John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Baqara

Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 61–90 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾

قد دللنا -فيما مضى قبل- على معنى "الصبر" وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء. [[انظر ما مضى في هذا الجزء ٢: ١١]] فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآية إذا: واذكروا إذا قلتم -يا معشر بني إسرائيل-: لن نطيق حبس أنفسنا على طعام واحد - وذلك"الطعام الواحد"، هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه في تيههم، وهو"السلوى" في قول بعض أهل التأويل، وفي قول وهب بن منبه هو"الخبز النقي مع اللحم" - فاسأل لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من البقل والقثاء، وما سمى الله مع ذلك، وذكر أنهم سألوه موسى.

* *

وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فيما بلغنا، ما: -

١٠٥٤ - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ قال: كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كان لهم بمصر، فسألوه موسى. فقال الله تعالى: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ .

١٠٥٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ ، قال: ملوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه قبل ذلك، قالوا: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها﴾ الآية.

١٠٥٦ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾ ، قال: كان طعامهم السلوى، وشرابهم المن، فسألوا ما ذكر، فقيل لهم: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وقال قتادة: إنهم لما قدموا الشام فقدوا أطعمتهم التي كانوا يأكلونها، فقالوا: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها﴾ ، وكانوا قد ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشا كانوا فيه بمصر.

١٠٥٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح في قوله عز وجل: ﴿لن نصبر على طعام واحد﴾ ، المن والسلوى، فاستبدلوا به البقل وما ذكر معه.

١٠٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله سواء.

١٠٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بمثله.

١٠٦٠ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أُعطوا في التيه ما أُعطوا، فملوا ذلك وقالوا: ﴿يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها﴾ .

١٠٦١ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أنبأنا ابن زيد قال: كان طعام بني إسرائيل في التيه واحدا، وشرابهم واحدا. كان شرابهم عسلا ينزل لهم من السماء يقال له المن، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لم يكونوا يعرفون خبزا ولا غيره. فقالوا: يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها"، فقرأ حتى بلغ: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ .

* *

وإنما قال جل ذكره: ﴿يخرج لنا مما تنبت الأرض﴾ - ولم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه ليخرج لهم من الأرض، فيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مما تنبته الأرض من بقلها وقثائها - لأن"من" تأتي بمعنى التبعيض لما بعدها، فاكتفي بها عن ذكر التبعيض، إذ كان معلوما بدخولها معنى ما أريد بالكلام الذي هي فيه. كقول القائل: أصبح اليوم عند فلان من الطعام" يريد شيئا منه.

وقد قال بعضهم:"من" ههنا بمعنى الإلغاء والإسقاط. كأن معنى الكلام عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد على ذلك بقول العرب:"ما رأيت من أحد" بمعنى: ما رأيت أحدا، وبقول الله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ، وبقولهم:"قد كان من حديث، فخل عني حتى أذهب"، يريدون: قد كان حديث.

وقد أنكر من أهل العربية جماعة أن تكون"من" بمعنى الإلغاء في شيء من الكلام، وادعوا أن دخولها في كل موضع دخلت فيه، مؤذن أن المتكلم مريد لبعض ما أدخلت فيه لا جميعه، وأنها لا تدخل في موضع إلا لمعنى مفهوم.

فتأويل الكلام إذا - على ما وصفنا من أمر"من" [[في المطبوعة: "على ما وصفنا من أمر من ذكرنا"، و"ذكرنا" زائدة ولا شك، كما تبين من سياق كلامه السالف والآتي.]] -: فادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها.

* *

و"البقل" و"القثاء" و"العدس" و"البصل"، هو ما قد عرفه الناس بينهم من نبات الأرض وحبها.

* *

وأما"الفوم"، فإن أهل التأويل اختلفوا فيه. فقال بعضهم: هو الحنطة والخبز.

ذكر من قال ذلك:

١٠٦٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد ومؤمل قالا حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: الفوم:، الخبز.

١٠٦٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد قوله: ﴿وفومها﴾ قالا خبزها.

١٠٦٤ - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وفومها﴾ ، قال: الخبز.

١٠٦٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة والحسن: الفوم، هو الحب الذي يختبزه الناس.

١٠٦٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن بمثله.

١٠٦٧ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: ﴿وفومها﴾ قال: الحنطة.

١٠٦٨ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر عن السدي: ﴿وفومها﴾ ، الحنطة.

١٠٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك في قوله: ﴿وفومها﴾ ، الحنطة.

١٠٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن قتادة قال: الفوم، الحب الذي يختبز الناس منه.

١٠٧١ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لى عطاء بن أبي رياح قوله: ﴿وفومها﴾ ، قال: خبزها، قالها مجاهد.

١٠٧٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال لي ابن زيد: الفوم، الخبز.

١٠٧٣ - حدثني يحيى بن عثمان السهمي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وفومها﴾ يقول: الحنطة والخبز.

١٠٧٤ - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وفومها﴾ قال: هو البر بعينه، الحنطة.

١٠٧٥ - حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا مسلم الجرمي قال، حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ﴿وفومها﴾ قال: الفوم، الحنطة بلسان بني هاشم. [[الحديث: ١٠٧٥ - مسلم الجرمي: سبق أن رجحنا في: ١٥٤، ٦٤٩، ٨٤٦ أنه"الجرمي" بالجيم. وقد ثبت هنا في المطبوعة بالجيم على ما رجحنا. رشدين - بكسر الراء وسكون الشين المعجمعة وكسر الدال المهملة - بن كريب: ضعيف، بينا القول في ضعفه في شرح المسند: ٢٥٧١. وأبوه، كريب بن أبي مسلم: تابعي ثقة.]]

١٠٧٦ - حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا عبد العزيز بن منصور، عن نافع بن أبي نعيم، أن عبد الله بن عباس سئل عن قول الله: ﴿وفومها﴾ ، قال: الحنطة، أما سمعت قول أُحَيْحة بن الجُلاحح وهو يقول:

قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ... وَرَد المدينة عن زراعة فوم [[الحديث: ١٠٧٦ - عبد الرحمن بن عبد الحكم المصري: ثقة، كان من أهل الحديث عالما بالتواريخ، صنف تاريخ مصر وغيره، كما في التهذيب، مات سنة ٢٥٧. وهو مؤلف كتاب (فتوح مصر) المطبوع في أوربة. شيخه عبد العزيز بن منصور: لم أجد له ذكرا فيما بين يدي من المراجع، إلا في فتوح مصر، ص ٤٠ س ٧ - ٨ قال ابن عبد الحكم هناك:"حدثنا عبد العزيز بن منصور اليحصبى، عن عاصم بن حكيم.." وشيخه، نافع: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني، أحد القراء السبعة المعروفين وهو لم يدرك ابن عباس، إنما يروي عن التابعين، وله ترجمة في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ / ٨، وابن أبي حاتم ٤ / ١ /٤٥٦ - ٤٥٧، وتاريخ إصبهان لأبي نعيم ٢: ٣٢٦ - ٣٢٧.

والبيت في اللسان (فوم) ، ونسبه لأبي محجن الثقفي، أنشده الأخفش له، وروايته:

قد كنت أحسبني كأغنى واحد ... نزل المدينة. . .

وفي الروض الأنف ٢: ٤٥ نسبه لأحيحة، أو لأبي محجن، ورواه"سكن المدينة".]]

* *

وقال آخرون: هو الثوم.

ذكر من قال ذلك:

١٠٧٧ - حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد قال: هو هذا الثوم.

١٠٧٨ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: الفوم، الثوم.

* *

وهو في بعض القراءات"وثومها".

* *

وقد ذكر أن تسمية الحنطة والخبز جميعا"فوما" من اللغة القديمة. حكي سماعا من أهل هذه اللغة:"فوموا لنا"، بمعنى اختبزوا لنا.

* *

وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود:"وثومها" بالثاء. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤١]] فإن كان ذلك صحيحا، فإنه من الحروف المبدلة كقولهم:"وقعوا في عاثور شر: وعافور شر" وكقولهم""للأثافي، أثاثي؛ وللمغافير، مغاثير" وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاء والفاء ثاء، لتقارب مخرج الفاء من مخرج الثاء. و"المغافير" شبيه بالشيء الحلو، يشبه بالعسل، ينزل من السماء حلوا، يقع على الشجر ونحوها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾

يعني بقوله: ﴿قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ ، قال: لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخس خطرا وقيمة وقدرا من العيش، بدلا بالذي هو خير منه خطرا وقيمة وقدرا؟ وذلك كان استبدالهم.

* *

وأصل"الاستبدال": هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك.

* *

ومعنى قوله: ﴿أدنى﴾ أخس وأوضع وأصغر قدرا وخطرا. وأصله من قولهم:"هذا رجل دني بين الدناءة" و"إنه ليدنِّي في الأمور" بغير همز، إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب في ذلك، سماعا منهم. يقولون:"ما كنتَ دانئا، ولقد دنأتَ، [[هذا كله من قول الفراء في معاني القرآن ١: ٤٢. وكان في المطبوعة"ما كنت دنيا"، والصواب ما أثبته من كتاب الفراء.]] وأنشدني بعض أصحابنا عن غيره، أنه سمع بعض بني كلاب ينشد بيت الأعشى [[الذي سمع هذا هو الفراء. انظر معاني القرآن له ١: ٤٢، والطبري يجهله دائما]]

باسلةُ الوقعِ سرابيلها ... بيض إلى دانِئِها الظاهر [[ديوانه: ١٠٨، وروايته"إلى جانبه الظاهر". يصف حصنا. قال قبل:

في مجدل شيد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر

يجمع خضراء لها سورة ... تعصف بالدارع والحاسر

باسلة الوقع. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والضمير في قوله:"سرابيلها" راجع إلى"خضراء" يقال: كتيبة خضراء، وهي التي غلب عليها لبس الحديد وعلاها سواده، والخضرة سواد عندهم. والسرابيل هنا: الدروع، جمع سربال: وهو كل ما لبس كالدرع وغيره. وقال الفراء:"يعني الدروع على خاصتها - يعني الكتيبة - إلى الخسيس منها". كأنه أراد: يلبسون الدروع من شريف إلى خسيس. وأما رواية الديوان: فالضمير في"جانبه"، راجع إلى"المجدل" وهي أبين الروايتين معنى وأصحهما.]]

بهمز الدانئ، وأنه سمعهم يقولون:"إنه لدانئ خبيث" بالهمز. [[في معاني الفراء زيادة بين قوسين من بعض النسخ: [إذا كان ماجنا]]] فإن كان ذلك عنهم صحيحا، فالهمز فيه لغة، وتركه أخرى.

* *

ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش الرفيع منه.

* *

وقد تأول بعضهم قوله: ﴿الذي هو أدنى﴾ بمعنى: الذي هو أقرب، ووجه قوله: ﴿أدنى﴾ ، إلى أنه أفعل من"الدنو" الذي هو بمعنى القرب.

* *

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الذي هو أدنى﴾ قاله عدد من أهل التأويل في تأويله.

ذكر من قال ذلك:

١٠٧٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ ، يقول: أتستبدلون الذي هو شر بالذي هو خير منه.

١٠٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿الذي هو أدنى﴾ قال: أردأ.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾

وتأويل ذلك: فدعا موسى، فاستجبنا له، فقلنا لهم:"اهبطوا مصرا"، وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه.

* *

وقد دللنا -فيما مضى- على أن معنى"الهبوط" إلى المكان، إنما هو النزول إليه والحلول به. [[انظر ما مضى ١: ٥٣٤.]]

* *

فتأويل الآية إذا: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش، بالذي هو خير منه. فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه، فاستجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: ﴿اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ .

* *

ثم اختلف القَرَأَة في قراءة قوله [[في المطبوعة: "الفراء"، ورددناها إلى الذي جرى عليه لفظ الطبري فيما سلف، في كل المواضع التي جروا على تبديلها من"قرأة"، إلى"قراء".]] ﴿مصرا﴾ فقرأه عامة القَرَأَة: "مصرا" بتنوين"المصر" وإجرائه. وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نونوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار، لا مصرا بعينه. فتأويله -على قراءتهم-: اهبطوا مصرا من الأمصار، لأنكم في البدو، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي، وإنما يكون في القرى والأمصار، فإن لكم -إذا هبطتموه- ما سألتم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين، كان تأويل الكلام عنده:"اهبطوا مصرا" البلدة التي تعرف بهذا الاسم، وهي"مصر" التي خرجوا عنها. غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف، لأن في المصحف ألفا ثابتة في"مصر"، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين، سبيل من قرأ: ﴿قواريرا قواريرا من فضة﴾ [الإنسان: ١٥-١٦] منونة اتباعا منه خط المصحف. وأما الذي لم ينون"مصر" فإنه لا شك أنه عنى"مصر" التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها. [[انظر ما قاله الفراء في معاني القرآن ١: ٤٢ - ٤٣.]]

* *

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، نظير اختلاف القَرَأَة في قراءته.

١٠٨١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: ﴿اهبطوا مصرا﴾ ، أي مصرا من الأمصار، فإن لكم ما سألتم.

١٠٨٢ - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿اهبطوا مصرا﴾ من الأمصار، فإن لكم ما سألتم. فلما خرجوا من التيه، رفع المن والسلوى وأكلوا البقول.

١٠٨٣ - وحدثني المثنى قال، حدثني آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة في قوله: ﴿اهبطوا مصرا﴾ قال: يعني مصرا من الأمصار.

١٠٨٤ - وحدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿اهبطوا مصرا﴾ قال: مصرا من الأمصار. زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر.

١٠٨٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿اهبطوا مصرا﴾ ، قال: مصرا من الأمصار. و"مصر" لا تُجْرَى في الكلام. فقيل: أي مصر. فقال: الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] .

* *

وقال آخرون: هي مصر التي كان فيها فرعون.

ذكر من قال ذلك:

١٠٨٦ - حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿اهبطوا مصرا﴾ قال: يعني به مصر فرعون.

١٠٨٧ - حدثنا عن عمار بن الحسن، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

* *

ومن حجة من قال إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله: ﴿اهبطوا مصرا﴾ ، مصرا من الأمصار دون"مصر" فرعون بعينها -: أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر. وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة، إذ قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢١-٢٤] ، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك -فيما ذكر لنا- دخولها حتى هلكوا في التيه. وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذريتهم الشأم، فأسكنهم الأرض المقدسة، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فيجوز لنا أن نقرأ:"اهبطوا مصر"، ونتأوله أنه ردهم إليها.

قالوا: فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧-٥٩] قيل لهم: [[في المطبوعة: "قيل لهم"، وهو خطأ. والضمير في"له" راجع إلى قوله: "فإن احتج محتج".]] فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك، فملكهم إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشأم.

* *

وأما الذين قالوا: إن الله إنما عنى بقوله جل وعز: ﴿اهبطوا مصرَ﴾ مصرَ؛ فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧-٥٩] وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٨] ، قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها، وإلا فلا وجه للانتفاع بها، إن لم يصيروا، أو يصر بعضهم إليها. قالوا: [[قوله: "وأخرى"، أي وحجة أخرى. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٣]] وأخرى، أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود:"اهبطوا مصر" بغير ألف. قالوا: ففي ذلك الدلالة البينة أنها"مصر" بعينها.

* *

قال أبوجعفر: والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ﷺ يقطع مجيئه العذر. وأهل التأويل متنازعون تأويله، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: [[في المطبوعة: "عندنا والصواب"، وهو سهو ناسخ.]] إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض - على ما بينه الله جل وعز في كتابه - وهم في الأرض تائهون، فاستجاب الله لموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار، وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه. وجائز أن يكون ذلك القرار"مصر"، وجائز أن يكون"الشأم".

فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين: ﴿اهبطوا مصرا﴾ وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين، واتفاق قراءة القَرَأَة على ذلك. ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه، إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة، [[الحجة هنا: الذين يحتج بهم.]] فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينهما.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾

قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ﴿وضربت﴾ أي فرضت. ووضعت عليهم الذلة وألزموها. من قول القائل:"ضرب الإمام الجزية على أهل الذمة" و"ضرب الرجل على عبده الخراج" يعني بذلك وضعه فألزمه إياه، ومن قولهم:"ضرب الأمير على الجيش البعث"، يراد به: ألزمهموه. [[البعث: بعث الجند إلى الغزو.]]

* *

وأما"الذلة" فهي"الفعلة" من قول القائل: ذل فلان يذل ذلا وذلة"، كـ "الصغرة" من "صغُر الأمر"، و "القِعدة" من "قعد". [[لم أجد فيما بين يدي من الكتب من نص على صِغرة فرة" و"قعدة" مصدر على فعلة مثل: نشد الدابة نِشدة، ليس للهيئة، وإن وافقها في الوزن.]]

و"الذلة" هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن لا يعطوهم أمانا على القرار على ما هم عليه من كفرهم به وبرسوله - إلا أن يبذلوا الجزية عليه لهم، فقال عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِر ِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: ٢٩] كما:-

١٠٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾ ، قالا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.

* *

وأما"المسكنة" فإنها مصدر"المسكين". يقال:"ما فيهم أسكن من فلان" [[قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن: ٤٢، وفسره فقال: "أي أفقر منه".]] و"ما كان مسكينا" و"لقد تمسكن مسكنة". ومن العرب من يقول:"تمسكن تمسكنا". و"المسكنة" في هذا الموضع مسكنة الفاقة والحاجة، وهي خشوعها وذلها، كما:-

١٠٨٩ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿والمسكنة﴾ قال: الفاقة.

١٠٩٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ ، قال: الفقر.

١٠٩١ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ ، قال: هؤلاء يهود بني إسرائيل. قلت له: هم قبط مصر؟ قال: وما لقبط مصر وهذا، لا والله ما هم هم، ولكنهم اليهود، يهود بني إسرائيل.

* *

فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بالعز ذلا وبالنعمة بؤسا، وبالرضا عنهم غضبا، جزاء منه لهم على كفرهم بآياته، وقتلهم أنبياءه ورسله، اعتداء وظلما منهم بغير حق، وعصيانهم له، وخلافا عليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ ، انصرفوا ورجعوا. ولا يقال"باؤوا" إلا موصولا إما بخير، وإما بشر. يقال منه:"باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء". ومنه قول الله عز وجل ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني.

* *

فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم منه سخط. كما:-

١٠٩٢ - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ فحدث عليهم غضب من الله.

١٠٩٣ - حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ قال: استحقوا الغضب من الله.

* *

وقدمنا معنى غضب الله على عبده فيما مضى من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٨٨ - ١٨٩.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ذلك" ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله:"ذلك" - وهي يعني به ما وصفنا - على أن قول القائل:"ذلك يشمل المعاني الكثيرة إذا أشير به إليها.

* *

ويعني بقوله: ﴿بأنهم كانوا يكفرون﴾ ، من أجل أنهم كانوا يكفرون. يقول: فعلنا بهم -من إحلال الذل والمسكنة والسخط بهم- من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، كما قال أعشى بني ثعلبة:

مليكيةٌ جَاوَرَتْ بالحجا ... ز قوما عداة وأرضا شطيرا [[ديوانه: ٦٧. مليكية، منسوبة إلى"المليك": وهو الملك، يعني من نبات الملوك. العداة، جمع عاد، وهو العدو. الشطير: البعيد، والغريب، أراد أنها في أرض مجهولة. وذكره الأرض في هذا البيت. يعني أنها نزلت ديار قوم نشبت العداوة بيننا وبينهم، في غربة بعيدة. فصرت لا أقدر عليها.]] بما قد تَرَبَّع روض القطا ... وروض التناضِب حتى تصيرا [[قوله"بما" بمعنى بسبب تربعها وتربع القوم المكان وارتبعوه: أقاموا فيه في زمن الربيع. وروض القطا، من أشهر رياض العرب، في أرض الحجاز. وروض التناضب أيضًا بالحجاز عند سرف. وقوله: "حتى تصيرا"، من قولهم صار الرجل يصير فهو صائر: إذا حضر الماء، والقوم الذين يحضرون الماء يقال لهم: الصائرة. والصير (بكسر الصاد) الماء الذي يحضره الناس. يقول: اغتربت في غير قومها، لما دفعها إلى ذلك طلب الربيع والخصب ومساقط الماء في البلاد.]]

يعني بذلك: جاورت بهذا المكان، هذه المرأة، قوما عداة وأرضا بعيدة من أهله - لمكان قربها كان منه ومن قومه وبلده - [[كانت هذه الجملة في المخطوطات والمطبوعة هكذا: "وأرضا بعيدة من أهله بمكان قربها كان منه ومن قومه وبدلا من تربعها. . "، وهو كلام لا معنى له. وقد جعلت"بمكان"، "لمكان" و"بدلا"، "بلده". فصار لها معنى تطمئن إليه النفس والجملة بين الخطين اعتراض، وتفسير لقوله: " أرضا بعيدة من أهله".]] من تربعها روض القطا وروض التناضب.

فكذلك قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ ، يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا، وجزاء لهم بقتلهم أنبياءنا.

* *

وقد بينا فيما مضى من كتابنا أن معنى"الكفر": تغطية الشيء وستره، [[انظر ما سلف ١: ٢٥٥.]] وأن"آيات الله" حججه وأعلامه وأدلته على توحيده وصدق رسله. [[انظر ما سلف ١: ٥٥٢.]]

فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها.

* *

ويعني بقوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ : ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم -لإنباء ما أرسلهم به عنه- لمن أرسلوا إليه.

* *

وهم جماع، وأحدهم"نبي"، غير مهموز، وأصله الهمز، لأنه من"أنبأ عن الله فهو ينبئ عنه إنباء"، وإنما الاسم منه،"منبئ" ولكنه صرف وهو"مفعل" إلى"فعيل"، كما صرف"سميع" إلى"فعيل" من"مسمع"، و"بصير" من"مبصر"، وأشباه ذلك، [[كان في المطبوعة: "مفعل" مكان"مسمع". وليس يعني بقوله"سميع"، صفة الله عز وجل، بل يعني ما جاء في شعر عمرو بن معد يكرب. أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ؟ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ

أي: الداعي المسمع. وانظر ما سلف ١: ٢٨٣.]] وأبدل مكان الهمزة من"النبيء" الياء، فقيل:"نبي". هذا ويجمع"النبي" أيضا على"أنبياء"، وإنما جمعوه كذلك، لإلحاقهم"النبيء"، بإبدال الهمزة منه ياء، بالنعوت التي تأتي على تقدير"فعيل" من ذوات الياء والواو. وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت على تقدير"فعيل" من ذوات الياء والواو، جمعوه على"أفعلاء" كقولهم:"ولي وأولياء"، و"وصي وأوصياء" ، و"دعى وأدعياء". ولو جمعوه على أصله الذي هو أصله، وعلى أن الواحد"نبيء" مهموز، لجمعوه على"فعلاء"، فقيل لهم"النبآء"، على مثال"النبهاء"، [[في المطبعة: "النبعاء" وفي المخطوطات"النبآء".]] لأن ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء والواو من النعوت، كجمعهم الشريك شركاء، والعليم علماء، والحكيم حكماء، وما أشبه ذلك. وقد حكي سماعا من العرب في جمع"النبي""النبآء"، وذلك من لغة الذين يهمزون"النبيء"، ثم يجمعونه على"النبآء" - على ما قد بينت. ومن ذلك قول عباس بن مرداس في مدح النبي ﷺ.

يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالخير كلُّ هدى السبيل هداكا [[من أبيات له في سيرة ابن هشام ٤: ١٠٣ وغيرها. والضمير الفاعل في قول"هداكا"، لله سبحانه وتعالى، دل عليه ما في قوله"إنك مرسل بالخير"، فإن الله هو الذي أرسله. وهو مضبوط في أكثر الكتب"كل" بالرفع، و"هدى"، و"هداكا" بضم الهاء.]]

فقال:"يا خاتم النبآء"، على أن واحدهم"نبيء" مهموز. وقد قال بعضهم: [[كأنه يريد الكسائي (البحر المحيط ١: ٢٢٠) . ووجدت في معجم البلدان ٨: ٢٤٩"وقال أبو بكر بن الأنباري في"الزاهر" في قول القطامي. . إن النبي في هذا البيت هو الطريق"، وليس يعنيه أبو جعفر، فإن أبا بكر قد ولد سنة ٢٧١ وتوفى ٣٢٨. وقد رد هذا القول أبو القاسم الزجاج - فيما نقل ياقوت - فقال: "كيف يكون ذلك من أسماء الطريق، وهو يقول: "لما وردن نبيا"، وقد كانت قبل وروده على الطريق؟ فكأنه قال: "لما وردن طريقا"، وهذا لا معنى له، إلا أن يكون أراد طريقا بعينه في مكان مخصوص، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه، قيل: هو رمل بعينه، وقيل: هو اسم جبل". وانظر تحقيق ذلك في معجم البلدان، ومعجم ما استعجم، وغيرهما.]] "النبي" و"النبوة" غير مهموز، لأنهما مأخوذان من " النَّبْوَة "، وهي مثل " النَّجْوَة "، وهو المكان المرتفع، وكان يقول: إن أصل"النبي" الطريق، ويستشهد على ذلك ببيت القطامي:

لما وردن نَبِيَّا واستَتَبّ بها ... مُسْحَنْفِر كخطوط السَّيْح مُنْسَحِل [[ديوان: ٤، في قصيدته الجيدة المشهورة، والضمير في"وردن" للإبل ذكرها قبل. وروايته"واستتب بنا". نبي كثيب رمل مرتفع في ديار بني تغلب، ذكره القطامي في كثير من شعره. واستتب الأمر والطريق: استوى واستقام وتبين واطراد وامتد. مسحنفر، صفة للطريق: واسع ممتد ذاهب بين. والسبح: ضرب من البرود أو العباء مخطط، يلبس، أو يستتر به ويفرش. شبه آثار السير عليها بخطوط البرد. وسجلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها. ووصف الطريق بذلك، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحبا واضحا.]]

يقول: إنما سمى الطريق"نبيا"، لأنه ظاهر مستبين، من " النَّبوة ". ويقول: لم أسمع أحدا يهمز"النبي". قال. وقد ذكرنا ما في ذلك، وبينا ما فيه الكفاية إن شاء الله.

* *

ويعني بقوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ ، أنهم كانوا يقتلون رسل الله، بغير إذن الله لهم بقتلهم، منكرين رسالتهم، جاحدين نبوتهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) ﴾

وقوله: ﴿ذلك﴾ ، رد على"ذلك" الأولى. ومعنى الكلام: وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله من أجل كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغير الحق، من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده، فقال جل ثناؤه. ﴿ذلك بما عصوا﴾ ، والمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين.

* *

و"الاعتداء"، تجاوز الحد الذي حده الله لعباده إلى غيره. وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه. ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك، بما عصوا أمري، وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾

قال أبو جعفر: أما"الذين آمنوا"، فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله، وإيمانهم بذلك، تصديقهم به - على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥.]]

* *

وأما"الذين هادوا"، فهم اليهود. ومعنى:"هادوا"، تابوا. يقال منه:"هاد القوم يهودون هودا وهادة. [[قوله"هادة"، مصدر لم أجده في كتب اللغة.]] وقيل: إنما سميت اليهود"يهود"، من أجل قولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ . [سورة الأعراف: ١٥٦] .

١٠٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ﴿إنا هدنا إليك﴾ .

* *

القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَالنَّصَارَى﴾

قال أبو جعفر: و"النصارى" جمع، واحدهم نصران، كما واحد السكارى سكران، وواحد النشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده على"فعلان" فإن جمعه على"فعالى". إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد"النصارى""نصراني". وقد حكى عنهم سماعا"نصران" بطرح الياء، ومنه قول الشاعر:

تراه إذا زار العشي مُحَنِّفًا ... ويضحي لديه وهو نصران شامس [[لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنباري: ١٥٥، ورواه: "تراه ويضحى وهو. . " ونقله أبو حيان في البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبري، وفيهما"إذا دار العشى" وأخطأ القرطبي (تفسيره ١: ٣٦٩) فقال: و"أنشد سيبويه" وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره.

(تراه إذا دار العشا متحنفا)

والبيت في صفة الحرباء. و"محنفا": قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعني أنه مستقبل القبلة. وقوله: "لديه"، أي لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد ذكره في بيت قبله. وقوله: "شامس"، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس كأنه نصراني، وهو كقول ذي الرمة في صفة الحرباء أيضًا: إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفا، وفي قرن الضحى ينتصر]]

وسمع منهم في الأنثى: "نصرانة"، قال الشاعر: [[هو أبو الأخزر الحماني.]]

فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وَأَسْجَدَ رَأْسُهَا ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ [[سيبويه ٢: ٢٩، ١٠٤، واللسان (حنف) ، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة في طأطأتها، برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. وأسجد الرجل: طأطأ رأسه وخفضه وانحنى. قال حميد بن ثور، يصف نوقا: فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها

فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصاري لأحبارها]]

يقال: أسجد، إذا مال. [[بيان الطبري عن معنى"أسجد" ليس بجيد.]] وقد سمع في جمعهم"أنصار"، بمعنى النصارى. قال الشاعر:

لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطًا أَنْصَارَا ... شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا

كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارَى جَارَا [[لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، في معاني القرآن للفراء ١: ٤٤ أمالي ابن الشجرى ١: ٧٩، ٣٧١. أنشده شاهدا على حذف واو العطف: أي"وكنت لهم من النصارى جارا"، ثم أنشده في الموضع الآخر شاهدا على حذف الفاء العاطفة أي"فكنت لهم. . ".]]

وهذه الأبيات التي ذكرتها، تدل على أنهم سموا"نصارى" لنصرة بعضهم بعضا، وتناصرهم بينهم. وقد قيل إنهم سموا"نصارى"، من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها"ناصرة".

١٠٩٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"النصارى" إنما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها"ناصرة".

* *

ويقول آخرون: لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الصف: ١٤] .

* *

وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضًى أنه كان يقول: إنما سميت النصارى نصارى، لأن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى"ناصرة"، وكان أصحابه يسمون الناصريين، وكان يقال لعيسى:"الناصري".

١٠٩٦ - حدثت بذلك عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

١٠٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: إنما سموا نصارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريم، فهو اسم تسموا به، ولم يؤمروا به.

١٠٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٢٢] قال: تسموا بقرية يقال لها"ناصرة"، كان عيسى ابن مريم ينزلها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾

قال أبو جعفر: و"الصابئون" جمع"صابئ"، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تسميه العرب:"صابئا". يقال منه:"صبأ فلان يصبأ صبْأ". ويقال:"صبأت النجوم": إذا طلعت."وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا"، يعني به: طلع.

* *

واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل. فقال بعضهم: يلزم ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم، قوم لا دين لهم

ذكر من قال ذلك:

١٠٩٩ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي.

١١٠٠ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين لهم.

١١٠١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الحجاج بن أرطاة، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد مثله.

١١٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن الحجاج، عن مجاهد قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.

١١٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن حجاج، عن قتادة، عن الحسن مثل ذلك.

١١٠٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح: "الصابئين" بين اليهود والمجوس لا دين لهم.

١١٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١١٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال مجاهد:"الصابئين" بين المجوس واليهود، لا دين لهم. قال ابن جريج: قلت لعطاء:"الصابئين" زعموا أنها قبيلة من نحو السواد، [[يعني سواد العراق.]] ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي: قد صبأ.

١١٠٧ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"والصابئين" قال: الصابئون، [أهل] دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل [[في المطبوعة"الصابئون دين من الأديان"، والزيادة بين القوسين لا بد منها.]] يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، إلا قول لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه:"هؤلاء الصابئون"، يشبهونهم بهم.

* *

وقال آخرون: هم قوم يعيدون الملائكة ويصلون إلى القبلة

ذكر من قال ذلك:

١١٠٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: حدثني زياد [[زياد، هو زياد بن أبيه، والى العراق في زمن معاوية رضي الله عنه.]] أن الصابئين يصلون إلى القبلة، ويصلون الخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة.

١١٠٩ - وحدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿والصابئين﴾ قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، يصلون إلى القبلة، ويقرءون الزبور.

١١١٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور. قال أبو جعفر الرازي: وبلغني أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون إلى القبلة.

* *

وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب

ذكر من قال ذلك:

١١١١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال: سئل السدي عن الصابئين، فقال: هم طائفة من أهل الكتاب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ ، من صدق وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة، وعمل صالحا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم. يعني بقوله: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ ، فلهم ثواب عملهم الصالح عند ربهم.

* *

فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ ؟

قيل: تمامه جملة قوله: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ . لأن معناه: من آمن منهم بالله واليوم الآخر، فترك ذكر"منهم" لدلالة الكلام عليه، استغناء بما ذكر عما ترك ذكره.

فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟

قيل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلهم أجرهم عند ربهم.

فإن قال: وكيف يؤمن المؤمن؟

قيل: ليس المعنى في المؤمن المعنى الذي ظننته، من انتقال من دين إلى دين، كانتقال اليهودي والنصراني إلى الإيمان = وإن كان قد قيل إن الذين عنوا بذلك، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به، حتى أدرك محمدا ﷺ فآمن به وصدقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به، إذ أدركوا محمدا ﷺ: آمنوا بمحمد وبما جاء به = ولكن معنى إيمان المؤمن في هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركه تبديله. وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديق بمحمد ﷺ وبما جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمد، وبما جاء به واليوم الآخر، ويعمل صالحا، فلم يبدل ولم يغير حتى توفي على ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.

فإن قال قائل: وكيف قال:"فلهم أجرهم عند ربهم"، وإنما لفظه"من" لفظ واحد، والفعل معه موحد؟

قيل:"من"، وإن كان الذي يليه من الفعل موحدا، فإن معنى الواحد والاثنين والجمع، والتذكير والتأنيث، لأنه في كل هذه الأحوال على هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير. فالعرب توحد معه الفعل - وإن كان في معنى جمع - للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢-٤٣] . فجمع مرة مع"من" الفعل لمعناه، ووحد أخرى معه الفعل لأنه في لفظ الواحد، كما قال الشاعر:

ألما بسلمى عنكما إن عرضتما، ... وقولا لها: عوجي على من تخلفوا [[في ديوان لامرىء القيس، منسوب إليه من قصيدة عدتها ٢٣ بيتا، وفيه: "ويقال إنها لرجل من كندة" وأولها: ديار بها الظلمان والعِين تعكف ... وقفت بها تبكي ودمعك يذرف

والأضداد لابن الأنباري: ٢٨٨ قال أنشده الفراء، وروايته صدره: (ألما بسلمى لمة إذ وقفتما)

والذي في رواية الطبري من قوله: "عنكما" زائدة في الكلام، والعرب تقول: "سر عنك"، و"أنفذ عنك" أي امض، وجز - لا معنى ل"عنك" وفي حديث عمر رضي الله عنه: أنه طاف بالبيت مع يعلى بن أمية، فلما انتهى إلى الركن الغربي الذي يلي الأسود قال له: ألا تستلم؟ فقال: انفذ عنك، فإن النبي ﷺ لم يستلمه. وفي الحديث تفسيره: أي دعه وتجاوزه. وقوله"عرضتما" من قولهم: عرض الرجل: إذا أتى العروض (بفتح العين) ، وهي مكة والمدينة وما حولهما.]] فقال:"تخلفوا"، وجعل"من" بمنزلة"الذين"، وقال الفرزدق:

تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان [[ديوانه: ٨٧٠، وسيبويه ١: ٤٠٤، والكامل ١: ٢١٦، وطبقات فحول الشعراء: ٣١٠، والأضداد: ٢٨٨، وأمالي ابن الشجري ٢: ٣١١. ورواية ديوانه"تعش فإن واثقتني". وهو بيت من قصيدته الجيدة التي قالها حين نزل به ذئب فأضافه.]]

فثنى "يصطحبان " لمعنى "من". فكذلك قوله: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم﴾ ، وحد "آمن وعمل صالحا" للفظ "من"، وجمع ذكرهم في قوله: ﴿فلهم أجرهم﴾ ، لمعناه، لأنه في معنى جمع.

* *

وأما قوله: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) ﴾

فإنه يعني به جل ذكره: ولا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعد الله لهم من الثواب والنعيم المقيم عنده.

* *

ذكر من قال عُني بقوله: ﴿من آمن بالله﴾ ، مؤمنو أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله ﷺ:

١١١٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي. وكان سلمان من جُنْدَيسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقا له مؤاخيا، لا يقضي واحد منهم أمرا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعا. فبينما هما في الصيد، إذ رفع لهما بيت من عباء، [[رفع له الشيء (بالبناء للمجهول) : أبصره من بعد. وفي المطبوعة: " بيت من خباء" والخباء بيت من وبر أو صوف. فهو كلام لا معنى له. وفي الدر المنثور ١: ٧٣ وروى الخبر بطوله: "من عباءة". والصواب ما أثبته. والعباء ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار، وهو هنا مفرد، وجمعه أعبية. والعباء أيضًا جمع عباءة.]] فأتياه فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه وهو يبكي. فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أعلمكما. فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تزني، ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقص عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. فوقع في قلوبهما، وتابعاه فأسلما. وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام.

فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيد للملك، فجعل طعاما، [[في الدر المنثور: "فجمع طعاما"، وأظن أن الصواب: فصنع طعاما"، ويدل على صواب ذلك قوله بعد: "فدعاه إلى صنيعه". يقال: صنع لهم طعاما، وكنت في صنيع فلان: أي مأدبته ومدعاته.]] ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس. فأبى الفتى، وقال: إني عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه من الرسل، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم. فبعث الملك إلى ابنه فدعاه. وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار، ليس تحل ذبائحكم. فقال له الملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك. فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك. قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا. فأجله أجلا. فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين، فإنا في بِيعة بالموصل مع ستين رجلا نعبد الله فيها، فأتونا فيها.

فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك: فجعل يقول لابن الملك: انطلق بنا! وابن الملك يقول: نعم. وجعل ابن الملك يبيع متاعه يريد الجهاز. فلما أبطأ على سلمان، خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه، وهو رب البيعة.

وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان، [[في الدر المنثور: "فكان أهل تلك البيعة، أفضل مرتبة من الرهبان".]] فكان سلمان: معهم يجتهد في العبادة ويتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبادة ما لا تطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز، فارفق بنفسك وخفف عليها. فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به، أهو أفضل أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع. قال: فخل عني.

ثم إن صاحب البيعة دعاه فقال: أتعلم أن هذه البيعة لي، وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت! ولكني رجل أضعُف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهون عبادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. قال له سلمان: أي البيعتين أفضل أهلا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبد معهم.

ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فقال لسلمان: إن أردت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم. فقال له سلمان: أيهما أفضل، أنطلق معك أم أقيم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فانطلق معه. فمروا بمقعد على ظهر الطريق ملقى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله! فلم يكلمه ولم ينظر إليه. وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، فقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يوما حزينا، فقال له الشيخ: ما لك يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم! فقال له الشيخ: يا سلمان لا تحزن، فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أدركه، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه، وهو ي خرج في أرض العرب فإن أدركته فآمن به واتبعه. فقال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتم النبوة، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المقعد، فناداهما فقال: يا سيد الرهبان، ارحمني يرحمك الله! فعطف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض ودعا له وقال: قم بإذن الله! فقام صحيحا يشتد، [[اشتد: عدا وأسرع.]] فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد. وسار الراهب فتغيب عن سلمان، ولا يعلم سلمان.

ثم إن سلمان فزع فطلب الراهب. فلقيه رجلان من العرب من كلب، فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نعم راعي الصرمة هذا! [[الصرمة: القطيع من الإبل والغنم.]] فحمله فانطلق به إلى المدينة.

قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم هذا يوما وهذا يوما، فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروج محمد ﷺ. فبينا هو يوما يرعى، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه، [[عقبه يعقبه: جاء بعده في نوبته، ومنه التعاقب: أن يأتب هذا ويذهب ذاك.]] فقال: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي؟ [[أشعرت: علمت.]] فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك.

فهبط سلمان إلى المدينة، فنطر إلى النبي ﷺ ودار حوله. فلما رآه النبي ﷺ عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه. ثم انطلق فاشترى بدينار، ببعضه شاة وببعضه خبزا، ثم أتاه به. فقال:"ما هذا"؟ قال سلمان: هذه صدقة قال: لا حاجة لي بها، فأخرجها فليأكلها المسلمون". ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما، فأتى به النبي ﷺ فقال: ما هذا؟ قال: هذه هدية. قال: فاقعد [فكل] [[الزيادة من الدر المنثور ١: ٧٤.]] فقعد فأكلا جميعا منها. فبينا هو يحدثه إذ ذكر أصحابه فأخبره خبرهم فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله ﷺ: يا سلمان، هم من أهل النار. فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدقوك واتبعوك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾ . [[الحديث: ١١١٢ - هذا حديث منقطع، في شأن إسلام"سلمان الفارسي". وقال الحافظ في الإصابة ٣: ١١٣: "ورويت قصته من طرق كثيرة، من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه نفسه. وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضًا. وأخرجه الحاكم من حديث بريدة. وعلق البخاري طرفا منها. وفي سياق قصته في إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه". وإشارته إلى رواية أحمد، هي في المسند هـ: ٤٤١ - ٤٤٤ (حلبي) ، وهي بالإسناد نفسه في ابن سعد ٤: ٥٣ - ٥٧. وانظر المستدرك للحاكم ٣: ٥٩٩ - ٦٠٤. وتاريخ إصبهان لأبي نعيم ١: ٤٨ - ٥٧، والحلية لأبي نعيم ١: ١٩٠ - ١٩٥.]]

فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان هالكا. وإيمان النصارى: أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه، حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتبع محمدا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان هالكا.

* *

١١١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية. قال سأل [[في المطبوعة: "قال سلمان الفارسي للنبي ﷺ"، بحذف"سأل". والصواب من الدر المنثور ١: ٧٤.]] سلمان الفارسي النبي ﷺ عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام. قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، وذكرت اجتهادهم، [[في المطبوعة: "وذكر اجتهادهم"، والصواب من الدر المنثور]] فنزلت هذه الآية:"إن الذين آمنوا والذين هادوا". [[الآية لم ترد في المطبوعة، ووردت في نص المدر المنثور.]] فدعا سلمان فقال: نزلت هذه الآية في أصحابك". ثم قال النبي ﷺ"من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي، فهو على خير؛ ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك". [[الحديث: ١١١٣ - وهذا منقطع أيضًا.]]

* *

وقال ابن عباس بما:-

١١١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ إلى قوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ . فأنزل الله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]

وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحا - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ .

* *

فتأويل الآية إذًا على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين - من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخر - فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

* *

والذي قلنا من التأويل الأول، أشبه بظاهر التنزيل، لأن الله جل ثناؤه لم يخصص - بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان - بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: ﴿من آمن بالله واليوم الآخر﴾ ، عن جميع ما ذكر في أول الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾

قال أبو جعفر:"الميثاق"،"المفعال"، من"الوثيقة"، إما بيمين، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق. [[انظر ما سلف ١: ٤١٤، في قوله تعالى: "من بعد ميثاقه" [سورة البقرة: ٢٧] .]]

ويعني بقوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ الميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣-٨٥] الآيات الذي ذكر معها. وكان سبب أخذ الميثاق عليهم - فيما ذكره ابن زيد - ما:-

١١١٥ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح. قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه. [[في المطبوعة: "وأمره الذي أمركم"، والتصحيح من روايته في رقم: ٩٥٩.]] فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه! فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيينا! [[في رقم: ٩٥٩: "قالوا أصابنا أنا متنا. . ".]] قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم. قال: فأخذوه بالميثاق، وقرأ قول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٣-٨٥] ، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق. [[الأثر رقم: ١١١٥ - مضى أكثره في رقم: ٩٥٩.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾

قال أبو جعفر: وأما"الطور" فإنه الجبل في كلام العرب، ومنه قول العجاج:

دانَى جناحيه من الطور فمر ... تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر [[ديوانه: ١٧، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله: "دانى" يعود إلى متأخر، وهو"البازي" المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله: حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات، وإن طالب بالوغم اقتدر

إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه.........

يريد: "ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر" فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: "دانى" أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: "تقضى" أصلها"تقضض"، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في"ظنن""وتظنى" على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا- وهو يريد السقوط.]]

وقيل: إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الجبل الذي ناجى الله عليه موسى. وقيل: إنه من الجبال ما أنبت دون ما لم ينبت. [[هذا قول لم أجده في كتب اللغة في مادته.]]

* *

ذكر من قال: هو الجبل كائنا ما كان:

١١١٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا:"حطة" وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم، وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الجبل - يقول: أخرج أصل الجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة = و"الطور"، بالسريانية، الجبل = تخويفا، أو خوفا، شك أبو عاصم، فدخلوا سجدا على خوف، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذي تجلى له ربه. [[الأثر رقم: ١١١٦ - مضى صدر منه برقم: ١٠٢٧.]]

١١١٧ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: رفع الجبل فوقهم كالسحابة، فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية:"الطور".

١١١٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾ قال: الطور الجبل؛ كانوا بأصله، فرفع عليهم فوق رؤوسهم، فقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به.

١١١٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ ، قال: الطور الجبل. اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ فأقروا بذلك.

١١٢٠ - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ قال: رفع فوقهم الجبل، يخوفهم به.

١١٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن النضر، عن عكرمة قال: الطور الجبل.

١١٢٢ - وحدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجدا على شق، ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] ، وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ .

١١٢٣ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الجبل بالسريانية الطور.

* *

وقال آخرون:"الطور" اسم للجبل الذي ناجى الله موسى عليه.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: الطور، الجبل الذي أنزلت عليه التوراة - يعني على موسى - وكانت بنو إسرائيل أسفل منه. قال ابن جريج: وقال لي عطاء: رفع الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم. فذلك قوله: ﴿كأنه ظلة﴾ .

* *

وقال آخرون: الطور، من الجبال، ما أنبت خاصة.

ذكر من قال ذلك:

١١٢٥ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿الطور﴾ قال: الطور من الجبال ما أنبت، وما لم ينبت فليس بطور.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل ذلك. فقال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له. وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا قذفناه عليكم.

وقال بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه، فيكون من كلامين، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام -الذي هو بمعنى القول- أن يكون معه"أن" كما قال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١] قال: ويجوز أن تحذف"أن".

والصواب في ذلك عندنا: أن كل كلام نطق به -مفهوم به معنى ما أريد- ففيه الكفاية من غيره.

ويعني بقوله: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ ، ما أمرناكم به في التوراة.

وأصل"الإيتاء"، الإعطاء. [[انظر ما سلف ١: ٥٧٤.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿بقوة﴾ بجد في تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم، كما:-

١١٢٦ - حدثت عن إبراهيم بن بشار قال،: حدثنا ابن عيينة قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ . قال: تعملوا بما فيه.

١١٢٧ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١١٢٨ - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ ، قال: بطاعة.

١١٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ . قال:"القوة" الجد، وإلا قذفته عليكم. قال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.

١١٣٠ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بقوة﴾ ، يعني: بجد واجتهاد.

١١٣١ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد - وسألته عن قول الله: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ - قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى يصدق ويحق.

* *

فتأويل الآية إذا: خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض، فاقبلوه، واعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة، بجد.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب، فاتلوه، واعتبروا به، وتدبروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، [[انظر ما مضى في بيان"لعل" بمعنى"كى" ١: ٣٦٤ -٣٦٥، وهذا الجزء ٢: ٦٨.]] بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي، وتنزعوا عما أنتم عليه من معصيتي. كما:-

١١٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿لعلكم تتقون﴾ ، قال: تنزعون عما أنتم عليه.

* *

والذي آتاهم الله، هو التوراة. كما:-

١١٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿واذكروا ما فيه﴾ يقول: اذكروا ما في التوراة.

١١٣٤ - كما حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿واذكروا ما فيه﴾ يقول: أمروا بما في التوراة.

١١٣٥ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿واذكروا ما فيه﴾ ، قال: اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق. [[في المطبوعة: "بطاعة الله وصدق" خطأ.]] قال: وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تغفلوه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿ثم توليتم﴾ : ثم أعرضتم. وإنما هو"تفعلتم" من قولهم:"ولاني فلان دبره" إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره. ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها، ومعرض بوجهه. [[في المطبوعة: "طاعة أمر: عز وجل"، بزيادة الثناء على ربنا سبحانه، وعلى أن"أمر" مبني للمعلوم. وهذا مخالف للسياق، وسهو من النساخ.]] يقال:"قد تولى فلان عن طاعة فلان، وتولى عن مواصلته"، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] ، يعني بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) [التوبة: ٧٥] ، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم

* *

ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها، كما قال أبو خراش الهذلي: [[كان في المطبوعة: "قال أبو ذؤيب الهذلي"، وهو خطأ فاضح، لا يقع في مثله مثل أبي جعفر.]]

فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل [[ديوان الهذليين ٢: ١٥٠، وسيرة ابن هشام ٤: ١١٦، والأغاني ٢١: ٤١، والكامل ١: ٢٦٧. وهي أبيات جياد في رثاء صديق. وذلك أن زهير بن العجوة الهذلي من بني عمرو بن الحارث - وكان ابن عم ابي خراش، وله صديقا - خرج يطلب الغنائم يوم حنين فأسر، وكتف في أناس أخذهم أصحاب رسول الله ﷺ، فرآه جميل بن معمر الجمحي - وكانت بينهما إحنة في الجاهلية - فقال له: أنت الماشي لنا بالمغايظ؟ فضرب عنقه، فقال أبو خراش يرثيه. وقال لجميل بن معمر: وإنك لو واجهته إذ لقيته ... فنازلته، أو كنت ممن ينازل

لظل جميل أسوأ القوم تلة ... ولكن قرن الظهر للمرء شاغل

فليس كعهد. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وفي المطبوعة: "فليس لعهد الدار" خطأ. ويعني بقوله: "الدار": مكة وما حولها وما جاورها. يقول: ليس الأمر كما عهدت بها وعهدتا، جاء الإسلام فهدم ذلك كله.]] وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى الحق شيئا واستراحل [[يقول: فارق الفتى أخلاق فتوته وعرامه، وصار كالكهل في أناته وتثبته، فإن الدين قد وقذ الفتيان ذوى البأس وسكنهم من مخافة عقاب ربهم في القتل من غير قتال ومعركة. فاستراحت العواذل لأنهن أصبحن لا يجدن ما يعذلن فيه أزواجهن من التعرض للهلاك.]]

يعني بقوله:"أحاطت بالرقاب السلاسل"، أن الإسلام صار - في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية، مما حرمه الله علينا في الإسلام - بمنزلة السلاسل المحيطة برقابنا، التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده، وبين ما حاول أن يتناوله.

ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى. فكذلك قوله: (ثم توليتم من بعد ذلك) ، يعني بذلك: أنكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به، والقيام بما أمركم به في كتابكم، فنبذتموه وراء ظهوركم.

وكنى بقوله جل ذكره:"ذلك"، عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة، أعني قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: ﴿فلولا فضل الله عليكم﴾ ، فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة = بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه - إذ رفع فوقكم الطور - بأنكم تجتهدون في طاعته، وأداء فرائضه، والقيام بما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم، فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التي رحمكم بها - وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها - بمراجعتكم طاعة ربكم = لكنتم من الخاسرين.

وهذا، وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من أهل الكتاب أيام رسول الله ﷺ، فإنما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى. [[انظر ما مضى في هذا الجزء ٢: ٣٨ - ٣٩.]]

* *

وقد زعم بعضهم أن الخطاب في هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به، والفعل لغيرهم، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.

* *

وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين -وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب- [[في المطبوعة: "إذ المعنى في ذلك. . "، وهو كلام لا يستقيم. وسياق الجملة يقتضي أن توضع"أن" مكان"إذ" أي: "لأن سامعيه كانوا عالمين. . أن المعنى في ذلك. . "، وما بينهما فصل واعتراض.]] أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم. فاستغنى بعلم السامعين بذلك، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثل ذلك يقول الشاعر: [[في حاشية الأمير على مغنى اللبيب ١: ٢٥ قال: "في حاشية السيوطي" قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي، يعرض بزوجته، وكانت أمها سرية"، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى: ٣٣.]]

إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة، ... ولم تجدي من أن تقري به بدا

[[سيأتي في هذا الجزء ١: ٣٣٣ (بولاق) ، وفي ٣: ٤٩ (بولاق) ، ومعانى الفراء: ٦١، ١٧٨ وقبل البيت يقول لامرأته. رمتنى عن قوس العدو، وباعدت ... عبيدة، زاد الله ما بيننا بعدا]]

فقال:"إذا ما انتسبنا"، و"إذا" تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال:"لم تلدني لئيمة"، فأخبر عن ماض من الفعل. وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه. فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ أيام رسول الله ﷺ، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك.

والأول الذي قلنا، هو المستفيض من كلام العرب وخطابها.

* *

وكان أبو العالية يقول في قوله: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ - فيما ذكر لنا - نحو القول الذي قلناه.

١١٣٦ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو النضر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ ، قال:"فضل الله"، الإسلام،"ورحمته"، القرآن.

١١٣٧ - وحدثت عن عمار، قال، حدثنا ابن أبي جعفر [عن أبيه] ، عن الربيع بمثله. [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها، وانظر آخر إسناد عن عمار بن الحسن رقم: ١١٣٤.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) ﴾

قال أبو جعفر: فلولا فضل الله عليكم ورحمته إياكم - بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم - لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دائما، الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم، وخلافكم أمره وطاعته.

وقد تقدم بياننا قبل بالشواهد، عن معنى"الخسار" بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما مضى ١: ٤١٧.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ولقد علمتم﴾ ، ولقد عرفتم. [[سيأتي دليل هذا من تفسير ابن عباس في رقم: ١١٣٨.]] كقولك: قد علمت أخاك ولم أكن أعلمه"، يعني عرفته، ولم أكن أعرفه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، يعني: لا تعرفونهم الله يعرفهم.

* *

وقوله: ﴿الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ ، أي الذين تجاوزوا حدي، وركبوا ما نهيتهم عنه في يوم السبت، وعصوا أمري.

وقد دللت -فيما مضى- على أن"الاعتداء"، أصله تجاوز الحد في كل شيء. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما مضى من هذا الجزء: ٢: ١٤٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها، مما عدد جل ثناؤه فيها على بني إسرائيل - الذين كانوا بين خلال دور الأنصار زمان النبي ﷺ، الذين ابتدأ بذكرهم في أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه - [[سياق عبارته: مما عدد الله على بني إسرائيل. . . ما كانوا يبرمون من العقود"، وما بينهما فصل بصفة"بني إسرائيل".]] ما كانوا يبرمون من العقود، وحذر المخاطبين بها أن يحل بهم - بإصرارهم على كفرهم، ومقامهم على جحود نبوة محمد ﷺ، وتركهم اتباعه والتصديق بما جاءهم به من عند ربه - مثل الذي حل بأوائلهم من المسخ والرجف والصعق، وما لا قبل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي:-

١١٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ يقول: ولقد عرفتم. وهذا تحذير لهم من المعصية. يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت، إذ عصوني، اعتدوا - يقول: اجترؤوا - في السبت. قال: لم يبعث الله نبيا إلا أمره بالجُمعة، وأخبره بفضلها وعظمها في السموات وعند الملائكة، وأن الساعة تقوم فيها. فمن اتبع الأنبياء فيما مضى كما اتبعت أمة محمد ﷺ محمدا، قبل الجمعة وسمع وأطاع، وعرف فضلها وثبت عليها، كما أمر الله تعالى به نبيه ﷺ. [[في المطبوعة: "بما أمره الله تعالى به ونبيه ﷺ"، وهي جملة غير صحيحة، صححتها كما ترى.]] ومن لم يفعل ذلك، كان بمنزلة الذين ذكر الله في كتابه فقال: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ . وذلك أن اليهود قالت لموسى - حين أمرهم بالجمعة، وأخبرهم بفضلها -: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها، لأن الله خلق السموات والأرض والأقوات في ستة أيام، وسبت له كل شيء مطيعا يوم السبت، [[سبت: سكن، وقولهم: "سبت له"، يريدون: خشع له وانقطع عن كل عمل إلا عبادته سبحانه وانظر ما سيأتي ص: ١٧٤.]] وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريم - حين أمرهم بالجمعة - قالوا له: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلى عيسى: أن دعهم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا. - مما أمرهم به. فلم يفعلوا، فقص الله تعالى قصصهم في الكتاب بمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لموسى - حين قالت له اليهود ما قالوا في أمر السبت -: أن دعهم والسبت، فلا يصيدوا فيه سمكا ولا غيره، ولا يعملوا شيئا كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الحيتان على الماء، فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣] ، يقول: ظاهرة على الماء، ذلك لمعصيتهم موسى - وإذا كان غير يوم السبت، صارت صيدا كسائر الأيام فهو قوله: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . ففعلت الحيتان ذلك ما شاء الله. فلما رأوها كذلك، طمعوا في أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلم تمتنع عليه، وحذر العقوبة التي حذرهم موسى من الله تعالى. فلما رأوا أن العقوبة لا تحل بهم، عادوا، وأخبر بعضهم بعضا بأنهم قد أخذوا السمك ولم يصبهم شيء، فكثَّروا في ذلك، وظنوا أن ما قال لهم موسى كان باطلا. وهو قول الله جل ثناؤه: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ - يقول: لهؤلاء الذين صادوا السمك - فمسخهم الله قردة بمعصيتهم. يقول: إذًا لم يحيوا في الأرض إلا ثلاثة أيام. [قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام] [[هذه الزيادة من تفسير ابن كثير ١: ١٩٣، والدر المنثور ١: ٧٥، وهي زيادة لا بد منها. وفي المطبوعة بعدها؛"ولم تأكل ولم تشرب، ولم تنسل" خطأ.]] ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي ذكر الله في كتابه. فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة، وكذلك يفعل بمن شاء، كما يشاء، ويحوله كما يشاء.

١١٣٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم -يوم الجمعة-. فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به. فلما أبوا إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره. وكانوا في قرية بين أيلة والطور يقال لها"مدين". فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن، فلم يروا حوتا صغيرا ولا كبيرا. حتى إذا كان يوم السبت أتين إليهم شرعا، حتى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأمد وقَرِموا إلى الحيتان، [[القرم: شدة الشهوة إلى اللحم، قرم يقرم (بفتح الراء) قرما (بفتحتين) .]] عمد رجل منهم فأخذ حوتا سرا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدا في الساحل فأوثقه، ثم تركه. حتى إذا كان الغد، جاء فأخذه - أي: إني لم آخذه في يوم السبت - ثم انطلق به فأكله. حتى إذا كان يوم السبت الآخر، عاد لمثل ذلك، ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان! ثم عثروا على صنيع ذلك الرجل. [[عثر على الأمر: اطلع عليه وكان خافيا. وفي المطبوعة: "على ما صنع"، وأثبت نص ابن كثير في التفسير ١: ١٩٤.]] قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرا زمانا طويلا لم يعجل الله عليهم بعقوبة، حتى صادوها علانية وباعوها بالأسواق. وقالت طائفة منهم من أهل البقيّة: [[في المطبوعة: "من أهل التقية"، وهو خطأ محض. أهل البقية: هم أهل التمييز والفهم، يبقون على أنفسهم بطاعة الله، وبتمسكهم بالدين المرضي. وفلان بقية: فيه فضل وخير فيما يمدح به وسيأتي بعد على الصواب. وقال الله تعالى: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) [سورة هود: ١١٦] .]] ويحكم! اتقوا الله! ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ لسخطنا أعمالهم - ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الأعراف: ١٦٤] ، قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك، أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يرونهم. فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا! فانظروا ما هو! فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوا ليلا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم، فأصبحوا فيها قردة، وإنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: يقول ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه أنجى الذين نهوا عن السوء، لقلنا أهلك الجميع منهم. قالوا: وهي القرية التي قال الله لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٣] .

١١٤٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) : أحلت لهم الحيتان، وحرمت عليهم يوم السبت بلاء من الله، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن المعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فانتهك حرمة الله ومرد على المعصية. فلما أبوا إلا الاعتداء إلى ما نهوا عنه، قال الله لهم: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ فصاروا قردة لها أذناب، تعاوى بعد ما كانوا رجالا ونساء.

١١٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ ، قال: نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، فكانت تشرع إليهم يوم السبت، وبلوا بذلك، فاعتدوا فاصطادوها، فجعلهم الله قردة خاسئين.

١١٤٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ قال: فهم أهل"أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت - وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئا - لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء. فإذا كان يوم الأحد لزمن سُفل البحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت. فذلك قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ، فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة ويجعل لها نهرا إلى البحر. فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة. ويريد الحوت أن يخرج، فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث [فيها] . [[الزيادة من تفسير ابن كثير ١: ١٩٥.]] فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره ريحه، فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره. حتى إذا فشا فيهم أكل السمك، قال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون السمك يوم السبت وهو لا يحل لكم! فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا ولكنكم صدتموه يوم فتحتم له الماء فدخل. فقالوا: لا! وعتوا أن ينتهوا. فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] ، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] . فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة. فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابا والمعتدون في السبت بابا، ولعنهم داود. فجعل المسلمون يخرجون من بابهم والكفار من بابهم. فخرج المسلمون ذات يوم، ولم يفتح الكفار بابهم. فلما أبطئوا عليهم، تسور المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض. فذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] ، فذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] ، فهم القردة.

١١٤٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ . قال: لم يمسخوا، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا [[سورة الجمعة: ٥٤.]] .

١١٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ . قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم، كمثل الحمار يحمل أسفارا.

* *

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل عليه كتاب الله مخالف. [[انظر معنى"ظاهر" فيما سلف ٢: ١٥ والمراجع.]] وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، [[سورة المائدة: ٦٠.]] كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ، وأن الله تعالى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم، وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال: [[في المطبوعة: "فسواء قال قائل"، وسياق العبارة يقتضي التقديم. لقوله"وآخر قال".]] هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم. [[في المطبوعة: "والعقوبات والأنكال"، ليس صوابا. والنكال: العذاب الشديد يكون عبرة للناس حتى ينكلوا عن شيء ويخافوه. وأما"الأنكال" فجمع نكل: وهو القيد.]] ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان على قوله، وعورض -فيما أنكر من ذلك- بما أقر به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح.

هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه. وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿فقلنا لهم﴾ أي: فقلنا للذين اعتدوا في السبت - يعني في يوم السبت.

* *

وأصل"السبت" الهدوّ والسكون في راحة ودعة، ولذلك قيل للنائم"مسبوت" لهدوّه وسكون جسده واستراحته، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] أي راحة لأجسادكم. وهو مصدر من قول القائل:"سبت فلان يسبت سبتا".

وقد قيل: إنه سمي"سبتا"، لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الجمعة - وهو اليوم الذي قبله - من خلق جميع خلقه.

* *

وقوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ ، أي: صيروا كذلك.

* *

و"الخاسئ" المبعد المطرود، كما يخسأ الكلب يقال منه:"خسأته أخسؤه خسأ وخسوءا، وهو يخسأ خسوءا". قال: ويقال:"خسأته فخسأ وانخسأ". ومنه قول الراجز:

كالكلب إن قلت له اخسأ انخسأ [[لسان العرب: (خسأ) ، وروايته: "إن قيل له".]]

يعني: إن طردته انطرد ذليلا صاغرا.

فكذلك معنى قوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ أي، مبعدين من الخير أذلاء صغراء، [[صاغر، جمعه صغرة (بفتحات) . وهذا ما نصوا عليه، ولم أجد"صغراء" على وزن جهلاء، وهو جمع في بعض الصفات التي على وزن"فاعل"، مثل شاعر وشعراء، وعالم وعلماء. فهم يشبهون"فاعلا" بـ "فعيل" نحو كريم وكرماء، فيجمعونه كجمعه.]] كما:-

١١٤٥ - حدثنا محمد بن بشار، [[في المطبوعة"حدثنا بشار" وهو خطأ لا شك فيه، وأقرب إسناد مثله مر بنا هو رقم: ١٠٦٢.]] قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ قال: صاغرين.

١١٤٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.

١١٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١١٤٨ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿خاسئين﴾ ، قال: صاغرين.

١١٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ ، أي أذلة صاغرين.

١١٥٠ - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: خاسئا، يعني ذليلا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل"الهاء والألف" في قوله: ﴿فجعلناها﴾ ، وعلام هي عائدة؟ فروي عن ابن عباس فيها قولان: أحدهما ما:-

١١٥١ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿فجعلناها﴾ فجعلنا تلك العقوبة -وهي المسخة-"نكالا".

فالهاء والألف من قوله: ﴿فجعلناها﴾ -على قول ابن عباس هذا- كناية عن"المسخة"، وهي"فعلة" مسخهم الله مسخة. [[كأنه يريد أنه مصدر: كقولهم: رحمه الله رحمة، ولم يرد المرة، وسيدل على ذلك ما يقوله بعد سطرين.]]

فمعنى الكلام على هذا التأويل: فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين، فصاروا قردة ممسوخين، ﴿فجعلناها﴾ ، فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم، ﴿نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين﴾ .

* *

والقول الآخر من قولي ابن عباس، ما:-

١١٥١ - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فجعلناها﴾ ، يعني الحيتان.

و"الهاء والألف" -على هذا القول- من ذكر الحيتان، ولم يجر لها ذكر. ولكن لما كان في الخبر دلالة، كني عن ذكرها. والدلالة على ذلك قوله: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ .

* *

وقال آخرون: فجعلنا القرية التي اعتدى أهلها في السبت. فـ "الهاء" و "الألف" -في قول هؤلاء- كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك فجعلنا القردة الذين مسخوا"نكالا لما بين يديها وما خلفها"، فجعلوا"الهاء والألف" كناية عن القردة.

* *

وقال آخرون: ﴿فجعلناها﴾ ، يعني به: فجعلنا الأمة التي اعتدت في السبت"نكالا".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَكَالا﴾

و"النكال" مصدر من قول القائل: "نكَّل فلان بفلان تنكيلا ونكالا". وأصل "النكال"، العقوبة، كما قال عدي بن زيد العباد:

لا

يسخط الضليل ما يسع العبـ ... د ولا في نكاله تنكير [[لم أجد البيت في جميع المراجع التي ذكرت قصيدة عدي بن زيد التي كتبها إلى النعمان من محبسه. وقد أثبت البيت كما هو في النسخ السقيمة التي بقيت من تفسير الطبري، وظني أن يكون البيت: لا يكُظ المليك ما يسع العبـ ... ـد ولا في نكاله تنكير

فلم يحسن الناسخ قراءة"يكظ" كتبها "يسخط"، ووضع مكان"المليك""الضليل" وكظه الأمر: بهظه وشق عليه. يقول للنعمان: أنت مليك قادر، فلا يبهظك ما يسع عبيدك من العفو عمن أساء واجترم، فإن عاقبت، فما في عقابك ما يستنكر، فأنت السيد المطاع النافذ أمرك في رعيتك صغيرهم وكبيرهم.]]

* *

وبمثل الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس:

١١٥٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿نكالا﴾ يقول: عقوبة.

١١٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿فجعلناها نكالا﴾ ، أي عقوبة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم بما:-

١١٥٤ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لما بين يديها﴾ يقول: ليحذر من بعدهم عقوبتي. ﴿وما خلفها﴾ ، يقول: الذين كانوا بقوا معهم.

١١٥٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لما بين يدلها وما خلفها﴾ ، لما خلا لهم من الذنوب، [[خلا: مضى وذهب وانقضى.]] ﴿وما خلفها﴾ ، أي عبرة لمن بقي من الناس.

* *

وقال آخرون بما:

١١٥٦ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال ابن عباس: ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ ، أي من القرى.

* *

وقال آخرون بما:-

١١٥٧ - حدثنا به بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال الله ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها﴾ -من ذنوب القوم- ﴿وما خلفها﴾ ، أي للحيتان التي أصابوا.

١١٥٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لما بين يديها﴾ ، من ذنوبها، ﴿وما خلفها﴾ ، من الحيتان.

١١٥٩ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿لما بين يديها﴾ ، ما مضى من خطاياهم إلى أن هلكوا به.

١١٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ ، يقول:"بين يديها"، ما مضى من خطاياهم، ﴿وما خلفها﴾ خطاياهم التي هلكوا بها.

١١٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله - إلا أنه قال: ﴿وما خلفها﴾ ، خطيئتهم التي هلكوا بها.

* *

وقال آخرون بما:-

١١٦٢ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ قال: أما"ما بين يديها" فما سلف من عملهم، ﴿وما خلفها﴾ ، فمن كان بعدهم من الأمم، أن يعصوا فيصنع الله بهم مثل ذلك.

* *

وقال آخرون بما:-

١١٦٣ - حدثني به ابن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله، ﴿فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ ، يعني الحيتان، جعلها نكالا"لما بين يديها وما خلفها"، من الذنوب التي عملوا قبل الحيتان، وما عملوا بعد الحيتان. فذلك قوله: ﴿ما بين يديها وما خلفها﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بتأويل الآية، ما رواه الضحاك عن ابن عباس. وذلك لما وصفنا من أن"الهاء والألف" - في قوله: ﴿فجعلناها نكالا﴾ - بأن تكون من ذكر العقوبة والمسخة التي مسخها القوم، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها. من أجل أن الله جل ثناؤه إنما يحذر خلقه بأسه وسطوته، بذلك يخوفهم [[في المطبوعة: "وبذلك يخوفهم"، ولعل الأجود ما أثبت.]] . وفي إبانته عز ذكره - بقوله: ﴿نكالا﴾ : أنه عنى به العقوبة التي أحلها بالقوم - ما يعلم أنه عنى بقوله: ﴿فعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها﴾ ، فجعلنا عقوبتنا التي أحللناها بهم عقوبة لما بين يديها وما خلفها - دون غيره من المعاني. وإذْ كانت "الهاء والألف" - بأن تكون من ذكر المسخة والعقوبة، أولى منها بأن تكون من ذكر غيرها؛ فكذلك العائد في قوله: ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾ من"الهاء والألف": أن يكون من ذكر"الهاء والألف" اللتين في قوله: ﴿فجعلناها﴾ ، أولى من أن يكون من [ذكر] غيره. [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها في سياق الجملة.]]

فتأويل الكلام - إذْ كان الأمر على ما وصفنا -: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لما بين يديها من ذنوبهم السالفة منهم، بمسخنا إياهم وعقوبتنا لهم - [[في المطبوعة"مسخنا إياهم" بحذف حرف الجر، وهو غير مستقيم، وقوله: "ولما خلف عقوبتنا لهم" على قوله: "لما بين يديها. . . ".]] ولما خلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم: أن يعمل بها عامل، فيمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحل بهم مثل الذي حل بهم، تحذيرا من الله تعالى ذكره عباده: أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتى الممسوخون، فيعاقبوا عقوبتهم.

وأما الذي قال في تأويل ذلك: ﴿فجعلناها﴾ ، يعني الحيتان، عقوبة لما بين يدي الحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم - فإنه أبعد في الانتزاع. وذلك أن الحيتان لم يجر لها ذكر فيقال: ﴿فجعلناها﴾ . فإن ظن ظان أن ذلك جائز - وإن لم يكن جرى للحيتان ذكر - لأن العرب قد تكني عن الاسم ولم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك المفهوم من ظاهر الكتاب - والمعقول به ظاهر في الخطاب والتنزيل - إلى باطن لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول ﷺ منقول، [[انظر تفسير"ظاهر" و"باطن" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ١٥ والمراجع.]] ولا فيه من الحجة إجماع مستفيض.

وأما تأويل من تأول ذلك: لما بين يديها من القرى وما خلفها، فينظر إلى تأويل من تأول ذلك: بما بين يدي الحيتان وما خلفها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾

و"الموعظة"، مصدر من قول القائل:"وعظت الرجل أعظه وعظا وموعظة"، إذا ذكرته.

* *

فتأويل الآية: فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وتذكرة للمتقين، ليتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها، كما:-

١١٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وموعظة﴾ يقول: وتذكرة وعبرة للمتقين.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) ﴾

وأما"المتقون"، فهم الذين اتقوا، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، كما:-

١١٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة قال، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وموعظة للمتقين﴾ ، يقول: للمؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي.

* *

فجعل تعالى ذكره ما أحل بالذين اعتدوا في السبت من عقوبته، موعظة للمتقين خاصة، وعبرة للمؤمنين، دون الكافرين به - إلى يوم القيامة -، كالذي:-

١١٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس في قوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ ، إلى يوم القيامة.

١١٦٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وموعظة للمتقين﴾ ، أي: بعدهم.

١١٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

١١٦٩ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"موعظة للمتقين"، فهم أمة محمد ﷺ.

١١٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وموعظة للمتقين﴾ ، قال: فكانت موعظة للمتقين خاصة.

١١٧١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: ﴿وموعظة للمتقين﴾ ، أي لمن بعدهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية مما وبخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل، في نقض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه، فقال لهم: واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقي،"إذ قال موسى لقومه" - وقومه بنو إسرائيل، إذ ادارؤوا في القتيل الذي قتل فيهم إليه: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا﴾ .

و"الهزؤ": اللعب والسخرية، كما قال الراجز: [[هو صخير بن عمير التميمي، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه.]]

قد هزئت مني أم طيسله ... قالت أراه معدما لا شيء له [[الأصمعيات: ٥٨، وأمالي القالي ٢: ٢٨٤، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي: ٩٣٠ وروايتهم جميعا: تهزأ مني أخت آل طيسله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ويروى"مملقا لا شيء له" و"مبلطا"، وكلها بمعنى واحد: فقيرا لا شيء له.]]

يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت.

ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله -فيما أخبرت عن الله من أمر أو نهي- هزؤ أو لعب. فظنوا بموسى أنه في أمره إياهم -عن أمر الله تعالى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه - أنه هازئ لاعب. ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة.

* *

وحذفت"الفاء" من قوله: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ ، وهو جواب، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه، وحَسُن السكوت على قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ، فجاز لذلك إسقاط"الفاء" من قوله: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ ، كما جاز وحسن إسقاطها من قوله تعالى ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨ الذاريات: ٣١، ٣٢] ، ولم يقل: فقالوا إنا أرسلنا. ولو قيل"فقالوا" كان حسنا أيضا جائزا. ولو كان ذلك على كلمة واحدة، لم تسقط منه"الفاء". وذلك أنك إذا قلت:"قمت ففعلت كذا وكذا"، لم تقل: قمت فعلت كذا وكذا" [[في المطبوعة: "قمت وفعلت" وفي المطبوعة: "ولم تقل: قمت. . " بزيادة الواو، وهو فاسد. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٤.]] لأنها عطف، لا استفهام يوقف عليه.

فأخبرهم موسى -إذْ قالوا له ما قالوا- أن المخبر عن الله جل ثناؤه بالهزء والسخرية، من الجاهلين. [[سياق معناه: أخبرهم موسى أن المخبر عن الله بهُزُء وسخرية، هو من الجاهلين.]] وبرأ نفسه مما ظنوا به من ذلك فقال: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ ، يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل.

