانُ تَغَشَّى الأشمَط البَرَمَا [[ديوانه: ٥٢. والأشمط: الذي شاب رأسه من الكبر، والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير ٤١٠، ١٢٣٨: "وإنما خص الأشمط، لأنه قد كبر وضعف، فهو يأتي مواضع اللحم".]]
يعني بذلك: تجلّله وَخالطه.
وإنما أخبر الله تعالى ذكره نبيه محمدًا ﷺ عن الذين كفروا به من أحبار اليهود، أنه قد خَتَم على قلوبهم وطَبَع عليها - فلا يعقلون لله تبارك وتعالى موعظةً وعظهم بها، فيما آتاهم من علم ما عندهم من كُتبِه، وفيما حدَّد في كتابه الذي أوحاه وأنزله إلى نبيّه محمد ﷺ - وعلى سمعهم، فلا يسمَعُون من محمد ﷺ نبيِّ الله تحذيرًا ولا تذكيرًا ولا حجةً أقامها عليهم بنبوَّته، فيتذكُروا ويحذروا عقاب الله عز وجلّ في تكذيبهم إياه، مع علمهم بصدقه وصحّة أمره. وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يُبصروا سبيل الهُدَى، فيعلموا قُبْحَ ما هم عليه من الضلالة والرَّدَى.
وبنحو ما قلنا في ذلك، رُوي الخبر عن جماعة من أهل التأويل:
٣٠٧- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ، أيْ عن الهدى أن يُصيبوه أبدًا بغير ما كذبوك به من الحقّ الذي جاءك من ربِّك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك [[الخبر ٣٠٧- ذكره السيوطي ١: ٢٩ متصلا بما مضى: ٢٩٥، ٢٩٩ وبما يأتي: ٣١١. ساقها سياقًا واحدًا.]] .
٣٠٨- حدثني موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ:"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم" يقول: فلا يعقلون ولا يَسْمعون. ويقول:"وجَعل على أبصارهم غشاوة" يقول: على أعينهم فلا يُبصرون [[الخبر ٣٠٨- ساقه ابن كثير ١: ٨٥. وذكره السيوطي ١: ٢٩، والشوكاني ١: ٢٨ عن ابن مسعود فقط.]] .
وأما آخرون، فإنهم كانوا يتأولون أنّ الذين أخبر الله عنهم من الكفّار أنه فعل ذلك بهم، هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر.
٣٠٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: هاتان الآيتان إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٨] ، وهمُ الذين قُتلوا يوم بدر، فلم يدخل من القادة أحدٌ في الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان بن حَرْب، والحَكَم بن أبي العاص [[الأثر ٣٠٩- هو تتمة الأثر الماضي: ٢٩٨، كما ساقه السيوطي ١: ٢٩، والشوكاني ١: ٢٨. وقد أشرنا إليه هناك.]] .
٣١٠- وحدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، قال: أما القادةُ فليس فيهم مُجيبٌ ولا ناجٍ ولا مُهْتَدٍ.
وقد دللنا فيما مضى على أوْلى هذين التأويلين بالصواب، فكرهنا إعادته.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) ﴾
وتأويلُ ذلك عندي، كما قاله ابن عباس وتأوّله:
٣١١- حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ولهم بما هُمْ عليه من خلافك عذابٌ عظيم. قال: فهذا في الأحبار من يهود، فيما كذَّبوكِ به من الحق الذي جاءك من رّبك بعد معرفتهم [[الخبر ٣١١- هو تتمة الأخبار: ٢٩٥، ٢٩٩، ٣٠٧، ساقها السيوطي ١: ٢٩ مساقًا واحدًا، كما أشرنا من قبل. ولكنه حذف من آخره ما بعد قوله"فهذا في الأحبار من يهود". لعله ظنه من كلام الطبري. والسياق واضح أنه من تتمة الخبر.]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله:"ومن الناس"، فإن في"الناس" وجهين:
أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحدَ له من لَفْظِه، وإنما واحدهم"إنسانٌ"، وواحدتهم"إنسانة" [[في المطبوعة: "واحده إنسان، وواحدته إنسانة".]] .
والوجه الآخر: أن يكون أصله"أُناس" أسقِطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان، فأدغِمت اللام - التي دخلت مع الألف فيها للتعريف - في النون، كما قيل في ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف: ٣٨] ، على ما قد بينا في"اسم الله" الذي هو الله [[انظر ما مضى ص ١٢٥ - ١٢٦.]] . وقد زعم بعضهم أن"الناس" لغة غير"أناس"، وأنه سمع العرب تصغرهُ"نُوَيْس" من الناس، وأن الأصل لو كان أناس لقيل في التصغير: أُنَيس، فرُدَّ إلى أصله.
وأجمعَ جميع أهل التأويل على أنّ هذه الآية نزلت في قوم من أهلِ النِّفاق، وأن هذه الصِّفة صِفتُهم.
ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم:
٣١٢- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، يعني المنافقين من الأوْس والخَزْرج ومَنْ كان على أمرهم.
وقد سُمِّي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم [[الخبر ٣١٢- مضى نحو معناه: ٢٩٦، وأشرنا إلى هذا هناك.
وأسماء المنافقين، من الأوس والخزرج، الذين كره الطبري إطالة الكتاب بذكرهم - حفظها علينا ابن هشام، في اختصاره سيرة ابن إسحاق، بتفصيل واف: ٣٥٥ - ٣٦١ (طبعة أوربة) ، ٢: ١٦٦ - ١٧٤ (طبعة الحلبي) ، ٢: ٢٦ - ٢٩ (الروض الأنف) .]] .
٣١٣- حدثنا الحسين بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، حتى بلغ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قال: هذه في المنافقين [[الأثر ٣١٣- الحسن بن يحيى، شيخ الطبري؛ وقع في الأصول هنا"الحسين"، وهو خطأ. وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب، رقم: ٢٥٧.]] .
٣١٤- حدثنا محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: هذه الآية إلى ثلاث عشرة، في نَعت المنافقين.
٣١٥- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٣١٦ حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله.
٣١٧- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن إسماعيل السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ هم المنافقون.
٣١٨- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر﴾ إلى ﴿فزادهم الله مَرَضًا ولهم عذاب أليم﴾ ، قال: هؤلاء أهلُ النفاق.
٣١٩- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ قال: هذا المنافقُ، يخالِفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانِيَتَه ومدخلُه مخرجَه، ومشهدُه مغيبَه [[الروايات ٣١٤ - ٣١٩: ساق بعضها ابن كثير ١: ٨٦ بين نص وإشارة. وساق بعضها أيضًا السيوطي ١: ٢٩. والشوكاني ١: ٢٩.]] .
وتأويل ذلك: أنّ الله جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد ﷺ أمرَهُ في دار هجرته، واستَقرَّ بها قرارُه، وأظهرَ الله بها كلمتَه، وفشا في دور أهلها الإسلام، وقَهَر بها المسلمون مَنْ فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وذَلّ بها مَن فيها من أهل الكتاب - أظهر أحبارُ يَهودها لرسول الله ﷺ الضَّغائن، وأبدوا له العداوة والشنآنَ، حسدًا وَبغيًا [[في: المخطوطة"العداوة والشنار"، وهو خطأ. والشنآن والشناءة: البغض يكشف عنه الغيظ الشديد. شنئ الشيء يشنؤه: أبغضه بغضًا شديدًا.]] ، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلَموا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [سورة البقرة: ١٠٩] ، وطابَقَهم سرًّا على مُعاداة النبي ﷺ وأصحابه وَبغْيِهم الغوائِل، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوْا رسول الله ﷺ ونَصَروه [[الغوائل جمع غائلة: وهي: النائبة التي تغول وتهلك. وأراهط جمع رهط، والرهط: عدد يجمع من الثلاثة إلى العشرة، لا يكون فيهم امرأة. وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار.]] - وكانوا قد عَسَوْا في شركهم وجاهليِّتِهم [[في المطبوعة: "عتوا في جاهليتهم" وكلتاهما صواب. عسا الشيء يعسو: اشتد وصلب وغلظ من تقادم العهد عليه، وعسا الرجل: كبر. والعاسي: هو الجافي، ومثله العاتي. وعتا يعتو، في معناه. وانظر ما مضى ص: ٣٦، تعليق.]] قد سُمُّوا لنا بأسمائهم، كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم، وظاهروهم على ذلك في خَفاءٍ غير جِهارٍ، حذارَ القتل على أنفسهم، والسِّباءِ من رسول الله ﷺ وأصحابه، وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام. فكانوا إذا لَقُوا رسولَ الله ﷺ وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم -حِذارًا على أنفسهم-: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبَعْث، وأعطَوْهم بألسنتهم كلمةَ الحقِّ، ليدرأوا عن أنفسهم حُكم الله فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم. وإذا لقُوا إخوانَهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد ﷺ وبما جاء به، فخلَوْا بهم قَالُوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ . فإياهم عَنَى جلّ ذكره بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، يعني بقوله تعالى خبرًا عنهم: آمنّا بالله-: وصدّقنا بالله [[في المطبوعة"وصدقنا بالله"، وزيادة الواو خطأ.]] .
وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان: التصديق، فيما مضى قبل من كتابنا هذا [[انظر ما مضى ص: ٢٣٤ - ٢٣٥.]] .
وقوله: ﴿وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ، يعني: بالبعث يوم القيامة، وإنما سُمّى يومُ القيامة"اليومَ الآخر"، لأنه آخر يوم، لا يومَ بعده سواه.
فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاعَ للآخرة ولا فناء، ولا زوال؟ قيل: إن اليومَ عند العرب إنما سُمي يومًا بليلته التي قبله، فإذا لم يتقدم النهارَ ليلٌ لم يسمَّ يومًا. فيوم القيامة يوم لا ليلَ بعده، سوى الليلة التي قامت في صبيحتها القيامة، فذلك اليوم هو آخر الأيام. ولذلك سمّاه الله جل ثناؤه"اليوم الآخر"، ونعتَه بالعَقِيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده [[وذلك قول ربنا سبحانه في سورة الحج: ٥٥: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ .]] .
وأما تأويل قوله:"وما هم بمؤمنين"، ونفيُه عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيمان، وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر - فإن ذلك من الله جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبَرُوا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث، وإعلامٌ منه نبيَّه ﷺ أنّ الذي يُبْدونه له بأفواههم خلافُ ما في ضمائر قلوبهم، وضِدُّ ما في عزائم نفوسهم.
وفي هذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطول ما زَعَمتْه الجهميةُ: من أنّ الإيمان هو التصديق بالقول، دون سائر المعاني غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم في كتابه من أهل النفاق، أنهم قالوا بألسنتهم:"آمنا بالله وباليوم الآخر"، ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذْ كان اعتقادهم غيرَ مُصَدِّقٍ قِيلَهُم ذلك.
وقوله"وما هم بمؤمنين"، يعني بمصدِّقين" فيما يزعمون أنهم به مُصَدِّقون.
القول في تأويل جل ثناؤه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾
قال أبو جعفر: وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه بلسانه من القول والتصديق، خلافَ الذي في قلبه من الشكّ والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه، حكمَ الله عز وجلّ - اللازمَ مَن كان بمثل حاله من التكذيب، لو لم يُظْهِرْ بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسِّباء. فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمان بالله.
فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مُخادِعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟
قيل: لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّي من أعطى بلسانه غيرَ الذي هو في ضميره تَقِيَّةً لينجو مما هو له خائف، فنجا بذلك مما خافه - مُخادِعًا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التَّقيّة. فكذلك المنافق، سمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهر بلسانه تقيَّةً، مما تخلَّص به من القتل والسِّباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطِنٌ. وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها، أنه يُعطيها أمنيَّتها، وُيسقيها كأسَ سُرورها، وهو مُورِدُها به حِياض عَطَبها، ومجَرِّعها به كأس عَذابها، ومُزِيرُها من غَضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به [[في المطبوعة: "ومذيقها من غضب الله"، وفي المخطوطة: "ومربدها. . . "، وفي تفسير ابن كثير ١: ٨٧"ومز برها. . . "، والصواب ما أثبتناه، وأزاره: حمله على الزيارة. وفي حديث طلحة: ". . . حتى أزرته شعوب"، وشعوب هي المنية، أي أوردته المنية فزارها. وجعلها زيارة، وهي هلاك. سخرية بهم واستهزاء، لقبح غرورهم بربهم، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع.]] . فذلك خديعَتُه نفسه، ظَنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه إليها محسن، كما قال جل ثناؤه:"وما يخدَعُون إلا أنفسهم ومَا يشعُرُون"، إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أنَّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفُسهم في إسخاطهم رَّبهم بكُفْرهم وشكِّهم وتكذيبهم - غيرُ شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عَمْيَاء من أمرِهم مُقيمون.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك، كان ابن زيد يقول.
٣٢٠- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد عن قوله الله جل ذكره: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآية، قال: هؤلاء المنافِقُون، يخادعون الله ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظهروا [[الأثر ٣٢٠- في الدر المنثور ١: ٣٠، والشوكاني ١: ٣٠ بتمامه، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية برقم: ٣٢١.]] .
وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين: أن الله لا يُعذِّب من عباده إلا من كَفَر به عنادًا، بعد علمه بوحدانيته، وبعد تقرُّر صحة ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه مِن تَوْحيده، والإقرار بكتبه ورُسله - عنده. لأن الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ عن الذين وَصفهم بما وصفهم به من النفاق، وخِداعهم إياه والمؤمنين - أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل مُقِيمون، وأنَّهم بخداعهم - الذي يحسبون أنهم به يُخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به - مخدوعون. ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذابًا أليمًا بتكذيبهم بما كانوا يكذِّبون من نبوة نبيّه، واعتقاد الكفر به، وبما كانوا يَكذِبون في زعمهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفر مُصِرُّون.
فإن قال لنا قائل: قد علمت أن"المُفاعلة" لا تكون إلا من فاعلَيْن، كقولك: ضاربتُ أخاك، وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالس صَاحبه ومضاربَه. فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما، فإنما يقال: ضربتُ أخاك، وجلست إلى أبيك، فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه: خادع الله والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب [[يعني أبا عبيدة في كتابه"مجاز القرآن": ٣١.]] : إنّ ذلك حرفٌ جاء بهذه الصورة أعني"يُخَادِع" بصورة"يُفَاعل"، وهو بمعنى"يَفْعَل"، في حروفٍ أمثالها شاذةٍ من منطقِ العرب، نظيرَ قولهم: قاتَلك الله، بمعنى قَتَلك الله.
وليس القول في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من"التفاعل" الذي لا يكون إلا من اثنين، كسائر ما يُعرف من معنى"يفاعل ومُفاعل" في كل كلام العرب. وذلك: أن المنافق يُخادع الله جل ثناؤه بكَذبه بلسانه - على ما قد تقدّم وصفه - والله تبارك اسمه خادِعُه، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه في آجل مَعادِه، كالذي أخبر في قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [سورة آل عمران: ١٧٨] ، وبالمعنى الذي أخبرَ أنه فاعلٌ به في الآخرة بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [سورة الحديد: ١٣] ، فذلك نظيرُ سائر ما يأتي من معاني الكلام بـ "يُفاعِل ومُفاعل". وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول: لا تكون المفاعلة إلا من شيئين، ولكنه إنما قيل:"يُخادِعون الله" عند أنفسهم، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا، فقد علموا خلافَ ذلك في أنفسهم، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته، وما يخدعون إلا أنفسهم. قال: وقد قال بعضُهم:"وما يخدعون" يقول: يخدَعُون أنفسهم بالتَّخْلية بها [[يعني بقوله"بالتخلية بها"، أي بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر. كأن أراد أن يجعل اشتقاق"يخدعون" من المخدع، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير، وأراد الستر الشديد لما يبطنون. وأخلى بفلان يخلى به إخلاء: انفرد به في مكان خال. واستعمل"التخلية" بمعنى أنه حمل على الخلوة، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد، ليخفى ما فيها. وهذا الذي ذكره شرح لبقية الآية الذي سيأتي بعد.]] . وقد تكون المفاعلة من واحد في أشياء كثيرة.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾
إن قال قائل: أو ليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالِهم وذَرَاريهم حتى سلمت لهم دنياهم، وإن كانوا قد كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم؟
قيل: خَطأٌ أن يقال إنهم خَدعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك، أوجبنا لهم حقيقةَ خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين [[في المطبوعة: "جاءت لهم على المؤمنين"، وهو خطأ.]] . كما أنَّا لو قلنا: قتل فلان فلانًا، أوجبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان. ولكنا نقول: خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين، ولم يَخْدَعوهم بَل خَدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه، دون غيرها، نظيرَ ما تقول في رجل قاتَل آخر، فقتَل نفسَه ولم يقتُل صاحبه: قاتَل فلان فلانًا فلم يقتل إلا نفسه، فتوجبُ له مقاتَلةَ صاحبه، وتنفي عنه قتلَه صاحبَه، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول:"خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه"، فتثبت منه مخادعةَ ربه والمؤمنين، وتنفي عنه أن يكونَ خَدع غير نَفسه، لأن الخادعَ هو الذي قد صحّت الخديعة له، وَوقع منه فعلُها. فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم، لأنّ ما كان لهم من مال وأهلٍ، فلم يكن المسلمون مَلَكوه عليهم - في حال خِداعهم إياهم عنه بنفاقهم وَلا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذي في ضمائرهم، ويحكُم الله لهم في أموالهم وأنفسهم وذراريهم في ظاهر أمورِهم بحُكْم ما انتسبوا إليه من الملّة، والله بما يُخْفون من أمورِهم عالم. وإنما الخادع من خَتَل غيرَهُ عن شيئِه، والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةِ خادعِهِ. فأما والمخادَع عارفٌ بخداعِ صاحبه إياه = غير لاحقِه من خداعه إيّاه مكروهٌ، بل إنما يَتجافى للظَّانّ به أنه له مُخادع، استدراجًا، ليبلغ غايةً يتكامل له عليه الحُجَّةُ للعقوبة التي هو بها مُوقع عند بلوغه إياها [[في المطبوعة: "التي هو بها موقع"، وعنى: العقوبة التي هو موقعها به. . .]] ، والمُسْتَدرَج غيرُ عالم بحال نفسه عند مستدرِجِه، ولا عارف باطِّلاعه على ضميره، وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه، تركه معاقبته على جرمه [[في المطبوعة: "وأن إمهال مستدرجه، وتركه إياه معاقبته على جرمه"، وهو خطأ مفسد للمعنى.]] ليبلغ المخاتِل المخادِعُ - من استحقاقه عقوبةَ مستدرِجِه، بكثرة إساءته، وطولِ عِصيانه إياه، وكثرة صفح المستدرِج، وطول عفوه عنه أقصى غايةٍ [[سياق هذه العبارة: "ليبلغ المخاتل المخادع. . . أقصى غاية"، وسياق الذي يليها من صدر الجملة: "فأما والمخادع عارف. . . فإنما هو خادع نفسه. . . "، وما بينهما فصل طويل.]] = فإنما هو خادع نفسه لا شك، دون من حدّثته نفسه أنه له مخادعٌ. ولذلك نَفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكونَ خدَعَ غيرَ نفسه، إذ كانت الصِّفةُ التي وَصَفنا صفتَه.
وإذ كان الأمر على ما وصفنا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به، وأنه غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعةٍ صحيحة إلا لنفسه دون غيرها، لما يُوَرِّطها بفعله من الهلاك والعطب - فالواجب إذًا أن يكون الصحيح من القراءة: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ دون ﴿وما يخادعون﴾ لأن لفظ"المخادع" غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ على صحَّة، ولفظ"خادع" موجب تثبيت خديعة على صحة. ولا شك أن المنافق قد أوْجبَ خديعة الله عز وجل لِنَفْسه بما رَكِبَ من خداعه ربَّه ورسولَه والمؤمنين - بنفاقه، فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ .
ومن الدلالة أيضًا على أن قراءة من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ أولى بالصحة من قراءة من قرأ: ﴿وما يخادعون﴾ ، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يُخادعون الله والمؤمنين في أول الآية، فمحال أن يَنفي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضادٌّ في المعنى، وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ.
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) ﴾
يعني بقوله جل ثناؤه"وما يَشعرون"، وما يَدْرُون. يقال: ما شَعَرَ فلانٌ بهذا الأمر، وهو لا يشعر به -إذا لم يَدْرِ ولم يَعْلم- شِعرًا وشعورًا. وقال الشاعر:
عَقَّوْا بِسَهمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ ... ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الوَضَحُ [[الشعر للمتنخل الهذلي، ديوان الهذليين ٢: ٣١، وأمالي القالي ١: ٢٤٨، وسمط اللآلئ ٥٦٣. عقى بالسهم: رمى به في السماء لا يريد به شيئًا، وأصله في الثأر والدية، وذلك أنهم كانوا يجتمعون إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم قبول الدية. فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك، وإلا أخذوا سهمًا ورموا به في السماء، فإن عاد مضرجًا بدم، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية. وإن رجع كما صعد، فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية. وكل ذلك أبطل الإسلام. وفاء واستفاء: رجع. والوضح: اللبن. يهجوهم بالذلة والدناءة، فأهدروا دم قتيلهم، ورموا بالسهم الذي يزعمونه يأمرهم وينهاهم، ورجعوا عن طلب الترة إلى قبول الدية، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم، وقالوا في أنفسهم: اللبن أحب إلينا من القود وأنفع.]]
يعني بقوله: لم يَشعر به، لم يدر به أحد ولم يعلم. فأخبر الله تعالى ذكره عن المنافقين: أنهم لا يشعرون بأن الله خادِعُهم، بإملائه لهم واستدراجِه إياهم، الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم في الحجة والمعذرة، ومنهم لأنفسهم خديعةٌ، ولها في الآجل مَضرة. كالذي-:
٣٢١- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ، قال: ما يشعرون أنهم ضَرُّوا أنفسهم، بما أسَرُّوا من الكفر والنِّفاق. وقرأ قول الله تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ ، قال: هم المنافقون حتى بلغ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [سورة المجادلة: ١٨] ، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم [[الأثر ٣٢١- هو تمام الأثر الذي سلف: ٣٢٠.]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
قال أبو جعفر: وأصل المرَض: السَّقم، ثم يقال ذلك في الأجساد والأديان. فأخبر الله جلّ ثناؤه أن في قلوب المنافقين مَرَضًا، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره عن مرض قلوبهم، الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد = ولكن لمّا كان معلومًا بالخبَر عن مرض القلب، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد -استغنى بالخبَر عن القلب بذلك = والكفاية عن تصريح الخبَر عن ضمائرهم واعتقاداتهم [[في المطبوعة: "والكناية عن تصريح الخبر. . . "، وقوله: "والكفاية عن تصريح الخبر. . . " معطوف على قوله"الخبر عن مرض ما في قلوبهم. . . "]] كما قال عُمر بن لَجَأ:
وَسَبَّحَتِ الْمَدِينَةُ، لا تَلُمْهَا، ... رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمُ نَهَارَا [[يأتي البيت في تفسير آية البقرة: ١١٠ (١: ٣٩١ بولاق) .]]
يريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خَبَرَه بالخبَرِ عن المدينة، عن الخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسي:
هَلا سَأَلتِ الْخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ؟ ... إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي [[في معلقته المشهورة.]]
يريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟ ومنه قولهم:"يا خَيْلَ الله اركبي"، يراد: يا أصحاب خيل الله اركبوا. والشواهد على ذلك أكثر من أن يُحصيها كتاب، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إنما يعني: في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين، والتصديق بمحمد ﷺ، وبما جاء به من عند الله - مَرَض وسُقْم. فاجتزأ بدلالة الخبَر عن قلوبهم على معناه، عن تصريح الخبر عن اعتقادهم.
والمرضُ الذي ذكر الله جل ثناؤه أنّه في اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه: هو شكُّهم في أمر محمد وما جاء به من عند الله، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به موقنون إيقان إيمان، ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك، ولكنهم، كما وصفهم الله عز وجل، مُذَبْذَبُونَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء [[تضمين آية سورة النساء: ١٤٣.]] كما يقال: فلانٌ يمَرِّضُ في هذا الأمر، أي يُضَعِّف العزمَ ولا يصحِّح الروِيَّة فيه.
وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك، تَظاهر القول في تفسيره من المفسِّرين.
ذكر من قال ذلك:
٣٢٢- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"في قلوبهم مرضٌ"، أي شكٌّ.
٣٢٣- وحدِّثت عن المِنْجَاب، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: المرض: النفاق.
٣٢٤- حُدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"في قلوبهم مرضٌ" يقول: في قلوبهم شكّ.
٣٢٥- حُدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"في قلوبهم مَرَضٌ"، قال: هذا مرض في الدِّين، وليس مَرَضًا في الأجساد، قال: وهم المنافقون.
٣٢٦- حدثني المثنَّى بن إبراهيم، قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر، قال: أخبرنا ابنُ المبارك قراءةً، عن سعيد، عن قتادة، في قوله"في قلوبهم مَرَض" قال: في قلوبهم رِيبَة وشك في أمر الله جل ثناؤه.
٣٢٧- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"في قلوبهم مَرَضٌ" قال: هؤلاء أهلُ النفاق، والمرضُ الذي في قلوبهم: الشك في أمر الله تعالى ذكره.
٣٢٨- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ حتى بلغ (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) قال: المرض: الشكّ الذي دخلهم في الإسلام [[الأخبار: ٣٢٢ - ٣٢٨، نقلها ابن كثير ١: ٨٨، والسيوطي ١: ٣٠، والشوكاني ١: ٣٠ - مع تتمتها الآتية في تفسير بقية الآية، بالأرقام: ٣٢٩، ٣٣٦، ٣٣٠، ٣٣٢، ٣٣١، ٣٣٣ - على هذا التوالي. ولكن ٣٣٦ لم يذكر فيه"عن ابن عباس".
و"المنجاب" في ٣٢٣، ٣٣٦: هو ابن الحارث بن عبد الرحمن التميمي، من شيوخ مسلم، روى عنه في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو بكسر الميم وسكون النون وفتح الجيم وآخره باء موحدة.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾
قد دللنا آنفًا على أن تأويل المرض الذي وصَف الله جل ثناؤه أنه في قلوب المنافقين، هو الشكُّ في اعتقادات قلوبهم وأديانهم، وما هم عليه - في أمر محمد رسول الله ﷺ، وأمر نبوته وما جاء به - مقيمون.
فالمرض الذي أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنَّه زادهم على مرضهم، نظيرُ ما كان في قلوبهم من الشَّكِّ والحيْرة قبل الزيادة، فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضِه - التي لم يكن فرضَها قبلَ الزيادة التي زادها المنافقين - من الشك والحيرة، إذْ شكُّوا وارتَابوا في الذي أحدَث لهم من ذلك - [[سياق العبارة: "فزادهم الله بما أحدث من حدوده. . . من الشك والحيرة. . . إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم. . . ".]] إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السَّالف، من حدوده وفرائضه التي كان فَرَضها قبل ذلك. كما زاد المؤمنين به إلى إيمانهم الذي كانوا عليه قبل ذلك، بالذي أحدث لهم من الفرائض والحدود إذْ آمنوا به، إلى إيمانهم بالسالف من حُدُوده وفرائضه - إيمانًا. كالذي قال جل ثناؤه في تنزيله: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [سورة التوبة: ١٢٤، ١٢٥] . فالزيادة التي زِيدَها المنافقون من الرَّجاسة إلى رَجاستهم، هو ما وصفنا. والتي زِيدَها المؤمنون إلى إيمانهم، هو ما بيَّنا. وذلك هو التأويل المجمَعُ عليه.
ذكرُ بعض من قال ذلك من أهل التأويل:
٣٢٩- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"فزادهم الله مَرَضًا"، قال: شكًّا.
٣٣٠- حدثني موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"فزادَهُم الله مَرَضًا"، يقول: فزادهم الله رِيبَة وشكًّا.
٣٣١- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر، قال: أخبرتا ابن المبارك قراءةً، عن سعيد، عن قتادة:"فزادهم الله مرضًا"، يقول: فزادهم الله ريبةً وشكًّا في أمْر الله.
٣٣٢- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله:"في قلوبهم مَرَضٌ فزادهم الله مَرَضًا"، قال: زادهم رِجْسًا، وقرأ قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ قال: شرًّا إلى شرِّهم، وضلالةً إلى ضلالتهم.
٣٣٣- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فزادهم الله مَرَضًا"، قال: زادهم الله شكًّا [[الأخبار: ٣٢٩ - ٣٣٣: هي تمام الآثار السالفة: ٣٢٢ - ٣٢٨.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قال أبو جعفر: والأليم: هو المُوجعُ. ومعناه: ولهم عذاب مؤلم. بصرفِ"مؤلم" إلى"أليم" [[في المطبوعة: "فصرف مؤلم. . ".]] ، كما يقال: ضَرْبٌ وجيعُ بمعنى مُوجع، والله بَديع السموات والأرض، بمعنى مُبْدِع. ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقنُي وأَصْحَابِي هُجُوعُ [[الأصمعيات: ٤٣، ويأتي في تفسير آية سورة يونس: ١ (١١: ٥٨ بولاق) . وريحانة: هي بنت معديكرب، أخت عمرو بن معديكرب، وهي أم دريد بن الصمة، وكان أبوه الصمة، سباها وتزوجها. (الأغاني ١٠: ٤) .]]
بمعنى المُسْمِع. ومنه قول ذي الرمة:
وَتَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ ... يَصُدُّ وُجُوهَهَا وَهَجُ أَلِيمُ [[ديوانه: ٥٩٢. وقوله"ونرفع من صدور. . " أي نستحثها في السير، والإبل إذا أسرعت رفعت من صدورها. وشمردلات جمع شمردلة: وهي الناقة الحسنة الجميلة الخلق الفتية السريعة. وقوله"يصد وجوهها" أي يستقبل وجوهها ويضربها وهج أليم، فتصد وجوهها أي تلويها كالمعرضة عن لذعته. ورواية ديوانه: "يصك"، وصكة صكة: ضربة ضربة شديدة. والوهج: حرارة الشمس، أو حرارة النار من بعيد.]]
ويروى"يَصُكُّ"، وإنما الأليم صفةٌ للعذاب، كأنه قال: ولهم عذاب مؤلم. وهو مأخوذ من الألم، والألم: الوَجَعُ. كما-:
٣٣٤- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: الأليم، المُوجع.
٣٣٥- حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هُشيم، قال: أخبرنا جُوَيْبر، عن الضحاك قال: الأليمُ، الموجع [[الأثر ٣٣٥- يعقوب: هو ابن إبراهيم الدورقي الحافظ. هشيم - بضم الهاء: هو ابن بشير، بفتح الباء وكسر الشين المعجمة، بن القاسم، أبو معاوية الواسطي، إمام حافظ كبير، روى عنه الأئمة: أحمد وابن المديني وغيرهما، وقال عبد الرحمن بن مهدي: "كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري". ومعنى هذا الأثر مضمن في الذي بعده: ٣٣٦.]] .
٣٣٦- وحدِّثت عن المِنْجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشْر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك في قوله"أليم"، قال: هو العذاب المُوجع. وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع [[الأثر ٣٣٦- ذكره السيوطي ١: ٣٠. وأشار إليه الشوكاني ١: ٣٠.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) ﴾
اختلفت القَرَأة في قراءة ذلك [[في المطبوعة: "اختلفت القراء"، والقَرَأَة: جمع قارئ، وانظر ما مضى، ٥١ تعليق، وص ٦٤ تعليق: ٤، وص ١٠٩ تعليق: ١.]] فقرأه بعضهم: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مُخَفَّفة الذَّال مفتوحة الياء، وهي قراءة عُظْم أهل الكوفة. وقرأه آخرون:"يُكَذِّبُونَ" بضم الياء وتشديد الذال، وهي قراءة عُظْم أهل المدينة والحجاز والبصرة [[في المطبوعة: "قراءة معظم أهل الكوفة"، و"قراءة معظم أهل المدينة. . . "، وعظم الناس: معظمهم وأكثرهم. وانظر التعليق السالف، ثم ص ١٠٩ تعليق: ١.]] .
وكأنّ الذين قرءوا ذلك، بتشديد الذال وضم الياء، رأوا أن الله جل ثناؤه إنما أوجب للمنافقين العذابَ الأليم بتكذيبهم نبيَّه ﷺ وبما جاء به، وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجب لأحدٍ اليَسير من العذاب، فكيف بالأليم منه؟ وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالوا. وذلك: أنّ الله عز وجل أنبأ عن المنافقين في أول النبأ عنهم في هذه السورة، بأنهم يَكذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارهم ذلك بألسنتهم، خِداعًا لله عز وجلّ ولرسوله وللمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بذلك من قيلهم، مع استسرارهم الشكَّ والريبة، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بصنيعهم ذلك ﴿إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ دون رسول الله ﷺ والمؤمنين؛ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بموضع خديعتهم أنفسَهم، واستدراج الله عز وجل إيّاهم بإملائه لهم، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ شك النفاق وريبَتُه [[في المطبوعة: "في قلوبهم شك، أي نفاق وريبة". والذي في المخطوطة أصح.]] والله زائدهم شكًّا وريبة بما كانوا يَكذِبون الله ورسوله والمؤمنين بقَوْلهم بألسنتهم آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وهم في قيلهم ذلك كَذَبة، لاستسرارهم الشَّكَّ والمرض في اعتقادات قلوبهم في أمر الله وأمر رسوله ﷺ. فأولى في حكمة الله جل جلاله، أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبَر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم، دون ما لم يَجْرِ له ذكر من أفعالهم. إذْ كان سائرُ آيات تنزيله بذلك نزل، وهو: أن يَفتتِح ذكر محاسن أفعالِ قومٍ، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكره من أفعالهم، ويفتتح ذِكْر مساوي أفعالِ آخرين، ثم يختم ذلك بالوعيدِ على ما ابتدأ به ذكرَه من أفعالهم.
فكذلك الصحيح من القول - في الآيات التي افتتح فيها ذِكر بعض مساوى أفعال المنافقين - أنْ يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذِكرَه من قبائح أفعالهم. فهذا هذا [[في المطبوعة: "فهذا مع دلالة الآية الأخرى. . "، ولم يأت في الجملة خبر قوله"فهذا"، والذي في المخطوطة هو الصواب.]] ، مع دلالة الآية الأخرى على صحة ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأنّ الصواب من التأويل ما تأوّلنا، من أنّ وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذابَ الأليمَ على الكذب الجامع معنى الشكّ والتكذيب، وذلك قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة المنافقون: ١، ٢] . والآية الأخرى في المجادلة: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة المجادلة: ١٦] . فأخبر جل ثناؤه أنّ المنافقين - بقيلهم ما قالوا لرسول الله ﷺ، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون - كاذبون. ثم أخبر تعالى ذكره أنّ العذاب المُهينَ لهم، على ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارِئون في سورة البقرة:"ولهم عذاب أليم بما كانوا يُكَذِّبون" لكانت القراءةُ في السورة الأخرى:"والله يشهدُ إن المنافقين" لمكذِّبون، ليكون الوعيدُ لهم الذي هو عَقِيب ذلك وعيدًا على التكذيب لا على الكذب. وفي إجماع المسلمين على أنّ الصواب من القراءة في قوله:"والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون" بمعنى الكذب - وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك من كذبهم - أوضحُ الدّلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة:"بما كانوا يَكْذِبون" بمعنى الكذِب، وأن الوعيدَ من الله تعالى ذِكره للمنافقين فيها على الكذب - حقٌّ - لا على التكذيب الذي لم يجر له ذِكر - نظيرَ الذي في سورة المنافقين سواءً.
وقد زعم بعضُ نحويِّي البصرة أن"ما" من قول الله تبارك اسمه"بما كانوا يكذبون"، اسم للمصدر، كما أنّ"أنْ" و"الفعل" اسمان للمصدر في قولك: أحب أن تَأتيني، وأن المعنى إنما هو بكَذبِهم وتَكْذِيبهم. قال: وأدخل"كان" ليخبر أنه كان فيما مضى، كما يقال: ما أحسن ما كان عبدُ الله، فأنت تعجَبُ من عبد الله لا من كونه، وإنما وَقع التعجُّب في اللفظ على كوْنه. وكان بعض نحويِّي الكوفة يُنكر ذلك من قوله ويستخطئه، ويقول: إنما ألغِيَت"كان" في التعجُّب، لأن الفعل قد تقدَّمها، فكأنه قال:"حَسَنًا كان زيد" و"حَسَن كان زَيْدٌ" يُبْطِلُ"كان"، ويُعْمِل مع الأسماء والصِّفات التي بألفاظِ الأسماء، إذا جاءت قبل"كان"، ووقعت"كان" بينها وبين الأسماء. وأما العِلَّة في إبطالها إذا أبطِلت في هذه الحال، فَلِشَبَهِ الصِّفات والأسماء بـ "فعل" و"يفعل" اللتين لا يظهرُ عمل "كان" فيهما. ألا ترى أنك تقول:"يقوم كان زيد"، ولا يظهر عمل"كان" في"يقوم"، وكذلك"قام كان زيد". فلذلك أبطل عملها مع"فاعل" تمثيلا بـ "فعل" و"يفعل"، وأعملت مع"فاعل" أحيانًا لأنه اسم، كما تعمل في الأسماء. فأما إذا تقدمت"كان" الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسم والفِعْلُ بعدها، فخطأ عنده أن تكون"كان" مبطلة. فلذلك أحال قول البصريّ الذي حكيناه، وتأوّل قول الله عز وجل"بما كانوا يكذبون" أنه بمعنى: الذي يكذبونه.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾
اختلف أهلُ التأويل في تأويل هذه الآية:
فروُي عن سَلْمان الفارسيّ أنه كان يقول: لم يجئ هؤلاء بعدُ.
٣٣٧- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عَثَّامُ بن علي، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت المِنْهال بن عَمرو يُحدِّث، عن عَبَّاد بن عبد الله، عن سَلْمان، قال: ما جاء هؤلاء بعدُ، الَّذين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [[الخبر ٣٣٧- عثام -بفتح العين المهملة وتشديد الثاء المثلثة- بن علي العامري: ثقة، وثقه أبو زرعة وابن سعد وغيرهما. ترجمه ابن سعد ٦: ٢٧٣، والبخاري في الكبير ٤/١/ ٩٣، وابن أبي حاتم ٣/٢/٤٤. المنهال بن عمرو الأسدي: ثقة، رجحنا توثيقه في المسند: ٧١٤، وقد جزم البخاري في الكبير ٤/٢/ ١٢ أن شعبة روى عنه، ورواية شعبة عنه ثابتة في المسند: ٣١٣٣. عباد بن عبد الله: هو الأسدي الكوفي، قال البخاري: "فيه نظر"، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه ابن المديني، وذكر ابن أبي حاتم ٣/١/٨٢ أنه"سمع عليًّا". وقد بينت في شرح المسند: ٨٨٣ أن حديثه حسن. وسلمان: هو سلمان الخير الفارسي الصحابي، رضي الله عنه. وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٩١، والسيوطي ١: ٣٠، ونسبه أيضًا لوكيع وابن أبي حاتم، وذكره الشوكاني ١: ٣١ ونسبه لابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم، ولم أجد نسبته لابن إسحاق عند غيره.]] .
٣٣٨- حدثني أحمد بن عثمان بن حَكيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شَرِيك، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الأعمش، عن زيد بن وَهب وغيره، عن سَلْمان، أنه قال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، قال: ما جاء هؤلاء بعدُ [[الخبر ٣٣٨- أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي: ثقة، وثقه النسائي والبزار وغيرهما، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين، وهو من الشيوخ القلائل الذين روى عنهم البخاري وهم أحياء، فإنه مات سنة ٢٦٠ أو ٢٦١، والبخاري مات سنة ٢٥٦. عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: "واهى الحديث".
وإسناده عندي حسن، وقد مضى قبله بإسناد آخر حسن. فكل منهما يقوي الآخر، وقد نقله ابن كثير ١: ٩١ عن الطبري بهذا الإسناد.]] .
وقال آخرون بما-:
٣٣٩- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حمّاد، قال: حدثنا أسْباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، هم المنافقون. أما"لا تفسدوا في الأرض"، فإن الفساد، هو الكفر والعملُ بالمعصية.
٣٤٠- وحدِّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وإذا قيل لهمْ لا تفسدوا في الأرض﴾ يقول: لا تعْصُوا في الأرض ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾ ، قال: فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة [[الأثر ٣٤٠- قوله: "قالوا إنما نحن مصلحون"، من المخطوطة، وليس في المطبوعة، وفي المطبوعة والمخطوطة: "فكان فسادهم على أنفسهم ذلك معصية الله. . . "، و"على أنفسهم" كأنها زيادة من الناسخ، وليست فيما نقله ابن كثير عن الطبري.]] .
وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال: إن قولَ الله تبارك اسمه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله ﷺ، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة.
وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية:"ما جاء هؤلاء بعدُ"، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله ﷺ، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ [[في المطبوعة: "عمن جاء منهم بعدهم"، وهو محيل للمعنى، والصواب من المخطوطة.]] ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ.
وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا، لإجماع الحجّة من أهل التأويل على أنّ ذلك صفةُ من كان بين ظَهرَانْي أصحاب رسول الله ﷺ - على عهد رسول الله ﷺ - من المنافقين، وأنّ هذه الآيات فيهم نَزَلَتْ. والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن، من قولٍ لا دلالةَ على صحته من أصل ولا نظير.
والإفساد في الأرض، العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه، وتضييعُ ما أمر الله بحفظه، فذلك جملة الإفساد، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قِيلِ ملائكته: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [سورة البقرة: ٣٠] ، يعنون بذلك: أتجعل في الأرض من يَعْصِيكَ ويُخالف أمرك؟ فكذلك صفة أهل النفاق: مُفسدون في الأرض بمعصِيَتهم فيها ربَّهم، وركوبهم فيها ما نَهاهم عن ركوبه، وتضييعِهم فرائضَه، وشكِّهم في دين الله الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملا إلا بالتَّصديق به والإيقان بحقيقته [[في المطبوعة: "بحقيقه"، والصواب من المخطوطة وابن كثير.]] ، وكذبِهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمُون من الشّك والرَيب، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتُبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها. فلم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبتَه، ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابه لأهل معصيته - بحُسبانهم أنهم فيما أتَوْا من معاصي الله مصلحون - بل أوجبَ لهم الدَّرْكَ الأسفل من ناره، والأليمَ من عذابه، والعارَ العاجلَ بسَبِّ الله إياهم وشَتْمِه لهم، فقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ . وذلك من حكم الله جل ثناؤه فيهم، أدلّ الدليل على تكذيبه تعالى قولَ القائلين: إن عقوباتِ الله لا يستحقها إلا المعاند ربَّه فيما لزمه من حُقُوقه وفروضه، بعد علمه وثُبوت الحجّة عليه بمعرفته بلزوم ذلك إيّاه.
* *
القول في تأويل قوله ثناؤه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) ﴾
وتأويل ذلك كالذي قالهُ ابن عباس، الذي-:
٣٤١- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، أي قالوا: إنما نريد الإصلاحَ بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.
وخالفه في ذلك غيره.
٣٤٢- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجّاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ ، قال: إذا رَكِبُوا معصيةَ الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون [[الخبران ٣٤١، ٣٤٢- ساقهما ابن كثير ١: ٩١، والسيوطي ١: ٣٠ والشوكاني ١: ٣٠]] .
قال أبو جعفر: وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دعواهم أنهم مُصْلحون، فهم لا شك أنهم كانوا يحسبون أنهم فيما أتوا من ذلك مصلحون. فسواءٌ بين اليهود والمسلمين كانت دعواهم الإصلاحَ، أو في أديانهم، وفيما ركبوا من معصية الله، وكذِبهم المؤمنينَ فيما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهرُوا مُستبْطِنون؛ لأنهم كانوا في جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم محسنين، وهم عند الله مُسيئون، ولأمر الله مخالفون. لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين، وألزمهم التصديق برسول الله ﷺ وبما جاء به من عند الله، كالذي ألزم من ذلك المؤمنين. فكان لقاؤهم اليهودَ - على وجه الولاية منهم لهم، وشكُّهم في نبوَّة رسول الله ﷺ وفيما جاء به أنه من عند الله - أعظمَ الفساد، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحًا وهُدًى: في أديانهم أو فيما بين المؤمنين واليهود، فقال جل ثناؤه فيهم: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾ دون الذين ينهونهم من المؤمنين عن الإفساد في الأرض، ﴿ولكن لا يشعرون﴾
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) ﴾
وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيبٌ للمنافقين في دعواهم. إذا أمِروا بطاعة الله فيما أمرَهم الله به، ونُهوا عن معصية الله فيما نهاهم الله عنه، قالوا: إنما نحن مصلحون لا مفسدون، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى - فيما أنكرتموه علينا - دونكم لا ضالُّون. فكذَّبهم الله عز وجل في ذلك من قيلِهم فقال: ألا إنهم هم المفسدون المخالفون أمرَ الله عز وجل، المتعدُّون حُدُودَه، الراكبون معصيتَه، التاركُون فروضَه، وهم لا يشعرون ولا يَدرُون أنهم كذلك - لا الذين يأمرونهم بالقسط من المؤمنين، وينهَوْنَهُم عن معاصي الله في أرضه من المسلمين.
القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾
قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وَصَفهم الله ونعتَهم بأنهم يقولون: ﴿آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ : صَدِّقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله، كما صدق به الناس. ويعني بِ "الناس": المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله. كما-:
٣٤٣- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ ، يقول: وإذا قيل لهم صدِّقوا كما صدَّق أصحاب محمد، قولوا: إنَّه نبيٌّ ورسول، وإنّ ما أنزل عليه حقّ، وصدِّقوا بالآخرة، وأنَّكم مبعوثون من بعد الموت [[الخبر ٣٤٣- نقله السيوطي ١: ٣٠، والشوكاني ١: ٣١، ويأتي تمامه في تفسير بقية الآية، برقمي: ٣٤٧، ٣٤٨.]] .
وإنما أدخِلت الألف واللام في"الناس"، وهم بعضُ الناس لا جميعُهم، لأنهم كانوا معروفين عند الذين خُوطبوا بهذه الآية بأعيانهم، وإنما معناه: آمِنُوا كما آمَن الناس الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله وبمحمد ﷺ وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر. فلذلك أدخِلت الألف واللام فيه، كما أدخِلَتا في قوله: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) [سورة آل عمران: ١٧٣] ، لأنه أشِير بدخولها إلى ناس معروفين عند مَن خُوطب بذلك.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾
قال أبو جعفر: والسفهاء جمع سَفِيه، كما العلماء جمع عليم [[في المطبوعة: "كالعلماء. . . ".]] ، والحكماء جمعُ حكيم. والسفيه: الجاهل، الضعيفُ الرأي، القليلُ المعرفة بمواضع المنافع والمضارّ. ولذلك سمى الله عز وجل النِّساء والصبيانَ سفهاء، فقال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [سورة النساء: ٥] ، فقال عامة أهل التأويل: هم النساء والصبيان، لضعف آرائهم، وقلة معرفتهم بمواضع المصالح والمضارِّ التي تصرف إليها الأموال.
