John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Baqara

Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 121–150 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله ﷺ، وبما جاء به من أصحابه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ ، هؤلاء أصحاب نبي الله ﷺ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به.

* *

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل، الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله، فأقروا بحكم التوراة. فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد ﷺ، والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

١٨٧٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، قال: من كفر بالنبي ﷺ من يهود فأولئك هم الخاسرون.

* *

وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة. لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعائهم على الله الأباطيل. ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ في الآية التي قبلها ذكر، فيكون قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ ، موجها إلى الخبر عنهم، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله ﷺ، بعد انقضاء قصص غيرهم، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له. [[رحم الله أبا جعفر، فهو لا يدع الاحتجاج الصحيح عند كل آية، ولكن بعض أهل التفسير يتجاوزون ويتساهلون، فليتهم نهجوا نهجه في الضبط والحفظ والاستدلال.]]

فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه [قصصهم] في الآية قبلها والآية بعدها، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها.]] وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل. وإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد -وهو التوراة- فقرءوه واتبعوا ما فيه، فصدقوك وآمنوا بك، وبما جئت به من عندي، أولئك يتلونه حق تلاوته.

* *

وإنما أدخلت الألف واللام في"الكتاب" لأنه معرفة، وقد كان النبي ﷺ وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، فقال بعضهم: معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه.

ذكر من قال ذلك:

١٨٨٠- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثني ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا ابن أبي عدي جميعا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، يتبعونه حق اتباعه.

١٨٨١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة بمثله.

١٨٨٠- وحدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة بمثله.

١٨٨٣- حدثني الحسن بن عمرو العنقزي قال، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في قوله الله عز وجل: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ ، قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه. [[الأثر: ١٨٨٣ - في المطبوعة: "الحسن بن عمرو العبقري"، وانظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٢٥ وكذلك مضى في الأثر: ١٦٥٥"الحسن"، وهو خطأ، نصححه.]]

١٨٨٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، قال أبو مالك: إن ابن عباس قال في: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، فذكر مثله، إلا أنه قال: ولا يحرفونه عن مواضعه.

١٨٨٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا المؤمل قال، حدثنا سفيان قال: حدثنا يزيد، عن مرة، عن عبد الله في قول الله عز وجل: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ : قال: يتبعونه حق اتباعه.

١٨٨٦- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية قال، قال عبد الله بن مسعود: والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله.

١٨٨٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود في قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ولا يحرفه عن مواضعه.

١٨٨٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا [أبو أحمد] الزبيري قال، حدثنا عباد بن العوام عمن ذكره، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ يتبعونه حق اتباعه.

١٨٨٩- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن عطاء، بمثله.

١٨٩٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي رزين في قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يتبعونه حق اتباعه.

١٨٩١- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان -وحدثني المثنى قال، حدثني أبو نعيم قال، حدثنا سفيان-

وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا يحيى بن إبراهيم، عن سفيان - قالوا جميعا: عن منصور، عن أبي رزين، مثله.

١٨٩٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: عملا به. [[الأثر: ١٨٩٢ - في المطبوعة: "أبو حميد"، والصواب ما اثبت، وهو محمد بن حميد، وهو كثير ذكره فيما سلف.]]

١٨٩٣- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن قيس بن سعد: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يتبعونه حق اتباعه، ألم تر إلى قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [سورة الشمس: ٢] ، يعني الشمس إذا تَبعها القمر.

١٨٩٤- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وقيس بن سعد، عن مجاهد في قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يعملون به حق عمله.

١٨٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبد الملك، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال، يتبعونه حق اتباعه.

١٨٩٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٨٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، يعملون به حق عمله.

١٨٩٨- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن مجاهد في قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يتبعونه حق اتباعه.