* *

وكان سبب قيل موسى لهم: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ، ما:-

١١٧٢ - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم -أو عاقر- قال: فقتله وليه، ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه. قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله؟ قال: فأتوا نبي الله، فقال: اذبحوا بقرة! فقالوا: أتتخذنا هزوا، قال:"أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة) ، إلى قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ قال: فضرب، فأخبرهم بقاتله. قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا، قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. فلم يورث قاتل بعد ذلك. [[الأثر: ١١٧٢ - عبيدة، بفتح العين وبعد الباء الموحدة ياء تحتية: هو عبيدة السلماني. وهذا الأثر نقله ابن كثير ١: ١٩٧ - ١٩٨، من رواية ابن أبي حاتم، من طريق هشام بن حسان"عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني". ثم أشار إلى رواية الطبري هذه.

وقد مضى أثر آخر: ٢٤٥ من رواية أيوب وابن عون، عن ابن سيرين، عن"عبيدة". ورجحنا هناك أن صوابه"عبيدة". فهذا الإسناد الذي هنا يؤيد ما رجحنا.]]

١١٧٣ - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثني أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ . قال: كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيا ولم يكن له ولد، وكان له قريب وارثه، فقتله ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، [[مجمع الطريق: هو حيث يلتقى الناس ويجتمعون، أو حيث تلتقى الطرق.]] وأتى موسى فقال له: إن قريبي قتل وأُتي إلي أمر عظيم، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله. قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا. فلم يكن عندهم علمه. فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا. فسأل ربه، فأوحى الله إليه: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ . فعجبوا وقالوا: ﴿أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض﴾ - يعني: لا هرمة - ﴿ولا بكر﴾ - يعني: ولا صغيرة - ﴿عوان بين ذلك﴾ - أي: نصف، بين البكر والهرمة - ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ - أي: صاف لونها - ﴿تسر الناظرين﴾ - أي تعجب الناظرين - ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول﴾ أي: لم يذللها العمل - ﴿تثير الأرض﴾ - يعني ليست بذلول فتثير الأرض - ﴿ولا تسقي الحرث﴾ - يقول: ولا تعمل في الحرث - ﴿مسلمة﴾ ، يعني مسلمة من العيوب، ﴿لا شية فيها﴾ - يقول: لا بياض فيها - (قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) . قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها، [[استعرضوا: أخذوا من عرض البقر (بضم العين وسكون الراء) فلم يبالوا أيها أخذوا. والعرض: الوجه والناحية، أي ما يعرض لك من الشيء.]] لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ ، لما هدوا إليها أبدا. فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم، إلا عند عجوز عندها يتامى، وهي القيمة عليهم. فلما علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها، [[تقول: "هذا الأمر لا يزكو بفلان" أي لا يليق به ولا يصلح له. فقوله: "لا يزكو لهم غيرها" أي لا يصلح لهم غيرها ولا ينفع فيما أمرهم الله به.]] أضعفت عليهم الثمن. فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها. فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم، فشددتم على أنفسكم، فأعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها. فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان. فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه، - فقتله الله على أسوء عمله.

١١٧٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ . قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج. فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبي أن يزوجه إياها، فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته! فأتاه الفتى، وقد قدم تجار في أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أصيب منها، [[في المطبوعة: "أصيب فيها"، وهو خطأ، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٠٠. أصاب الإنسان من المال وغيره: تناول وأخذ. ويريد أصيب منها ربحا.]] فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله.

فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده. فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى: واعماه! فرفعهم إلى موسى، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين له من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة، [[في المطبوعة: "ادع لنا حتى يتبين". ونص ابن كثير في تفسيره ١: ٢٠٠"ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب القضية".]] فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكنا نستحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ . فقال لهم موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ . قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة! أتهزأ بنا؟ قال موسى: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ - قال، قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم - [[أعنته وتعنته: سأله عن شيء أراد به اللبس عليه والمشقة.]] فقالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ - والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدا واحدا، والعوان: النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها -"فافعلوا ما تؤمرون" * ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ - قال: تعجب الناظرين - ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها﴾ - من بياض ولا سواد ولا حمرة - ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ . فطلبوها فلم يقدروا عليها.

وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه، فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح، فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا؟ فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفا. فقال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا. فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا، وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه، حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه قال: لا والله، لا أشتريه منك بشيء أبدا، وأبى أن يوقظ أباه. فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة. فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبي، فأعطوه ثنتين فأبي، فزادوه حتى بلغوا عشرا، فأبي، فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبي أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت. وقال للقوم: أرضوا صاحبكم. فأعطوه وزنها ذهبا فأبي، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات، فباعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها. فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها. فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله، وآخذ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.

١١٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة -

١١٧٦ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، عن مجاهد -

١١٧٧ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثني خالد بن يزيد، عن مجاهد -

١١٧٨ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبا يذكر -

١١٧٩ - وحدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد - وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -

١١٨٠ - وحدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، أخبرني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس -

- فذكر جميعهم أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ، نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي، غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى، كان أخا المقتول، وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه، وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه - عن أمر الله إياهم بذلك - [[الأجود أن يكون"عن أمر الله إياه بذلك".]] فقالوا له: وما ذبح البقرة؟ يبين لنا خصومتنا التي اختصمنا فيها إليك في قتل من قتل، فادُّعِي على بعضنا أنه القاتل! أتهزأ بنا؟ كما:-

١١٨١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قتل قتيل من بني إسرائيل، فطرح في سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك القتيل إلى ذلك السبط فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا. قالوا: لا والله. فأتوا موسى فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهم والله قتلوه! فقالوا: لا والله يا نبي الله، طرح علينا! فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. فقالوا: أتستهزئ بنا؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ . قالوا: نأتيك فنذكر قتيلنا والذي نحن فيه، فتستهزئ بنا؟ فقال موسى: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) .

١١٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس: لما أتى أولياء القتيل والذين ادعوا عليهم قتل صاحبهم - موسى وقصوا قصتهم عليه، أوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ . قالوا: وما البقرة والقتيل؟ قال: أقول لكم:"إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة"، وتقولون:"أتتخذنا هزوا".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ﴾

[[الآية كلها ساقطة من الأصول، فوضعتها في موضعها.]]

قال أبو جعفر: فقال الذين قيل لهم: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ - بعد أن علموا واستقر عندهم، أن الذي أمرهم به موسى من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة - جد وحق، [[قوله"جد وحق"، خبر قوله"أن الذي أمرهم به موسى. . . "]] ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ ، فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم:"اذبحوا بقرة". لأنه جل ثناؤه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر - أي بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف - فقالوا بجفاء أخلاقهم وغلظ طبائعهم، وسوء أفهامهم، وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤونته، تعنتا منهم لرسول الله ﷺ، كما:-

١١٨٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قال لهم موسى: ﴿أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين﴾ . قالوا له يتعنتونه: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ .

فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التي أمروا بذبحها، تعنتا منهم نبيهم موسى صلوات الله عليه، بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه، بقولهم: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ [[سياق العبارة: "فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا. . عاقبهم. . "، وما بينهما فصل.]] - عاقبهم عز وجل بأن حصر ذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر على نوع منها دون نوع، [[في المطبوعة"بأن خص بذبح ما كان أمرهم"، وعبارة الطبري فيما أرجح هي ما أثبته/، وقد قال آنفًا: ١٨٩"من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع"، وسيقول بعد: ١٩٧"فحصروا على نوع دون سائر الأنواع".]] فقال لهم جل ثناؤه - إذ سألوه فقالوا: ما هي؟ ما صفتها؟ وما حليتها؟ حَلِّها لنا لنعرفها! [[الحلية (بكسر فسكون) الصفة والصورة: حلى الرجل يحليه تحلية: وصف صورته وهيأته. وتحليت الرجل: عرفت صفته.]] -قال: ﴿إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ .

* *

يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿لا فارض﴾ لا مسنة هرمة. يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضا"، يعني بذلك: أسنت. ومن ذلك قول الشاعر:

يا رب ذي ضغن عليَّ فارضِ ... له قروء كقروء الحائضِ [[مجالس ثعلب: ٣٦٤، والمعاني الكبير: ٨٥٠، ١١٤٣، والحيوان ٦: ٦٦ - ٦٧، والأضداد: ٢٢، وكتاب القرطين ١: ٤٤، ٧٧، واللسان (فرض) ، وغيرها، وصواب إنشاده: يارب مولى حاسد مباغض ... عليّ ذي ضغن وضب فارض

والضب: الغيظ والحقد تضمره في القلب. قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون) : وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة: "أي له أوقات تهيج فيها عداوته"، وقال الجاحظ: "كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر".]]

يعني بقوله:"فارض"، قديم. يصف ضغنا قديما. ومنه قول الآخر:

لها زِجاج ولهاة فارض ... حدلاء كالوطب نحاه الماخض [[البيت الأول في اللسان (زجج) ، والثاني في المخصص ١: ١٦٢. وكان في الأصل: له زجاج ولهاة فارض ... هدلاء كالوطب تجاه الماخض

وهو تصحيف. والزجاج جمع زج: وهو الحديدة التي تركب في أسفل الرمح يركز به في الأرض. فاستعاره للألباب. واللهاة: لحمة حمراء في الحنك، معلقة على عكدة اللسان، مشرفة على الحلق. والفارض في هذا البيت: الواسع العظيم الضخم يقال: لحية فارض، وشِقْشِقَة فارض. (وهي لهاة البعير) ودلو فارض قال أبو محمد الفقعسي يذكر دلوا واسعا (وهو الغرب) . والغرب غرب بقري فارض

وحدلاء وأحدل: وهو الذي يمشي في شق، وفي منكبيه ورقبته إقبال على صدره، وانحناء. والوطب: سقاء اللبن، يكون من جلد. ونحاه: صرفه وأماله. والماخض: من مخض اللبن: إذا وضع في الممخضة، ليخرج زبده. لعله يهجو امرأته، ويذكر قبح أنيابها، وسعة لهاتها، من شدة شرهها. ويصف مشيتها مائلة على شق، وتكدس بدنها بعضه على بعض، كأنها وطب أماله الماخض يمنة ويسرة يحركه.]] وبمثل الذي قلنا في تأويل"فارض" قال المتأولون:

ذكر من قال ذلك:

١١٨٤ - حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿لا فارض﴾ ، قال: لا كبيرة. [[الخبر ١١٨٤ - علي بن سعيد بن مسروق الكندي، شيخ الطبري: كوفي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /١٨٩ - ١٩٠، مات سنة ٢٤٩. عبد السلام بن حرب الملائي الكوفي، الحافظ: ثقة حجة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وترجمه ابن أبي حاتم ٣ / ١ /٤٧.]]

١١٨٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أو عن عكرمة، شك شريك-: ﴿لا فارض﴾ ، قال: الكبيرة.

١١٨٥ - حدثني محمد بن سعد قال، أخبرني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لا فارض﴾ ، الفارض: الهرمة.

١١٨٦ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿لا فارض﴾ ، يقول: ليست بكبيرة هرمة.

١١٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: ﴿لا فارض﴾ ، الهرمة.

١١٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"الفارض" الكبيرة.

١١٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد قوله: ﴿لا فارض﴾ ، قال: الكبيرة.

١١٩٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿لا فارض﴾ ، يعني: لا هرمة.

١١٩١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

١١٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"الفارض"، الهرمة.

١١٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر، قال قتادة:"الفارض" الهرمة. يقول: ليست بالهرمة ولا البكر عوان بين ذلك.

١١٩٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الفارض"، الهرمة التي لا تلد.

١١٩٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"الفارض"، الكبيرة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا بِكْرٌ﴾

قال أبو جعفر: و"البكر" من إناث البهائم وبني آدم، ما لم يفتحله الفحل، وهي مكسورة الباء، لم يسمع منه "فَعَل" ولا "يفعل". وأما"البكر" بفتح الباء فهو الفتي من الإبل.

* *

وإنما عنى جل ثناؤه بقوله ﴿ولا بكر﴾ ولا صغيرة لم تلد، كما:-

١١٩٦ - حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿ولا بكر﴾ ، صغيرة.

١١٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"البكر"، الصغيرة.

١١٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد، عن ابن عباس -أو عكرمة، شك-: ﴿ولا بكر﴾ ، قال: الصغيرة.

١١٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿ولا بكر﴾ ، الصغيرة.

١٢٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿ولا بكر﴾ ولا صغيرة.

١٢٠١ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ولا بكر﴾ ، ولا صغيرة ضعيفة.

١٢٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولا بكر﴾ ، يعني: ولا صغيرة.

١٢٠٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

١٢٠٤ - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: في"البكر"، لم تلد إلا ولدا واحدا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾

قال أبو جعفر:"العوان" النصف التي قد ولدت بطنا بعد بطن، وليست بنعت للبكر. يقال منه:"قد عونت" إذا صارت كذلك.

وإنما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر بل عوان بين ذلك. ولا يجوز أن يكون"عوان" إلا مبتدأ. لأن قوله ﴿بين ذلك﴾ ، كناية عن الفارض والبكر، فلا يجوز أن يكون متقدما عليهما، ومنه قول الأخطل:

وما بمكة من شُمط مُحَفِّلة ... وما بيثرب من عُونٍ وأبكار [[ديوانه: ١١٩، وهو يخالف ما رواه الطبري، وقبله: إني حلفت برب الراقصات وما ... أضحي بمكة من حجب وأستار

وبالهدي - إذا احمرت مذارعها ... في يوم نسك وتشريق وتنحار

وما بزمزم من شمط محلقه ... وما بيثرب من عون وأبكار

يعني: حلقوا رؤوسهم، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم، والشمط جمع أشمط: وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب. فإن صحت رواية الطبري"شمط مُحَفِّلَةٍ"، فكأنها من الحفيل والاحتفال: وهو الجد والاجتهاد، يقال منه: رجل ذو حفيل، وذو حفل وحفلة: له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور. فكأنه عنى: مجتهدون في العبادة والنسك.]]

وجمعها"عون" يقال:"امرأة عوان من نسوة عون". ومنه قول تميم بن مقبل:

ومأتم كالدمي حورٍ مدامعها ... لم تبأس العيش أبكارا ولا عونا [[جمهرة أشعار العرب: ١٦٢، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل. والمأتم عند العرب: جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر. قالوا: والعامة تغلط فتظن أن"المأتم" النوح والنياحة. والدمى جمع دمية: الصورة أو التمثال، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي. والحور جمع حوراء. والحور أن يشتد بياض بياض العين، وسواد سوادها، تستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حولها. وقوله: "لم تبأس" أي لم يلحقها بؤس عيش، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا، فهو بائس وبئيس، افتقر واشتد عليه البؤس. وفي الأصل المطبوع، وفي اللسان (أتم) : "لم تيأس" بالياء المثناة، وهو خطأ.]]

وبقرة "عوان، وبقر عون". قال: وربما قالت العرب: "بقر عُوُن" مثل"رسل" يطلبون بذلك الفرق بين جمع"عوان" من البقر، وجمع"عانة" من الحمر. ويقال:"هذه حرب عوان"، إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة. يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال:"حاجة عوان"، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.

١٢٠٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، أن ابن زيد أنشده:

قعود لدى الأبواب طلاب حاجة ... عوانٍ من الحاجات أو حاجةً بكرا [[ديوان الفرزدق: ٢٢٧، وطبقات فحول الشعراء: ٢٥٦، وتاريخ الطبري: ١٣٨، وغيرها. وسيأتي في ٧: ١٨٨ (بولاق) ، والشعر في زياد، وقبله: دعاني زياد للعطاء ولم أكن ... لأقربه ما ساق ذو حسب وفرا

وعند زياد، لو يريد عطاءهم، ... رجال كثير قد يرى بهمُ فقرا

ويروى: قعودا، ورواية ابن سلام"طالب حاجة"، ونصب"أو حاجة بكرا" عطفا على محل"حاجة عوان"، فمحلها نصب بقوله: "طلاب".]]

قال أبو جعفر: والبيت للفرزدق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوله أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٢٠٦ - حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿عوان بين ذلك﴾ ، وسط، قد ولدت بطنا أو بطنين. [[الخبر: ١٢٠٦ -"على بن سعيد الكندي": ترجمنا له في: ١١٨٤، وفي الأصول هنا"سعد" بدل"سعيد"، وهو خطأ.]]

١٢٠٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿عوان﴾ ، قال:"العوان": العانس النصف.

١٢٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"العوان"، النصف.

١٢٠٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -أو عكرمة، شك شريك- ﴿عوان﴾ ، قال: بين ذلك.

١٢١٠ - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿عوان﴾ ، قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهى أقوى ما تكون من البقر والدواب، وأحسن ما تكون.

١٢١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: ﴿عوان﴾ ، قال: النصف.

١٢١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿عوان﴾ نَصَف.

١٢١٣ - وحُدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

١٢١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة:"العوان"، نَصَف بين ذلك.

١٢١٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن خصيف، عن مجاهد: ﴿عوان﴾ ، التي تنتج شيئا بشرط أن تكون التي قد نتجت بكرة أو بكرتين.

١٢١٥ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"العوان"، النصَف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدُها.

١٢١٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"العوان"، بين ذلك، ليست ببكر ولا كبيرة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿بين ذلك﴾ بين البكر والهرمة، كما:-

١٢١٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿بين ذلك﴾ ، أي بين البكر والهرمة.

* *

فإن قال قائل: قد علمت أن"بين" لا تصلح إلا أن تكون مع شيئين فصاعدا، فكيف قيل"بين ذلك" و"ذلك" واحد في اللفظ؟

قيل: إنما صلحت مع كونها واحدة، لأن"ذلك" بمعنى اثنين، والعرب تجمع في"ذلك" و"ذاك" شيئين ومعنيين من الأفعال، كما يقول القائل:"أظن أخاك قائما، وكان عمرو أباك"، [[عبارة الفراء هنا أوضح قال: فلا بد لـ"كان" من شيئين"، ولا بد لـ"أظن" من شيئين ثم يجوز أن تقول: "قد كان ذاك، وأظن ذلك". معاني القرآن ١: ٤٥.]] ثم يقول:"قد كان ذاك، وأظن ذلك". فيجمع ب"ذلك" و"ذاك" الاسم والخبر، الذي كان لا بد لـ "ظن" و "كان" منهما. [[كان في المطبوعة: "الذي كان لا بد للظن وكان منهما"، وهو كلام يضطرب.]]

* *

فمعنى الكلام: قال: إنه يقول إنما بقرة لا مسنة هرمة، ولا صغيرة لم تلد، ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن، بين الهرم والشباب. فجمع"ذلك" معنى الهرم والشباب لما وصفنا، ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين، لم يجمع مع"بين" ذلك. وذلك أن"ذلك" لا يؤدي عن اسم شخصين، وغير جائز لمن قال:"كنت بين زيد وعمرو"، أن يقول:"كنت بين ذلك"، وإنما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٥.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به، تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي؛ واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها، تصلوا - بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها - إلى العلم بقاتل قتيلكم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾

قال أبو جعفر: ومعنى ذلك: قال قوم موسى لموسى: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ أي لون البقرة التي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضا تعنت آخر منهم بعد الأول، وتكلف طلب ما قد كانوا كفوه في المرة الثانية والمسألة الآخرة. وذلك أنهم لم يكونوا حصروا في المرة الثانية - إذ قيل لهم بعد مسألتهم عن حلية البقرة التي كانوا أمروا بذبحها، فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من المسألة عن صفتها، فحصروا على نوع دون سائر الأنواع، عقوبة من الله لهم على مسألتهم التي سألوها نبيهم ﷺ، تعنتا منهم له. ثم لم يحصرهم على لون منها دون لون، فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنياء، فقالوا - تعنتا منهم لنبيهم ﷺ كما ذكر ابن عباس-: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ فقيل لهم عقوبة لهم: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ . فحصروا على لون منها دون لون. ومعنى ذلك: أن البقرة التي أمرتكم بذبحها صفراء فاقع لونها.

* *

قال أبو جعفر: ومعنى قوله: ﴿يبين لنا ما لونها﴾ ، أي شيء لونها؟ فلذلك كان اللون مرفوعا، لأنه مرافع"ما". وإنما لم ينصب"ما" بقوله"يبين لنا"، لأن أصل"أي" و"ما"، جمع متفرق الاستفهام. يقول القائل [[في الأصل المطبوعة"كقول القائل"، وهو فساد.]] بين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء؟ فلما لم يكن لقوله:"بين لنا" أن يقع على الاستفهام متفرقا، لم يكن له أن يقع على"أي"، لأنه جمع ذلك المتفرق. [[كانت هذه الجملة في المطبوعة: "فلما لم يكن كقوله: بين لنا، ارتفع على الاستفهام منصرفا، لم يكن له ارتفع على أي. . "، وهو كلام ضرب عليه التصحيف ضربا. وانظر ما جاء في معاني الفراء ١: ٤٦ - ٤٨، ففيه بيان شاف كاف.]] وكذلك كل ما كان من نظائره فالعمل فيه واحد، في"ما" و"أي".

واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿صفراء﴾ . فقال بعضهم: معنى ذلك سوداء شديدة السواد.

ذكر من قال ذلك منهم:

١٢١٨ - حدثني أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري قال، حدثنا نوح بن قيس، عن محمد بن سيف، عن الحسن: ﴿صفراء فاقع لونها﴾ ، قال: سوداء شديدة السواد. [[الخبر: ١٢١٨ - أبو مسعود إسماعيل بن مسعود الجحدري البصري: ثقة، روى عنه أيضًا النسائي وأبو حاتم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ / ١ ٢٠٠ مات سنة ٢٤٨. نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني:، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ /١١١ - ١١٢، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٨٣.]]

١٢١٩ - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائده. والمثنى بن إبراهيم قالا حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا نوح بن قيس، عن محمد بن سيف، عن أبي رجاء، عن الحسن مثله. [[الخبر: ١٢١٩ - أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي يحيى بن أبي زائدة: ثقة، روى عنه أبو حاتم وغيره، وذكر بعضهم أن البخاري روى عنه. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٠١ - ٦٠٢. مسلم بن إبراهيم: هو الأزدي الفراهيدي الحافظ. محمد بن سيف عن أبي رجاء". وهو خطأ، صوابه حذف"عن".]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف.

ذكر من قال ذلك:

١٢٢٠ - حدثني هشام بن يونس النهشلي قال، حدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿صفراء فاقع لونها﴾ ، قال: صفراء القرن والظلف. [[الخبر: ١٢٢٠ - هشام بن يونس بن وابل النهشلي اللؤلؤي: ثقة، روى عنه الترمذي، وسمع منه أبو حاتم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ٧٢.]]

١٢٢١ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في قوله: ﴿صفراء فاقع لونها﴾ ، قال: كانت وحشية. [[الخبر: ١٢٢١ - كثير بن زياد أبو سهل البرساني - بضم الموحدة وسكون الراء- الأزدي العتكي: ثقة من أكابر أصحاب الحسن. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ /٢١٥، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٥١. والإسناد ضعيف، من أجل"جويبر بن سعيد"، كما ذكرنا ضعفه في: ٢٨٤. وسيأتي قريبا برقم: ١٢٥٤.]]

١٢٢٢ - حدثني يعقوب قال، حدثنا مروان بن معاوية، عن إبراهيم، عن أبي حفص، عن مغراء - أو عن رجل -، عن سعيد بن جبير: ﴿بقرة صفراء فاقع لونها﴾ ، قال: صفراء القرن والظلف. [[الخبر: ١٢٢٢ - مروان بن معاوية: هو الفزاري الكوفي الحافظ، من شيوخ أحمد وإسحاق والأئمة. مغراء، بفتح الميم وسكون الغين المعجمة: تابعي روى عن ابن عمر، وذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٦٥، وابن أبي حاتم ٤ / ١/٤٢٩، فلم يذكروا فيه جرحا. ولكن هذا الإسناد ضعيف، لتردد الراوي: أنه عن مغراء، أو عن رجل، فتردد بين ثقة وبين مبهم]]

١٢٢٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: هي صفراء.

١٢٢٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ ، قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.

* *

قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال في قوله: ﴿صفراء﴾ ، يعني به سوداء، ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: [[في المطبوعة: "ذهب إلى قوله"، وليس بشيء.]] "هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء" يعني بها سوداء. وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الشاعر: [[هو الأعشى الكبير.]]

تلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب [[ديوانه: ٢١٩، والأضداد: ١٣٨، واللسان (صفر) ، وغيرها. من قصيدة يمدح بها أبا الأشعث قيس بن معد يكرب الكندي. وكان في الأصل: "تلك خيلي منها" وهو خطأ، فسياق الشعر: إن قيسا، قيس الفعال أبا الأشـ ... عث أمست أمداؤه لِشعوب

كل عام يمدني بجموم ... عند وضع العنان أو بنجيب

تلك خيلي منه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وما أظن الطبري يخطئ في رواية هذا الشعر، والركاب: الإبل التي يسار عليها، لا واحد لها من لفظها، واحدتها راحلة. والزبيب: ذاوي العنب، وأسوده أجوده، ولكنه ليس خالص السواد. يقول: كل ما أملك من خيل، ومن إبل قد ولدت لي خير ما تلد الإبل، فهو من جود أبي الأشعث.]] يعني بقوله:"هن صفر" هن سود وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف به البقر. مع أن العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد -إذا وصفته- بالشدة بالحلوكة ونحوها، فتقول:"هو أسود حالك وحانك وحُلكوك، وأسود غِربيب ودَجوجي" - ولا تقول: هو أسود فاقع. وإنما تقول:"هو أصفر فاقع". فوصفه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: ﴿إنها بقرة صفراء فاقع﴾ المتأول، بأن معناه سوداء شديدة السواد. [[مجرى العبارة: الذي تأول المتأول بأن معناه. "المتأول" فاعل مرفوع.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني خالص لونها. و"الفقوع" في الصفر، نظير النصوع في البياض، وهو شدته وصفاؤه، كما:-

١٢٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: ﴿فاقع لونها﴾ ، هي الصافي لونها.

١٢٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿فاقع لونها﴾ ، أي صاف لونها.

١٢٢٧ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله.

١٢٢٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فاقع﴾ ، قال: نقي لونها.

١٢٢٩ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فاقع لونها﴾ ، شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تَبْيَضُّ. وقال أبو جعفر: أُراه أبيض! [[كأن أبا جعفر أراد أن يعترض على قوله: "تكاد من صفرتها تبيض"، فقال ما معناه: لو صح ذلك لكان قوله: "فاقع لونها"، أي أبيض، والصفرة تشتد، فإذا خفت ابيضت. هذا هو معنى ما قاله فيما أرجح.]]

١٢٣٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فاقع لونها﴾ ، قال: شديدة صفرتها.

* *

يقال منه:"فقع لونه يفقع ويفقع فقعا وفقوعا، فهو فاقع، كما قال الشاعر:

حملت عليه الوَرد حتى تركته ... ذليلا يسُف الترب واللون فاقع [[لم أعرف قائله. والورد: فرسه.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿تسر الناظرين﴾ ، تعجب هذه البقرة -في حسن خلقها ومنظرها وهيئتها- الناظر إليها، كما:-

١٢٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تسر الناظرين﴾ ، أي تعجب الناظرين.

١٢٣٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا: ﴿تسر الناظرين﴾ ، إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

١٢٣٣ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿تسر الناظرين﴾ ، قال: تعجب الناطرين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿قالوا﴾ قال قوم موسى - الذين أمروا بذبح البقرة - لموسى. فترك ذكر موسى، وذكر عائد ذكره، اكتفاء بما دل عليه ظاهر الكلام. وذلك أن معنى الكلام: قالوا له:"ادع ربك". فلم يذكر"له" لما وصفنا.

وقوله: ﴿يبين لنا ما هي﴾ ، خبر من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة. وذلك أنهم لو كانوا، إذ أمروا بذبح البقرة، ذبحوا أيتها تيسرت مما يقع عليه اسم بقرة، كانت عنهم مجزئة، ولم يكن عليهم غيرها، لأنهم لم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة. فلما سألوا بيانها بأي صفة هي، بين لهم أنها بسن من الأسنان دون سن سائر الأسنان، [[في المطبوعة: "فبين لهم أنها بسن. . "، والفاء لا مكان لها هنا.]] فقيل لهم: هي عوان بين الفارض والبكر والضرع. [[الضرع: الضعيف الضاوي الجسم.]] فكانوا - إذْ بينت لهم سنها- لو ذبحوا أدنى بقرة بالسن التي بينت لهم، كانت عنهم مجزئة، لأنهم لم يكونوا كلفوها بغير السن التي حدت لهم، ولا كانوا حصروا على لون منها دون لون. فلما أبوا إلا أن تكون معرفة لهم بنعوتها، مبينة بحدودها التي تفرق بينها وبين سائر بهائم الأرض، فشددوا على أنفسهم - شدد الله عليهم بكثرة سؤالهم نبيهم واختلافهم عليه. ولذلك قال نبينا ﷺ لأمته:-

١٢٣٤ -"ذروني ما تركتكم، فإنما أُهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم". [[الحديث: ١٢٣٤ - رواه هنا دون إسناد. وهو من حديث أبي هريرة. ووقع في آخره خطأ، قلب معناه. واللفظ الصحيح، بالمعنى الصحيح؛"فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم". هذا لفظ البخاري. وقد أفاض الحافظ في شرحه، في الفتح ١٣: ٢١٩ - ٢٢٦. ورواه أيضًا أحمد: ٧٣٦١، بنحو معناه. وأشرنا هناك إلى كثير من طرقه في المسند وغيره وكذلك رواه مسلم ٢: ٢٢١، بنحوه، من طرق. وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه، من طرق: ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠ (بتحقيقنا) وفي رواية ابن حبان: ١٧، "قال ابن عجلان: فحدثت به أبان بن صالح، فقال لي: ما أجود هذه الكلمة، قوله: فأتوا منه ما استطعتم". وهو الحديث التاسع من الأربعين النووية، وقد شرحه ابن رجب، في جامع العلوم والحكم، شرحا مسهبا. ولعل الخطأ الذي وقع هنا خطأ من الناسخين. فما أظن الطبري يخفي عليه ما في هذا اللفظ من تهافت.]]

قال أبو جعفر: ولكن القوم لما زادوا نبيهم موسى ﷺ أذى وتعنتا، زادهم الله عقوبة وتشديدا، كما:-

١٢٣٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

١٢٣٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عَبيدة قال: لو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم. [[الخبر: ١٢٣٦ - جاء شيخ الطبري هنا باسم"عمرو بن عبد الأعلى"! وما وجدت راويا يسمى بهذا. وإنما هو"محمد بن عبد الأعلى الصنعاني"، من شيوخ مسلم وأبي داود وغيرهما، كما مضى مثل هذا الإسناد على الصواب: ١١٧٢. ومحمد بن عبد الأعلى: بصري ثقة، مات سنة ٢٤٥، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ١٧٤، وابن أبي حاتم ٤ / ١ /١٦.]]

١٢٣٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن أيوب-

١٢٣٨ - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان جميعا، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: سألوا وشددوا فشدد الله عليهم.

١٢٣٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: لو أخذ بنو إسرائيل بقرة لأجزأت عنهم. ولولا قولهم: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ ، لما وجدوها.

١٢٤٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ، لو أخذوا بقرة ما كانت، لأجزأت عنهم. ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر﴾ ، قال: لو أخذوا بقرة من هذا الوصف لأجزأت عنهم. ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ ، قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم. ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث﴾ الآية.

١٢٤١ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، وزاد فيه: ولكنهم شددوا فشدد عليهم.

١٢٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثتي حجاج قال، قال ابن جريج قال، مجاهد:"لو أخذوا بقرة مَّا كانت أجزأت عنهم. قال ابن جريج، قال لي عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم. قال ابن جريج، قال رسول الله ﷺ: إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شُدد الله عليهم؛ وأيم الله لو أنهم لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد". [[الخبر: ١٢٤٢ - جاء في آخره حديث مرفوع، ذكره ابن جريج. وهو مرسل لا تقوم به حجة. وسيأتي أيضًا: ١٢٤٤، عن قتادة مرسلا. وذكر معناه ابن كثير ١: ٢٠٣، من تفسيرى ابن أبي حاتم وابن مردويه، بإسناديهما، من رواية الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، مرفوعا، بنحوه. قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة كما تقدم مثله عن السدي ".]]

١٢٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة فذبحوها لكانت إياها، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ ، لما هدوا إليها أبدا.

١٢٤٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:"إنما أمر القوم بأدنى بقرة، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم. والذي نفس محمد بيده، لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد.

١٢٤٥ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم.

١٢٤٦ - حدثنا أبو كريب قال، قال أبو بكر بن عياش، قال ابن عباس: لو أن القوم نظروا أدنى بقرة -يعني بني إسرائيل- لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد عليهم، فاشتروها بملء جلدها دنانير. [[الخبر: ١٢٤٦ - هذا الإسناد منقطع بين أبي بكر بن عياش وابن عباس، كما هو ظاهر لأن ابا بكر يروى عن التابعين، ومولده بعد موت ابن عباس بدهر. وهذا الخبر ذكره السيوطي ١: ٧٧، ونسبه لابن جرير، وابن أبي حاتم"من طرق".]]

١٢٤٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لو أخذوا بقرة كما أمرهم الله كفاهم ذلك، ولكن البلاء في هذه المسائل، فقالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ ، فشدد عليهم، فقال: ﴿إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ ، فقالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين﴾ ، قال: وشدد عليهم أشد من الأول، فقرأ حتى بلغ: ﴿مسلمة لا شية فيها﴾ فأبوا أيضا فقالوا: ﴿ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ فشدد عليهم، فقال: "إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها) ، قال: فاضطروا إلى بقرة لا يعلم على صفتها غيرها، وهي صفراء، ليس فيها سواد ولا بياض. [[الأثر: ١٢٤٧ - سيأتي تمامه في رقم: ١٢٧٣.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، [[انظر ما مضى في تفسير" الظاهر، والباطن": ٢: ١٥ والمراجع.]] إلا أن يخص، بعض ما عمه ظاهر التنزيل، كتاب من الله أو رسولُ الله، وأن التنزيل أو الرسول، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم؛ على نحو ما قد بيناه في كتابنا ﴿كتاب الرسالة﴾ من ﴿لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام﴾ - في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا، ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام، وشهادتهم على فساد قول من قال: حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم، ما لم يختص منها بعض ما عمته الآية. فإن خص منها بعض، فحكم الآية حينئذ على الخصوص.

وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا - ممن عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيهم ﷺ عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنها وحليتها - رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله ﷺ موسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذ أمروا بذبحها بقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ ، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدين، وللحق مطيعين، إذْ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع، وسن دون سن.

ورأوا مع ذلك أنهم - إذْ سألوا موسى عن سنها فأخبرهم عنها، وحصرهم منها على سن دون سن، ونوع دون نوع، وخص من جميع أنواع البقر نوعا منها - كانوا في مسألتهم إياه في المسألة الثانية، بعد الذي خص لهم من أنوع البقر، من الخطأ على مثل الذي كانوا عليه من الخطأ في مسألتهم إياه المسألة الأولى.

وكذلك رأوا أنهم في المسألة الثالثة على مثل الذي كانوا عليه من ذلك في الأولى والثانية، وأن اللازم كان لهم في الحالة الأولى، استعمال ظاهر الأمر، وذبح أي بهيمة شاؤوا مما وقع عليها اسم بقرة.

وكذلك رأوا أن اللازم كان لهم في الحال الثانية، استعمال ظاهر الأمر وذبح أي بهيمة شاؤوا مما وقع عليها اسم بقرة عوان لا فارض ولا بكر، ولم يروا أن حكمهم - إذ خص لهم بعض البقر دون البعض في الحالة الثانية - انتقل عن اللازم الذي كان لهم في الحالة الأولى، من استعمال ظاهر الأمر إلى الخصوص. ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التي رويناها عن رسول الله ﷺ بالموافقة لقولهم - دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم، ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له. وأنه إذا خص منه شيء، فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك، [[في المطبوعة: " ويؤيد حقيقة ما قلنا. . . "، وهو خطأ، وقوله"مؤيد حقيقة ما قلنا" معطوف على قوله آنفًا: " ففي إجماع جميعهم. . دليل واضح. . ومؤيد حقيقة ما قلنا. . وشاهد عدل. . ".]] وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه.

وقد زعم بعض من عظمت جهالته، واشتدت حيرته، أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أمر الله إياهم بذبح بقرة من البقر، لأنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها خصت بذلك، كما خصت عصا موسى في معناها، فسألوه أن يحليها لهم ليعرفوها.

ولو كان الجاهل تدبر قوله هذا، لسهل عليه ما استصعب من القول. وذلك أنه استعظم من القوم مسألتهم نبيهم ما سألوه تشددا منهم في دينهم، ثم أضاف إليهم من الأمر ما هو أعظم مما استنكره أن يكون كان منهم. فزعم أنهم كانوا يرون أنه جائز أن يفرض الله عليهم فرضا، ويتعبدهم بعبادة، ثم لا يبين لهم ما يفرض عليهم ويتعبدهم به، حتى يسألوا بيان ذلك لهم! فأضاف إلى الله تعالى ذكره ما لا يجوز إضافته إليه، ونسب القوم من الجهل إلى ما لا ينسب المجانين إليه، فزعم أنهم كانوا يسألون ربهم أن يفرض عليهم الفرائض، فنعوذ بالله من الحيرة، ونسأله التوفيق والهداية.

* *

وأما قوله: ﴿إن البقر تشابه علينا﴾ ، فإن"البقر" جماع بقرة.

وقد قرأ بعضهم: ﴿إن الباقر﴾ ، وذلك - وإن كان في الكلام جائزا، لمجيئه في كلام العرب وأشعارها، كما قال ميمون بن قيس: [[يعني الأعشى الكبير.]]