وإنما عَنَى المنافقون بقيلهم: أنؤمن كما آمَن السُّفهاء - إذْ دُعوا إلى التصديق بمحمد ﷺ، وبما جاء به من عند الله، والإقرار بالبعث فقيل لهم: آمنوا كما آمن [الناس] [[في المطبوعة والمخطوطة: "فقال لهم آمنوا كما آمن أصحاب محمد. . . "، وهو كلام مضطرب والصواب ما أثبتناه. وقوله: "أصحاب محمد" مفعول قوله: "وإنما عنى المنافقون بقيلهم. . ".]] - أصحابَ محمدٍ وأتباعَه من المؤمنين المصدِّقين به، من أهل الإيمان واليقين، والتصديقِ بالله، وبما افترض عليهم على لسان رسوله محمد ﷺ وفي كتابه، وباليوم الآخر. فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمَن أهل الجهل، ونصدِّق بمحمد ﷺ كما صدّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا أفهام؟ كالذي-:
٣٤٤- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدِّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ ، يعنون أصحابَ النبي ﷺ.
٣٤٥- حدثني المثنّى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يعنون أصحاب محمد ﷺ.
٣٤٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله:"قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء"، قال: هذا قول المنافقين، يريدون أصحابَ النبي ﷺ.
٣٤٧- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يقولون: أنقول كما تقولُ السفهاء؟ يعنون أصحابَ محمد ﷺ، لخِلافهم لدينهم [[الأخبار ٣٤٤ - ٣٤٧: أشار إليها ابن كثير ١: ٩٢ والسيوطي ١: ٣٠ والشوكاني ١: ٣١ والأخير منها من تتمة الخبر: ٣٤٣.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى عن المنافقين الذين تقدم نعتُه لهم، ووصفُه إياهم بما وصفهم به من الشك والتكذيب - أنَّهم هُم الجُهَّال في أديانهم، الضعفاء الآراء في اعتقاداتهم واختياراتهم التي اختاروها لأنفسهم، من الشكّ والريْب في أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوته، وفيما جاء به من عند الله، وأمر البعث، لإساءَتهم إلى أنفسهم بما أتَوْا من ذلك وهم يحسبون أنَّهم إليها يُحْسِنون. وذلك هو عَيْنُ السَّفه، لأن السفيه إنما يُفسد من حيث يرى أنه يُصلحُ، ويُضيع من حيث يَرى أنه يحفظ، فكذلك المنافق: يَعصي رَبَّه من حيث يرى أنه يطيعُه، ويكفرُ به من حيث يرى أنه يُؤمن به، ويسيء إلى نفسه من حيث يحسب أنه يُحسن إليها، كما وصفهم به ربنا جلّ ذكره، فقال: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ ، وقال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ - دون المؤمنين المصدّقين بالله وبكتابه، وبرسوله وثوابه وعقابه - ﴿ولكن لا يعلمون﴾ . وكذلك كان ابن عباس يتأول هذه الآية.
٣٤٨- حدثنا أبو كُريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس يقول الله جل ثناؤه: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ ، يقول: الجهال، ﴿ولكن لا يعلمون﴾ ، يقول: ولكن لا يعقلون [[الخبر ٣٤٨- هو تتمة الخبرين: ٣٤٣، ٣٤٧.]] .
وأما وَجْهُ دخول الألف واللام في"السُّفهاء"، فشبيه بوجه دخولهما في"الناس" في قوله: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾ ، وقد بيَّنا العلة في دخولهما هنالك، والعلةُ في دخولهما في"السفهاء" نظيرتها في دخولهما في"الناس" هنالك، سواء.
والدلالةُ التي تدل عليه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبةَ من الله لا يستحقّها إلا المعاند ربَّه، بعد علمه بصحة ما عانده فيه - نظيرُ دلالة الآيات الأخَر التي قد تقدم ذكرنا تأويلَها في قوله"ولكن لا يشعرون"، ونظائر ذلك [[في المطبوعة: "مع علمه بصحة ما عاند فيه"، وفيها أيضًا: ". . . ونظير ذلك".]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: وهذه الآية نظيرة الآية الأخرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه فيها عن المنافقين بخداعهم الله ورسولَه والمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . ثم أكْذَبهم تعالى ذكره بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، وأنهم بقيلهم ذلك يخُادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم في هذه الآية أنهم يقولون -للمؤمنين المصدِّقين بالله وكتابه ورسوله- بألسنتهم: آمنا وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به من عند الله، خِداعًا عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم، ودرءًا لهم عنها، وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم وأهل العُتُوّ والشر والخُبث منهم ومن سائر أهل الشرك [[في المخطوطة: "وأنهم إذا خلوا إلى أهل مودتهم"، والذي في المطبوعة أصح في سياق تفسيره.]] الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكُفر بالله وبكتابه ورسوله - وهم شياطينهم، وقد دللنا فيما مضى من كتابنا على أن شياطينَ كل شيء مَرَدَتُه - قالوا لهم:"إنا معكم"، أي إنا معكم على دينكم، وظُهراؤكم على من خالفكُم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد ﷺ،"إنما نحن مستهزِئون" بالله وبكتابه ورسوله وأصحابه، كالذي-:
٣٤٩- حدثنا محمد بن العلاء [["محمد بن العلاء"، هو"أبو كريب"، الذي أكثر الرواية عنه فيما مضى وفيما يستقبل.]] قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بِشْر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ ، قال: كان رجال من اليهود إذا لقوا أصحاب النبي ﷺ أو بعضهم، قالوا: إنا على دينكم. وإذا خلوا إلى أصحابهم، وهم شياطينهم، قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون.
٣٥٠- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إذا خلوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﴿قالوا إنا معكم﴾ ، أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ .
٣٥١- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، أما شياطينهم، فهم رءوسهم في الكُفر.
٣٥٢- حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي [[بشر بن معاذ العقدي: ثقة معروف، روى عنه الترمذي: والنسائي وابن ماجه وغيرهم. و"العقدي": بالعين المهملة والقاف المفتوحين، نسبة إلى"العقد": بطن من بجيلة.]] قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ أي رؤسائهم في الشرّ ﴿قالوا إنما نحنُ مستهزئون﴾ .
٣٥٣- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، قال: المشركون.
٣٥٤- حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابهم من الكفّار.
٣٥٥- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، عن شِبْل بن عبّاد، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، قال: أصحابِهم من المنافقين والمشركين.
٣٥٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ، قال: إخوانهم من المشركين، ﴿قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ .
٣٥٧- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ ، قال: إذا أصاب المؤمنين رخاءٌ قالوا: إنا نحن معكم، إنما نحن إخوانكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم استهزءوا بالمؤمنين.
٣٥٨- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وقال مجاهد: شياطينُهم: أصحابُهم من المنافقين والمشركين [[هذه الآثار السالفة: ٣٤٩ - ٣٥٨: ذكر أكثرها ابن كثير في تفسيره ١: ٩٣، والسيوطي ١: ٣١، والشوكاني ١: ٣٣.]] .
فإن قال لنا قائل: أرأيتَ قولَه ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ؟ فكيف قيل: ﴿خلوا إلى شياطينهم﴾ ، ولم يقل خَلَوْا بشياطينهم؟ فقد علمتَ أنّ الجاريَ بين الناس في كلامهم:"خلوتُ بفلان" أكثر وأفشَى من:"خلوتُ إلى فلان"؛ ومن قولك: إن القرآن أفصح البيان!
قيل: قد اختلف في ذلك أهل العلم بلغة العرب. فكان بعض نحويِّي البصرة يقول: يقال"خلوتُ إلى فلان" إذا أريدَ به: خلوتُ إليه في حاجة خاصة. لا يحتَمِل -إذا قيل كذلك- إلا الخلاءَ إليه في قضاء الحاجة. فأما إذا قيل:"خلوت به" احتمل معنيين: أحدهما الخلاء به في الحاجة، والآخَر في السخرية به. فعلى هذا القول، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ ، لا شكّ أفصحُ منه لو قيل"وإذا خلوا بشياطينهم"، لما في قول القائل:"إذا خلوا بشياطينهم" من التباس المعنى على سامعيه، الذي هو مُنتفٍ عن قوله:"وإذا خلوا إلى شياطينهم". فهذا أحد الأقوال.
والقول الآخر: فأن تُوَجِّه معنى [[في المطبوعة: "والقول الآخر: أن توجيه معنى قوله".]] قوله ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾ ،"وإذا خلوا مع شياطينهم"، إذ كانت حروف الصِّفات يُعاقِبُ بعضُها بعضًا [[حروف الصفات: هي حرف الجر، وسميت حروف الجر، لأنها تجر ما بعدها، وسميت حروف الصفات، لأنها تحدث في الاسم صفة حادثة، كقولك: "جلست في الدار"، دلت على أن الدار وعاء للجلوس. وقيل: سميت بذلك، لأنها تقع صفات لما قبلها من النكرات. ويسميها الكوفيون أيضًا: حروف الإضافة، لأنها تضيف الاسم إلى الفعل، أي توصله إليه وتربطه به. (همع الهوامع ٢: ١٩) وتسمى أيضًا حروف المعاني، كما سيأتي بعد قليل. والمعاقبة: أن يستعمل أحدهما مكان الآخر بمثل معناه.]] ، كما قال الله مخبرًا عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الصف: ١٤] ، يريد: مع الله. وكما توضع"على" في موضع"من"، و" في" و"عن" و"الباء"، كما قال الشاعر:
إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا [[الشعر للعقيف العقيلي، يمدح حكيم بن المسيب القشيري. نوادر أبي زيد: ١٧٦، خزانة الأدب ٤: ٢٤٧، وغيرهما كثير.]]
بمعنى عَنِّي.
وأما بعض نحويي أهل الكوفة، فإنه كان يتأوَّل أن ذلك بمعنى: وإذا لَقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا صَرفوا خَلاءهم إلى شياطينهم - فيزعم أن الجالب لِـ "إلى"، المعنى الذي دلّ عليه الكلامُ: من انصرافِ المنافقين عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم، لا قوله"خَلَوْا". وعلى هذا التأويل لا يصلح في موضع"إلى" غيرُها، لتغير الكلام بدخول غيرها من الحروف مكانها.
وهذا القول عندي أولى بالصواب، لأن لكل حرف من حُرُوف المعاني وجهًا هو به أولى من غيره [[حروف المعاني، هي حروف الصفات، وحروف الجر، كما مضى آنفًا، تعليق: ١]] فلا يصلح تحويل ذلك عنه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها. ولِـ "إلى" في كل موضع دخلت من الكلام حُكْم، وغيرُ جائز سلبُها معانِيَها في أماكنها.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) ﴾
أجمع أهل التأويل جميعًا -لا خلاف بينهم- على أن معنى قوله: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ : إنما نحن ساخرون. فمعنى الكلام إذًا: وإذا انصرف المنافقون خالين إلى مَرَدتهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم عن ما أنتم عليه من التكذيب بمحمد ﷺ وبما جاء به، ومعاداتِه ومعاداة أتباعه، إنما نحن ساخرون بأصحاب محمد ﷺ، بقيلنا لهم إذا لقيناهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر [[في المطبوعة: "في قيلنا لهم إذا لقيناهم".]] كما-:
٣٥٩- حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ، ساخرون بأصحاب محمد ﷺ.
٣٦٠- حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ ، أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعبُ بهم.
٣٦١- حدثنا بشر بن مُعاذ العَقَدي، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ ، إنما نستهزئ بهؤلاء القوم ونَسخَر بهم.
٣٦٢- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ ، أي نستهزئ بأصحاب محمد ﷺ [[هذه الآثار تتمة الآثار السالفة في تفسير أول الآية]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: اختُلف في صفة استهزاءِ الله جلّ جلاله، الذي ذَكر أنه فاعله بالمنافقين، الذين وَصَف صفتهم. فقال بعضهم: استهزاؤه بهم، كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعلٌ بهم يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [سورة الحديد: ١٣، ١٤] . الآية. وكالذي أخبرنا أنَّه فَعَل بالكفار بقوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [سورة آل عمران: ١٧٨] . فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جلّ وعزّ وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهل الشرك به - عند قائلي هذا القول، ومتأوّلي هذا التأويل.
وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم، توبيخُه إياهم ولومه لهم على ما ركِبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال:"إن فلانًا ليُهْزَأ منه منذ اليوم، ويُسخر منه"، يُراد به توبيخُ الناس إياه ولومهم له، أو إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم [[الضمير لله سبحانه وتعالى، وهو معطوف على قوله"توبيخه إياهم. . ".]] ، كما قال عَبِيد بن الأبرص:
سَائِلْ بِنَا حُجْرَ ابْنَ أُمِّ قَطَامِ، إذْ ... ظَلَّتْ بِهِ السُّمْرُ النَّوَاهِلُ تَلْعَبُ [[ديوانه: ١٦، وأمالي المرتضى ١: ٤١، وحجر، أبو امرئ القيس، وكانت قتلته بنو أسد رهط عبيد بن الأبرص. وأم قطام، هي أم حجر ملك كندة. والنواهل جمع ناهل وناهلة: والناهل: العطشان، توصف به الرماح، كأنها تعطش إلى الدم، فإذا شرعت في الدم رويت.]]
فزعموا أن السُّمر -وهي القَنَا- لا لعب منها، ولكنها لما قتلتْهم وشرَّدتهم، جَعل ذلك مِنْ فعلها لعبًا بمن فعلت ذلك به. قالوا: فكذلك اسْتهزاءُ الله جل ثناؤه بمن اسْتهزأ به من أهل النفاق والكفر به: إمّا إهلاكه إياهم وتدميرُه بهم، وإمّا إملاؤهُ لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتةً، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسُّخرية.
وقال آخرون قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [[في المخطوطة والمطبوعة: "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم"، وهي آية سورة البقرة: ٩، ولم يرد الطبري إلا آية سورة النساء، كما يدل عليه سياق كلامه، وكما ستأتي الآية بعد أسطر.]] [سورة النساء: ١٤٢] على الجواب، كقول الرجل لمن كان يَخْدَعه إذا ظفر به:"أنا الذي خدعتُك"، ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٥٤] ، و"الله يستهزئ بهم"، على الجواب. والله لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْء، والمعنى أن المكرَ والهُزْءَ حاق بهم.
وقال آخرون: قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ ، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٢] ، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٧٩] ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] ، وما أشبه ذلك، إخبارٌ من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبةَ الخداع. فأخرج خبرَه عن جزائه إياهم وعقابه لهم، مُخْرَج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقُّوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى: ٤٠] ، ومعلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة، إذْ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عَدلٌ، لأنها من الله جزاءٌ للعاصي على المعصية، فهما -وإن اتفق لفظاهما- مختلفا المعنى. وكذلك قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٤] ، فالعدوان الأول ظلم، والثاني جزاءٌ لا ظلم، بل هو عدل، لأنه عقوبة للظالم على ظلمه، وإن وافق لفظه لفظ الأول.
وإلى هذا المعنى وَجَّهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك، مما هو خبرٌ عن مكر الله جل وعزّ بقومٍ، وما أشبه ذلك.
وقال آخرون: إنّ معنى ذلك: أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدَتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وإنما نحن بما نُظهر لهم - من قولنا لهم: صدقنا بمحمد عليه السلام وما جاء به - مستهزئون. يعنون: إنا نُظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حَقٌّ ولا هدًى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه"يستهزئ بهم"، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة، كما أظهروا للنبي ﷺ والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.
والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهارُ المستهزِئ للمستهزَإ به من القول والفعل ما يُرضيه [[في المطبوعة: "ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا".]] ظاهرًا، وهو بذلك من قِيله وفِعْله به مُورِثه مَساءة باطنًا [[في المخطوطة: "مورطه مساءة باطنًا".]] . وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر.
فإذا كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام - بما أظهروا بألسنتهم، من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، المُدْخِلِهم في عداد من يشمله اسمُ الإسلام [[في المطبوعة: "المدخل لهم في عداد. . "، وقوله: "المدخلهم" نعت لقوله: "من الإقرار".]] ، وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين - [[في المطبوعة: "من أحكام المسلمين. . . "، وهي زيادة خطأ، وقوله"أحكام" منصوب بقوله"قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام". . . "أحكام"، وما بينهما فصل.]] أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك، بضمائر قلوبِهم، وصحائح عزائمهم، وحميدِ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم - معَ علم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعِه على خُبث اعتقادهم، وشكِّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم به مصدِّقون [[في المطبوعة: "أنهم مصدقون".]] ، حتى ظنُّوا في الآخرة إذْ حشروا في عِداد من كانوا في عِدادهم في الدنيا، أنَّهم وارِدُون موْرِدَهم. وداخلون مدخلهم. والله جل جلاله - مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقَتِهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه، وتفريقِه بينهم وبينهم - [[سياق العبارة: "والله جل جلاله. . معد لهم. . ".]] معدٌّ لهم من أليم عقابه ونَكال عذابه، ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدَّرك الأسفل = [[قوله: "كان معلومًا أنه جواب قوله "فإذا كان ذلك كذلك. . . "، في أول هذه الفقرة.]] كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعلِه بهم - وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم، وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له -كان بهم- بما أظهرَ لهم من الأمور التي أظهرها لهم: من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائِه وهم له أعداء، وحشرِه إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين -إلى أن ميَّز بينهم وبينهم- مستهزئًا، وبهم ساخرًا، ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا [[أكثر الطبري الفصل بين الكلام في هذه الفقرة، وسياق العبارة هو كما يلي: ". . . كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم. . . كان بهم. . مستهزئًا، وبهم ساخرًا. . . "، وما بين الكلام في هذين الموضعين فصل للبيان.]] . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله، إذا وُجدت الصفات التي قدَّمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.
وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس:
٣٦٣- حدثنا أبو كُريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ"، قال: يسخر بهم للنقمة منهم [[الخبر ٣٦٣- ساقه ابن كثير في تفسيره ١: ٩٤، والسيوطي ١: ٣١، والشوكاني ١: ٣٣.]] .
وأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره: الله يَسْتَهْزِئ بِهِمْ"، إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكرٌ ولا خديعة، فنافُون على الله عز وجل ما قد أثبته الله عز وجل لنفسه، وأوجبه لها. وسواءٌ قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخريةٌ بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خَسَف به من الأمم، ولم يُغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.
ويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكرَ بقوم مضَوْا قبلنا لم نَرَهُم، وأخبر عن آخرين أنه خَسَف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدَّقْنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نُفَرِّق بين شيء منه. فما بُرهانُك على تفريقك ما فَرَّقت بينه، بزعمك: أنه قد أغرقَ وخَسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكُرْ بمن أخبر أنه قد مكر به؟
ثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزِم في الآخَر مثله.
فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن الله عز وجل منفيٌّ.
قيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفتَ من معنى الاستهزاء، أفلست تقول:"الله يستهزئ بهم"، و"سَخِر الله منهم" و"مكر الله بهم"، وإن لم يكنْ من الله عندك هزء ولا سخرية؟
فإن قال:"لا"، كذَّب بالقرآن، وخرج عن ملة الإسلام.
وإن قال:"بلى"، قيل له: أفنقول من الوجه الذي قلت:"الله يستهزئ بهم" و"سخر الله منهم" -"يلعب الله بهم" و"يعبث" - ولا لعبَ من الله ولا عبث؟
فإن قال:"نعم"! وَصَف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه.
وإن قال: لا أقول:"يلعب الله بهم" ولا"يعبث"، وقد أقول"يستهزئ بهم" و"يسخر منهم".
قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث، والهزء والسخرية، والمكر والخديعة. ومن الوجه الذي جازَ قِيلُ هذا، ولم يَجُزْ قِيلُ هذا، افترق معنياهُما. فعُلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
وللكلام في هذا النوع موضع غير هذا، كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه. وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفق لفهمه.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ويمدهم﴾ ، فقال بعضهم بما-:
٣٦٤- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"يَمُدُّهُمْ"، يملي لهم.
وقال آخرون بما-:
٣٦٥- حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج قراءةً عن مجاهد:"يمدّهم"، قال: يزيدُهم [[الخبران ٣٦٤، ٣٦٥- ساقهما ابن كثير ١: ٣١، والسيوطي ١: ٣١، والشوكاني ١: ٣٣.]] .
وكان بعضُ نحوييّ البصرة يتأوَّل ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لَهُم، ويزعم أن ذلك نظيرُ قول العرب: الغلامُ يلعَب الكِعَابَ، يراد به يَلعب بالكعاب. قال: وذلك أنهم قد يقولون:"قد مَددت له وأمددتُ له" في غير هذا المعنى، وهو قول الله تعالى ذكره: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [سورة الطور: ٢٢] ، وهذا من:"مددناهم" [[في المطبوعة والمخطوطة: "وهذا من أمددناهم"، ولعل الصواب ما أثبتناه. وعنى أن قوله تعالى (ويمدهم في طغيانهم) من"مددت له" التي هي مثل"أمددت له"، بعد طرح حرف الجر، كما مثل في قول العرب"الغلام يلعب الكعاب" أي"يلعب بالكعاب".]] . قال: ويقال: قد"مَدَّ البحر فهو مادٌّ" و"أَمَدَّ الجرح فهو مُمِدّ". وحكي عن يونس الجَرْمِيّ أنه كان يقول: ما كان من الشر فهو"مدَدْت"، وما كان من الخير فهو"أمْدَدت". ثم قال: وهو كما فسرت لك، إذا أردت أنك تركته فهو"مَدَدت له"، وإذا أردت أنك أعطيته قلت:"أمْددت".
وأما بعضُ نحويي الكوفة فإنه كان يقول: كل زيادة حدثت في الشيء من نفسه فهو"مَدَدت" بغير ألف، كما تقول:"مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر غيره"، إذا اتصل به فصار منه، وكلّ زيادة أحدِثتْ في الشيء من غيره فهو بألف، كقولك:"أمدَّ الجرحُ"، لأن المدّة من غير الجرح، وأمدَدتُ الجيش بمَدَدٍ.
وأولى هذه الأقوال بالصواب في قوله: "وَيَمُدُّهُمْ": أن يكون بمعنى يزيدهم، على وجه الإملاء والترك لهم في عُتوِّهم وتمردهم، كما وصف ربُّنا أنه فعل بنظرائهم في قوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الأنعام: ١١٠] ، يعني نذرُهم ونتركهم فيه، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم.
ولا وجه لقول من قال: ذلك بمعنى"يَمُدُّ لهم"، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها [[في المخطوطة: "لأنه لا تتدافع العرب"، وهما سواء في المعنى.]] أن يستجيزوا قول القائل:"مدَّ النهرَ نهرٌ آخر"، بمعنى: اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل - من غير تأوُّل منهم. ذلك أن معناه: مدّ النهرَ نهرٌ آخر. فكذلك ذلك في قول الله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: و"الطُّغيان""الفُعْلان"، من قولك:"طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا". إذا تجاوز في الأمر حده فبغى. ومنه قوله الله: ﴿كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٦، ٧] ، أي يتجاوز حدّه. ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت:
وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا ... بَعْدَ طُغْيَانِه، فَظَلَّ مُشِيرَا [[ديوانه: ٣٤ مع اختلاف في الرواية. والضمير في قوله"ودعا الله" إلى فرعون حين أدركه الغرق. والهاء في قوله"طغيانه" إلى فرعون، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه. وقوله"لات هنا"، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها: "ليس هذا حين ذلك"، والتاء في قولهم"لات" صلة وصلت بها"لا"، أصلها"لا هنا" أي ليس هنا ما أردت، أي مضى حين ذلك. و"هنا" مفتوحة الهاء مشددة النون، مثل"هنا" مضمومة الهاء مخففة النون. وقوله: "مشيرًا"، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق.]]
وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ ، أنه يُملي لهم، ويَذَرُهم يَبغون في ضلالهم وكفرهم حيارى يترددون. كما-:
٣٦٦- حُدِّثت عن المِنْجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، قال: في كفرهم يترددون.
٣٦٧- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"في طُغيانهم"، في كفرهم.
٣٦٨- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، أي في ضلالتهم يعمهون.
٣٦٩- حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"في طغيانهم"، في ضلالتهم.
٣٧٠- وحدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله"في طغيانهم"، قال: طغيانهم، كفرهم وضلالتهم [[الأخبار ٣٦٦ - ٣٧٠: ساقها ابن كثير ١: ٩٥، والسيوطي ١: ٣١، والشوكاني ١: ٣٣.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَعْمَهُونَ (١٥) ﴾
قال أبو جعفر: والعَمَهُ نفسُه: الضَّلال. يقال منه: عَمِه فلان يَعْمه عَمَهانًا وعُمُوهًا، إذا ضل [[في ابن كثير ١: ٩٥"عمها وعموها"، والذي في الطبري صحيح: "عمها وعموها وعموهة وعمهانًا".]] . ومنه قول رؤبة بن العجاج يصف مَضَلَّة من المهامه:
وَمَخْفَقِ مِن لُهْلُهٍ وَلُهْلُهِ ... مِنْ مَهْمَهٍ يَجْتَبْنَهُ فِي مَهْمَهِ ...
أَعْمَى الهُدَى بِالجاهلين العُمَّهِ [[ديوانه: ١٦٦. والمخفق: الأرض الواسعة المستوية التي يخفق فيها السراب، أي يضطرب. ولهله: أرض واسعة يضطرب فيها السراب، والجمع لهاله. والمهمه: الفلاة المقفرة ليس بها ماء ولا أنيس. وجاب المفازة واجتابها: قطعها سيرًا. وقوله"في مهمه": أي يقطعنه ويدخلن في مهمه آخر موغلين في الصحراء.]]
و"العُمَّه" جمع عامِهٍ، وهم الذين يضلّون فيه فيتحيرون. فمعنى قوله إذًا: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ : في ضلالهم وكفرهم الذي قد غمرهم دنسُه، وعلاهم رِجْسُه، يترددون حيارى ضُلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها، فأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها، فلا يبصرون رُشْدا ولا يهتدون سبيلا.
وبنحو ما قلنا في"العَمَه" جاء تأويل المتأولين.
٣٧١- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"يَعْمَهُون"، يتمادَوْن في كفرهم.
٣٧٢- وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يَعْمَهُونَ"، قال: يتمادَوْن.
٣٧٣- حدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"يَعْمَهُونَ"، قال: يتردَّدون.
٣٧٤- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس:"يَعْمَهُونَ": المتلدِّد [[تلدد للرجل فهو متلدد: إذا لبث في مكانه حائرًا متبلدًا يتلفت يمينًا وشمالا.]] .
٣٧٥- حدثنا محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، قال: يترددون.
٣٧٦- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٣٧٧- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله.
٣٧٨- حدثني المثنى، قال: حدثنا سُوَيْد بن نصر، عن ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة، عن مجاهد، مثله.
٣٧٩- حُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع،"يَعْمَهُونَ"، قال: يترددون [[الأخبار: ٣٧٢ - ٣٧٩: ساقها السيوطي ١: ٣١، والشوكاني ١: ٣٣، وخرجا أثر مجاهد في تفسير الآية: "أي يلعبون ويترددون في الضلالة".]] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾
قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقَهم إيمانٌ فيقال فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم حتى استبدلوها منه؟ وقد علمتَ أن معنى الشراء المفهوم: اعتياضُ شيء ببذل شيء مكانه عِوَضًا منه، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، لم يكونوا قط على هُدًى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فنذكر ما قالوا فيه، ثم نبين الصحيحَ من التأويل في ذلك إن شاء الله:
٣٨٠- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ، أي الكفرَ بالإيمان.
٣٨١- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ، يقول: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
٣٨٢- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ، استحبوا الضلالة على الهدى.
٣٨٣- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ، آمنوا ثم كفروا.
٣٨٤- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذَيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد مثله [[الأخبار: ٣٨٠ - ٣٨٤: ساقها ابن كثير في تفسيره ١: ٩٥، ٩٦، والسيوطي ١: ٣١، ٣٢، والشوكاني ١: ٣٣، ٣٤.]] .
قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا في تأويل ذلك:"أخذوا الضلالة وتركوا الهدى" - وجَّهوا معنى الشراء إلى أنه أخذ المشترَى مكانَ الثمن المشترَى به، فقالوا: كذلك المنافق والكافر، قد أخذَا مكان الإيمان الكفرَ، فكان ذلك منهما شراءً للكفر والضلالة اللذَيْن أخذاهما بتركهما ما تركا من الهدى، وكان الهدى الذي تركاه هو الثمن الذي جعلاه عوضًا من الضلالة التي أخذاها.
وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قوله"اشْتَرَوْا":"استحبُّوا"، فإنهم لما وَجدوا الله جل ثناؤه قد وصف الكفّار في موضع آخر، فنسبهم إلى استحبابهم الكفرَ على الهدى، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [سورة فصلت: ١٧] ، صرفوا قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ إلى ذلك. وقالوا: قد تدخل"الباء" مكان"على"، و"على" مكان"الباء"، كما يقال: مررت بفلان، ومررت على فلان، بمعنى واحد، وكقول الله جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [سورة آل عمران: ٧٥] ، أي على قنطار. فكان تأويل الآية على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختارُوا الضلالةَ على الهدى. وأراهم وجَّهوا معنى قول الله جل ثناؤه"اشْتَرَوا" إلى معنى اختاروا، لأن العرب تقول: اشتريت كذا على كذا، واسْتَرَيتُه - يَعْنُون اخترتُه عليه.
ومن الاستراء قول أعشى بني ثعلبة [[في المطبوعة"الاشتراء" بالشين المعجمة، وهو خطأ، صوابه بالسين المهملة.]]
فَقَدْ أُخْرِجُ الكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ... ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعَ الْقِمَارَ [[ديوانه: ٣٥، وطبقات فحول الشعراء: ٣٦، واللسان (سرا) . وفي المطبوعة: "المشتراة" في الموضعين، والصواب ما أثبتناه. والكاعب: التي كعب ثديها، أي نهد، يعني أنها غريرة منعمة محجوبة. وخدر الجارية: سترها الذي يمد لها لتلزمه بعد البلوغ، وأشاع المال بين القوم: فرقه فيهم. وأراد بالقمار: لعب الميسر، وعنى نصيب الفائز في الميسر من لحم الجزور، يفرقه في الناس من كرمه.]]
يعني بالمستراة: المختارة.
وقال ذو الرُّمة، في الاشتراء بمعنى الاختيار:
يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا ... جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ [[ديوانه: ٦٢. والضمير في قوله"يذب" لفحل الإبل. ويذب: يدفع ويطرد. والقصايا، جمع قصية: وهي من الإبل رذالتها، ضعفت فتخلفت. وجماهير، جمع جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها، تراكم رملها وتعقد. والمدجنات، من قولهم"سحابة داجنة ومدجنة"، وهي: المطبقة الكثيفة المطر. والهواضب: التي دام مطرها وعظم قطرها. شبه الإبل في جلالة خلقها وضخامتها بجماهير الرمل المتلبدة في رأي العين من بعيد]] .
يعني بالشَّراة: المختارة.
وقال آخر في مثل ذلك:
إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الأَمْوَالِ ... وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ [[البيت الثاني في اللسان (حزر) . وروقة الناس: خيارهم وأبهاهم منظرًا. ويقال: هذا الشيء حزرة نفسي وقلبي: أي خير ما عندي، وما يتعلق به القلب لنفاسته.]]
قال أبو جعفر: وهذا، وإن كان وجهًا من التأويل، فلستُ له بمختار. لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ، فدل بذلك على أن معنى قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) ، معنى الشراء الذي يتعارفه الناس، من استبدال شيء مكان شيء، وأخذِ عِوَض على عوض.
وأما الذين قالوا: إنّ القوم كانوا مؤمنين وكفروا، فإنه لا مؤونة عليهم، لو كان الأمر على ما وصفوا به القوم. لأن الأمر إذا كان كذلك، فقد تركوا الإيمان، واستبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى. وذلك هو المعنى المفهوم من معاني الشراء والبيع، ولكن دلائل أوّل الآيات في نعوتهم إلى آخرها، دالّةٌ على أن القوم لم يكونوا قط استضاءوا بنور الإيمان، ولا دخلوا في ملّة الإسلام، أوَما تسمعُ الله جل ثناؤه من لَدُنِ ابتدأ في نعتهم، إلى أن أتى على صفتهم، إنما وصفهم بإظهار الكذب بألسنتهم: بدعواهم التصديق بنبيِّنا محمد ﷺ وبما جاء به، خداعًا لله ولرسوله وللمؤمنين عند أنفسهم، واستهزاءً في نفوسهم بالمؤمنين، وهم لغير ما كانوا يظهرون مستبطنون. يقول الله جل جلاله [[في المطبوعة: "لقول الله. . . ".]] : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ ؟ فأين الدلالة على أنهم كانوا مؤمنين فكفروا؟
فإن كان قائل هذه المقالة ظن أنّ قوله:"أولئك الذين اشْتَرَوُا الضَّلالة بالهُدى" هو الدليل على أنّ القوم قد كانوا على الإيمان فانتقلوا عنه إلى الكفر، فلذلك قيل لهم "اشتروا" - فإن ذلك تأويل غير مسلَّم له، إذْ كان الاشتراء عند مخالفيه قد يكون أخذَ شيء بتركِ آخرَ غيره، وقد يكون بمعنى الاختيار، وبغير ذلك من المعاني. والكلمة إذا احتملت وجوهًا، لم يكن لأحد صرفُ معناها إلى بعضٍ وجوهها دون بعضٍ، إلا بحجة يجب التسليم لها.
قال أبو جعفر: والذي هو أولى عندي بتأويل الآية، ما روينا عن ابن عباس وابن مسعود من تأويلهما قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. وذلك أن كل كافر بالله فإنه مستبدلٌ بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفرَ الذي وُجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به. أوَمَا تسمعُ الله جل ثناؤه يقول فيمن اكتسب كفرًا به مكان الإيمان به وبرسوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة البقرة: ١٠٨] ؟ وذلك هو معنى الشراء، لأن كلّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدل مكانَ الذي يُؤخذ منه من البدل آخرَ بديلا منه. فكذلك المنافقُ والكافر، استبدلا بالهدى الضلالةَ والنفاق، فأضلهما الله، وسلبهما نورَ الهدى، فترك جميعَهم في ظلمات لا يبصرون.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك أن المنافقين -بشرائهم الضلالةَ بالهدى- خسروا ولم يربحوا، لأن الرابح من التجّار: المستبدِلُ من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفسَ من سلعته المملوكة أو أفضلَ من ثمنها الذي يبتاعها به. فأما المستبدِلُ من سلعته بدلا دُونها ودونَ الثمن الذي ابتاعها به [[في المطبوعة: "يبتاعها".]] ، فهو الخاسر في تجارته لا شكّ. فكذلك الكافر والمنافق، لأنهما اختارَا الحيرة والعمى على الرشاد والهدى، والخوفَ والرعبَ على الحفظ والأمن، واستبدلا في العاجل: بالرَّشاد الحيرة، وبالهُدى الضلالةَ، وبالحفظ الخوفَ، وبالأمن الرعبَ - مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب وشديد العذاب، فخابا وخَسِرا، ذلك هو الخسران المبين.
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان قتادة يقول.
٣٨٥- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) : قد وَالله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفُرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السُّنة إلى البدعة [[الأثر ٣٨٥- في ابن كثير ١: ٩٦، والسيوطي ١: ٣٢، والشوكاني ١: ٣٤.]] .
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما وجه قوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ؟ وهل التجارة مما تَرْبَح أو تُوكس، فيقال: رَبِحت أو وُضِعَت [[وضع في تجارته يوضع وضيعة: غبن فيها وخسر، ومثله: وكس.]] ؟
قيل: إن وجه ذلك على غير ما ظننتَ. وإنما معنى ذلك: فما ربحوا في تجارتهم - لا فيما اشترَوْا، ولا فيما شرَوْا. ولكن الله جل ثناؤه خاطب بكتابه عَرَبًا فسَلَك في خطابه إياهم وبيانه لهم، مَسلكَ خطاب بعضهم بعضًا، وبيانهم المستعمل بينهم [[في المخطوطة: "المستعلم بينهم"، ولعلها سبق قلم.]] . فلما كان فصيحًا لديهم قول القائل لآخر: خاب سعيُك، ونام ليلُك، وخسِر بيعُك، ونحو ذلك من الكلام الذي لا يخفى على سامعه ما يريد قائله - خاطبهم بالذي هو في منطقهم من الكلام، فقال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ إذ كان معقولا عندهم أن الربح إنما هو في التجارة، كما النومُ في الليل. فاكتفى بفهم المخاطبين بمعنى ذلك، عن أن يقال: فما ربحوا في تجارتهم، وإنْ كان ذلك معناه، كما قال الشاعر:
وشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ ... كَهُلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهُ [[هو للحطيئة، من أبيات ليست في ديوانه، بل في طبقات فحول الشعراء: ٩٥، وسيبويه ١: ١٠٩ وأمالي الشريف المرتضى ١: ٣٨، مع اختلاف في بعض الرواية، ورواية الطبقات أجودهن. "أيقظ الحي"، يعني أيقظ الحي حاضر الموت، فقامت البواكي ترن وتندب، وكأن رواية من روى"أسلم الحي"، تعني أسلمهم للبكاء.]]
يعني بذلك: وشر المنايا منيَّة ميت وَسط أهله، فاكتفى بفهم سامع قِيلِه مرادَه من ذلك، عن إظهار ما ترك إظهارَه، وكما قال رؤبة بن العَجَّاج:
حَارِثُ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي ... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي [[ديوانه: ١٤٢، يمدح الحارث بن سليم، من آل عمرو بن سعد بن زيد مناة.]]
فوَصف بالنوم الليل، ومعناه أنه هو الذي نام، وكما قال جرير بن الخَطَفَى:
وَأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ [[ديوانه: ٢٠٦، والنقائض: ٣٥، والمؤتلف والمختلف: ٣٩، ١٦١، ومعجم الشعراء ٢٥٣، من شعر في هجاء الأعور النبهاني، وكان هجا جريرًا، فأكله جرير. قال أبو عبيدة: "أي هو أعور النهار عن الخيرات، بصير الليل بالسوءات، يسرق ويزني".]]
فأضاف العمى والإبصار إلى الليل والنهار، ومرادُه وصفَ النبهانيّ بذلك.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) ﴾
يعني بقوله جل ثناؤه ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ : ما كانوا رُشداءَ في اختيارهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالهم الكفرَ بالإيمان، واشترائهم النفاقَ بالتصديق والإقرار.
القول في تأويل قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) ﴾
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، وقد علمتَ أن"الهاء والميم" من قوله"مثلهم" كناية جِمَاعٍ - من الرجال أو الرجال والنساء - و"الذي" دلالة على واحد من الذكور؟ فكيف جعَل الخبر عن واحد مَثلا لجماعة؟ وهلا قيل: مثلهم كمثل الذين استوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندك أن تمثلَ الجماعةَ بالواحد، فتجيز لقائل رأى جماعة من الرجال فأعجبتْه صُوَرهم وتمامُ خلقهم وأجسامهم، أن يقول: كأنّ هؤلاء، أو كأنّ أجسامَ هؤلاء، نخلةٌ؟
قيل: أما في الموضع الذي مثَّل ربُّنا جل ثناؤه جماعةً من المنافقين، بالواحد الذي جعله لأفعالهم مثلا فجائز حسنٌ، وفي نظائره [["وفي نظائره"، أي هو في نظائره جائز حسن أيضًا. ومثلها ما يأتي بعد أسطر في قوله"ولا في نظائره"، حذف فيهما جميعًا.]] كما قال جل ثناؤه في نظير ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [سورة الأحزاب: ١٩] ، يعني كَدَوَرَان عيْنِ الذي يُغشى عليه من الموت - وكقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [سورة لقمان: ٢٨] بمعنى: إلا كبَعْث نفسٍ واحدة.
وأما في تمثيل أجسام الجماعة من الرجال، في الطول وتمام الخلق، بالواحدة من النخيل، فغير جائز، ولا في نظائره، لفرق بينهما.
فأما تمثيلُ الجماعة من المنافقين بالمستوقِدِ الواحد، فإنما جاز، لأن المرادَ من الخبر عن مَثَل المنافقين، الخبرُ عن مَثَل استضاءتهم بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار وهم لغيره مستبطنون - من اعتقاداتهم الرَّديئة، وخلطهم نفاقَهم الباطن بالإقرار بالإيمان الظاهر. والاستضاءَةُ - وإن اختلفت أشخاص أهلها - معنًى واحد، لا معانٍ مختلفة. فالمثل لها في معنى المثَل للشخص الواحد، من الأشياء المختلفة الأشخاص.
وتأويل ذلك: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه من الإقرار بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به، قولا وهُم به مكذبون اعتقادًا، كمثَل استضاءة المُوقِد نارًا. ثم أسقط ذكر الاستضاءة، وأضيف المثَلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:
وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ ... خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ [[الشعر للنابغة الجعدي. اللسان (رحب) و (خلل) . والخلة والخلالة: الصداقة المختصة التي ليس في علاقتها خلل. وأبو مرحب: كنية الظل، يريد أنها تزول كما يزول الظل، لا تبقى به مودة.]]
يريد: كخلالة أبي مَرْحب، فأسقط "خلالة"، إذ كان فيما أظهرَ من الكلام، دلالةٌ لسامعيه على ما حذف منه. فكذلك القول في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، لما كان معلومًا عند سامعيه بما أظهرَ من الكلام، أنّ المثلَ إنما ضُرِب لاستضاءة القوم بالإقرار دون أعيان أجسامهم - حَسُن حذفُ ذكر الاستضاءة، وإضافة المثل إلى أهله. والمقصود بالمثل ما ذكرنا. فلما وَصَفنا، جاز وحَسُنَ قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، ويشبه مثل الجماعة في اللفظ بالواحد، إذ كان المراد بالمثل الواحد في المعنى.
وأما إذا أريدَ تشبيهُ الجماعة من أعيان بني آدم - أو أعيان ذوي الصور والأجسام، بشيء - فالصَّواب من الكلام تشبيهُ الجماعة بالجماعة، والواحدُ بالواحد، لأن عينَ كل واحد منهم غيرُ أعيان الآخرين.
ولذلك من المعنى، افترق القولُ في تشبيه الأفعال والأسماء. فجاز تشبيهُ أفعال الجماعة من الناس وغيرهم - إذا كانت بمعنى واحدٍ - بفعل الواحد، ثم حذف أسماء الأفعال وإضافة المثَل والتشبيه إلى الذين لهم الفعل. فيقال: ما أفعالكم إلا كفِعل الكلب، ثم يحذف فيقال: ما أفعالكم إلا كالكلب أو كالكلاب، - وأنت تعني: إلا كفعل الكلب، وإلا كفعل الكلاب. ولم يَجُزْ أن تقول: ما هم إلا نخلة، وأنت تريد تشبيه أجسامهم بالنخل في الطُّول والتمام.
وأما قوله: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ، فإنه في تأويل: أوقدَ، كما قال الشاعر:
وَدَاعٍ دَعَا: يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ [[الشعر لكعب بن سعد الغنوي. الأصمعيات: ١٤، وأمالي القالي ٢: ١٥١، وهي من حسان قصائد الرثاء.]]
يريد: فلم يُجبه. فكان معنى الكلام إذًا: مَثلُ استضاءة هؤلاء المنافقين - في إظهارهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم، من قولهم: آمنَّا بالله وباليوم الآخر، وصدَّقنا بمحمد وبما جاء به، وهم للكفر مستبطنون - فيما الله فاعل بهم [[سياق عبارته: "مثل استضاءة هؤلاء. . . فيما الله فاعل بهم، مثل استضاءة. . ".]] مثل استضاءة موقِد نارٍ بناره، حتى أضاءت له النارُ ما حوله، يعني: ما حول المستوقِدِ.
وقد زعم بعضُ أهل العربية من أهل البصرة: أن"الذي" في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا" بمعنى الذين، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة الزمر: ٣٣] ، وكما قال الشاعر:
فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ [[الشعر للأشهب بن رميلة. الخزانة ٢: ٥٠٧ - ٥٠٨، والبيان ٤: ٥٥، وسيبويه ١: ٩٦، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ٣٣، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض، في كتابه"مختار أشعار القبائل". وروايته: "وإن الألى". ولا شاهد فيه. وهم يقولون إن النون حذفت من"الذين"، فصارت"الذي" لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد. وفلج: واد بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الوقعة التي ذكرها.]]
قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول، لما وصفنا من العِلة. وقد أغفل قائل ذلك فرقَ ما بين"الذي" في الآيتين وفي البيت. لأن"الذي" في قوله:"والذي جاء بالصدق"، قد جاءت الدّلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ، وكذلك "الذي" في البيت، وهو قوله "دماؤهم". وليست هذه الدلالة في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا". فذلك فَرْق ما بين"الذي" في قوله:"كمثل الذي اسْتَوْقَدَ نَارًا"، وسائر شواهده التي استشهد بها على أنّ معنى"الذي" في قوله:"كمثل الذي استوْقَدَ نَارًا" بمعنى الجماع. وغير جائز لأحد نقل الكلمة - التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى - إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها.
ثم اختلفت أهل التأويل في تأويل ذلك. فرُوِي عن ابن عباس فيه أقوال:
أحدها- ما:
٣٨٦- حدثنا به محمد بن حُميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ضرب الله للمنافقين مَثلا فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ أي يُبصرون الحق ويقولون به، حتى إذا خَرجوا به من ظلمة الكفر أطفئوه بكُفرهم ونفاقِهم فيه، فتركهم في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدى ولا يستقيمون على حق. والآخر- ما:
٣٨٧- حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون بالإسلام، فيناكحُهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ، كما سلب صاحب النار ضَوءَه. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ يقول: في عذاب.
والثالث: ما-
٣٨٨- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ، زَعم أنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام مَقدَم النبي ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة فأوقد نارًا فأضاءت له ما حوله من قَذًى أو أذًى فأبصره حتى عرف ما يتَّقي، فبينا هو كذلك، إذ طَفِئَت ناره، فأقبل لا يدري ما يتَّقي من أذًى. فكذلك المنافق: كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلالَ من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذْ كفَر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرّ. وأما النُّور، فالإيمان بما جاء به محمد ﷺ. وكانت الظلمة نفاقهم. والآخر: ما-
٣٨٩- حدثني به محمد بن سعيد، قال: حدثني أبي سعيد بن محمد [[في المطبوعة"محمد بن سعيد"، "سعيد بن محمد". وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، ومن مراجع التراجم. وانظر شرح هذا السند مفصلا: ٣٠٥.]] قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى"فهم لا يرجعون"، ضرَبه الله مثلا للمنافق. وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ قال: أما النور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به. وأما الظلمة، فهي ضلالتهُم وكفرهم يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدًى ثم نُزع منهم، فعتَوْا بعد ذلك.
وقال آخرون: بما-
٣٩٠- حدثني به بِشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ، وإن المنافقَ تكلم بلا إله إلا الله، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وَغازَى بها المسلمين [[في المطبوعة: "وعاد بها المسلمين"، والصواب من المخطوطة وابن كثير في تفسيره، والدر المنثور، كما سيأتي في التخريج.]] ، ووارثَ بما المسلمين، وَحقن بها دَمه وماله. فلما كان عند الموت، سُلبها المنافق، لأنه لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في علمه.
٣٩١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله" هي: لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا، وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا بها دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يُبصرون.