١٨٩٩- حدثني عمرو قال، حدثنا أبو قتيبة قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن أبي أيوب، عن أبي الخليل، عن مجاهد: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يتبعونه حق اتباعه. [[الخبر: ١٨٩٩ - أبو قتيبة: هو سلم بن قتيبة الشعيري - بفتح الشين المعجمة - الخراساني، وهو ثقة مأمون، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١٦٠، وابن أبي حاتم ٢/١/١٢٢٦.

الحسن بن أبي جعفر الجفري: حسن الحديث، تكلموا فيه، ورجحنا تحسين أحاديثه مفصلا في شرح المسند: ٥٨١٨. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٢٨٦ وابن أبي حاتم ١/٢/٢٩. و"الجفري": بضم الجيم وسكون الفاء، نسبة إلى"جفرة خالد" بالبصرة. كما في الأنساب واللباب والمشتبه. أيوب: هو السختياني، وفي المطبوعة"عن أبي أيوب". وهو خطأ. استقينا تصويبه من التراجم. أبو الخليل: هو صالح بن أبي مريم الضبعي، وهو ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٢٩٠ وابن أبي حاتم ٢/١/٤١٥ - ٤١٦.]]

١٩٠٠- حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى القطان، عن عبد الملك، عن عطاء قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، يعملون به حق عمله.

١٩٠١- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي، عن المبارك، عن الحسن: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. [[الخبر: ١٩٠١ - مبارك: هو ابن فضالة. وهو من أخص الناس بالحسن البصري. كما قلنا في: ٦١١.]]

١٩٠٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: أحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وعملوا بما فيه، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، وأن يقرأه كما أنزله الله عز وجل، ولا يحرفه عن مواضعه.

١٩٠٣- حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا الحكم بن عطية، سمعت قتادة يقول: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه. قال: اتباعه: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويقرءونه كما أنزل.

١٩٠٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم عن داود، عن عكرمة في قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، قال: يتبعونه حق اتباعه، أما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا﴾ [سورة الشمس: ٢] ، قال: إذا تبعها.

* *

وقال آخرون: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، يقرءونه حق قراءته. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٤١١.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك أنه بمعنى: يتبعونه حق اتباعه، من قول القائل: ما زلت أتلو أثره، إذا اتبع أثره، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٤١١.]] لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله.

وإذ كان ذلك تأويله، فمعنى الكلام: الذين آتيناهم الكتاب، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولي، فرضٌ عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه، ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره.

* *

أما قوله: ﴿حق تلاوته﴾ ، فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ولزومهم العمل به، كما يقال:"إن فلانا لعالم حق عالم"، وكما يقال:"إن فلانا لفاضل كل فاضل" [[انظر سيبويه ١: ٢٢٣ - ٢٢٤.]]

* *

وقد اختلف أهل العربية في إضافة"حق" إلى المعرفة، فقال بعض نحويي الكوفة: غير جائزة إضافته إلى معرفة لأنه بمعنى"أي"، وبمعنى قولك:"أفضل رجل فلان"، و"أفعل" لا يضاف إلى واحد معرفة، لأنه مبعض، ولا يكون الواحد المبعض معرفة. فأحالوا أن يقال:"مررت بالرجل حق الرجل"، و"مررت بالرجل جِدِّ الرجل"، كما أحالوا"مررت بالرجل أي الرجل"، وأجازوا ذلك في"كل الرجل" و"عين الرجل" و"نفس الرجل". [[في المطبوعة"غير الرجل".]] وقالوا: إنما أجزنا ذلك لأن هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا، فلما صرن مدوحا، تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة.

وزعموا أن قوله: ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ ، إنما جازت إضافته إلى التلاوة، وهي مضافة إلى معرفة، لأن العرب تعتد ب"الهاء" -إذا عادت إلى نكرة - بالنكرة، فيقولون:"مررت برجل واحد أمه، ونسيج وحده، وسيد قومه"، قالوا: فكذلك قوله: ﴿حق تلاوته﴾ ، إنما جازت إضافة"حق" إلى"التلاوة" وهي مضافة إلى "الهاء"، لاعتداد العرب ب"الهاء" التي في نظائرها في عداد النكرات. قالوا: ولو كان ذلك"حق التلاوة"، لوجب أن يكون جائزا:"مررت بالرجل حق الرجل".