وما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا [[ديوانه: ٩٠، والحيوان ١: ١٩ (وانظر أيضًا ١: ٣٠١، ٦: ١٧٤) ، واللسان (ثور) وغيرها. من قصيدة يقولها لبني قيس بن سعد، وما كان بينه وبينهم من قطيعة بعد مواصلة ومودة، وقبل البيت: وإني وما كلفتموني - وربكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحربا

لكالثور، والجِنِّيّ يضرب ظهره ... وما ذنبه إن عافت الماء مشربا

قال الجاحظ: "كانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء أو لقلة العطش، ضربوا الثور ليقتحم، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن الوحش الحمار. . وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء، حتى تمسك البقر عن الشرب، حتى تهلك. . كأنه قال: إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ليضرب".]] وكما قال أمية: [[يعني: أمية بن أبي الصلت.]]

ويسوقون باقر السهل للط ... ود مهازيل خشية أن تبورا [[ديوانه: ٣٥، والحيوان ٤: ٤٦٧، والأزمنة والأمكنة ٢: ١٢٤، وغيرها. وفي الأصل المطبوع: "باقر الطود للسهل"، وفي الديوان والحيوان"باقرا يطرد السهل"، وصواب الرواية ما أثبته من الأزمنة. قال الجاحظ في ذكر نيران العرب: ""ونار أخرى: وهي النار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى. فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات، وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران، وضجوا بالدعاء والتضرع، فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا"، وقال ابن الكلبي: " كانوا يضرمون تفاؤلا للبرق" والمهازيل جمع مهزول، مثل هزيل وجمعه هزلي: وهي التي ضعفت ضعفا شديدا وذهب سمنها. وتبور: تهلك.]]

- فغير جائزة القراءة به لمخالفته القراءة الجائية مجيء الحجة، بنقل من لا يجوز - عليه فيما نقلوه مجمعين عليه - الخطأ والسهو والكذب.

* *

وأما تأويل: ﴿تشابه علينا﴾ ، فإنه يعني به، التبس علينا. والقَرَأَة مختلفة في تلاوته. [[في المطبوعة: "والقراء"، ورددتها إلى ما جرى عليه لفظ الطبري، كما سلف مرارا.]] فبعضهم كانوا يتلونه:"تشابه علينا"، بتخفيف الشين ونصب الهاء على مثال "تفاعل"، ويُذَكِّر الفعل، وإن كان "البقر" جماعا. لأن من شأن العرب تذكير كل فعل جمع كانت وحدانه بالهاء، وجمعه بطرح الهاء - وتأنيثه، [[وحدان جمع واحد: ويعني أفراده. وقوله"وتأنيثه" معطوف على قوله"تذكير كل فعل".]] كما قال الله تعالى في نظيره في التذكير: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] ، فذكر"المنقعر" وهو من صفة النخل، لتذكير لفظ"النخل" - وقال في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ، فأنث"الخاوية" وهي من صفة"النخل" - بمعنى النخل. [[السياق: "فأنث (الخاوية) . . بمعنى النخل"، يعني أنثها من أجل معناه وهو جمع مؤنث، ولم يذكره من أجل لفظه، وهو مذكر.]] لأنها وإن كانت في لفظ الواحد المذكر -على ما وصفنا قبل- فهي جماع"نخلة".

* *

وكان بعضهم يتلوه: ﴿إن البقر تشَّابهُ علينا﴾ ، بتشديد الشين وضم الهاء، فيؤنث الفعل بمعنى تأنيث"البقر"، كما قال: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ ، ويدخل في أول"تشابه" تاء تدل على تأنيثها، ثم تدغم التاء الثانية في"شين""تشابه" لتقارب مخرجها ومخرج"الشين" فتصير"شينا" مشددة، وترفع"الهاء" بالاستقبال والسلامة من الجوازم والنواصب.

* *

وكان بعضهم يتلوه: ﴿إن البقر تشَّابهُ علينا﴾ ، فيخرج"يشابه" مخرج الخبر عن الذكر، لما ذكرنا من العلة في قراءة من قرأ ذلك: ﴿تشابه﴾ بالتخفيف ونصب"الهاء"، غير أنه كان يرفعه ب"الياء" التي يحدثها في أول"تشابه" التي تأتي بمعنى الاستقبال، وتدغم"التاء" في"الشين" كما فعله القارئ في"تشابه" ب"التاء" والتشديد.

* *

قال ابو جعفر: والصواب في ذلك من القراءة عندنا: ﴿إن البقر تَشَابَهَ علينا﴾ ، بتخفيف"شين""تشابه" ونصب"هائه"، بمعنى"تفاعل"، لإجماع الحجة من القراء على تصويب ذلك، ودفعهم ما سواه من القراءات. [[في المطبوعة: "ورفعهم"، والصواب ما أثبته.]] ولا يعترض على الحجة بقول من يَجُوز عليه فيما نقل السهو والغفلة والخطأ.

* *

وأما قوله: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ ، فإنهم عنوا: وإنا إن شاء الله لمبين لنا ما التبس علينا وتشابه من أمر البقرة التي أمرنا بذبحها. ومعنى"اهتدائهم" في هذا الموضع معنى:"تبينهم" أي ذلك الذي لزمهم ذبحه مما سواه من أجناس البقر. [[يعني أن ذلك من قولهم: هداه، أي بين له، ومنه قوله تعالى: "وأما ثمود فهد يناهم"، أي بينا لهم طريق الهدى.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: قال موسى: إن الله يقول إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول.

ويعني بقوله: ﴿لا ذلول﴾ ، أي لم يذللها العمل. فمعنى الآية: إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض بأظلافها، ولا سُنِيَ عليها الماء فيُسقى عليها الزرع. [[سنت الناقة تسنو، وسنا الرجل يسنو سنوا وسناية: إذا سقى الأرض. والسانية: هي الناضحة، وهي الناقة أو غيرها مما يسقى عليها الزرع، والجمع: السواني.]] كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل:"دابة ذلول بينة الذِّل" بكسر الذال. [[الذل: اللين، ضد الصعوبة.]] ويقال في مثله من بني آدم:"رجل ذليل بين الذِّل والذلة".

١٢٤٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ، يقول: صعبة لم يذلها عمل، ﴿تثير الأرض، ولا تسقي الحرث﴾ .

١٢٤٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض﴾ ، يقول: بقرة ليست بذلول يزرع عليها، وليست تسقي الحرث.

١٢٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ، أي لم يذللها العمل. ﴿تثير الأرض﴾ يعني: ليست بذلول فتثير الأرض. ﴿ولا تسقي الحرث﴾ يقول: ولا تعمل في الحرث.

١٢٥١ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ يقول: لم يذلها العمل، ﴿تثير الأرض﴾ يقول: تثير الأرض بأظلافها، [[في المطبوعة: "تبين الأرض"، وهو تصحيف.]] ﴿ولا تسقي الحرث﴾ ، يقول: لا تعمل في الحرث.

١٢٥٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال الأعرج، قال مجاهد، قوله: ﴿لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث﴾ ، يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك.

١٢٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

* *

قال أبو جعفر: ويعني بقوله: ﴿تثير الأرض﴾ ، تقلب الأرض للحرث. يقال منه:"أثرت الأرض أثيرها إثارة"، إذا قلبتها للزرع. وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة، لأنها كانت -فيما قيل- وَحشِيّة.

١٢٥٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن قال: كانت وحشية. [[الأثر: ١٢٥٤ - سلف قريبا برقم: ١٢٢١.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾

قال أبو جعفر: ومعنى "مسلمة" "مفعلة" من "السلامة". يقال منه: " سُلِّمت تسلم فهي مسلمة.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه. فقال مجاهد بما:-

١٢٥٥ - حدثنا به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"مسلمة"، يقول: مسلمة من الشية، و ﴿لا شية فيها﴾ ، لا بياض فيها ولا سواد.

١٢٥٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٢٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿مسلمة﴾ ، قال: مسلمة من الشية، ﴿لا شية فيها﴾ لا بياض فيها ولا سواد.

* *

وقال آخرون: مسلمة من العيوب.

ذكر من قال ذلك:

١٢٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مسلمة لا شية فيها﴾ ، أي مسلمة من العيوب.

١٢٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿مسلمة﴾ ، يقول: لا عيب فيها.

١٢٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿مسلمة﴾ ، يعني مسلمة من العيوب.

١٢٦١ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله.

١٢٦٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: ﴿مسلمة﴾ ، لا عَوَارَ فيها. [[العوار (بفتح العين، وتضم) : العيب.]]

* *

قال أبو جعفر: والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك، أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد. لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله: ﴿مسلمة﴾ مُكْتَفًى عن قوله: ﴿لا شية فيها﴾ . وفي قوله: ﴿لا شية فيها﴾ ، ما يوضح عن أن معنى قوله: ﴿مُسَلَّمة﴾ ، غير معنى قوله: ﴿لا شية فيها﴾ ، وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إنه يقول: إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة، ولا السنو عليها للمزارع، [[انظر ما سلف في هذا الجزء: ٢١١ تعليق: ١.]] وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿لا شية فيها﴾ ، لا لون فيها يخالف لون جلدها. وأصله من "وشي الثوب"، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته، [[السدَى: الأسفل من الثوب، واللُّحمة: الأعلى منه يداخل السدَى.]] يقال منه:"وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا"، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره:"واش"، لكذبه عليه عنده، وتحسينه كذبه بالأباطيل. يقال منه:"وشيت به إلى السلطان وشاية". ومنه قول كعب بن زهير:

تسعى الوشاة جَنَابَيْها وقولهُمُ ... إنك يا ابن أبي سُلمى لمقتول [[ديوانه: ١٩، وسيرة ابن هشام ٤: ١٥٣، والروض الأنف ٢: ٣١٤، والفائق (قحل) ورواية الديوان "بجنبيها" ورواية ابن هشام: "تسعى الغواة". وقوله: "جنابيها". والجناب: الناحية، ويريد ناحية الجنب. يقال: "جنبيه، وجانبيه، وجنابيه،. والضمير في قوله: "جنابيها" لناقته التي ذكرها قبل. وقوله: "وقولهم: إنك. . "، حال، أي: وهم يقولون، والمعنى يكثرون القول عليه: إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول، كأنهم لا يقولون غير ذلك، ترهيبا له وتخويفا.]]

و"الوشاة جمع واش"، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي ﷺ قتله.

وقد زعم بعض أهل العربية أن"الوشي"، العلامة. وذلك لا معنى له، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام. لأنه معلوم أن القائل:"وشيت بفلان إلى فلان" غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة.

وإنما قيل: ﴿لا شية فيها﴾ وهي من"وشيت"، لأن"الواو" لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها"الهاء" في آخرها. كما قيل: "وزنته زنة" و "وسن سِنة" [[في المطبوعة: " ووسيته سية"، وهو كلام لا أصل له، وكأنه مصحف ما أثبت.]] و"وعدته عِدة" و"وديته دِية".

* *

وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿لا شية فيها﴾ ، قال أهل التأويل:

١٢٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿لا شية فيها﴾ ، أي لا بياض فيها.

١٢٦٤ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

١٢٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿لا شية فيها﴾ ، يقول: لا بياض فيها.

١٢٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا شية فيها﴾ أي لا بياض فيها ولا سواد.

١٢٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٢٦٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿لا شية فيها﴾ ، قال: لونها واحد، ليس فيها سوى لونها.

١٢٦٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿لا شية فيها﴾ ، من بياض ولا سواد ولا حمرة.

١٢٧٠ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿لا شية فيها﴾ ، هي صفراء، ليس فيها بياض ولا سواد.

١٢٧١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لا شية فيها﴾ ، يقول: لا بياض فيها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ . فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بينت لنا الحق فتبيناه، وعرفنا أية بقرة عنيت. [[في المطبوعة: "فتبيناه وعرفناه أنه بقرة عينت"، تصحيف وتحريف، وهو فاسد جدا. مضى في ص" ٢٠٩ نقض الطبري لقول من زعم أنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها. فسألوه أن يصفها لهم ليعرفوها، وسمى قائل ذلك: جاهلا، وشفى في بيان جهله، فلو كان الله تعالى"عينها" لهم، لبين لهم ما عين، إذا أمر بذبحها.]] وممن قال ذلك قتادة:

١٢٧٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ ، أي الآن بينت لنا.

* *

وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك. وممن روي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد:

١٢٧٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اضطروا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها، وهي صفراء ليس فيها سواد ولا بياض، فقالوا: هذه بقرة فلان: ﴿الآن جئت بالحق﴾ ، وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق. [[الأثر: ١٢٧٣ - بعض الأثر: ١٢٤٧، وهنا زيادة عليه من تمامه.]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندنا بقوله: ﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ ، قول قتادة. وهو أن تأويله: الآن بينت لنا الحق في أمر البقر، فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها. [[في المطبوعة: "الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها"، و"البقرة"و"أنها" تصحيف وتحريف، يفسد معنى ما قال الطبري ىنفا ص: ٢٠٩، وما سيأتي بعد هذه الجملة. وانظر التعليق السالف رقم: ١.]] لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد قيلهم هذا. مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها، فقال: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ، وإن كانوا قد قالوا - بقولهم: الآن بينت لنا الحق - هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلا من الأمر. وذلك أن نبي الله موسى ﷺ كان مبينا لهم - في كل مسألة سألوها إياه، ورد رادوه في أمر البقر - [[السياق: "كان مبينا لهم. . الحق"، ما بينهما فصل، كعادته في الفصل.]] الحق. وإنما يقال:"الآن بينت لنا الحق" لمن لم يكن مبينا قبل ذلك، فأما من كان كل قيله -فيما أبان عن الله تعالى ذكره- حقا وبيانا، فغير جائز أن يقال له = في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه، وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم: ﴿الآن جئت بالحق﴾ ، كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك!

* *

وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: ﴿الآن جئت بالحق﴾ ، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر.

وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿فذبحوها﴾ ، فذبح قوم موسى البقرة، التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها.

ويعني بقوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ ، أي: قاربوا أن يَدَعوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك. فقال بعضهم: ذلك السبب كان غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها، وبينت لهم صفتها.

ذكر من قال ذلك:

١٢٧٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ قال: لغلاء ثمنها.

١٢٧٥ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي قال، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ، قال: من كثرة قيمتها. [[الخبر: ١٢٧٥ - محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي، شيخ الطبري: ثقة، روى عنه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم. مترجم في التهذيب، ولم أجد له ترجمة في غيره. عبد العزيز ابن الخطاب الكوفي أبو الحسن: ثقة، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ /٣٨١. أبو معشر: هو نجيح - بفتح النون - بن عبد الرحمن السندي - بكسر السين - المدني، وهو ضعيف. البخاري في الكبير ٤ / ٢ /١١٤، وقال: "منكر الحديث" وابن أبي حاتم ٤ /١ / ٤٩٥. محمد بن كعب القرظي: تابعي ثقة معروف.]]

١٢٧٦ - حدثنا القاسم قال، أخبرنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - في حديث فيه طول، ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض - قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ، لكثرة الثمن، أخذوها بملء مسكها ذهبا من مال المقتول، [[المسك (بفتح فسكون) : جلد البقرة وغيرها من الحيوان.]] فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها.

١٢٧٧ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ، يقول: كادوا لا يفعلون، ولم يكن الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها: وكل شيء في القرآن"كاد" أو"كادوا" أو"لو"، فإنه لا يكون. وهو مثل قوله: ﴿أكاد أخفيها﴾ [طه: ٢٠]

* *

وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن أطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من التأويل عندنا، أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة، للخلتين كلتيهما: إحداهما غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها؛ والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله.

* *

فأما غلاء ثمنها، فإنه قد روي لنا فيه ضروب من الروايات.

١٢٧٨ - فحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها.

١٢٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير.

١٢٨٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فباعها بملء جلدها ذهبا.

١٢٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثني خالد بن يزيد، عن مجاهد قال: أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبا فباعها منهم.

١٢٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل، بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: اشتروها منه على أن يملئوا له جلدها دنانير، ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير، ثم دفعوها إليه.

١٢٨٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي [[في المطبوعة: محمد بن سعيد قال حدثني أبي قال حدثني يحيى"، وهذا خطأ، والصواب ما أثبته. وقد مضى الكلام على هذا الإسناد في ١: ٢٦٣ - ٢٦٤، وهو كثير الدوران في تفسير الطبري"، وسيأتي بعد في رقم: ١٢٩٠على الصواب.]] قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: وجدوها عند رجل يزعم أنه ليس بائعها بمال أبدا، فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخوا له مسكها فيملئوه له دنانير، فرضي به فأعطاهم إياها.

١٢٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: لم يجدوها إلا عند عجوز، وإنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: أعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها.

١٢٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عَبيدة قال: لم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد، فباعها بوزنها ذهبا، أو ملء مسكها ذهبا - فذبحوها.

١٢٨٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني قال: وجدوا البقرة عند رجل، فقال: إني لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فاشتروها بملء جلدها ذهبا.

١٢٨٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملئوا له مسكها - وهو جلدها - ذهبا.

* *

وأما صغر خطرها وقلة قيمتها، فإن الحسن بن يحيى:-

١٢٨٨ - حدثنا قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة قال، حدثني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.

وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة على أنفسهم، فإن وهب بن منبه كان يقول: إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة، إنما قالوا لموسى: ﴿أتتخذنا هزوا﴾ ، لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها.

١٢٨٩ - حدثت بذلك عن إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.

وكان ابن عباس يقول: إن القوم، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق.

١٢٩٠ - حدثني بذلك محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثتي أبي عن أبيه، عن ابن عباس.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإذ قتلتم نفسا﴾ ، واذكروا يا بني إسرائيل إذ قتلتم نفسا. و"النفس" التي قتلوها، هي النفس التي ذكرنا قصتها في تأويل قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ .

* *

وقوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، يعني فاختلفتم وتنازعتم. وإنما هو"فتدارأتم فيها" على مثال"تفاعلتم"، من الدرء. و"الدرء": العوج، ومنه قول أبي النجم العجلي:

خشية ضَغّام إذا هم جَسَر ... يأكل ذا الدرء ويقصي من حقر [[لم أجد البيت في مكان، وكان في المطبوعة. خشية طغام إذا هم حسر ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وهو كلام مختل. والضغام من الضغم: وهو أن يملأ فمه مما أهوى إليه. وجسر جسورا وجسارة مضى ونفذ من شدة إقدامه.]]

يعني: ذا العوج والعسر. ومنه قول رؤبة بن العجاج:

أدركتها قدام كل مِدْرَهِ ... بالدفع عني درء كل عُنْجُهِ [[ديوانه: ١٦٦ من قصيدة يصف بها نفسه. والضمير في قوله: "أدركتها" إلى ما سبق في رجزه. وَحقّةٍ ليست بقول التره

وقوله: "حقة"، يعني خصومة أو منافرة أو مفاخرة، أو ما أشبه ذلك. والمدره: هو المدافع الذي يقدم عند الخصومة، بلسان أو يد. والعنجه والعنجهي: ذو الكبر والعظمة حتى كاد يبلغ الجهل والحمق ومنه العنجهية.]] ومنه الخبر الذي:-

١٢٩١ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن السائب قال: جاءني عثمان وزهير ابنا أمية، فاستأذنا لي على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ:"أنا أعلم به منكما، ألم تكن شريكي في الجاهلية؟ قلت: نعم، بأبي أنت وأمي، فنعم الشريك كنت لا تماري ولا تداري". [[الحديث: ١٢٩١ - في هذا الإسناد ضعف، وفي الحديث نفسه اضطراب، كما سيأتي: أبو كريب: هو محمد بن العلاء بن كريب الحافظ، ثقة كبير، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، روى عنه الطبري كثيرا. مات سنة ٢٤٨. مصعب بن المقدام الخثعمي: ثقة، وضعفه بعضهم، وأخرج له مسلم في صحيحه، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ / ٣٥٤، وابن أبي حاتم ٤ /١ / ٣٠٨. إسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة حافظ معروف. إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي: ثقة، تكلم فيه بغير حجة، وأخرج له مسلم. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ / ١ / ٣٢٨، وصرح بأنه سمع مجاهدا، وابن أبي حاتم ١ /١ / ١٣٢ - ١٣٣. السائب: صحابي - كما هو ظاهر من هذا الحديث وغيره، واختلف فيه كثيرا، فقيل: "السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ. . "، وقيل: "السائب بن عبد الله المخزومي"، بل قيل أيضًا: "قيس بن السائب"! والذي جزم به البخاري في الكبير ٢ / ٢ / ١٥٢ واقتصر عليه: "السائب بن أبي السائب القرشي المكي، له صحبة". وكذلك صنع ابن أبي حاتم ٢ /١ / ٢٤٢، وقال: "منهم من يقول: له صحبة، ومنهم من يقول: لأبيه صحبة. روى عنه مجاهد. يقال: "إنه مولى مجاهد من فوق". وفي الإصابة ٣: ٦٠ نقلا عن ابن أبي شيبة، أنه روى من طريق يونس بن خباب عن مجاهد: "كنت أقود السائب، فيقول لي: يا مجاهد. . ". ولو صح هذا لثبت اتصال الإسناد، لكن يونس بن خباب ضعيف.

والحديث روى أحمد في المسند: ١٥٥٦٦ (٣: ٤٢٥ حلبي) نحو معناه، بزيادة ونقص، عن أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، "عن السائب بن عبد الله"، ثم روى بعده مثله، بمعناه، مطولا ومختصرا، من طرق، وفي بعضها" عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب".

وروى أبو داود: ٤٨٣٦، نحوه، من طريق الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب وقال المنذري في تهذيب السنن: ٤٦٦٩"وأخرجه النسائي وابن ماجه. . وهذا الحديث قد اختلف في إسناده اختلافا كثيرا. وذكر ابو عمر يوسف بن عبد البر النمري: أن هذا الحديث مضطرب جدا. . وهذا الاضطراب لا تقوم به حجة".

وقد وقع في متن الحديث هنا خطأ، لا ندري: أهو من الرواية، أم من الناسخين. وذلك قوله"جاءني عثمان وزهير ابنا أمية". فلا يوجد في الصحابة من يسمي بهذا ولا بذاك. والصواب ما في رواية المسند: ١٥٥٦٦"جاء بي عثمان بن عفان، وزهير". وزهير: هو ابن أبي أمية، أخو أم سلمة، أم المؤمنين، وهي بنت أبي أمية. كما بين ذلك في الإصابة ٣: ١٣ - ١٤، إذ قال: "وروى ابن منده من طريق مجاهد، عن السائب شريك رسول الله ﷺ قال: ذهب بي عثمان، وزهير بن أبي أمية. . "

وانظر نسب قريش للمصعب، ص: ٣٣٣. حيث جزم بأن"السائب بن أبي السائب صيفي" قتل يوم بدر كافرا؛ وانظر أيضًا الإشارة إلى أصل القصة في الإصابة ٣: ١٣ - ١٤، ٦٠، و ٤: ٧٤، و٥: ٢٥٣ - ٢٥٤. والموضوع لا يزال محتاجا إلى تحقيق وبحث.]] يعني بقوله:"لا تداري، لا تخالف رفيقك وشريكك ولا تنازعه ولا تشارُّه.

* *

وإنما أصل ﴿فادارأتم﴾ ، فتدارأتم، ولكن التاء قريبة من مخرج الدال - وذلك أن مخرج التاء من طرف اللسان وأصول الشفتين، ومخرج الدال من طرف اللسان وأطراف الثنيتين - فأدغمت التاء في الدال، فجعلت دالا مشددة كما قال الشاعر:

تولي الضجيع إذا ما استافها خَصِرا ... عذب المذاق إذا ما اتّابعَ القُبَل [[لم أعرف قائله، وسيأتي في ١٠: ٩٤ (بولاق) ، وفي المطبوعة هنا"اشتاقها" وهو خطأ والصحيح ما أثبته من هناك. وساف الشيء يسوفه سوفا واستافه: دنا منه وشمه. واستعاره للقبلة، كما استعاروا الشم للقبلة، لأن دنو الأنف يسبق ما أراد المريد. قال الراعي يصف ما يصف من القبلة يثني مُساوفها غضروف أرنبة ... شماء، من رخصة في جيدها غيد

قال الزمخشري: "ساوفتها" ضاجعتها، ولكنه في البيت: الذي يُقبِّل.]]

يريد إذا ما تتابع القبل، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى. فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها، وذلك إذا كان قبله شيء، لأن الإدغام لا يكون إلا وقبله شيء، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨] ، إنما هو"تداركوا"، ولكن التاء منها أدغمت في الدال، فصارت دالا مشددة، وجعلت فيها ألف -إذ وصلت بكلام قبلها ليسلم الإدغام. وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله، وابتدئ به، قيل: تداركوا وتثاقلوا، فأظهروا الإدغام. وقد قيل يقال:"اداركوا، وادارءوا".

وقد قيل إن معنى قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، فتدافعتم فيها. من قول القائل:"درأت هذا الأمر عني"، ومن قول الله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور: ٨] ، بمعنى يدفع عنها العذاب. وهذا قول قريب المعنى من القول الأول. لأن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله، كما قد بينا قبل قيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر ما سلف رقم: ١١٧٢، ١١٨٠.]] وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ قال أهل التأويل.

١٢٩٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، قال: اختلفتم فيها.

١٢٩٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٢٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾ قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال الآخرون: أنتم قتلتموه.

١٢٩٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿فادارأتم فيها﴾ ، قال: اختلفتم، وهو التنازع، تنازعوا فيه. قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه. وقال هؤلاء: لا.

* *

وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها كما:-

١٢٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل، قتله رجل فألقاه على باب ناس آخرين، فجاء أولياء المقتول فادعوا دمه عندهم، فانتفوا -أو انتفلوا- منه. شك أبو عاصم. [[انتفل من الشيء: انتفى منه وتبرأ، وأنكر أن يكون فعله أو عرفه وفي حديث ابن عمر: "إن فلانا انتفل من ولده" أي تبرأ منه.]]

١٢٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بمثله سواء - إلا أنه قال: فادعوا دمه عندهم فانتفوا -ولم يشك- منه. [[في المطبوعة: "ولم يشك فيه"، وهو خطأ وتصحيف. "لم يشك" فاصلة بين الفعل وحرفه.]]

١٢٩٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قتيل كان في بني إسرائيل. فقذف كل سبط منهم [سبطا به] ، [[الزيادة بين القوسين، لا بد منها ليستقيم معناه، وأخشى أن يكون في الأصول تحريف لم أعثر على صوابه.]] حتى تفاقم بينهم الشر، حتى ترافعوا في ذلك إلى نبي الله ﷺ. فأوحى الله إلى موسى: أن اذبح بقرة فاضربه ببعضها. فذكر لنا أن وليه الذي كان يطلب بدمه هو الذي قتله، من أجل ميراث كان بينهم.

١٢٩٩- حدثني ابن سعد قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في شأن البقرة. وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته. فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله! وإنه لما تطاول عليهم أن لا يموت عمهم، أتاهم الشيطان، فقال: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته؟ - وذلك أنهما كانتا مدينتين، كانوا في إحداهما، فكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين، قيس ما بين القتيل وما بين المدينتين، فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية - وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم، عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة، جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا. وأنهم عمدوا إلى موسى، فلما أتوا قال بنو أخي الشيخ: عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم. وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا. وأن جبريل جاء بأمر ربنا السميع العليم إلى موسى، فقال: قل لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها.

١٣٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا حسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد - وحجاج عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: إن سبطا من بني إسرائيل، لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه، وإذا أصبحوا قام رئيسهم فنظر وتشرف، [[تشرف الشيء واسشرفه: وضع يده على حاجبه كالذي يستظل من الشمس، حتى يبصره ويستبينه.]] فإذا لم ير شيئا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا. وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير ابن أخيه، فطال عليه حياته، فقتله ليرثه، ثم حمله فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه. قال: فتشرف رئيس المدينة على باب المدينة، فنظر فلم ير شيئا. ففتح الباب، فلما رأى القتيل رد الباب: فناداه ابن أخي المقتول وأصحابه: هيهات! قتلتموه ثم تردون الباب؟ وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في أصحابه بني إسرائيل، [[لعل الصواب: "كثر في أصحابه".]] كان إذا رأى القتيل بين ظهري القوم. أخذهم. فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال، حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض. فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، فقالوا: يا رسول الله، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله، قد عرفت اعتزالنا الشرور، وبنينا مدينة -كما رأيت- نعتزل شرور الناس، ما قتلنا ولا علمنا قاتلا. فأوحى الله تعالى ذكره إليه: أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

١٣٠١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم وله مال كثير، فقتله ابن أخ له، فجره فألقاه على باب ناس آخرين.

ثم أصبحوا، فادعاه عليهم، حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يقتتلوا، فقال، ذوو النهي منهم: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟ فأمسكوا حتى أتوا موسى، فقصوا عليه القصة، فأمرهم أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها، فقالوا: أتتخذنا هزوا؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.

١٣٠٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قتيل من بني إسرائيل، طرح في سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك السبط إلى ذلك السبط فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا. فقالوا: لا والله. فأتوا إلى موسى فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبي الله، طرح علينا. فقال لهم موسى ﷺ: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

* *

قال أبو جعفر: فكان اختلافهم وتنازعهم وخصامهم بينهم - في أمر القتيل الذي ذكرنا أمره، على ما روينا من علمائنا من أهل التأويل - هو"الدرء" الذي قال الله جل ثناؤه لذريتهم وبقايا أولادهم: ﴿فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) ﴾

قال أبو جعفر: ويعني بقوله: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ، والله معلن ما كنتم تسرونه من قتل القتيل الذي قتلتم، ثم ادارأتم فيه.

* *

ومعنى"الإخراج" -في هذا الموضع- الإظهار والإعلان لمن خفي ذلك عنه، وإطلاعهم عليه، كما قال الله تعالى ذكره: ﴿أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] يعني بذلك: يظهره ويطلعه من مخبئه بعد خفائه.

* *

والذي كانوا يكتمونه فأخرجه، هو قتل القاتل القتيل. لما كتم ذلك القاتل ومن علمه ممن شايعه على ذلك، [["ذلك" في قوله: "لما كتم ذلك" مفعول، هو كناية عن قوله: "هو قتل القاتل القتيل".]] حتى أظهره الله وأخرجه، فأعلن أمره لمن لا يعلم أمره.

* *

وعَنَى جل ذكره بقوله: ﴿تكتمون﴾ ، تسرون وتغيبون، كما:

١٣٠٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾ ، قال: تغيبون.

١٣٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ما كنتم تكتمون﴾ ، ما كنتم تغيبون.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: فقلنا لقوم موسى الذين ادارءوا في القتيل [[في المطبوعة: ". . بقوله فقلنا لقوم موسى"، والصواب زيادة لفظ الآية، كما فعلت.]] - الذي قد تقدم وصفنا أمره -: اضربوا القتيل. و"الهاء" التي في قوله: ﴿اضربوه﴾ من ذكر القتيل؛ ﴿ببعضها﴾ أي: ببعض البقرة التي أمرهم الله بذبحها فذبحوها.

* *

ثم اختلف العلماء في البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وأي عضو كان ذلك منها. فقال بعضهم: ضرب بفخذ البقرة القتيل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٠٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ضرب بفخذ البقرة فقام حيا، فقال: قتلني فلان. ثم عاد في ميتته.

١٣٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: ضرب بفخذ البقرة، ثم ذكر مثله.

١٣٠٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ، قال: بفخذها، فلما ضرب بها عاش، وقال: قتلني فلان. ثم عاد إلى حاله. [[الخبر: ١٣٠٧ - النضر بن عربي الباهلي: ثقة من أتباع التابعين، وثقه ابن معين وغيره، مات سنة ١٦٨، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ /٨٩، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٧٥.]]

١٣٠٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن خالد بن يزيد، عن مجاهد قال: ضرب بفخذها الرجل، فقام حيا فقال: قتلني فلان. ثم عاد في ميتته.

١٣٠٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا المقتول ببعض لحمها -وقال معمر، عن قتادة -: ضربوه بلحم الفخذ فعاش، فقال: قتلني فلان.

١٣١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها، فأحياه الله فأنبأ بقاتله الذي قتله، وتكلم ثم مات.

* *

وقال آخرون: الذي ضرب به منها، هو البضعة التي بين الكتفين. [[البضعة: القطعة من اللحم، قولهم: بضع اللحم: قطعه.]]

ذكر من قال ذلك:

١٣١١ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي.

وقال آخرون: الذي أمروا أن يضربوه به منها، عظم من عظامها.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: أمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل. ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتا كما كان. فأخذ قاتله، وهو الذي أتى موسى فشكا إليه، فقتله الله على أسوأ عمله.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣١٣ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ضربوا الميت ببعض آرابها فإذا هو قاعد - [[آراب جمع إرب (بكسر فسكون) : وهو العضو، يقال: قطعه إربا إربا، أي عضوا عضوا.]] قالوا: من قتلك؟ قال: ابن أخي. قال: وكان قتله وطرحه على ذلك السبط، أراد أن يأخذ ديته.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل قوله عندنا: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾ ، أن يقال: أمرهم الله جل ثناؤه أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب. ولا دلالة في الآية، ولا [في] خبر تقوم به حجة، [[الزيادة بين القوسين، أولى من حذفها.]] على أي أبعاضها التي أمر القوم أن يضربوا القتيل به. وجائز أن يكون الذي أمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذنب وغضروف الكتف، وغير ذلك من أبعاضها. ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل، ولا ينفع العلم به، مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كان معنى الأمر بضرب القتيل ببعضها؟ قيل: ليحيا فينبئ نبي الله موسى ﷺ والذين ادارءوا فيه - من قاتله.

فإن قال قائل: وأين الخبر عن أن الله جل ثناؤه أمرهم بذلك لذلك؟ قيل: ترك ذلك اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام الدال عليه - نحو الذي ذكرنا من نظائر ذلك فيما مضى. ومعنى الكلام: فقلنا: اضربوه ببعضها ليحيا، فضربوه فحيي - كما قال جل ثناؤه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] ، والمعنى: فضرب فانفلق - دل على ذلك قوله: [[في المطبوعة: "يدل على ذلك قوله. . "، وليست بشيء.]] ﴿كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾

قال أبو جعفر: وقوله: ﴿كذلك يحيى الله الموتى﴾ ، مخاطبة من الله عباده المؤمنين، واحتجاج منه على المشركين المكذبين بالبعث، وأمرهم بالاعتبار بما كان منه جل ثناؤه من إحياء قتيل بني إسرائيل بعد مماته في الدنيا. فقال لهم تعالى ذكره: أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، اعتبروا بإحيائي هذا القتيل بعد مماته، فإني كما أحييته في الدنيا، فكذلك أحيي الموتى بعد مماتهم، فأبعثهم يوم البعث.

وإنما احتج جل ذكره بذلك على مشركي العرب، [[في المطبوعة: "فإنما احتج. . "، والفاء ليست بشيء هنا.]] وهم قوم أميون لا كتاب لهم، لأن الذين كانوا يعلمون علم ذلك من بني إسرائيل كانوا بين أظهرهم، وفيهم نزلت هذه الآيات، فأخبرهم جل ذكره بذلك، ليتعرفوا علم من قِبَلَهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ذكره: ويريكم الله أيها الكافرون المكذبون بمحمد ﷺ، وبما جاء به من عند الله - من آياته = وآياته: أعلامه وحججه الدالة على نبوته = [[انظر ما سلف ١: ٥٥٢، وهذا الجزء ٢: ١٣٩.]] لتعقلوا وتفهموا أنه محق صادق، فتؤمنوا به وتتبعوه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك كفار بني إسرائيل، وهم -فيما ذكر- بنو أخي المقتول، فقال لهم:"ثم قست قلوبكم": أي جفت وغلظت وعست، كما قال الراجز:

وقد قسوت وقسا لداتي [[لم أعرف قائله، وسيأتي في ٦: ٩٩ (بولاق) ، وكان في الأصل هنا"وقسا لدنى"، وهو خطأ. ولداتى جمع لدة، ولدة الرجل: تربه، ولد معه. وقسا هنا بمعنى: أسن وكبر وولي شبابه، وجف عوده. ولم ترد بذلك المعنى في المعاجم.]]

يقال:"قسا" و"عسا" و"عتا" بمعنى واحد، وذلك إذا جفا وغلظ وصلب. يقال: منه: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة وقَساء. [[أنا في شك في ضبطه المصدر الأول من هذه المصادر الأربعة وهو"قسوا"، وتبعت في ضبطه القاموس المحيط، وإن، كان قد ضبط بالقلم، وأخشى أن يكون مصدرا على"فعول" مثل دنا يدنوا دنوا، وسما يسمو سموا.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿من بعد ذلك﴾ ، من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي - ادارءوا في قتله، فأخبرهم بقاتله، وما وبالسبب الذي من أجله قتله، [[في المطبوعة: "وما السبب" وليست بشيء.]] كما قد وصفنا قبل على ما جاءت الآثار والأخبار - وفصل الله تعالى ذكره بخبره بين المحق منهم والمبطل [[سياق العبارة بلا فصل"من بعد أن أحيى المقتول لهم. . وفصل بخبره بين المحق منهم والمبطل".]] . وكانت قساوة قلوبهم التي وصفهم الله بها، أنهم -فيما بلغنا- أنكروا أن يكونوا هم قتلوا القتيل الذي أحياه الله، فأخبر بني إسرائيل بأنهم كانوا قتلته، بعد إخباره إياهم بذلك، وبعد ميتته الثانية، كما:-

١٣١٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما ضرب المقتول ببعضها - يعني ببعض البقرة - جلس حيا، فقيل له: من قتلك؟ فقال: بنو أخي قتلوني. ثم قبض فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه! فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه، فقال الله: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ -يعني بني أخي الشيخ- ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ .

١٣١٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ ، يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم،"فهي كالحجارة أو أشد قسوة".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿فهي﴾ :"قلوبكم". يقول: ثم صلبت قلوبكم -بعد إذ رأيتم الحق فتبينتموه وعرفتموه- عن الخضوع له والإذعان لواجب حق الله عليكم، فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة، أو أشد قسوة"، يعني: قلوبهم - عن الإذعان لواجب حق الله عليهم، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم- أشد صلابة من الحجارة. [[كانت هذه الجملة في المطبوعة هكذا: "كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة، أو أشد صلابة، يعني قلوبكم عن الإذعان لواجب حق الله عليهم، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم من الحجارة". وكأنها سهو من الناسخ، فرددته إلى أصله بحمد الله.]]

* *

فإن سأل سائل فقال: وما وجه قوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ، و"أو" عند أهل العربية، إنما تأتي في الكلام لمعنى الشك، والله تعالى جل ذكره غير جائز في خبره الشك؟

قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي توهمته، من أنه شك من الله جل ذكره فيما أخبر عنه، ولكنه خبر منه عن قلوبهم القاسية، أنها - عند عباده الذين هم أصحابها، الذين كذبوا بالحق بعد ما رأوا العظيم من آيات الله - كالحجارة قسوة أو أشد من الحجارة، عندهم وعند من عرف شأنهم.

* *

وقد قال في ذلك جماعة من أهل العربية أقوالا فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب"أو"، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ، وكقول الله جل ذكره: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] [الإبهام على من خاطبه] [[اللسان (سكن) . غاله الشيء يغوله: ذهب به فلم تدر أين هو وأجن: ستر وأخفى.]] فهو عالم أي ذلك كان. قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام، استظهرته من قوله بعد: "ولكنه أبهم على المخاطب"، ومن تفسير ابن كثير ١: ٢٠٩، ٢١٠.]] وهو عالم أي ذلك أكل، ولكنه أبهم على المخاطب، كما قال أبو الأسود الدؤلي:

أحب محمدا حبا شديدا ... وعباسا وحمزة والوصيا [[ديوانه: ٣٢ (من نفائس المخطوطات) ، والأغاني ١١: ١١٣، وإنباه الرواة ١: ١٧، وسيأتي البيت الثاني وحده في ٢٢: ٦٥ (بولاق) ورواية الديوان: "وفيهم أسوة إن كان غيا".]]

فإن يك حبهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيا

قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى - رَشَد، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت! فقال: كلا والله! ثم انتزع بقول الله عز وجل: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ ، فقال: أَوَ كان شاكا -من أخبر بهذا- في الهادي من الضلال. [[قوله"في الهادي من الضلال" يعني نبيه ﷺ. وعبارة الأغاني: أفترى الله عز وجل شك في نبيه".]]

* *

وقال بعضهم: ذلك كقول القائل:"ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا"، وقد أطعمه النوعين جميعا. فقالوا: فقائل ذلك لم يكن شاكا أنه قد أطعم صاحبه الحلو والحامض كليهما، ولكنه أراد الخبر عما أطعمه إياه أنه لم يخرج عن هذين النوعين. قالوا: فكذلك قوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ، إنما معناه: فقلوبهم لا تخرج من أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثلا للحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة. ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة.

وقال بعضهم:"أو" في قوله: ﴿أو أشد قسوة﴾ ، بمعنى، وأشد قسوة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [الإنسان: ٢٤] بمعنى: وكفورا، وكما قال جرير بن عطية:

نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر [[سلف هذا البيت وتخريجه في ١: ٣٣٧.]]

يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرا، وكما قال النابغة:

قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد [[ديوانه: ٣٢، وروايته هناك"ونصفه". وهو من قصيدته المشهورة التي يعتذر فيها إلى النعمان. والضمير في قوله: "قالت" إلى"فتاة الحي، المذكورة في شعر قبله، وهي زرقاء اليمامة. وهو خبر مشهور، لا نطيل بذكره.]]

يريد. ونصفه

* *

وقال آخرون:"أو" في هذا الموضع بمعنى"بل"، فكان تأويله عندهم: فهي كالحجارة بل أشد قسوة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ، بمعنى: بل يزيدون.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: فهي كالحجارة، أو أشد قسوة عندكم.

* *

قال أبو جعفر: ولكل مما قيل من هذه الأقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب. غير أن أعجب الأقوال إلي في ذلك ما قلناه أولا ثم القول الذي ذكرناه عمن وجه ذلك إلى أنه بمعنى: فهي أوجه في القسوة: إما أن تكون كالحجارة، أو أشد، [[في المطبوعة: "فهي أوجه في القسوة من أن تكون كالحجارة أو أشد"، واستظهرت تصويبه مما مضى آنفًا، ومن تأويله بعد، فوضعت"إما" مكان"من".]] على تأويل أن منها كالحجارة، ومنها أشد قسوة. لأن"أو"، وإن استعملت في أماكن من أماكن"الواو" حتى يلتبس معناها ومعنى"الواو"، لتقارب معنييهما في بعض تلك الأماكن - [[انظر ما سلف في ١: ٣٢٧ - ٣٢٨.]] فإن أصلها أن تأتي بمعنى أحد الاثنين. فتوجيهها إلى أصلها - ما وجدنا إلى ذلك سبيلا [[في المطبوعة: "من وجد إلى ذلك سبيلا". وهو خطأ.]] أعجب إلي من إخراجها عن أصلها، ومعناها المعروف لها.

* *

قال أبو جعفر: وأما الرفع في قوله: ﴿أو أشد قسوة﴾ فمن وجهين: أحدهما: أن يكون عطفا على معنى"الكاف" في قوله: ﴿كالحجارة﴾ ، لأن معناها الرفع. وذلك أن معناها معنى"مثل"، [فيكون تأويله] [[زدت ما بين القوسين، ليستقيم الكلام.]] فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.

والوجه الآخر: أن يكون مرفوعا، على معنى تكرير"هي" عليه. فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ : وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار، فاستغنى بذكر الأنهار عن ذكر الماء. [[في المطبوعة: "بذكر الماء عن ذكر الأنهار"، وهو خطأ بين.]] وإنما ذكر فقال"منه"، للفظ"ما". [[في المطبوعة: "وإنما ذكر فقيل. . "، وهو لا شيء.]]

* *

و"التفجر":"التفعل" من"تفجر الماء"، [[في المطبوعة: "من: فجر الماء"، وهو خطأ يدل السياق على خلافه، وهو ما أثبت.]] وذلك إذا تنزل خارجا من منبعه. وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه، فقد"انفجر"، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك، ومنه قوله عمر بن لجأ:

ولما أن قرنت إلى جرير ... أبى ذو بطنه إلا انفجارا [[طبقات فحول الشعراء: ٣٦٩، والأغاني ٨: ٧٢، وروايتهما"إلا انحدارا"، وراوية الطبري أعرق في الشعر. وفي المطبوعة"قربت"، وهو خطأ محض. قاله عمر بن لجأا حين أخذهما أبو بكر ابن حزم - بأمر الوليد بن عبد الملك - فقرنهما، وأقامهما على البلس يشهر بهما، فكان التميمي ينشد هذا البيت في هجاء جرير. وقوله: "ذو بطنه"، كناية جيدة عما يشمأز من ذكره.]]

يعني: إلا خروجا وسيلانا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: وإن منها لما يشقق"، وإن من الحجارة لحجارة يشقق. وتشققها: تصدعها. [[أسقط ذكر الآية في المطبوعة، كأنه استطال التكرار؛ وأقمنا الكلام على نهج أبي جعفر وفي المطبوعة: "لحجارة تشقق"، ورددتها إلى الصواب أيضًا.]] وإنما هي: لما يتشقق، ولكن التاء أدغمت في الشين فصارت شينا مشددة.

وقوله: ﴿فيخرج منه الماء﴾ فيكون عينا نابعة وأنهارا جارية.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط - أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح - [[تردى من الجبل ترديا: طاح وسقط.]] من خوف الله وخشيته. وقد دللنا على معنى"الهبوط" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٥٣٤، وهذا الجزء ٢: ١٣٢.]]

* *

قال أبو جعفر: وأدخلت هذه"اللامات" اللواتي في"ما"، توكيدا للخبر.

وإنما وصف الله تعالى ذكره الحجارة بما وصفها به - من أن منها المتفجر منه الأنهار، وأن منها المتشقق بالماء، وأن منها الهابط من خشية الله، بعد الذي جعل منها لقلوب الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل، [[سياق هذه العبارة: جعل منها مثلا لقلوب الذين.]] مثلا - معذرة منه جل ثناؤه لها، [[وسياق هذه الجملة: وإنما وصف الله بما وصفها به. . معذرة منه لها" أي للحجارة، وما بين ذلك فصل كدأب جعفر رحمه الله.]] دون الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها من التكذيب لرسله، والجحود لآياته، بعد الذي أراهم من الآيات والعبر، وعاينوا من عجائب الأدلة والحجج، مع ما أعطاهم تعالى ذكره من صحة العقول، ومن به عليهم من سلامة النفوس التي لم يعطها الحجر والمدر، ثم هو مع ذلك منه ما يتفجر بالأنهار، ومنه ما يتشقق بالماء، ومنه ما يهبط من خشية الله، فأخبر تعالى ذكره أن من الحجارة ما هو ألين من قلوبهم لما يدعون إليه من الحق، كما:-

١٣١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق.

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ ، قال: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فهو من خشية الله عز وجل، نزل بذلك القرآن.

١٣١٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٣١٩ - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم. فقال: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ .

١٣٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أحبرنا معمر، عن قتادة مثله.

١٣٢١ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ثم عذر الله الحجارة فقال: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾ .

١٣٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج أنه قال: فيها كل حجر انفجر منه ماء، أو تشقق عن ماء، أو تردى من جبل، فمن خشية الله. نزل به القرآن.

* *

قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله.

فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله. [[يريد قوله تعالى في سورة النحل: ٤٨ (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) . وانظر تفسير الآية من تفسير الطبري ١٤: ٧٨، ٧٩ (بولاق) .]]

وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه. [[يريد قوله تعالى في سورة الأعراف: ١٤٣: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) .]]

وقال بعضهم: ذلك كان منه ويكون، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم، فعقل طاعة الله فأطاعه.

١٣٢٤ - كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله ﷺ إذا خطب، فلما تحول عنه حن. [[الحديث: ١٣٢٤ - قصة حنين الجذع لرسول الله ﷺ، متواترة صحيحة، لا يشك في صحتها إلا من لا يريد أن يؤمن. وقد عقد الحافظ ابن كثير في التاريخ بابا لذلك ٦: ١٢٥ - ١٣٢ قال في أوله: "باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله ﷺ، وشفقا من فراقه. وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة، بطرق متعددة، تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، ثم ساق من الأحاديث الصحاح من دواوين السنة. وانظر منها في المسند: ٢٢٣٦، ٣٤٣٠ من حديث ابن عباس. و٢٢٣٧، ٣٤٣١، من حديث أنس. و٣٤٣٢ من حديث ابن عباس وأنس. وصحيح البخاري ٦: ٤٤٣ (من الفتح) .]]

١٣٢٥ - وكالذي روي عن النبي ﷺ أنه قال:"إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن". [[الحديث: ١٣٢٥ - روى مسلم في صحيحه ٢: ٢٠٣ - ٢٠٤، عن جابر بن سمرة قال: "قال رسول الله ﷺ: إني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن". وذكره ابن كثير في التاريخ ٦: ١٣٤، من مسند أحمد، ثم نسبه لصحيح مسلم، ومسند الطيالسي.]]

وقال آخرون: بل قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ ولا إرادة له. قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله، كما قال زيد الخيل:

بجمع تضل البلق في حَجَراته ... ترى الأكْمَ منه سجدا للحوافر [[مضى هذا البيت في هذا الجزء: ٢: ١٠٤ وورد هنا"ترى الأكم فيها" والصواب ما أثبته، كما مضى آنفًا، وفي الأضداد لابن الأنباري"منها" مكان"فيها".]]

وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له:

ساجد المنخر لا يرفعه ... خاشع الطرف أصم المستمع [[المفضليات: ٤٠٧، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٧. من قصيدته المحكمة. و"ساجد" منصوب إذ قبله، في ذكر عدوه هذا: ثم ولى وهو لا يحمى استه ... طائر الإتراف عنه قد وقع

وفي الأصل المطبوع: "إذ يرفعه"، وهو خلل في الكلام. وأثبت ما في المفضليات، ورواية ابن الأنباري: "ما يرفعه". . يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا، وألزم الأرض بصره، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له، فهو لا حراك به، مات وهو حي قائم، لا يحير جوابا. ولذلك قال بعده: فر مني هاربا شيطانه ... حيث لا يعطى، ولا شيئا منع]]

يريد أنه ذليل. [[هذه الجملة كانت قبل البيت، فرددتها إلى حيث ينبغي أن ترد.]]

وكما قال جرير بن عطية:

لما أتى خبر الرسول تضعضعت ... سور المدينة والجبال الخشع [[سلف هذا البيت وتخرجه في هذا الجزء ٢: ١٧، وروايته هناك "خبر الزبير"، وهي أصح وأجود.]]

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿يهبط من خشية الله﴾ ، أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل:"ناقة تاجرة"، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية:

وأعور من نبهان، أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير [[سلف هذا البيت وتخريجه في ١: ٣١٧ من طبعتنا هذه، وأغفلت هناك أن أرده إلى هذا الموضع من التفسير، فقيده.]]

فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه، من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به.

* *

وهذه الأقوال، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها. [[ليت من تهور من أهل زماننا، فاجترأ على جعل كتاب ربه منبعا يستقى منه ما يشاء لأهوائه وأهواء أصحاب السلطان - سمع ما يقول أبو جعفر، فيما تجيزه لغة العرب، فكيف بما هو تهجم على كلام ربه بغير علم ولا هدى ولا حجة؟ اللهم إنا نبرأ إليك منهم، ونستعيذ بك أن نضل على آثارهم.]]

* *

وقد دللنا فيما مضى على معنى"الخشية"، وأنها الرهبة والمخافة، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٥٥٩ - ٥٦٠، وهو من تفسير" فارهبون"، ولم ترد مادة (خشي) في القرآن قبل هذا الموضع، فلذلك قطعت بأنه أحال على هذه الآية.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ ، وما الله بغافل -يا معشر المكذبين بآياته، والجاحدين نبوة رسوله محمد ﷺ، والمتقولين عليه الأباطيل من بني إسرائيل وأحبار اليهود- عما تعملون من أعمالكم الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنه محصيها عليكم، فمجازيكم بها في الآخرة، أو معاقبكم بها في الدنيا. [[كانت في المطبوعة"يحصيها،. . فيجازيكم. . أو يعاقبكم" بالياء في أولها جميعا، واستجزت أن أردها إلى الاسمية، لأن الطبري هكذا يقول، وقد سلف مثل ذلك مرارا، ورأيت النساخ تصرفوا فيه كما بيناه في موضعه. فاستأنست بنهجه في بيانه، وهو أبلغ وأقوم.]]

وأصل"الغفلة" عن الشيء، تركه على وجه السهو عنه، والنسيان له.

* *

فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها، بل هو لها محص، ولها حافظ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿أفتطمعون﴾ يا أصحاب محمد، أي: أفترجون يا معشر المؤمنين بمحمد ﷺ، والمصدقين ما جاءكم به من عند الله، أن يؤمن لكم يهود بني إسرائيل؟

* *

ويعني بقوله: ﴿أن يؤمنوا لكم﴾ ، أن يصدقوكم بما جاءكم به نبيكم ﷺ محمد من عند ربكم، كما:-

١٣٢٦ - حُدثت عن عمار بن الحسن، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ ، يعني أصحاب محمد ﷺ،"أن يؤمنوا لكم" يقول: أفتطمعون أن يؤمن لكم اليهود؟.

١٣٢٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ الآية، قال: هم اليهود.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾

قال أبو جعفر: أما"الفريق" فجمع، كالطائفة، لا واحد له من لفظه. وهو"فعيل" من"التفرق" سمي به الجماع، كما سميت الجماعة ب"الحزب"، من"التحزب"، وما أشبه ذلك. ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

أجَدّوا فلما خفت أن يتفرقوا ... فريقين، منهم مُصعِد ومُصوِّب [[ديوانه: ١٣٧، وفي المطبوعة: "أخذوا" خطأ. أجد السير: انكمش فيه وأسرع مصعد: مبتدئ في صعوده إلى نجد والحجاز. ومُصَوِّب منحدر في رجوعه إلى العراق والشام وأشباه ذلك وبعد البيت من تمامه. طلبتهمُ، تَطوى بي البيد جَسْرَة ... شُوَيْقَئةُ النابين وجَناء ذِعْلب]]

يعني بقوله: ﴿منهم﴾ ، من بني إسرائيل. وإنما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعدهم من بني إسرائيل، من اليهود الذين قال الله لأصحاب محمد ﷺ: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ - لأنهم كانوا آباءَهم وأسلافهم، فجعلهم منهم، إذ كانوا عشائرهم وفَرَطهم وأسلافهم، كما يذكر الرجل اليوم الرجل، وقد مضى على منهاج الذاكر وطريقته. وكان من قومه وعشيرته، فيقول:"كان منا فلان"، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٨، ٣٩.]] يعني أنه كان من أهل طريقته أو مذهبه، أو من قومه وعشيرته. فكذلك قوله: ﴿وقد كان فريق منهم﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ . فقال بعضهم بما:-

١٣٢٨ - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ ، فالذين يحرفونه والذين يكتمونه، هم العلماء منهم.

١٣٢٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.

١٣٣٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ ، قال: هي التوراة، حرفوها.

١٣٣١ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ ، قال: التوراة التي أنزلها عليهم، يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراما، والحرام فيها حلالا والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا، إذا جاءهم المحق برِشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برِشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، [[يعني: "ذلك الكتاب" المحرف، لا"كتاب الله" الصادق.]] فهو فيه محق. وإن جاء أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] .

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

١٣٣٢ - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ ، فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.

١٣٣٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله﴾ الآية، قال: ليس قوله: ﴿يسمعون كلام الله﴾ ، يسمعون التوراة. كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.

١٣٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال: بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل، فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه فقال: نعم، فمرهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم، ويصوموا. ففعلوا. ثم خرج بهم حتى أتى الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السلام [أن يسجدوا] فوقعوا سجودا، [[ما بين القوسين زيادة من ابن كثير ١: ٢١٢.]] وكلمه ربه فسمعوا كلامه، يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا ما سمعوا. ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل. فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله: إنما قال كذا وكذا - خلافا لما قال الله عز وجل لهم. فهم الذين عنى الله لرسوله محمد ﷺ.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بالآية، وأشبههما بما دل عليه ظاهر التلاوة، ما قاله الربيع بن أنس، والذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: من أن الله تعالى ذكره إنما عنى بذلك من سمع كلامه من بني إسرائيل، سماع موسى إياه منه، ثم حرف ذلك وبدل، من بعد سماعه وعلمه به وفهمه إياه. وذلك أن الله جل ثناؤه إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله عز وجل، استعظاما من الله لما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانا منه تعالى ذكره عبادَه المؤمنين، قطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى، [[في المطبوعة"وإيذانا منه. . وقطع أطماعهم" بالعطف بالواو، وليس يستقيم. وآذنه الأمر وآذنه به يذانا: أعلمه. فقوله: "قطع" منصوب مفعول ثان للمصدر"إيذانا".]] فقال لهم: كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم وإنما تخبرونهم - بالذي تخبرونهم من الأنباء عن الله عز وجل - عن غيب لم يشاهدوه ولم ييعاينوه وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه وأمره ونهيه، ثم يبدله ويحرفه ويجحده، فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم، أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق، وهم لا يسمعونه من الله، وإنما يسمعونه منكم - [[قوله: "وأقرب"، معطوف على قوله: "أحرى. . ".]] وأقرب إلى أن يحرفوا ما في كتبهم من صفة نبيكم محمد ﷺ ونعته ويبدلوه، وهم به عالمون، فيجحدوه ويكذبوا - [[قوله: "من أوائلهم. . " متعلق بقوله آنفًا: "أحرى أن يجحدوا. . وأقرب إلى أن يحرفوا. . ".]] من أوائلهم الذين باشروا كلام الله من الله جل ثناؤه، ثم حرفوه من بعد ما عقلوه وعلموه متعمدين التحريف.

ولو كان تأويل الآية على ما قاله الذين زعموا أنه عني بقوله: ﴿يسمعون كلام الله﴾ ، يسمعون التوراة، لم يكن لذكر قوله: ﴿يسمعون كلام الله﴾ معنى مفهوم. لأن ذلك قد سمعه المحرف منهم وغير المحرف، فخصوص المحرف منهم بأنه كان يسمع كلام الله - إن كان التأويل على ما قاله الذين ذكرنا قولهم - دون غيرهم ممن كان يسمع ذلك سماعهم لا معنى له. [[سياق العبارة: فخصوص المحرف بأنه. . لا معنى له".]]

فإن ظن ظان [أنه] إنما صلح أن يقال ذلك لقوله: ﴿يحرفونه﴾ ، فقد أغفل وجه الصواب في ذلك. [[الزيادة بين القوسين لا بد منها.]] وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقيل: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون. ولكنه جل ثناؤه أخبر عن خاص من اليهود، كانوا أعطوا - من مباشرتهم سماعَ كلام الله - ما لم يعطه أحد غير الأنبياء والرسل، ثم بدلوا وحرفوا ما سمعوا من ذلك. فلذلك وصفهم بما وصفهم به، للخصوص الذي كان خص به هؤلاء الفريق الذي ذكرهم في كتابه تعالى ذكره.

* *

ويعني بقوله: ﴿ثم يحرفونه﴾ ، ثم يبدلون معناه وتأويله ويغيرونه. وأصله من"انحراف الشيء عن جهته"، وهو ميله عنها إلى غيرها. فكذلك قوله: ﴿يحرفونه﴾ أي يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك على علم منهم بتأويل ما حرفوا، وأنه بخلاف ما حرفوه إليه. فقال: ﴿يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ ، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، ﴿وهم يعلمون﴾ ، أي: يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون. وذلك إخبار من الله جل ثناؤه عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى ﷺ، وأن بقاياهم - من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمد ﷺ بغيا وحسدا - على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك في عصر موسى عليه الصلاة والسلام.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾

قال أبو جعفر: أما قوله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ ، فإنه خبر من الله جل ذكره عن الذين أيأس أصحاب محمد ﷺ من إيمانهم - من يهود بني إسرائيل، الذين كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون - وهم الذين إذا لقوا الذين آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ قالوا: آمنا. يعني بذلك: أنهم إذا لقوا الذين صدقوا بالله وبمحمد ﷺ وبما جاء به من عند الله، قالوا: آمنا - أي صدقنا بمحمد وبما صدقتم به، وأقررنا بذلك. أخبر الله عز وجل أنهم تخلقوا بأخلاق المنافقين، وسلكوا منهاجهم، كما:-

١٣٣٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قوله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، وذلك أن نفرا من اليهود كانوا إذا لقوا محمدا ﷺ قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم.

١٣٣٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ ، يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.

* *

وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر * وهو ما:-

١٣٣٧ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ ، أي: بصاحبكم رسول الله ﷺ، ولكنه إليكم خاصة.

١٣٣٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ الآية، قال: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض﴾ أي: إذا خلا بعض هؤلاء اليهود -الذين وصف الله صفتهم- إلى بعض منهم، فصاروا في خلاء من الناس غيرهم، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم -"قالوا" يعني: قال بعضهم لبعض -:"أتحدثونهم بما فتح الله عليكم".

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿بما فتح الله عليكم﴾ . فقال بعضهم بما:-

١٣٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، يعني: بما أمركم الله به. فيقول الآخرون: إنما نستهزئ بهم ونضحك.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ ، أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. [[قوله: "فكان منهم"، أي كان منهم النبي الذي كانوا يستفتحون به على مشركي العرب ويستنصرون، ويرجون أن يكون منهم، فكان من العرب. وسيأتي خبر استفتاحهم بعد في تفسير الآية: ٨٩ من سورة البقرة في هذا الجزء.]] فأنزل الله: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾ ، أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا؟ اجحدوه ولا تقروا لهم به. يقول الله: ﴿أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ .

١٣٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، أي بما أنزل الله عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.

١٣٤٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: ﴿قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، أي: بما من الله عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ، فإنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا به عليكم، ﴿أفلا تعقلون﴾ .

١٣٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، ليحتجوا به عليكم.

١٣٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثني آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، قال قتادة: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ، يعني: بما أنزل الله عليكم من أمر محمد ﷺ ونعته.

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

١٣٤٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾ قال: قول يهود بني قريظة، [[في المطبوعة: "يهود من قريظة"، ليست بشيء.]] حين سبهم النبي ﷺ بأنهم إخوة القردة والخنازير، قالوا: من حدثك؟ هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا، فقال: يا إخوة القردة والخنازير. [[من أول قوله: "قالوا من حدثك؟ . . " إلى آخر العبارة، تفسير للقصة قبله. وقوله"فقال: يا إخوة القردة والخنازير" من كلام رسول الله صلى الله عليهم وسلم، لا كلام علي رضي الله عنه. وسيظهر ذلك في الخبرين بعده.]]

١٣٤٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيقة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: هذا، حين أرسل إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وآذوا النبي ﷺ فقال:"اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير".

١٣٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) ، قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم فقال:"يا إخوان القردة، ويا إخوان الخنازير، ويا عبدة الطاغوت. فقالوا: من أخبر هذا محمدا؟ ما خرج هذا إلا منكم! ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ ! بما حكم الله، للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا ﷺ. [[الأثر: ١٣٤٧ - في ابن كثير ١: ٢١٤ وفيه: "من أخبر بهذا الأمر محمدا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم".]]

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٤٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ - من العذاب -"ليحاجوكم به عند ربكم" هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم؟

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٤٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالو أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾ : قال: كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا: أما تعلمون في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: بلى! - قال: وهم يهود - فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم: ما لكم تخبرونهم بالذي أنزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟ قال: قال رسول الله ﷺ: لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن [[قصبة القرية: وسطها وجوفها. وقصبة البلاد: مدينتها، لأنها تكون في أوسطها.]] . فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا آمنا، واكفروا إذا رجعتم. قال: فكانوا يأتون المدينة بالبُكَر ويرجعون إليهم بعد العصر [[البكر جمع بكرة (بضم فسكون) : وهي الغدوة، أول النهار.]] وقرأ قول الله: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢] . وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون. ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر. فلما أخبر الله نبيه ﷺ بهم، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون. وكان المؤمنون الذين مع رسول الله ﷺ يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى! فإذا رجعوا إلى قومهم [يعني الرؤساء]- قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم"، الآية. [[الأثر: ١٣٤٩ في ابن كثير ١: ٢١٣ - ٢١٤، والزيادة بين القوسين منه.]]

* *

وأصل"الفتح" في كلام العرب: النصر والقضاء، والحكم. يقال منه:"اللهم افتح بيني وبين فلان"، أي احكم بيني وبينه، ومنه قول الشاعر:

ألا أبلغ بني عُصْمٍ رسولا ... بأني عن فُتاحَتكم غني [[ينسب للأسعر الجعفي، ومحمد بن حمران بن أبي حمران. انظر تعليق الراجكوتي في سمط اللآلئ: ٩٢٧.]]

قال أبو جعفر: قال: ويقال للقاضي:"الفتاح" [[أمالي القالي ٢: ٢٨١ واللسان (فتح) (رسل) ، وغيرهما، وبنو عصم، هم رهط عمرو ابن معد يكرب الزبيدي. وقد اختلفت روايات البيت اختلافا شديدا، وليس هذا مكان تحقيقها، لطولها.]] ومنه قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] أي احكم بيننا وبينهم.

* *

فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا، تبين أن معنى قوله: ﴿قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم﴾ إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم، وقضاه فيكم؟ ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإيمان بمحمد ﷺ، وبما جاء به في التوراة. ومن قضائه فيهم أن جعل منهم القردة والخنازير، وغير ذلك من أحكامه وقضائه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله ﷺ وللمؤمنين به، حجةً على المكذبين من اليهود المقرين بحكم التوراة، وغير ذلك [من أحكامه وقضائه] . [[ما بين القوسين، زيادة استظهرتها من سابق بيانه، ليستقيم الكلام.]]

فإذ كان كذلك. [[في المطبوعة: "فإن كان كذلك"، والزيادة ماضية على نهج أبي جعفر.]] فالذي هو أولى عندي بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد ﷺ إلى خلقه؟ لأن الله جل ثناؤه إنما قص في أول هذه الآية الخبر عن قولهم لرسول الله ﷺ ولأصحابه: آمنا بما جاء به محمد ﷺ؛ فالذي هو أولى بآخرها أن يكون نظير الخبر عما ابتدئ به أولها.

وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون تلاومهم، كان فيما بينهم، فيما كانوا أظهروه لرسول الله ﷺ ولأصحابه من قولهم لهم: آمنا بمحمد ﷺ وبما جاء به. وكان قيلهم ذلك، من أجل أنهم يجدون ذلك في كتبهم، وكانوا يخبرون أصحاب رسول الله ﷺ بذلك. فكان تلاومهم -فيما بينهم إذا خلوا- على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم. وذلك أنهم كانوا يخبرونهم عن وجود نعت محمد ﷺ في كتبهم، ويكفرون به، وكان فتح الله الذي فتحه للمسلمين على اليهود، وحكمه عليهم لهم في كتابهم، أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إذا بعث. فلما بعث كفروا به، مع علمهم بنبوته.

* *

قال أبو جعفر: وقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ ، خبر من الله تعالى ذكره - عن اليهود اللائمين إخوانهم على ما أخبروا أصحاب رسول الله ﷺ بما فتح الله لهم عليهم - أنهم قالوا لهم: أفلا تفقهون أيها القوم وتعقلون، أن إخباركم أصحاب النبي ﷺ بما في كتبكم أنه نبي مبعوث، حجة لهم عليكم عند ربكم، يحتجون بها عليكم؟ أي: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثل ما قلتم، ولا تخبروهم بمثل ما أخبرتموهم به من ذلك. فقال جل ثناؤه: ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ ، أو لا يعلم - هؤلاء اللائمون من اليهود إخوانهم من أهل ملتهم، على كونهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وعلى إخبارهم المؤمنين بما في كتبهم من نعت رسول الله ﷺ ومبعثه، القائلون لهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم - أن الله عالم بما يسرون، فيخفونه عن المؤمنين في خلائهم = من كفرهم، وتلاومهم بينهم على إظهارهم ما أظهروا لرسول الله وللمؤمنين به من الإقرار بمحمد ﷺ، وعلى قيلهم لهم: آمنا، ونهي بعضهم بعضا أن يخبروا المؤمنين بما فتح الله للمؤمنين عليهم، وقضى لهم عليهم في كتبهم، من حقيقة نبوة محمد ﷺ ونعته ومبعثه = وما يعلنون، فيظهرونه لمحمد ﷺ ولأصحابه المؤمنين به إذا لقوهم، من قيلهم لهم: آمنا بمحمد ﷺ وبما جاء به، نفاقا وخداعا لله ولرسوله وللمؤمنين؟ كما:-

١٣٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون﴾ ، من كفرهم وتكذيبهم محمدا ﷺ إذا خلا بعضهم إلى بعض، ﴿وما يعلنون﴾ إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا ليرضوهم بذلك.

١٣٥١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ ، يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبا عندهم، ﴿وما يعلنون﴾ ، يعني: ما أعلنوا حين قالوا للمؤمنين: آمنا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿ومنهم أميون﴾ ، ومن هؤلاء -اليهود الذين قص الله قصصهم في هذه الآيات، وأيأس أصحاب رسول الله ﷺ من إيمانهم فقال لهم: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، وهم إذا لقوكم قالوا: آمنا، كما:-

١٣٥٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ومنهم أميون﴾ ، يعني: من اليهود.

١٣٥٣ - وحُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

١٣٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ومنهم أميون﴾ ، قال: أناس من يهود.

* *

قال أبو جعفر: يعني بـ "الأميين"، الذين لا يكتبون ولا يقرءون.

ومنه قول النبي ﷺ:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" [[الحديث: ١٣٥٥ - هو حديث صحيح. ورواه البخاري ٤: ١٠٨ - ١٠٩ (من الفتح) ، ورواه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي، كما في الجامع الصغير للسيوطي، رقم: ٢٥٢١.]] يقال منه:"رجل أمي بين الأمية". [[كان في المطبوعة: "أي بين الأمية"، فحذفت"أي"، فليس ذلك مما يقال.]] كما:-

١٣٥٦ - حدثني المثنى قال، حدثني سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب﴾ ، قال: منهم من لا يحسن أن يكتب. [[قوله "لا يحسن أن يكتب" نفى لمعرفة الكتابة، لا لجودة معرفة الكتابة، كما يسبق إلى الوهم. وقديما قام بعض أساتذتنا يدعي أن رسول الله ﷺ، كان يعرف الكتابة، ولكنة لا يحسنها، لخبر استدل به هو - أو اتبع فيه من استدل به من أعاجم المستشرقين - وهو ما جاء في تاريخ الطبري ٣: ٨٠ في شرح قصة الحديبية، حين جاء سهيل بن عمرو، لكتابة الصلح. روى الطبري عن البراء بن عازب قال:".. فلما كتب الكتاب، كتب:"هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله"، فقالوا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله. قال لعلي: امح"رسول الله". قال: لا والله لا أمحاك أبدا. فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب: "فكتب مكان "رسول الله" "محمد"، فكتب: " هذا ما قاضى عليه محمد".

فظن أولا أن ضمير الفاعل في قوله "فكتب مكان "رسول الله" - محمد"، هو رسول الله صلى الله عليه. وليس كذلك بل هو: علي بن أبي طالب الكاتب. وفي الكلام اختصار، فإنه لما أمر عليا أن يمحو الكتاب فأبى، أخذه رسول الله، وليس يحسن يكتب، فمحاه. وتفسير ذلك قد أتى في حديث البخاري عن البراء بن عازب أيضًا ٣: ١٨٤:"فقال لعلى" امحه. فقال على: ما أنا بالذي أمحاه فمحاه رسول الله صلى عليه وسلم بيده".وأخرى أنه أخطأ في معنى"يحسن"، فإنها هنا بمعنى"يعلم"، وهو أدب حسن في العبارة، حتى لا ينفي عنه العلم، وقد جاء في تفسير الطبري ٢١: ٦ في تفسير قوله تعالى:"أحسن كل شيء خلقه"، ما نصه:"معنى ذلك: أعلم كل شيء خلقه. كأنهم وجهوا تأويل الكلام إلى أنه ألهم كل خلقه ما يحتاجون إليه. وأنه قوله:"أحسن"، إنما هو من قول القائل:"فلا يحسن كذا"، إذا كان يعلمه". هذا، والعرب تتأدب بمثل هذا، فتضع اللفظ مكان اللفظ؛ وتبطل بعض معناه، ليكون تنزيها للسان، أو تكرمه للذي تخبر عنه. فمعنى قوله:"ليس يحسن يكتب"، أي ليس يعرف يكتب. وقد أطال السهيلي في الروض الأنف ١: ٢٣٠ بكلام ليس يغني في تفسير هذا الكلمة.]]

١٣٥٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ومنهم أميون﴾ قال: أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود.

* *

وروي عن ابن عباس قول خلاف هذا القول، وهو ما:-

١٣٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ومنهم أميون﴾ ، قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين، لجحودهم كتب الله ورسله. [[قال ابن كثير في تفسيره ١: ٢١٥، وساق الخبر وكلام الطبري، ثم قال: "قلت: في صحة هذا عن ابن عباس - بهذا الإسناد - نظر، والله أعلم".]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن"الأمي" عند العرب: هو الذي لا يكتب.

* *

قال أبو جعفر: وأرى أنه قيل للأمي"أمي"؛ نسبة له بأنه لا يكتب إلى"أمه"، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال -إلى أمه- في جهله بالكتابة، دون أبيه، كما ذكرنا عن النبي ﷺ من قوله:"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، وكما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] . [[اقتصر في المطبوعة على قوله: "رسولا منهم"، وأتممت الآية، لأنه يستدل بها على أنه جاء يعلم الأمين"الكتاب".]] فإذا كان معنى"الأمي" في كلام العرب ما وصفنا، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما قاله النخعي، من أن معنى قوله: ﴿ومنهم أميون﴾ : ومنهم من لا يحسن أن يكتب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ ، لا يعلمون ما في الكتاب الذي أنزله الله، ولا يدرون ما أودعه الله من حدوده وأحكامه وفرائضه، كهيئة البهائم، كالذي:-

١٣٥٩ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله، ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ : إنما هم أمثال البهائم، لا يعلمون شيئا.

١٣٦٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ ، يقول: لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه.

١٣٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ لا يدرون ما فيه.

١٣٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ قال: لا يدرون بما فيه.

١٣٦٣ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ ، لا يعلمون شيئا، لا يقرءون التوراة. ليست تستظهر، إنما تقرأ هكذا. فإذا لم يكتب أحدهم، لم يستطع أن يقرأ. [[الأثر: ١٣٦٣ - كان في المطبوعة: "حدثنا بشر قال أخبرنا ابن وهب. . "، وهو سهو من الناسخ، والإسناد كثير الدوران في التفسير، أقربه رقم ١٣٥٧.]]

١٣٦٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله، ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ ، قال: لا يعرفون الكتاب الذي أنزله الله.

* *

قال أبو جعفر: وإنما عني بـ "الكتاب": التوراة، ولذلك أدخلت فيه "الألف واللام" لأنه قصد به كتاب معروف بعينه.

* *

ومعناه: ومنهم فريق لا يكتبون، ولا يدرون ما في الكتاب الذي عرفتموه الذي هو عندهم - وهم ينتحلونه ويدعون الإقرار به - من أحكام الله وفرائضه، وما فيه من حدوده التي بينها فيه.