٣٩٢- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني أبو تُميلة، عن عبيد بن سليمان [[أبو تميلة، بضم التاء المثناة وفتح الميم: هو يحيى بن واضح الأنصاري المروزي الحافظ، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، ووهم أبو حاتم، إذ نسب إلى البخاري أنه ذكره في الضعفاء. وما كان ذلك، والبخاري ترجمه في الكبير ٤/٢/ ٣٠٩، فلم يذكر فيه جرحًا، ولم يذكره في كتاب الضعفاء الصغير. وقال الذهبي في الميزان ٣: ٣٠٥ حين ذكر كلام أبي حاتم: "فلم أر ذلك، ولا كان ذلك. فإن البخاري قد احتج به". ووقع في مطبوعة الطبري هنا"أبو نميلة" بالنون، وهو خطأ مطبعي. و"عبيد بن سليمان": هو الباهلي الكوفي أبو الحارث، ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر ابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٨ أنه سأل عنه أباه، فقال: "لا بأس به".]] ، عن الضحاك بن مزاحم، قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله"، قال: أما النّور، فهو إيمانهم الذي يتكلمون به، وأما الظلمات، فهي ضلالتهم وكفرهم.
وقال آخرون بما:-
٣٩٣- حدثني به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: حدثنا ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، قال: أما إضاءة النار، فإقبالهم إلى المؤمنين والهدَى؛ وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
٣٩٤- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، عن شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله"، أما إضاءة النار، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدَى؛ وذهابُ نورهم، إقبالهم إلى الكافرين والضلالة.
٣٩٥- حدثني القاسم، قال: حدثني الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
٣٩٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ضَرب مثلَ أهل النفاق فقال:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا"، قال: إنما ضوءُ النار ونورُها ما أوقَدَتها، فإذا خمدت ذهب نورُها. كذلك المنافق، كلما تكلّم بكلمة الإخلاص أضاءَ له، فإذا شك وقع في الظلمة.
٣٩٧- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا" إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين. كانوا قد آمنوا حتى أضاءَ الإيمانُ في قلوبهم، كما أضاءَت النارُ لهؤلاء الذين استوقدوا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار، فتركهم في ظلمات لا يبصرون [[الأخبار ٣٨٦ - ٣٩٧: هذه الآثار السالفة جميعًا، وما سيأتي إلى قوله تعالى (فهم لا يرجعون) بالأرقام ٣٩٨ - ٤٠٤ ساقها ابن كثير ١: ٩٧ - ٩٩، والدر المنثور ١: ٣٢ - ٣٣، وفتح القدير ١: ٣٥.]] .
وأولى التأويلات بالآية ما قاله قتادة، والضحاك، وما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وذلك: أن الله جلّ ثناؤه إنما ضرَب هذا المثل للمنافقين - الذين وَصَف صفتَهم وقص قصصهم، من لدُن ابتدأ بذكرهم بقوله:"ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هُمْ بمؤمنين" - لا المعلنين بالكفر المجاهرين بالشرْك [[في المطبوعة: "أي، لا المعلنين"، وفي المخطوطة: "المعالنين بالكفر"، وسياق عبارته"إنما ضرب الله هذا المثل للمنافقين. . لا المعلنين بالكفر".]] . ولو كان المثل لمن آمنَ إيمانًا صحيحًا ثم أعلن بالكفر إعلانا صحيحًا - على ما ظنّ المتأول قولَ الله جل ثناؤه: ﴿كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءَتْ ما حولَه ذهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ : أن ضوءَ النار مثلٌ لإيمانهم الذي كان منهم عندَهُ على صحةٍ، وأن ذهاب نورهم مثلٌ لارتدادهم وإعلانهم الكفر على صحة - لم يكن [[السياق: "ولو كان المثل لمن آمن إيمانًا صحيحًا. . لم يكن هنالك من القوم. . "]] . هناك من القوم خداعٌ ولا استهزاءٌ عند أنفسهم ولا نفاقٌ. وأنَّى يكون خداعٌ ونفاقٌ ممن لم يُبد لك قولا ولا فعلا إلا ما أوجبَ لك العلم بحاله التي هو لك عليها، وبعزيمة نفسه التي هو مقيم عليها؟ إنّ هذا بغير شَكّ من النفاق بَعيدٌ، ومن الخداع بريءٌ. وإذْ كان القومُ لم تكن لهم إلا حالتان [[في المطبوعة: "فإن كان القوم. . . "، وهو خطأ.]] : حالُ إيمان ظاهر، وحال كفر طاهر، فقد سقط عن القوم اسمُ النفاق. لأنهم في حال إيمانهم الصحيح كانوا مؤمنين، وفي حال كفرهم الصحيح كانوا كافرين. ولا حالةَ هناك ثالثةً كانوا بها منافقين.
وفي وَصْف الله جل ثناؤه إياهم بصفة النفاق، ما ينبئ عن أن القول غيرُ القول الذي زعمه من زَعم: أن القوم كانوا مؤمنين، ثم ارتدوا إلى الكفر فأقاموا عليه، إلا أنْ يكون قائلُ ذلك أراد أنهم انتقلوا من إيمانهم الذي كانوا عليه، إلى الكفر الذي هو نفاق. وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَك صحته إلا بخبر مستفيض، أو ببعض المعاني الموجبة صحتَه. فأما في ظاهر الكتاب فلا دلالة على صحته، لاحتماله من التأويل ما هو أولى به منه.
فإذْ كان الأمر على ما وصفنا في ذلك، فأولى تأويلات الآية بالآية: مثل استضاءَة المنافقين - بما أظهروا بألسنتهم لرسول الله ﷺ من الإقرار به، وقولهم له وللمؤمنين: آمنَّا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، حتى حُكم لهم بذلك في عاجل الدنيا بحكم المسلمين: في حَقن الدماء والأموال، والأمن على الذرية من السِّباء، وفي المناكحة والموارثة - كمثل استضاءة الموقِد النار بالنارَ، حتى إذا ارتفق بضيائها، وأبصرَ ما حوله مُستضيئًا بنوره من الظلمة، خَمدت النارُ وانطفأت، [[في المخطوطة والمطبوعة: "حتى ارتفق بضيائها وأبصر ما حوله. . . حتى خمدت النار"، وهي عبارة مختلة، صوابها ما أثبتناه.]] فذهب نورُه، وعاد المستضيء به في ظلمة وَحيْرة.
وذلك أن المنافق لم يزل مستضيئًا بضوء القول الذي دَافع عنه في حَياته القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانه ما كان مستوجبًا به القتلَ وسلبَ المال لو أظهره بلسانه - تُخيِّل إليه بذلك نفْسُه أنه بالله ورسوله والمؤمنين مستهزئ مخادعٌ، حتى سوّلت له نفسُه - إذْ وَرَد على ربه في الآخرة - أنه ناج منه بمثل الذي نجا به في الدنيا من الكذب والنفاق. أوَ ما تسمع الله جل ثناؤه يقول إذْ نعتهم، ثم أخبر خبرَهم عند ورودهم عليه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [سورة المجادلة: ١٨] ، ظنًّا من القوم أن نجاتهم من عذاب الله في الآخرة، في مثل الذي كان به نجاؤهم من القتل والسباء وسلب المال في الدنيا [[في المطبوعة: "كان به نجاتهم من القتل"، وهما سواء في المعنى.]] : من الكذب والإفك، وأنّ خداعهم نافعُهم هنالك نفعَه إياهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمر الله ما أيقنوا به أنهم كانوا من ظنونهم في غرور وضلال، واستهزاء بأنفسهم وخداع، إذْ أطفأ الله نورَهم يوم القيامة، فاستنظروا المؤمنين ليقتبسوا من نورهم فقيل لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا واصلوْا سَعيرًا. فذلك حينَ ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، كما انطفأت نار المستوقِدِ النارَ بعد إضاءتها له، فبقي في ظلمته حيران تائهًا، يقول الله جل ثناؤه: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [سورة الحديد: ١٣-١٥] .
فإن قال لنا قائل: إنك ذكرتَ أنّ معنى قول الله تعالى ذكره"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت مَا حَوله": خَمدتْ وانطفأتْ، وليس ذلك بموجود في القرآن. فما دلالتك على أنّ ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار، إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفتْ وتركتْ، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:
عَصَيْتُ إليهَا الْقَلْبَ، إِنِّي لأمرِهَا ... سَمِيعٌ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابها! [[ديوان الهذليين ١: ٧١، وسيأتي في تفسير آية آل عمران: ١١٣ (٤: ٣٤ بولاق) ورواية الطبري للبيت في الموضعين لا يستقيم بها معنى، ورواية ديوانه: عَصَانِي إِلَيْهَا الْقَلْبُ إِنِّي لأَمْرِهِ
ويروى"دعاني إليها. . "، وهما روايتان صحيحتان. وتمام معنى البيت في الذي يليه: فَقُلْتُ لِقَلْبِي: يَا لَكَ الْخَيْرُ! إِنَّمَا ... يُدَلِّيكَ لِلْمَوْتِ الْجَدِيدِ حِبَابُهَا
فهو يؤامر قلبه، ولكنه أطاعه.]]
يعني بذلك: فما أدري أرشدٌ طِلابُها أم غَيٌّ، فحذف ذكر"أم غيٌّ"، إذ كان فيما نطق به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرمة في نعت حمير:
فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ، أو حِينَ، نصَّبتْ ... لَهُ مِن خَذَا آذَانِهَا وَهْو جَانح [[ديوانه: ١٠٨ وسيأتي في تفسير آية يونس: ٧٧ (١١: ١٠١ بولاق) ، وآية سورة النبأ: ١٠ (٣٠: ٣ بولاق) . يصف عانة حمر، وقفت ترقب مغيب الشمس، حتى إذا غربت انطلقت مسرعة إلى مورد الماء الذي تنوى إليه. وقوله: "لبسن الليل" يعني الحمر، حين غشيهن الليل وهن مترقبات مغيب الشمس. ونصبت: رفعت وأقامت آذانها. وخذيت الأذن خذًّا: استرخت من أصلها مقبلة على الخدين، وذلك يصيب الحمر في الصيف من حر الشمس والظمأ. ونصبت خذا آذانها، استعدادًا للعدو إلى الماء. وجنح الليل فهو جانح: أقبل، وهو من جنح الطائر: إذا كسر من جناحيه ثم أقبل كالواقع اللاجئ إلى موضع. وهو وصف جيد لإقبال الظلام من جانب الأفق. وأراد الطبري أن ذا الرمة أراد أن يقول: أو حين أقبل الليل، نصبت له من خذا آذانها، وهو جانح. ولا ضرورة توجب ما قال به من الحذف في هذا البيت.]]
يعني: أو حين أقبل الليل، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءتْ ما حوله"، لمَّا كان فيه وفيما بعدَه من قوله:"ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون" دلالةٌ على المتروك كافيةٌ من ذكره - اختصرَ الكلامَ طلبَ الإيجاز.
وكذلك حذفُ ما حذفَ واختصارُ ما اختصرَ من الخبر عن مَثل المنافقين بَعدَه، نظير ما اختصرَ من الخبر عن مَثَل المستوقد النارَ. لأن معنى الكلام: فكذلك المنافقون ذَهبَ الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون - بعد الضياء الذي كانوا فيه في الدنيا بما كانوا يظهرون بألسنتهم من الإقرار بالإسلام وهم لغيره مستبطنون - كما ذهب ضَوء نار هذا المستوقد، بانطفاء ناره وخمودها، فبقي في ظلمة لا يُبصر.
و"الهاء والميم" في قوله"ذهب الله بنورهم"، عائدة على"الهاء والميم" في قوله "مَثَلهم".
القول في تأويل قول الله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: وإذْ كانَ تأويل قول الله جلّ ثناؤه:"ذهبَ الله بنورهم وتَركهم في ظلمات لا يبصرون"، هو ما وصفنا - من أنّ ذلك خبر من الله جل ثناؤه عما هو فاعل بالمنافقين في الآخرة، عند هتك أستارهم، وإظهاره فضائح أسرارهم، وسَلبه ضياءَ أنوارهم، من تركهم في ظُلَم أهوال يوم القيامة يترددون، وفي حَنادسها لا يُبصرون - فبيّنٌ أنّ قوله جل ثناؤه:"صمٌّ بكم عميٌ فَهم لا يرجعون" من المؤخّر الذي معناه التقديم، وأنّ معنى الكلام: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، صُمٌّ بكم عميٌ فهم لا يرجعون، مَثلهم كمثل الذي استوقدَ نارًا فلما أضاءتْ ما حوْله ذهبَ الله بنورهم وترَكهم في ظُلمات لا يبصرون، أو كمثل صَيِّب من السماء.
وإذْ كان ذلك معنى الكلام: فمعلومٌ أن قوله:"صُمٌّ بكمٌ عُميٌ"، يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين:
فأما أحدُ وجهي الرفع: فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم، فتنصِب وتَرفع، وإن كان خبرًا عن معرفة، كما قال الشاعر:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ... سَمُّ الْعُدَاةِ وَآفَةُ الْجُزْرِ [[الشعر للخرنق بنت بدر بن هفان، أخت طرفة لأمه، أمهما وردة، ديوانها: ١٠، ترثى زوجها بشر بن عمرو بن مرثد. وسيأتي في تفسير آية سورة غافر: ٣ (٢٤: ٢٧ بولاق) ، وفي سيبويه ١: ١٠٤، ٢٤٦، ٢٤٩، وخزانة الأدب ٢: ٣٠١. وقولها"لا يبعدن قومى": أي لا يهلكن قومي، تدعو لهم. وفعله: بعد يبعد بعدًا (من باب فرح) : هلك. والعداة جمع عاد، وهو العدو. والجزر جمع جزور: وهي الناقة التي تنحر. وآفة الجزر: علة هلاكها، لا يبقون على أموالهم من الكرم.]] النَّازِلِينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ [[المعترك: موضع القتال حيث يعتركون، يطحن بعضهم بعضًا. وإذا ضاق المعترك نزل الفرسان، وتطاعنوا واقتربوا حتى يعتنق بعضهم بعضًا إذا حمس القتال. والأزر جمع إزار: وهو ما ستر النصف الأسفل، والرداء: ما ستر الأعلى. ومعاقد الأزر: حيث يعقد لئلا تسقط. وكنت بذلك عن عفتهم وطهارتهم، لا يقربون فاحشة فيحلون معاقد الأزر.]]
فيروي:"النازلون" و"النازلين"، وكذلك"الطيِّبون" و"الطيِّبين"، على ما وصفتُ من المدح.
والوجهُ الآخر: على نية التكرير من"أولئك"، فيكون المعني حينئذ: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بكم عمي فهم لا يرجعون.
وأمَّا أحد وَجهي النصب: فأن يكون قَطعًا مما في"مهتدين" من ذكر"أولئك" [[قطعا: أي حالا، وانظر ما سلف: ٢٣٠ تعليق: ٤.]] ، لأن الذي فيه من ذكرهم معرفة، والصم نكرة.
والآخر: أن يكون قطعا من"الذين"، لأن"الذين" معرفة و"الصم" نكرة [[قطعا: أي حالا، وانظر ما سلف: ٢٣٠ تعليق: ٤.]] .
وقد يجوز النصبُ فيه أيضًا على وجه الذم، فيكون ذلك وجهًا من النصب ثالثًا.
فأما على تأويل ما روينا عن ابن عباس من غير وَجه رواية علي بن أبي طلحة عنه، فإنه لا يجوز فيه الرفع إلا من وجه واحد، وهو الاستئناف.
وأما النصب فقد يجوز فيه من وجهين: أحدهما: الذم، والآخرُ: القطع من"الهاء والميم" اللتين في"تركهم"، أو من ذكرهم في"لا يبصرون".
وقد بيّنا القولَ الذي هو أولى بالصواب في تأويل ذلك. والقراءةُ التي هي القراءةُ، الرفعُ دُون النصب [[في المطبوعة: "والقراءة التي هي قراءة الرفع. . "، وهو خطأ محض.]] . لأنه ليس لأحد خلافُ رسوم مَصَاحف المسلمين. وإذا قُرئ نصبًا كانتْ قراءةً مخالفة رسم مصاحفهم.
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن المنافقين: أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحقّ مهتدين، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمعونهما، لغلبة خِذلان الله عليهم، بُكمٌ عن القيل بهما فلا ينطقون بهما - والبُكم: الخُرْسُ، وهو جِماعُ أبكم - عُميٌ عن أن يبصرُوهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال علماء أهل التأويل:
٣٩٨- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"صمٌّ بكم عُميٌ"، عن الخير.
٣٩٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"صم بكم عُمي"، يقول: لا يسمعون الهدى ولا يُبصرونه ولا يعقلونه.
٤٠٠- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"بكم"، هم الخُرس.
٤٠١- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، قوله"صم بكْم عُمْي": صمٌّ عن الحق فلا يسمعونه، عمي عن الحق فلا يبصرونه، بُكم عن الحق فلا ينطقون به [[هذه الأخبار ٣٩٨ - ٤٠١: تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية، بالأرقام: ٣٨٦، ٣٨٧، ٣٨٨، ٣٩٠.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) ﴾
قال أبو جعفر: وقوله"فهم لا يرجعون"، إخبارٌ من الله جل ثناؤه عن هؤلاء المنافقين - الذين نعتهم الله باشترائهم الضلالة بالهدَى، وَصممِهم عن سمَاع الخير والحق، وَبكمَهم عن القيل بهما، وعَماهم عن إبصارهما - [[سياقه: "إخبار من الله عز وجل. . أنهم لا يرجعون. . ".]] أنهم لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم، ولا يتُوبون إلى الإنابة من نفاقهم. فآيَس المؤمنين من أن يبصرَ هؤلاء رشدًا، أو يقولوا حقًّا، أو يَسمعوا داعيًا إلى الهدى، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من تَوبة قادة كفّار أهل الكتاب والمشركين وأحبارهم، الذين وَصَفهم بأنه قد ختم على قلوبهم وعلى سَمعهم وغشَّى على أبصارهم.
وبمثل الذي قُلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٤٠٢- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة:"فهم لا يَرجعون"، أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون.
٤٠٣- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"فهم لا يَرْجعون": فهم لا يرجعون إلى الإسلام.
وقد رُوي عن ابن عباس قولٌ يخالف معناه معنى هذا الخبر، وهو ما:-
٤٠٤- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"فهم لا يَرْجعون"، أي: فلا يرجعون إلى الهدَى ولا إلى خير، فلا يصيبون نَجاةً مَا كانوا على مَا هم عليه [[هذه الأخبار ٤٠٢ - ٤٠٤: تتمة ما مضى في تفسير صدر الآية. بالأرقام: ٤٠١، ٤٠٠، ٣٩٨.]] .
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوة بخلافه. وذَلك أن الله جلّ ثناؤه أخبرَ عن القوم أنهم لا يَرجعون -عن اشترائهم الضلالة بالهدى- إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق، من غير حَصْرٍ منه جلّ ذكره ذلك من حالهم على وقت دون وقت [[في المطبوعة: "إلى وقت دون وقت"، وهو خطأ.]] وحال دون حال. وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، يُنبئ أنّ ذلك من صفتهم محصورٌ على وقت [[في المطبوعة: "ينبئ عن أن. . ".]] وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين، وأنّ لهم السبيلَ إلى الرجوع عنه. وذلك من التأويل دعوى بَاطلة [[في المخطوطة"دعوى ناظر"، وصوابها"دعوى باطل" بالإضافة.]] ، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾
قال أبو جعفر: والصّيِّب الفَيْعِل من قولك: صَاب المطر يَصوب صَوبًا، إذا انحدَر وَنزَل، كما قال الشاعر:
فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ [[ينسب هذا البيت لعلقمة بن عبدة، وليس له، ولا هو في ديوانه. وسيأتي في تفسير آية سورة البقرة ٣٠ (١: ١٥٥ بولاق) ، وبغير هذه الرواية، وهو من أبيات سيبويه ١: ٣٧٩ وشرح شواهد الشافية: ٢٨٧، واللسان (ألك) وغيرها، غير منسوب. ويقال إنه لرجل من عبد القيس جاهلي يمدح النعمان. وحكى السيرافي أنه لأبي وجزة السعدي، يمدح عبد الله بن الزبير. وجاء في المخطوطة"ولكن ملأكًا". وقبل البيت: تعاليتَ أن تُعْزَى إلى الإنْس خَلَّةً، ... وَلِلإِنْسِ من يعزُوك، فهو كذوبُ]]
وكما قال علقمة بن عَبَدَة:
كَأَنَّهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ [[ديوانه: البيت الأول: ٣٤، والثاني قبله: ١٩، وشرح المفضليات: ٧٨٤، ٧٦٩، يمدح بها الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني، وكان أسر أخاه شأسًا، فرحل إليه يطلب فكه. ويذكر في هذا البيت يوم عين أباغ، وفيه غزا الحارث الغساني، المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فالتقوا بعين أباغ، فهزم جيش المنذر، وقتل المنذر يومئذ. وقوله"كأنهم" يعني جيش المنذر. وصاب المطر: انحدر وانصب. وكان وصف الجيش المنهزم في البيت الذي قبله، بين ساقط قد صرع، وبين قتيل قد هلك. فشبههم بطير أصابها المطر الغزير وأخذتها الصواعق، ففزعت، ولم تستطع أن تنهض فتطير، فهي تدب تطلب النجاة. والضمير في قوله: "لطيرهن" للصواعق، أي لطير الصواعق، وأراد الطير التي أفزعتها الصواعق، ولبدها المطر.]]
فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبين مُغَمَّرٍ، ... سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حين تَصُوبُ [[هذا البيت في صدر القصيدة. يخاطب صاحبته، وفي المطبوعة"معمر" وهو خطأ. والمغمر والغمر: الجاهل الذي لم يجرب الأمور، كأن الجهل غمره وطغا عليه. والشطر الثاني دعاء لها بالخصب والنعمة. والروايا جمع راوية: وهي الدابة التي تحمل مزاد الماء. والمزن: السحاب الأبيض، شبهه بالروايا حاملات الماء. ورواية ديوانه والمفضليات"سقتك".]]
يعني: حين تنحدر. وهو في الأصل"صَيْوِب"، ولكن الواو لما سَبقتها ياء ساكنة، صيرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّد، من ساد يسود، وجيِّد، من جاد يجود. وكذلك تفعل العربَ بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة، تصيِّرهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٤٠٥- حدثني محمد بن إسماعيل الأَحْمَسي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، قال: حدثنا هارون بن عَنترة، عن أبيه [[الإسناد ٤٠٥- محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي - شيخ الطبري: ثقة، روى عنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. له ترجمة في التهذيب. وترجمه ابن أبي حاتم ٣/٢/ ١٩٠. محمد بن عبيد: هو الطنافسي الأحدب، وهو ثقة معروف، روى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وغيرهم. هارون بن عنترة بن عبد الرحمن: ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما. وترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/ ٢٢١، فلم يذكر فيه جرحًا، وابن سعد ٦: ٢٤٣. أبوه: هو عنترة بن عبد الرحمن، وكنيته"أبو وكيع"، وهو تابعي، قال البخاري في الكبير ٤/١/٨٤"رأى: عليًّا، روى عنه ابنه هارون، وأبو سنان"، وترجمه ابن سعد في الطبقات ٦: ١٦٣، وابن أبي حاتم ٣/٢/٣٥، وذكر أنه روى عن عثمان، وعلي، وابن عباس، وأن أبا زرعة سأل عنه فقال: "كوفي ثقة".]] ، عن ابن عباس في قوله"أو كصيِّب من السماء"، قال: القطر.
٤٠٦- حدثني عباس بن محمد، قال: حدثنا حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قال لي عطاء: الصيّب، المطرُ.
٤٠٧- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قال: الصيّب، المطرُ.
٤٠٨- حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: الصيّب، المطرُ.
٤٠٩- حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي سعدٌ، قال: حدثني عمِّي الحسين، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، مثله.
٤١٠- وحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"أو كصيِّب"، يقول: المطر.
٤١١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعمر، عن قتادة، مثله.
٤١٢- حدثني محمد بن عمرو الباهلي، وعمرو بن علي، قالا حدّثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: الصيِّب، الربيعُ [[في المطبوعة: "الصيب: المطر". والربيع: المطر في أول الربيع.]] .
٤١٣- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: الصيِّب، المطرُ.
٤١٤- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: الصيِّبُ، المطرُ.
٤١٥- حُدِّثت عن المِنجَاب، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الصيِّبُ، المطر.
٤١٦- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد:"أو كصيِّب من السماء" قال: أو كغَيْثٍ من السماء.
٤١٧- حدثنا سَوّار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفيان: الصَّيِّب، الذي فيه المطر.
٤١٨- حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء، في قوله:"أو كصيِّب من السماء"، قال: المطر [[الأخبار ٤٠٥ - ٤١٨: ساقها مختصرة ابن كثير ١: ٩٩، والدر المنثور ١: ٣٣.]] .
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: مَثَلُ استضاءَةِ المنافقين بضوء إقرارهم بالإسلام، مع استسرارهم الكفر، مَثلُ إضاءة موقد نارٍ بضوء ناره، على ما وصف جل ثناؤه من صفته، أو كمثل مَطرٍ مُظلمٍ وَدْقُه تحدَّر من السماء [[الودق: المطر يخرج من خلل السحاب مسترخيًا.]] ، تحمله مُزنة ظلماء في ليلة مُظلمة. وذلك هو الظلمات التي أخبر الله جل ثناؤه أنها فيه.
فإن قال لنا قائل: أخبرنا عن هذين المثَلين: أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثلَيْن للمنافقين، فكيف قيل:"أو كصيِّب"، و"أو" تأتي بمعنى الشك في الكلام، ولم يقل"وكصيب" بالواو التي تُلحِق المثَلَ الثاني بالمثَل الأول؟ أو يكون مَثل القوم أحدهما، فما وجه ذكر الآخر بِـ "أو"؟ وقد علمت أنّ "أو" إذا كانت في الكلام فإنما تدخل فيه على وجه الشّكّ من المخبِر فيما أخبر عنه، كقول القائل:"لقيني أخوك أو أبوك" وإنما لقيه أحدُهما، ولكنه جهل عَيْنَ الذي لقيه منهما، مع علمه أن أحدهما قد لقيه. وغير جائز فيه الله جل ثناؤه أن يُضاف إليه الشك في شيء، أو عُزُوب عِلم شيء عنه، فيما أخبَرَ أو تَرك الخبر عنه.
قيل له: إنّ الأمرَ في ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه. و"أو" - وإن كانت في بعض الكلام تأتي بمعنى الشكّ - فإنها قد تأتي دالة على مثل ما تدلُّ عليه الواو، إما بسابق من الكلام قبلها، وإما بما يأتي بعدها، كقول تَوْبة بن الحُمَيِّر:
وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ ... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا [[من قصيدة له، أمالي القالي ١: ٨٨، ١٣١، وأمالي الشريف المرتضى ٣: ١٤٦، وأمالي الشجري ٢: ٣١٧، والأضداد لابن الأنباري: ٢٤٣، وغيرها كثير.]]
ومعلوم أنّ ذلك من توبة على غير وجه الشكّ فيما قال، ولكن لمّا كانت"أو" في هذا الموضع دالةً على مثل الذي كانت تدل عليه"الواو" لو كانت مكانها، وضَعها موضعَها، وكذلك قولُ جرير:
نَالَ الْخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا، ... كَمَا أَتَى رَبَّه مُوسَى عَلَى قَدَرِ [[ديوانه: ٢٧٥، وسيأتي في تفسيره آية البقرة: ٧٤ (١: ٢٨٧ بولاق) ، وآية طه: ٤٠ (١٦: ١٢٨ بولاق) ، وأمالي الشجري ١: ٣١٧، يقولها في أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. وروايته"إذ كانت"، وفي المطبوعة: "جاء الخلافة"، وهي رواية سقيمة.]]
وكما قال الآخر:
فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا ... بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ أَوْ عِفَاقِ [[البيتان لمتمم بن نويرة اليربوعي. اللسان (عفق) ، أمالي الشجري، ٢: ٣١٨، أمالي المرتضى ٣: ١٤٧، الأضداد لابن الأنباري: ٢٤٣. وفي المطبوعة والمخطوطة"على جبير"، وهو خطأ محض، وفي المطبوعة: "عناق"، وهو خطأ أيضًا. وهذا الشعر يقوله متمم بن نويرة في رثاء بجير بن عبد الله بن الحارث اليربوعي، وهو بجير بن أبي مليل، وأخوه عفاق بن أبي مليل. قتل أولهما يوم قشاوة، قتله لقيم بن أوس (النقائض: ٢٠) ، وقتل عفاق يوم العظالى، قتله الدعاء، وقيل قتله الفريس بن مسلمة (النقائض: ٥٨٣) .]] عَلَى الْمَرْأَيْنِ إِذْ مَضَيا جَمِيعًا ... لِشَأْنِهما، بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاقِ [[يروى"بحزن واحتراق" و"بشجو واشتياق". وقوله: "مضيا لشأنهما" أي، هلكا ولقيا ما يلقى كل حي.]]
فقد دلّ بقوله"على المرأين إذْ مَضَيا جميعًا" أنّ بكاءه الذي أراد أن يبكيه لم يُرد أن يقصدَ به أحدَهما دونَ الآخر، بل أراد أن يبكيهما جميعًا. فكذلك ذلك في قول الله جل ثناؤه "أو كصيِّب من السماء". لمّا كان معلومًا أن"أو" دالة في ذلك على مثل الذي كانت تدل عليه"الواو" لو كانت مكانها - كان سواء نطق فيه ب"أو" أو ب"الواو". وكذلك وجه حذف"المثل" من قوله"أو كصيب". لما كان قوله: "كمثل الذي استوقد نارًا" دالا على أن معناه: كمثل صيب، حَذفَ"المثَل"، واكتفى - بدلالة ما مضى من الكلام في قوله:"كمثل الذي استوقد نارًا" على أن معناه: أو كمثل صيِّب - من إعادة ذكر المثلَ، طَلبَ الإيجاز والاختصار.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾
قال أبو جعفر: فأما الظلمات، فجمعٌ، واحدها ظُلمة.
أما الرَّعد، فإنّ أهل العلم اختلفوا فيه:
فقال بعضهم: هو مَلك يَزجُر السحابَ.
ذكر من قال ذلك:
٤١٩- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شُعبة، عن الحكم، عن مجاهد، قال: الرعد، مَلك يَزجُر السحاب بصوته.
٤٢٠- حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عَديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
٤٢١- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: حدتنا فُضَيْل بن عِيَاض، عن ليث، عن مجاهد، مثله [[الإسناد ٤٢١- يحيى بن طلحة اليربوعي: روى عنه الترمذي وغيره، وذكره ابن حبان في الثقات. وضعفه النسائي، فقال في الضعفاء: ٣٢: "ليس بشيء".]] .
٤٢٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشيم قال: أنبأنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قال: الرَّعد، مَلك من الملائكة يُسبِّح [[الإسناد ٤٢٢- إسماعيل بن سالم الأسدي: ثقة، روى عنه الثوري وأبو عوانة، قال ابن سعد ٧/٢/٦٧: "كان ثقة ثبتًا". وأبو صالح: هو السمان.]] .
٤٢٣- حدثني نَصر بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدثنا محمد بن يَعْلَى، عن أبي الخطاب البصري، عن شَهر بن حَوشب، قال: الرّعد، مَلك موكَّل بالسحاب يَسوقه، كما يسوق الحادي الإبل، يُسبِّح. كلما خالفتْ سحابةٌ سحابةً صاح بها، فإذا اشتد غَضبه طارت النارُ من فيه، فهي الصواعقُ التي رأيتم [[الإسناد ٤٢٣- نصر بن عبد الرحمن بن بكار التاجي، شيخ الطبري: ثقة، روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، مترجم في التهذيب، وقال"ويقال: الأزدي"، فكذلك نسب هنا، وكذلك روى عنه الطبري في التاريخ ٢: ١٢٨، ونسبه"الأزدي"، ووقع في المطبوعة"الأودي" بالواو بدل الزاي، وهو تصحيف. محمد بن يعلى: هو السلمي الكوفي، ولقبه"زنبور"، وهو ضعيف، وقال البخاري"يتكلمون فيه". أبو الخطاب البصري: لم أعرف من هو؟ ولكن ذكر الدولابي في الكنى ١: ١٦٧"أبو الخطاب عبد الله"، ثم قال: "وروى محمد بن عبد الله بن عمار عن المعافى بن عمران عن عبد الله أبي الخطاب عن شهر بن حوشب" فذكر حديثًا. ولم يبين أكثر من ذلك، ولم أجد ترجمته.]] .
٤٢٤- حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الرَّعد، مَلَك من الملائكة اسمه الرعد، وهو الذي تسمعون صوته.
٤٢٥- حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا عبد الملك بن حسين، عن السُّدّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: الرعد، مَلَك يَزجُر السحاب بالتسبيح والتكبير [[الإسناد ٤٢٥- عبد الملك بن حسين: هو أبو مالك النخعي الواسطي، اشتهر بكنيته وبها ترجم في التهذيب ١٢: ٢١٩، وترجمه ابن أبي حاتم باسمه ٢/٢/٣٤٧. وهو ضعيف ليس بشيء.]] .
٤٢٦- وحدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جُريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: الرعد اسم مَلَك، وصوتهُ هذا تسبيحه، فإذا اشتد زَجْرُه السحابَ، اضطرب السحابُ واحتكَّ. فتخرج الصَّواعق من بينه.
٤٢٧- حدثنا الحسن، قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا أبو عَوَانة، عن موسى البزار، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عباس، قال: الرعدُ مَلَكٌ يسوق السحاب بالتسبيح، كما يسوق الحادي الإبل بحُداته.
٤٢٨- حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن عَبَّاد، وشَبابة، قالا حدثنا شعبة، عن الحكَم، عن مجاهد، قال: الرَّعد مَلكٌ يزجر السحاب.
٤٢٩- حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا عتَّاب بن زياد، عن عكرمة، قال: الرعد مَلك في السحاب، يَجمع السحابَ كما يَجمع الراعي الإبل.
٤٣٠- وحدثنا بشر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الرعد خَلْقٌ من خَلق الله جل وعز، سامعٌ مطيعٌ لله جل وعَز.
٤٣١- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن عكرمة، قال: إن الرعد مَلكٌ يُؤمر بإزجاء السحاب فيؤلِّف بينه، فذلك الصوت تسبيحه.
٤٣٢ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، قال: الرعد مَلك.
٤٣٣- وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن المغيرة بن سالم، عن أبيه، أو غيره، أن علي بن أبي طالب قال: الرعد: مَلك.
٤٣٤- حدثنا المثنى، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جَهْضم، مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْدِ يسألهُ عن الرعد، فقال: الرعد مَلك [[الخبر ٤٣٤- هذا إسناد منقطع: موسى بن سالم أبو جهضم: ثقة، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة. "أبو الجلد": بفتح الجيم وسكون اللام وآخره دال مهملة، ووقع في الأصول هنا، وفي الروايات التالية"أبو الخلد" بالخاء بدل الجيم، وهو تصحيف. وأبو الجلد: هو جيلان -بكسر الجيم- بن أبي فروة، ويقال: ابن فروة الأسدي البصري، كما ذكر البخاري في ترجمته في الكبير ١/٢/٢٥٠. وقال ابن أبي حاتم ١/١/٥٤٧: "صاحب كتب التوراة ونحوها". ثم روى عن أحمد بن حنبل أنه وثقه. وترجمه ابن سعد ٧/١/١٦١، وقال: "أبو الجلد الجوني، حي من الأزد، واسمه: جيلان بن فروة، وكان ثقة". وذكره ابن حبان في الثقات: ١٥٧، والدولابي في الكنى ١: ١٣٩، والزبيدي في شرح القاموس (جلد) و (جيل) . وذكره الحافظ في لسان الميزان في الأسماء ٢: ١٤٤، ووعد بترجمته في الكنى"أبو الجلد"، ثم لم يفعل، وروى عنه الطبري أثرًا في التاريخ ٢: ٢٠٣. وسيأتي في الخبر: ٤٤٥ أنه"رجل من أهل هجر".]] .
٤٣٥- حدثنا المثنى، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا عمر بن الوليد الشَّنّي، عن عكرمة، قال: الرعدُ ملكٌ يسوق السحاب كما يسوق الراعي الإبل [[عمر بن الوليد الشني أبو سلمة العبدي: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال أبو حاتم: "ما أرى بحديثه بأسًا". وهو مترجم في التعجيل: ٣٠٤، وابن أبي حاتم ٣/١/ ١٣٩. "الشني": بفتح الشين المعجمة، كما في المشتبه: ٢٧٩. ووقع في المطبوعة بالمهملة، وهو تصحيف.]] .
٤٣٦- حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكَم بن أبان، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد، قال: سُبحان الذي سَبَّحتَ له. قال: وكان يقول: إن الرَّعد مَلكٌ يَنعَق بالغيث كما ينعَقُ الراعي بغنمه [[الإسناد ٤٣٦- سعد بن عبد الله بن عبد الحكم: لم أجد له ترجمة إلا في كتاب ابن أبي حاتم ٢/١/ ٩٢، وقال: "سمعت منه بمكة وبمصر، وهو صدوق".]] .
وقال آخرون: إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب فتصَّاعد، فيكون منه ذلك الصوت.
ذكر من قال ذلك:
٤٣٧- حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا بِشر بن إسماعيل، عن أبي كثير، قال: كنت عند أبي الجَلد، إذْ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه:"كتبتَ تَسألني عن الرّعد، فالرعد الريح [[الإسناد ٤٣٧- هو إسناد مشكل. ما وجدت ترجمة"بشر بن إسماعيل"، وما عرفت من هو. ثم لم أعرف من"أبو كثير" الراوي عن أبي الجلد. وسيأتي هذا الإسناد مرة أخرى: ٤٤٣.]] .
٤٣٨- حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عِمْران بن مَيسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفُرات، عن أبيه [[الإسناد ٤٣٨- عمران بن ميسرة المنقري: ثقة، من شيوخ البخاري وأبي داود وأبي زرعة وأبي حاتم. ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي: ثقة مأمون حجة. الحسن بن الفرات: ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه. أبوه: فرات بن أبي عبد الرحمن القزاز التميمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، ولكن روايته عن ابن عباس منقطعة، إنما هو يروى عن التابعين.]] قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلد يسأله عن الرعد، فقال: الرعد ريح [[الأخبار ٤١٩ - ٤٣٨ جميعًا: لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطي في الدر المنثور، وذكر البغوي في تفسيره ١: ٩٩ - ١٠٠، بعضها، والقرطبي ١: ١٨٧ وما بعدها.]] .
قال أبو جعفر: فإن كان الرّعد ما ذكره ابن عباس ومجاهد، فمعنى الآية: أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات وصوتُ رَعد. لأن الرعد إن كان مَلَكًا يسوق السَّحاب، فغير كائن في الصيِّب، لأن الصيِّب إنما هو ما تحدَّر من صَوْب السحاب، والرعد إنما هو في جو السماء يَسوق السحاب. على أنه لو كان فيه ثَمَّ لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هنالك رُعب يُرْعَب به أحد [[في المطبوعة: "على أنه لو كان فيه يمر، لم يكن له صوت مسموع، فلم يكن هناك رعب" وهو من تبديل النساخ.]] . لأنه قد قيل: إنّ مع كل قطرةٍ من قطر المطر مَلَكًا، فلا يعدُو الملكُ الذي اسمه"الرعد"، لو كان مع الصيِّب، إذا لم يكن مسموعًا صوته، أن يكون كبعض تلك الملائكة التي تنزل مع القطر إلى الأرض، في أن لا رُعب على أحد بكونه فيه. فقد عُلم -إذ كان الأمر على ما وصفنا من قول ابن عباس- أنّ معنى الآية: أو كمثَل غَيث تحدَّر من السماء فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ، إن كان الرعد هو ما قاله ابن عباس، وأنه استغنى بدلالة ذكر الرعد باسمه على المراد في الكلام مِنْ ذكر صوته. وإن كان الرعد ما قاله أبو الجَلد، فلا شيء في قوله"فيه ظلماتٌ ورَعدٌ" متروك. لأن معنى الكلام حينئذ: فيه ظلمات ورعدٌ الذي هو ما وصفنا صفته.
وأما البَرْق، فإن أهل العلم اختلفوا فيه: فقال بعضهم بما:-
٤٣٩- حدثنا مَطرُ بن محَمد الضَّبّي، قال: حدثنا أبو عاصم، -ح- وحدثني محمد بن بشار، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، -ح- وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قالوا جميعًا: حدثنا سفيان الثوري، عن سَلمة بن كُهيل، عن سعيد بن أشْوَعَ، عن ربيعة بن الأبيض، عن علي، قال: البرق: مخاريقُ الملائكة [[الإسناد ٤٣٩- سلمة بن كهيل الحضرمي: ثقة معروف، سعيد بن أشوع: هو سعيد ابن عمرو بن أشوع الكوفي القاضي، نسب إلى جده. وهو ثقة، أخرج له الشيخان في الصحيحين، ربيعة بن الأبيض -الذي روى عن علي- لم أجد له ترجمة إلا في كتاب الثقات لابن حبان: ١٨٤. قال: "ربيعة بن الأبيض، يروى عن علي بن أبي طالب، روى عنه ابن أشوع".
المخاريق جمع مخراق: وهو منديل أو نحوه يلوى فيضرب به، ويلف فيفزع به، وهو من لعب الصبيان، ومنه سمى السيف مخراقًا.]] .
٤٤٠- حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عبد الملك بن الحسين، عن أبي مالك، عن السُّدّيّ، عن ابن عباس: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكة، يزْجرون بها السحاب.
٤٤١- وحدثني المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حماد، عن المغيرة بن سالم، عن أبيه، أو غيره، أن علي بن أبي طالب قال: الرَّعد الملَك، والبرق ضَرْبه السحابَ بمخراق من حديد.
وقال آخرون: هو سوطٌ من نور يُزجي به الملكُ السحابَ.
ذكر من قال ذلك:
٤٤٢- حدثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، بذلك.
وقال آخرون: هو ماء.
ذكر من قال ذلك:
٤٤٣- حُدِّثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا بِشر بن إسماعيل، عن أبي كثِير، قال: كنت عند أبي الجَلْد، إذ جاء رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه:"كتبت إليّ تسألني عن البرق، فالبرق الماء".
٤٤٤- حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدثنا عمران بن مَيسرة، قال: حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات، عن أبيه، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن البرق، فقال: البرق ماء.
٤٤٥- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن رجل، من أهل البصرة من قُرَّائهم، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد -رجل من أهل هَجَر- يسأله عن البرق، فكتب إليه:"كتبت إليّ تسألني عن البرق، وإنه من الماءِ".
وقال آخرون: هو مَصْع مَلَك [[المصع: الضرب بالسيف أو السوط أو غيرهما. والمصاع: المجالدة بالسيف. يعني أن الملك يضرب السحاب بمخراقه.]] .
٤٤٦- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، قال: البرق، مَصْع مَلك [[الإسناد ٤٤٦- عثمان بن الأسود بن موسى المكي: ثقة ثبت كثير الحديث، يروى عن مجاهد، ويروى عنه سفيان الثوري.]] .
٤٤٧- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا هشام، عن محمد بن مُسلم الطائفي، قال: بلغني أن البرق مَلكٌ له أربعة أوجه، وجهُ إنسان، ووجه ثَور، ووجه نَسر، ووجه أسد، فإذا مَصَع بأجنحته فذلك البرق [[الإسناد ٤٤٧- محمد بن مسلم بن سوسن الطائفي: وثقه ابن معين، وقال ابن مهدي: "كتبه صحاح"، وضعفه أحمد بن حنبل، وأخرج له مسلم في صحيحه حديثًا واحدًا متابعة.]] .
٤٤٨- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن وهب بن سليمان، عن شُعيب الجَبَائي قال: في كتاب الله: الملائكة حَمَلة العرش، لكل مَلك منهم وَجه إنسان وثور وأسد، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق [[الأثر ٤٤٨- وهب بن سليمان الجندي -بفتح الجيم والنون- اليماني، قال البخاري في الكبير ٤/٢/ ١٦٩ - ١٧٠: "عن شعيب الجبائي، قوله، روى عنه ابن جريج". ولم أجد له ترجمة عند غيره. شعيب الجبائي: بفتح الجيم والباء الموحدة مخففة، نسبة إلى"جبأ"، بوزن"جبل"، وهو جبل في اليمن قرب الجند، كما قال ياقوت وغيره. وشعيب هذا ترجمه البخاري في الكبير ٢/٢/ ٢١٩. وترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/ ٣٥٣، قال: "شعيب الجبائي: يماني، يروى عن الكتب [يريد الكتب المنسوبة لأهل الكتاب من الأساطير] ، روى عنه سلمة بن وهرام"، ثم جزم ابن أبي حاتم بأنه"شعيب بن الأسود"، ثم روى بإسناده عن زمعة، عن شعيب بن الأسود، قال: أجد في كتاب الله". وله ترجمة في لسان الميزان ٣: ١٥٠ وقال: "أخباري متروك". ثم ذكر شيئًا مما لا يقبله العقل من كلامه، وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان قد قرأ الكتب".]] . وقال أميةُ بن أبي الصلت:
رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ ... وَالنَّسْرُ لِلأُخْرَى، وَلَيْثٌ مُرْصِدُ [[ديوانه: ٢٥، وسيأتي في تفسير آية الرعد: ٣٥ (١٣: ١٠٩ بولاق) . ورواية ديوانه: "تحت يمنى رجله، والنسر لليسرى". قال الطبري في الموضع الآخر: "كأنه قال: تحت رجله، أو تحت رجله اليمنى". والضمير في قوله: "رجله"، يعنى به إسرافيل، وذكره في شعره قبل. وفي ديوانه، وفي الموضع الآخر من الطبري: "زحل"، كأنه يعني البروج، ولكن استدلال الطبري هنا واضح، دال على أن روايته"رجل".]]
٤٤٩- حدثنا الحسين بن محمد، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن ابن جُريج، عن مجاهد، عن ابن عباس: البرق ملك.
٤٥٠- وقد حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: الصواعق مَلَك يضربُ السحابَ بالمخاريق، يُصيب منه من يشاء [[الأخبار ٤٣٩ - ٤٥٠: لم تذكر في ابن كثير، ولا في الدر المنثور. وانظر البغوي ١: ٩٩ - ١٠٠، والقرطبي ١: ١٨٨.]] .
قال أبو جعفر: وقد يحتمل أن يكون ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد بمعنى واحد. وذلك أن تكون المخاريقُ التي ذكر عليّ رضي الله عنه أنها هي البرق، هي السياط التي هي من نور، التي يُزجي بها الملك السحاب، كما قال ابن عباس. ويكون إزجاء الملك بها السحاب، مَصْعَه إياه [[في المطبوعة: "إزجاء الملك السحاب، مصعه إياه بها".]] . وذلك أن المِصَاعَ عند العرب، أصله: المجالَدَةُ بالسيوف، ثم تستعمله في كل شيء جُولد به في حرب وغير حرب، كما قال أعشى بني ثعلبة، وهو يصف جَواريَ يلعبن بِحلْيهنَّ ويُجالدْن به [[المجالدة: المضاربة بالسيوف وغيرها في المصارعة والقتال، من الجلد.]] .
إِذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقَرَانَهُنَّ ... وَكَانَ الْمِصَاعُ بِمَا فِي الْجُوَنْ [[ديوانه: ١٥، وزعم الطبري كما ترى أنه أراد جواري يلعبن بحليهن ويجالدن بها. وقد أخطأ المعنى. وإنما أراد الأعشى ما هو أبلغ. وذلك أن الأقران جمع قرن: وهو الذي يقارنك في القوة والشجاعة، وأراد به الرجال، وينازلن: أراد ما يكون منهن من المداعبة والممارسة إرادة الغلبة على عقول الرجال وعزائمهم. والجون، جمع جونة: وهي سلة صغيرة مستديرة مغشاة بالأدم يكون فيها الطيب. ويقال أيضًا: "جؤنة وجؤن" بالهمز. وذكر الأعشى المعركة القديمة الدائرة بين الرجال والنساء، يتخذن الزينة والطيب سلاحًا، فيتصدين للرجال ابتغاء الظفر والغلبة، والفتنة التي تصرع الألباب والعزائم، فيقع الرجال أسرى في أيديهن.]]
يقال منه: ماصَعه مصاعًا. وكأن مجاهدًا إنما قال:"مَصْعُ ملك"، إذْ كان السحاب لا يماصع الملك، وإنما الرعد هو المماصع له، فجعله مصدرًا من مَصَعه يَمْصَعه مَصِْعًا.
وقد ذكرنا ما في معنى"الصاعقة" - ما قال شَهر بن حَوشب فيما مضى.
وأما تأويل الآية، فإن أهل التأويل مُختلفون فيه:
فرُوي عن ابن عباس في ذلك أقوال: أحدها: ما-
٤٥١- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء فيه ظلمات ورَعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت": أي هم من ظُلمات ما هم فيه من الكفر والحذَر من القتل - على الذي هم عليه من الخلاف والتخويف منكم - على مثل ما وصف، من الذي هو في ظلمة الصيب، فجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حَذَرَ الموت، يكاد البرق يخطفُ أبصارهم -أي لشدة ضوء الحق- كلما أضاءَ لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، أي يعرفون الحق ويتكلمون به، فهم من قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر قاموا متحيرين [[الخبر ٤٥١- ذكره السيوطي في الدر المنثور بتمامه ١: ٣٢ - ٣٣، ونسبه أيضًا لابن إسحاق، وابن أبي حاتم. وفيه وفي المخطوطة"من الخلاف والتخويف منكم" ونقل ابن كثير بعضه ١: ١٠٠.]] .
والآخر: ما-
٤٥٢- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ،"أو كصيِّب من السماء فيه ظُلماتٌ ورَعدٌ وبرق" إلى"إنّ الله عَلى كل شيء قدير"، أما الصيب فالمطر [[في المطبوعة: "وأما الصيب والمطر"، وهو خطأ.]] . كان رجلان من المنافقين من أهل المدينة هربًا من رسول الله ﷺ إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذي ذكر الله، فيه رعدٌ شديد وصواعقُ وبرقٌ، فجعلا كلَّما أضاء لهما الصواعقُ جعلا أصابعَهما في آذانهما، من الفَرَق أن تدخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما. وإذا لمع البرق مَشيا في ضوئه [[في الأصول: "مشوا"، وصححناه من الدر المنثور والشوكاني.]] ، وإذا لم يلمع لم يبصِرا وقاما مكانهما لا يمشيان [[في الأصول: "قاما مكانهما" بغير واو، وفي إحدى النسخ المخطوطة: "فقاما مكانهما"، واتفقت سائر الأصول وما نقل في الدر المنثور والشوكاني على حذف الفاء، والجملة لا تستقيم، فجعلناها"وقاما"، وهو صواب العبارة.]] ، فجعلا يقولان: ليتنا قد أصبحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيدينا في يده. فأصبحا، فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما في يده، وحَسُن إسلامهما. فضرب الله شأن هذين المنافقيْن الخارجيْن مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلسَ النبي ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم، فَرَقًا من كلام النبي ﷺ، أن يَنزِل فيهم شيء أو يُذكَروا بشيء فيقتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه. فإذا كثرت أموالهم، ووُلد لهم الغلمان [[في الدر المنثور: "وولدهم، وأصابوا. . "، وفي الشوكاني: "وأولادهم وأصابوا. . "]] ، وأصابوا غنيمةً أو فتحًا، مشوْا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دينُ صدق. فاستقاموا عليه، كما كان ذانك المنافقان يمشيان، إذا أضاء لهم البرق مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا [[في المخطوطة: "إذا أضاء لهما مشيا، وإذا أظلم عليهما قاما". وفي الدر المنثور: "يمشيان إذا أضاء بهما البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا"، وفي الشوكاني: "يمشيان إذا أضاء لهم البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا"، وأجودهن ما في المخطوطة، وما في المطبوعة.]] . فكانوا إذا هلكت أموالهم، ووُلد لهم الجواري، وأصابهم البلاء [[في الدر المنثور والشوكاني: "إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء".]] ، قالوا: هذا من أجل دين محمد. فارتدوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حين أظلم البرق عليهما [[الحديث ٤٥٢- نقل في الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكاني ١: ٣٦ - ٣٧، وسيأتي في ص ٣٥٤ قول الطبري عن هذا الحديث وعن إسناده: "ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا. " وانظر ما كتبه أخي السيد أحمد محمد شاكر في هذا الإسناد فيما مضى في الخبر رقم: ١٦٨.
ويقول أحمد محمد شاكر عفا الله عنه: وحق لأبي جعفر رحمه الله أن يرتاب في إسناده. فإن هذا الإسناد فيه تساهل كثير، من جهة جمع مفرق التفاسير عن الصحابة في سياق واحد، تجمعه هذه الأسانيد، كما بينا آنفًا. فإذا كان الأمر في تفسير معنى آية، كان سهلا ميسورًا قبوله، إذ يكون رأيًا أو آراء لبعض الصحابة في معنى الآية، وما في ذلك بأس. أما إذا ارتفع الخبر إلى درجة الحديث، بالإخبار عن واقعة معينة أو وقائع، كانت على عهد رسول الله ﷺ، من أسباب لنزول بعض الآيات، أو نحو ذلك، مما يلحق بالحديث المرفوع لفظًا أو حكمًا -كان قبول هذا الإسناد- إسناد تفسير السدي- محل نظر وارتياب. إذ هو رواية غير معروف مصدرها معرفة محددة: أي هؤلاء الذي قال هذا؟ وأيهم الذي عبر عنه باللفظ الذي جاء به؟ نعم، إن ظاهره أنه عن الصحابة: إما ابن عباس، وإما ابن مسعود، وإما"ناس من أصحاب النبي ﷺ" - فقد يقول قائل: إن مرجع الرواية فيه إلى الصحابة، وسواء أعرف الصحابي الراوي أم أبهم اسمه، فإن ذلك لا يخرجه عن رواية الصحابة، وجهالة الصحابي لا تضر؟ ولكن سياق هذه الروايات المطولة المفصلة، في التفسير وفي الحوادث المتعلقة بأسباب النزول، مثل الرواية التي هنا في هذا الموضع، مع إعراض أئمة الحديث، الذين خرجوا الروايات الصحيحة، والروايات المقبولة مما هو دون الصحيح - عن إخراج هذه الرواية ونحوها، وإعراض مؤرخي السيرة عن روايتها أيضًا، كل أولئك يوجب الريبة في اتصال مثل هذه الرواية، وفي الجزم بنسبتها إلى الصحابة. إذ لعلها مما أدرج في الرواية أثناء الحديث بها. والاحتياط في نسبة الحديث المرفوع وما في حكمه واجب.]] .
والثالث: ما-
٤٥٣- حدثني به محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء"، كمطر،"فيه ظلمات ورعدٌ وبرقٌ" إلى آخر الآية، هو مَثل المنافق في ضوء ما تكلّم بما معه من كتاب الله وعمل، مُراءَاةً للناس، فإذا خلا وحده عَمل بغيره. فهو في ظلمة ما أقام على ذلك. وأما الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمان، وهم أهل الكتاب.
وإذا أظلم عليهم، فهو رجلٌ يأخذ بطرف الحق لا يستطيع أن يُجاوزه [[الخبر ٤٥٣- في الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكاني ١: ٣٧، مع اختلاف يسير في اللفظ.]] .
والرابع: ما-
٤٥٤- حدثني به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"أو كصيِّب من السماء"، وهو المطر، ضرب مَثله في القرآن يقول:"فيه ظلمات"، يقول: ابتلاء،"ورعد" يقول فيه تخويف،"وبرق"،"يكاد البرق يخطف أبصارهم" [[في الدر المنثور والشوكاني: "رعد وبرق - تخويف".]] ، يقول: يكاد محكم القرآن يدُلّ على عورات المنافقين،"كلما أضاء لهم مَشوا فيه". يقول: كلما أصابَ المنافقون من الإسلام عِزًّا اطمأنوا، وإن أصابَ الإسلام نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر [[في المطبوعة: "قالوا رجعوا إلى الكفر"، وهو خطأ محض.]] يقول:"وإذا أظلم عَليهم قاموا"، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج: ١١] [[الخبر ٤٥٤- في الدر المنثور ١: ٣٢، والشوكاني ١: ٣٦، وبعضه في تفسير ابن كثير ١: ١٠٠.]] .
ثم اختلف سائر أهل التأويل بعدُ في ذلك، نظيرَ ما روي عن ابن عباس من الاختلاف:
٤٥٥- فحدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: إضاءة البرق وإظلامُه، على نحو ذلك المثَل.
٤٥٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثلَه.
٤٥٧- حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٥٨- وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، في قول الله:"فيه ظلماتٌ ورعدٌ وبرقٌ" إلى قوله"وإذا أظلم عليهم قاموا"، فالمنافق إذا رأى في الإسلام رخاءً أو طمأنينة أو سَلوة من عَيش، قال: أنا معكم وأنا منكم، وإذا أصابته شَديدةٌ حَقحقَ والله عندها، فانقُطعَ به، فلم يصبر على بلائها، ولم يَحتسب أجرَها، ولم يَرْجُ عاقبتها [[الأثر ٤٥٨- في الدر المنثور ١: ٣٣، وهو جزء من أثر قتادة بتمامه، ونصه هناك: "فإذا رأى المنافق من الإسلام طمأنينة وعافية ورخاء وسلوة عيش، قالوا: إنا معكم ومنكم. وإذا رأى من الإسلام شدة وبلاء، فقحقح عند الشدة، فلا يصبر لبلائها، ولم يحتسب أجرها، ولم يرج عاقبتها". وقوله في الدر المنثور"قحقح"، أظنه خطأ، وإنما هو حقحق كما في أصول الطبري. والحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر. يريد أنه يسرع إسراعًا في حيرته حتى يهلكه التعب، وذلك أن المنافق لا يصبر على البلوى صبر المؤمن الراضي بما شاء الله وقدر. وقوله"فانقطع به" بالبناء للمجهول يقال للدابة وللرجل"قطع به وانقطع به" بالبناء للمجهول، إذا عجز فلم ينهض، وأتاه أمر لا يقدر على أن يتحرك معه، وانقطع رجاؤه. وفي المخطوطة"فتقطع به" وليست بشيء. وفي المطبوعة: "وإذا أصابته شدة".]] .
٤٥٩- وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمر، عن قتادة:"فيه ظلمات ورعد وبرق"، يقول: أجبنُ قوم [[في المطبوعة: "أخبر عن قوم"، وهو كلام بلا معنى.]] لا يسمعون شيئًا إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حَذرًا من الموت، والله مُحيطٌ بالكافرين. ثم ضرب لهم مَثلا آخر فقال:"يكادُ البرقُ يخطف أبصارَهم كلما أضاء لهم مشوا فيه"، يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يُصبني منذُ دخلت في ديني هذا إلا خيرٌ."وإذا أظلم عليهم قاموا" يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصَابهم البلاءُ، قاموا متحيرين [[الأثر ٤٥٩- لم أجده بلفظه، وأثر قتادة في الدر المنثور ١: ٣٣ شبيه به في المعنى دون اللفظ.]] .
٤٦٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فيه ظلمات ورعد وبرق"، قال: مَثَلُهم كمثل قوم ساروا في ليلة مظلمة، ولها مطر ورَعد وبرق على جادَّة، فلما أبرقت أبصرُوا الجادَّة فمضوا فيها، وإذا ذهب البرق تحيَّروا. وكذلك المنافق، كلما تكلم بكلمة الإخلاص أضاء له، فإذا شك تحيَّر ووقع في الظلمة، فكذلك قوله:"كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا"، ثم قال: في أسماعهم وأبصارهم التي عاشوا بها في الناس،"ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم".
قال أبو جعفر:
٤٦١- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان الباهلي، عن الضحاك بن مُزَاحم،"فيه ظلمات"، قال: أما الظلمات فالضلالة، والبرق الإيمان [[الأثر ٤٦١- في الأصول"أبو نميلة" بالنون، وهو خطأ، والصواب"أبو تميلة" بالتاء مصغرًا، وهو يحيى بن واضح، كما مضى في: ٣٩٢.]] .
٤٦٢- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد في قوله:"فيه ظلمات ورَعد وبرق"، فقرأ حتى بلغ:"إنّ الله على كل شيء قدير"، قال: هذا أيضًا مثلٌ ضربه الله للمنافقين، كانوا قد استناروا بالإسلام، كما استنارَ هذا بنور هذا البرق.
٤٦٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جُريج: ليس في الأرض شيء سمعه المنافق إلا ظنّ أنه يُراد به، وأنه الموت، كراهيةً له -والمنافق أكرهُ خلق الله للموت- كما إذا كانوا بالبَراز في المطر، فرُّوا من الصواعق [[في المخطوطة: "كما إذ كانوا بالبر في المطر. . "، وهو شبيه بالصواب. والبراز: الفضاء من الأرض البعيد الواسع، ليس به شجر ولا غيره مما يستتر به.]] .
٤٦٤- حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء في قوله:"أو كصَيِّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق"، قال: مثَل ضُرِبَ للكافر [[الآثار ٤٦٠ - ٤٦٤: لم أجدها في مكان.]] .
وهذه الأقوال التي ذكرنا عمن رويناها عنه، فإنها - وإن اختلفت فيها ألفاظ قائليها - متقارباتُ المعاني، لأنها جميعًا تُنبئ عن أن الله ضَرَب الصيِّب لظاهر إيمان المنافق مَثلا وَمثَّلَ ما فيه من ظلمات لضلالته، وما فيه من ضياء برقٍ لنور إيمانه [[في المخطوطة: "بضلالته. . . بنور إيمانه".]] ؛ واتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه، لضَعف جَنانه ونَخْبِ فؤاده من حُلول عقوبة الله بساحته [[في المطبوعة: "وتحير فؤاده". والنخب: الجبن وضعف القلب. ورجل نخب ونخيب ومنخوب الفؤاد: جبان لا خير فيه، كأنه منتزع الفؤاد، فلا فؤاد له.]] ؛ وَمشيَه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه؛ وقيامَه في الظلام، لحيرته في ضلالته وارتكاسه في عَمَهه [[في المطبوعة: "باستقامته. . بحيرته في ضلالته. . "]] .
فتأويل الآية إذًا -إذْ كان الأمر على ما وصفنا- أو مَثَلُ ما استضاء به المنافقون - من قيلهم لرسول الله ﷺ وللمؤمنين بألسنتهم: آمنا بالله وباليوم الآخر وبمحمد وما جاء به، حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارهم بألسنتهم ما يُظهرون - بالله وبرسوله ﷺ وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر، مكذِّبون، ولخلاف ما يُظهرون بالألسُن في قلوبهم معتقدون، على عمًى منهم، وجهالة بما هم عليه من الضلالة، لا يدرون أيّ الأمرين اللذين قد شَرَعا لهم [فيه] الهداية [[في المخطوطة: "سرعا" غير واضحة ولا منقوطة. ولعل الصواب"شرعا" من قولهم شرعت الإبل الماء: أي دخلته وخاضت فيه لتشرب منه. والمنافق يخوض في الإيمان بلسانه وفي الكفر بقلبه. وزدت ما بين القوسين ليستقيم المعنى. وفي المطبوعة بعد: "الهداية في الكفر الذي كانوا عليه"، بغير ألف الاستفهام، وهو خطأ لا يستقيم.]] ، أفي الكفر الذي كانوا عليه قبل إرسال الله محمدًا ﷺ بما أرسله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمد ﷺ من عند ربهم؟ فهم من وعيد الله إياهم على لسان محمد ﷺ وَجِلون، وهم مع وجلهم من ذلك في حقيقته شاكُّون، في قلوبهم مَرَض فزادهمُ الله مَرَضًا. كمثل غَيثٍ سَرى ليلا في مُزنة ظلماء وليلة مظلمة [[في المطبوعة: "وليل مظلمة"، وهو خطأ بين.]] يحدوها رعدٌ، ويستطير في حافاتها برقٌ شديد لمعانه [[في المطبوعة والمخطوطة: "يحذوها" بالذال المعجمة، وهو خطأ. وإنما هو من حداء السائق بإبله: وهو غناؤه لها وزجره إياها، وهو يسوقها. جعل صوت الرعد حداء للسحاب. واستطار البرق: سطع وشق السحاب وانتشر في جوانب الغمام.]] ، كثير خَطرانه [[في المخطوطة: "خطواته" غير منقوطة، وهو تحريف. من قولهم خطر بسيفه أو سوطه يخطر خطرانًا: إذا رفعه مرة ووضعه أخرى، شبه شقائق البرق بالسوط يلمع مرة ويخفى أخرى.]] ، يكاد سَنا برقه يَذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه، وينهبط منها تارات صواعقُ، تكاد تَدَع النفوس من شدة أهوالها زَواهق.
فالصيِّب مَثلٌ لظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق، والظلمات التي هي فيه لظُلمات ما هم مستبطنون من الشك والتكذيب ومرض القلوب. وأما الرعدُ والصواعق، فلِما هم عليه من الوَجَل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله ﷺ في آي كتابه، إما في العاجل وإما في الآجل، أنْ يحلّ بهم، مع شكهم في ذلك: هل هو كائن أم غير كائن؟ وهل له حقيقة أم ذلك كذبٌ وباطلٌ؟ - مثلٌ [[قوله"مثل" خبر مبتدأ محذوف، فسياق الجملة كما ترى: أما الرعد والصواعق، فمثل لما هم عليه من الوجل. .]] . فهم من وَجلهم، أن يَكون ذلك حَقًّا، يتقونه بالإقرار بما جاء به محمد ﷺ بألسنتهم، مخافةً على أنفسهم من الهلاك ونزول النَّقِمَات [[النقمات: جمع نقمة مثل كلمات وكلمة، وهي العقوبات.]] . وذلك تأويل قوله جل ثناؤه"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت"، يعني بذلك: يتقون وَعيدَ الله الذي أنزله في كتابه على لسان رسوله ﷺ، بما يبدونه بألسنتهم من ظاهر الإقرار، كما يتّقي الخائف أصواتَ الصواعق بتغطية أذنيه وتصيير أصابعه فيها، حَذَرًا على نفسه منها.
وقد ذكرنا الخبرَ الذي روي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقولان: إن المنافقين كانوا إذا حضروا مجلس رسول الله ﷺ أدخلوا أصابعهم في آذانهم فَرَقًا من كلام رسول الله ﷺ أن ينزل فيهم شيء، أو يذكروا بشيء فيقتلوا. فإنْ كان ذلك صحيحًا - ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مُرتابًا - فإنّ القولَ الذي رُوي عنهما هو القول [[انظر الحديث رقم: ٤٥٢ والتعليق عليه.]] . وإن يكن غيرَ صحيح، فأولى بتأويل الآية ما قلنا، لأن الله إنما قصّ علينا من خَبرهم في أول مُبتدأ قصتهم [[في المطبوعة: "قصصهم"، ولا بأس بها. وبعد ذلك في المخطوطة: "أنهم عارفون يخادعون الله. . "، ولا معنى لإقحام قوله: "عارفون".]] ، أنهم يُخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع شكّ قلوبهم ومَرَض أفئدتهم في حقيقة ما زَعموا أنهم به مؤمنون، مما جاءهم به رسول الله ﷺ من عند ربهم. وبذلك وصَفَهم في جميع آي القرآن التي ذكرَ فيها صفتهم. فكذلك ذلك في هذه الآية.
وإنما جَعل اللهُ إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتِّقائهم رسولَ الله ﷺ والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يَتَّقونهم به، كما يتّقي سامعُ صَوتِ الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه. وذلك من المثَل نظيرُ تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزَل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق. وكذلك قوله"حَذَرَ الموت"، جعله جلّ ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلِكهم الذي تُوُعِّدوه بساحتهم [[في المطبوعة: "العقاب المهلك. . " بدلوا لفظ الطبري، ليوافق ما اعتادوه من الكلام.]] كما يجعل سامعُ أصوات الصواعق أصَابعه في أذنيه، حَذَرَ العطب والموت على نفسه، أنْ تَزهق من شدتها.
وإنما نصَب قوله"حَذَرَ الموت" على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك:"زُرْتك تَكرمةً لك"، تريد بذلك: من أجل تكرمتك، وكما قال جلّ ثناؤه، ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [سورة الأنبياء: ٩٠] على التفسير للفعل [[قوله"على التفسير للفعل"، أي أنه مفعول لأجله.]] .
وقد رُوي عن قتادة أنه كان يتأول قوله:"حَذَرَ الموت"، حذرًا من الموت.
٤٦٥- حدثنا بذلك الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عنه.
وذلك مذهب من التأويل ضعيف، لأن القوم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حَذَرًا من الموت، فيكون معناه ما قال إنه يراد به [[في المطبوعة"مراد به"، وهما سواء.]] ، حَذَرًا من الموت، وإنما جعلوها من حِذَار الموت في آذانهم.
وكان قتادةُ وابنُ جُريج يتأوّلان قوله:"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حَذَر الموت"، أن ذلك من الله جلّ ثناؤه صفةٌ للمنافقين بالهلع وضعف القلوب وكراهة الموت، ويتأولان في ذلك قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المنافقون: ٤] .
وليس الأمر في ذلك عندي كالذي قالا. وذلك أنه قد كان فيهم من لا تُنكر شجاعته ولا تُدفع بسالته، كقُزْمان، الذي لم يَقم مقامه أَحدٌ من المؤمنين بأحُد، أو دونه [[هذه الجملة في المخطوطة هكذا: "كقزمان الذي لم يقم مقامه من المؤمنين كثير أحد ودونه" وهي عبارة مبهمة. وقد أثبت ما في المطبوعة، وجعلت"ودونه"، "أو دونه" ليستقيم المعنى. ويدل على ذلك أن عدة الذين قتلوا يوم أحد من المشركين اثنان وعشرون رجلا، قتل قزمان وحده منهم عشرة، وقتل علي بن أبي طالب أربعة، وقتل حمزة بن عبد المطلب ثلاثة، وقتل عاصم ابن ثابت بن الأقلح رجلين، وقتل سعد بن أبي وقاص رجلا واحدًا. وأما رسول الله ﷺ فقتل رجلا صبرًا، وقتل آخر بيده ﷺ. وقزمان حليف بني ظفر، قال رسول الله ﷺ: إنه لمن أهل النار. فلما أبلى يوم أحد، قيل له: أبشر! قال: بماذا أبشر؟ فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي! ولولا ذلك ما قاتلت. ولما اشتدت به جراحته وآذته، أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه.]] . وإنما كانت كراهتُهم شُهود المشاهدِ مع رسول الله ﷺ، وتركُهم مُعاونته على أعدائه، لأنهم لم يكونوا في أديانهم مُستبصرين، ولا برسول الله ﷺ مصدِّقين، فكانوا للحضور معه مَشاهدَه كارهين، إلا بالتخذيل عنه [[التخذيل: حمل الرجل على خذلان صاحبه، وتثبيطه عن نصرته.]] . ولكن ذلك وَصفٌ من الله جل ثناؤه لهم بالإشفاق من حُلول عقوبة الله بهم على نفاقهم، إما عاجلا وإما آجلا. ثم أخبر جل ثناؤه أنّ المنافقين - الذين نَعتهم الله النعتَ الذي ذكر، وضرب لهم الأمثال التي وَصَف، وإن اتقوْا عقابه، وأشفقوا عَذابه إشفاق الجاعل في أذنيه أصابعه حِذَارَ حُلول الوعيد الذي توعدهم به في آي كتابه - غيرُ مُنْجيهم ذلك من نزوله بعَقْوَتهم [[في المطبوعة: "بعقوبتهم"، وفي بعض المخطوطات: "بعقولهم"، وكلتاهما خطأ محض. والعقوة: ساحة الدار، وما كان حولها وقريبًا منها.]] ، وحُلوله بِساحتهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة، للذي في قلوبهم من مَرَضها، والشكّ في اعتقادها، فقال:"والله مُحيطٌ بالكافرين"، بمعنى جَامِعُهم، فمُحلٌّ بهم عُقوبته.
وكان مجاهدٌ يتأول ذلك كما:-
٤٦٦- حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم. عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"والله مُحيط بالكافرين"، قال: جامعهم في جهنم [[الأثر ٤٦٦- من تمام أثر في الدر المنثور ١: ٣٣.]] .
وأما ابن عباس فروي عنه في ذلك ما:-
٤٦٧- حدثني به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"والله مُحيط بالكافرين"، يقول: الله منزلٌ ذلك بهم من النِّقمة [[الخبر ٤٦٧- من تمام خبر في الدر المنثور ١: ٣٢ - ٣٣.]] .
٤٦٨- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، في قوله:"والله محيط بالكافرين"، قال: جامِعُهم.
ثم عاد جل ذكره إلى نعت إقرار المنافقين بألسنتهم، والخبر عنه وعنهم وعن نفاقهم، وإتمام المثل الذي ابتدأ ضربَه لهم ولشكّهم ومَرَض قلوبهم، فقال:"يكاد البرق"، يعني بالبرق، الإقرارَ الذي أظهروه بألسنتهم بالله وبرسوله وما جاء به من عند ربهم. فجعل البرقَ له مثلا على ما قدَّمنا صفته.
"يَخطفُ أبصَارهم"، يعني: يذهب بها ويستلبُها ويلتمعها من شدة ضيائه ونُور شُعاعه.
٤٦٩- كما حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عُمارة، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"يكاد البرقُ يخطف أبصارهم"، قال: يلتمعُ أبصارَهم ولمّا يفعل [[الخبر ٤٦٩- لم أجده. والتمع البصر أو غيره: اختلسه واختطفه وذهب به. ومنه الحديث: "إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يرفع بصره إلى السماء يلتمع بصره"، أي يختلس.]] .
قال أبو جعفر: والخطف السلب، ومنه الخبر الذي روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الخطْفة، يعني بها النُّهبة [[الذي ذكره ابن الأثير في النهاية أن الخطفة: ما اختطف الذئب من أعضاء الشاة وهي حية، لأن كل ما أبين من حي فهو ميت، وذلك أن النهي عن الخطفة كان لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، رأى الناس يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم ويأكلونها. قال: والخطفة المرة الواحدة من الخطف، فسمى بها العضو المختطف، وأما النهبة والنهبى، فاسم لما ينهب، وجاء بيانها في حديث سنن أبي داود ٣: ٨٨"فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها، فقام عبد الرحمن بن سمرة خطيبًا، فقال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النهبى". وفي الباب نفسه من سنن أبي داود عن رجل من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنما فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلى إذ جاء رسول الله ﷺ يمشي على قوسه، فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمل اللحم بالتراب ثم قال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة".]] . ومنه قيل للخُطاف الذي يُخرج به الدلو من البئر خُطَّاف، لاختطافه واستلابه ما عَلق به، ومنه قول نابغة بني ذُبيان:
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ متينةٍ ... تَمُدُّ بها أَيدٍ إِلَيْكَ نَوَازِعُ [[ديوانه: ٤١، وقبله البيت المشهور: فَإِنَّكَ كَالليلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ
خطاطيف: جمع خطاف. وحجن: جمع أحجن، وهو المعوج الذي في رأسه عقافة. وقال"تمد بها" ولم يقل: تمدها، لأنه لم يرد مد الحبال ذوات الخطاطيف، وإنما أراد اليد التي تمتد بها وفيها الخطاطيف، لأن اليد هي الذي تتبع الشيء حيث ذهب (انظر ما سيأتي من إدخال الباء على مثل هذا الفعل ص ٣٦٠ س: ٦ - ٩) وقوله"إليك" متعلق بقوله"نوازع". ونوازع جمع نازع ونازعة، من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها: جذبها وأخرجها. أي أن هذه الأيدي تجذب ما تشاء إليك، وترده عليك. والبيت متصل بالذي قبله، وبيان لقوله"فإنك كالليل الذي هو مدركى"، أراد تهويل الليل وما يرى فيه، تتبعه حيث ذهب خطاطيف حجن لا مهرب له منها.]] فجعل ضَوءَ البرق وشدة شُعاع نُوره، كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند الله واليوم الآخر وشُعاعِ نوره، مثلا.
ثم قال تعالى ذكره:"كلما أضاء لهم"، يعني أن البرق كلما أضاء لهم، وجعل البرق لإيمانهم مَثلا. وإنما أراد بذلك: أنهم كلما أضاء لهم الإيمان، وإضاءتُه لهم: أن يروْا فيه ما يُعجبهم في عاجل دنياهم، من النُّصرة على الأعداء، وإصابةِ الغنائم في المغازي، وكثرة الفتوح، ومنافعها، والثراء في الأموال، والسلامةِ في الأبدان والأهل والأولاد - فذلك إضاءتُه لهم، لأنهم إنما يُظهرون بألسنتهم ما يُظهرونه من الإقرار، ابتغاءَ ذلك، ومدافعةً عن أنفسهم وأموالهم وأهليهم وذَراريهم، وهم كما وصفهم الله جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [سورة الحج: ١١] .
ويعني بقوله"مشوا فيه"، مشوا في ضوء البرق. وإنما ذلك مَثلٌ لإقرارهم على ما وصفنا. فمعناه: كلما رأوا في الإيمان ما يُعجبهم في عاجل دنياهم على ما وصفنا، ثبتوا عليه وأقاموا فيه، كما يمشي السائر في ظُلمة الليل وظُلمة الصَّيِّب الذي وصفه جل ثناؤه، إذا برقت فيها بارقةٌ أبصرَ طريقه فيها.
"وإذا أظلم"، يعني: ذهب ضوءُ البرق عنهم.
ويعني بقوله"عليهم"، على السائرين في الصيِّب الذي وَصف جل ذكره. وذلك للمنافقين مثَل. ومعنى إظلام ذلك: أنّ المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلام ما يعجبهم في دنياهم - عند ابتلاء الله مؤمني عباده بالضرَّاء، وتمحيصه إياهم بالشدائد والبلاء، من إخفاقهم في مَغزاهم، وإنالة عدوّهم منهم [[في المطبوعة"وإنالة عدوهم"، وهو خطأ. والإدالة: الغلبة، وهي من الدولة في الحرب، وهو أن يهزم الجيش مرة، ويهزمه الجيش الآخر تارة أخرى. يقال: اللهم أدلنا من عدونا! أي اللهم اجعل لنا الدولة عليه وانصرنا.]] ، أو إدبارٍ من دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقهم [[في المطبوعة: "قاموا على نفاقهم". وهذه أجود.]] ، وَثبتوا على ضلالتهم، كما قام السائر في الصيِّب الذي وصف جل ذكره [[في المطبوعة والمخطوطة: "كما قام السائرون في الصيب"، وهو خطأ، صوابه من مخطوطة أخرى.]] إذا أظلم وَخفتَ ضوء البرق، فحارَ في طريقه، فلم يعرف مَنهجه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: وإنما خَص جل ذكره السمعَ والأبصارَ - بأنه لو شاء أذهبَها من المنافقين دون سائر أعضاء أجسامهم [[في المخطوطة: "دون سائر أجسامهم".]] - للذي جرَى من ذكرها في الآيتين، أعني قوله:"يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق"، وقوله:"يكادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم كلما أضاء لهم مَشَوْا فيه"، فجرى ذكرها في الآيتين على وجه المثل. ثم عَقَّب جل ثناؤه ذكر ذلك، بأنه لو شاء أذْهبه من المنافقين عقوبةً لهم على نفاقهم وكفرهم، وعيدًا من الله لهم، كما توعَّدهم في الآية التي قبلها بقوله: "والله مُحيط بالكافرين"، واصفًا بذلك جل ذكره نفسَه، أنه المقتدر عليهم وعلى جمعهم، لإحلال سَخَطه بهم، وإنزال نِقْمته عليهم، ومُحذِّرَهم بذلك سَطوته، ومخوِّفَهم به عقوبته، ليتقوا بأسَه، ويُسارعوا إليه بالتوبة.
٤٧٠- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن حبير، عن ابن عباس:"ولو شاء الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم"، لِمَا تركوا من الحق بعد معرفته [[الخبر ٤٧٠- من تمام الخبر الذي ساقه في الدر المنثور ١: ٣٢ - ٣٣، وقد مضى صدره آنفًا: ٤٥١، ٤٦٧.]] .
٤٧١- وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: ثم قال -يعني قال الله- في أسماعهم، يعني أسماعَ المنافقين، وأبصارِهم التي عاشوا بها في الناس:"ولو شاءَ الله لذَهب بسمعهم وأبصارهم" [[الأثر ٤٧١- هو من الأثر السالف رقم: ٤٦٠.]] .
قال أبو جعفر: وإنما معنى قوله:"لذهب بسمعهم وأبصارهم"، لأذهب سَمعَهم وأبصارَهم. ولكن العرب إذا أدخلوا الباء في مثل ذلك قالوا: ذهبتُ ببصره، وإذا حذفوا الباء قالوا: أذهبتُ بصره. كما قال جل ثناؤه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [سورة الكهف: ٦٢] ، ولو أدخلت الباء في الغداء لقيل: ائتنا بغدَائنا [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٩. وانظر ما مضى ص ٣٥٧ تعليق: ٣]] .
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:" لذهب بسمعهم" فوحَّد، وقال:"وأبصارهم" فجمع؟ وقد علمتَ أن الخبر في السمع خبرٌ عن سَمْع جماعة [[في المخطوطة: "أن الخبر بالسمع"، وهذه أجود، وأجودهن"الخبر عن السمع" كما سيأتي في الذي يلي.]] ، كما الخبر عن الأبصار خبرٌ عن أبصار جماعة؟ [[في المطبوعة: "كما الخبر في الأبصار"، والذي في المخطوطة أجود.]]
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْق، وجمع الأبصار لأنه عَنَى به الأعينَ. وكان بعض نحويي البصرة يزعم: أنّ السمع وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى جماعة [[في المخطوطة: "لمعنى جماعة"، وهي صواب جيد.]] . ويحتج في ذلك بقول الله: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [سورة إبراهيم: ٤٣] ، يريد: لا ترتد إليهم أطرافهم، وبقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٥] ، يراد به أدْبارُهم. وإنما جاز ذلك عندي، لأن في الكلام ما يَدُلّ على أنه مُرادٌ به الجمع، فكان في دلالته على المراد منه، وأداء معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مُغنيًا عن جِمَاعه [[في المطبوعة: "فكان فيه دلالة على المراد منه، وأدى معنى الواحد من السمع عن معنى جماعة، مغنيًا عن جماعة"، وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة: ". . على المراد منه واوا معنى الواحد. . "، وقد صححت قراءتها كما ترى. وقوله" مغنيًا عن جماعه" أي عن جمعه، والطبري يكثر استعمال"جماع" مكان جمع، كما مضى وكما سيأتي.]] . ولو فعل بالبصر نظيرَ الذي فعل بالسمع، أو فعل بالسمع نظير الذي فعل بالأبصار -من الجمع والتوحيد- كان فصيحًا صحيحًا، لما ذكرنا من العلة، كما قال الشاعر:
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ [[البيت من أبيات سيبويه التي لا يعلم قائلها، سيبويه ١: ١٠٨، والخزانة ٣: ٣٧٩ - ٣٨١، وانظر أمالي ابن الشجري ١: ٣١١، ٢: ٣٥، ٣٨، ٣٤٣، وروايته: "في نصف بطنكم". وفي المخطوطة: "تعيشوا"، مكان"تعفوا"، وهي رواية ذكرها صاحب الخزانة. وروايتهم جميعًا "فإن زمانكم. . ".]]
فوحّد البطن، والمرادُ منه البطون، لما وصفنا من العلة.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: وإنما وَصف الله نفسه جلّ ذكره بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم مُحيطٌ، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قَديرٌ. ثم قال: فاتقوني أيُّها المنافقون، واحذرُوا خِداعي وخداعَ رسولي وأهلِ الإيمان بي، لا أحِلَّ بكم نقمتي، فإني على ذلك وعلى غيره من الأشياء قدير. ومعنى"قدير" قادر، كما معنى"عليم" عالم، على ما وصفتُ فيما تَقدم من نظائره، من زيادة معنى فعيل على فاعل في المدح والذم [[انظر تفسير قوله تعالى: "الرحيم"، فيما مضى: ص ١٢٦.]] .
القول في تأويل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: فأمرَ جل ثناؤه الفريقين - اللذين أخبرَ الله عن أحدهما أنه سواءٌ عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون [[في المخطوطة: "أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، وهما سواء في المعنى.]] ، لطبْعِه على قلوبهم وعلى سمعهم [[في المطبوعة: ". . وعلى سمعهم وأبصارهم"، والصواب حذف"وأبصارهم"، لأنها غير داخلة في معنى الطبع، كما مضى في تفسير الآية.]] ، وعن الآخرِ أنه يُخادع اللهَ والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله: آمنّا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلافَ ذلك، ومرض قلبه، وشكّه في حقيقة ما يُبدي من ذلك؛ وغيرهم من سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة، وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة. لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم. فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ [[في المخطوطة: "على ضرر ولا نفع"، وهما سواء.]] .
وكان ابن عباس: فيما رُوي لنا عنه، يقول في ذلك نظيرَ ما قلنا فيه، غير أنه ذُكر عنه أنه كان يقول في معنى"اعبُدوا ربكم": وحِّدوا ربكم. وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة [[مضى في تفسير قوله تعالى"إياك نعبد" ص: ١٦٠.]] . والذي أراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله:"اعبدوا ربكم" وحِّدوه، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه [[في المخطوطة"وحدوه له أفردوا. . "، وليس لها معنى.]] .
٤٧٢- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال الله:"يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم"، للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم [[الخبر ٤٧٢- في الدر المنثور ١: ٣٣، وابن كثير ١: ١٠٥، والشوكاني ١: ٣٨. وفي الدر والشوكاني: "من الكفار والمؤمنين"، ووافق ابن كثير أصول الطبري.]] .
٤٧٣- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"يا أيها الناس اعبدُوا ربّكم الذي خَلقكم والذين منْ قبلكم" يقول: خَلقكم وخَلق الذين من قبلكم [[الخبر ٤٧٣- في الدر المنثور ١: ٣٣، ولم ينسب إخراجه لابن جرير. وفي المخطوطة: "خلقكم والذين. . ".]] .
قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ من أدلّ دليل على فساد قول من زعم: أنّ تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غيرُ جائز، إلا بَعد إعطاء الله المكلف المعُونةَ على ما كلَّفه. وذلك أنّ الله أمرَ من وَصفنا، بعبادته والتوبة من كفره، بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضَلالتهم لا يَرْجعون.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم، وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكُم له العبادة [[في المطبوعة: "له بالعبادة" وهو خطأ.]] لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم، وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله:"لعلكم تتقون": تُطيعون.
٤٧٤- حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله:"لعلكم تتقون"، قال: لعلكم تطيعون [[الأثر ٤٧٤- في الدر المنثور ١: ٣٤.]] .
قال أبو جعفر: والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه:"لعلكم تتقون"؟ أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا، فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟
قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة [[يريد الطبري أن العرب تستعمل"لعل" مجردة من الشك، بمعنى لام كي، كما قال ابن الشجري في أماليه ١: ٥١.]] ، كما قال الشاعر:
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ، لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ! وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ [[لم أعرف قائلهما، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري، فيما أرجح، في أماليه ١: ٥١.]] فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلا مُتَأَلِّقِ [[رواية ابن الشجري"في الملا". والفلا جمع فلاة: وهي الأرض المستوية ليس فيها شيء والصحراء الواسعة. والملا: الصحراء والمتسع من الأرض - فهما سواء في المعنى.]]
يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ. وذلك أن"لعل" في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا﴾
وقوله:"الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا" مردود على"الذي" الأولى في قوله"اعبدُوا ربكم الذي خَلقَكم"، وهما جميعًا من نَعت"ربكم"، فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالقكُم، والخالقَ الذين من قبلكم، الجاعلَ لكم الأرض فراشًا. يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً [[في المطبوعة: "مهادًا وموطئًا"، وفي المخطوطة"مهادًا توتطا"، وكأن الصواب ما أثبتناه. والموطأ: المهيأ الملين الممهد. وسيأتي أن الفراش هو المهاد.]] وقرارًا يُستقرّ عليها. يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم وآلاءه لديهم [[في المطبوعة"زيادة نعمه عندهم، وآلائه لديهم"، والصواب ما في المخطوطة. وقوله"عباده" مفعول: "يذكر ربنا. . ".]] ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون.
٤٧٥- كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة [[قوله"وعن مرة"، ساقطة من المطبوعة، وهذا هو الصواب.]] ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا" فهي فراشٌ يُمشى عليها، وهي المهاد والقرار [[الخبر ٤٧٥- في الدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٨.]] .
٤٧٦- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة:"الذي جَعل لكم الأرض فراشًا"، قال: مهادًا لكم.
٤٧٧- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"الذي جعل لكم الأرض فراشًا"، أي مهادًا.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾
قال أبو جعفر: وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ. ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ [[في المطبوعة"سماؤه"، وكلتاهما صواب، سماء البيت، وسماوته: سقفه.]] ، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه. ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه، كما قال الفرزدق:
سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ [[ديوانه: ٧٣٥، والنقائض: ٦٠٠. ونجران: أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة. وذكر نجران، على لفظه وأصل معناه، والنجران في كلام العرب: الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب. وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته. والمقاول: جمع مقول. والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير. يقول: هي أرض عز عزيز، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم.]]
وكما قال نابغة بني ذُبيانَ:
سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ، فَرَأيتُ مِنْهَا ... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ [[ديوانه: ٨٦، وروايته: "صفحت بنظرة". وقوله"صفحت"، أي تصفحت الوجوه بنظرة، أو رميت بنظرة متصفحًا. والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش. والخدر: خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب، وهو الهودج. ووضع الشيء: ألقاه. وتحيت: تصغير"تحت"، وصغر"تحت"، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده. وقبله: فَلَوْ كَانَتْ غَدَاةَ الْبَيْنِ مَنَّتْ ... وَقَدْ رَفَعُوا الْخُدُورَ عَلَى الْخِيَامِ
صَفَحْتُ بنظرةٍ. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَرَائِبَ يستضئُ الحليُ فيها ... كَجمْرِ النارِ بُذِّرَ فِي الظَّلامِ]]
يريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت، فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها.
٤٧٨- كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"والسّماء بناء"، فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض. [[الخبر ٤٧٨- في الدر المنثور ١: ٣٤، جمعه مع الخبر: ٤٧٥ خبرًا واحدًا.]]
٤٧٩- حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قول الله:"والسماءَ بناءً"، قال: جعل السماء سَقفًا لكَ.
وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوامُ دُنياهم. فأعلمهم أن الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضرُّ ولا تنفع.
* *
القول في تأويل قول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنزل من السماء مطرًا، فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات [[في المخطوطة: "زرعهم وغروسهم"، وهما سواء.]] - رزقًا لهم، غذاءً وأقواتًا. فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه، وذكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة.
ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾
قال أبو جعفر: والأنداد جمع نِدّ، والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل، كما قال حسان بن ثابت:
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ؟ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ [[ديوانه: ٨، روايته"بكفء"، وكذلك في رواية الطبري الآتية (١٨: ٦٩ - ٧٠ بولاق) وقصيدة حسان هذه، يهاجى بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، قبل إسلامه، وكان هجا رسول الله ﷺ.]]
يعني بقوله:"ولستَ له بند"، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ. وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند [[في المطبوعة: "كان نظيرًا لشيء وشبيهًا".]] .
٤٨٠- كما حدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء [[الأثر ٤٨١- في الدر المنثور ١: ٣٥، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.]] .
٤٨١- حدثني المثنى، قال: حدثني أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبل، عن ابن أبي نَحيح، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أي عُدَلاء [[الأثر- ٤٨١- في الدر المنثور ١: ٣٥، والعدلاء: جمع عديل، وهو النظير والمثيل، كالعدل.]] .
٤٨٢- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله [[الخبر ٤٨٢- في الدر المنثور ١: ٣٤ - ٣٥، والشوكاني ١: ٣٩.]] .
٤٨٣- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد [[في المطبوعة: "ابن يزيد"، وهو خطأ.]] في قول الله:"فلا تَجعلوا لله أندادًا"، قال: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
٤٨٤- حُدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بِشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، قال: أشباهًا [[الخبر ٤٨٤- في الدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٩.]] .
٤٨٥- حدثني محمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبيب، عن عكرمة:"فلا تجعلوا لله أندادًا"، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ، لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك [[الأثر ٤٨٥- جاء مثله في خبر عن ابن عباس في ابن كثير ١: ١٠٥، والشوكاني ١: ٣٩. وفي المطبوعة: "أي تقولوا: لولا كلبنا. . "، وليست بشيء. وفي المخطوطة"ونحو هذا" مكان"ونحو ذلك". والخبر الذي في ابن كثير، ساقه مطولا بالإسناد من تفسير ابن أبي حاتم، من طريق الضحاك بن مخلد، وهو أبو عاصم النبيل الذي في هذا الإسناد، عن شبيب، وهو ابن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، ولعل الطبري قصر بهذا الإسناد، لأنه يروي مثل هذه الروايات، بهذا الإسناد إلى عكرمة، عن ابن عباس، كما مضى برقم: ١٥٧. وعن ذلك إعراض ابن كثير عن نقل رواية الطبري، واختياره رواية ابن أبي حاتم. وسياق رواية ابن أبي حاتم -عن ابن عباس- فيها فوائد جمة. ولفظها: "قال: الأنداد، هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها"فلان". هذا كله به شرك". ثم قال ابن كثير: "وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: ما شاء الله وشئت! قال: أجعلتني لله ندًّا؟! ". والحديث الذي يشير إليه ابن كثير، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح، عن ابن عباس: ١٨٣٩، ١٩٦٤، ٢٥٦١، ٣٢٤٧. وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص: ١١٦ ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح ١١: ٤٧٠ للنسائي وابن ماجه.]] .
فنهاهم الله تعالى أن يُشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيرَه، أو يتخذوا له نِدًّا وَعِدلا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم [[في المطبوعة: "ونعمتي" بالإفراد.]] - فكذلك فأفردوا ليَ الطاعة، وأخلصُوا ليَ العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا ونِدًّا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كلّ نعمةٍ عليكم فمنِّي [[في المطبوعة: ". . كل نعمة عليكم مني". وهذه أجود.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) ﴾
اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية:
فقال بعضهم: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل [[في المطبوعة: "أهل الكتابين التوراة والإنجيل".]] .