فعلى هذا القول تأويل الكلام: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة.

* *

وقال بعض نحويي البصرة: جائزة إضافة"حق" إلى النكرات مع النكرات، ومع المعارف إلى المعارف، وإنما ذلك نظير قول القائل:"مررت بالرجل غلام الرجل"، و"برجل غلام رجل".

فتأويل الآية على قول هؤلاء: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته [[الصواب أن يقول: "حق تلاوة الكتاب"، ولعل الناسخ أخطأ.]]

* *

وأولى ذلك بالصواب عندنا القول الأول، لأن معنى قوله: ﴿حق تلاوته﴾ ، أي تلاوة، بمعنى مدح التلاوة التي تلوها وتفضيلها."وأي" غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم. وكذلك"حق" غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة.

وإنما أضيف في ﴿حق تلاوته﴾ إلى ما فيه"الهاء" لما وصفت من العلة التي تقدم بيانها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أولئك﴾ ، هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته، وأما قوله: ﴿يؤمنون﴾ ، فإنه يعني: يصدقون به. و"الهاء" التي في قوله:"به" عائدة على"الهاء" التي في"تلاوته"، وهما جميعا من ذكر الكتاب الذي قاله الله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ .

فأخبر الله جل ثناؤه أن المؤمن بالتوراة، هو المتبع ما فيها من حلالها وحرامها، والعامل بما فيها من فرائض الله التي فرضها فيها على أهلها، وأن أهلها الذين هم أهلها من كان ذلك صفته، دون من كان محرفا لها مبدلا تأويلها، مغيرا سننها تاركا ما فرض الله فيها عليه.

* *

وإنما وصف جل ثناؤه من وُصف بما وصف به من متبعي التوراة، وأثنى عليهم بما أثنى به عليهم، لأن في اتباعها اتباع محمد نبي الله ﷺ وتصديقه، لأن التوراة تأمر أهلها بذلك، وتخبرهم عن الله تعالى ذكره بنبوته، وفرض طاعته على جميع خلق الله من بني آدم، وأن في التكذيب بمحمد التكذيب لها. فأخبر جل ثناؤه أن متبعي التوراة هم المؤمنون بمحمد ﷺ، وهم العاملون بما فيها، كما:-

١٩٠٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ ، قال: من آمن برسول الله ﷺ من بني إسرائيل، وبالتوراة، وإن الكافر بمحمد ﷺ هو الكافر بها الخاسر، كما قال جل ثناؤه: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ . [[انظر ما سلف في معنى"الخاسر" ١: ٤١٧ ثم هذا الجزء ٢: ١٦٦.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ومن يكفر به﴾ ، ومن يكفر بالكتاب الذي أخبر أنه يتلوه - من آتاه من المؤمنين - حق تلاوته. ويعني بقوله جل ثناؤه: ﴿يكفر﴾ ، يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد ﷺ، وتصديقه، ويبدله فيحرف تأويله، أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه. وقال ابن زيد في قوله، بما:-

١٩٠٦- حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ ، قال: من كفر بالنبي ﷺ من يهود، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم، استعطافا منه لهم على دينه وتصديق رسوله محمد ﷺ، فقال: يا بني إسرائيل اذكروا أيادي لديكم، وصنائعي عندكم، واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه، وإنزالي عليكم المن والسلوى في تيهكم، وتمكيني لكم في البلاد، بعد أن كنتم مذللين مقهورين، واختصاصي الرسل منكم، وتفضيلي إياكم على عالم من كنتم بين ظهرانيه، أيام أنتم في طاعتي- [[إن لم يكن قد سقط هنا قوله: "وأعظكم باتباع رسولي. . "، فإن قوله" باتباع رسولي" متعلق بقوله في صدر الخطاب: "اذكروا أيادي لديكم. . ".]] باتباع رسولي إليكم، وتصديقه وتصديق ما جاءكم به من عندي، ودعوا التمادي في الضلال والغي.