[واختلف أهل التأويل في تأويل قوله] [[ما بين القوسين زيادة يقتضيها الكلام. وكأن الناسخ سها فأغفلها.]] ﴿إلا أماني﴾ فقال بعضهم بما:-

١٣٦٥ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿إلا أماني﴾ ، يقول: إلا قولا يقولونه بأفواههم كذبا.

١٣٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ : إلا كذبا.

١٣٦٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إلا أماني﴾ ، يقول: يتمنون على الله ما ليس لهم.

١٣٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿إلا أماني﴾ ، يقول: يتمنون على الله الباطل وما ليس لهم.

١٣٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح، [عن معاوية بن صالح] ، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ، يقول: إلا أحاديث.

١٣٧١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ، قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب. أماني يتمنونها.

١٣٧٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿إلا أماني﴾ ، يتمنون على الله ما ليس لهم.

١٣٧٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿إلا أماني﴾ ، قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى ما روينا في تأويل قوله: ﴿إلا أماني﴾ ، بالحق، وأشبهه بالصواب، الذي قاله ابن عباس - الذي رواه عنه الضحاك - وقول مجاهد: إن"الأميين" الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية، أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله على موسى شيئا، ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقولون الأباطيل كذبا وزورا. [[في المطبوعة: "وأنهم لا يفقهون" بزيادة الواو، وهو خطأ لا يستقيم، والصواب ما أثبته من ابن كثير ١: ٢١٦.]]

* *

و"التمني" في هذا الموضع، هو تخلق الكذب وتخرصه وافتعاله. يقال منه:"تمنيت كذا"، إذا افتعلته وتخرصته. ومنه الخبر الذي روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه:"ما تغنيت ولا تمنيت"، [[في الفائق ١: ١٦٣ عن عثمان رضي الله عنه: "قد اختبأت عند الله خصالا: إني لرابع الإسلام، وزوجني رسول الله ﷺ ابنته ثم ابنته، وبايعته بيدي هذه اليمنى فما مسست بها ذكرى، وما تغنيت ولا تمنيت، ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام". وروى الطبري في تاريخه في خبر مقتله رضي الله عنه ٥: ١٣٠، أن الرجل الذي انتدب لقتله دخل عليه فقال له: "اخلعها وندعك. فقال: ويحك! ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ، ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل".]] يعني بقوله:"ما تمنيت"، ما تخرصت الباطل، ولا اختلقت الكذب والإفك.

* *

والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك - وأنه أولى بتأويل قوله: ﴿إلا أماني﴾ من غيره من الأقوال - قول الله جل ثناؤه: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ . فأخبر عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب، ظنا منهم لا يقينا. ولو كان معني ذلك أنهم"يتلونه"، لم يكونوا ظانين، وكذلك لو كان معناه:"يشتهونه". لأن الذي يتلوه، إذا تدبره علمه. ولا يستحق - الذي يتلو كتابا قرأه، وإن لم يتدبره بتركه التدبر أن يقال: هو ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه، لا يدري أحق هو أم باطل. ولم يكن القوم - الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد ﷺ من اليهود -فيما بلغنا- شاكين في التوراة أنها من عند الله. وكذلك"المتمني" الذي هو في معنى"المشتهي" غير جائز أن يقال: هو ظان في تمنيه. لأن التمني من المتمني، إذا تمنى ما قد وجد عينه. فغير جائز أن يقال: هو شاك، فيما هو به عالم. لأن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه، لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد. والمتمني في حال تمنيه، موجود تمنيه، فغير جائز أن يقال: هو يظن تمنيه. [[في المطبوعة: "غير جائز"، والصواب إثبات الفاء.]]

* *

وإنما قيل: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ، والأماني من غير نوع"الكتاب"، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] و"الظن" من"العلم" بمعزل. وكما قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩-٢٠] ، وكما قال الشاعر: [[هو عمرو بن الأيهم التغلبي النصراني، وقيل اسمه: عمير، وقيل هو أعشى تغلب. روي عن الأخطل أنه قيل له وهو يموت: على من تخلف قومك؟ قال: على العميرين. يعني القطامي عمير ابن أشيم، وعمير بن الأهتم.]]

ليس بيني وبين قيس عتاب ... غير طعن الكُلَى وضرب الرقاب [[سيبويه ١: ٣٦٥، والوحشيات رقم: ٥٥، ومعجم الشعراء: ٢٤٢، وحماسة البحتري: ٣٢، وانظر تحقيق الراجكوتي في سمط اللآلئ: ١٨٤. والشعر يقوله في هجاء قيس عيلان يقول فيها: قاتل الله قيس عيلان طرا ... ما لهم دون غدرة من حجاب

ثم إن سيبويه أنشد البيت برفع"غير"، على البدل من"عتاب"، اتساعا ومجازا.]]

وكما قال نابغة بني ذبيان:

حلفت يمينا غير ذي مَثْنَوية، ... ولا علم إلا حسنَ ظن بصاحب [[ديوانه: ٤٢، وسيبويه ١: ٣٦٥، وغيرهما، وروايتهم جميعا: "بصاحب"، وكان في الأصل المطبوع"بغائب"، وأظن أن ما كان في الطبري خطأ من النساخ، لأنه لا يتفق مع الشعر. فالنابغة يمدح بهذه الأبيات عمرو بن الحارث الأعرج الغساني، فيقول قبله: على لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده، ليست، بذات عقارب

حلفت يمينا. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

لئن كان للقبرين: قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب

وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب

وقوله: "مثنوية" أي استثناء. فهو يقول لعمرو: حلفت يمينا لئن كان من هو - من ولد هؤلاء الملوك من آبائه، الذين عدد قبورهم ومآثرهم - ليغزون من حاربه في عقر داره وليهزمنه، ولم أقل هذا عن علم إلا ما عندي في صاحبي من حسن الظن. فرواية الطبري لا تستقيم، إن صحت عنه.]] في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب. [[انظر سيبويه ١: ٣٦٣ - ٣٦٦"هذا باب يختار فيه النصب، لأن الآخر ليس من نوع الأول". ثم الباب الذي يليه: "هذا باب ما لا يكون إلا على معنى: ولكن".]]

ويخرجُ بـ "إلا" ما بعدها من معنى ما قبلها ومن صفته، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه. ويسمي ذلك بعض أهل العربية"استثناء منقطعا"، لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد"إلا" عن معنى ما قبلها. وإنما يكون ذلك كذلك، في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان"إلا""لكن"؛ فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأول، ألا ترى أنك إذا قلت: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ ثم أردت وضع "لكن" مكان "إلا" وحذف "إلا"، وجدت الكلام صحيحا معناه، صحته وفيه"إلا"؟ وذلك إذا قلت: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب لكن أماني. يعني: لكنهم يتمنون. وكذلك قوله: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ ، لكن اتباع الظن، بمعنى: لكنهم يتبعون الظن. وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا.

* *

وقد ذكر عن بعض القَرَأَة أنه قرأ: [[في المطبوعة: "بعض القراء" و"لإجماع القراء"، ورددته إلى ما جرى عليه الطبري آنفًا.]] ﴿إلا أماني﴾ مخففة. ومن خفف ذلك وجهه إلى نحو جمعهم"المفتاح""مفاتح"، و"القرقور"،"قراقر"، [[انظر معاني القرآن للفراء: ١: ٤٩.]] وأن ياء الجمع لما حذفت خففت الياء الأصلية - أعني من"الأماني" - كما جمعوا"الأثفية""أثافي" مخففة، كما قال زهير بن أبي سلمى:

أثافيَ سُفْعا في مُعَرَّسِ مِرْجَل ... ونُؤْيا كجِذم الحوض لم يَتَثَلَّم [[ديوانه: ٧ المرجل: قدر يطبخ فيها، ومعرس المرجل: حيث يقام فيه، من التعريس: وهو النزول والإقامة، وسفع جمع أسفع: والسفعة: سواد تخالطه حمرة، من أثر النار ودخانها. والنؤي: ما يقام من الحجارة حول الخباء حتى لا يدخله ماء المطر. وجذم الحوض: حرفه وأصله. يعني: النؤي قد ذهب أعلاه وبقى أصله لم يتحطم، كبقايا الحوض. يقول: عرفت الدار بهذه الآثار، قبله: "فلأيا عرفت الدار بعد توهم"، "ونصب"أثافي" بقوله: "توهم".]]

وأما من ثقل: ﴿أماني﴾ فشدد ياءها، فإنه وجه ذلك إلى نحو جمعهم"المفتاح مفاتيح، والقرقور قراقير، والزنبور زنابير"، فاجتمعت ياء"فعاليل" ولامها، وهما جميعا ياآن، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا ياء واحدة مشددة.

* *

فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك، فتشديد ياء"الأماني"، لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة التي مضى على القراءة بها السلف - مستفيض ذلك بينهم، غير مدفوعة صحته - وشذوذ القارئ بتخفيفها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك. [[سياق العبارة: لإجماع القَرَأَة على أنها القراءة. . وعلى شذوذ القارئ بتخفيفها" على العطف.]] وكفى دليلا على خطأ قارئ ذلك بتخفيفها، [[في المطبوعة: "وكفى خطأ على قارئ ذلك"، وهو ليس بكلام صحيح، والصواب ما أثبته، استظهار من عبارة الطبري، فيما سلف من أشباه ذلك.]] إجماعها على تخطئته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (٧٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ ، وما هم، كما قال جل ثناؤه: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] ، يعني بذلك: ما نحن إلا بشر مثلكم.

* *

ومعنى قوله: ﴿إلا يظنون﴾ : إلا يشكون، ولا يعلمون حقيقته وصحته. و"الظن" - في هذا الموضع- الشك.

فمعنى الآية: ومنهم من لا يكتب ولا يخط ولا يعلم كتاب الله ولا يدري ما فيه، إلا تخرصا وتقولا على الله الباطل، ظنا منه أنه محق في تخرصه وتقوله الباطل.

* *

وإنما وصفهم الله تعالى ذكره بأنهم في تخرصهم على ظن أنهم محقون وهم مبطلون، لأنهم كانوا قد سمعوا من رؤسائهم وأحبارهم أمورا حسبوها من كتاب الله، ولم تكن من كتاب الله، فوصفهم جل ثناؤه بأنهم يتركون التصديق بالذي يوقنون به أنه من عند الله مما جاء به محمد ﷺ، ويتبعون ما هم فيه شاكون، وفي حقيقته مرتابون، مما أخبرهم به كبراؤهم ورؤساؤهم وأحبارهم عنادا منهم لله ولرسوله، ومخالفة منهم لأمر الله، واغترارا منهم بإمهال الله إياهم. وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ ، قال فيه المتأولون من السلف:

١٣٧٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ إلا يكذبون.

١٣٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٣٧٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

١٣٧٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ ، أي لا يعلمون ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون نبوتك بالظن.

١٣٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ ، قال: يظنون الظنون بغير الحق.

١٣٧٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: يظنون الظنون بغير الحق.

١٣٨٠ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فويل﴾ . فقال بعضهم بما:-

١٣٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿فويل﴾ ، يقول: فالعذاب عليهم. [[في المطبوعة: "فويل لهم". والصواب حذف"لهم"، ليست من الآية هنا.]]

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٨٢ - حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن زياد بن فياض قال: سمعت أبا عياض يقول: الويل: ما يسيل من صديد في أصل جهنم. [[الخبر: ١٣٨٢ - سفيان: هو الثوري. زياد بن فياض الخزاعي: ثقة، مات سنة ١٢٩. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ /٣٣٤، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٥٤٢. أبو عياض: هو عمرو بن الأسود العنسي، تابعي ثقة، كان من عباد أهل الشأم وزهادهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٢٠ - ٢٢١.]]

١٣٨٣ - حدثنا بشر بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن زياد بن فياض، عن أبي عياض في قوله: ﴿فويل﴾ ، قال: صهريج في أصل جهنم، يسيل فيه صديدهم. [[الخبر: ١٣٨٣ - بشر بن أبان الحطاب، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا فيما بين يدى من المراجع.]]

١٣٨٤ - حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء قال، حدثنا سفيان عن زياد بن فياض، عن أبي عياض قال: الويل، واد من صديد في جهنم. [[الخبر: ١٣٨٤ - علي بن سهل الرملي، شيخ الطبري: ثقة، مات سنة ٢٦١. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /١٨٩. وزيد بن أبي الزرقاء الموصلي، نزيل الرملة: ثقة، مات سنة ١٩٤. مترجم في التهذيب، والكبير ٢ /١ /٣٦١، وابن أبي حاتم ١ / ٢/ ٥٧٥. سفيان هو الثوري. "عن زياد بن فياض"، كالإسنادين اللذين قبله. وفي المطبوعة: "سفيان بن زياد بن فياض"، وهو تحريف.]]

١٣٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا مهران، عن شقيق قال: ﴿ويل﴾ ، ما يسيل من صديد في أصل جهنم.

* *

وقال آخرون بما:-

١٣٨٦ - حدثنا به المثنى قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري. قال، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، عن رسول الله ﷺ قال:"الويل جبل في النار". [[الحديث: ١٣٨٦ - هذا الإسناد مشكل. ووقع فيه هنا خطأ. من الناسخ أو الطابع، صححناه من الرواية الآتية: ١٣٩٥ فقد كان فيه"حماد بن سلمة بن عبد الحميد بن جعفر"؛ وصوابه"عن عبد الحميد بن جعفر"، كما هو بديهي.

أما ما أشكل علينا فيه: فراويان لم نجد لهما ذكرا ولا ترجمة.

أحدهما:"إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري". وسيأتي في الإسناد الآخر"إبراهيم بن عبد السلام" فقط. ولم أستطع أن أعرف من هو؟ وقد نقل ابن كثير ١: ٢١٧ الحديث الآتي: ١٣٩٥، وأكمل نسب هذا الشيخ، ولكنه وقع فيه هكذا "إبراهيم بن عبد السلام، حدثنا صالح القشيري"! وأنا لست على ثقة من دقة التصحيح في طبعة تفسير ابن كثير، وأرى أن ما نسخة الطبري أقرب إلى الصحة.

الراوي الآخر:"على بن جرير". وقد أتعبنى أن أعرف من هو؟ مع البحث في كل المراجع، وتقليبه على كل الاحتمالات.

أما عبد الحميد بن جعفر: فإنه الأنصاري الأوسى المدني، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن سعد وغيرهما، مات سنة ١٥٣، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /١٠. و"كنانة العدوي":هو كنافة ابن نعيم، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ /٢٣٦، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ /١٦٩. ولكني أخشى أن لا يكون أدرك عثمان بن عفان، فإنهم لم يذكروا له رواية إلا عن أبي برزة الأسلمي وقصيبة بن المخارق، وهما متأخران كثيرا عن عثمان.

وأيا ما كان، فهذا الحديث لا أظنه مما يقوم إسناده. وهو مختصر من الحديث الآتي: ١٣٩٥. والحافظ ابن كثير حين ذكره عن الطبري، وصفه بأنه"غريب جدا". وقد ذكره السيوطي أيضًا ١: ٨٢، ولم ينسباه لغير الطبري. فالله أعلم.]]

١٣٨٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال:"ويل" واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره". [[الحديث: ١٣٨٧ - إسناده صحيح. عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري: ثقة حافظ متقن، مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧ / ٢ / ٢٠٣ وابن أبي حاتم ٣ / ١ / ٢٢٥. دراج، بفتح الدال وتشديد الراء: هو ابن سمعان، أبو السمح، المصري القاص، وهو ثقة، فيه خلاف كثير. والراجح عندنا أنه ثقة، كما بينا ذلك في شرح المسند: ٦٦٣٤، وفي تعليقنا على تهذيب السنن: ٢٣٨٨. أبو الهيثم: هو سليمان بن عمرو العتواري المصري، كان يتيما لأبي سعيد الخدري، وكان في حجره. وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٨ - ٢٩، وابن أبي حاتم ٢ /١ / ١٣١ - ١٣٢.

والحديث رواه ابن أبي حاتم - كما نقل عنه ابن كثير ١: ٢١٧ - عن يونس بن عبد الأعلى، شيخ الطبري هنا، بهذا الإسناد.

ورواه الحاكم في المستدرك ٤: ٥٩٦، من طريق بحر بن نصر. عن ابن وهب، بهذا الإسناد، بزيادة في آخره. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

ورواه أحمد في المسند: ١١٧٣٥ (ج ٣ ص ٧٥ حلبي) ، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به، بزيادة في آخره. وقال ابن كثير - عقب رواية ابن أبي حاتم: "ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى. . وقال هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. قلت [القائل ابن كثير] : لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى. ولكن الآفة ممن بعده! وهذا الحديث بهذا الإسناد مرفوعا - منكر"!

أقول: وابن كثير يريد بذلك جرح دراج أبي السمح، وجعله علة الحديث. والصحيح ما ذهبنا إليه. وقد رواه ابن حبان في صحيحه أيضًا. كما في الدر المنثور ١: ٨٢.]]

* *

قال أبو جعفر: فمعنى الآية - على ما روي عمن ذكرت قوله في تأويل ﴿ويل﴾ -: فالعذاب = الذي هو شرب صديد أهل جهنم في أسفل الجحيم = لليهود الذين يكتبون الباطل بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك الذين حرفوا كتاب الله من يهود بني إسرائيل، وكتبوا كتابا على ما تأولوه من تأويلاتهم، مخالفا لما أنزل الله على نبيه موسى ﷺ، ثم باعوه من قوم لا علم لهم بها، ولا بما في التوراة، جهال بما في كتب الله - لطلب عرض من الدنيا خسيس، فقال الله لهم: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ ، كما:-

١٣٨٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ ، قال: كان ناس من اليهود كتبوا كتابا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله، ليأخذوا به ثمنا قليلا.

١٣٨٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله، ولا كتابا أنزله الله، فكتبوا كتابا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سِفلة جهال: هذا من عند الله"ليشتروا به ثمنا قليلا". قال: عرضا من عرض الدنيا.

١٣٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ ، قال: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله، يحرفونه.

١٣٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله، إلا أنه قال: ثم يحرفونه.

١٣٩٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن قتادة: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ الآية، وهم اليهود.

١٣٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله﴾ ، قال: كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم، ليتأكلوا الناس، فقالوا: هذا من عند الله، وما هو من عند الله. [[يقال فلان يستأكل الضعفاء: يأخذ أموالهم ويأكلها. أما قوله: "ليتأكلوا"، فلم أجد في المعاجم"يتأكل"، فإن صح نص الطبري، وإلا فهي عربية معرقة، صح أو لم يصح.]]

١٣٩٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قوله: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا﴾ ، قال: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه، يبتغون بذلك عرضا من عرض الدنيا، فقال: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ .

١٣٩٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام قال، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ ، الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود، لأنهم حرفوا التوراة، وزادوا فيها ما يحبون، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة. فلذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ . [[الحديث: ١٣٩٥ - مضى الكلام فيه مفصلا: ١٣٨٦.]]

١٣٩٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. قال: ويل، واد في جهنم، لو سيرت فيه الجبال لانماعت من شدة حره. [[سيرت: أدخلت ودفعت لتسير. وانماع الملح في الماء: ذاب. وفي اللسان روى تفسير عطاء، وفيه: "لماعت"، أي ذابت وسالت.]]

* *

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما وجه قوله: [[في المطبوعة: "فما وجه فويل للذين. . "، كأنه سقط حرف من ناسخ أو طابع.]] ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ ؟ وهل تكون الكتابة بغير اليد، حتى احتاج المخاطبون بهذه المخاطبة، إلى أن يخبروا عن هؤلاء - القوم الذين قص الله قصتهم - أنهم كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم؟

قيل له: إن الكتاب من بني آدم، وإن كان منهم باليد، فإنه قد يضاف الكتاب إلى غير كاتبه وغير المتولي رسم خطه فيقال: كتب فلان إلى فلان بكذا"، وإن كان المتولي كتابته بيده، غير المضاف إليه الكتاب، إذا كان الكاتب كتبه بأمر المضاف إليه الكتاب. فأعلم ربنا بقوله: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ عباده المؤمنين، أن أحبار اليهود تلي كتابة الكذب والفرية على الله بأيديهم، على علم منهم وعمد للكذب على الله، ثم تنحله إلى أنه من عند الله وفي كتاب الله، [[يقال: نحل فلان فلانا شعرا: نسبه إليه باطلا. وكره الطبري أن يقول ما لا يجوز لأحد في ذكر ربه سبحانه وتعالى، فانتهج طريقا في أساليب العربية، فقال: "فنحله إلى أنه من عند الله" أي نسبه باطلا إلى أنه من عند الله. ولم يعد الفعل إلى مفعوليه.]] تَكَذُّبا على الله وافتراء عليه. فنفى جل ثناؤه بقوله: ﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ ، أن يكون ولي كتابة ذلك بعض جهالهم بأمر علمائهم وأحبارهم. وذلك نظير قول القائل:"باعني فلان عينُه كذا وكذا، فاشترى فلان نفسه كذا"، يراد بإدخال"النفس والعين" في ذلك، نفي اللبس عن سامعه، أن يكون المتولي بيع ذلك أو شراءه، غير الموصوف له أمره، [[كان في المطبوعة: "أن يكون المتولى بيع ذلك وشراءه، غير الموصوف به بأمره" وهو كلام غير واضح ولا مفهوم، فآثرت أن أصححه ما استطعت.]]

ويوجب حقيقة الفعل للمخبر عنه، فكذلك قوله: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ ، أي فالعذاب - في الوادي السائل من صديد أهل النار في أسفل جهنم - لهم، يعني: للذين يكتبون الكتاب، الذي وصفنا أمره، من يهود بني إسرائيل محرفا، ثم قالوا: هذا من عند الله، ابتغاء عرض من الدنيا به قليل ممن يبتاعه منهم.

* *

وقوله: ﴿مما كتبت أيديهم﴾ ، يقول: من الذي كتبت أيديهم من ذلك، وويل لهم أيضا ﴿مما يكسبون﴾ ، يعني: مما يعملون من الخطايا، ويجترحون من الآثام، ويكسبون من الحرام، بكتابهم الذي يكتبونه بأيديهم، بخلاف ما أنزل الله، ثم يأكلون ثمنه، وقد باعوه ممن باعوه منهم على أنه من كتاب الله، كما:-

١٣٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾ ، يعني: من الخطيئة.

١٣٩٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿فويل لهم﴾ ، يقول: فالعذاب عليهم. قال: يقول: من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب، ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾ ، يقول: مما يأكلون به من السفلة وغيرهم.

* *

قال أبو جعفر: وأصل"الكسب": العمل. فكل عامل عملا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل، كما قال لبيد بن ربيعة:

لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يُمَنُّ طعامُها [[من معلقته النبيلة. واللام في قوله"لمعفر"، ترده إلى البيت قبله: خنساء ضيعت الفَرِيرَ، فلم يَرِم ... عُرض الشقائق طوفها وبُغَامها

والخنساء: البقرة الوحشية، والفرير: ولدها. والشقائق: أرض غليظة بين رملتين، أودعت هناك فيه ولدها. وطوفها طوافها حائرة. بغامها: صوتها صائحة باكية. ظلت تطوف وتنادي ولدها.وقوله:"لمعفر"، أي طوفها وبغامها من أجل"معفر". والمعفر: الذي ألقي في العفر، وهو التراب، صادت ولدها الذئاب. قهد: هو ولد البقر، لطيف الجسم أبيض اللون. والشلو: العضو من اللحم، أو الجسد كله. وغبس: غبر، وهي الذئاب. لا يمن طعامها: تكسب طعامها بنفسها، فلا يمن عليها أحد.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وقالوا﴾ ، اليهود، يقول: وقالت اليهود: ﴿لن تمسنا النار﴾ ، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها،"إلا أياما معدودة". وإنما قيل"معدودة" وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار. فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها"معدودة" لما وصفنا.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك * فقال بعضهم بما:-

١٣٩٩ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، قال ذلك أعداء الله اليهود، قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب والقسم.

١٤٠٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، قالوا: أياما معدودة بما أصبنا في العجل.

١٤٠١ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، قال: قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا، [[نقيت الثوب (بتشديد القاف) وأنقيته نقاء فهو نقي: نظيف. و"استنقيته" ليست في المعاجم، ولكنها صحيحة البناء والمعنى.]] نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل. فلذلك أمرنا أن نختتن. قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه.

١٤٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله.

١٤٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل.

١٤٠٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ الآية، قال ابن عباس: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم - وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر، وفيه شجرة الزقوم - فزعم أعداء الله، أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة - وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم - فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل. فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك. [[خلا يخلو: مضى وذهب وانقضى.]] فذلك قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة، قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة! فقد خلا العدد وأنتم في الأبد! فأخذ بهم في الصَّعود في جهنم يرهقون. [[الصعود: مشقة العذاب، ولكنه أراد هنا ما قالوا: جبل في جهنم من جمرة واحدة، يكلف الكافر ارتقاءه، ويضرب بالمقامع، فكلما وضع عليه رجله ذابت إلى أسفل دركة، ثم تعود مكانها صحيحة، والله أعلم.]]

١٤٠٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، إلا أربعين ليلة.

١٤٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون - يعنون محمدا وأصحابه. فقال رسول الله ﷺ بيده على رءوسهم [[قال بيده: أشار. وقد مضى مثل ذلك مرارا.]] "بل أنتم فيها خالدون، لا يخلفكم فيها أحد. فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ .

١٤٠٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: اجتمعت يهود يوما تخاصم النبي ﷺ. فقالوا: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، - وسموا أربعين يوما - ثم يخلفنا، أو يلحقنا، فيها أناس. فأشاروا إلى النبي ﷺ وأصحابه. فقال رسول الله ﷺ:"كذبتم، بل أنتم فيها خالدون مخلدون، لا نلحقكم ولا نخلفكم فيها إن شاء الله أبدا". [[الحديثان: ١٤٠٦، ١٤٠٧ - هما حديث واحد بإسنادين. ونسبه السيوطي أيضًا ١: ٨٤، لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وهو حديث مرسل، لا تقوم به حجة.]]

١٤٠٨ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا علي بن معبد، عن أبي معاوية، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، قال: قالت اليهود: لا نعذب في النار يوم القيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العجل.

١٤٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ قال لهم:"أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى يوم طور سيناء، مَن أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة؟ وقالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة، فنمكث في النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها. فقال رسول الله ﷺ: كذبتم والله، لا نخلفكم فيها أبدا". فنزل القرآن تصديقا لقول النبي ﷺ وتكذيبا لهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا﴾ إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ . [[الحديث: ١٤٠٩ - هو حديث مرسل أيضًا.]]

* *

وقال آخرون في ذلك بما:-

١٤١٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ الآية.

١٤١١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا، يوما واحدا في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: ﴿لن تمسنا النار﴾ الآية.

١٤١٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ ، قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما.

١٤١٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: كانت اليهود تقول: إنما الدنيا، وسائر الحديث مثله.

١٤١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر. وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوما. يهود تقوله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨٠) ﴾

قال أبو جعفر: لما قالت اليهود ما قالت من قولها: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) - على ما قد بينا من تأويل ذلك - قال الله لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد، لمعشر اليهود: ﴿أتخذتم عند الله عهدا﴾ : أأخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا، فالله لا ينقض ميثاقه، ولا يبدل وعده وعقده، أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ كما:-

١٤١٥ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قل أتخذتم عند الله عهدا﴾ أي: موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون.

١٤١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٤١٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل، فقال الله: ﴿أتخذتم عند الله عهدا﴾ ، بهذا الذي تقولونه؟ ألكم بهذا حجة وبرهان؟ فلن يخلف الله عهده، فهاتوا حجتكم وبرهانكم، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟

١٤١٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: لما قالت اليهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لمحم، قل"أتخذتم عند الله عهدا"، يقول: أدخرتم عند الله عهدا؟ يقول: أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به؟ فإن كنتم قلتموها فارجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله ولم تشركوا به شيئا، ثم متم على ذلك، لكان لكم ذخرا عندي، ولم أخلف وعدي لكم: أني أجازيكم بها.

١٤١٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط عن السدي قال: لما قالت اليهود ما قالت، قال الله عز وجل: (قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده) - وقال في مكان آخر: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . [آل عمران: ٢٤] ، ثم أخبر الخبر فقال: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ .

* *

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، بنحو ما قلنا في تأويل قوله: ﴿قل أتخذتم عند الله عهدا﴾ . لأن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه: أن من آمن به وأطاع أمره، نجاه من ناره يوم القيامة. ومن الإيمان به، الإقرار بأن لا إله إلا الله. وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به: أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار، فينجيه منها. وكل ذلك، وإن اختلفت ألفاظ قائليه، فمتفق المعاني، على ما قلنا فيه. والله تعالى أعلم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾

قال أبو جعفر: وقوله: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ تكذيب من الله القائلين من اليهود: ﴿لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ وإخبار منه لهم أنه معذب من أشرك ومن كفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، فمخلده في النار، [[في المطبوعة: "أنه يعذب. . فمخلد في النار"، والصواب ما أثبته.]] فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله، وأهل الطاعة له، والقائمون بحدوده * كما:-

١٤٢٠ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

* *

قال أبو جعفر: وأما ﴿بلى﴾ ، فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد، كما "نعم" إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه. وأصلها"بل" التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك:"ما قام عمرو بل زيد". فزيد فيها"الياء" ليصلح عليها الوقوف، إذ كانت"بل" لا يصلح عليها الوقوف، إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد. ولتكون - أعني"بلى" - رجوعا عن الجحد فقط، وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد، فدلت"الياء" منها على معنى الإقرار والإنعام. [[الإنعام: التصديق. يقال: أنعم: أجاب بقوله: نعم. وهو تصديق.]] ودل لفظ"بل" عن الرجوع عن الجحد. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٢ - ٥٣، وقد عد الطبري الحرف الآخر من"بلى""ياء"، وعدها الفراء"ألفا".]]

* *

قال أبو جعفر: وأما"السيئة" التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله * كما:-

١٤٢١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال، حدثني عاصم، عن أبي وائل: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، قال: الشرك بالله.

١٤٢٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ شركا.

١٤٢٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٤٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، قال: أما السيئة فالشرك.

١٤٢٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

١٤٢٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، أما السيئة، فهي الذنوب التي وعد عليها النار.

١٤٢٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، قال: الشرك - قال ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿سيئة﴾ شركا.

١٤٢٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، يعني: الشرك.

* *

قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن"السيئة" - التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته، فهو من أهل النار المخلدين فيها - في هذا الموضع، إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما، [[انظر تفسير"الظاهر" فيما سلف: ٢: ١٥ والمراجع.]] لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار. والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان. فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ - قوله - ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ . فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.

* *

فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا، هم الذين عملوا الصالحات، دون الذين عملوا السيئات، فإن في إخبار الله = أنه مكفر - باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخلُنا المُدخلَ الكريم = ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ، بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها.

* *

فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه، فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله: ﴿بلى من كسب سيئة﴾ ؟

قيل: لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه، وأن المعنيَّ بالآية خاص دون عام، ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد، إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذرَ من بلغه. وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة. فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية. فأما أهل الكبائر، فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها. فمن أنكر ذلك - ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة - فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار، بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد. إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن، وكانت الآية يأتي عاما في صنف ظاهرها، وهي خاص في ذلك الصنف باطنها. [[انظر تفسير"الظاهر والباطن" آنفًا: ٢: ١٥ والمراجع.]]

ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء، سؤالَنا منكر رجم الزاني المحصن، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض. فإن السؤال عليهم، نظير السؤال على هؤلاء، سواء. [[هذا رد على المعتزلة، في إيجابهم خلود أهل الإيمان في النار. ورجم الزاني المحصن، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض، مما جاء في الأخبار، ولم يأت به نص قرآن.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها.

* *

وأصل"الإحاطة بالشيء"، الإحداق به، بمنزلة"الحائط" الذي تحاط به الدار فتحدق به. ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿نارا أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩] .

* *

فتأويل الآية إذًا: من أشرك بالله، واقترف ذنوبا جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبدا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون.

ذكر من قال ذلك:

١٤٢٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي روق، عن الضحاك: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: مات بذنبه.

١٤٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح قال، حدثنا الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: مات عليها. [[الخبر: ١٤٣٠ - الربيع بن خثيم الثوري الكوفي: من كبار التابعين وخيارهم، ثقة لا يسأل عن مثله. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ /٢٤٦ وابن أبي حاتم ١/ ٢ /٤٥٩. وأبوه "خثيم" بضم الخاء المعجمة مصغر، كما ضبطه ابن دريد في الاشتقاق: ١١٢ - ١١٣، والحافظ في التقريب، ووقع في المطبوعة"خيثم" بتقديم الياء على الثاء، وبذلك ضبطه صاحب الخلاصة. وهو خطأ صرف.]]

١٤٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، أخبرني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: يحيط كفره بما له من حسنة.

١٤٣٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: ما أوجب الله فيه النار.

١٤٣٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة.

١٤٣٤ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق [قال، أخبرنا معمر] ، عن قتاده: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: الخطيئة: الكبائر.

١٤٣٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع ويحيى بن آدم، عن سلام بن مسكين قال: سأل رجل الحسن عن قوله: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، فقال: ما ندري ما الخطيئة، يا بني اتل القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار، فهي الخطيئة.

١٤٣٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: كل ذنب محيط، فهو ما وعد الله عليه النار.

١٤٣٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: مات بخطيئته.

١٤٣٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش قال، حدثنا مسعود أبو رزين، عن الربيع بن خثيم في قوله: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.

١٤٣٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، قال وكيع: سمعت الأعمش يقول في قوله: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، مات بذنوبه.

١٤٤٠ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، الكبيرة الموجبة.

١٤٤١ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أحاطت به خطيئته﴾ ، فمات ولم يتب.

١٤٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حسان، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ ، قال: الشرك، ثم تلا ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] . [[انظر ما مضى في كلامه عن"الخطيئة" في هذا الجزء ٢: ١١٠.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" فأولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم، أصحاب النار هم فيها خالدون.

* *

ويعني بقوله جل ثناؤه: ﴿أصحاب النار﴾ ، أهل النار، وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارهم - في حياتهم الدنيا ما يوردهموها ويوردهم سعيرها - على الأعمال التي توردهم الجنة فجعلهم جل ذكره = بإيثارهم أسبابها على أسباب الجنة = لها أصحابا، كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثرا صحبته على صحبة غيره، حتى يعرف به.

* *

﴿هم فيها﴾ ، يعني: هم في النار خالدون. ويعني بقوله: ﴿خالدون﴾ مقيمون * كما:

١٤٤٣ - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿هم فيها خالدون﴾ ، أي خالدون أبدا.

١٤٤٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿هم فيها خالدون﴾ لا يخرجون منها أبدا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) ﴾

قال أبو جعفر: ويعني بقوله: ﴿والذين آمنوا﴾ ، أي صدقوا بما جاء به محمد ﷺ. ويعني بقوله: ﴿وعملوا الصالحات﴾ ، أطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه. ويعني بقوله: ﴿فأولئك﴾ ، فالذين هم كذلك ﴿أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ ، يعني أهلها الذين هم أهلها هم فيها ﴿خالدون﴾ ، مقيمون أبدا.

* *

وإنما هذه الآية والتي قبلها إخبار من الله عباده عن بقاء النار وبقاء أهلها فيها، [وبقاء الجنة وبقاء أهلها فيها] ، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها، لسياقة الكلام.]] ودوام ما أعد في كل واحدة منهما لأهلها، تكذيبا من الله جل ثناؤه القائلين من يهود بني إسرائيل: إن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وأنهم صائرون بعد ذلك إلى الجنة. فأخبرهم بخلود كفارهم في النار، وخلود مؤمنيهم في الجنة * كما:-

١٤٤٥ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ ، أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له أبدا.

١٤٤٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصلحات﴾ ، محمد ﷺ وأصحابه -"أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾

قال أبو جعفر: قد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن"الميثاق""مفعال" من"التوثق باليمين" ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. [[انظر ما سلف ١: ٤١٤، وهذا الجزء ٢: ١٥٦.]] فمعنى الكلام إذًا: واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل، إذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، كما:-

١٤٤٧ - حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ -أي ميثاقكم- ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ .

* *

قال أبو جعفر: والقَرَأَة مختلفة في قراءة قوله [[في المطبوعة: "والقراء مختلفة"، ورددتها إلى ما جرى عليه الطبري في كل ما سلف.]] ﴿لا تعبدون﴾ . فبعضهم يقرؤها بالتاء، وبعضهم يقرؤها بالياء، والمعنى في ذلك واحد. وإنما جازت القراءة بالياء والتاء، وأن يقال ﴿لا تعبدون﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ وهم غَيَب، [[غيب (بفتح الغين والياء) جمع غائب، مثل خادم وخدم.]] لأن أخذ الميثاق، بمعنى الاستحلاف. فكما تقول:"استحلفت أخاك ليقومن" فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك. وتقول:"استحلفته لتقومن"، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب، لأنك قد كنت خاطبته بذلك - فيكون ذلك صحيحا جائزا.

فكذلك قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ و ﴿لا يعبدون﴾ . من قرأ ذلك"بالتاء" فمعنى الخطاب، إذ كان الخطاب قد كان بذلك. ومن قرأ"بالياء" فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم.

* *

وأما رفع"لا تعبدون"، فبالتاء التي في"تعبدون"، ولا ينصب بـ "أن" التي كانت تصلح أن تدخل مع ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ . لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل، كان وجه الكلام فيه الرفع، كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] ، فرفع"أعبد" إذ لم تدخل فيها"أن" - بالألف الدالة على معنى الاستقبال، وكما قال الشاعر: [[هو طرفة بن العبد.]]