ذكر من قال: عنى بها جميعَ عبَدَة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين:
٤٨٦- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نَزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين. وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله:"فلا تَجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ، وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه [[الخبر ٤٨٦- مضى صدره في رقم: ٤٧٢، وتمامه في ابن كثير ١: ١٠٥، والدر المنثور ١: ٣٤، والشوكاني ١: ٣٩.]] .
٤٨٧- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة في قوله:"وأنتمْ تعلمون" أي تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض، ثم تجعلون له أندادًا [[الأثر ٤٨٧- في الدر المنثور ١: ٣٥.]] .
ذكر من قال: عني بذلك أهلَ الكتابين:
٤٨٨- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:"فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون"، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل.
٤٨٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا قَبيصة، قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، مثله [[الإسناد ٤٨٩- قبيصة، بفتح القاف: هو ابن عقبة بن محمد السوائي الكوفي، وهو ثقة معروف، من شيوخ البخاري، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، تكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري، بأنه يخطئ في بعض روايته، بأنه سمع من الثوري صغيرًا، ولكن لم يجرحه البخاري في الكبير ٤/١/١٧٧، وقال ابن سعد في الطبقات ٦: ٢٨١: "كان ثقة صدوقًا، كثير الحديث عن سفيان الثوري". وسأل ابن أبي حاتم (الجرح ٣/٢/١٢٦) أباه عن قبيصة وأبي حذيفة، فقال: "قبيصة أجل عندي، وهو صدوق. لم أر أحدًا من المحدثين يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره، سوى قبيصة بن عقبة، وعلي بن الجعد، وأبي نعيم - في الثوري".]] .
٤٩٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وأنتم تعلمون"، يقول: وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التوراة والإنجيل [[الأثر ٤٩٠- ذكره ابن كثير ١: ١٠٥، والدر المنثور ١: ٣٥، بنحوه.]] .
قال أبو جعفر: وأحسَِب أن الذي دَعا مجاهدًا إلى هذا التأويل، وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دُون غيرهم - الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أنّ اللهَ خالقها ورازقها، بجحودها وحدانيةَ ربِّها، وإشراكها معه في العبادة غيره. وإنّ ذلك لَقولٌ! ولكنّ الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ في كتابه عنها أنها كانت تُقر بوحدانيته، غير أنها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها، فقال جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [سورة الزخرف: ٨٧] ، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس: ٣١] .
فالذي هو أولى بتأويل قوله:"وأنتم تعلمون" - إذْ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانِيَّة الله، وأنه مُبدعُ الخلق وخالقهم ورازقهم، نظيرَ الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية دلالة على أنّ الله جل ثناؤه عني بقوله:"وأنتم تعلمون" أحدَ الحزبين، بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم، لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله:"يا أيها الناس اعبدُوا ربكم" - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة، من أنه يعني بذلك كل مكلف، عالم بوحدانية الله [[في المخطوطة: "من أنه معنى بذلك. . "، وهما سواء.]] ، وأنه لا شريكَ له في خلقه، يُشرِك معه في عبادته غيرَه، كائنًا من كان من الناس، عربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا أو أميًّا، وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله ﷺ، وأهل النفاق منهم، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله ﷺ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾
قال أبو جعفر: وهذا من الله عز وجل احتجاجٌ لنبيه محمد ﷺ على مشركي قومه من العرب ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب وضُلالهم، الذين افتتح بقصَصهم قولَه جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم"، وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وضُرباءَهم يَعني بها [[في المطبوعة: "وأخبر بأهم نعوتها"، وهي في المخطوطة"+وحرناهم تعنى بها" غير منقوطة ولا بينة، فاختار المصححون لها قراءة لا تحمل معنى! والضرباء: جمع ضريب؛ فلان ضريب فلان: نظيره أو مثله.]] ، قال الله جلّ ثناؤه: وإن كنتم أيها المشركون من العرب والكفارُ من أهل الكتابين، في شكٍّ -وهو الريب- مما نزّلنا على عبدنا محمد ﷺ من النور والبرهان وآيات الفرقان: أنه من عندي، وأنّي الذي أنزلته إليه، فلم تُؤمنوا به ولم تصدّقوه فيما يقول، فأتوا بحجة تدفع حُجته، لأنكم تعلمون أن حجةَ كلّ ذي نبوّة على صدقه في دعوَاه النبوة: أن يأتي ببرهان يَعجز عن أن يأتيَ بمثله جَميعُ الخلق. ومن حجة محمد ﷺ على صدقه، وبُرْهانه على حقيقة نبوته [[في المطبوعة: "وبرهانه على نبوته".]] ، وأنّ ما جاء به من عندي - عَجزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تَأتوا بسورةٍ من مثله. وإذا عَجزتم عن ذلك -وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة والذَّرابة [[في المطبوعة: "والدارية"، ولا معنى لها هنا، وستأتي بعد أسطر على الصواب. والذرابة: الحدة في كل شيء، وحدة اللسان وفصاحته ولدده. ذرب الرجل يذرب ذربًا وذرابة: فصح وصار حديد اللسان، فهو ذرب اللسان (بفتح الذال وكسر الراء) .]] - فقد علمتم أن غيركم عما عَجزتم عنه من ذلك أعْجزُ. كما كانَ برهانُ من سَلف من رُسلي وأنبيائي على صدْقه، وحُجتهُ على نبوته من الآيات، ما يَعجز عن الإتيان بمثله جميعُ خلقي. فيتقرر حينئذ عندكم أنّ محمدًا لم يتقوَّله ولم يختلقْه، لأنّ ذلك لو كان منه اختلافًا وتقوُّلا لم تعجزوا وجميع خلقي عن الإتيان بمثله. لأن محمدًا ﷺ لم يَعْدُ أن يكون بَشرًا مثلكم، وفي مثل حالكم في الجسم وبَسطة الخلق وذرَابة اللسان - فيمكن أن يُظنّ به اقتدارٌ على ما عَجزْتم عنه، أو يتوهم منكم عجزٌ عما اقتدر عليه.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"فأتوا بسورَة من مثله".
٤٩١- فحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فأتوا بسورة من مثله"، يعني: من مثل هذا القرآن حقًّا وصدْقًا، لا باطل فيه ولا كذب.
٤٩٢- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمر، عن قتادة في قوله:"فأتوا بسورة من مثله"، يقول: بسورة مثلِ هذا القرآن [[الأثر ٤٩٢- في الدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠.]] .
٤٩٣- حدثني محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن عبد الله بن أبي نَجيح، عن مجاهد:"فأتوا بسورة من مثله"، مثلِ القرآن.
٤٩٤- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٩٥- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"فأتوا بسورة مِنْ مثله"، قال:"مثله" مثلِ القرآن [[الآثار ٤٩٣ - ٤٩٥ في الدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠، وابن كثير ١: ١٠٨.]] .
فمعنى قول مجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما [[في المطبوعة: "اللذين ذكرنا عنهما".]] : أن الله جلّ ذكره قال لمن حاجَّه في نبيه محمد ﷺ من الكفار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتى به محمد بلغاتكم ومعاني منطقكم.
وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله:"فأتُوا بسورة من مثله"، من مثل محمد من البشر، لأن محمدًا بشر مثلكم [[يعني فأتوا بسورة من عند بشر مثل محمد.]] .
قال أبو جعفر: والتأويل الأول، الذي قاله مجاهد وقتادة، هو التأويل الصحيح. لأن الله جَل ثناؤه قال في سُورة أخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [سورة يونس: ٣٨] ، ومعلومٌ أنّ السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه، فيجوزُ أنْ يقال: فأتُوا بسورة مثل محمد.
فإن قال قائل: إنك ذكرتَ أن الله عني بقوله [[في المطبوعة: "إنك ذكرت"، بغير فاء.]] "، فأتوا بسورة من مثله"، من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فيقال: ائتوا بسورة من مثله؟
قيل: إنه لم يعنِ به: ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه، وإنما عنى: ائتوا بسورة من مثله في البيان، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ، فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية. فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين، فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه.
وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه ﷺ بما احتج به لهُ عليهم من القرآن [[في المطبوعة: "بما احتج له عليهم"، أسقط"به".]] ، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان، إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم، وكلامًا نزل بلسانهم، فقال لهم جلّ ثناؤه: وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية، إذْ كنتم عربًا، وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم. فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نزل به القرآن، فيقدِرُوا أن يقولُوا: كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به، وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به، فليس لك علينا بهذا حجة [[في المطبوعة: "حجة بهذا" على التأخير.]] . لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله [[في المطبوعة: "لسنا بأهله".]] - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنكم [[في المطبوعة: "ألسنتكم".]] ، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه، إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم - أقدرُ على اختلاقه ورَصْفِه وتأليفه من محمد ﷺ [[يقول: "وأنتم. . . أقدر على اختلاقه. . "، مبتدأ وخبر، وما بينهما فصل. وفي المطبوعة مكان"ورصفه"، "ووضعه". والرصف: ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه وإحكامه حتى يستوي. ومنه: كلام رصيف: أي محكم لا اختلاف فيه.]] ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجزوا -وأنتم جميعٌ- عما قدَر عليه محمدٌ من ذلك وهو وحيدٌ [[في المطبوعة"وهو وحده"، وهذه أجود.]] ، إن كنتم صادقين في دعواكم وزعمكم أنّ محمدًا افتراه واختلقه، وأنه من عند غيرِي.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) ﴾
فقال ابن عباس بما:
٤٩٦- حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس:"وادعوا شُهداءكم من دون الله"، يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، إن كنتم صادقين.
٤٩٧- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"وادعوا شُهداءكم"، ناس يَشهدون.
٤٩٨- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، مثله.
٤٩٩- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.
٥٠٠- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"وادعوا شهداءكم"، قال: ناس يشهدون. قال ابن جُريج:"شهداءكم" عليها إذا أتيتم بها - أنها مثلُه، مثل القرآن [[الآثار ٤٩٦ - ٥٠٠: في ابن كثير ١: ١٠٨ بعضها، والدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠، وفي المخطوطة في بعض المواضع: "أناس" مكان"ناس"، وهما سواء.]] .
وذلك قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد ﷺ. وقوله"فادعوا"، يعني: استنصروا واستغيثوا [[في المطبوعة: "واستعينوا"، وهما متقاربتان، والأولى أجود، وهي كذلك في معاني القرآن للفراء ١: ١٩.]] ، كما قال الشاعر:
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ ... دَعَوْا: يَا لَكَعْبٍ! وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ [[البيت للراعي النميري، اللسان (عزا) . واعتزى: انتسب، ودعا في الحرب بمثل قوله: يا لفلان، أو يا للمهاجرين، أو يا للأنصار، والاسم العزاء والعزوة، وهي دعوى المستغيث.]]
يعني بقوله:"دعوْا يالكعب"، استنصرُوا كعبًا واستغاثوا بهم [[في المطبوعة: "واستعانوا"، كما سلف في أختها قبل.]] .
وأما الشهداء، فإنها جمعُ شهيد، كما الشركاء جمع شريك [[في المطبوعة: "كالشركاء".]] ، والخطباء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهدُ على الشيء لغيره بما يحقِّق دَعواه. وقد يسمَّى به المشاهِدُ للشيء، كما يقال: فلان جليسُ فلان -يعني به مُجالسَه، ونديمه - يعني به مُنادِمَه، وكذلك يقال: شهيده - يعني به مُشاهِدَه.
فإذا كانت"الشهداء" محتملةً أن تكون جمعَ"الشهيد" الذي هو منصرف للمعنيين اللذين وصفتُ، فأولى وجهيه بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا على أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، إن كنتم مُحقّين في جُحودكم أنّ ما جاءكم به محمد ﷺ اختلاق وافتراء، لتمتحنوا أنفسكم وغيرَكم: هل تقدرون على أن تأتوا بسورة من مثله، فيقدرَ محمد على أن يأتي بجميعه من قِبَل نَفسه اختلاقًا؟
وأما ما قاله مجاهد وابن جُريج في تأويل ذلك، فلا وجه له. لأن القوم كانوا على عهد رسول الله ﷺ أصنافًا ثلاثة: أهل إيمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهلَ نفاق بين ذلك. فأهل الإيمان كانوا بالله وبرسوله مؤمنين، فكان من المحال أن يدّعي الكفار أن لهم شُهداء - على حقيقة ما كانوا يأتون به، لو أتوا باختلاق من الرسالة، ثم ادَّعوا أنه للقرآن نَظير - من المؤمنين [[قوله"من المؤمنين" متعلق بقوله آنفًا "أن لهم شهداء. . "، يعني شهداء من المؤمنين. ثم فصل، لأن قوله"على حقيقة ما كانوا يأتون به. . " متعلق أيضًا، بشهداء.]] . فأما أهلُ النفاق والكفر، فلا شكّ أنهم لو دُعُوا إلى تَحقيق الباطل وإبطال الحق لتتارعوا إليه مع كفرهم وضَلالهم [[في المطبوعة: "لسارعوا إليه مع كفرهم وضلالهم". وتترع إلى الشيء: تسرع إليه، يقال في التسرع إلى الشر وما لا ينبغي. وما في المخطوطة"تتارعوا" صحيح في اشتقاق العربية، وإن لم تذكره المعاجم، وهو مثل تسرع وتسارع، سواء.]] ، فمن أي الفريقين كانت تكون شُهداؤهم لو ادعوْا أنهم قد أتوْا بسورة من مثل القرآن [[في المطبوعة"فمن أي الفرق. . "، وكلام الطبري استفهام واستنكار. لأن من المحال أن يشهد المؤمنون على هذا الباطل، والكفار وأهل النفاق يتسرعون إلى الشهادة بالباطل لإبطال الحق، فكان محالا أن يكون معنى"الشهداء" هنا: الذين يشهدون لهم، أن ما جاءوا به نظير ما جاء به رسول الله ﷺ من عند الله تعالى. وصار حتما أن يكون معنى"الشهداء": الذين يظاهرونهم ويعاونونهم، كما جاء في الآية التالية.]] ؟
ولكنْ ذلك كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: ٨٨] ، فأخبر جل ثناؤه في هذه الآية، أنّ مثل القرآن لا يأتي به الجنّ والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيان به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخ لهم في سورة البقرة فقال تعالى:"وإنْ كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إنْ كنتمْ صَادقين". يعني بذلك: إن كنتم في شَكّ في صدق محمد فيما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، وليستنصر بعضُكم بعضًا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم، حتى تعلموا أنكم إذْ عَجزتم عن ذلك - أنّه لا يقدر على أن يأتي به محمد ﷺ، ولا من البشر أحدٌ، ويَصحَّ عندكم أنه تنزيلي وَوحيي إلى عبدي.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فإن لم تفعلوا"، إن لم تأتوا بسورة من مثله، فقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم عليه وأعوانكم [[في المطبوعة: "وقد تظاهرتم"، وما في المخطوطة أجود، وسيأتي بعد قليل بيان ذلك.]] ، فتبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعَجزُ جميع خلقي عنه، وعلمتم أنه من عندي، ثم أقمتم على التكذيب به.
وقوله:"ولن تفعلوا"، أي لن تأتوا بسورة من مثله أبدًا.
٥٠١- كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"فإن لم تفعلوا ولنْ تفعلوا"، أي لا تقدرون على ذلك ولا تطيقونه [[الأثر ٥٠١- ذكره السيوطي ١: ٣٥ بنحوه، ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير. وكتب فيه خطأ مطبعيًّا"ابن جريج".]] .
٥٠٢- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا"، فقد بَين لكم الحق [[الأثران ٥٠١، ٥٠٢- في الدر المنثور ١: ٣٥، والشوكاني ١: ٤٠. ولفظ الطبري في تفسير هذه الآية وفي التي تليها، وما استدل به من الأثر الأخير، يدل على أنه يرى أن جواب الشرط محذوف، لأنه معلوم قد دل عليه السياق؛ وجواب الشرط"فقد بين لكم الحق، وأقمتم على التكذيب به وبرسولي"، ثم قال مستأنفًا: "فاتقوا أن تصلوا النار بتكذيبكم رسولي، أنه جاءكم بوحيي وتنزيلي، بعد أن تبين لكم أنه كتابي ومن عندي".
ولم أجد من تنبه لهذا غير الزمخشري، فإنه قال في تفسير الآية من كتابه"الكشاف" ما نصه: "فإن قلت: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار، انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت: إنهم إذا لم يأتوا بها، وتبين عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق رسول الله ﷺ. وإذا صح عندهم صدقه، ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار. فقيل لهم: إن استبنتم العجز فاتركوا العناد. فوضع"فاتقوا النار" موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث إنه من نتائجه. لأن من اتقى النار ترك المعاندة. ونظيره أن يقول الملك لحشمه: "إن أردتم الكرامة عندي، فاحذروا سخطي". يريد: فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته: الإيجاز، الذي هو حلية القرآن، وتهويل شأن العناد، بإنابة اتقاء النار منابه، وإبرازه في صورته، مشيعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها".
فقد تبين بهذا مراد الطبري، وأنه أراد أن يبين أن اتقاء النار غير داخل في الشرط، ولا هو من جوابه، ليخرج بذلك من أن يكون معنى الكلام: قصر اتقائهم النار، على عجزهم عن الإتيان بمثله. وتفسير الآتي دال على هذا المعنى تمام الدلالة. وهو من دقيق نظر الطبري رحمه الله وغفر للزمخشري.]] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله"فاتقوا النار"، يقول: فاتقوا أن تَصْلَوُا النار بتكذيبكم رسولي بما جاءكم به من عندي أنه من وحيي وتنزيلي، بعدَ تبيُّنكم أنه كتابي ومن عندي، وقيام الحجة عليكم بأنه كلامي ووحيي، بعجزكم وعجز جميع خلقي عن أن يأتوا بمثله.
ثم وصف جل ثناؤه النارَ التي حَذرهم صِلِيَّها فأخبرهم أنّ الناس وَقودها، وأن الحجارة وَقُودها، فقال:"التي وَقودها الناس والحجارة"، يعني بقوله:"وَقُودُها" حَطبها، والعرب تَجعله مصدرًا وهو اسم، إذا فتحت الواو، بمنزلة الحطب.
فإذا ضَمت الواو من"الوقود" كان مصدرًا من قول القائل: وَقدَت النارُ فهي تَقِد وُقودًا وقِدَة ووَقَدانًا وَوقْدًا، يراد بذلك أنها التهبتْ.
فإن قال قائل: وكيف خُصَّت الحجارة فقرنت بالناس، حتى جعلت لنار جهنم حَطبًا؟ قيل: إنها حجارةُ الكبريت، وهي أشد الحجارة -فيما بلغنا- حرًّا إذا أحميت.
٥٠٣- كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر، عن عبد الملك بن مَيسرة الزرَّاد، عن عبد الرحمن بن سَابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، في قوله:"وقُودها الناس والحجارة"، قال: هي حجارة من كبريت، خَلقها الله يومَ خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدّها للكافرين.
٥٠٤- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا ابن عُيينة، عن مِسعر، عن عبد الملك الزرَّاد، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود في قوله:"وقودها الناسُ والحجارة"، قال: حجارة الكبريت، جعلها الله كما شاء [[الخبر ٥٠٣، ٥٠٤- مسعر، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين: هو ابن كدام - بكسر الكاف وتخفيف الدال، وهو ثقة معروف، أحد الأعلام. عبد الملك بن مَيسرة الهلالي الكوفي الزراد، نسبة إلى عمل الزرود: ثقة كثير الحديث، من صغار التابعين. عبد الرحمن بن سابط الجمحي المكي: تابعي ثقة. عمرو بن ميمون الأودي: من كبار التابعين المخضرمين، كان مسلمًا في حياة رسول الله ﷺ، ولم يره.
وهذا الخبر رواه الطبري بهذين الإسنادين وبالإسناد الآتي: ٥٠٧. وفي الأول والثالث أن عبد الملك ابن ميسرة يرويه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون، وفي الثاني: ٥٠٤"عبد الملك الزراد عن عمرو بن ميمون" مباشرة، بحذف"عبد الرحمن بن سابط". ولو كان هذا الإسناد وحده لحمل على الاتصال، لوجود المعاصرة، فإن عبد الملك الزراد يروي عن ابن عمر المتوفى سنة ٧٤، وعمرو بن ميمون مات سنة ٧٤ أو ٧٥. ولكن هذين الإسنادين: ٥٠٣، ٥٠٤ دلا على أنه إنما رواه عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون.
والخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦١، من طريق محمد بن عبيد عن مسعر عن عبد الملك الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود. فهذه طريق ثالثة تؤيد الطريقين اللذين فيهما زيادة عبد الرحمن في الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير ١: ١١٠١ - ١١١ من رواية الطبري، ونسبه لابن أبي حاتم والحاكم، ونقل تصحيحه إياه ولم يتعقبه. وذكره السيوطي ١: ٣٦ وزاد نسبته إلى: عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وهناد بن السري في كتاب الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب.]] .
٥٠٥- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"اتقوا النار التي وَقودُها الناس والحجارة"، أما الحجارة، فهي حجارةٌ في النار من كَبريت أسْوَد، يُعذبون به مع النار [[الخبر ٥٠٥- ذكره ابن كثير ١: ١١١ دون أن ينسبه، والسيوطي ١: ٣٦، ونسبه لابن جرير وحده.]] .
٥٠٦- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج في قوله:"وقودها الناس والحجارة"، قال: حجارة من كبريت أسودَ في النار، قال: وقال لي عمرو بن دينار: حجارةٌ أصلب من هذه وأعظم [[الأثر ٥٠٦- في ابن كثير ١: ١١١ دون نسبة.]] .
٥٠٧- حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن مسعر، عن عبد الملك بن مَيسرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: حجارةٌ من الكبريت خَلقها الله عنده كيفَ شاء وكما شاء [[الخبر ٥٠٧- سبق تفصيل إخراجه مع ٥٠٣، ٥٠٤.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) ﴾
قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا، على أن"الكافر" في كلام العرب، هو الساتر شيئًا بغطاء [[انظر ما مضى: ٢٥٥.]] ، وأن الله جل ثناؤه إنما سمى الكافر كافرا، لجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نَعماءَه قِبَله.
فمعنى قوله إذًا:"أعدت للكافرين"، أعدّت النارُ للجاحدين أنّ الله رَبُّهم المتوحِّدُ بخلقهم وخلق الذين من قبلهم، الذي جَعل لهم الأرض فراشًا، والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لهم - المشركينَ معه في عبادته الأندادَ والآلهة [[قوله"المشركين" من صفة قوله آنفًا: "للجاحدين".]] ، وهو المتفرد لهم بالإنشاء، والمتوحِّد بالأقوات والأرزاق [[في المخطوطة: "بالأشياء"، وهو خطأ.]] .
٥٠٨- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس:"أعدت للكافرين"، أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر [[الخبر ٥٠٨- في ابن كثير ١: ١١١، والدر المنثور ١: ٣٦، والشوكاني ١: ٤١.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله تعالى:"وبشِّر"، فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها الخبرُ بما يُسَرُّ به المخبَرُ، إذا كان سابقًا به كل مخبِرٍ سواه.
وهذا أمر من الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد، بشِّرْ من صدَّقك أنك رسولي - وأن ما جئتَ به من الهدى والنور فمن عندي، وحقَّق تصديقَه ذلك قولا بأداء الصالح من الأعمال التي افترضتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانك عليه - أن له جنات تجري من تحتها الأنهار، خاصةً، دُون من كذَّب بك وأنكرَ ما جئته به من الهدى من عندي وعاندك [[في المطبوعة: "ما جئت به من الهدى".]] ، ودون من أظهر تصديقك [[في المخطوطة: "دون من أظهر. . " بحذف الواو، وهو قريب في المعنى.]] ، وأقرّ أن ما جئته به فمن عندي قولا وجحده اعتقادًا، ولم يحققه عملا. فإن لأولئك النارَ التي وقُودها الناسُ والحجارة، مُعدةً عندي. والجنات: جمع جنة، والجنة: البستان.
وإنما عَنى جلّ ذكره بذكر الجنة: ما في الجنة من أشجارها وثمارها وغروسها، دون أرضها - ولذلك قال عز ذكره [[في المطبوعة: "فلذلك قال. . "، وما في المخطوطة أجود.]] ": تجري من تحتها الأنهار". لأنّه معلومٌ أنه إنما أراد جل ثناؤه الخبرَ عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جارٍ تحت أرضها. لأن الماء إذا كان جاريًا تحت الأرض، فلا حظَّ فيها لعيون منْ فَوقها إلا بكشف الساتر بينها وبينه. على أنّ الذي تُوصف به أنهارُ الجنة، أنها جارية في غير أخاديد.
٥٠٩- كما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدة، عن مسروق، قال: نخل الجنة نَضيدٌ من أصْلها إلى فرعها، وثمرها أمثالُ القِلال، كلما نُزعت ثمرة عادتْ مكانها أخرى، وماؤها يَجري في غير أخدود [[الأثر ٥٠٩- في الدر المنثور ١: ٣٨. وقال ابن كثير في تفسيره ١: ١١٣: "وقد جاء في الحديث أن أنهارها تجري في غير أخدود"، ولم يبين، وانظر ما سيأتي رقم: ٥١٧.]] .
٥١٠- حدثنا مجاهد [بن موسى] ، [[الإسناد ٥١٠- الزيادة بين القوسين من المخطوطة، وهو مجاهد بن موسى بن فروخ الخوارزمي، أبو علي الختلي (بضم ففتح) ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما. مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٤١٣، والصغير: ٢٤٥، والخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ٢٦٥ - ٢٦٦ وابن الأثير في اللباب ١: ٣٤٥. مات مجاهد هذا في رمضان سنة ٢٤٤. وشيخه يزيد: هو يزيد بن هارون.]] قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مِسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبي عُبيدة، بنحوه.
٥١١- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عبيدة -فذكر مثله- قال: فقلت لأبي عُبيدة: من حدّثك؟ فغضب، وقال: مسروق.
فإذا كان الأمر كذلك، في أنّ أنهارَها جارية في غير أخاديد، فلا شكّ أنّ الذي أريدَ بالجنات: أشجارُ الجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارُها تجري فوق أرضها وتحتَ غروسها وأشجارها، على ما ذكره مسروق. وذلك أولى بصفة الجنة من أن تكون أنهارها جاريةً تحت أرضها.
وإنما رغَّب الله جل ثناؤه بهذه الآية عبادَه في الإيمان، وحضّهم على عبادته بما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيمان به عنده، كما حذّرهم في الآية التي قبلها بما أخبر من إعداده ما أعدّ - لأهل الكفر به، الجاعلين معه الآلهةَ والأنداد - من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وتَرك طاعته [[في المخطوطة: "والتفريق لعقوبته"، ولا معنى لها.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"كلما رُزقوا منها": من الجنات، والهاء راجعةٌ على الجنات، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رُزقوا - من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته - من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل.
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله:"هذا الذي رُزقنا من قَبل".
فقال بعضهم: تأويل ذلك: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
٥١٢- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ، قالوا:"هذا الذي رُزقنا من قبل"، قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا [[في الدر المنثور: "فينظروا"، وفي الشوكاني: "فنظروا"، وكذلك في المخطوطة.]] إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا.
٥١٣- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة:"قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل"، أي في الدنيا.
٥١٤- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"قالوا هذا الذي رزقنا من قبل"، يقولون: ما أشبهه به.
٥١٥- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
٥١٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:"قالوا هذا الذي رزقنا من قَبل"، في الدنيا، قال:"وأتوا به مُتشابهًا"، يعرفونه [[الآثار ٥١٢ - ٥١٦: في تفسير ابن كثير ١: ١١٣ - ١١٤، والدر المنثور ١: ٣٨، والشوكاني ١: ٤٢.]] .
قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك في اللون والطعم بعضًا. ومن علة قائلي هذا القول: أن ثمار الجنة كلما نزع منها شيءٌ عاد مكانه آخرُ مثله.
٥١٧- كما حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عمرو بن مُرَّة يحدث، عن أبي عُبيدة، قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرُها مثل القلال، كلما نُزعت منها ثمرةٌ عادتْ مكانها أخرى [[انظر الآثار السالفة رقم: ٥٠٩ - ٥١١. وفي المخطوطة: "أمثال القلال" كما مر آنفًا.]] .
قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت، نظيرةُ التي نُزعت فأكِلت، في كل معانيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه:"وأتوا به متشابهًا"، لاشتباه جميعه في كل معانيه.
وقال بعضهم: بل قالوا:"هذا الذي رزقنا من قبل"، لمشابهته الذي قبله في اللون، وإن خالفه في الطعم.
ذكر من قال ذلك:
٥١٨- حدثنا القاسم بن الحسين، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثنا شيخ من المِصِّيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتِينا به من قبل. فيقول الملك: كُلْ، فاللونُ واحد والطعمُ مختلف [[الأثر ٥١٨- في ابن كثير ١: ١١٤، والدر المنثور ١: ٣٨.]] .
وهذا التأويل مذهب من تأوّل الآية. غير أنه يدفَع صحته ظاهرُ التلاوة. والذي يدل على صحته ظاهرُ الآية ويحقق صحته، قول القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبلُ في الدنيا. وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا"، فأخبر جل ثناؤه أنّ مِنْ قِيل أهل الجنة كلما رزقوا من ثمر الجنة رزقًا، أن يقولوا: هذا الذي رُزقا من قبلُ. ولم يخصص بأن ذلك من قِيلهم في بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جلّ ذكره عنهم أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شكّ أن ذلك من قيلهم في أول رزق رُزقوه من ثمارها أتُوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدّمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أنّ ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في أوْسطه وَما يَتلوه [[في المطبوعة: "في وسطه".]] - فمعلومٌ أنه مُحال أن يكون من قيلهم لأول رزق رُزقوه من ثمار الجنة: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا من ثمار الجنة! وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رُزقوه من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رُزقناه من قبل؟ إلا أن ينسُبهم ذُو غَيَّة وضَلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه [[في المطبوعة مكان قوله: "ذو غية"، "ذو غرة"، وفي المخطوطة: "ذو عته". والعته: نقص العقل، أو الجنون، وأجودهن ما أثبته عن كتاب حادي الأرواح لابن قيم الجوزية ١: ٢٦٨، حيث نقل نص الطبري.]] ، أو يدفعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك من قيلهم لأول رزق رُزقوه منها مِن ثمارها، فيدفعَ صحة ما أوجب الله صحّته بقوله:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا"، من غير نَصْب دلالة على أنه معنيّ به حالٌ من أحوال دون حال.
فقد تبيّن بما بيَّنا أنّ معنى الآية: كلما رُزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا [[هذا التفصيل الذي ذكره الطبري من جيد النظر في معاني الكلام.]] .
فإن سألنا سائل، فقال: وكيف قال القوم: هذا الذي رُزقنا من قبل، والذي رُزقوه من قبل قد عُدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له؟
قيل: إن الأمر على غير ما ذهبتَ إليه في ذلك. وإنما معناه: هذا من النوع الذي رُزقناه من قَبل هذا، من الثمار والرزق. كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلانٌ من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى. فيقول المقول له ذاك: هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك: أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعدّه له من الطعام هو طعامُه، لا أنّ أعيانَ ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له، هو طعامه. بل ذلك مما لا يجوز لسامع سَمعه يقول ذلك، أن يتوهم أنه أراده أو قصدَه، لأن ذلك خلافُ مَخرَج كلام المتكلم. وإنما يوجَّه كلام كلّ متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه، دون المجهول من معانيه. فكذلك ذلك في قوله:"قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل"، إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبل قد فني وعُدِم. فمعلوم أنهم عَنَوْا بذلك: هذا من النوع الذي رُزقناه من قبل، ومن جنسه في السِّمَات والألوان [[في المطبوعة: "في التسميات والألوان"، وهو خطأ.]] - على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا [[يعني بذلك الذي تقدم، معنى قوله: "وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه، دون المجهول من معانيه"، وقد مضى ذكر ذلك في ص ٣٨٨.
هذا، وقد وقع في المطبوعة خطأ بين، فقد وضع في هذا المكان ما نقلناه إلى حق موضعه في ص ٣٩٤ من أول قوله: "وقد زعم بعض أهل العربية. . " إلى قوله: "بخروجه عن قول جميع أهل العلم، دلالة على خطئه".]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾
قال أبو جعفر: والهاء في قوله:"وأتُوا به مُتشابهًا" عائدة على الرزق، فتأويله: وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا.
وقد اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل"المتشابه" في ذلك:
فقال بعضهم: تشابهه أنّ كله خيار لا رَذْلَ فيه.
ذكر من قال ذلك:
٥١٩- حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شُميل، قال: أخبرنا أبو عامر، عن الحسن في قوله:"متشابهًا" قال: خيارًا كُلَّها لا رَذل فيها.
٥٢٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن أبي رَجاء: قرأ الحسنُ آيات من البقرة، فأتى على هذه الآية:"وأتُوا به مُتشابهًا" قال: ألم تَروْا إلى ثمار الدنيا كيف تُرذِلُون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْل.
٥٢١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعمر، قال: قال الحسن:"وأتوا به متشابهًا" قال: يشبه بعضه بعضًا، ليس فيه من رَذْل [[في المطبوعة: "ليس فيه مرذول".]] .
٥٢٢- حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وأتوا به متشابهًا"، أي خيارًا لا رَذلَ فيه، وإن ثمار الدنيا يُنقَّى منها ويُرْذَل منها، وثمار الجنة خيارٌ كله، لا يُرْذَل منه شيء.
٥٢٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج. قال: ثمر الدنيا منه ما يُرْذَل، ومنه نَقاوَةٌ، وثمرُ الجنة نقاوة كله، يشبه بعضُه بعضًا في الطيب، ليس منه مرذول [[الآثار: ٥١٩ - ٥٢٣ بعضها في الدر المنثور ١: ٣٨، وبعضها في الشوكاني ١: ٤٢.]] .
* *
وقال بعضهم: تشابُهه في اللون وهو مختلف في الطعم.
ذكر من قال ذلك:
٥٢٤- حدثني موسى، قال حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"وأتوا به متشابهًا" في اللَّوْن والمرْأى، وليس يُشبه الطعمَ.
٥٢٥- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وأتوا به متشابهًا" مِثلَ الخيار.
٥٢٦- حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وأتوا به متشابهًا لونه مختلفًا طعمُه، مثلَ الخيار من القثّاء.
٥٢٧- حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وأتوا به متشابهًا"، يشبه بعضه بعضًا ويختلف الطعم.
٥٢٨- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"متشابهًا"، قال: مشتبهًا في اللون، ومختلفًا في الطعم.
٥٢٩- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"وأتوا به متشابهًا"، مثل الخيار [[الآثار: ٥٢٤ - ٥٢٩ بعضها في ابن كثير ١: ١١٤ - ١١٥، والدر المنثور ١: ٣٨، والشوكاني ١: ٤٢.]] .
* *
وقال بعضهم: تشابُهه في اللون والطعم.
ذكر من قال ذلك:
٥٣٠- حدثنا ابن وكيع. قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، قوله:"متشابهًا" قال: اللونُ والطعمُ.
٥٣١- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزّاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ويحيى بن سعيد:"متشابهًا" قالا في اللون والطعم.
* *
وقال بعضهم: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا في اللون، وإن اختلف طعومهما.
ذكر من قال ذلك:
٥٣٢- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"وأتوا به متشابهًا" قال: يشبه ثمر الدنيا، غيرَ أن ثمر الجنة أطيب.
٥٣٣- حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: قال حفص بن عمر، قال: حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله:"وأتوا به متشابهًا"، قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيبُ.
* *
وقال بعضهم: لا يُشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء.
ذكر من قال ذلك:
٥٣٤- حدثني أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعيّ -ح- وحدثنا محمد بن بشار، قال، حدثنا مؤمَّل، قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَان، عن ابن عباس - قال أبو كريب في حديثه عن الأشجعي -: لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا، إلا الأسماء. وقال ابن بشار في حديثه عن مؤمل، قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.
٥٣٥- حدثنا عباس بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عُبيد، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال: ليس في الدنيا من الجنة شيء إلا الأسماء.
٥٣٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد، في قوله:"وأتوا به متشابهًا"، قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التُّفاح بالتفاح والرُّمان بالرمان، قالوا في الجنة:"هذا الذي رزقنا من قبل" في الدنيا،"وأتوا به متشابهًا" يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم [[الآثار: ٥٣٠ - ٥٣٦ بعضها في الدر المنثور ١: ٣٨، والشوكاني ١: ٤٢.]] .
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، تأويلُ من قال: وأتوا به متشابهًا في اللون والمنظر، والطعمُ مختلف. يعني بذلك اشتباهَ ثمر الجنة وثمر الدنيا في المنظر واللون، مختلفًا في الطعم والذوق، لما قدّمنا من العلة في تأويل قوله:"كلما رُزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل" وأن معناه: كلما رُزقوا من الجِنان من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل هذا في الدنيا: فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك، ومن أجل أنهم أتُوا بما أتوا به من ذلك في الجنة متشابهًا، يعني بذلك تشابه ما أتوا به في الجنة منه، والذي كانوا رُزقوه في الدنيا، في اللون والمرأى والمنظر، وإن اختلفا في الطعم والذوق، فتباينا، فلم يكن لشيء مما في الجنة من ذلك نظير في الدنيا.
وقد دللنا على فساد قول من زعم أنّ معنى قوله:"قالوا هذا الذي رزقنا من قبل"، إنما هو قول من أهل الجنة في تشبيههم بعض ثَمر الجنة ببعض [[انظر ما مضى ص ٣٨٧ وما بعدها.]] . وتلك الدلالة على فساد ذلك القول، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله:"وأتوا به متشابهًا"، لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر عن المعنى الذي من أجله قال القوم:"هذا الذي رُزقنا من قبل" بقوله:"وأتوا به متشابهًا".
ويُسأل من أنكر ذلك [[في المطبوعة: "وسأل من أنكر. . "، وهو خطأ بين.]] ، فزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مما في الجنة نظيرًا لشيء مما في الدنيا بوجه من الوجوه، فيقال له: أيجوز أن يكون أسماءُ ما في الجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائرَ أسماء ما في الدنيا منها؟
فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنما عرّف عبادَه في الدنيا ما هو عنده في الجنة بالأسماء التي يسمى بها ما في الدنيا من ذلك.
وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك.
قيل: فما أنكرتَ أن يكون ألوانُ ما فيها من ذلك، نظيرَ ألوان ما في الدنيا منه [[في المطبوعة: "نظائر ألوان".]] ، بمعنى البياض والحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان، وإن تباينت فتفاضلت بفضل حسن المَرآة والمنظر، فكان لما في الجنة من ذلك من البهاء والجمال وحسن المَرآة والمنظر، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماء مع اختلاف المسميات بالفضْل في أجسامها؟ ثم يُعكس عليه القول في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله.
وكان أبو موسى الأشعري يقول في ذلك بما:
٥٣٧- حدثني به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف، عن قَسَامةَ، عن الأشعري، قال: إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلّمه صَنعةَ كل شيء، فثمارُكم هذه من ثمار الجنة، غيرَ أن هذه تغيَّرُ وتلك لا تغيَّرُ [[الحديث ٥٣٧- هذا إسناد صحيح. وهو وإن كان موقوفًا لفظًا فإنه مرفوع حكمًا، لأنه إخبار عن غيب لا يعلم بالرأي ولا القياس. والأشعري: هو أبو موسى، ولم يكن ممن يحكى عن الكتب القديمة. عوف: هو ابن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قسامة - بفتح القاف وتخفيف السين المهملة: هو ابن زهير المازني التميمي البصري، وهو ثقة تابعي قديم، بل ذكره بعضهم في الصحابة فأخطأ. وله ترجمة في الإصابة ٥: ٢٧٦ وابن سعد ٧/١/١١٠، وقال: "كان ثقة إن شاء الله، وتوفي في ولاية الحجاج على العراق"، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٤٧، وروى توثيقه عن ابن معين.
والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ ١: ٨٠، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن عوف، بهذا الإسناد. وذكره ابن القيم في حادي الأرواح ١: ٢٧٣ (ص ١٢٥ من الطبعة الثانية، طبعة محمود ربيع سنة ١٣٥٧) من رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن عقبة بن مكرم العمى الحافظ، عن ربعى بن إبراهيم بن علية عن عوف، بهذا الإسناد، مرفوعًا صراحة: "قال: قال رسول الله ﷺ". وكذلك ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ١٩٧ - ١٩٨"عن أبي موسى رفعه"، وقال: "رواه البزار، والطبراني، ورجاله ثقات". وذكره ابن القيم في حادي الأرواح قبل ذلك (ص ٣٠ - ٣١) ، من رواية"هوذة بن خليفة عن عوف" بهذا الإسناد، موقوفًا لفظًا. ورواية هوذة بن خليفة: رواها الحاكم في المستدرك ٢: ٥٤٣، ولكن إسنادها عندي أنه مغلوط، والظاهر أنه غلط من الناسخين. لأن الذي فيه: "هوذة بن خليفة حدثنا عوف عن قسامة بن زهير عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: إن الله لما أخرج آدم" إلخ. ثم قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي! ولا يمكن -فيما أعرف وأعتقد- أن يصحح الحاكم هذا الإسناد، ثم يوافقه الذهبي، إن كان على هذا الوجه، لأن أبا بكر بن أبي موسى الأشعري تابعي ثقة، فلو كان الإسناد هكذا كان الحديث مرسلا لا حجة فيه، سواء أرفعه أم قاله من قبل نفسه، فالظاهر أن الناسخين القدماء للمستدرك أخطئوا في زيادة"أبي بكر بن"، وأن صوابه: "عن أبي موسى الأشعري"، كما تبين من نقل ابن القيم رواية هوذة، وكما تبين من الروايات الأخر التي سقناها. والحمد لله على التوفيق.]] .
[[هذه الفقرة كلها من أول قوله: "وقد زعم بعض أهل العربية. . " كانت في المطبوعة في الموضع الذي أشرنا إليه آنفًا ص ٣٨٩.]] وقد زعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله:"وأتوا به متشابهًا"، أنه متشابهٌ في الفضل، أي كل واحد منه له من الفضْل في نحوه، مثلُ الذي للآخر في نحوه.
قال أبو جعفر: وليس هذا قولا نستجيز التشاغلَ بالدلالة على فساده، لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل. وحسبُ قولٍ - بخروجه عن قول جميع أهل العلم - دلالةٌ على خطئه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
قال أبو جعفر: والهاء والميم اللتان في"لهم" عائدتان على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والهاء والألف اللتان في"فيها" عائدتان على الجنات. وتأويل ذلك: وبشِّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات فيها أزواجٌ مطهرة.
والأزواج جمع زَوْج، وهي امرأة الرجل. يقال: فلانة زَوْجُ فلان وزوجته.
وأما قوله:"مطهَّرة" فإن تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والمكاره.
٥٣٨- كما حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما أزواجٌ مطهرة، فإنهن لا يحضْن ولا يُحْدِثن ولا يتنخَّمن.
٥٣٩- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله:"أزْواج مطهرة". يقول: مطهرة من القذَر والأذى.
٥٤٠- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى القطان [[في المخطوطة: "يحيى العطار"، وهو خطأ.]] ، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة" قال: لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَمذِين.
٥٤١- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزُّبيري، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه - إلا أنه زَاد فيه: ولا يُمنِين ولا يحضْنَ.
٥٤٢- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره:"ولهم فيها أزواج مطهرة" قال: مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبُزاق والمنيّ والولد.
٥٤٣- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا ابنُ المبارك، عن ابن جُريج، عن مجاهد، مثله.
٥٤٤- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: لا يَبُلْنَ ولا يتغوّطنَ ولا يحضْنَ ولا يلدن ولا يُمْنِين ولا يبزُقنَ.
٥٤٥- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوَ حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم.
٥٤٦- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، إي والله من الإثم والأذى.
٥٤٧- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة"، قال: طهّرهن اللهُ من كل بول وغائط وقذَر، ومن كل مأثم.
٥٤٨- حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، قال مطهرة من الحيض والحبَل والأذى.
٥٤٩- حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد، قال: المطهرة من الحيض والحبَل.
٥٥٠- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد:"ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرة" قال: المطهَّرة التي لا تحيض. قال: وأزواج الدنيا ليست بمطهرة، ألا تراهنّ يدمَيْنَ ويتركن الصلاة والصيامَ؟ قال ابن زيد: وكذلك خُلقت حواء حتى عصَتْ، فلما عصَتْ قال الله: إني خلقتك مطهَّرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة [[في المخطوطة: "كما دميت" بتشديد الميم، وهما سواء، ويعني بذلك دم الحيض. وهذا الأثر نقله ابن كثير ١: ١١٥ عن هذا الموضع، وفيه"أدميت"، كما في المطبوعة هنا. وقال ابن كثير بعد سياقه: "وهذا غريب".]] .
٥٥١- حُدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن الحسن في قوله:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، قال يقول: مطهَّرة من الحيض.
٥٥٢- حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن الحسن في قوله:"ولهم فيها أزواجٌ مطهرة"، قال: من الحيض.
٥٥٣- حدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جُريج، عن عطاء قوله:"ولهم فيها أزواج مطهرة"، قال: من الولد والحيض والغائط والبول، وذكر أشياءَ من هذا النحو [[الآثار ٥٣٨ - ٥٥٣: بعضها في ابن كثير ١: ١١٥، والدر المنثور ١: ٣٩، والشوكاني ١: ٤٢ وكرهنا الإطالة بتفصيل مراجعها واحدًا واحدًا. ونقل ابن كثير ١: ١١٥ - ١١٦ حديثًا مرفوعًا بهذا المعنى: يعني مطهرة"من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق"، من تفسير ابن مردويه بإسناده - من طريق محمد بن عبيد الكندي عن عبد الرزاق بن عمر البزيعي عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد، مرفوعًا. وقال: "هذا حديث غريب". ثم نقل عن الحاكم أنه رواه في المستدرك، من هذا الوجه، وأنه صححه على شرط الشيخين. ثم قال: "وهذا الذي ادعاه فيه نظر، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا - قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به. قلت: والأظهر أن هذا من كلام قتادة، كما تقدم". وهو كما قال ابن كثير. انظر الميزان ٢: ١٢٦.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنات خالدون. والهاء والميم من قوله"وهم"، عائدة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات. والهاء والألف في"فيها" على الجنات. وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم [[في الدر المنثور ١: ٤١، والشوكاني ١: ٤٢، أن ابن جرير أخرج عن ابن عباس في قوله"وهم فيها خالدون" -"أي خالدون أبدًا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له".
وهذا الخبر سيأتي عند تفسير الآية: ٨٢ من هذه السورة (١: ٣٠٧ بولاق) . فنقله السيوطي إلى هذا الموضع، وتبعه الشوكاني.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أنزل الله جل ثناؤه فيه هذه الآية وفي تأويلها.
فقال بعضهم بما:
٥٥٤- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: لَما ضرَب الله هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله:"مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا" وقوله:"أو كصيِّب من السماء"، الآيات الثلاث - قال المنافقون: الله أعلى وأجلّ من أنْ يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله:"إن الله لا يستحي أنْ يضرب مثَلا ما بعوضةً" إلى قوله:"أولئك همُ الخاسرُون".