وقد ذكرنا فيما مضى النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، والمعاني التي ذكرهم جل ثناؤه من آلائه عندهم، والعالم الذي فضلوا عليه - فيما مضى قبل، بالروايات والشواهد، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته، إذْ كان المعنى في ذلك في هذا الموضع وهنالك واحدا. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٣ - ٢٦.]]

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه الآية ترهيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظته إياهم بما وعظهم به في الآية قبلها. يقول الله لهم: واتقوا - يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي وتنزيلي، المحرفين تأويله عن وجهه، المكذبين برسولي محمد ﷺ - عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا تغني عنها غناء، أن تهلكوا على ما أنتم عليه من كفركم بي، وتكذيبكم رسولي، فتموتوا عليه، فإنه يوم لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع، ولا هي ينصرها ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه. [[في المطبوعة: "ولا هم ينصرهم"، وهو خطأ، صوابه ما أثبت.]]

* *

وقد مضى البيان عن كل معاني هذه الآية في نظيرتها قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٦ - ٣٦.]]

* *

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإذ ابتلى﴾ ، وإذا اختبر.

* *

يقال منه:"ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء"، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [سورة النساء: ٦] ، يعني به: اختبروهم. [[انظر ما سلف في الجزء ٢: ٤٨، ٤٩.]] .

* *

وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو"الكلمات" التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في صفة"الكلمات" التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه.

* *

فقال بعضهم: هي شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما. [[السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح. ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما. وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة. فقوله: "سهما" هنا، أي خصلة وشعبة. وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية.]]

ذكر من قال ذلك:

١٩٠٧- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم، ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن. قال: فكتب الله له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧] . قال: عشر منها في"الأحزاب"، وعشر منها في"براءة"، وعشر منها في"المؤمنون" و"سأل سائل"، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما. [[سيأتي بيانها في الأثر التالي.]]

١٩٠٨- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد الطحان، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال:"وإبراهيم الذي وفى"، فذكر عشرا في"براءة" [١١٢] فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، [[في المطبوعة: "الآيات"، والصواب ما أثبت.]] وعشرا في"الأحزاب" [٣٥] ، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ، وعشرا في"سورة المؤمنون" [١-٩] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ، وعشرا في"سأل سائل" [٢٢-٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ .

١٩٠٩- حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا خارجة بن مصعب، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الإسلام ثلاثون سهما، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم، قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ، فكتب الله له براءة من النار. [[الخبر ١٩٠٩- عبد الله بن أحمد بن شبويه: هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت بن مسعود بن يزيد، أبو عبد الرحمن، عرف بابن شبويه، وهو من أئمة الحديث، كما قال الخطيب. مترجم في تاريخ بغداد ٩: ٣٧١، وله ترجمة موجزة في ابن أبي حاتم. ووقع في المطبوعة هنا"عبيد الله بن أحمد بن شبرمة". وهو تحريف وخطأ. صححناه من التاريخ، ومما سيأتي في التفسير.

علي بن الحسن بن شقيق بن دينار: ثقة، من شيوح أحمد، والبخاري، وغيرهما. مترجم في التهذيب، وفي شرح المسند: ٧٤٣٧.

وهذا الخبر سيأتي بهذا الإسناد، في التفسير: ٢٧: ٤٣ (بولاق) . وكذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد، في التاريخ ١: ١٤٤.

وذكره ابن كثير ١: ٣٠٢، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم، والحاكم. وذكره السيوطي ١: ١١١-١١٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وابن مردويه، وابن عساكر. وهذا الإسناد صحيح.]]

* *

وقال آخرون: هي خصال عشر من سنن الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

١٩١٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. [[الخبر: ١٩١٠- وهذا الإسناد صحيح أيضًا.