ألا أيهذا الزاجري أحضرُ الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي [[ديوانه: ٣١٧ (أشعار الستة الجاهليين) ، من معلقته النفيسة وسيأتي في ٢١: ٢٢ / ٣٠: ١٣٠ (بولاق) ، وسيبويه ١: ٤٥٢.]]

فرفع"أحضر" وإن كان يصلح دخول"أن" فيها -إذ حذفت، بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال.

وإنما صلح حذف"أن" من قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون﴾ ، لدلالة ما ظهر من الكلام عليها، فاكتفى - بدلالة الظاهر عليها - منها. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٣ - ٥٤.]]

* *

وقد كان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، حكاية، كأنك قلت: استحلفناهم: لا تعبدون، أي قلنا لهم: والله لا تعبدون - وقالوا: والله لا يعبدون. والذي قال من ذلك، قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، تأوله أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له، وأن لا يعبدوا غيره.

١٤٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، قال: أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره.

١٤٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ ، قال: الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة. [[قوله تعالى في سورة المائدة: ١٢: (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) إلى آخر الآية.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾

قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ عطف على موضع"أن" المحذوفة في ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ . فكان معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع ﴿لا تعبدون﴾ لما حذف"أن"، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر: [[عقيبة بن هبيرة الأسدي، جاهلي إسلامي.]]

معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا [[سيبويه ١: ٣٤، ٣٧٥، ٤٤٨، والخزانة ١: ٣٤٣، وسمط اللآلئ: ١٤٩ وفيه تحقيق جيد. وهذا البيت مما أخطأ فيه سيبويه، وكان عقيبة وفد على معاوية، ودفع إليه رقعة فيها هذه الأبيات: معاوي إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديد

فهبها أمة ذهبت ضياعا ... يزيد أميرها وأبو يزيد

أكلتم أرضنا فجردتموها ... فهل من قائم أو من حصيد ؟

ذروا خَوْنَ الخلافة واستقيموا ... وتأمير الأراذل والعبيد

وأعطونا السوية، لا تزركم ... جنود مردفات بالجنود

فدعاه معاوية فقال له: ما أجرأك علي؟ قال: نصحتك إذ غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال معاوية: ما أظنك إلا صادقا.]] فنصب"الحديد" على العطف به على موضع"الجبال"، لأنها لو لم تكن فيها"باء" خافضة كانت نصبا، فعطف بـ "الحديد" على معنى "الجبال"، لا على لفظها. فكذلك ما وصفت من قوله: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ .

* *

وأما"الإحسان" فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله: ﴿وبالوالدين﴾ ، إذ كان مفهوما معناه، فكان معنى الكلام - لو أظهر المحذوف -: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل، بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، فاكتفى بقوله: ﴿وبالوالدين﴾ من أن يقال: وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام.

* *

وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسنوا إحسانا، فجعل"الباء" التي في"الوالدين" من صلة الإحسان، مقدمة عليه.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فزعموا أن"الباء" التي في"الوالدين" من صلة المحذوف - أعني أحسنوا - فجعلوا ذلك من كلامين. وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك، إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه. فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد، فلا وجه لصرفه إلى كلامين. وأخرى: أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا، لقيل: وإلى الوالدين إحسانا، لأنه إنما يقال:"أحسن فلان إلى والديه" ولا يقال: أحسن بوالديه، إلا على استكراه للكلام.

ولكن القول فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا، وبالوالدين إحسانا - على ما بينا قبل. فيكون والإحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه، كما بينا فيما مضى من نظائره. [[انظر ما سلف ١: ١٣٨.]]

* *

فإن قال قاتل: وما ذلك"الإحسان" الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق؟ قيل: نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وذي القربي﴾ ، وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه.

* *

و"القربي" مصدر على تقدير"فعلى"، من قولك،"قربت مني رحم فلان قرابة وقربي وقربا"، بمعنى واحد.

* *

وأما"اليتامى". فهم جمع"يتيم"، مثل"أسير وأسارى". ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث.

* *

ومعنى ذلك: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد، وبالوالدين إحسانا، وبذي القربي: أن تصلوا رحمه، وتعرفوا حقه، وباليتامى: أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، وبالمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم.

* *

و"المسكين"، هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو"مفعيل" من"المسكنة". و"المسكنة" هي ذل الحاجة والفاقة. [[انظر ما سلف في هذا الجزء: ٢: ١٣٧.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾

قال أبو جعفر: إن قال قائل: كيف قيل: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام، وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي. فلو كان مكان:"لا تعبدون إلا الله"، لا تعبدوا إلا الله - على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره - كان حسنا صوابا. وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز - لو كان مقروءا به - لأن أخذ الميثاق قول.

فكان معنى الكلام -لو كان مقروءا كذلك-: وإذ قلنا لبني إسرائيل: لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] . فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ ، عطف بقوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، على موضع ﴿لا تعبدون﴾ ، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، [[في المطبوعة:"ومعناه" بزيادة الواو، والصواب حذفها.]] لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع"لا تعبدون". فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه: من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكاية لما أخبرت عنه، [[في المطبوعة: "في موضع الحكايات كما أخبرت عنه"، والصواب ما أثبته.]] ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب؛ وتبتدئ أحيانا على وجه الخطاب، ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب، لما في الحكاية من المعنيين، [[انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤، وسيأتي في هذا الجزء ٢: ٣٥٧.]] كما قال الشاعر: [[هو كثير عزة.]]

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مَقْلِيَّةً إن تَقَلَّت [[ديوانه ١: ٥٣ من قصيدته المشهورة. قلاه يقليه قلى فهو مقلي: كرهه وأبغضه. وتقلى تبغض، أي استعمل من الفعل أو القول ما يدعو إلى بغضه.]]

يعني: تقليت.

* *

وأما"الحسن" فإن القَرَأَة اختلفت في قراءته. [[في المطبوعة: "فإن القراء"، ورددته إلى ما مضى عليه أبو جعفر في عبارته، كما سلف مرارا.]] فقرأته عامة قَرَأَة الكوفة غير عاصم: ﴿وقولوا للناس حَسَنا﴾ بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قراء المدينة: ﴿حُسْنا﴾ بضم الحاء وتسكين السين. وقد روي عن بعض القَرَأَة أنه كان يقرأ: "وقولوا للناس " حُسْنَى " على مثال "فُعلى".

* *

واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله: "حُسْنا" و"حَسَنا". فقال بعض البصريين: هو على أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـ"الحَسَن" "الحُسن" وكلاهما لغة، كما يقال: "البُخل والبَخَل"، وإما أن يكون جعل "الحُسن" هو "الحَسن" في التشبيه. وذلك أن الحُسن "مصدر" و "الحَسن" هو الشيء الحسن. ويكون ذلك حينئذ كقولك:"إنما أنت أكل وشرب"، وكما قال الشاعر: [[يقال هو: عمرو بن معد يكرب الزبيدي. (الخزانة ٤: ٥٦) ، وليس في قصيدته التي على هذا الوزن في الأصمعيات: ٤٣، ولكنه أتى في نوادر أبي زيد: ١٤٩ - ١٥٠ أنه لعمرو بن معد يكرب. فكأنه له، وكأنه سقط من رواية الأصمعي، وهو في رواية غيره.]]

وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع [[نوادر أبي زيد: ١٥٠، وسيبويه ١: ٣٦٥، ٤٢٩ والخزانة ٤: ٥٣. وغيرها.]]

فجعل"التحية" ضربا.

وقال آخر: بل "الحُسن" هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن. و"الحسن" هو البعض من معاني"الحُسن". قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحُسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه، فقال: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، يعني بذلك بعض معاني الحُسن.

* *

قال أبو جعفر: والذي قاله هذا القائل في معنى"الحسن" بضم الحاء وسكون السين، غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما"الحسن" فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله: ﴿وقولوا للناس حَسنا﴾ ، لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم:"وقولوا للناس" باستعمال الحَسن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول. وذلك نعت لخاص من معاني الحُسن، وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.

* *

وأما الذي قرأ ذلك: ﴿وقولوا للناس حسنى﴾ ، فإنه خالف بقراءته إياه كذلك، قراءة أهل الإسلام. وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك، خروجها من قراءة أهل الإسلام، لو لم يكن على خطئها شاهد غيره. فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلم بـ "فعلى" "وأفعل" إلا بالألف واللام أو بالإضافة. لا يقال:"جاءني أحسن"، حتى يقولوا:"الأحسن". ولا يقال:"أجمل"، حتى يقولوا،"الأجمل". وذلك أن"الأفعل والفعلى"، لا يكادان يوجدان صفة إلا لمعهود معروف، كما تقول: بل أخوك الأحسن - وبل أختك الحسنى". وغير جائز أن يقال: امرأة حسنى، ورجل أحسن.

* *

وأما تأويل القول الحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بني إسرائيل في هذه الآية، أن يقولوه للناس، [[في المطبوعة: "لأن يقولوه للناس" بزيادة اللام، فاسدة.]] فهو ما:-

١٤٥١ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، أمرهم أيضا بعد هذا الخلق: أن يقولوا للناس حسنا: أن يأمروا بـ "لا إله إلا الله" من لم يقلها ورغب عنها، حتى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه. وقال الحسن أيضا، لين القول، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه.

١٤٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال، قولوا للناس معروفا.

١٤٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: صدقا في شأن محمد ﷺ.

١٤٥٤ - وحدثت عن يزيد بن هارون قال، سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. [[الأثر: ١٤٥٤ - أخشى أن يكون سقط من إسناده شيء.]]

١٤٥٥ - حدثني هارون بن إدريس الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال، سألت عطاء بن أبي رباح، عن قول الله جل ثناؤه: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول. قال: وسألت أبا جعفر، فقال مثل ذلك. [[الخبر: ١٤٥٥ - هارون بن إدريس الأصم، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة، ولا وجدته في مكان، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا ١: ٢٥٣، و٢: ١٢٦. روى عنه، عن المحاربي. عبد الملك بن أبي سليمان: هو العرزمي، أحد الأئمة الثقات الحفاظ. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ /٣٦٦ - ٣٦٨.]]

١٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا القاسم قال، أخبرنا عبد الملك، عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ ، قال: للناس كلهم.

١٤٥٧ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء مثله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، أدوها بحقوقها الواجبة عليكم فيها * كما:-

١٤٥٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود قال: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ، هذه و"إقامة الصلاة" تمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع، والإقبال عليها فيها. [[انظر ما سلف ١: ٢٤١، ٥٧٣.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى قبل، معنى"الزكاة" وما أصلها. [[انظر ما سلف ١: ٥٧٣ - ٥٧٤.]]

* *

وأما الزكاة التي كان الله أمر بها بني إسرائيل الذين ذكر أمرهم في هذه الآية، فهي ما:-

١٤٥٩ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ، قال: إيتاء الزكاة، ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سنة كانت لهم غير سنة محمد ﷺ. كانت زكاة أموالهم قربانا تهبط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قرب من مكسب لا يحل: من ظلم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمره الله به وبينه له.

١٤٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ، يعني"بالزكاة": طاعة الله والإخلاص.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بني إسرائيل، أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم على الوفاء له، بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلى الآباء والأمهات، ويصلوا الأرحام، ويتعطفوا على الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل المسكنة إليهم، ويأمروا عباد الله بما أمرهم الله به ويحثوهم على طاعته، ويقيموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم - فخالفوا أمره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده وميثاقه، كما:-

١٤٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما فرض الله جل وعز عليهم - يعني: على هؤلاء الذين وصف الله أمرهم في كتابه من بني إسرائيل - هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالا له وكراهية، وطلبوا ما خف عليهم إلا قليلا منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: ﴿ثم توليتم﴾ ، يقول: أعرضتم عن طاعتي، ﴿إلا قليلا منكم﴾ ، قال: القليل الذين اخترتهم لطاعتي، وسيحل عقابي بمن تولى وأعرض عنها يقول: تركها استخفافا بها. [[انظر معنى "تولى" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ١٦٢.]] .

١٤٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ ، أي تركتم ذلك كله.

* *

وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ﴿وأنتم معرضون﴾ ، اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، وعنى بسائر الآية أسلافهم. كأنه ذهب إلى أن معنى الكلام: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم﴾ : ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ولكنه جعل خطابا لبقايا نسلهم -على ما ذكرناه فيما مضى قبل- [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٨، ٣٩ ثم: ١٦٤، ثم: ٢٤٥، ثم ٣٠٢.]] ثم قال: وأنتم يا معشر بقاياهم معرضون أيضا عن الميثاق الذي أخذ عليكم بذلك، وتاركوه ترك أوائلكم.

* *

وقال آخرون: بل قوله: ﴿ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾ ، خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وتبديلهم أمر الله، وركوبهم معاصيه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾

قال أبو جعفر: قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ في المعنى والإعراب نظير قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ .

* *

وأما"سفك الدم"، فإنه صبه وإراقته.

* *

فإن قال قائل: وما معنى قوله: ﴿لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ ؟ وقال: أو كان القوم يقتلون أنفسهم ويخرجونها من ديارها، فنهوا عن ذلك؟ قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا. فكان في قتل الرجل منهم الرجل قتل نفسه، إذ كانت ملتهما [واحدة، فهما] بمنزلة رجل واحد. كما قال عليه السلام: [[الزيادة بين القوسين لا بد منها، وإلا فسد الكلام.]]

١٤٦٣ -"إنما المؤمنون في تراحُمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". [[الحديث: ١٤٦٣ - هكذا رواه الطبري معلقا. والظاهر أنه رواه بالمعنى أيضًا. ولفظه في صحيح مسلم ٢: ٢٨٤، من حديث النعمان بن بشير: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وكذلك رواه أحمد في المسند (٤: ٢٧٠ حلبي) . ورواه البخاري بنحو معناه ١٠: ٣٦٧ (من الفتح) .]]

* *

وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ ، أي: لا يقتل الرجل منكم الرجل منكم، فيقاد به قصاصا، فيكون بذلك قاتلا نفسه، لأنه كان الذي سبب لنفسه ما استحقت به القتل. فأضيف بذلك إليه، قتل ولي المقتول إياه قصاصا بوليه. كما يقال للرجل يركب فعلا من الأفعال يستحق به العقوبة، فيعاقب العقوبة:"أنت جنيت هذا على نفسك".

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٦٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ ، أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ ، ونفسُك يا ابن آدم أهل ملتك.

١٤٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ ، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا، ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ ، يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار.

١٤٦٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة في قوله: ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ ، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق، ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ ، فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملتك ودعوتك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ثم أقررتم﴾ ، بالميثاق الذي أخذنا عليكم: لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، كما:-

١٤٦٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ثم أقررتم﴾ ، يقول: أقررتم بهذا الميثاق.

١٤٦٨ - وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن خوطب بقوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ . فقال بعضهم: ذلك خطاب من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ أيام هجرته إليه، مؤنبا لهم على تضييع أحكام ما في أيديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها، فقال الله تعالى لهم: ﴿ثم أقررتم﴾ ، يعني بذلك، إقرار أوائلكم وسلفكم، ﴿وأنتم تشهدون﴾ على إقرارهم بأخذ الميثاق عليهم، بأن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وتصدقون بأن ذلك حق من ميثاقي عليهم. وممن حُكي معنى هذا القول عنه، ابنُ عباس.

١٤٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ أن هذا حق من ميثاقي عليكم.

* *

وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، ولكنه تعالى ذكره أخرج الخبر بذلك عنهم مُخرج المخاطبة، على النحو الذي وصفنا في سائر الآيات التي هي نظائرها، التي قد بينا تأويلها فيما مضى. [[انظر ما سلف: ٢: ٢٩٨، تعليق: ٢، والمراجع.]]

* *

وتأولوا قوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ ، على معنى: وأنتم شهود.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ ، يقول: وأنتم شهود.

* *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب عندي: أن يكون قوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ خبرا عن أسلافهم، وداخلا فيه المخاطبون منهم، الذين أدركوا رسول الله ﷺ، كما كان قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ خبرا عن أسلافهم، وإن كان خطابا للذين أدركوا رسول الله ﷺ. [[في المطبوعة: "بأن كان خطابا. . "، وهو لا يستقيم.]] لأن الله تعالى أخذ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول الله موسى ﷺ من بني إسرائيل - على سبيل ما قد بينه لنا في كتابه - فألزم جميع من بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة، مثل الذي ألزم منه من كان على عهد موسى منهم. ثم أنب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم ذلك الميثاق، وتكذيبهم ما وكدوا على أنفسهم له بالوفاء من العهود، [[سياق العبارة: "وتكذيبهم ما وكدوا من العهود على أنفسهم بالوفاء له. . "، فقدم وأخر.]] بقوله: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ . فإذْ كان خارجا على وجه الخطاب للذين كانوا على عهد نبينا ﷺ منهم، [[في المطبوعة: "فإن كان خارجا. . " وهو تصحيف لا يستقيم.]] فإنه معني به كل من واثق بالميثاق منهم على عهد موسى ومن بعده، وكل من شهد منهم بتصديق ما في التوراة. لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: ﴿ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ - وما أشبه ذلك من الآي - بعضهم دون بعض. والآية محتملة أن يكون أريد بها جميعهم. فإذْ كان ذلك كذلك، [[في المطبوعة: "فإن كان ذلك كذلك"، وهو تصحيف لا يستقيم أيضًا.]] فليس لأحد أن يدعي أنه أريد بها بعض منهم دون بعض. وكذلك حكم الآية التي بعدها، أعني قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ الآية. لأنه قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرهم الذين أدركوا عصر نبينا محمد ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

قال أبو جعفر: ويتجه في قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ وجهان. أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك"يا" استغناء بدلالة الكلام عليه، كما قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] ، وتأويله: يا يوسف أعرض عن هذا. فيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتم يا معشر يهود بني إسرائيل - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتم = بعد شهادتكم على أنفسكم = [[في المطبوعة: "ثم أقررتم وبعد شهادتكم. . " والواو لا مكان لها هنا.]] بأن ذلك حق لي عليكم، لازم لكم الوفاء لي به - تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، متعاونين عليهم، في إخراجكم إياهم، بالإثم والعدوان. [[في المطبوعة"متعاونين عليه في إخراجكم. . "، وهذا سهو.]]

* *

والتعاون هو"التظاهر". وإنما قيل للتعاون"التظاهر"، [[في المطبوعة: " وإنما قيل التعاون التظاهر. . " وهذا لا شيء.]] لتقوية بعضهم ظهر بعض. فهو"تفاعل" من"الظهر"، وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.

* *

والوجه الآخر: أن يكون معناه: ثم أنتم قوم تقتلون أنفسكم. فيرجع إلى الخبر عن"أنتم". وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم"بهؤلاء"، كما تقول العرب:"أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس"، [[في المطبوعة: "ولوقيل. أنا هذا أجلس". والصواب ما أثبت.]] وإذْ قيل:"أنا هذا أجلس" كان صحيحا جائزا كذلك: أنت ذاك تقوم".

وقد زعم بعض البصريين أن قوله"هؤلاء" في قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ ، تنبيه وتوكيد لـ "أنتم". وزعم أن"أنتم" وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين، فإنما جاز أن يؤكدوا بـ "هؤلاء" و"أولاء"، [[في المطبوعة: "وأولى"، وهو خطأ. ويعني قوله تعالى في سورة آل عمران: ١١٩: "ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم"، وقوله تعالى في سورة طه: ٨٤: " قال هم أولاء على أثرى".]] لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال خفاف بن ندبة:

أقول له والرمح يَأطر متنه: ... تبين خُفافا إنني أنا ذلكا [[مضى تخريجه فيما سلف ١: ٢٢٧.]]

يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يونس: ٢٢]

* *

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عَني بقوله: ﴿وأنتم تشهدون﴾ * ذكر اختلاف المختلفين في ذلك:

١٤٧١ - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ إلى أهل الشرك، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٢٣، والدر المنثور ١: ٨٦: "أي أهل الشرك"، والصواب ما في الطبري، وقوله: "إلى أهل الشرك"، أي تخرجون فريقا منكم - إلى أهل الشرك.]] حتى تسفكوا دماءهم معهم، وتخرجوهم من ديارهم معهم. [[في المطبوعة: "فقال أنبهم"، والأجود حذفها.]] قال: أنبهم الله [على ذلك] من فعلهم، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها. وأما ابن كثير في تفسيره ١: ٢٢٣ فكتب: "أنبأهم الله بذلك من فعلهم"، وهو تحريف.]] وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بني قينقاع حلفاء الخزرج، والنضير وقريظة حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، [[في المطبوعة: "أهل الشرك"، والصواب في سيرة ابن هشام ٢: ١٨٨، وابن كثير ١: ٢٢٤.]] لا يعرفون جنة ولا نارا، ولا بعثا ولا قيامة، ولا كتابا، ولا حراما ولا حلالا فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم، تصديقا لما في التوراة، وأخذا به، بعضهم من بعض. يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون ما أصابوا من الدماء، [[طل دمه وأطله: أهدره وأبطله.]] وقتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، [[في المطبوعة: "وقتلوا من قتلوا. . "، والصواب من ابن هشام ٢: ١٨٩.]] مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: [[في المطبوعة: "أنباهم بذلك"، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام ٢: ١٨٩، وسترى ذلك في تفسير الآية نفسها بعد.]] ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، أي تفادونه بحكم التوراة وتقتلونه - وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، [[في المطبوعة: "من ذلك"، وهو محض خطأ.]] ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه - ابتغاء عرض من عرض الدنيا.

ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة. [[هذه الجملة الأخيرة من كلام ابن إسحاق، لا من كلام ابن عباس.]]

١٤٧٢ - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون﴾ قال: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة: أن لا يقتل بعضهم بعضا، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه، فأعتقوه. [[في المطبوعة: "بما قدم يمينه فأعتقوه". وهو كلام من السقم بمكان. يقال: قامت الأمة مئة دينار، أي بلغت قيمتها مئة دينار. ويقال: كم قامت أمتك؟ أي كم بلغت؟ ووجدتها في تفسير البغوي على الصواب: "بما قام من ثمنه" ١: ٢٢٤ (بهامش تفسير ابن كثير) .]] فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمير. [[حرب سُمير. كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج. وسُمير رجل من بني عمرو بن عوف. وانظر خبر هذه الحرب في الأغاني ٣: ١٨: ٢٦.]] فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم، فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها. فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا. فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان﴾ .

١٤٧٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كانت قريظة والنضير أخوين، وكانوا بهذه المثابة، [[المثابة: يعني المدينة رسول الله ﷺ. والمثابة المنزل، لأن أهله يتصرفون في أمورهم ثم يثوبون إليه، يرجعون إليه. وقال الله تعالى: "وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا"]] وكان الكتاب بأيديهم. وكانت الأوس والخزرج أخوين فافترقا، وافترقت قريظة والنضير، فكانت النضير مع الخزرج، وكانت قريظة مع الأوس، فاقتتلوا. وكان بعضهم يقتل بعضا، فقال الله جل ثناؤه: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم﴾ الآية.

* *

وقال آخرون بما:-

١٤٧٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم. وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.

* *

قال أبو جعفر: وأما "العدوان" فهو"الفعلان" من"التعدي"، يقال منه:"عدا فلان في كذا عدوا وعدوانا، واعتدى يعتدي اعتداء"، وذلك إذا جاوز حده ظلما وبغيا.

* *

وقد اختلف الْقَرَأَة في قراءة: ﴿تظاهرون﴾ . [[في المطبوعة: "وقد اختلف القراء"، ورددتها إلى منهج الطبري.]] فقرأها بعضهم:"تظاهرون" على مثال"تفاعلون" فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة. وقرأها آخرون: ﴿تظَّاهرون﴾ ، فشدد، بتأويل: ﴿تتظاهرون﴾ ، غير أنهم أدغموا التاء الثانية في الظاء، لتقارب مخرجيهما، فصيروهما ظاء مشددة. وهاتان القراءتان، وإن اختلفت ألفاظهما، فإنهما متفقتا المعنى. فسواء بأي ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعا لغتان معروفتان، وقراءتان مستفيضتان في أمصار الإسلام بمعنى واحد، ليس في إحداهما معنى تستحق به اختيارها على الأخرى، إلا أن يختار مختار"تظاهرون" المشددة طلبا منه تتمة الكلمة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفادوهم﴾ اليهود. يوبخهم بذلك، ويعرفهم به قبيح أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فقال لهم: ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: أن لا تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم = يعني به: يقتل بعضكم بعضا = وأنتم، مع قتلكم من تقتلون منكم، إذا وجدتم الأسير منكم في أيدي غيركم من أعدائكم، تفدونه، [[في المطبوعة: "تفدوهم"، خطأ.]] ويخرج بعضكم بعضا من دياره. وقتلكم إياهم وإخراجكموهم من ديارهم، حرام عليكم، وتركهم أسرى في أيدي عدوكم [حرام عليكم] ، [[الزيادة بين القوسين لا معدى عنها لاستقامة الكلام.]] فكيف تستجيزون قتلهم، ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم، وتستجيزون قتلهم؟ وهما جميعا في اللازم لكم من الحكم فيهم - سواء. [[في المطبوعة: "وهم جميعا"، والصواب ما أثبت.]] لأن الذي حرمت عليكم من قتلهم وإخراجهم من دورهم، نظير الذي حرمت عليكم من تركهم أسرى في أيدي عدوهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذي فرضت عليكم فيه فرائضي، وبينت لكم فيه حدودي، وأخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي - فتصدقون به، فتفادون أسراكم من أيدي عدوكم؛ وتكفرون ببعضه، فتجحدونه، فتقتلون من حرمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم؟ وقد علمتم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقي؟ كما:-

١٤٧٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تَفْدُوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، [أفتؤمنون ببعض الكتاب فادين، وتكفرون ببعض قاتلين ومخرجين] ؟ [[كان في المطبوعة: ". . وتكفرون ببعض فادين والله إن فداء لإيمان"، وهو كلام مضطرب فزدت ما بين القوسين استظهارا، حتى يستقيم الكلام.]] والله إن فداءهم لإيمان، وإن إخراجهم لكفر. فكانوا يخرجونهم من ديارهم، وإذا رأوهم أسارى في أيدي عدوهم أفتكوهم.

١٤٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وإن يأتوكم أسارى تَفْدوهم﴾ ، قد علمتم أن ذلكم عليكم في دينكم، ﴿وهو محرم عليكم﴾ في كتابكم ﴿إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفرا بذلك.

١٤٧٧ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفدوهم﴾ يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك؟

١٤٧٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر قال، قال أبو جعفر: كان قتادة يقول في قوله: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، فكان إخراجهم كفرا، وفداؤهم إيمانا.

١٤٧٩ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ الآية، قال: كان في بني إسرائيل: إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ عليهم الميثاق: أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، وأخذ عليهم الميثاق: إن أسر بعضهم أن يفادوهم. فأخرجوهم من ديارهم، ثم فادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض. آمنوا بالفداء ففدوا، وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا.

١٤٨٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر قال، حدثنا الربيع بن أنس قال، أخبرني أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك: أن فادوهن كلهن.

١٤٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، قال: كفرهم القتل والإخراج، وإيمانهم الفداء. قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم، وأما إذا أسروا تفدونهم؟ [[في المطبوعة: "تفدوهم"، خطأ.]] وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل: إن بني إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث.

* *

قال أبو جعفر: واختلف الْقَرَأَة [[في المطبوعة: "واختلف القراء"، ورددته إلى نهج أبي جعفر.]] في قراءة قوله: ﴿وإن يأتوكم أسارى تفدوهم﴾ .

فقرأه بعضهم: ﴿أسرى تَفْدوهم﴾ ، وبعضهم: ﴿أُسارى تُفادوهم﴾ ، وبعضهم ﴿أُسارى تَفدوهم﴾ ، وبعضهم: ﴿أسرى تفادوهم﴾ .

* *

قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: ﴿وإن يأتوكم أسرى﴾ ، فإنه أراد جمع"الأسير"، إذ كان على"فعيل"، على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير"فعيل"، إذ كان"الأسر" شبيه المعنى - في الأذى والمكروه الداخل على الأسير - ببعض معاني العاهات، وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا، فقيل: أسير وأسرى"، كما قيل:"مريض ومرضى، وكسير وكَسرى، وجريح وجرحى".

* *

وقال أبو جعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: ﴿أُسارى﴾ ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع "فَعلان"، إذ كان جمع "فَعلان" الذي له "فَعلى" قد يشارك جمع "فعيل" كما قالوا: "سَكارى وسَكرى، وكَسالى وكَسلى"، فشبهوا"أسيرا" - وجمعوه مرة"أسارى"، وأخرى"أسرى" - بذلك.

* *

وكان بعضهم يزعم أن معنى"الأسرى" مخالف معنى"الأسارى"، ويزعم أن معنى"الأسرى" استئسار القوم بغير أسر من المستأسِر لهم، وأن معنى"الأسارى" معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.

قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب. ولكن ذلك على ما وصفت من جمع"الأسير" مرة على "فَعلى" لما بينت من العلة، ومرة على"فُعالى"، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه بجمع"سكران وكسلان" وما أشبه ذلك.

* *

وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ ﴿وإن يأتوكم أسرى﴾ ، لأن"فعالى" في جمع"فعيل" غير مستفيض في كلام العرب، فإذ كان ذلك غير مستفيض في كلامهم، وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات - التي بمعنى الآلام والزمانة - وواحده على تقدير"فعيل"، على"فعلى"، كالذي وصفنا قبل، وكان أحد ذلك"الأسير"، كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله، فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها.

* *

وأما من قرأ: ﴿تفادوهم﴾ ، فإنه أراد: أنكم تفدونهم من أسرهم، ويفدي منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.

* *

وأما من قرأ ذلك ﴿تفدوهم﴾ ، فإنه أراد: إنكم يا معشر اليهود، إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم.

وهذه القراءة أعجب إلي من الأولى - أعني: ﴿أسرى تفادوهم﴾ - [[في المطبوعة: "أسرى تفدوهم"، وهو غير الصواب، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة.]] لأن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال، فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم.

* *

وأما قوله: ﴿وهو محرم عليكم إخراجهم﴾ ، فإن في قوله: ﴿وهو﴾ وجهين من التأويل. أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره. كأنه قال: وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر"الإخراج" الذي بعد"وهو محرم عليكم" تكريرا على"هو"، لما حال بين"الإخراج" و"هو" كلام.

والتأويل الثاني: أن يكون عمادا، لمّا كانت "الواو" التي مع "هو" تقتضي اسما يليها دون الفعل. [[العماد، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم: "ضمير الفصل"، ويسمى أيضًا: "دعامة"، "صفة". وأراد بقوله: "الفعل" هنا: المشتق الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل. وسيتبين مراده في العبارات الآتية.]] فلما قدم الفعل قبل الاسم - الذي تقتضيه "الواو" أن يليها - أُولِيَتْ "هو"، لأنه اسم، كما تقول: "أتيتك وهو قائم أبوك"، بمعنى:"وأبوك قائم"، إذ كانت"الواو" تقتضي اسما، فعمدت بـ "هو"، إذ سبق الفعل الاسم ليصلح الكلام. [[قد استوفى هذا كله الفراء في معاني القرآن ١: ٥٠ - ٥٢.]] كما قال الشاعر:

فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عَرَق يَبْسُ [[سيأتي الشطر الثاني من البيت الأخير في ١١: ٣٤، ١٧: ٧٣ ولم أجد الشعر في غير معاني القرآن للفراء ١: ٥٢، ولم أعرف قائله. والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهي من كرائم الإبل. ويبس يابس. قد يبس العرق في آباطها من طول الرحلة.]] بأن السُّلامِيَّ الذي بِضَرِيَّة ... أميرَ الحمى، قد باع حَقِّي بني عبسِ [[السلامي: يعني رجلا كان - فيما أرجح - مصدقا وعاملا على الزكاة، وأميرا على حمى ضرية، ولست أعرف نسبته، أهي قبيلة أم إلى بلد. وحمى ضرية: في نجد، على طريق البصرة إلى مكة، وهي إلى مكة أقرب، وهي أرض طيبة مذكورة في شعرهم. وفي البيت إقواء.]] بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فهل هو مرفوع بما ههنا رَأْسُ [[سيأتي الشطر الثاني بعد قليل: ٣٧٤ قوله: "بثوب"، متعلق بقوله آنفًا "باع". يقول: أخذ هذه الرشى التي عددها من بني عبس، فأسلم إليهم حقي. وقوله: "فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس" يقوله لأبي يحيى الذي ذكره، ويقول: فهل نجد ناصرا ينصرنا وياخذ لناحقنا، فنرفع رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم. وهذه كلمة يقولونها في مثل ذلك. قال الراعي (طبقات فحول الشعراء: ٤٤٢) : فإن رفعت بهم رأسا نَعَشْتُهم ... وإن لَقُوا مثلها في قابل فسدوا

وقال أعرابي: فتى مثل ضوء الشمس، ليس بباخل ... بخير، ولا مهد ملاما لباخل

ولا ناطق عوراء تؤذى جليسه ... ولا رافع رأسا بعوراء قائل

وجاءت هذه الكلمة في (باب فضل من علم وعلم) من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ (البخاري ١: ٢٣) : "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".]]

فأوليت"هل""هو" لطلبها الاسم العماد. [[في المطبوعة: "فأوليت هل لطلبها"، وزيادة"هو" لا بد منها.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم﴾ : فليس لمن قتل منكم قتيلا = فكفر بقتله إياه، بنقض عهد الله الذي حكم به عليه في التوراة - وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهرا عليهم أعداءهم من أهل الشرك ظلما وعدوانا وخلافا لما أمره الله به في كتابه الذي أنزله إلى موسى = جزاء - يعني"بالجزاء": الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه - [[انظر ما سلف ٢: ٢٧ - ٢٨ من هذا الجزء.]] إلا خزي في الحياة الدنيا. و"الخزي": الذل والصغار، يقال منه:"خزي الرجل يخزى خزيا"، ﴿في الحياة الدنيا﴾ ، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة.

* *

ثم اختلف في الخزي الذي أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه. فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد ﷺ: من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم.

* *

وقال آخرون: بل ذلك، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا.

* *

وقال آخرون: بل ذلك الخزي الذي جوزوا به في الدنيا: إخراج رسول الله ﷺ النضير من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾ : ويوم تقوم الساعة يرد من يفعل ذلك منكم - بعد الخزي الذي يحل به في الدنيا جزاء على معصية الله - إلى أشد العذاب الذي أعد الله لأعدائه.

* *

وقد قال بعضهم: معنى ذلك: ويوم القيامة يردون إلى أشد من عذاب الدنيا. [[في المطبوعة: "إلى أشد العذاب من عذاب الدنيا"، والصواب حذف"العذاب".]]

ولا معنى لقول قائل ذلك. [[في المطبوعة: "ولا معنىلقول ذلك بأن. . " والصواب زيادة"ذلك".]] ذلك بأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنهم يردون إلى أشد معاني العذاب، ولذلك أدخل فيه"الألف واللام"، لأنه عنى به جنس العذاب كله، دون نوع منه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ بـ "الياء"، على وجه الإخبار عنهم، فكأنهم نحوا بقراءتهم معنى: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون﴾ ، يعني: عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه ليس لهم جزاء على فعلهم إلا الخزي في الحياة الدنيا، ومرجعهم في الآخرة إلى أشد العذاب.

* *

وقرأه آخرون: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ بـ "التاء" على وجه المخاطبة.

قال: فكأنهم نحوا بقراءتهم: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ . وما الله بغافل، يا معشر اليهود، عما تعملون أنتم.

* *

وأعجب القراءتين إلي قراءة من قرأ بـ "الياء"، اتباعا لقوله: ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم﴾ ، ولقوله: ﴿ويوم القيامة يردون﴾ . لأن قوله: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ إلى ذلك، أقرب منه إلى قوله: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ ، فاتباعه الأقرب إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب.

* *

وتأويل قوله:"وما الله بغافل عما يعملون"، [[في المطبوعة: "وتأويل قوله: وما الله بساه"، لم يذكر الآية، والصواب إثباتها.]] وما الله بساه عن أعمالهم الخبيثة، بل هو محص لها وحافظها عليهم حتى يجازيهم بها في الآخرة، ويخزيهم في الدنيا، فيذلهم ويفضحهم. [[مضى تفسير معنى"الغفلة" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ٢٤٤]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أسراهم من اليهود، ويكفرون ببعض، فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره، نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [هم] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، [[ما بين القوسين زيادة، لا يستقيم الكلام بطرحها.]] وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين. فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا، [[انظر ما مضى ١: ٣١٢: - ٣١٥ في معنى"الاشتراء".]] كما:-

١٤٨٢ - حدثنا بشر، حدثنا يزيد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾ ، استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة. [[الأثر: ١٤٨٢ - كان في المطبوعة: "حدثنا يزيد. . " بإسقاط: "حدثنا بشر قال"، وهذا إسناده إلى قتادة، كثير الدوران، وأقربه فيما مضى رقم: ١٤٧٥.]]

* *

قال أبو جعفر: ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة - بتركهم طاعته، وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه - لا حظ لهم في نعيم الآخرة، وأن الذي لهم في الآخرة العذاب، غير مخفف عنهم فيها العذاب. لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب، هو الذي له حظ في نعيمها، ولا حظ لهؤلاء، لاشترائهم - بالذي كان في الدنيا - دنياهم بآخرتهم. [[في المطبوعة: "لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم"، وهو كلام سقيم، ولعل الصواب ما أثبت.]]

* *

وأما قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد، فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله - لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿آتينا موسى الكتاب﴾ : أنزلناه إليه. وقد بينا أن معنى"الإيتاء" الإعطاء، فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ١: ٥٧٤.]]