وقال آخرون بما:
٥٥٥- حدثني به أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا قُرَاد، عن أبي جعفر الرازي، عن الرّبيع بن أنس، في قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها". قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤] [[الأثر ٥٥٥-"قراد" بضم القاف وفتح الراء مخففة: لقب له، واسمه"عبد الرحمن بن غزوان بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي، الخزاعي"، وهو ثقة، وقال أحمد: "كان عاقلا من الرجال". وترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢/٢/٢٧٤.]] .
٥٥٦- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس بنحوه - إلا أنه قال: فإذا خلتْ آجالهم وانقطعت مُدّتهم [[في المطبوعة: "خلى آجالهم"، وفي المخطوطة"خلا"، والصواب ما أثبته. وخلا العمر يخلو خلوا: مضى وانقضى.]] ، صاروا كالبعوضة تحيا ما جاعت، وتموت إذا رَويت، فكذلك هؤلاء الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله فأهلكهم. فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤] .
وقال آخرون بما:
٥٥٧- حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة، قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكرَ منه شيئًا ما قل منه أو كثر [[في المخطوطة: "شيئًا قل منه أو كثر" بحذف"ما"، وفي ابن كثير"مما قل أو كثر" وكلها متقاربة.]] . إن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها".
٥٥٨- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" [[الآثار: ٥٥٤ - ٥٥٨ أكثرها في ابن كثير ١: ١١٧، وبعضها في الدر المنثور ١: ٤١، والشوكاني ١: ٤٥.]] .
وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية، وفي المعنى الذي نزلت فيه، مذهبًا؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس.
وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما" - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور.
فإن قال قائل: إنما أوْجبَ أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرَب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور أمثالٌ موافقة المعنى لما أخبر عنه: أنه لا يستحي أن يضربه مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت، وبعضها تشبيهًا لها في الضّعف والمهانة بالذباب. وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوزَ أنْ يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا [[في المطبوعة: "أن يضرب مثلا ما"، وليست بشيء.]] .
فإن ذلك بخلاف ما ظنّ. وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالا منه به لقوم، وهدايةً منه به لآخرين.
٥٥٩- كما حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"مثلا ما بعوضة"، يعني الأمثال صغيرَها وكبيرَها، يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها ويُضل بها الفاسقين. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به.
٥٦٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله.
٥٦١- حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج عن مجاهد، مثله [[الآثار: ٥٥٩ - ٥٦١، وهي واحد كلها، في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وسيأتي برقم: ٥٦٦.]] .
قال أبو جعفر:- لا أنه جلّ ذكره قصَد الخبرَ عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرْب المثل بها، ولكن البعوضة لما كانت أضعف الخلق -
٥٦٢- كما حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال: البعوضة أضعفُ ما خلق الله.
٥٦٣- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، بنحوه [[الأثر: ٥٦٢ في الدر المنثور ١: ٤١.]] .
- [[قوله: "خصها. . " جواب قوله آنفًا: ". . لما كانت أضعف الخلق".]] خصها الله بالذكر في القِلة، فأخبر أنه لا يستحي أن يضرب أقلّ الأمثال في الحق وأحقرَها وأعلاها إلى غير نهاية في الارتفاع، جوابًا منه جل ذكره لمن أنكر من منافقي خلقه ما ضرَب لهم من المثل بمُوقِد النار والصيِّب من السماء، على ما نَعَتهما به من نَعْتهما.
فإن قال لنا قائل: وأين ذكر نكير المنافقين الأمثالَ التي وصفتَ، الذي هذا الخبر جوابه، فنعلم أنّ القول في ذلك ما قلت؟
قيل: الدلالة على ذلك بينة في قول الله تعالى ذكره [[في المطبوعة: "الدلالة على ذلك بينها جل ذكره في قوله".]] ": فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا". وإن القوم الذين ضرَب لهم الأمثال في الآيتين المقدَّمتين - اللتين مثَّل ما عليه المنافقون مقيمون فيهما [[قوله: "فيهما" متعلق بقوله"مثل"، أي: اللتين مثل فيهما -ما عليه المنافقون مقيمون- بموقد النار. .]] ، بمُوقِد النار وبالصيِّب من السماء [[في المطبوعة: "وبالصيب من السماء".]] ، على ما وصف من ذلك قبل قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا" - قد أنكروا المثل وقالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فأوضح لهم تعالى ذكره خطأ قِيلهم ذلك، وقبّح لهم ما نطقوا به، وأخبرهم بحكمهم في قيلهم ما قالوا منه، وأنه ضلال وفسوق، وأن الصواب والهدى ما قاله المؤمنون دون ما قالوه.
وأما تأويل قوله:"إن الله لا يستحيي"، فإن بعض المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب كان يتأول معنى"إن الله لا يستحيي": إن الله لا يخشى أن يضرب مثلا ويستشهدُ على ذلك من قوله بقول الله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧] ، ويزعم أن معنى ذلك: وتستحي الناسَ والله أحقُّ أن تستحيه - فيقول: الاستحياء بمعنى الخشية، والخشية بمعنى الاستحياء [[لم أعرف قائل هذا القول من المنسوبين إلى المعرفة بلغة العرب، ولكني رأيت أبا حيان يقول في تفسيره ١: ١٢١، يزعم أن هذا المعنى هو الذي رجحه الطبري، ومن البين أنه أخطأ فيما توهمه، فإن لفظ الطبري دال على أنه لم يحقق معناه، ولم يرضه، ولم ينصره. هذا على أني أظن أن مجاز اللفظ يجيز مثل هذا الذي قاله المنسوب إلى المعرفة بلغة العرب، وإن كنت أكره أن أحمل هذه الآية على هذا المعنى.]] .
وأما معنى قوله:"أن يضرب مثلا"، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة الروم: ٢٨] ، بمعنى وصف لكم، وكما قال الكُمَيْت:
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا [[هذا بيت استرقه الكميت استراقًا، على أنه مثل اجتلبه. وأصله: أن شيخًا كان في إبله، ومعه أولاده رحالا يرعونها، قد طالت غربتهم عن أهلهم. فقال لهم ذات يوم: "ارعوا إبلكم ربعا" (بكسر فسكون: وهو أن تحبس عن الماء ثلاثًا، وترد في اليوم الرابع) ، فرعوا ربعًا نحو طريق أهلهم. فقالوا: لو رعيناها خمسًا! (بكسر فسكون: أن تحبس أربعًا وترد في الخامس) فزادوا يومًا قبل أهلهم. فقالوا: لو رعيناها سدسًا! (أن تحبس خمسًا وترد في السادس) . ففطن الشيخ لما يريدون، فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم رعيها، إنما همتكم أهلكم! وأنشأ يقول: وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرَاهُ، ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
فصار قولهم: "ضرب أخماس لأسداس" مثلا مضروبًا للذي يراوغ ويظهر أمرًا وهو يريد غيره.
وحقيقة قوله"ضرب: بمعنى وصف"، أنه من ضرب البعير أو الدابة ليصرف وجهها إلى الوجه الذي يريد، يسوقها إليه لتسلكه. فقولهم: ضرب له مثلا، أي ساقه إليه، وهو يشعر بمعنى الإبانة بالمثل المسوق. وهذا بين.]]
بمعنى: وصف أخماس.
والمثَل: الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ [[ديوانه: ٨، وفي المخطوطة: "وما مواعيده"، وعرقوب -فيما يزعمون-: هو عرقوب ابن نصر، رجل من العمالقة، نزل المدينة قبل أن تنزلها يهود بعد عيسى ابن مريم عليه السلام. وكان يحتال في إخلاف المواعيد بالمماطلة، كما هو معروف في قصته.]]
يعني شَبَهًا، فمعنى قوله إذًا:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا": إن الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به [[هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية، لا ما أخذ به الطبري، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية.]] .
وأما "ما" التي مع "مثل"، فإنها بمعنى "الذي"، لأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا.
فإن قال لنا قائل: فإن كان القول في ذلك ما قلت [[في المطبوعة: "كما قلت".]] ، فما وجه نصب البعوضة، وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت [[في المطبوعة: "على ما تأولت"، وليست بجيدة.]] : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع؟ فأنى أتاها النصب؟
قيل: أتاها النصب من وجهين: أحدُهما، أن"ما" لما كانت في محل نصْب بقوله"يضرب"، وكانت البعوضة لها صلة، عُرِّبت بتعريبها [[في المطبوعة"أعربت بتعريبها". وقوله"عربت": أي أجريت مجراها في الإعراب، وهذا هو معنى"التعريب" في اصطلاح قدماء النحاة، وستمر بك كثيرًا فاحفظها، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم.]] فألزمت إعرابها، كما قال حسان بن ثابت:
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا ... حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا [[ليس في ديوانه، ويأتي في الطبري ٤: ٩٩ غير منسوب، وفي الخزانة: ٢: ٥٤٥ - ٥٤٦ أنه لكعب بن مالك، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره. ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة. وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني: ١١٦، ٢٥٢، وأثبت بيتا قبله: نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ بِنَصْرِ وَلِيِّهِ ... فالله، عَزَّ، بِنَصْرِهِ سَمَّانَا
قال: يعني أن الله عز وجل سماهم"الأنصار"، لأنهم نصروا النبي ﷺ ومن والاه. والباء في"بنصر وليه"، بمعنى"مع".]]
فعُرِّبت"غيرُ" بإعراب"من". والعرب تفعل ذلك خاصة في"من" و"ما" [[في المطبوعة: "فالعرب تفعل. . . ".]] ، تعرب صِلاتهما بإعرابهما، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا، ونكرة أحيانًا.
وأما الوجه الآخر، فأن يكون معنى الكلام: إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، ثم حذف ذكر"بين" و"إلى"، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في"ما" الثانية، دلالة عليهما، كما قالت العرب:"مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة" و"له عشرون ما ناقة فجملا"، و"هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا"، يعنون: ما بين قرنها إلى قدمها [[في المخطوطة: "يعنون بذلك من قرنها. . ".]] . وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول:"ما بين كذا إلى كذا"، ينصبون الأول والثاني، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام [[في المخطوطة: "ليدل النصب في الأسماء على المحذوف. . . "، وهما سواء]] . فكذلك ذلك في قوله:"ما بعوضة فما فوقها" [[أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٢١ - ٢٢، وذكر الوجهين السالفين جميعًا، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين.]] .
وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ "ما" التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل [[قد مضى قديمًا شرح معنى التطول (انظر: ١٨، ٢٢٤ وما يأتي ص: ٤٠٦، ١٥٤ من بولاق) ، وهو الزيادة في الكلام. وهذا الذي قال عنه: "زعم بعض أهل العربية"، هو الفراء نفسه، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن ١: ٢١، وقال: "أولها: أن توقع الضرب على البعوضة، وتجعل ما صلة، كقوله: "عما قليل ليصبحن نادمين"، يريد: عن قليل. المعنى -والله أعلم-: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا".
والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو"تطولا"، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو"صلة"، وهي الزيادة في الكلام.]] وأن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها. فعلى هذا التأويل، يجب أن تكون"بعوضةً" منصوبةً بـ "يضرب"، وأن تكون"ما" الثانية التي في"فما فوقها" معطوفة على البعوضة لا على"ما".
وأما تأويل قوله"فما فوقها": فما هو أعظم منها [[في المخطوطة: "فهو ما قد عظم منها"، وهو خطأ بلا معنى.]] -عندي- لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج: أن البعوضة أضعف خلق الله، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف. وإذ كانت كذلك، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء، لا يكون إلا أقوى منه. فقد يجب أن يكون المعنى -على ما قالاه- فما فوقها في العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة.
وقيل في تأويل قوله"فما فوقها"، في الصغر والقلة. كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ، فيقول السامع:"نعم، وفوقَ ذاك"، يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم [[في المطبوعة: "فوق الذي وصف". وهذا التأويل الذي ذكره الطبري، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن ١: ٢٠ - ٢١ وأبان عنه، وقال: "ولو جعلت في مثله من الكلام"فما فوقها"، تريد أصغر منها، لجاز ذلك. ولست أستحبه"، يعني: أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله.]] ، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن.
فقد تبين إذًا، بما وصفنا، أن معنى الكلام: إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة.
فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة، فغير جائز في"ما"، إلا ما قلنا من أن تكون اسما، لا صلة بمعنى التطول [[قد شرحنا معنى"صلة" و"تطول" فيما مضى ص: ٤٠٥.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فأما الذين آمنوا"، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله. وقوله:"فيعلمون أنه الحق من ربهم". يعني: فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله، لِما ضرَبه له، مثَل.
٥٦٤- كما حدثني به المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أنّ هذا المثلَ الحقُّ من ربهم، وأنه كلامُ الله ومن عنده [[الأثر: ٥٦٤- هو عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، كما مر كثيرًا، وكذلك جاء في الدر المنثور ١: ٤٣.]] .
٥٦٥- وكما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله"فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم"، أي يعلمون أنه كلامُ الرحمن، وأنه الحق من الله [[الأثر ٥٦٥- في ابن كثير ١: ١١٨.]] .
"وأما الذين كفروا فيقولونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا".
قال أبو جعفر: وقوله"وأما الذين كفرُوا"، يعني الذين جحدوا آيات الله، وأنكرُوا ما عرفوا، وستروا ما علموا أنه حق، وذلك صفةُ المنافقين، وإياهم عَنَى الله جلّ وعز - ومن كان من نظرائهم وشركائهم من المشركين من أهل الكتاب وغيرهم - بهذه الآية، فيقولون: ماذا أراد الله بهذا مثلا كما قد ذكرنا قبل من الخبر الذي رويناه عن مجاهد الذي:-
٥٦٦- حدثنا به محمد عن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فأما الذين آمنوا فيعلمونَ أنه الحقّ من ربهم" الآية، قال: يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها، ويَضلّ بها الفاسقون. يقول: يعرفه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به [[الأثر ٥٦٦- قد مضى برقم: ٥٥٩.]] .
وتأويل قوله:"ماذا أراد الله بهذا مثلا"، ما الذي أراد الله بهذا المثل مثلا."فذا"، الذي مع"ما"، في معنى"الذي"، وأراد صلته، وهذا إشارةٌ إلى المثل [[في المطبوعة: "فذا مع ما في معنى. . "]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز:"يضلّ به كثيرًا"، يضلّ الله به كثيرًا من خلقه. والهاء في"به" من ذكر المثل. وهذا خبر من الله جل ثناؤه مبتدَأٌ، ومعنى الكلام: أن الله يُضلّ بالمثل الذي يضربه كثيرًا من أهل النفاق والكفر:-
٥٦٧- كما حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدّي، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"يضلّ به كثيرًا" يعني المنافقين،"ويهدي به كثيرًا"، يعني المؤمنين [[الخبر: ٥٦٧- في ابن كثير ١: ١١٩، والدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وهو فيها تام متصل، وتمامه الأثر الذي يليه: ٥٦٨. ولكن ابن كثير أخطأ، فوصل هذا الخير بكلام الطبري الذي يليه، كأنه كله من تفسير ابن عباس وابن مسعود، وهو خطأ محض. فقول الطبري بعد"فيزيد هؤلاء ضلالا. . " هو من تمام قوله قبل هذا"أن الله يضل بالمثل الذي يضربه كثيرا من أهل النفاق والكفر".]] .
- فيزيد هؤلاء ضلالا إلى ضلالهم، لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه الله لما ضرَبه له، وأنه لما ضرَبه له موافق. فذلك إضْلال الله إياهم به. و"يهدي به"، يعني بالمثل، كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هُداهم وإيمانًا إلى إيمانهم. لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق ما ضرَبه الله له مثلا وإقرارُهم به. وذلك هدايةٌ من الله لهم به.
وقد زعم بعضهم أنّ ذلك خبرٌ عن المنافقين، كأنهم قالوا: ماذا أراد الله بمثل لا يعرفه كل أحد، يضلّ به هذا ويهدي به هذا. ثم استؤنف الكلام والخبر عن الله، فقال الله:"وما يضل به إلا الفاسقين". وفيما في سورة المدثر - من قول الله:"وليقولَ الذينَ في قلوبهمْ مَرَضٌ والكافرونَ ماذا أرَاد الله بهذا مثلا. كذلك يُضلّ اللهُ مَن يشاءُ ويهدي من يشاء" - ما ينبئ عن أنه في سورة البقرة كذلك، مبتدأٌ - أعني قوله:"يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا".
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (٢٦) ﴾
وتأويل ذلك ما:-
٥٦٨- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، هم المنافقون [[الخبر ٥٦٨- تمام الأثر السالف، وقد ذكرنا موضعه.]] .
٥٦٩- وحدثنا بشر بن مُعاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"وما يُضِلّ به إلا الفاسقين"، فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم [[الأثر: ٥٦٩- في ابن كثير ١: ١١٩، وفي الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥، وفيهما مكان"على فسقهم"، "بفسقهم".]] .
٥٧٠- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وما يضل به إلا الفاسقين"، هم أهل النفاق [[الأثر: ٥٧٠- في ابن كثير ١: ١١٩.]] .
قال أبو جعفر: وأصلُ الفسق في كلام العرب: الخروجُ عن الشيء. يقال منه: فسقت الرُّطَبة إذا خرجت من قشرها. ومن ذلك سُمّيت الفأرةُ فُوَيْسِقة، لخروجها عن جُحرها [[انظر الطبري ١٥: ١٧٠ (بولاق) . وقوله: "يحكى عن العرب سماعًا: فسقت الرطبة من قشرها، إذا خرجت. وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها"، وسائر ما قال هناك.]] ، فكذلك المنافق والكافر سُمّيا فاسقيْن، لخروجهما عن طاعة ربهما. ولذلك قال جل ذكره في صفة إبليس: ﴿إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [سورة الكهف: ٥٠] ، يعني به خرج عن طاعته واتباع أمره.
٥٧١- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة البقرة: ٥٩] ، أي بما بعُدوا عن أمري [[الخبر: ٥٧١- لم أجده في مكانه من تفسير آية البقرة، ولا في أية آية ذكر فيها هذا الحرف. ولم يخرجه أحد ممن اعتمدنا ذكره. وفي المخطوطة: "من أمري".]] . فمعنى قوله:"وما يُضلّ به إلا الفاسقين"، وما يضلّ الله بالمثل الذي يضربه لأهل الضلال والنفاق، إلا الخارجين عن طاعته، والتاركين اتباعَ أمره، من أهل الكفر به من أهل الكتاب، وأهل الضّلال من أهل النفاق.
القول في تأويل قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
قال أبو جعفر: وهذا وصف من الله جل ذكره الفاسقين الذين أخبر أنه لا يُضلّ بالمثَل الذي ضربه لأهل النفاق غيرَهم، فقال: وما يُضِلّ الله بالمثل الذي يضربه - على ما وصف قبلُ في الآيات المتقدمة - إلا الفاسقين الذين ينقُضُون عهد الله من بعد ميثاقه.
ثم اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه:-
فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ. ونقضُهم ذلك، تركُهم العمل به.
وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عَنى الله جل ذكره بقوله:"إنّ الذين كفرُوا سواءٌ عليهم أأنذرتهم"، وبقوله:"ومن الناس مَنْ يَقول آمنَّا بالله وباليوم الآخر". فكل ما في هذه الآيات، فعَذْل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قَصَصهم. قالوا: فعهدُ الله الذي نقضوه بعدَ ميثاقه، هو ما أخذه الله عليهم في التوراة - منَ العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بُعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضُهم ذلك، هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علمَ ذلك الناسَ [[في المطبوعة: "عن الناس"، و"الناس" منصوب، مفعول ثان، للمصدر"كتمانهم". والفعل"كتم" يتعدى إلى مفعول ومفعولين، تقول: كتمت فلانًا سرى، وكتمت عن فلان سرى، وهما سواء.]] ، بعد إعطائهم اللهَ من أنفسهم الميثاق لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه ورَاء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلا.
وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميعَ أهل الشرك والكفر والنفاق. وعهدُه إلى جميعهم في توحيده: ما وضعَ لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته. وعهدُه إليهم في أمره ونهيه: ما احتجّ به لرسله من المعجزات التي لا يقدرُ أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها، الشاهدةِ لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك، تركهم الإقرارَ بما قد تبيَّنت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبُهم الرسلَ والكُتُب، مع علمهم أن ما أتوا به حقّ.
وقال آخرون: العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢-١٧٣] . ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.
وأولى الأقوال عندي بالصواب في ذلك قولُ من قال: إن هذه الآيات نزلت في كفّار أحبار اليهود الذين كانوا بين ظَهْرَانَيْ مهاجَر رسول الله ﷺ، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شِركه من أهل النفاق الذين قد بينا قصَصهم فيما مضى من كتابنا هذا.
وقد دللنا على أن قول الله جل ثناؤه:"إنّ الذين كفروا سواء عليهم"، وقوله:"ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر"، فيهم أنزِلت، وفيمن كان على مثل الذي هم عليه من الشرك بالله. غيرَ أن هذه الآيات عندي، وإن كانت فيهم نزلتْ، فإنه معنيٌّ بها كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضّلال، ومعنيٌّ بما وافق منها صفة المنافقين خاصّةً، جميعُ المنافقين [[سياق العبارة: "ومعنى جميع المنافقين، بما وافق منها صفة المنافقين" وعبارة الطبري أعرب.]] ؛ وبما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميعُ من كان لهم نظيرًا في كفرهم.
وذلك أن الله جلّ ثناؤه يعم أحيانًا جميعَهم بالصّفة، لتقديمه ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرتْ قَصَصهم، ويخصّ أحيانا بالصفة بعضَهم، لتفصيله في أول الآيات بين فريقيْهم، أعني: فريقَ المنافقين من عبدة الأوثان وأهل الشرك بالله، وفريقَ كفار أحبار اليهود. فالذين ينقضون عهدَ الله، هم التاركون ما عهد الله إليهم من الإقرار بمحمد ﷺ وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، الكاتمون بيان ذلك بعدَ علمهم به، وبما قد أخذَ الله عليهم في ذلك، كما قال الله جل ذكره: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٧] ، ونبذُهم ذلك وراء ظهورهم، هو نقضُهم العهدَ الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركُهم العمل به.
وإنما قلت: إنه عنى بهذه الآيات من قلتُ إنه عنى بها، لأن الآيات - من مبتدأ الآيات الخمس والست من سورة البقرة [[في المطبوعة: "من ابتداء الآيات"، وكأنه تغيير من المصححين.]] - فيهم نزلتْ، إلى تمام قصصهم.
وفي الآية التي بعد الخبر عن خلق آدم وبيانِهِ في قوله [[في المطبوعة"عن خلق آدم وأبنائه في قوله"، وهو خطأ محض. وقوله"وبيانه"، مجرور معطوف على قوله: "وفي الآية التي بعد الخبر. . " أي، "وفي بيانه في قوله:. . ".]] . ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٤٠] . وخطابه إياهم جلّ ذكره بالوفاء في ذلك خاصّة دون سائر البشر [[قوله: "وخطابه" مجرور معطوف على قوله: "وفي الآية. . " و"وبيانه. . " كما أسلفنا في التعليق قبله. وفي المطبوعة: "في ذلك خاصة". ولست بشيء.]] - ما يدل على أن قوله:"الذين ينقضُون عَهدَ الله من بعد ميثاقه" مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. غيرَ أنّ الخطاب - وإن كان لمن وصفتُ من الفريقين - فداخلٌ في أحكامهم، وفيما أوجبَ الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كلّ من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي.
فمعنى الآية إذًا: وما يُضِلّ به إلا التاركين طاعةَ الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه، الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم، في الكتب التي أنزلها إلى رُسله وعلى ألسن أنبيائه، باتباع أمر رسوله محمد ﷺ وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارِهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم أنه رسولٌ من عند الله مفترضةٌ طاعتُه، وترك كتمان ذلك لهم [[هكذا في الأصول، ولعل الأجود أن يقول: وترك كتمان ذلك عنهم.]] . ونكثُهم ذلك ونقضُهم إياه، هو مخالفتهم الله في عهده إليهم - فيما وصفتُ أنه عهد إليهم - بعد إعطائهم ربهم الميثاقَ بالوفاء بذلك. كما وصفهم به ربنا تعالى ذكره بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ﴾ . [سورة الأعراف: ١٦٩] .
وأما قوله:"من بعد ميثاقه"، فإنه يعني: من بعد توَثُّق الله فيه [[في المطبوعة: "منه" مكان"فيه".]] ، بأخذ عهوده بالوفاء له، بما عهد إليهم في ذلك [[في المطبوعة والمخطوطة"بما عهد إليه"، وهو خطأ بين.]] . غيرَ أن التوثق مصدر من قولك: توثقت من فلان تَوَثُّقًا، والميثاقُ اسمٌ منه. والهاء في الميثاق عائدة على اسمِ الله.
وقد يدخل في حكم هذه الآية كلّ من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفار، في نقض العهد وقطع الرّحم والإفساد في الأرض.
٥٧٢- كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"الذين ينقضُون عهدَ الله من بعد ميثاقه"، فإياكم ونقضَ هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضَه وأوعدَ فيه، وقدّم فيه في آي القرآن حُجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعدَ في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق. فمن أعطى عهدَ الله وميثاقه من ثمرَة قلبه فَلْيَفِ به لله [[الأثر: ٥٧٢- في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥. وقوله"من ثمرة قلبه"، أي خالص قلبه، مأخوذ من ثمرة الشجرة، لأنها خلاصتها وأطيب ما فيها. وفي حديث المبايعة: "فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه"، أي خالص عهده وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، في المسند: ٦٥٠١، ٦٥٠٣، ٦٧٩٣. ويقال: خصني فلان بثمرة قلبه: أي خالص مودته.]] .
٥٧٣- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:"الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويَقطعون ما أمرَ الله به أن يُوصَل ويفسدون في الأرض أولئك همُ الخاسرون"، فهي ستُّ خلال في أهل النفاق، إذا كانت لهم الظَّهَرَة، [[الظهرة (بثلاث فتحات) : الكثرة، وأراد بها ظهور الأمر والغلبة. ولو أسكنت الهاء، كان صوابًا، من قولهم: ظهرت على فلان: إذا علوته وغلبته.]] أظهرُوا هذه الخلال الست جميعًا: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وَعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضُوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمرَ اللهُ به أن يوصل، وأفسدُوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظَّهَرَةُ، أظهروا الخلالَ الثلاثَ إذا حدّثوا كذَبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا [[الأثر: ٥٧٣- في ابن كثير ١: ١٢٠ - ١٢١ عن أبي العالية، ثم قال: "وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا". هذا، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور، والشوكاني خبرًا خرجوه عن ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: "الحرورية هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، قال: إياكم ونقض هذا الميثاق. وكان يسميهم: الفاسقين" الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٥. أما ابن كثير فقد رواه في تفسيره ١: ١١٩ نقلا عن ابن أبي حاتم؛ بإسناده، ولم ينسبه إلى الطبري. وأخشى أن يكون وهمًا من السيوطي والشوكاني.]] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
قال أبو جعفر: والذي رَغب اللهُ في وَصْله وذمّ على قطعه في هذه الآية: الرحم. وقد بين ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [سورة محمد: ٢٢] . وإنما عَنى بالرّحم، أهل الرّحم الذين جمعتهم وإياه رَحِمُ والدة واحدة. وقطعُ ذلك: ظلمه في ترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجبَ من بِرِّها. وَوَصْلُها: أداءُ الواجب لها إليها من حقوق الله التي أوجبَ لها، والتعطفُ عليها بما يحقُّ التعطف به عليها.
"وأن" التي مع"يوصل" في محل خفض، بمعنى رَدِّها على موضع الهاء التي في"به": فكان معنى الكلام [[في المطبوعة: "وكان معنى الكلام" بالواو.]] : ويقطعون الذي أمرَ الله بأن يُوصَل. والهاء التي في"به"، هي كناية عن ذكر"أن يوصل". وبما قلنا في تأويل قوله:"ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل"، وأنه الرّحم، كان قتادة يقول:
٥٧٤- حدثنا بشر بن معاذ، قال حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:"ويقطعون ما أمر الله به أنْ يوصَل"، فقطع والله ما أمر الله به أن يوصل بقطيعة الرحم والقرابة [[الأثر: ٥٧٤- في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٦ مختصرًا، ونصه هناك: "ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، قال: الرحم والقرابة".]] .
وقد تأول بعضهم ذلك: أن الله ذمهم بقطعهم رسول الله ﷺ والمؤمنين به وأرحامَهم. واستشهد على ذلك بعموم ظاهر الآية، وأن لا دلالة على أنه معنيٌّ بها بعضُ ما أمر الله وصله دون بعض [[في المخطوطة: "واستشهد على ذلك عموم ظاهر الآية، ولا دلالة. . ".]] .
قال أبو جعفر: وهذا مذهبٌ من تأويل الآية غيرُ بعيد من الصواب، ولكن الله جل ثناؤه قد ذكر المنافقين في غير آية من كتابه، فوصفهم بقطع الأرحام. فهذه نظيرةُ تلك، غير أنها -وإن كانت كذلك- فهي دَالَّةٌ على ذمّ الله كلّ قاطعٍ قطعَ ما أمر الله بوصله، رَحمًا كانتْ أو غيرَها.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾
قال أبو جعفر: وفسادُهم في الأرض: هو ما تقدم وَصَفْناه قبلُ من معصيتهم ربَّهم، وكفرهم به، وتكذيبهم رسوله، وجحدهم نبوته، وإنكارهم ما أتاهم به من عند الله أنه حقٌّ من عنده.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) ﴾
قال أبو جعفر: والخاسرون جمع خاسر [[في المطبوعة: "جمع الخاسر"، وليست بشيء.]] ، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها -بمعصيتهم الله- من رحمته، كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه [[وضع في البيع يوضع (مبني للمجهول) وضيعة: إذا خسر خسارة من رأس المال.]] . فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته. يقال منه: خَسِرَ الرجل يَخْسَرُ خَسْرًا وخُسْرَانا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية:
إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهُ ... أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ [[ديوانه: ٥٩٨، والنقائض: ٤، واللسان (قنن) ، وروايته: "أبناء قوم". وسليط: بطن من بني يربوع قوم جرير، واسم سليط: كعب بن الحارث بن يربوع. وكان غسان ابن ذهيل السليطي هجا بني الخطفي، فهجاه جرير بهذا الرجز. وأقنة جمع قن (بكسر القاف) ، والقن: العبد الذي ملك هو وأبواه. والأنثى، قن أيضًا بغير هاء.]]
يعني بقوله:"في الخسار"، أي فيما يوكسهم حظوظهم من الشرف والكرم. وقد قيل: إن معنى"أولئك هم الخاسرون": أولئك هم الهالكون. وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية، بحرمان الله إياه ما حرَمه من رحمته، بمعصيته إياه وكفره به. فحمل تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها، فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليه.
وقال بعضهم في ذلك بما:
٥٧٥- حُدِّثت به عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل"خاسر"، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام، فإنما يعني به الذنب.
القول في تأويل قول الله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:
فقال بعضهم بما:
٥٧٦- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"كيفَ تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم"، يقول: لم تكونوا شيئًا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يومَ القيامة.
٥٧٧- حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [سورة غافر: ١١] ، قال: هي كالتي في البقرة:"كنتمْ أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم".
٥٧٨- حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدثنا عَبْثَر، قال: حدثنا حُصين، عن أبي مالك، في قوله:"أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، قال: خلقتنا ولم نكن شيئًا، ثم أمَتَّنَا، ثم أَحْيَيْتَنَا.
٥٧٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشيم، عن حُصين، عن أبي مالك، في قوله:"أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، قال: كانوا أمواتًا فأحياهم الله، ثم أماتهم، ثم أحياهم [[الأثر: ٥٧٩-"حصين". بضم الحاء المهملة: هو ابن عبد الرحمن السلمي. و"أبو مالك": هو الغفاري الكوفي، واسمه"غزوان". سبقت ترجمته في: ١٦٨.]] .
٥٨٠- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد في قوله:"كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم"، قال: لم تكونوا شيئًا حين خلقكم، ثم يميتكم الموْتةَ الحقّ، ثم يحييكم. وقوله:"أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، مثلها.
٥٨١- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: حدثني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: هو قوله:"أمتَّنا اثنين وأحييتنا اثنين".
٥٨٢- حُدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني أبو العالية، في قول الله:"كيفَ تكفرون بالله وكنتم أمواتًا"، يقول: حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رَجعوا إليه بعد الحياة.
٥٨٣- حُدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله:"أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، قال: كنتم تُرابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه إحياءة. ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى. ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه إحياءة. فهما ميتتان وحياتان، فهو قوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون".
وقال آخرون بما:
٥٨٤- حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السُّدّيّ، عن أبي صالح:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون"، قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم.
وقال آخرون بما:
٥٨٥- حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا" الآية. قال: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم [[في المخطوطة: "في أصلبة"، والصواب"صلبة" (بكسر الصاد وفتح اللام) أو"أصلب" (بسكون الصاد وضم اللام) . وكلها جمع صلب (بضم فسكون) : وهو عظم الظهر من لدن الكاهل إلى عجب الذنب.]] ، فأحياهم الله وخلقهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان [[الآثار: ٥٧٥ - ٥٨٥: بعضها في ابن كثير ١: ١٢٢ مجملة، وبعضها في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٦، وكرهنا الإطالة بتفصيلها.]] .
وقال بعضهم بما:
٥٨٦- حدثني به يونس، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله تعالى:"ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين". قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ، حتى بلغ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧٢-١٧٣] . قال: فكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق. قال: وانتزع ضلعًا من أضلاع آدم القُصَيرى [[القصيري، بالتصغير: هي الضلع التي تلي الشاكلة أسفل الأضلاع، وهي أقصرهن.]] فخلق منه حواء - ذكرَه عن النبي ﷺ. قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ١] ، قال: وبثّ منهما بعد ذلك في الأرحام خلقًا كثيرًا [[في المطبوعة: "وبث فيهما بعد ذلك. . "، وهو خطأ.]] ، وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [سورة الزمر: ٦] ، قال: خلقا بعد ذلك. قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ ، وقرأ قول الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [سورة الأحزاب: ٧] . قال: يومئذ. قال: وقرأ قول الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [[الأثر: ٥٨٦- في ابن كثير ١: ١٢٢، والشوكاني ١: ٤٧، مختصرًا جدًا.]] [سورة المائدة: ٧] .
قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن روَيناها عنه، وجه ومذهبٌ من التأويل.
* *
فأما وجه تأويل من تأول قوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"، أي لم تكونوا شيئًا، فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميِّتٌ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت: خُمول ذكره، ودُرُوس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حيّ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في الناس، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ:
فَأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ [[الأغاني ١٨: ١٤٠، والمؤتلف والمختلف للآمدي: ١٩٣، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته، كما قال أبو الفرج، ويقال اسمه: يعمر بن حزن بن زائدة، من بني سعد بن زيد مناة، وكان الأغلب عليه الرجز، وله قصيد قليل، وكان عاقًّا بأبيه، فنفاه أبوه عن نفسه. والبيت من أبيات، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك.]]
يريد بقوله:"فأحييتَ لي ذكري"، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله:"وكنتم أمواتًا" لم تكونوا شيئًا، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دروس ذكركم، وتعفِّي آثاركم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها، وتصييركم بشرًا كالذي كنتم قبل الإماتة، تتعارفون في بعثكم وعند حشركم [[في المطبوعة: "لتعارفوا"، وهي قريبة في المعنى.]] .
* *
وأما وجه تأويل من تأوّل ذلك: أنه الإماتة التي هي خروج الرّوح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله"وكنتم أمواتًا"، إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم. وذلك معنى بعيد، لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم، لا استعتابٌ واسترجاعٌ [[الاستعتاب: الاستقالة من الذنب، والرجوع إلى ما يجلب الرضا، أي أن يستقيلوا وبهم ويستغفروه، ويرجعوا عن إساءتهم ويطلبوا رضاه. واستعتبه: طلب إليه الرجوع إلى ما يرضى. والاسترجاع: طلب الرجوع. واسترجعه: رده الله إلى الطاعة.]] . وقوله جل ذكره:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا"، توبيخ مُستعتِبٍ عبادَه، وتأنيبُ مسترجعٍ خلقَه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة.
* *
وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك: أنهم كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم. فإنه عنى بذلك أنهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها، فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها. وإحياؤه إياها تعالى ذكره، نفخُه الأرواح فيها، وإماتتُه إياهم بعد ذلك، قبضُه أرواحهم. وإحياؤه إياهم بعد ذلك، نفخُ الأرواح في أجسامهم يوم يُنفخ في الصّور، ويبْعثُ الخلق للموعود.
* *
وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب [[في المخطوطة: "للعودة إلى التراب"، وهي قريب.]] ، والمصير في البرزخ إلى اليوم البعث، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة.
وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مفسِّره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه -عن الذين أخبر عنهم من خلقه- أنهم قالوا:"ربنا أمتَّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين"، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات. والأمر عندنا - وإن كان فيما وَصَف من استخراج الله جل ذكره من صُلب آدم ذرّيته، وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف -فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين- أعني قوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا" الآية، وقوله:"ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين" - في شيء. لأن أحدًا لم يدع أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث، فيكون جائزًا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجهه إليه ابن زيد.
* *
وقال بعضُهم: الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها. ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تاراتٍ تأتي عليها. ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور، فيردّ في جسده روحه [[في المخطوطة: "فيرد في جسمه"، وهي قريب.]] ، فيعود حيًّا سويًّا لبعث القيامة. فذلك موتتان وحياتان. وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول، لأنهم قالوا: موتُ ذي الرّوح مفارقة الرّوح إياه. فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حيّ ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح. فكل ما فارق جسده الحي ذا الرّوح، فارقتْه الحياةُ فصار ميتًا. كالعضو من أعضائه - مثل اليد من يديه، والرِّجل من رجليه - لو قطعت فأبِينتْ [[في المطبوعة: "وأبينت"، وهذه أجود.]] ، والمقطوع ذلك منه حيٌّ، كان الذي بان من جسده ميتًا لا رُوح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح. قالوا: فكذلك نطفته حية بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح، فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتةً، نظيرَ ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه. وهذا قولٌ ووجه من التأويل، لو كان به قائلٌ من أهل القدوة الذين يُرْتضى للقرآن تأويلهم.
* *
وأولى ما ذكرنا -من الأقوال التي بيَّنَّا- بتأويل قول الله جل ذكره:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم" الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أن معنى قوله:"وكنتم أمواتًا" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك، كما قال:"ثم إليه تُرجعون"، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبلَ حشرهم، ثم يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جل ذكره: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [سورة المعارج: ٤٣] وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [سورة يس: ٥١] . والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل، ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به، وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل.
وهذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقائلين:"آمنَّا بالله وباليوم الآخر"، الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم، غيرُ مؤمنين به. وأنهم إنما يقولون ذلك خداعًا لله وللمؤمنين، فعذَلهم الله بقوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"، ووبَّخهم واحتجّ عليهم - في نكيرهم ما أنكروا من ذلك وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة - فقال: كيف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم، [لبعث القيامة، ومجازاة المسيء منكم بالإساءة والمحسن بالإحسان، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلاب آبائكم، فأنشأكم خلقًا سويًّا، وجعلكم أحياءً، ثم أماتكم بعد إنشائكم. فقد علمتم أن مَنْ فعل ذلك بقدرته، غير مُعجزِه -بالقدرة التي فعل ذلك بكم- إحياؤكم بعد إماتتكم] [[ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.]] وإعادتكم بعد إفنائكم، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم.
ثم عدّد ربنا تعالى ذكره عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود - الذين جمع بين قصَصهم وقصَص المنافقين في كثير من آي هذه السورة التي افتتح الخبرَ عنهم فيها بقوله:"إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تُنذرْهم لا يؤمنون" - [[قوله"نعمه" مفعول قوله"ثم عدد ربنا. . "، وما بينهما فصل.]] نِعَمَه التي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم، التي عَظُمتْ منهم مواقعها. ثم سلب كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركبوا من الآثام، واجترموا من الأجْرام، وخالفوا من الطاعة إلى المعصية، محذّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبة لهم، كالتي عجلها للأسلاف والأفْراط قبلهم، ومُخوّفَهم حُلول مَثُلاتِه بساحتهم كالذي أحلّ بأوّليهم، ومُعرّفَهم ما لهم من النجاة في سرعة الأوْبة إليه، وتعجيل التوبة، من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب [[في المطبوعة"يحذرهم بذلك. . . ويخوفهم. . . أحل بأوائلهم، ويعرفهم"، وانظر ما سيأتي في ص: ١٥٤ بولاق. وفي المخطوطة والمطبوعة: "من الخلاص. . " بغير واو، هو لا يستقيم، فلذلك زدناها. وقوله: "حلول مثلاته" جمع مثلة (بفتح الميم وضم الثاء) : وهي العقوبة والعذاب والنكال.]] .
فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه التي هم فيها مُقيمون، بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر صلوات الله عليه، وما سلف منه من كرامته إليه، وآلائه لديه، وما أحلّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما التي كانت منهما، ومخالفتهما أمره الذي أمرهما به. وما كان من تغمُّده آدمَ برَحمته إذْ تاب وأناب إليه. وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل، وإعداده له ما أعدّ له من العذاب المقيم في الآجل، إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإنابة، منبهًا لهم على حكمه في المنيبين إليه بالتوبة، وقضائه في المستكبرين عن الإنابة، إعذارًا من الله بذلك إليهم، وإنذارًا لهم، ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الألباب. وخاصًّا أهلَ الكتاب - بما ذَكر من قصص آدم وسائر القصص التي ذكرها معها وبعدها، مما علمه أهل الكتاب وجهلته الأمة الأميَّة من مشركي عبَدة الأوثان -بالاحتجاج عليهم- دون غيرهم من سائر أصناف الأمم، الذين لا علم عندهم بذلك - لنبيه محمد ﷺ [[سياق هذه العبارة: "وخاصًّا أهل الكتاب. . بالاحتجاج عليهم. . لنبيه محمد ﷺ". وما بين هذه الأحرف المتعلقة بمراجعها، فصل متتابع، كعادة الطبري في كتابته.]] ، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك، أنه لله رسولٌ مبعوث، وأن ما جاءهم به فمن عنده، إذْ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص، من مكنون علومهم، ومصون ما في كتبهم، وخفيّ أمورهم التي لم يكن يدّعي معرفة علمها غيرُهم وغيرُ من أخذ عنهم وقرأ كتبهم.
* *
وكان معلومًا من محمد ﷺ أنه لم يكن قط كاتبًا، ولا لأسفارهم تاليًا، ولا لأحد منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكنهم أن يدّعوا أنه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم، فقال جل ذكره - في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه، مع كفرهم به، وتركهم شكرَه عليها بما يجب له عليهم من طاعته-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٩] . فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، لأنّ الأرضّ وجميعَ ما فيها لبني آدم منافعُ. أما في الدين، فدليلٌ على وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه.
فلذلك قال جل ذكره:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا".
وقوله:"هو" مكنيّ من اسم الله جل ذكره عائد على اسمه في قوله:"كيف تكفرون بالله". ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه، إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و"ما" بمعنى"الذي".
فمعنى الكلام إذًا: كيف تكفرون بالله وكنتم نُطفًا في أصلاب آبائكم فجعلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتكم، ثم هو مُحييكم بعد ذلك وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب، وهو المنعمُ عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم.
و"كيف" بمعنى التعجب والتوبيخ، لا بمعنى الاستفهام، كأنه قال: ويْحَكم كيف تكفرون بالله، كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [سورة التكوير: ٢٦] . وحل قوله:"وكنتم أمواتًا فأحياكم" محلّ الحال. وفيه ضميرُ"قد" [[في المطبوعة"وفيه إضمار قد"، ولم يرد بالضمير ما اصطلح عليه النحويون، وإنما أراد المضمر الذي أخفى وستر. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٣ - ٢٥.]] ، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها. وذلك أن"فعل" إذا حلت محلّ الحال كان معلومًا أنها مقتضية"قد"، كما قال ثناؤه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [سورة النساء: ٩٠] ، بمعنى: قد حَصِرَت صدورهم. وكما تقول للرجل: أصبحتَ كثرت ماشيتك، تريد: قد كثرت ماشيتك.
وبنحو الذي قلنا في قوله:"هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا"، كان قتادة يقول:
٥٨٧- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا"، نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض [[الأثر: ٥٨٧- في الدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٨، وفيهما زيادة على الذي في أصول الطبري، وهي: ". . ما في الأرض جميعًا، كرامةً من الله ونعمةً لابن آدم متاعًا، وبُلْغةً ومنفعة إلى أجل".
هذا وقد زادا معًا أثرًا آخر قالا أخرجه ابن جرير عن مجاهد، هذا هو: "في قوله: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا، قال: سخّر لكم ما في الأرض جميعًا". وإسناد هذا الأثر، هو الذي يأتي برقم: ٥٩١، لأنه من تمامه، كما هو بين فيما نقله السيوطي والشوكاني. ويوشك أن يكون في نسخ الطبري التي بين أيدينا حذف ألجأ النساخ إليه طول الكتاب، فقد مضى آنفًا مثل هذا النقص، ومثل هذه الزيادة]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾
قال أبو جعفر: اختلفوا في تأويل قوله:"ثم استوى إلى السَّماء".
فقال بعضهم: معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها، كما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني. بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر:
أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى ... سَوَامِدَ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ [[البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم: ٧٩٥، ٨٥٧) ، وروايته"ثواني" مكان"سوامد". وشرورى: جبل بين بني أسد وبني عامر، في طريق مكة إلى الكوفة. والضجوع -بفتح الضاد المعجمة-: موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم. وقوله: "سوامد" جمع سامد. سمدت الإبل في سيرها: جدت وسارت سيرًا دائمًا، ولم تعرف الإعياء. وسوامد: دوائب لا يلحقهن كلال. والنون في"قطعن" للإبل.]]
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن. وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله:"واستوين من الضجوع"، استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم، ثم تحوَّل إلى الشام. إنما يريد: تحوّل فِعله. [وقال بعضهم: قوله:"ثم استوى إلى السماء" يعني به: استوت] [[هذه الجملة بين القوسين، ليست في المخطوطة، وكأنها مقحمة.]] . كما قال الشاعر:
أَقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي تُرَابِهِ ... عَلَى أَيِّ دِينٍ قَتَّلَ النَّاسَ مُصْعَبُ [[لم أجد هذا البيت. وفي المطبوعة: "قبل الرأس مصعب"، وهو خطأ لا شك فيه. وفي المخطوطة: "في ثراته"، ولا معنى لها، ولعلها"في تراثه". وأنا في شك من كل ذلك. بيد أن مصعبًا الذي ذكر في الشعر، هو فيما أرجح مصعب بن الزبير.]]
وقال بعضهم:"ثم استوى إلى السماء"، عمدَ لها [[في المطبوعة: "عمد إليها".]] . وقال: بل كلُّ تارك عملا كان فيه إلى آخر، فهو مستو لما عمد له، ومستوٍ إليه.