وهو في تفسير عبد الرزاق (مخطوطة دار الكتب المصورة) ، بهذا الإسناد.

وكذلك رواه أبو جعفر في التاريخ ١: ١٤٤، من تفسير عبد الرزاق. بهذا الإسناد.

وكذلك رواه الحاكم ٢: ٢٦٦، من طريق ابن طاوس عن أبيه، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.

وذكره ابن كثير ١: ٣٠١. وكذلك ذكره السيوطي ١: ١١١ وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه.]]

١٩١١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحكم بن أبان، عن القاسم بن أبي بزة، عن ابن عباس، بمثله- ولم يذكر أثر البول.

١٩١٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، ابتلاه بالختان، وحلق العانة، وغسل القبل والدبر، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط. قال أبو هلال: ونسيت خصلة.

١٩١٣- حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن مطر، عن أبي الخلد قال: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإنسان: سنة: الاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وقلم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج [[الخبر: ١٩١٣- مطر: هو ابن طهمان الوراق. وأبو الجلد: بفتح الجيم وسكون اللام، سبق بيانه: ٤٣٤. وفي المطبوعة"أبو الخلد" بالخاء المعجمة بدل الجيم، وهو تصحيف تكرر فيها كثيرا.

البراجم جمع برجمة (بضم الباء وسكون الراء وضم الجيم) : وهي ظهور القصب من مفاصل الأصابع.]] .

* *

وقال بعضهم: بل"الكلمات" التي ابتلي بهن عشر خلال؛ بعضهن في تطهير الجسد، وبعضهن في مناسك الحج.

ذكر من قال ذلك:

١٩١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن حنش، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" قال، ستة في الإنسان، وأربعة في المشاعر. فالتي في الإنسان: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربعة في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. [[الخبر: ١٩١٤- ابن هبيرة: هو عبد الله بن هبيرة السبائي المصري، وهو ثقة، وثقه أحمد وغيره، وخرج له مسلم في الصحيح. حنش، بفتحتين وبالشين المعجمة: هو ابن عبد الله السبائي الصنعاني، من صنعاء دمشق -وهي قرية بالغوطة من دمشق- وهو تابعي ثقة.

وهذا الخبر رواه أيضًا ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى. عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد - كما في ابن كثير ١: ٣٠٢. وهو إسناد صحيح.]]

* *

وقال آخرون: بل ذلك:"إني جاعلك للناس إماما"، في مناسك الحج.

ذكر من قال ذلك:

١٩١٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، فمنهن:"إني جاعلك للناس إماما"، وآيات النسك. [[يأتي بيان آيات النسك في الخبرين التاليين.]]

١٩١٦- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، منهن"إني جاعلك للناس إماما" ومنهن آيات النسك: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [سورة البقرة: ١٢٧] .

١٩١٧- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماما! قال: نعم. قال: ومن ذريتي. قال: لا ينال عهدي الظالمين. قال: تجعل البيت مثابة للناس. قال: نعم. [قال] : وأمنا. قال: نعم. [قال] : وتجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك. قال: نعم. [قال] : وترينا مناسكنا وتتوب علينا. قال: نعم. قال: وتجعل هذا البلد آمنا. قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم. قال: نعم.

١٩١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

١٩١٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، أخبره به عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.

١٩٢٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جريج: فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة جميعا.

١٩٢١- حدثنا سفيان قال، حدثني أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" قال، ابتلي بالآيات التي بعدها:"إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين".

١٩٢٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، فالكلمات:"إني جاعلك للناس إماما"، وقوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس"، وقوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" وقوله:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل" الآية، وقوله:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" الآية. قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم. [[في المطبوعة: "فذلك كلمة من الكلمات"، والصواب من ابن كثير ١: ٣٠٣.]]