* *

و"الكتاب" الذي آتاه الله موسى عليه السلام، هو التوراة.

وأما قوله: ﴿وقفينا﴾ ، فإنه يعني: وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما يقفو الرجل الرجل: إذا سار في أثره من ورائه. وأصله من"القفا"، يقال منه:"قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه، كما يقال:"دبرته": إذا صرت في دبره.

* *

ويعني بقوله: ﴿من بعده﴾ ، من بعد موسى.

* *

ويعني بـ ﴿الرسل﴾ : الأنبياء، وهم جمع"رسول". يقال:"هو رسول وهم رسل"، كما يقال:"هو صبور وهم قوم صبر، وهو رجل شكور وهم قوم شكر.

* *

وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ ، أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة. لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى ﷺ إلى زمان عيسى ابن مريم، فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها. فلذلك قيل: ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ ، يعني على منهاجه وشريعته، والعمل بما كان يعمل به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ ، أعطينا عيسى ابن مريم.

* *

ويعني بـ "البينات" التي آتاه الله إياها: ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، ونحو ذلك من الآيات، التي أبانت منزلته من الله، ودلت على صدقه وصحة نبوته، كما:-

١٤٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثنا محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ : أي الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾

قال أبو جعفر: أما معنى قوله: ﴿وأيدناه﴾ ، فإنه قويناه فأعناه، كما:-

١٤٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وأيدناه﴾ ، يقول: نصرناه. يقال منه:"أيدك الله"، أي قواك،"وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد"، يراد: ذو قوة. ومنه قول العجاج:

من أن تبدلت بآدي آدا [[زيادة ديوانه: ٧٦، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن: ٤٦، وأمالي الزجاجي: ٣٩ في خبر، ورواه: فإن تبدلت بآدي آدا ... لم يك ينآد فأمسى انآدا

فقد أراني أصل القعادا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

والقعاد: القواعد من النساء، جمع على جمع المذكر، كما قال القطامي: أبصارهن إلى الشبان مائلة ... وقد أراهن عني غير صداد

يعني: غير صواد.]] *

يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر: [[ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني. مولى بني شيبان (تاريخ الطبري ٤: ٢٢ / وسمط اللآلئ: ٩٦٣ ترجمته) .]]

إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جَلَد وبطش أيِّد

[[البيت من أبيات جياد رواها أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي ورقة: ١٠٥، ١٠٦، والمسعودى في مروج الذهب ٣: ١٠٤، ولباب الآداب: ٣١، وجاء بيت الشاهد في تاريخ الإسلام للذهبي ٣: ٢٨٠، وتاريخ ابن كثير ٩: ٦٧، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٤٧، واختلفت رواية البيت الشاهد. وقد أوصى عبد الملك بن مروان بنيه وصية جليلة، ثم قال لهم احفظوا عني هذه الأبيات - يعني شعر عبد الله بن عبد الأعلى - أمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فتذهب ريحهم. وبعد البيت: عزت ولم تكسر، وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد]]

يعني بالأيد: القوي.

* *

ثم اختلف في تأويل قوله: ﴿بروح القدس﴾ . فقال بعضهم:"روح القدس" الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به، هو جبريل عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

١٤٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ قال: هو جبريل.

١٤٨٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: هو جبريل عليه السلام.

١٤٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: روح القدس، جبريل.

١٤٨٨ - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس.

١٤٨٩ - وقال ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟ وهو [الذي] يأتيني؟ قالوا: نعم. [[الحديث: ١٤٨٩ - وقع في المطبوعة "حدثنا سلمة، عن إسحاق". وهو خطأ، صوابه"عن ابن إسحاق". عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي: ثقة فقيه، من شيوخ الليث ومالك. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢ / ٢ /٩٧. شهر بن حوشب الأشعري: تابعي ثقة، ومن تكلم فيه فلا حجة له. وقد فصلنا القول في توثيقه، في شرح المسند: ٥٠٠٧. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري. ٢ /٢ / ٦٥٩ - ٢٦٠، وابن سعد ٧ /٢ /١٥٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ ٣٨٢ - ٣٨٣. ولكن هذا الحديث مرسل، فإن شهرا تابعي كما قلنا. ومعناه - في تفسير"الروح" بأنه جبريل - ثابت في أحاديث صحاح متكاثرة. ذكر منها ابن كثير ١: ٢٢٧ حديث ابن مسعود، في صحيح ابن حبان، مرفوعا: "إن روح القدس نقث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وقد ذكرنا في شرحنا رسالة الشافعي. رقم: ٣٠٦ كثيرا من هذا المعنى. وهذا الحديث جزء من حديث مطول، سيأتي بهذا الإسناد رقم: ١٦٠٦.]]

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى، هو الإنجيل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٩٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا، كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .

* *

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

ذكر من قال ذلك:

١٤٩١ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال:"الروح" في هذا الموضع جبريل. لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ) [المائدة: ١١٠] ، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل، لكان قوله:"إذ أيدتك بروح القدس"، و"إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل"، تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾ ، إنما هو: إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل. وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكرير كلام واحد، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر. وذلك خلف من الكلام، [[الخلف: الرديء الفاسد من القول. يقال في المثل: "سكت ألفا ونطق خلفا"، للرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ والخطل.]] والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة. وإذْ كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ فساد قول من زعم أن"الروح" في هذا الموضع، الإنجيل، وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة، وتنتعش بها النفوس المولية، وتهتدي بها الأحلام الضالة.

* *

وإنما سمى الله تعالى جبريل"روحا" وأضافه إلى"القدس"، لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده، من غير ولادة والد ولده، فسماه بذلك"روحا"، وأضافه إلى"القدس" - و"القدس"، هو الطهر - كما سمي عيسى ابن مريم"روحا" لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده.

* *

وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا، أن معنى"التقديس": التطهير، و"القدس"- الطهر، من ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه. [[انظر ما سلف ١: ٤٧٥ - ٤٧٦.]]

١٤٩٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: القدس، البركة.

١٤٩٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قال: القدس، وهو الرب تعالى ذكره.

١٤٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ، قال: الله، القدس، وأيد عيسى بروحه، قال: نعت الله، القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] ، قال: القدس والقدوس، واحد.

١٤٩٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، [عن هلال] بن أسامة، عن عطاء بن يسار قال، قال كعب: الله، القدس. [[الخبر: ١٤٩٥ - هو كلمة من كلام كعب الأحبار. أما الإسناد إليه ففيه إشكال. ولعله خطأ من الناسخين. فليس في الرواة - فيما علمنا - من يسمى"سعيد بن أبي هلال بن أسامة" كما كان في المطبوعة. وإنما صوابه ما رجحنا إثباته، بزيادة [عن هلال] .

فسعيد بن أبي هلال الليثي المدني المصري: ثقة من أتباع التابعين، يروي عنه عمرو بن الحارث (الذي سبقت ترجمته في ١٣٨٧) . وسعيد مترجم في التهذيب، وفي الكبير للبخاري ٢ / ١ /٤٧٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٧١. وهلال بن أسامة: هو: "هلال بن علي بن أسامة المدني "، وبعضهم نسبه إلى جده، فقال: ابن أسامة"، كما في التهذيب، وهو ثقة. مترجم أيضًا في الكبير للبخاري ٤ / ٢ /٢٠٤ - ٢٠٥، وابن أبي حاتم ٤ /٢ /٧٦. وقد فصلنا القول في ترجمته، في شرح المسند: ٧٣٤٦.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم﴾ ، اليهود من بني إسرائيل.

١٤٩٦ - حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.

* *

قال أبو جعفر: يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل، لقد آتينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بالرسل إليكم، وآتينا عيسى ابن مريم البينات والحجج، إذ بعثناه إليكم، وقويناه بروح القدس، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس، فكذبتم بعضا منهم. وقتلتم بعضا. فهذا فعلكم أبدا برسلي.

* *

وقوله: ﴿أفكلما﴾ ، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب، فهو بمعنى الخبر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾

قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ﴿وقالوا قلوبنا غُلْف﴾ مخففة اللام ساكنة. وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار. وقرأه بعضهم:"وقالوا قلوبنا غُلُف" مثقلة اللام مضمومة.

* *

فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها، فإنهم تأولوها، أنهم قالوا: قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف. و"الغلْف" -على قراءة هؤلاء- جمع"أغلف"، وهو الذي في غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذي لم يختتن"أغلف"، والمرأة"غلفاء". وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه:"سيف أغلف"، وقوس غلفاء" وجمعها"غُلْف"، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على"أفعل" وأنثاه على"فعلاء"، يجمع على"فُعْل" مضمومة الأول ساكنة الثاني، مثل:"أحمر وحمر، وأصفر وصفر"، فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير. ولا يجوز تثقيل عين"فعل" منه، إلا في ضرورة شعر، كما قال طرفة بن العبد: [[ديوانه (أشعار الستة الجاهليين) : ٣٣١، من قصيدة نفيسة.]]

أيها الفتيان في مجلسنا ... جردوا منها وِرادا وشُقُر

[[جردوا: قدموا للغارة. وتجرد الفرس: تقدم الحلبة فخرج منها. وتجرد في الأمر: جد فيه. وراد جمع ورد (بفتح فسكون) وهو من الخيل، بين الكميت والأشقر. والأشقر: الأحمر حمرة صافية، يحمر منها السبيب والمعرفة والناصية. والعرب تقول: أكرم الخيل وذوات الخير منها شقرها.]]

يريد: شُقْرًا، إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه. ومنه الخبر الذي:-

١٤٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف معصوب عليه، فذلك قلب الكافر. [[الخبر: ١٤٩٧ - هذا موقوف على حذيفة، وإسناده جيد، إلا أنه منقطع، كما سنبين، إن شاء الله. الحكم بن بشير بن سلمان النهدي الكوفي: ثقة، مترجم في التهذيب، ووقع هناك خطأ مطبعي في اسمي أبيه وجده. وله ترجمة عند البخاري في الكبير ٢/١/٣٤٠، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /١١٤. عمرو بن قيس الملائي": مضت ترجمته: ٨٨٦. و"عمرو بن مرة الجملي"و"أبو البختري" واسمه"سعيد بن فيروز" مضيا في: ١٧٥.

انقطاع الإسناد، هو بين أبي البختري، المتوفي سنة ٨٣، وبين حذيفة بن اليمان، المتوفى أوائل سنة ٣٦ بعد مقتل عثمان بأربعين يوما. ونص في التهذيب على أن أبا البختري لم يدرك حذيفة.

هذا الخبر ذكره الطبري مختصرا - كما ترى - وجاء به السيوطي كاملا ١: ٨٧، ونسبه لابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير، فذكر نحوه، موقوفا على حذيفة.

وقد ورد معناه مرفوعا: فروى أحمد في المسند: ١١١٤٦ (ج٣ ص ١٧ حلبي) ، عن أبي النضر، عن أبي معاوية، وهو شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري. وهذا إسناد صحيح. ويظهر منه أن أبا البختري كان عنده هذا الحديث، عن أبي سعيد مرفوعا متصلا، وعن حذيفة بن اليمان موقوفا منقطعا. ومثل هذا كثير، ولا نجعل إحدى الروايتين علة للأخرى.

وحديث أبي سعيد هذا: ذكره السيوطي ١: ٨٧، ونسبه لأحمد"بسند جيد". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١: ٦٣، وقال:"رواه أحمد، والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم". كأنه يريد إعلاله بضعف ليث. وليث بن أبي سليم: ليس بضعيف بمرة، ولكن في حفظه شيء وحديثه عندنا صحيح، إلا ما ظهر خطؤه فيه، كما بينا في شرح المسند: ١١٩٩، وقد ترجمة البخاري في الكبير ٤ / ١ /٢٤٦، فلم يذكر فيه جرحا.]]

* *

ذكر من قال ذلك، يعني أنها في أغطية.

١٤٩٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، أي في أكنة.

١٤٩٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ ، أي في غطاء.

١٥٠٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس،: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، فهي القلوب المطبوع عليها.

١٥٠١ - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قوله: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، عليها غشاوة.

١٥٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، عليها غشاوة.

١٥٠٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك عن الأعمش قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ ، قال: هي في غُلُف.

١٥٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، أي لا تفقه.

١٥٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، قال: هو كقوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] .

١٥٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ قال: عليها طابَع، قال: هو كقوله: ﴿قلوبنا في أكنة﴾ .

١٥٠٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿قلوبنا غلف﴾ ، أي لا تفقه.

١٥٠٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، قال: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء.

١٥٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ ، قال يقول: قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] . [[في المطبوعة:"شيء" ساقطة، واستدركتها من ابن كثير ١: ٢٢٩.]]

* *

قال أبو جعفر: وأما الذين قرأوها "غلف" بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية.

قال: و"الغلف" على تأويل هؤلاء جمع"غلاف". كما يجمع"الكتاب كتب، والحجاب حجب، والشهاب شهب. فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ"غلف" بتحريك اللام وضمها، وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم، وأوعية له ولغيره.

ذكر من قال ذلك:

١٥١٠ - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال، حدثنا أبي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، قال: أوعية للذكر.

١٥١١ - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا فضيل، عن عطية في قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ قال: أوعية للعلم. [[الخبر: ١٥١١ - محمد بن عمارة الأسدى، شيخ الطبري: لم أجد له ترجمة ولا ذكرا، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا مرارا.]]

١٥١٢ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل، عن عطية مثله.

١٥١٣ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ ، قال: مملوءة علما، لا تحتاج إلى محمد ﷺ ولا غيره.

* *

والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله: ﴿قلوبنا غلف﴾ ، هي قراءة من قرأ ﴿غلف﴾ بتسكين اللام - بمعنى أنها في أغشية وأغطية، لاجتماع الحجة من الْقَرَأَة وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه، من قراءة ذلك بضم"اللام".

وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه، حجة على من بلغه. وما جاء به المنفرد، فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢١٠، ٢١١، ٢٦٥، ٢٩٥]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بل لعنهم الله﴾ ، بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبياءه. فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك.

* *

وأصل"اللعن" الطرد والإبعاد والإقصاء يقال:"لعن الله فلانا يلعنه لعنا، وهو ملعون". ثم يصرف"مفعول": فيقال: هو"لعين". ومنه قول الشماخ بن ضرار:

ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مكان الذئب كالرجل اللعين [[ديوانه: ٩٢، ومجاز القرآن ٤٦١، وسيأتي في ٢: ٣٣ (بولاق) ، وروايته هناك وفي ديوانه،"مقام الذئب" والضمير في"به" إلى"ماء" في قوله قبله: وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين

وأراد في البيت: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس، شبه الذئب به، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.]]

* *

قال أبو جعفر: في قول الله تعالى ذكره: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ تكذيب منه للقائلين من اليهود: ﴿قلوبنا غلف﴾ . لأن قوله: ﴿بل﴾ دلالة على جحده جل ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك، إذ كانت"بل" لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود. فإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن معنى الآية: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد. فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله، فقليلا ما يؤمنون.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ . فقال بعضهم، معناه فقليل منهم من يؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا قليل.

ذكر من قال ذلك:

١٥١٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾ ، فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير.

١٥١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ ، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

ذكر من قال ذلك:

١٥١٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ ، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ بالصواب، ما نحن متقنوه إن شاء الله. وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد ﷺ. ولذلك نصب قوله: ﴿فقليلا﴾ ، لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره. ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم، فإيمانا قليلا ما يؤمنون. فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك. لأن معنى ذلك، لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان"القليل" مرفوعا لا منصوبا. لأنه إذا كان ذلك تأويله، كان"القليل" حينئذ مرافعا"ما". فإذْ نصب"القليل" - و"ما" في معنى"من" أو"الذي" -[فقد] بقيت"ما" لا مرافع لها. [[في المطبوعة: "وإن نصب القليل"، وكأن الأجود ما أثبته. والزيادة بين القوسين واجبة.]] وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب.

* *

فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى"ما" التي في قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ . فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها، وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون، كما قال جل ذكره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وما أشبه ذلك، فزعم أن"ما" في ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك - بيت مهلهل:

لو بأبانين جاء يخطبها ... خضب ما أنف خاطب بدم [[الكامل ٢: ٦٨، ومعجم ما استعجم: ٩٦، وشرح شواهد المغني: ٢٤٧ وغيرها قال أبو العباس: "أبان جبل: وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض قال مهلهل، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك، وهو مذحج، وجنب حي من أحيائهم وضيع، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله: أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم]]

وزعم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم، وأن"ما" زائدة.

* *

وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في"ما"، في الآية وفي البيت الذي أنشده، وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت"ما" كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.

* *

وهذا القول عندنا أولى بالصواب. لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه.

* *

ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون - من الإيمان قليل أو كثير، فيقال فيهم:"فقليلا ما يؤمنون"؟

قيل: إن معنى"الإيمان" هو التصديق. وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله، وبالبعث والثواب والعقاب، وتكفر بمحمد ﷺ ونبوته، وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به، لأنه في كتبهم، ومما جاءهم به موسى، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم - وكذبوا ببعض، فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.

* *

وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قيل: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ ، وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب:"قلما رأيت مثل هذا قط". وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل" يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بـ "القلة"، والمعنى فيه نفي جميعه. [[انظر ما سلف ١: ٥٥٤، تعليق: ١، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٩ - ٦٠.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم) ، ولما جاء اليهود من بني إسرائيل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم- ﴿كتاب من عند الله﴾ = يعني بـ "الكتاب" القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ = ﴿مصدق لما معهم﴾ ، يعني مصدق للذي معهم من الكتب التي أنزلها الله من قبل القرآن، كما:-

١٥١٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ ، وهو القرآن الذي أنزل على محمد، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.

١٥١٨ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ ، وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ، مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، أي: وكان هؤلاء اليهود - الذين لما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم من الكتب التي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به - يستفتحون بمحمد ﷺ = ومعنى"الاستفتاح"، الاستنصار = [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٥٢٤.]] يستنصرون الله به على مشركي العرب من قبل مبعثه، أي من قبل أن يبعث، كما:-

١٥١٩ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قالوا: فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار، وفي اليهود = الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة = يعني: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ = قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية - [[في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠"علوناهم ظهرا".]] ونحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب - [[في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠"ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب".]] فكانوا يقولون: إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم. [[في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠"نقتلكم معه. . "، وكذلك هو في ابن كثير ١: ٢٣٠، وكأنه الصواب.]] فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه، كفروا به. يقول الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ . [[الخبر: ١٥١٩ - هذا له حكم الحديث المرفوع، لأنه حكاية عن وقائع في عهد النبوة، كانت سببا لنزول الآية، تشير الآية إليها. الراجح أن يكون موصولا. لأن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري الظفري المدني: تابعي ثقة، وهو يحكي عن"أشياخ منهم"، فهم آله من الأنصار. وعن هذا رجحنا اتصاله. وقد نقل السيوطي ١: ٨٧ هذا الخبر، ونسبه لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي نعيم، والبيهقي، كلاهما في الدلائل.]]

١٥٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه. فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته! فقال سَلام بن مِشْكَم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم! فأنزل الله جل ثناؤه في ذلك من قوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) . [[الخبر: ١٥٢٠ - فس يرة ابن هشام ٢: ١٩٦.]]

١٥٢١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس مثله.

١٥٢٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب - يعني بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا ﷺ ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه.

١٥٢٣ - وحدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي في قول الله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، قال: اليهود، كانوا يقولون: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس، يستفتحون - يستنصرون - به على الناس.

١٥٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي - وهو البارقي - في قول الله جل ثناؤه: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون﴾ ، فذكر مثله. [[الأثر: ١٥٢٣، ١٥٢٤ - عليٍ الأزدى البارقي، هو علي بن عبد الله أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقي، روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبيد بن عمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وعنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه. قال ابن عدى: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به (تهذيب ٧: ٣٥٨، ٣٥٩) .]]

١٥٢٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، كانت اليهود تستفتح بمحمد ﷺ على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا ﷺ فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ .

١٥٢٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى يعذب المشركين ويقتلهم! فلما بعث الله محمدا، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ: فقال الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ .

١٥٢٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ . قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمدا ﷺ في التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فيقاتلوا معه العرب. فلما جاءهم محمد كفروا به، حين لم يكن من بني إسرائيل.

١٥٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، قال: كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ، ويرجون أن يكون منهم. فلما خرج ورأوه ليس منهم، كفروا وقد عرفوا أنه الحق، وأنه النبي. قال: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ .

١٥٢٩ - قال حدثنا ابن جريج، وقال مجاهد: يستفتحون بمحمد ﷺ تقول: إنه - يخرج. ﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ -وكان من غيرهم- كفروا به. [[الأثر: ١٥٢٩ - هذا إسناد قد سقط صدره، فما أدري ما هو. وهو مضطرب اللفظ أيضًا.]]

١٥٣٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال: قال ابن جريج - وقال ابن عباس: كانوا يستفتحون على كفار العرب.

١٥٣١ - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثني شريك، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ ، قال: هم اليهود عرفوا محمدا أنه نبي وكفروا به.

١٥٣٢ - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ ، قال: كانوا يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدا عليهم. وليسوا كذلك، يكذبون.

١٥٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ . قال: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب، يقولون: أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى، أحمد، لكان لنا عليكم! وكانوا يظنون أنه منهم، والعرب حولهم، وكانوا يستفتحون عليهم به، ويستنصرون به. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وحسدوه، وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [سورة البقرة: ١٠٩] . قال: قد تبين لهم أنه رسول، فمن هنالك نفع الله الأوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج.

* *

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ ؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في جوابه. فقال بعضهم: هو مما ترك جوابه، استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه، وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن. [[أنا في شك من هذه الجملة الأخيرة، أن يكون فيها تحريف.]]

وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتي بأشياء لها أجوبة، فتحذف أجوبتها، لاستغناء سامعيها - بمعرفتهم بمعناها - عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [سورة الرعد: ٣١] ، فترك جوابه. والمعنى:"ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن - استغناء بعلم السامعين بمعناه. قالوا: فكذلك قوله: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم﴾ .

* *

وقال آخرون: جواب قوله: ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ في"الفاء" التي في قوله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ ، وجواب الجزاءين في"كفروا به"، كقولك:"لما قمت، فلما جئتنا أحسنت"، بمعنى: لما جئتنا إذْ قمت أحسنت. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٩.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) ﴾

قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة، وعلى معنى"الكفر"، بما فيه الكفاية. [[انظر ما سلف (الكفر) ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٢٢، وهذا الجزء (اللعنة) ٢: ٣٢٨]]

* *

فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأنبيائه، المنكرين لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد ﷺ. ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود - بما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ - البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد ﷺ، بعد قيام الحجة بنبوته عليهم، وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾

قال أبوجعفر ومعنى قوله جل ثناؤه: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ : ساء ما اشتروا به أنفسهم.

* *

وأصل"بئس" "بَئِس" من"البؤس"، سكنت همزتها، ثم نقلت حركتها إلى"الباء"، كما قيل في"ظللت""ظلت"، وكما قيل"للكبد"،"كِبْد" - فنقلت حركة"الباء" إلى"الكاف" لما سكنت"الباء".

وقد يحتمل أن تكون"بئس"، وإن كان أصلها"بَئِس"، من لغة الذين ينقلون حركة العين من"فعل" إلى الفاء، إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة، كما قالوا من"لعب" "لِعْب"، ومن"سئم""سِئْم"، وذلك -فيما يقال- لغة فاشية في تميم.

ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ، ووصلت بـ "ما".

واختلف أهل العربية في معنى"ما" التي مع"بئسما". فقال بعض نحويي البصرة: هي وحدها اسم، و"أن يكفروا" تفسير له، [["التفسير" هو ما اصطلح البصريون على تسميته"التمييز"، ويقال له التبيين أيضًا، (همع الهوامع ١: ٢٥٠) .]] نحو: نعم رجلا زيد، و"أن ينزل الله" بدل من"أنزل الله".

وقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف"ما" اسم"بئس"، و"أن يكفروا" الاسم الثاني. وزعم أن:"أن يكفروا" إن شئت جعلت"أن" في موضع رفع، وإن شئت في موضع خفض. [[في المطبوعة: "وزعم أن أن ينزل من فضله إن شئت جعلت. . . "، وهو سهو من النساخ، وصوابه ماأثبته من معاني القرآن للفراء ١: ٥٦.]] أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن يفعلوه. وأما الخفض: فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا. قال: وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٠] كمثل ذلك. والعرب تجعل"ما" وحدها في هذا الباب، بمنزلة الاسم التام، كقوله: ﴿فنعما هي﴾ [سورة البقرة: ٢٧١] ، و"بئسما أنت"، واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرجاز:

لا تعجلا في السير وادْلُوها ... لبئسما بطءٌ ولا نرعاها [[لم أعرف الراجز، والبيتان في اللسان (دلو) . دلوت الناقة دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا ورعى الماشية وأرعاها: أطلقها في المرعى.]]

قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر"، فيجعلون"ما" وحدها اسما بغير صلة. وقائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي"بئس" معرفة مُوَقَّتَة، وخبره معرفة موقتة. وقد زعم أن"بئسما" بمنزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، فقد صارت"ما" بصلتها اسما موقتا، لأن"اشتروا" فعل ماض من صلة"ما"، في قول قائل هذه المقالة. وإذا وصلت بماض من الفعل، كانت معرفة موقتة معلومة، فيصير تأويل الكلام حينئذ:"بئس شراؤهم كفرهم". وذلك عنده غير جائز: فقد تبين فساد هذا القول. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٥٦ - ٥٧، كأنه قول الكسائي. والمعرفة الموقتة: وهي المعرفة المحددة. وانظر شرح ذلك فيما سلف ١: ١٨١، تعليق: ١.]]

وكان آخر منهم يزعم أن"أن" في موضع خفض إن شئت، ورفع إن شئت. فأما الخفض: فأن ترده على"الهاء" التي في،"به" على التكرير على كلامين. كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. وأما الرفع: فأن يكون مكرورا على موضع"ما" التي تلي"بئس". [[في المطبوعة: "مكررا"، والصواب من معاني القرآن للفراء ١: ٥٦.]] قال: ولا يجوز أن يكون رفعا على قولك:"بئس الرجل عبد الله. [[هذه الفقرة هي نص كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٥٦.]]

وقال بعضهم:"بئسما" شيء واحد يرافع ما بعده [[في المطبوعة: "يعرف ما بعده"، والصواب ما أثبت.]] كما حكي عن العرب: "بئسما تزويج ولا مهر" فرافع"تزويج""بئسما"، [[في المطبوعة: "فرفع"، والصواب ما أثبت.]] كما يقال:"بئسما زيد، وبئس ما عمرو"، فيكون"بئسما" رفعا بما عاد عليها من"الهاء". كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم، وتكون"أن" مترجمة عن"بئسما". [[الترجمة: هو ما يسميه البصريون: "عطف البيان" و"البدل"، فقوله"مترجما عن بئسما"، أي عطف بيان.]]

* *

وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من جعل"بئسما" مرفوعا بالراجع من"الهاء" في قوله: ﴿اشتروا به﴾ ، كما رفعوا ذلك بـ "عبد الله" إذ قالوا:"بئسما عبد الله"، وجعل"أن يكفروا" مترجمة عن"بئسما". [[الترجمة: هو ما يسميه البصريون: "عطف البيان" و"البدل"، فقوله"مترجما عن بئسما"، أي عطف بيان.]] فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون"أن" التي في قوله:"أن ينزل الله"، في موضع نصب. لأنه يعني به"أن يكفروا بما أنزل الله": من أجل أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. موضع "أن" جزاء. [[الجزاء: المفعول لأجله هنا، وفي المطبوعة: "جر"، وهو خطأ، وصوابه في معاني القرآن للفراء ١: ٥٨.]] وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أن"أن" في موضع خفض بنية"الباء". وإنما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها. والحرف الخافض لا يخفض مضمرا.

* *

وأما قوله: ﴿اشتروا به أنفسهم﴾ ، فإنه يعني به: باعوا أنفسهم * كما:-

١٥٣٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ ، يقول: باعوا أنفسهم"أن يكفروا بما أنزل الله بغيا".

١٥٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ ، يهود، شروا الحق بالباطل، وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه. [[في المطبوعة: "بأن بينوه"، وهو خطأ، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٣١. والمعنى اشتروا الكتمان بالبيان.]]

قال أبو جعفر: والعرب تقول:"شريته"، بمعنى بعته. و"اشتروا"، في هذا الموضع،"افتعلوا" من"شريت". وكلام العرب -فيما بلغنا- أن يقولوا:"شريت" بمعنى: بعت، و"اشتريت" بمعنى: ابتعت. وقيل: إنما سمي"الشاري"،"شاريا"، لأنه باع نفسه ودنياه بآخرته. [[الشاري واحد الشراة (بضم الشين) ، وهم الخوارج، وقال قطري بن الفجاءة الخارجي في معنى ذلك، ويذكر أم حكيم، وذلك في يوم دولاب: فلو شهدتنا يوم ذاك، وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريم

رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم

وقال الخوارج: نحن الشراة، لقول الله عز وجل: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" أي يبيعها ويبذلها في الجهاد، وثمنها الجنة، وقيل: سموا بذلك لقولهم: "إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله حين فارقنا الأئمة الجائرة"، أي: بعناها بالجنة.]]

ومن ذلك قول يزيد بن مفرغ الحميري:

وشريت بردا ليتني ... من قبل برد كنت هامة [[طبقات فحول الشعراء: ٥٥٥ من قصيدة له، في هجاء عباد بن زياد، حين باع ما له في دين كان عليه، وقضى الغرماء، وكان فيما باع غلام لابن مفرغ، يقال له"برد"، وجارية يقال لها"أراكة". وقوله: "كنت هامة" أي هالكا. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أي قريب هلاكه، فإذا هو"هامة"، وذلك زعم أبطله الله بالإسلام كان في الجاهلية: أن عظم الميت أو روحه تصير هامة (وهو طير كالبومة) فتطير. ورواية غيره: "من بعد برد".]]

ومنه قول المسيب بن علس:

يعطى بها ثمنا فيمنعها ... ويقول صاحبها ألا تشري؟ [[ديوانه: ٣٥٢ (من ملحق ديوان الأعشى - والمسيب خال الأعشى، والأعشى راويته) ، ورواية الديوان"ويقول صاحبه"، وهي الصواب. والبيت من أبيات آية في الجودة، يصف الغواص الفقير، قد ظفر بدرة لا شبيه لها، فضن بها على البيع، وقد أعطى فيها ما يغنى من الثمن، فأبى، وصاحبه يحضضه على بيعها، وبعده: وترى الصراري يسجدون لها ... ويضمها بيديه للنحر

والصراري: الملاحون، من أصحاب الغواصين.]] يعني به: بعت بردا. وربما استعمل"اشتريت" بمعنى: بعت، و"شريت" في معنى:"ابتعت". والكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.

* *

وأما معنى قوله: ﴿بغيا﴾ ، فإنه يعني به: تعديا وحسدا، كما:-

١٥٣٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة: ﴿بغيا﴾ ، قال: أي حسدا، وهم اليهود.

١٥٣٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بغيا﴾ ، قال: بغوا على محمد ﷺ وحسدوه، وقالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟ فحسدوه أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده.

١٥٣٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿بغيا﴾ ، يعني: حسدا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، وهم اليهود كفروا بما أنزل على محمد ﷺ.

١٥٣٩ - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

* *

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء باعوا به أنفسهم، الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى - من نبوة محمد ﷺ، والأمر بتصديقه واتباعه - من أجل أن أنزل الله من فضله = وفضله: حكمته وآياته ونبوته = على من يشاء من عباده - يعني به: على محمد ﷺ - بغيا وحسدا لمحمد ﷺ، من أجل أنه كان من ولد إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل.

* *

فإن قال قائل: وكيف باعت اليهود أنفسها بالكفر، فقيل: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله﴾ ؟ وهل يشتري بالكفر شيء؟

قيل: إن معنى:"الشراء" و"البيع" عند العرب، هو إزالة مالك ملكه إلى غيره، بعوض يعتاضه منه. ثم تستعمل العرب ذلك في كل معتاض من عمله عوضا، شرا أو خيرا، فتقول:"نعم ما باع به فلان نفسه" و"بئس ما باع به فلان نفسه"، بمعنى: نعم الكسب أكسبها، وبئس الكسب أكسبها - إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرا. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ - لما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمد ﷺ فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بالذي يعرفونه في كلامهم، فقال: ﴿بئس ما اشتروا به أنفسهم﴾ ، يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا، من كفرهم بالله في تكذيبهم محمدا، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعد لهم - لو كانوا آمنوا بالله وما أنزل على أنبيائه - بالنار وما أعد لهم بكفرهم بذلك.

* *

وهذه الآية - وما أخبر الله فيها عن حسد اليهود محمدا ﷺ وقومه من العرب، من أجل أن الله جعل النبوة والحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل، حتى دعاهم ذلك إلى الكفر به، مع علمهم بصدقه، وأنه نبي لله مبعوث ورسول مرسل - [[قوله"- نظيره الآية. . " خبر قوله في صدر هذه الفقرة: "وهذه الآية-".]] نظيره الآية الأخرى في سورة النساء، وذلك قوله، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٥١-٥٤] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ يُنزلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾

قال أبو جعفر: قد ذكرنا تأويل ذلك وبينا معناه، ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فيه:-

١٥٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم، قوله: ﴿بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده﴾ ، أي أن الله تعالى جعله في غيرهم. [[الأثر: ١٥٤٠ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠]] .

١٥٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: هم اليهود. لما بعث الله نبيه محمدا ﷺ فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به - حسدا للعرب - وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.

١٥٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.

١٥٤٣ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

١٥٤٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قالوا: إنما كانت الرسل من بني إسرائيل، فما بال هذا من بني إسماعيل؟

١٥٤٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن علي الأزدي. قال: نزلت في اليهود. [[الأثر: ١٥٤٥ - انظر التعليق على رقم: ١٥٢٣، ١٥٢٤.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، [[انظر تفسير. "باء" فيما سلف من هذا الجزء ٢: ١٣٨.]] فرجعت اليهود من بني إسرائيل - بعد الذي كانوا عليه من الاستنصار بمحمد ﷺ والاستفتاح به، وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبي مبعوث - مرتدين على أعقابهم حين بعثه الله نبيا مرسلا فباءوا بغضب من الله = استحقوه منه بكفرهم بمحمد حين بعث، وجحودهم نبوته، وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته في كتابهم، عنادا منهم له وبغيا وحسدا له وللعرب = على غضب سالف، كان من الله عليهم قبل ذلك، سابقٍ غضبه الثاني، لكفرهم الذي كان قبل عيسى ابن مريم، أو لعبادتهم العجل، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت، يستحقون بها الغضب من الله، كما:-

١٥٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، فيما روى عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، فالغضب على الغضب، غضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. [[الأثر: ١٥٤٦- سيرة ابن هشام ٢: ١٩٠.]]

١٥٤٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا حدثنا سفيان، عن أبي بكير، عن عكرمة: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ قال: كفر بعيسى، وكفر بمحمد ﷺ. [[الأثر: ١٥٤٧ - في الدر المنثور: "كفرهم" في الموضعين، وهما سواء.]]

١٥٤٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا سفيان، عن أبي بكير، عن عكرمة: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، قال: كفرهم بعيسى ومحمد ﷺ.

١٥٤٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن عكرمة مثله.

١٥٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي قال: الناس يوم القيامة على أربعة منازل: رجل كان مؤمنا بعيسى وآمن بمحمد صلى الله عليهما، فله أجران. ورجل كان كافرا بعيسى فآمن بمحمد ﷺ، فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بمحمد، فباء بغضب على غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل محمد ﷺ، فباء بغضب.

١٥٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وبعيسى، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد ﷺ.

١٥٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فباءوا بغضب﴾ ، اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي ﷺ، ﴿على غضب﴾ ، جحودهم النبي ﷺ، وكفرهم بما جاء به.

١٥٥٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، يقول: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن.

١٥٥٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، أما الغضب الأول فهو حين غضب الله عليهم في العجل؛ وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ.

١٥٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله: ﴿فباءوا بغضب على غضب﴾ ، قال: غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي ﷺ - من تبديلهم وكفرهم -، ثم غضب عليهم في محمد ﷺ - إذ خرج، فكفروا به.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا معنى"الغضب" من الله على من غضب عليه من خلقه - واختلاف المختلفين في صفته - فيما مضى من كتابنا هذا، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ١٨٨ - ١٨٩، وما مضى في هذا الجزء ٢: ١٣٨ هذا وقد كان في المطبوعة بعد قوله: "عن إعادته" ما نصه: "والله تعالى أعلم"، وليس لها مكان هنا، وهي بلا شك زيادة بعض النساخ، فلذلك تركتها.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وللكافرين عذاب مهين﴾ ، وللجاحدين نبوة محمد ﷺ من الناس كلهم، عذاب من الله، إما في الآخرة، وإما في الدنيا والآخرة، ﴿مهين﴾ هو المذل صاحبه، المخزي، الملبسه هوانا وذلة.

* *

فإن قال قائل: أي عذاب هو غير مهين صاحبه، فيكون للكافرين المهين منه؟

قيل: إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا، الذي يخلد فيه صاحبه، لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا، وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله. وأما الذي هو غير مهين صاحبه، فهو ما كان تمحيصا لصاحبه. وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام، يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده، والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد، وما أشبه ذلك من العذاب والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها، وكأهل الكبائر من أهل الإسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير جرائمهم التي ارتكبوها، ليمحصوا من ذنوبهم، ثم يدخلون الجنة. فإن كل ذلك، وإن كان عذابا، فغير مهين من عذب به. إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه، ثم يورده معدن العز والكرامة، ويخلده في نعيم الجنان.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com