وقال بعضهم: الاستواء هو العلو، والعلوّ هو الارتفاع. وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
٥٨٨- حُدِّثت بذلك عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"ثم استوى إلى السماء". يقول: ارتفع إلى السماء [[الأثر: ٥٨٨- في الدر المنثور ١: ٤٣، والأثر التالي: ٥٨٩، من تمامه.]] .
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، في الذي استوى إلى السّماء. فقال بعضهم: الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها. وقال بعضهم: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء [[في المطبوعة: "العالى إليها".]] .
قال أبو جعفر: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته، فيقال، إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل. ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه: استوى لفلان أمرُه. إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حَكيم:
طَالَ عَلَى رَسْمِ مَهْدَدٍ أبَدُهْ ... وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُه [[ديوانه: ١١٠، واللسان (سوى) قال: "وهذا البيت مختلف الوزن، فالمصراع الأول من المنسرح، والثاني من الخفيف". والرسم: آثار الديار اللاصقة بالأرض. ومهدد اسم امرأة. والأبد: الدهر الطويل، والهاء في"أبده" راجع إلى الرسم. وعفا: درس وذهب أثره. والبلد: الأثر يقول: انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر.]]
يعني: استقام به. ومنها: الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه. ومنها. الاحتياز والاستيلاء [[في المخطوطة: "الاستيلاء والاحتواء".]] ، كقولهم: استوى فلان على المملكة. بمعنى احتوى عليها وحازَها. ومنها: العلوّ والارتفاع، كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه عليه.
وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه:"ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن"، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات.
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله:"ثم استوى إلى السماء"، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر. ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه! فيقال له: زعمت أن تأويل قوله"استوى" أقبلَ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقُلْ: علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله. ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفًا. وفيما بينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل [[في المطبوعة: "وإن قال. . . ".]] أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء، كان قبل خلق السماء أم بعده؟
قيل: بعده، وقبل أن يسويهن سبعَ سموات، كما قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [سورة فصلت: ١١] . والاستواء كان بعد أن خلقها دُخانًا، وقبل أن يسوِّيَها سبعَ سموات.
وقال بعضهم: إنما قال:"استوى إلى السّماء"، ولا سماء، كقول الرجل لآخر:"اعمل هذا الثوب"، وإنما معه غزلٌ.
وأما قوله"فسواهن" فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن. والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر. إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهنّ على إرادته، وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ [[في المطبوعة: "بعد إرتاقهن" وليست بشيء، وفي المخطوطة: "بعد أن تتاقهن"، وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه. وارتتق الشيء: التأم والتحم حتى ليس به صدع. وهذا من تأويل ما في سورة الأنبياء: ٣٠ من قول الله سبحانه: ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ والفتق: الشق.]] .
٥٨٩- كما: حُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"فسوَّاهن سبع سموات" يقول: سوّى خلقهن،" وهو بكل شيء عليم [[الأثر: ٥٨٩- في الدر المنثور ١: ٤٣، وهو من تمام الأثر السالف: ٥٨٨.]] .
وقال جل ذكره:"فسواهن"، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنيِّ الجميع [[المكني: هو الضمير، فيما اصطلح عليه النحويون، لأنه كناية عن الذي أخفيت ذكره. وفي المطبوعة: "الجمع" مكان"الجميع" حيث ذكرت في المواضع الآتية في هذه العبارة.]] ، وقد قال قبلُ:"ثم استوى إلى السماء" فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيَّهن مخرج مكنيِّ الجمع، لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدير واحدتها وجميعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل، وما أشبه ذلك. ولذلك أنِّثت مرة فقيل: هذه سماءٌ، وذُكِّرت أخرى [[في المطبوعة: "أنث السماء. . . وذكر" بطرح التاء.]] فقيل: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [سورة المزمل: ١٨] ، كما يُفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها، فيقال: هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل، وما أشبه ذلك.
وكان بعض أهل العربية يزعم أنّ السماء واحدة، غير أنها تدلّ على السموات، فقيل:"فسواهن"، يراد بذلك التي ذُكِرت وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تُذْكر معها [["بعض أهل العربية" هو الفراء، وإن لم يكن اللفظ لفظه، في كتابه معاني القرآن ١: ٢٥، ولكنه ذهب هذا المذهب، في كتابه أيضًا ص: ١٢٦ - ١٣١.]] . قال: وإنما تُذكر إذا ذُكِّرت وهي مؤنثة، فيقال:"السماء منفطر به"، كما يذكر المؤنث [[هكذا في الأصول"كما يذكر المؤنث"، وأخشى أن يكون صواب هذه العبارة: "كما تذكر الأرض، كما قال الشاعر:. . . " وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ذلك فقال: ". . فإن السماء في معنى جمع فقال: (فسواهن) للمعنى المعروف أنهن سبع سموات. وكذلك الأرض يقع عليها -وهي واحدة- الجمع. ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان، قال الله عز وجل: (رب السموات والأرض) ثم قال: (وما بينهما) ، ولم يقل: بينهن. فهذا دليل على ما قلت لك". معاني القرآن. ١: ٢٥، وانظر أيضًا ص: ١٢٦ - ١٣١.]] ، وكما قال الشاعر:
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلا أَرْضَ أَبْقَل إِبْقَالَهَا [[البيت من شعر عامر بن جوين الطائي، في سيبويه ١: ٢٤٠، ومعاني القرآن ١: ١٢٧ والخزانة ١: ٢١ - ٢٦، وشرح شواهد المغني: ٣١٩، والكامل ١: ٤٠٦، ٢: ٦٨، وقبله، يصف جيشًا: وَجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُو ... كِ قَعْقَعْتُ بِالْخَيْلِ خَلْخَالَهَا
كَكِرْ فِئَةِ الْغَيْثِ ذَاتِ الصَّبِيرِ ... تَرْمِي السَّحَابَ وَيَرْمِي لَهَا
تَوَاعَدْتُهَا بَعْدَ مَرِّ النُّجُومِ، ... كَلْفَاءَ تُكْثِرُ تَهْطَالَهَا
فلا مزنة. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .]]
وكما قال أعشى بني ثعلبة:
فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ ... فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَزْرَى بِهَا [[أعشى بني ثعلبة، وأعشى بني قيس، والأعشى، كلها واحد، ديوانه ١: ١٢٠، وفي سيبويه ١: ٢٣٩، ومعاني القرآن للفراء ١: ١٢٨، والخزانة ٤: ٥٧٨، ورواية الديوان: فَإِنْ تَعْهَدِينِي وَلِي لِمَّةٌ ... فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَلْوَى بِهَا
ورواية سيبويه كما في الطبري، إلا أنه روى"أودى بها". وألوى به: ذهب به وأهلكه. وأودى به: أهلكه، أيضًا. وأما"أزرى بها": أي حقرها وأنزل بها الهوان، من الزرارية وهي التحقير. وكلها جيد.]] وقال بعضهم: السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضًا فوق أرض، فهي في التأويل واحدةٌ إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعًا، كما يقال: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ، وبُرْمة أعشار، للمتكسرة، وبُرْمة أكسار وأجبار. وأخلاق، أي أنّ نواحيه أخلاق [[أخلاق، جمع خلق (بفتحتين) : وهو البالي. وأسمال جمع سمل (بفتحتين) : وهو الرقيق المتمزق البالي. وبرمة أجبار، ضد قولهم برمة أكسار، كأنه جمع برمة جبر (بفتح فسكون) وإن لم يقولوه مفردًا، كما لم يقولوا برمة كسر، مفردًا. وأصله من جبر العظم، وهو لأمه بعد كسره.]] .
فإن قال لنا قائل: فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوَى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سموات، ثم سواها سبعًا بعد استوائه إليها، فكيف زعمت أنها جِماع؟
قيل: إنهن كنّ سبعًا غيرَ مستويات، فلذلك قال جل ذكره: فسوَّاهن سبعًا. كما:-
٥٩٠- حدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق: كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ، ثم ميَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلمًا، وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا، ثم سمك السموات السبع من دخان - يقال، والله أعلم، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكْهن [[في المخطوطة: "ولم يحبكن".]] . وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها، وأخرج ضُحاها، فجرى فيها الليل والنهار، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم. ثم دحا الأرض وأرْساها بالجبال، وقدر فيها الأقوات، وبث فيها ما أراد من الخلق، ففرَغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام. ثم استوى إلى السماء وهي دخان -كما قال- فحبكهن، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خلقهن في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام. ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته، ثم قال للسموات والأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا لما أردت بكما، فاطمئنا عليه طوعًا أو كرهًا، قالتا: أتينا طائعين [[الأثر: ٥٩٠- هذا الأثر في الحقيقة تفسير للآيات ٩ - ١٢ من سورة فصلت. ولم يذكره الطبري في موضعه عند تفسيرها (٢٤: ٦٠ - ٦٥ طبعة بولاق) . وكذلك لم يذكره ابن كثير والسيوطي والشوكاني- في هذا الموضع، ولا في موضعه من تفسير سورة فصلت. وهو من كلام ابن إسحاق، ولا بأس عليهم في الإعراض عن إخراجه. وقد صرح الطبري -بعد- أنه إنما ذكره استشهادًا، لا استدلالا، إذ وجده أوضح بيانا، وأحسن شرحًا.]] .
فقد أخبر ابن إسحاق أنّ الله جل ثناؤه استوى إلى السماء - بعد خلق الأرض [[في المطبوعة: "بعد خلقه الأرض".]] وما فيها - وهن سبع من دخان، فسواهن كما وَصف. وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق، لأنه أوضح بيانًا - عن خلق السموات [[في المطبوعة: "عن خبر السموات".]] ، أنهن كُنّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها لتسويتها - من غيره [[في المطبوعة: "بتسويتها"، وسياق كلامه: "أوضح بيانًا. . . من غيره"، وما بينهما فصل.]] ، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به، من أن معنى السماء التي قال الله تعالى ذكره فيها:"ثم استوى إلى السماء" بمعنى الجميع [[في المطبوعة"بمعنى الجمع"، وفي التي تليها، وقد مضى مثل ذلك آنفًا.]] ، على ما وصفنا. وأنه إنما قال جل ثناؤه:"فسوَّاهن"، إذ كانت السماء بمعنى الجميع، على ما بينا.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله"فسواهن"، إذ كن قد خُلِقن سبعًا قبل تسويته إياهن؟ وما وجه ذِكْر خَلْقهن بعد ذِكْر خَلْق الأرض؟ ألأنها خلقت قبلها، أم بمعنى غير ذلك [[في المطبوعة: "أم بمعنى"، وهذه أجود.]] ؟
قيل: قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق، ونؤكد ذلك تأكيدًا بما نضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم [[في المطبوعة: "ونزيد ذلك توكيدًا".]] .
٥٩١- فحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات". قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء. فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء. ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين - في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن:"ن والقلم"، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاةُ على ظهر ملَك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض: فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فالجبال تخر على الأرض، فذلك قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [[في الأصول: "وجعل لها رواسي أن تميد بكم"، وهو وهم سبق إليه القلم من النساخ فيما أرجح، والآية كما ذكرتها في سورة النحل، ومثلها في سورة لقمان: ١٠]] [سورة النحل: ١٥] . وخلق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يقول: أقواتها لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول: قل لمن يسألك: هكذا الأمر [[في المخطوطة: "يقول: من سأل، فهكذا الأمر".]] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [سورة فصلت: ٩-١١] ، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين - في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض -"وأوحى في كل سماء أمْرها" قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينةً وحِفظًا، تُحفظُ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحبّ، استوى على العرش. فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] . ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [[الخبر: ٥٩١- في ابن كثير ١: ١٢٣، والدر المنثور ١: ٤٢ - ٤٣، والشوكاني ١: ٤٨. وقد مضى الكلام في هذا الإسناد، واستوعب أخي السيد أحمد شاكر تحقيقه في موضعه (انظر الخبر: ١٦٨) ، وقد مضى أيضًا قول الطبري، حين عرض لهذا الإسناد في الأثر رقم: ٤٦٥ ص: ٣٥٣: "فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا. . ". وقد مضى الطبري في تفسيره على رواية ما لم يصح عنده إسناده، لعلمه أن أهل العلم كانوا يومئذ يقومون بأمر الإسناد والبصر به، ولا يتلقون شيئًا بالقبول إلا بعد تمحيص إسناده. فلئن سألت: فيم يسوق الطبري مثل هذا الخبر الذي يرتاب في إسناده؟ وجواب ذلك: أنه لم يسقه ليحتج بما فيه، بل ساقه للاعتبار بمعنى واحد، وهو أن الله سبحانه سمك السموات السبع من دخان، ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فحبكهن سبعًا، وأوحى في كل سماء أمرها. وليس في الاعتبار بمثل هذا الأثر ضرر، لأن المعنى الذي أراده هو ظاهر القرآن وصريحه. وإن كان الخبر نفسه مما تلقاه بعض الصحابة عن بني إسرائيل، لا عن رسول الله ﷺ. ولا حجة إلا فيما أنزل الله في كتابه، أو في الذي أوحى إلى نبيه مما صح عنه إسناده إليه. وكل ما صح عن رسول الله ﷺ، قبلناه لا نحكم فيه أحدًا، فإن قوله هو المهيمن بالحق على أقوال الرجال.]] [سورة الأنبياء: ٣٠] .
٥٩٢- وحدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:"هوَ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء". قال: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرضَ ثار منها دخان، فذلك حين يقول:"ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات". قال: بعضُهن فوق بعض، وسبعَ أرضين، بعضُهن تحت بعض [[الأثر: ٥٩٢- في ابن كثير ١: ١٢٤، والدر المنثور ١: ٤٢، والشوكاني ١: ٤٨.]] .
٥٩٣- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فسواهنّ سبعَ سموات" قال: بعضُهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمئة عام.
٥٩٤- حدثنا المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:- حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء -"ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات"، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [سورة النازعات: ٣٠] .
٥٩٥- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إنّ الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرَضِين في الأحد والاثنين، وخلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرَغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل. فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هو الذي أنعم عليكم، فخلق لكم ما في الأرض جميعا وسخَّره لكم تفضُّلا منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغًا في دنياكم ومتاعًا إلى موافاة آجالكم، ودليلا لكم على وَحدانية ربكم. ثم علا إلى السموات السبع وهي دخان، فسوَّاهنَّ وحبَكهن، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه، وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه [[الآثار: ٥٩٣ - ٥٩٥، لم نجدها في شيء من تلك المراجع.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) ﴾
يعني بقوله جل جلاله:"وهو" نفسَه، وبقوله:"بكل شيء عليم" أن الذي خلقكم، وخلق لكم ما في الأرض جميعًا، وسوّى السموات السبع بما فيهن فأحكمهن من دخان الماء، وأتقن صُنعهنّ، لا يخفى عليه - أيها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب [[في المخطوطة: "وأهل الكتاب" عطفًا.]] - ما تُبدون وما تكتمون في أنفسكم، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم على التكذيب به منطوون. وكذّبتْ أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور، وهم بصحته عارفون. وجحدوه وكتموا ما قد أخذتُ عليهم -ببيانه لخلقي من أمر محمد ونُبوّته- المواثيق وهم به عالمون. بل أنا عالم بذلك من أمركم وغيره من أموركم. وأمور غيركم [[في المطبوعة: "بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم. . ".]] ، إني بكل شيء عليم.
وقوله:"عليم" بمعنى عالم. ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: هو الذي قد كمَل في علمه.
٥٩٦- حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: حدثني علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العالم الذي قد كمَل في علمه [[الخبر: ٥٩٦- ليس في مراجعنا.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾
قال أبو جعفر: زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة [[هو أبو عبيدة (انظر تفسير ابن كثير ١: ١٢٥) ، وكما مضى آنفًا في مواضع من كلام الطبري. ويؤيد ذلك أن البغدادي نقل في شرح بيت عبد مناف بن ربعى، (الخزانة ٣: ١٧١) ، عن ابن السيد: "وقال أبو عبيدة: إذا، زائدة، فلذلك لم يؤت لها بجواب". هذا والشاهدان الآتيان في زيادة"إذا" لا في زيادة"إذ"، وهو من جرأة أبي عبيدة وخطئه، وأيا ما كان قائله، فهو جريء مخطئ.]] : أن تأويل قوله:"وإذ قال ربك"، وقال ربك؛ وأن"إذ" من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يَعْفُر:
فَإِذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ [[المفضليات، القصيدة رقم: ٤٤، وليس البيت في رواية ابن الأنباري شارح المفضليات. وقوله"لامهاه"، يقال: ليس لعيشنا مهه (بفتحتين) ومهاه: أي ليس له حسن أو نضارة. وقد زعموا أن الواو في قوله"فإذا وذلك. . " زائدة مقحمة، كأنه قال: فإذا ذلك. . .، وقد قال الطبري في تفسير قوله تعالى: "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" ج ٢٤ ص ٢٤: "واختلف أهل العربية في موضع جواب"إذا" التي في قوله: (حتى إذا جاءوها) ، فقال بعض نحويي البصرة، يقال إن قوله: (وقال لهم خزنتها) في معنى: قال لهم. كأنه يلغى الواو. وقد جاء في الشعر شيء يشبه أن تكون الواو زائدة، كما قال الشاعر: فَإِذَا وَذَلِكَ يَا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ ... إِلا تَوَهُّمَ حَالِمٍ بِخَيَالِ
فيشبه أن يكون يريد: فإذا ذلك لم يكن". وقال أبو سعيد السكري في شرح أشعار الهذليين ٢: ١٠٠، في شرح بيت أبي كبير الهذلي: فَإِذَا وَذَلِكَ لَيْسَ إِلا حِينَهُ ... وَإِذَا مَضَى شَيْءٌ كَأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
قال أبو سعيد: "الواو زائدة. قال: قلت لأبي عمرو: يقول الرجل: ربنا ولك الحمد. فقال: يقول الرجل: قد أخذت هذا بكذا وكذا. فيقول: وهو لك".
وقال ابن الشجري في أماليه ١: ٣٥٨: "قيل في الآية إن الواو مقحمة، وليس ذلك بشيء، لأن زيادة الواو لم تثبت في شيء من الكلام الفصيح". والذي ذهب إليه ابن الشجري هو الصواب، ولكل شاهد مما استشهدوا به وجه في البيان، ليس هذا موضع تفصيله. وكفى برد الطبري في هذا الموضع ما زعمه أبو عبيدة من زيادة"إذ" كما سيأتي: "وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام" إلى آخر ما قال. وهو من سديد الفهم. وشرحه للبيت بعد، يدل على أنه لا يرى زيادة الواو، وذلك قوله في شرحه: "فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا".]] ثم قال: ومعناها: وذلك لامهاه لذكره - وببيت عبد مناف بن رِبْع الهُذَليِّ:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا كَمَا تَطْرُدُ الْجَمَّالَةُ الشُّرُدَا [[ديوان الهذليين ٢: ٤٢، ويأتي في تفسير الطبري ١٤: ٨، ١٨: ١٣، ٢٤: ٢٥ (طبعة بولاق) والخزانة ٣: ١٧٠ - ١٧٤، وأمالى ابن الشجري ١: ٣٥٨، ٢: ٢٨٩، وكثير غيرها. وسلك الرجل الطريق، وسلكه غيره فيه، وأسلكه الطريق: أدخله فيه أو اضطره إليه. وقتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء، أي في الطريق بين مكة والمدينة. وشل السائق الإبل: طردها أمامه طردًا. ومر فلان يشل العدو بالسيف: يطردهم طردًا يفرون أمامه. والجمالة: أصحاب الجمال. وشرد البعير فهو شارد وشرود: نفر وذهب في الأرض، وجمع شارد شرد (بفتحتين) مثل خادم وخدم. وجمع شرود شرد (بضمتين) . ويذكر عبد مناف قومًا أغاروا على عدو لهم، فأزعجوهم عن منازلهم، واضطروهم إلى"قتائدة" يطردونهم بالسيوف والرماح والنبال، كما تطرد الإبل الشوارد. وجواب"إذا" تقديره: شلوهم شلا، فعل محذوف دل عليه المصدر، كما سيأتي في كلام الطبري بعد.]]
وقال: معناه، حتى أسلكوهم.
قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال: وذلك أن"إذ" حرف يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت. وغيرُ جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام. إذْ سواءٌ قيلُ قائل: هو بمعنى التطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم - وقيلُ آخرَ، في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به: وهو بمعنى التطوُّل [[في المخطوطة: "هو بمعنى التطول في الكلام". وهو خطأ. والتطول، في اصطلاح الطبري وغيره: الزيادة في الكلام بمعنى الإلغاء، كما مضى آنفًا في ص ١٤٠ من بولاق، وأراد الطبري أن ينفي ما لج فيه بعض النحاة من ادعاء اللغو والزيادة في الكلام، فهو يقول: إذا كان للحرف أو الكلمة معنى مفهوم في الكلام، ثم ادعيت أنه زيادة ملغاة، فجائز لغيرك أن يدعي أن جملة كاملة مفهومة المعنى، أو كلامًا كاملا مفهوم المعنى - إنما هي زيادة ملغاة أيضًا. وبذلك يبطل كل معنى لكل كلام، إذ يجوز لمدع أن يبطل منه ما يشاء بما يهوى من الجرأة والادعاء. وهذا تأييد لمذهبنا الذي ارتضيناه في التعليق السالف.]] .
وليس لما ادَّعَى الذي وصفنا قوله [[في المطبوعة"وليس لمدعي الذي. . " وهو خطأ.]] - في بيت الأسود بن يعفر: أن"إذا" بمعنى التطوّل - وجه مفهوم، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله:
فَإِذَا وذلك لامَهَاهَ لِذِكْرِه
وذلك أنه أراد بقوله: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله"ذلك" إلى ما تقدم وصْفه من عيشه الذي كان فيه -"لامهاه لذكره" يعني لا طعمَ له ولا فضلَ، لإعقاب الدهر صَالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ:
حَتَّى إِذَا أَسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدَةٍ ... شَلا.................
لو أسقط منه"إذا" بطل معنى الكلام، لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا فدل قوله."أسلكوهم شلا" على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة"إذا" عليه، فحذف. كما دَلّ - ما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا [[في المطبوعة: "كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل. . . "، وفي المخطوطة: "كما قال. قد ذكرنا فيما مضى. . "، وكلاهما خطأ، الأول من تغيير المصححين، والثاني تصحيف في"قال"، فهي"دل"، والنقطة السوداء، بياض كان في الأصل المنقول عنه، أو"ما" ضاعت ألفها وبقيت"م" مطموسة، فظنها ظان علامة فصل.
هذا وقد أشار الطبري إلى ما مضى في كتابه هذا ص: ١١٤، ص: ٣٢٧ فانظره.]] - على ما تفعل العربُ في نظائر ذلك. وكما قال النمر بن تَوْلَب:
فَإِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسَوْفَ تُصَادِفُه أَيْنَما [[من قصيدة محكمة في مختارات ابن الشجري ١: ١٦، والخزانة ٤: ٤٣٨، وشرح شواهد المغني: ٦٥، وبعده: وإنْ تتخطّاكَ أسْبابُها ... فإن قُصَاراكَ أنْ تهرمَا]]
وهو يريد: أينما ذهب. وكما تقول العرب:"أتيتك من قبلُ ومن بعدُ". تريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك في"إذا" كما يقول القائل: "إذا أكرمك أخوكَ فأكرمه، وإذا لا فلا". يريد: وإذا لم يكرمك فلا تكرمه.
ومن ذلك قول الآخر:
فَإِذَا وَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ ضُرُّهُ ... فِي يَوْم أسألُ نَائِلا أو أنْكَدُ [[لم أعرف صاحبه. وفي المطبوعة: "في يوم أثل نائلا أو أنكدا"
وهو خطأ عريق. وفي المطبوعة: "أسل نائلا"، وهي أقرب إلى الصواب. الضر: سوء الحال من فقر أو شدة أو بلاء أو حزن. والنائل: ما تناله وتصيبه من معروف إنسان. ونكده ما سأله: قلل له العطاء، أو لم يعطه البتة، يقول القائل: وأعْطِ ما أعطيتَهُ طَيِّبًا ... لا خيرَ في المنكودِ والنَّاكِدِ]]
نظيرَ ما ذكرنا من المعنى في بيت الأسود بن يعفر. وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه:"وإذ قالَ ربك للملائكة"، لو أبْطِلت"إذ" وحُذِفت من الكلام، لاستحال عن معناه الذي هو به [[قوله: "الذي هو به"، أي: الذي هو به كلام قائم مفهوم.]] ، وفيه"إذ".
فإن قال لنا قائل: فما معنى ذلك؟ وما الجالب لـ "إذ"، إذ لم يكن في الكلام قبله ما يُعطف به عليه [[في المطبوعة: "فإن قال قائل"، بحذف: "لنا".]] ؟
قيل له: قد ذكرنا فيما مضى [[انظر ما سلف في ص: ٤٢٤ وما بعدها.]] : أنّ الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم"، بهذه الآيات والتي بعدها، مُوَبِّخهم مقبحًا إليهم سوءَ فعالهم ومقامهم على ضلالهم، مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم؛ ومذكِّرَهم -بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم- بأسَه، أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصيته [[في المطبوعة: "من أسلافهم في معصية الله"، وفي المخطوطة: "سلافهم" مضبوطة بالقلم بضم السين وتشديد اللام، وفي المواضع السالفة: "أسلاف". والأسلاف والسلاف جمع سلف وسالف: وهم آباؤنا الذين مضوا وتقدمونا إلى لقائه سبحانه.]] ، فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته؛ ومعرِّفهم ما كان منه من تعطّفه على التائب منهم استعتابًا منه لهم. فكان مما عدّد من نعمه عليهم أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وسخّر لهم ما في السموات من شمسها وقمرها ونجومها، وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع. فكان في قوله تعالى: ذكره"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون"، معنى: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئًا، وخلقت لكم ما في الأرض جميعًا، وسويت لكم ما في السماء. ثم عطف بقوله:"وإذ قال رَبُّك للملائكة" على المعنى المقتضَى بقوله:"كيف تكفرون بالله"، إذ كان مقتضيًا ما وصفتُ من قوله: اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلتُ، واذكروا فعلي بأبيكم آدم إذ قلتُ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً [[هذا الذي قاله أبو جعفر تغمده الله بمغفرته، من أجود النظر في تأويل كتاب الله، ومن حسن بصره بالعربية وأسرار إيجازها، واعتمادها على الاكتفاء بالقليل من اللفظ الدال على الكثير من المعنى، واتخاذها الحروف روابط للمعاني الجامعة، لا لرد حرف على حرف سبق.]] .
فإن قال قائل: فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت؟ قيل: نعم، أكثرُ من أن يحصى، من ذلك قول الشاعر:
أجِدَّك لَنْ تَرَى بِثُعَيْلِبَاتٍ ... وَلا بَيْدَانَ نَاجِيةَ ذَمُولا [[هو للمرار بن سعيد الفقعسي، معاني القرآن للفراء ١: ١٧١، مجالس ثعلب: ١٥٩، اللسان (بيد) (طفل) (نشغ) ، ومعجم البلدان (ثعيلبات) . وثعيلبات وبيدان موضعان. والناجية: الناقة السريعة، من النجاء: وهو سرعة السير. والذمول: الناقة التي تسير سيرًا سريعًا لينًا ذملت ذميلا وذملانًا.]] وَلا مُتَدَاركٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌ ... بِبَعْضِ نَوَاشغ الوَادي حُمُولا [[يروى"ولا متلافيًا" بالنصب. وتدارك القوم (متعديًا) ، بمعنى أدركهم، أو حاول اللحاق بهم. وتلافاه: تداركه أيضًا. والشمس طفل: يعني هنا: عند شروقها -لا عند غروبها- أخذت من الطفل الصغير. ونواشغ الوادي جمع ناشغة: وهي مجرى الماء إلى الوادي. الحمول: هي الهوادج التي فيها النساء تحملها الإبل. وسميت الإبل وما عليها حمولا، لأنهم يحملون عليها الهوادج للرحلة. يقول: لن تدركهم، فقد بكروا بالرحيل.]]
فقال:"ولا متداركٍ"، ولم يتقدمه فعلٌ بلفظ يعطفه عليه [[في المطبوعة: "يعطف عليه". وفي المخطوطة"يعطف به"، وقوله"به" ملصقة إلصاقًا في الفاء من "يعطف".]] ، ولا حرف مُعرَب إعرابَه، فيردّ "متدارك" عليه في إعرابه. ولكنه لما تقدّمه فعل مجحود بـ "لن" يدل على المعنى المطلوب في الكلام من المحذوف [[في المطبوعة: "في الكلام، وعلى المحذوف"، لعله من تغيير المصححين. وأراد الطبري أن الفعل المجحود، يدل على المعنى المطلوب من المحذوف. وهذا بين.]] ، استغني بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حُذِف، وعاملَ الكلامَ في المعنى والإعراب معاملته أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهرًا [[في المخطوطة: "إذ لو كان ما هو محذوف منه ظاهر"، وهو خطأ.]] . لأن قوله:
أجدّك لن تَرَى بِثُعَيْلِبَات
بمعنى:"أجدّك لستَ بِرَاءٍ"، فردّ "متداركًا" على موضع"ترى"، كأنْ "لست" و"الباء" موجودتان في الكلام. فكذلك قوله:"وإذ قالَ رَبُّك"، لمّا سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبائهم من أياديه وآلائه، وكانَ قوله: "وإذ قال ربك للملائكة" مع ما بعده من النعم التي عدّدها عليهم ونبّههم على مواقعها - رَدّ "إذْ" على موضع" وكنتم أمواتًا فأحياكم". لأن معنى ذلك: اذكروا هذه من نعمي، وهذه التي قلت فيها للملائكة. فلما كانت الأولى مقتضية"إذ"، عطف بـ "إذ" على موضعها في الأولى [[في المطبوعة: "عطف"وإذ" على موضعها في الأولى"، وليس بشيء.]] ، كما وصفنا من قول الشاعر في"ولا متدارك".
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾
قال أبو جعفر: والملائكة جمع مَلأكٍ [[في المطبوعة والمخطوطة: "جمع ملك"، وظاهر كلام الطبري يدل على صواب ما أثبتناه.]] ، غيرَ أن أحدَهم [[في المطبوعة: "غير أن واحدهم"، وهما سواء.]] ، بغير الهمزة أكثرُ وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: مَلَك من الملائكة، فيحذفون الهمز منه، ويحركون اللام التي كانت مسكنة لو هُمز الاسم. وإنما يحركونها بالفتح، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها: فإذا جمعوا واحدهم، ردّوا الجمعَ إلى الأصل وهمزوا، فقالوا: ملائكة.
وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة، فيجري كلامهم بترك همزها في حال، وبهمزها في أخرى، كقولهم:"رأيت فلانا" فجرى كلامهم بهمز"رأيت" ثم قالوا:"نرى وترى ويرى"، فجرى كلامهم في"يفعل" ونظائرها بترك الهمز، حتى صارَ الهمز معها شاذًّا، مع كون الهمز فيها أصلا. فكذلك ذلك في"ملك وملائكة"، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم، وبالهمز في جميعهم. وربما جاء الواحد مهموزًا، كما قال الشاعر:
فلَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لِمَلأَكٍ ... تَحَدَّرَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ [[سلف الكلام على هذا البيت في ص: ٣٣٣، ورواية المخطوطة في هذا الموضع: "ولستَ لجنّيّ ولكنّ مَلأكًا"]]
وقد يقال في واحدهم، مألك، فيكون ذلك مثل قولهم: جَبَذ وجذب، وشأمَل وشمأل، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة. غير أن الذي يجبُ إذا سمي واحدهم
"مألك" أن يجمع إذا جمع على ذلك"مآلك"، ولست أحفظ جمعَهم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يجمعون: ملائك وملائكة، كما يجمع أشعث: أشاعث وأشاعثة، ومِسْمع: مَسامع ومَسامِعة، قال أميّة بن أبي الصّلت في جمعهم كذلك:
وَفِيهِمَا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَوْمٌ ... مَلائِك ذُلِّلوا وهُمُ صِعَابُ [[ديوانه: ١٩. "ذللوا" من الذل (بكسر الذال) وذلله: راضه حتى يذل ويلين ويطيع.]]
وأصل الملأك: الرسالة، كما قال عدي بن زيد العِبَادِيّ:
أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَلأَكًا ... إِنَّهُ قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي [[الأغاني ٢: ١٤، والعقد الفريد ٥: ٢٦١، وفي المطبوعة"وانتظار"، وهي إحدى قصائد عدي، التي كان يكتبها إلى النعمان، لما حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد. وبعده البيت المشهور، وهو من تمامه: لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شرِقٌ ... كُنْت كالغَصَّانِ بالماء اعتصارِي]]
وقد ينشد: مألَكًا، على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكًا فهو مَفْعل، من لأك إليه يَلأك إذا أرسل إليه رسالة مَلأكة [[في المطبوعة والمخطوطة: "يلئك"، وهذا الثلاثي: "لأك يلأك" لم أجده منصوصًا عليه في كتب اللغة، بل الذي نصوا عليه هو الرباعي: "ألكني إلى فلان: أبلغه عني. أصله ألئكني، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها"، ولكنهم نصوا على أنه مقلوب، فإذا صح ذلك، صح أيضًا أن تكون"لأك" مقلوب"ألك" الثلاثي، وهو مما نصوا عليه.]] ؛ ومن قال: مَألَكًا فهو مَفْعَل من ألكت إليه آلك: إذا أرسلت إليه مألَكة وألُوكًا [[كلام الطبري يشعر بأنه أراد وزن"مفعل" بفتح العين، فهي مألك، بفتح اللام، والأشهر الأفصح: والمألك والمألكة (بفتح الميم وضم اللام فيهما) .]] ، كما قال لبيد بن ربيعة [[في المطبوعة: "لبيد بن أبي ربيعة"، وهو خطأ.]] :
وَغُلامٍ أَرْسَلَتْه أُمُّه ... بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ [[ديوانه القصيدة رقم: ٣٧، البيت: ١٦، وقوله"وغلام" مجرور بواو"رب". أرسلت الغلام أمه تلتمس من معروف لبيد، فأعطاها ما سألت.]]
فهذا من"ألكت"، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
أَلِكْنِي يَا عُيَيْنَ إِلَيْكَ قَوْلا ... سَأَهْدِيه، إِلَيْكَ إِلَيْكَ عَنِّي [[في المطبوعة: "ستهديه الرواة إليك. . "، وأثبتنا نص المخطوطة، والديوان: ٨٥ وغيرهما. ويضبطونه"سأهديك" بضم الهمزة، من الهدية، أي سأهديه إليك، ولست أرتضيه، والشعر يختل بذلك معناه. وإنما هو عندي بفتح الهمزة، من"هديته الطريق" إذا عرفته الطريق وبينته له. ومنه أخذوا قولهم: هاداني فلان الشعر وهاديته: أي هاجاني وهاجيته. وقوله: "إليك إليك" أي خذها، كما قال القطامي: إذا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلاتِ قُلْنَا: ... إِلَيْكَ إِلَيْكَ! ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا
وقوله: "عني" أي مني، كما في قولهم: "عنك جاء هذا" أي منك، أو من قبلك. وكذلك هو في قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) ، أي من عباده، وقوله تعالى: (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) ، أي نتقبل منهم. وليس قول النابغة من قولهم"إليك عني"، أي كف وأمسك - في شيء. والشعر الذي يليه دال على ذلك، والبيت الذي يلي هذا فيه الكلمة المنصوبة بقوله"إليك إليك": قَوَافِيَ كَالسِّلامِ إِذَا اسْتَمَرَّتْ ... فَلَيْسَ يرُدّ مَذْهَبَهَا التَّظَنِّي
أي خذها قوافي كالسلام، وهي الحجارة.
وقوله: "عيين" يعني عيينة بن حصن الفزاري، وكان أعان بني عبس على بني أسد حلفاء بني ذبيان" رهط النابغة.]] وقال عبدُ بني الحَسْحَاس:
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتًى ... بِآيَةِ ما جاءتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا [[سلف القول في هذا البيت: ١٠٦ آنفًا.]]
يعني بذلك: أبلغها رسالتي. فسميت الملائكةُ ملائكةً بالرسالة، لأنها رُسُل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ﴾
اختلف أهل التأويل في قوله:"إني جاعل"، فقال بعضهم: إني فاعل.
ذكر من قال ذلك:
٥٩٧- حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن، وأبي بكر -يعني الهذلي- عن الحسن، وقتادة، قالوا: قال الله تعالى ذكره لملائكته:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" [[في المطبوعة: "قال الله للملائكة إني. . ". وهو موافق لما نقله ابن كثير.]] قال لهم: إني فاعل [[الأثر: ٥٩٧- نقله ابن كثير ١: ١٢٧ عن الطبري. ووقع في إسناده هناك سقط، والظاهر أنه خطأ مطبعي. وذكره السيوطي ١: ٤٤ مختصرًا. وسيأتي مرة أخرى: ٦١١ مطولا، بهذا الإسناد نصًّا. وهو هنا بإسنادين بل ثلاثة: رواه الحجاج -وهو ابن المنهال- عن جرير ابن حازم، وعن المبارك -وهو ابن فضالة- ثم رواه عن أبي بكر الهذلي، ثلاثتهم عن الحسن البصري، والإسنادان الأولان جيدان، والثالث ضعيف، بضعف أبي بكر الهذلي، ضعفه ابن المديني جدًّا، وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وترجمه البخاري في الكبير ٢/٢/١٩٩ باسم"سلمى أبو بكر الهذلي البصري"، وقال: "ليس بالحافظ عندهم. قال عمرو بن علي: عدلت عن أبي بكر الهذلي عمدًا". وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/ ٣١٣ - ٣١٤، وأبان عن ضعفه. و"سلمى": بضم السين وسكون اللام مع إمالة الألف المقصورة.]] .
وقال آخرون: إني خالق.
ذكر من قال ذلك:
٥٩٨- حُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، قال: كل شيء في القرآن"جَعَل"، فهو خلق [[الأثر: ٥٩٨- نقله السيوطي ١: ٤٤ عن الطبري، ولكنه جعله من كلام الضحاك. وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك. فلعل ذكر"الضحاك" سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري. وأيًّا ما كان فهذا الإسناد ضعيف. سبق بيان ضعفه: ١٣٧. ويزيده ضعفًا هنا جهالة الشيخ الذي رواه عنه الطبري عن المنجاب، في قوله"حدثت"، بتجهيل من حدثه.]] .
قال أبو جعفر: والصواب في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة": أي مستخلف في الأرض خليفةً، ومُصَيِّر فيها خَلَفًا [[في المخطوطة: "خلقًا"، بالقاف.]] . وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة.
وقيل: إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي"مكة".
ذكر من قال ذلك:
٥٩٩- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن سابط: أن النبي ﷺ قال: دُحِيت الأرضُ من مكة، وكانت الملائكة تطوفُ بالبيت، فهي أوّل من طاف به، وهي"الأرضُ" التي قال الله:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، وكان النبيّ إذا هلك قومه، ونجا هو والصالحون، أتاها هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا. فإنّ قَبر نُوحٍ وهودٍ وصَالحٍ وشعَيْب، بين زَمزَم والرُّكن والمَقَام [[الحديث: ٥٩٩- نقل ابن كثير في التفسير ١: ١٢٧ معناه من تفسير ابن أبي حاتم: "حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن ابن سابط"، فذكره مرفوعا بنحوه مختصرًا. وقال ابن كثير: "وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم - فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك". أما إرساله: فإن"عبد الرحمن بن سابط": تابعي، وهو ثقة، ولكنه لم يدرك النبي ﷺ، بل لم يدرك كبار الصحابة، كعمر وسعد ومعاذ وغيرهم. ويقال إنه"عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط". واختلف في ذلك جدًّا، فلذلك ترجمه الحافظ لأبيه في الموضعين: "سابط"، أو"عبد الله بن سابط"، وفي الإصابة ٣: ٥١ - ٥٢، ٤: ٧٣. ونقله السيوطي ١: ٤٦، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن عساكر، مطولا كرواية الطبري، ونقله الشوكاني ١: ٥٠ مختصرًا، كرواية ابن أبي حاتم، ونقل تعليل ابن كثير إياه.
وفي المطبوعة"أتى هو ومن معه". وفي المخطوطة"فيعبدوا الله بها".]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿خَلِيفَةً﴾
والخليفة الفعيلة من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده. كما قال جل ثناؤه ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة يونس: ١٤] يعني بذلك أنه أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاء بعدهم. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة، لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلَفًا. يقال منه: خلف الخليفة، يخلُف خِلافة وخِلِّيفَى [[في المخطوطة والمطبوعة: "وخليفًا"، والصواب ما أثبتناه. في حديث عمر: "لولا الخليفى لأذنت" (بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة، بعدها ياء، ثم فاء مفتوحة) قالوا: وهو وأمثاله من الأبنية كالرمي والدليلي، مصدر يدل على معنى الكثرة. يريد عمر: كثرة اجتهاده في ضبط أمور الخلافة وتصريف أعنتها.]] .
وكان ابن إسحاق يقول بما:
٦٠٠- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إني جاعل في الأرض خليفة"، يقول: ساكنًا وعامرًا يسكنها ويعمُرها خلَفًا، ليس منكم [[الأثر: ٦٠٠- في ابن كثير ١: ١٢٧ وفي المطبوعة هنا، وفي: ٦١٥"خلقا ليس منكم" بالقاف، وهو خطأ، والصواب في ابن كثير ١: ١٢٧. وقوله"خلفًا": أي بدلا ممن مضى، وهو سكان الأرض قبل أبينا آدم عليه السلام، كما يأتي في الخبر التام: ٦١٥. وقوله: "ليس منكم"، كلام مستأنف، أي ليس منكم أيتها الملائكة. أما المخطوطة ففيها: "ليس خلفًا منكم" وهو خطأ محض.]] .
وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها - وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفةً يسكنها - ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.
فإن قال قائل: فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرًا، فكان بنو آدم منه بدلا [[في المطبوعة: "بدلا منه" بالتقديم.]] وفيها منه خلَفًا؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك.
٦٠١- فحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أول من سكن الأرضَ الجنُّ فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء وقتل بعضهم بعضًا. فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال:"إني جاعل في الأرض خليفة" [[الخبر: ٦٠١- في ابن كثير ١: ١٢٧. وقد روى الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦١ خبرًا يشبهه في بعض المعنى ويخالفه في اللفظ قال: "أخبرنا عبد الله بن موسى الصيدلاني، حدثنا إسماعيل بن قتيبة، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس:. . . " وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأما إسناد الطبري هنا فضعيف، كما بينا فيما سبق: ١٣٧.]] .
فعلى هذا القول:"إني جاعل في الأرض خليفة"، من الجن، يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها.
٦٠٢- وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض [[الأثر: ٦٠٢- رواه الطبري في التاريخ ١: ٤٣، بهذا الإسناد. سيأتي أيضًا بهذا الإسناد بأطول منه: ٦١٢. ونقله ابن كثير ١: ١٢٨، والسيوطي ١: ٤٥ بالرواية المطولة، ولكنهما جعلاه من كلام أبي العالية. فهو من رواية الربيع بن أنس عن أبي العالية. وزاد السيوطي في نسبته أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة.]] .
وقال آخرون في تأويل قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة"، أي خلفًا يخلف بعضهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله. وهذا قول حكي عن الحسن البصري.
ونظيرٌ له ما:-
٦٠٣- حدثني به محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" قال: يعنون به بني آدم ﷺ.
٦٠٤- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال الله تعالى ذكره للملائكة: إني أريد أنْ أخلق في الأرض خلقًا وأجعلَ فيها خليفةً. وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق [[الأثران: ٦٠٣، ٦٠٤ - في ابن كثير ١: ١٢٨.]] .
وهذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن، ويحتمل أن يكون أراد ابنُ زيد أنَّ الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفةً له يحكم فيها بين خلقه بحكمه، نظيرَ ما:-
٦٠٥- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أنّ الله جل ثناؤه قال للملائكة:"إني جاعل في الأرض خليفة". قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذُرّيةٌ يُفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا [[الأثر: ٦٠٥ - في ابن كثير ١: ١٢٧.]] . فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس: إني جاعل في الأرض خليفةً منّي يخلفني في الحكم بين خلقي. وذلك الخليفة هو آدمُ ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه.
وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها، فمن غير خلفائه، ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله -لأنهما أخبرَا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته- إذ سألوه: ما ذاك الخليفة؟ =: إنه خليفة يكون له ذُرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذُرّية خليفته دونه، وأخرج منه خليفته.
وهذا التأويل، وإن كان مخالفًا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه، فموافق له من وجه. فأما موافقته إياه، فصرْفُ متأوِّليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة. وأما مخالفته إياه، فإضافتهما الخلافة إلى آدم [[في المطبوعة: "فإضافتهم"، والصواب ما في المخطوطة، ويعني بهما ابن مسعود وابن عباس كما مضى آنفًا.]] بمعنى استخلاف الله إياه فيها. وإضافة الحسن الخلافةَ إلى ولده، بمعنى خلافة بعضهم بعضًا، وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم، وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة.
والذي دعا المتأوِّلين قولَه:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة" -في التأويل الذي ذُكر عن الحسن- إلى ما قالوا في ذلك، أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها- إذ قال لهم ربهم:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"-:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، إخبارًا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبرَ الله جل ثناؤه أنه جاعله في الأرض لا عنْ غيره [[في المطبوعة"لا غيره" بإسقاط"عن".]] . لأنّ المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنهُ جرتْ. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك -وكان الله قد بَرّأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وطهَّره من ذلك- عُلم أن الذي عنى به غيرَه من ذرّيته. فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غيرُ آدم، وأنهم وَلدُه الذين فعلوا ذلك، وأن معنى الخلافة التي ذكرَها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنًا غيرَهم لما وصفنا.
وأغفل قائلو هذه المقالة، ومتأوّلو الآية هذا التأويل، سبيلَ التأويل. وذلك أنّ الملائكة إذ قال لها ربها:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة"، لم تُضف الإفساد وسفك الدماء في جَوابها ربَّها إلى خليفته في أرضه، بل قالت:"أتجعل فيها من يُفسد فيها"؟ وغير مُنْكَر أن يكون ربُّها أعلمها أنه يكون لخليفتِه ذلك ذرّيةٌ يكون منهم الإفساد وسفك الدماء، فقالت: يا ربنا"أتجعل فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء". كما قال ابن مسعود وابن عباس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل [[في الأصل المخطوط بعد هذا الموضع ما نصه: -
[بلغتُ من أوّله بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب ابن عبد الله الخصيبيّ، عن أبي محمد الفَرْغانيّ، عن أبي جعفر الطبري. وسمع معي أخي علي بن أحمد بن عيسى، ونصر بن الحسن الطبري. وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري، من موضع سماعه.
وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعمئة]
* *
"تذكرة" تبين لي مما راجعته من كلام الطبري، أن استدلال الطبري بهذه الآثار التي يرويها بأسانيدها، لا يراد به إلا تحقيق معنى لفظ، أو بيان سياق عبارة. فهو قد ساق هنا الآثار التي رواها بإسنادها ليدل على معنى"الخليفة"، و"الخلافة"، وكيف اختلف المفسرون من الأولين في معنى"الخليفة". وجعل استدلاله بهذه الآثار، كاستدلال المستدل بالشعر على معنى لفظ في كتاب الله. وهذا بين في الفقرة التالية للأثر رقم: ٦٠٥، إذ ذكر ما روي عن ابن مسعود وابن عباس، وما روي عن الحسن في بيان معنى"الخليفة"، واستظهر ما يدل عليه كلام كل منهم. ومن أجل هذا الاستدلال، لم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه. ودليل ذلك أن الطبري نفسه قال في إسناد الأثر: ٤٦٥ عن ابن مسعود وابن عباس، فيما مضى ص: ٣٥٣"فإن كان ذلك صحيحًا، ولست أعلمه صحيحًا، إذ كنت بإسناده مرتابًا. . "، فهو مع ارتيابه في هذا الإسناد، قد ساق الأثر للدلالة على معنى اللفظ وحده، فيما فهمه ابن مسعود وابن عباس -إن صح عنهما- أو ما فهمه الرواة الأقدمون من معناه. وهذا مذهب لا بأس به في الاستدلال. ومثله أيضًا ما يسوقه من الأخبار والآثار التي لا يشك في ضعفها، أو في كونها من الإسرائيليات، فهو لم يسقها لتكون مهيمنة على تفسير آي التنزيل الكريم، بل يسوق الطويل الطويل، لبيان معنى لفظ، أو سياق حادثة، وإن كان الأثر نفسه مما لا تقوم به الحجة في الدين، ولا في التفسير التام لآي كتاب الله.
فاستدلال الطبري بما ينكره المنكرون، لم يكن إلا استظهارًا للمعاني التي تدل عليها ألفاظ هذا الكتاب الكريم، كما يستظهر بالشعر على معانيها. فهو إذن استدلال يكاد يكون لغويًّا. ولما لم يكن مستنكرًا أن يستدل بالشعر الذي كذب قائله، ما صحت لغته؛ فليس بمستنكر أن تساق الآثار التي لا يرتضيها أهل الحديث، والتي لا تقوم بها الحجة في الدين، للدلالة على المعنى المفهوم من صريح لفظ القرآن، وكيف فهمه الأوائل - سواء كانوا من الصحابة أو من دونهم.
وأرجو أن تكون هذه تذكرة تنفع قارئ كتاب الطبري، إذا ما انتهى إلى شيء مما عده أهل علم الحديث من الغريب والمنكر. ولم يقصر أخي السيد أحمد شاكر في بيان درجة رجال الطبري عند أهل العلم بالرجال، وفي هذا مقنع لمن أراد أن يعرف علم الأقدمين على وجهه، والحمد لله أولا وآخرًا.]] .
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه خبرا عن ملائكته: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل [[في المطبوعة: "إن قال قائل".]] : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأرض خليفة:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، ولم يكن آدمُ بعد مخلوقًا ولا ذُرّيته، فيعلموا ما يفعلونَ عيانًا؟ أعلمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادة منها بالظنّ وقولٌ بما لا تعلم. وذلك ليس من صفتها. أمْ ما وجه قيلها ذلك لربها؟ [[في المطبوعة: "فما وجه".]] قيل: قد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالا. ونحن ذاكرو أقوالهم في ذلك، ثم مخبرون بأصحِّها برهانًا وأوضحها حُجة. فروي عن ابن عباس في ذلك ما:
٦٠٦- حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم"الحِنّ"، خُلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة [[في المطبوعة في الموضعين"الجن" بالجيم، وهو خطأ، يدل عليه سياق هذا الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن. إبليس مخلوق من نار السموم، والآخرون خلقوا من مارج من نار. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة. وهذا بين. وقد قال الجاحظ في الحيوان ٧: ١٧٧، وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول: هم جن وحن (بالحاء) ، ويجعل التي بالحاء أضعفهما. وقال في ١: ٢٩١-٢٩٢، وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك: إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ ... من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ
أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ ... مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ
ففرق بين هذين الجنسين. وانظر الحيوان ٦: ١٩٣، أيضًا، واللسان (جنن) ، وغيرهما.]] قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخُلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ. قال: وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار - وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت. قال: وخُلق الإنسان من طين. فأوّل من سكن الأرضَ الجنُّ. فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم الحِن [[في المطبوعة في الموضعين"الجن" بالجيم، وهو خطأ، يدل عليه سياق هذا الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن. إبليس مخلوق من نار السموم، والآخرون خلقوا من مارج من نار. والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة. وهذا بين. وقد قال الجاحظ في الحيوان ٧: ١٧٧، وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول: هم جن وحن (بالحاء) ، ويجعل التي بالحاء أضعفهما. وقال في ١: ٢٩١-٢٩٢، وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي حين أتى باب بعض الملوك ليكتتب في الزمنى فقال في ذلك: إن تكتُبُوا الزَّمْنى فإنّي لَزمِنْ ... من ظاهر الداء وداءٍ مستكِنّْ
أبيتُ أهوِي في شياطينَ ترنّْ ... مختلفٍ نجارُهُمْ جنٌّ وحِنّْ
ففرق بين هذين الجنسين. وانظر الحيوان ٦: ١٩٣، أيضًا، واللسان (جنن) ، وغيرهما.]] - فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه. وقال:"قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد"! قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه. فقال الله للملائكة الذين معه:"إني جاعلٌ في الأرض خليفة". فقالت الملائكة مجيبين له:"أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفِك الدماء"، كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بُعثنا عليهم لذلك. فقال:"إني أعلم ما لا تعلمون"، يقول: إني قد اطلعتُ من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه، من كبره واغتراره. قال: ثم أمر بتُربة آدم فرُفعت، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازبُ: اللزِجُ الصُّلب، من حمأ مسنون - مُنْتِن. قال: وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقًى. فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيُصَلصِل -أي فيصوّت- قال: فهو قول الله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن: ١٤] . يقول: كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمت [[المصمت: الذي لا جوف له، وكل ذي جوف إذ قرع صوت، أما المصمت فهو صامت لا صوت له. فمن الصمت أخذوه.]] . قال: ثم يَدخل في فيه ويخرج من دُبُره، ويدخل من دُبُره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا! -للصّلصَلة- ولشيء ما خُلقت! لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك، ولئن سُلِّطتَ علي لأعصِيَنَّك. قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صَار لحمًا ودمًا. فلما انتهت النفخة إلى سُرّته، نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لينهضَ فلم يقدرْ، فهو قول الله: ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا﴾ [سورة الإسراء: ١١] قال: ضَجِرًا لا صَبرَ له على سَرَّاء ولا ضرَّاء. قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال:"الحمد لله ربّ العالمين" بإلهام من الله تعالى، فقال الله له: يرحمُك الله يا آدم. قال: ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم. فسجدُوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبَى واستكبر، لِما كان حدّث به نفسه من كبره واغتراره. فقال: لا أسجُد له، وأنا خير منه وأكبرُ سنًّا وأقوى خَلْقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين -يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبَى إبليس أن يسجد أبلسه الله- أي آيسه من الخير كله [[في المطبوعة: "وآيسه الله. . . ".]] ، وجعله شيطانًا رجيما عقوبةً لمعصيته. ثم علم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرْض وسهلٌ وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة -يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم- وقال لهم: أنبئوني بأسماء هؤلاء - يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، إن كنتم تعلمون أنِّي لمَ أجعلُ خليفة في الأرض [[في المطبوعة: "أنكم تعلمون أني أجعل في الأرض خليفة"، وقوله"لم أجعل. . " سقط"لم" من المخطوطة أيضًا. والصواب من الدر المنثور، والشوكاني، حيث يأتي تخريجه. وسيأتي على الصواب أيضًا في رقم: ٦٧١ ص: ٤٩٠، وهو مختصر من هذا الأثر.]] . قال: فلما علمت الملائكة مؤاخذةَ الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيرُه، الذي ليس لهم به علم، قالوا: سبحانك، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيرُه - تبنا إليك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، تبرِّيًا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علّمت آدم. فقال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم - يقول: أخبرهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم - أيها الملائكة خاصة - إني أعلم غيبَ السموات والأرض، ولا يعلمه غيري، وأعلم ما تبدون - يقول: ما تُظهرون - وما كنتم تكتمون - يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار [[الخبر: ٦٠٦ - خرجه السيوطي في الدر المنثور مفرقًا ١: ٤٤-٤٥، ٤٩، ٥٠. والشوكاني ١: ٥٢ بعضه مفرقًا. وروى الطبري قطعة منه، بهذا الإسناد، في تاريخه ١: ٤٢-٤٣.]] .
قال أبو جعفر: وهذه الرواية عن ابن عباس، تُنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه:"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرص خليفة"، خطابٌ من الله جل ثناؤه لخاصٍّ من الملائكة دون الجميع، وأنّ الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصةً - الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خلق آدم - وأنّ الله إنما خصّهم بقيل ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً، ليعرِّفهم قصورَ علمهم وفضلَ كثير ممن هو أضعفُ خلقًا منهم من خلقه عليهم، وأنّ كرامته لا تنال بقوَى الأبدان وشدّة الأجسام، كما ظنه إبليس عدوّ الله. ومُصَرِّح بأن قيلهم لربِّهم [[في المطبوعة: "ويصرح"، وسياق الكلام: "تنبئ عن أن قول الله. . . خطاب من الله جل ثناؤه لخاص من الملائكة دون الجميع،. . ومصرح بأن قيلهم"، عطفًا على خبر "أن".]] : "أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء"، كانت هفوةً منهم ورجمًا بالغيب؛ وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك، ووقَفَهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رَجْم الغيْب بالظُّنون، وتبرَّأوا إليه أن يعلم الغيب غيرُه، وأظهرَ لهم من إبليس ما كان منطويًا عليه من الكبْر الذي قد كان عنهم مستخفيًا [[هذا التعقيب على خبر ابن عباس، دليل على ما ذهبنا إليه في بيان طريقة الطبري في الاستدلال بالأخبار والآثار انظر ص: ٤٥٣-٤٥٤. فهو لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"، إنما هو خطاب فيه لفظ العموم"الملائكة"، ويراد به الخصوص لبعض الملائكة، كما هو معروف في لسان العرب. وأن قول هؤلاء الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها. . . "، لم يكن عن علم عرفوه من علم الغيب، بل كان ظنًّا ظنوه. وسيأتي بعد ما يوضح مذهب الطبري في الاستدلال، كما سأشير إليه في موضعه.]] .
وقد رُوي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية، وهو ما:-
٦٠٧- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"لما فرَغ الله من خلق ما أحبّ، استوى على العرش، فجعل إبليس على مُلْك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجنّ [[في المخطوطة: "الحن" بالحاء، وتفسيرها التالي يدل على أنها بالجيم. وانظر ما كتبناه آنفًا في ص: ٤٥٥ التعليق: ١.]] - وإنما سموا الجنّ لأنهم خزّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنا، فوقع في صدره كبر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيّة لي - هكذا قال موسى بن هارون، وقد حدثني به غيره، وقال: لمزية لي على الملائكة [[غيره، الذي أبهمه الطبري هنا، بينه في التاريخ ١: ٤٣، قال: "وحدثنى به أحمد بن أبي خيثمة، عن عمرو بن حماد".]] - فلما وقع ذلك الكبر في نفسه، اطلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة:"إني جاعل في الأرض خليفة". قالوا: ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا،"أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحنُ نسبِّح بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون". يعني من شأن إبليس. فبعث جبريلَ إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقُص مني أو تشينني. فرجع، ولم يأخذ. وقال: ربِّ إنها عاذت بك فأعذْتُها. فبعث الله ميكائيل، فعاذَت منه، فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث مَلَك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض، وخَلَط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تُرْبة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. فصَعِد به، فبلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا -واللازبُ: هو الذي يلتزق بعضه ببعض- ثم ترك حتى أنتن وتغير [[في المطبوعة"حين أنتن"، وصحته"حتى أنتن"، كما في تاريخ الطبري، وتفسير ابن كثير - فيما تبين في تخريجه.]] . وذلك حين يقول: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [سورة الحجر: ٢٨] . قال: منتن - ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة ص: ٧١-٧٢] . فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيديّ، ولم أتكبر أنا عنه؟ فخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة: فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه. وكان أشدّهم منه فزعًا إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسدُ كما يصوّت الفخار وتكون له صلصلة، فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [سورة الرحمن: ١٤] ويقول لأمر ما خُلقت! ودخل من فيه فخرج من دُبُره. فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإنّ ربكم صَمَدٌ وهذا أجوف [[الصمد هنا: هو الذي لا جوف له، والمصمد والمصمت واحد. وانظر ما سلف ص: ٤٥٦ تعليق: ١.]] . لئن سُلطت عليه لأهلكنّه. فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من رُوحي فاسجدوا له. فلما نفخ فيه الرّوح فدخل الروح في رأسه عَطَس، فقالت له الملائكة: قل الحمدُ لله. فقال: الحمد لله، فقال له الله: رحمك ربُّك. فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة. فلما دخل في جوفه اشتهى الطعامَ، فوَثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عَجْلانَ إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٧] . فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين -أي استكبرَ [[في المطبوعة: "أبى واستكبر"، وهو تحريف.]] - وكان من الكافرين. قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لِما خلقتُ بيديّ؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجدَ لبشر خلقته من طين. قال الله له: أخرج منها فما يكون لك -يعني ما ينبغي لك- أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين - والصَّغار: هو الذل -. قال: وعلَّم آدم الأسماء كلها، ثم عرض الخلق على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنّ بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. فقالوا له: سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنتَ العليم الحكيم. قال الله: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. قال قولهم:"أتجعل فيها من يفسد فيها"، فهذا الذي أبدَوْا،"وأعلم ما كنتم تكتمون"، يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر [[الخبر: ٦٠٧- روى الطبري قطعة منه في تاريخه ١٠: ٤١-٤٢، بهذا الإسناد. وقطعة أخرى أيضًا ١: ٤٣. وثالثة ١: ٤٥-٤٦. ورابعة ١: ٤٧. وخامسة ١: ٤٧-٤٨. وسادسة ١: ٥٠. وبعضه عن السيوطي ١: ٤٥-٤٧، والشوكاني ١: ٥٠. وقد مضى تعليل هذا الإسناد، في: ١٦٨، ورأى الطبري نفسه فيه: ٤٥٢، وأنه فيه مرتاب. وقد ساقه ابن كثير بطوله ١: ١٣٧-١٣٨، ثم قال: "فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة. فلعل بعضها مدرج، ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه، بهذا الإسناد بعينه، أشياء، ويقول: على شرط البخاري! ".]] .
قال أبو جعفر: فهذا الخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل، وموافقٌ معنى آخره معناها. وذلك أنه ذكر في أوّله أن الملائكة سألت ربها: ما ذاك الخليفة؟ حين قال لها: إني جاعلٌ في الأرض خليفة. فأجابها أنه تكون له ذُرّية يُفسدون في الأرض وَيتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا. فقالت الملائكة حينئذ: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فكان قولُ الملائكة ما قالت من ذلك لرَبِّها، بعد إعلام الله إياها أنّ ذلك كائن من ذُرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض. فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه.
وأما موافقته إياه في آخره، فهو قولهم في تأويل قوله:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين": أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك، تبرِّيًا من علم الغيب -:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".
وهذا إذا تدبّره ذو الفهم، علم أن أوّله يفسد آخرَه، وأن آخره يُبطل معنى أوّله. وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرّية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء، فقالت الملائكة لربها:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"؛ فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، بمثل الذي أخبرها عنهم ربُّها، فيجوزَ أن يقالَ لها فيما طوي عنها من العلوم: إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور فأخبرتم به، فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه، كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه - بل ذلك خُلفٌ من التأويل، ودعوَى على الله ما لا يجور أن يكون له صفة [[نقد الطبري دال أيضًا على ما ذهبنا إليه من الاستدلال بالآثار كاستدلال المستدل بالشعر. وأنت تراه ينقض هذا الخبر نقضًا، ويبين الخطأ في سياقه، وتناقضه في معناه. وهذا بين إن شاء الله.]] . وأخشى أن يكون بعض نَقَلة هذا الخبر هو الذي غَلِط على من رواه عنه من الصحابة، وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العِلم بخبَري إياكم أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، حتى استجزتم أن تقولوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء". فيكون التوبيخ حينئذ واقعًا على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم:"إنه يكون له ذرّية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء"، لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن. وذلك أن الله جل ثناؤه، وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرّية خليفته في الأرض، ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء، فقد كانَ طوَى عنهم الخبرَ عما يكون من كثيرٍ منهم ما يكون من طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحهم في أرْضه، وحقن الدماء، ورفعِه منزلتَهم، وكرامتِهم عليه، فلم يخبرهم بذلك. فقالت الملائكة:"أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء"، على ظنٍّ منها -على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرتُ وظاهرِهما- أنّ جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يُفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء، فقال الله لهم -إذ علّم آدم الأسماء كلها -: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين أنكم تعلمون أنّ جميع بني آدم يُفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، على ما ظننتم في أنفسكم - إنكارًا منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم، وهو من صفة خاصِّ ذرّية الخليفة منهم. وهذا الذي ذكرناه هو صفةٌ منا لتأويل الخبر، لا القول الذي نختاره في تأويل الآية [[وهذا أيضًا دليل واضح على أن استدلال الطبري بالأخبار والآثار، ليس معناه أنه ارتضاها، بل معناه أنه أتى بها ليستدل على سياق تفسير الآية مرة، وعلى بيان فساد الأخبار أنفسها مرة أخرى. وقد أخطأ كثير ممن نقل عن الطبري في فهم مراده، وتحامل عليه آخرون لم يعرفوا مذهبه في هذا التفسير.]] .
ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها الدماء على العموم، ما:-
٦٠٨- حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي [[في المطبوعة. "ابن أحمد بن إسحاق الأهوازي"، وزيادة"ابن" خطأ.]] قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، قوله:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، قال: يعنون الناس [[الأثر: ٦٠٨- لم أجده.]] .
وقال آخرون في ذلك بما:-
٦٠٩- حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً"، فاستشار الملائكة في خلق آدمَ، فقالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" - وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض -"ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون" فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياءُ ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. قال: وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالقٌ خلقًا أكرم عليه منَّا ولا أعلم منَّا؟ فابتلوا بخلق آدم -وكل خلق مُبْتَلًى- كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [[الأثر: ٦٠٩- في ابن كثير ١: ١٢٩، وبعضه في الدر المنثور مفرقًا ١: ٤٥، ٤٦، ٥٠.]] [سورة فصلت: ١١] .
وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، على غير يقين علمٍ تقدم منها بأن ذلك كائن، ولكن على الرأي منها والظنّ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من قيلها، وردّ عليها ما رأت بقوله:"إني أعلم ما لا تعلمون" من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسلُ والمجتهدُ في طاعة الله.
وقد رُوي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويل، وهو ما:-
٦١٠- حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"أتجعل فيها من يُفسد فيها" قال: كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك قوله:"أتجعل فيها من يفسد فيها" [[الأثر: ٦١٠- لم أجده.]] .
وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل، منهم الحسن البصري:
٦١١- حدثنا القاسم: قال حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قالا قال الله لملائكته:"إني جاعلٌ في الأرص خليفة" - قال لهم: إني فاعلٌ - فعرضُوا برأيهم، فعلّمهم علمًا وطوَى عنهم علمًا علمه لا يعلمونه، فقالوا بالعلم الذي علمهم:"أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء" - وقد كانت الملائكة علمتْ من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء -"ونحن نسبّح بحمدك ونُقدس لكَ. قال إني أعلم ما لا تعلمون". فلما أخذ في خلق آدم، هَمست الملائكة فيما بينها، فقالوا: ليخلق رَبنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقًا إلا كنا أعلمَ منه وأكرمَ عليه منه. فلما خلقه ونفخ فيه من روحه أمرَهم أن يسجدوا له لما قالوا، ففضّله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه، فقالوا: إن لم نكن خيرًا منه فنحن أعلمُ منه، لأنا كنا قَبله، وخُلقت الأمم قبله. فلما أعجبوا بعملهم ابتلوا، فـ "علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمَاء هؤلاء إن كنتم صادقين" أني لا أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قال: ففزع القومُ إلى التوبة -وإليها يفزع كل مؤمن- فقالوا:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال: يا آدم أنبئهم بأسمَائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم إني أعلمُ غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبدُون وما كنتم تكتمون" - لقولهم:"ليخلقْ ربّنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أكرمَ عليه منا ولا أعلم منا". قال: علمه اسم كل شيء، هذه الجبال وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه كل أمة، فقال:"ألم أقل لكم إني أعلم غَيبَ السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"، قال: أما ما أبدَوْا فقولهم:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، وأمَّا ما كتموا فقول بعضهم لبعض:"نحن خير منه وأعلم" [[الأثر: ٦١١- سبق بعضه بهذا الإسناد نصًّا. وشرحنا جودة بعضه وضعف بعضه. ونقل السيوطي ١: ٤٩، بعضه عن هذا الموضع من تفسير الطبري. وذكر ابن كثير ١: ١٢٨ قسما منه، من تفسير ابن أبي حاتم: عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن - وهو البصري. وهذا إسناد صحيح إلى الحسن البصري: فإن"الحسن بن محمد بن الصباح": هو الزعفراني الثقة المأمون، تلميذ الشافعي وراوية كتبه بالعراق. وسعيد بن سليمان: هو سعدويه الضبي الواسطي، وهو ثقة مأمون من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد. ومبارك بن فضالة: ثقة، من أخص الناس بالحسن البصري، جالسه ١٣ أو ١٤ سنة.]] .
٦١٢- وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، في قوله:"إني جاعل في الأرض خليفةً" الآية، قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجنّ يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة. قال: فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرض. فمن ثمّ قالوا:"أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" الآية [[الأثر: ٦١٢- مضى صدره برقم: ٦٠٢، وأشرنا إلى هذا هناك.]] .
٦١٣-[حدثنا محمد بن جرير، قال] : حدثت عن عمار بن الحسن، قال: أخبرنا عبد الله بن أَبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله-:"ثم عَرَضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين". إلى قوله:"إنك أنتَ العليم الحكيم". قال: وذلك حين قالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك". قال: فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم: لن يخلق الله خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرمَ. فأراد الله أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدَم. وَعلم آدم الأسماء كلها، فقال للملائكة:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين"، إلى قوله:"وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون"، وكان الذي أبدَوْا حين قالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"، وكان الذي كتموا بينهم قولهم:"لن يخلق الله خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم"، فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم [[الأثر: ٦١٣- هو رواية أخرى للأثر السالف. ولم أجده في المراجع السالفة.]] .
وقال ابن زيد بما:-
٦١٤- حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد: لما خلق الله النارَ ذعرت منها الملائكة ذعرًا شديدًا، وقالوا: ربنا لم خلقت هذه النار؟ ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي. قال: ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خُلق آدم بعد ذلك، وقرأ قول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١] . قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ليت ذلك الحين [[كلمة عمر رضي الله عنه: "ليت ذلك الحين"، يعني ليت الإنسان بقي شيئًا غير مذكور، طينًا لازبًا. يقولها من مخافة عذابه ربه يوم القيامة. وفي الدر المنثور ٦: ٢٩٧: "أخرج ابن المبارك، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب: أنه سمع رجلا يقرأ: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا) ، فقال عمر: ليتها تمت". فهذا في معنى كلمة عمر هنا.]] . ثم قال: قالت الملائكة: يا رب، أويأتي علينا دهرٌ نعصيك فيه! -لا يرَوْن له خلقًا غيرهم- قال: لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعل فيها خليفةً، يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض. فقالت الملائكة:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"؟ وقد اخترتنا، فاجعلنا نحن فيها، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونعمل فيها بطاعتك. وأعظمت الملائكة أن يجعل الله في الأرض من يعصيه فقال:"إني أعلمُ ما لا تعلمون"."يا آدم أنبئهم بأسمائهم". فقال: فلان وفلان. قال: فلما رأوا ما أعطاه الله من العلم أقروا لآدم بالفضل عليهم، وأبى الخبيث إبليس أن يقرَّ له، قال:"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين". قال:"فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها" [[الأثر: ٦١٤- سيأتي بعض معناه بهذا الإسناد: (ص ١٧٦ بولاق) . وأما هذا النص، فقد ذكر السيوطي بعضه ١: ٤٥ ونسبه لابن جرير فقط. ولم يذكر فيه كلمة عمر بن الخطاب. وقد أشرنا إلى ورود معناها من وجه آخر، في الهامشة قبل هذه. وكلمة عمر هنا سيقت مساق الحديث المرفوع، إذ قال: "يا رسول الله، ليت ذلك الحين". فتكون حديثًا مرفوعًا مرسلا، بل منقطعًا، لأن ابن زيد -وهو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- لم يدرك إلا بعض التابعين. هذا إلى أنه ضعيف جدًّا، كما سبق في: ١٨٥.]] .
وقال ابن إسحاق بما:-
٦١٥- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: لما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به، لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه -وكان أوّل بلاء ابتُليت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحبّ وما تكره، للبلاء والتمحيص لما فيهم مما لم يعلموا، وأحاط به علم الله منهم- جمع الملائكة من سكان السموات والأرض، ثم قال:"إني جاعل في الأرض خليفة"- ساكنًا وعامرًا ليسكنها ويعمرُها - خَلَفًا، ليس منكم [[في المطبوعة: "عامر وساكن يسكنها ويعمرها خلقًا ليس منكم"، وانظر ما مضى، رقم: ٦٠٠، وانظر تخريجه بعد.]] . ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بالمعاصي. فقالوا جميعًا:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" لا نعصي، ولا نأتي شيئًا كرهته؟ قال:"إني أعلم ما لا تعلمون" - قال: إني أعلم فيكم ومنكم ولم يُبدها لهم - من المعصية والفساد وسفك الدماء وإتيان ما أكره منهم، مما يكون في الأرض، مما ذكرتُ في بني آدم. قال الله لمحمد ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩-٧٢] . فذكر لنبيه ﷺ الذي كان منْ ذكره آدم حين أراد خلقه، ومراجعة الملائكة إياه فيما ذكر لهم منه. فلما عزم الله تعالى ذكره على خلق آدم قال للملائكة: إني خالقٌ بشرًا من صلصال من حمإٍ مسنون بيدي -تكرمةً له وتعظيمًا لأمره وتشريفا له- حفظت الملائكة عهده وَوَعوْا قوله، وأجمعوا الطاعة إلا ما كان من عدوّ الله إبليس، فإنه صمتَ على ما كان في نفسه من الحسد والبغْيِ والتكبر والمعصية. وخلق الله آدم من أدَمة الأرض، من طين لازب من حَمَإٍ مسنون، بيديه، تكرمةً له وتعظيمًا لأمره وتشريفًا له على سائر خلقه. قال ابن إسحاق: فيقال، والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عامًا قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار، ولم تمسه نار. قال: فيقال، والله أعلم: إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عَطس فقال: الحمد لله! فقال له ربه: يرحمك ربك، ووقع الملائكة حين استوى سجودًا له، حفظًا لعهد الله الذي عهد إليهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به. وقام عدوّ الله إبليس من بينهم فلم يَسجد، مكابرًا متعظمًا بغيًا وحسدًا. فقال له: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إِلَى ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص: ٧٥-٨٥] .
قال: فلما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبى إلا المعصية، أوقع عليه اللعنة وأخرجه من الجنة. ثم أقبل على آدم، وقد علمه الأسماء كلها، فقال:"يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" - أي، إنما أجبناك فيما علمتنا، فأما ما لم تعلمنا فأنت أعلم به. فكان ما سمّى آدمُ من شيء، كان اسمه الذي هو عليه إلى يوم القيامة [[الأثر: ٦١٥- مضى صدره برقم: ٦٠٠.]] .
وقال ابن جُريج بما:-
٦١٦- حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم، فقالوا:"أتجعلُ فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء"؟ وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم. فسألته الملائكة، فقالت -على التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: إني أعلم ما لا تعلمون، يعني: أن ذلك كائن منهم -وإن لم تعلموه أنتم- ومن بعض من ترونه لي طائعًا. يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه [[الأثر: ٦١٦- لم أجده في مكان.]] .
وقال بعض أهل العربية: قول الملائكة:"أتجعل فيها من يفسد فيها" على غير وجه الإنكار منهم على ربّهم، وإنما سألوه ليعلموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يُعصَى الله، لأن الجن قد كانت أمرتْ قبل ذلك فعصتْ.
وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا:"يا رب خبرنا"، مسألةَ استخبار منهم لله، لا على وجه مسألة التوبيخ.
قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه، مخبرًا عن ملائكته قيلها له:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"، تأويل من قال: إن ذلك منها استخبار لربها، بمعنى: أعلمنا يا ربنا أجاعلٌ أنت في الأرض مَنْ هذه صفته، وتارك أن تجعل خلفاءَك منا، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك - لا إنكارٌ منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وإن كانت قد استعظمتْ لما أخبرت بذلك، أن يكون لله خلقٌ يعصيه.
وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلكَ فسألته على وجه التعجب، فدعْوَى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل، ولا خبر بها من الحجة يقطعُ العذرَ. وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة.
وأما وصفُ الملائكة مَن وصفت -في استخبارها ربَّها عنه- بالفساد في الأرض وسفك الدماء، فغير مستحيلٍ فيه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السُّدّيّ، ووافقهما عليه قتادة - من التأويل: وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعلٌ في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا: "أتجعل فيها من يفسد فيها"، على ما وصفت من الاستخبار.
فإن قال لنا قائل: وما وجه استخبارها، والأمر على ما وصفتَ، من أنها قد أخبرت أنّ ذلك كائن؟
قيل: وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك. وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربَّهم أن يجعلهم الخلفاءَ في الأرض حتى لا يعصوه. وغيرُ فاسد أيضًا ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وتابعه عليه الربيع بن أنس، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض -قبل آدم- من الجنّ، فقالت لربها:"أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون"؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم، لا على وجه الإيجاب أنّ ذلك كائن كذلك، فيكون ذلك منها إخبارًا عما لم تطلع عليه من علم الغيب. وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيلُ الملائكة ما قالت من ذلك، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلقٌ يعصي خالقه.
وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع بن أنس، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطعُ مجيئُه العذرَ، ويُلزمُ سامِعَه به الحجة. والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يُدرك علمُ صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع مَعه التشاغب والتواطؤ، ويستحيل مَعه الكذب والخطأ والسهو [[في المخطوطة والمطبوعة: "يمتنع منه. . . ويستحيل منه"، وليست بشيء. وفي المخطوطة مكان"التشاغب": "الساعر" غير مبينة.]] . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد.
فأولى التأويلات -إذ كان الأمر كذلك- بالآية، ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالةٌ، مما يصح مخرجُه في المفهوم.
فإن قال قائل: فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرتَ، من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرّية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الملائكة:"أتجعل فيها من يفسد فيها"، فأين ذكر إخبارِ الله إياهم في كتابه بذلك؟
قيل له: اكتفى بدلالة ما قد ظهرَ من الكلام عليه عنه، كما قال الشاعر:
فَلا تَدْفِنُونِي إِنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ... عَلَيْكُمْ، وَلَكِن خَامِرِي أُمَّ عَامِرِ [[البيت للشنفري الأزدي في قصة. شرح الحماسة ٢: ٢٤-٢٦، والأغاني ٢١: ٨٩ وغيرهما. ويروى: "لا تقبروني إن قبري"، "ولكن أبشري". وقوله"خامري": أي استتري، وأصله من الخمرة (بكسر فسكون) وهو الاستخفاء. يريدون بذلك دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه. وأم عامر: كنية الضبع. وذلك مما يقوله لها الصائد حين يريد صيدها، يغرها بذلك حتى يتمكن منها، فيقول لها: "أبشري أم عامر بشياه هزلى، وجراد عظلى، +وكسر رجال قتلى"، فتميل الضبع إليه فيصيدها.]]
فحذف قوله"دعوني للتي يقال لها عند صَيدها": خامري أمّ عامر. إذ كان فيما أظهر من كلامه، دلالة على معنى مراده. فكذلك ذلك في قوله:"قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها"، لما كان فيه دلالة على ما ترك ذكره بعد قوله:"إنّي جاعل في الأرض خليفة"، من الخبر عما يكون من إفساد ذريته في الأرض، اكتفى بدلالته وحَذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك في القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلما ذكرنا من ذلك، اخترنا ما اخترنا من القول في تأويل قوله:"قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء".
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله:"ونحن نسبِّح بحمدك" فإنه يعني: إنا نعظِّمك بالحمد لك والشكر، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [سورة النصر: ٣] ، وكما قال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الشورى: ٥] ، وكل ذكر لله عند العرب فتسبيحٌ وصلاة. يقول الرجل منهم: قضيتُ سُبْحَتي من الذكر والصلاة. وقد قيل: إن التسبيحَ صلاةُ الملائكة.
٦١٧- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كان النبي ﷺ يُصلي، فمرّ رجل من المسلمين على رجل من المنافقين، فقال له: النبيُّ ﷺ يُصلِّي وأنت جالس! فقال له: امض إلى عملك إن كان لك عمل. فقال: ما أظنّ إلا سيمر عليك من ينكر عليك. فمرّ عليه عمر بن الخطاب فقال له: يا فلان، النبي ﷺ يصَلِّي وأنت جالس! فقال له مثلها، فقال: هذا من عَملي. فوثب عليه فضربَه حتى انتهى، ثم دخل المسجدَ فصلّى مع النبي ﷺ. فلما انفتل النبي ﷺ قام إليه عمر فقال: يا نبيَّ الله مررت آنفًا على فلان وأنت تُصلي، فقلت له: النبيّ ﷺ يُصلّي وأنت جالس! فقال: سرْ إلى عملك إن كان لكَ عمل. فقال النبي ﷺ: فهلا ضربْتَ عُنقه. فقام عمر مسرعًا. فقال: يا عُمر ارجع فإن غضبك عِزّ ورضاك حُكْم، إن لله في السموات السبع ملائكة يصلون، له غنًى عن صلاة فلان. فقال عمر: يا نبي الله، وما صَلاتهم؟ فلم يرد عليه شيئًا، فأتاه جبريل فقال: يا نبي الله، سألك عُمر عن صلاة أهل السماء؟ قال: نعم. فقال: اقرأ على عمر السلام، وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجودٌ إلى يوم القيامة يقولون:"سبحان ذي الملك والملكوت"، وأهل السماء الثانية ركوعٌ إلى يوم القيامة يقولون:"سبحان ذي العزة والجبروت"، وأهل السماء الثالثة قيامٌ إلى يوم القيامة يقولون:"سبحان الحي الذي لا يموت" [[الحديث: ٦١٧ هو حديث مرفوع، ولكنه مرسل، لأن سعيد بن جبير تابعي. وإسناده إليه إسناد جيد. يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي أبو الحسن: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/٣٩١، فلم يذكر فيه جرحًا. وفي التهذيب: "قال محمد بن حميد الرازي [وهو شيخ الطبري هنا] : دخلت بغداد، فاستقبلني أحمد وابن معين، فسألاني عن أحاديث يعقوب القمي". جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي القمي: ثقة، ترجمه البخاري في الكبير ١/٢/٢٠٠، وابن أبي حاتم في الجرح ١/١/٤٩٠-٤٩١، فلم يذكرا فيه مطعنًا. وفي التهذيب أن ابن حبان نقل في الثقات توثيقه عن أحمد بن حنبل. وهذا الحديث بطوله، رواه أبو نعيم في الحلية ٤: ٢٧٧-٢٧٨، من طريق محمد بن حميد -شيخ الطبري- بهذا الإسناد. وذكر السيوطي في الدر المنثور ١: ٤٦ آخره، من أول سؤال عمر عن صلاة الملائكة، ولم ينسبه لغير الطبري وأبي نعيم.]] .
٦١٨- قال أبو جعفر: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وسهل بن موسى الرازي، قالا حدثنا ابن عُلَيَّة، قال: أخبرنا الجُرَيْرِي، عن أبي عبد الله الجَسْري، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ عَادَه -أو أن أبا ذَرّ عاد النبي ﷺ- فقال: يا رسول الله، بأبي أنتَ، أي الكلام أحب إلى الله؟ فقال: ما اصطفى الله لملائكته:"سبحان رَبي وبحمده، سبحان ربي وبحمده" [[الحديث: ٦١٨ - في الدر المنثور ولم ينسبه لابن جرير، وقال: "أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر. . . " ٥: ١٦١، ١٧٦. وهو في المسند ٥: ١٤٨ ومسلم ٢: ٣١٩، ٨: ٨٦.]] .
- في أشكال لما ذكرنا من الأخبار [[في المطبوعة: "في كل أشكال لما ذكرنا. . . "، و"كل" مقحمة هنا بلا شك.]] ، كرهنا إطالةَ الكتاب باستقصائها.
وأصلُ التسبيح لله عند العرب: التنزيهُ له من إضافة ما ليس من صفاته إليه، والتبرئة له من ذلك، كما قال أعشى بني ثعلبة:
أَقُولُ -لمَّا جَاءَنِي فَخْرُه-: ... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ [[ديوانه: ١٠٦، من قصيدته المشهورة، التي قالها في هجاء علقمة بن علاثة، في خبر منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل (الأغاني ١٥: ٥٠-٥٦) . وذكر ابن الشجري في أماليه ١: ٣٤٨ عن أبي الخطاب الأخفش، قال: "وإنما ترك التنوين في"سبحان" وترك صرفه، لأنه صار عندهم معرفة". وقال في ٢: ٢٥٠: "لم يصرفه، لأن فيه الألف والنون زائدين، وأنه علم للتسبيح، فإن نكرته صرفته". وانظر ص: ٤٩٥ وتعليق رقم: ٣.]]
يريد: سُبحان الله من فَخر علقمة، أي تنزيهًا لله مما أتى علقمة من الافتخار، على وجه النكير منه لذلك.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى التسبيح والتقديس في هذا الموضع، فقال بعضهم: قولهم:"نسبح بحمدك": نصلي لك.
ذكر من قال ذلك:
٦١٩- حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"ونحن نسبح بحمدك ونُقدس لك"، قال: يقولون: نصلّي لك.
وقال آخرون:"نُسبّح بحمدك" [[في الأصول: "نسبح لك"، والصواب ما أثبتناه، وهو نص الآية.]] التسبيح المعلوم.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٠- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"ونحن نسبِّح بحمدك"، قال: التسبيحَ التسبيحَ [[الأثران: ٦١٩، ٦٢٠- في ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠.]] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾
قال أبو جعفر: والتقديس هو التطهير والتعظيم، ومنه قولهم:"سُبُّوح قُدُّوس"، يعني بقولهم:"سُبوح"، تنزيهٌ لله، وبقولهم:"قُدوسٌ"، طهارةٌ له وتعظيم. ولذلك قيل للأرض:"أرض مُقدسة"، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا:"ونحن نسبِّح بحمدك"، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك، ونصلي لك."ونقدس لك"، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. وقد قيل: إن تقديس الملائكة لربها صَلاتها له. كما:-
٦٢١- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"ونقدس لك"، قال: التقديسُ: الصلاة [[الأثر: ٦٢١- في ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠.]] .
وقال بعضهم:"نقدس لك": نعظمك ونمجدك.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو سعيد المؤدّب، قال: حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله:"ونحن نسبّح بحمدك، ونقدس لك"، قال: نعظمك ونمجِّدك [[الأثر: ٦٢٢- في الدر المنثور ١: ٤٦.]] .
٦٢٣- حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى -وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل- جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"ونقدس لك"، قال نعظّمك ونكبِّرك [[الأثر: ٦٢٣- في ابن كثير ١: ١٢٩، والدر المنثور ١: ٤٦.]] .
٦٢٤- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق:"ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك"، لا نَعْصي ولا نأتي شيئًا تكرهُه [[الأثر: ٦٢٤- في ابن كثير ١: ١٢٩.]] .
٦٢٥- وحدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي رَوْق، عن الضحاك، في قوله:"ونقدس لك"، قال: التقديس: التطهير [[الأثر: ٦٢٥- في ابن كثير ١: ١٢٩، وفي الدر المنثور ١: ٤٦: "وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: التقديس: التطهير"، ولم ينسبه للضحاك، ولا لابن جرير.]] .
وأما قول من قال: إن التقديس الصلاة أو التعظيم، فإن معنى قوله ذلك راجع إلى المعنى الذي ذكرناه من التطهير، من أجل أنّ صلاتها لربها تعظيم منها له، وتطهير مما ينسبه إليه أهل الكفر به. ولو قال مكانَ:"ونقدِّس لك" و"نقدِّسك"، كان فصيحا من الكلام. وذلك أن العرب تقول: فلان يسبح الله ويقدِّسه، ويسبح لله ويقدِّس له، بمعنى واحد. وقد جاء بذلك القرآن، قال الله جل ثناؤه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [سورة طه: ٣٣-٣٤] ، وقال في موضع آخر: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة الجمعة: ١]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يعني بقوله:"أعلم ما لا تعلمون"، مما اطلع عليه من إبليس، وإضماره المعصيةَ لله وإخفائه الكبر، مما اطلع عليه تبارك وتعالى منه وخفي على ملائكته.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٦- حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"إني أعلم ما لا تعلمون"، يقول: إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره [[الخبر: ٦٢٦- لم يذكر في المصادر السالفة. و"بشر بن عمارة": مضت ترجمته في: ١٣٧، وتكرر مرارًا، ولكن مصححو طبعة بولاق قالوا في هذا الموضع: "كذا في النسخ بالتاء، وتكرر بها فيها كلها. وهو في الخلاصة بدون تاء"!! وهو"عمارة" بالتاء في جميع الكتب والدواوين. والذي في الخلاصة خطأ مطبعي فقط!!]] .
٦٢٧- وحدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"إني أعلم ما لا تعلمون"، يعني من شأن إبليس.
٦٢٨- وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد -وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل- قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.
٦٢٩- وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سفيان، عن علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، بمثله [[الأثر: ٦٢٩-"علي بن بذيمة"، بفتح الباء الموحدة وكسر الذال المعجمة، وهو ثقة.]] .
٦٣٠- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عَن مجاهد مثله [[الأثر: ٦٣٠-"ابن يمان"، بفتح الياء وتخفيف الميم: هو يحيى بن يمان العجلي الكوفي، وهو صدوق من شيوخ أحمد بن حنبل. و"سفيان" في هذا والذي قبله - هو الثوري.]] .
٦٣١- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حَكَّام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون" قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها [[الأثر: ٦٣١-"القاسم بن أبي بزة"، بفتح الباء الموحدة وتشديد الزاي: ثقة مكي، قال ابن حبان: "لم يسمع التفسير من مجاهد -أحد غير القاسم، وكل من يروي عن مجاهد التفسير- فإنما أخذه من كتاب القاسم". وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/٢/١٢٢: "هو القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار". و"محمد بن عبد الرحمن" الراوي عنه هنا: هو ابن أبي ليلى.]] .
٦٣٢- وحدثني جعفر بن محمد البُزُوري، قال: حدثنا حسن بن بشر، عن حمزة الزيات، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس كتمانه الكِبْر أن لا يسجُد لآدم.
٦٣٣- وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، قال: -وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل- جميعًا عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قول الله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية.
٦٣٤- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد، مثله.
٦٣٥- وحدثني المثنى، قال: حدثنا سُويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، قال: قال مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها [[الأثر: ٦٣٥- ذكره السيوطي ١: ٤٦. والشوكاني ١: ٥٠. ولكن سقط اسم"مجاهد"، من الدر المنثور، خطأ مطبعيًّا.]] .
وقال مرَّة آدم.
٦٣٦- وحدثني المثنى، قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال سمعت عبد الوهاب بن مجاهد يحدث عن أبيه في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها، وعلم من آدم الطاعة وخلقَه لها [[الأثر: ٦٣٦ - أما"مجاهد بن جبر"، فهو التابعي الكبير، الثقة الفقيه المفسر. ولكن ابنه"عبد الوهاب بن مجاهد": ضعيف جدًّا، قال أحمد بن حنبل: "لم يسمع من أبيه، ليس بشيء، ضعيف الحديث". وضعفه أيضًا ابن معين وأبو حاتم. ومر عبد الوهاب بسفيان الثوري، في مسجد الحرام، فقال سفيان: "هذا كذاب". وأما هذا الأثر، بزيادة: "وعلم من آدم الطاعة -. . . "- فلم نجده في موضع آخر.]] .
٦٣٧- وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، والثوري، عن علي بن بَذِيمة، عن مجاهد في قوله:"إني أعلم ما لا تعلمون"، قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها [[الأثر: ٦٣٧- هو في معنى الآثار السالفة: ٦٣٣-٦٣٥.]] .
٦٣٨- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إني أعلم ما لا تعلمون". أي فيكم ومنكم، ولم يُبْدِها لهم، من المعصية والفساد وسفك الدماء.
وقال آخرون: معنى ذلك: إني أعلم ما لا تعلمون من أنه يكون من ذلك الخليفة أهلُ الطاعة والولايةِ لله.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٩- حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال:"إني أعلم ما لا تعلمون"، فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورُسلٌ وقوم صالحون وساكنو الجنة [[الأثر: ٦٣٩- في ابن كثير ١: ١٣٠، والدر المنثور ١: ٤٦، والشوكاني ١: ٥٠. وفي ابن كثير: "في تلك الخليقة" وفي الدر المنثور"من تلك الخليقة" وفي الشوكاني: "سيكون من الخليقة": وجميعها بالقاف، وهو خطأ، والصواب ما في نص الطبري.]] .
وهذا الخبر من الله جل ثناؤه يُنبئ عن أن الملائكة التي قالت:"أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء"، استفظعتْ أن يكون لله خلق يعصيه، وعجبتْ منه إذْ أخبرت أن ذلك كائن. فلذلك قال لهم ربهم:"إني أعلم ما لا تعلمون". يعني بذلك، والله أعلم: إنكم لتعجبون من أمر الله وتستفظعونه، وأنا أعلم أنه في بعضكم، وتصفون أنفسكم بصفةٍ أعلمُ خِلافَها من بعضكم، وتعرضون بأمر قد جعلته لغيركم. وذلك أن الملائكة لما أخبرها ربها بما هو كائن من ذرية خليفته، من الفساد وسفك الدماء، قالت لربها: يا رب أجاعل أنت في الأرض خليفةً من غيرنا، يكون من ذريته من يعصيك، أم منا، فإنا نعظمك ونصلي لك ونطيعك ولا نعصيك؟ -ولم يكن عندها علم بما قد انطوى عليه كَشحا إبليسُ من استكباره على ربه- فقال لهم ربهم: إني أعلم غير الذي تقولون من بعضكم. وذلك هو ما كان مستورًا عنهم من أمر إبليس، وانطوائه على ما قد كان انطوى عليه من الكبر. وعلى قِيلهم ذلك، ووصفهم أنفسهم بالعموم من الوصف عُوتبوا.