١٩٢٣- حدثني محمد بن سعد [[في المطبوعة: "محمد بن سعيد"، وهو خطأ، وهو إسناد دائر في الطبري، وانظر رقم: ٣٠٥.]] قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن"، فمنهن:"إني جاعلك للناس إماما"، ومنهن:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت"، ومنهن الآيات في شأن النسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد ﷺ في ذريتهما عليهما السلام.

* *

وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحج خاصة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٢٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا عمر بن نبهان، عن قتادة، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، مناسك الحج. [[الخبر: ١٩٢٤- هذا الإسناد ضعيف من ناحيتين. أما سلم -بفتح السين وسكون اللام- ابن قتيبة أبو قتيبة: فإنه ثقة، خرج له البخاري في صحيحه. وأما الضعف، فلأن"عمر بن نبهان الغبري" بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة: ضعيف جدا، ذمه الإمام أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/١٣٨. والوجه الآخر من الضعف: أنه منقطع، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس.]]

١٩٢٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، كان ابن عباس يقول في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، المناسك.

١٩٢٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال، قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك.

١٩٢٧- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، قال: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم، المناسك.

١٩٢٨- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، مناسك الحج.

١٩٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، منهن مناسك الحج. [[الخبران: ١٩٢٨، ١٩٢٩- أبو إسحق: هو السبيعي، عمرو بن عبد الله الهمداني، الإمام التابعي الثقة، التميمي: هو"أربدة" بسكون الراء وكسر الباء الموحدة. ويقال"أربد" بدون هاء. وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٦٤، وابن أبي حاتم ١/١/٣٤٥، وقد عرف بأني راوي التفسير عن ابن عباس. وفي المسند: ٢٤٠٥- في حديث آخر"عن أبي إسحاق، عن التميمي الذي يحدث التفسير". لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي.]]

* *

وقال آخرون: هي أمور، منهن الختان.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، منهن الختان.

١٩٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعت الشعبي يقول، فذكر مثله.

١٩٣٢- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال، سمعت الشعبي - وسأله أبو إسحاق عن قول الله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" - قال، منهن الختان، يا أبا إسحاق.

* *

وقال آخرون: بل ذلك الخلال الست: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن.

ذكر من قال ذلك:

١٩٣٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: قلت للحسن:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن". قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة، وابتلاه بالختان.

١٩٣٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين؛ ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك؛ فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك.

١٩٣٥- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، وبالكوكب، والشمس، والقمر.

١٩٣٦- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا أبو هلال، عن الحسن:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال، ابتلاه بالكوكب، وبالشمس والقمر، فوجده صابرا.

* *

وقال آخرون بما:

١٩٣٧- حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٢٧-١٢٩]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه، وأمره أن يعمل بهن فأتمهن، كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل. [[في المطبوعة: "وأتمهن" بالواو، والأجود ما أثبت.]] وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل"الكلمات"، وجائز أن تكون بعضه. لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك، فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من الحجة. ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته. غير أنه روي عن النبي ﷺ في نظير معنى ذلك خبران، لو ثبتا، أو أحدهما، كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب. أحدهما، ما:-

١٩٣٨- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا رشدين بن سعد قال، حدثني زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يقول: ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ ؟ [سورة النجم:٣٧] لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [سورة الروم: ١٧] حتى يختم الآية. [[الحديث: ١٩٣٩- إسناده منهار لا تقوم له قائمة. وقد ضعفه الطبري نفسه، هو والحديث الذي بعده. وقال ابن كثير ١: ٣٠٤- بعد إشارته إلى ذلك: "وهو كما قال، فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجود عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه".

رشدين بن سعد: ضعيف جدا، وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: ٥٧٤٨، و"رشدين": بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال وبعد الياء نون، ووقع في المطبوعة وفي ابن كثير"راشد". وهو تصحيف.

زبان بن فائد المصري الحمراوي: ضعيف أيضًا. قال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وضعفه ابن معين. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٠٥، وابن أبي حاتم ١/٢/٦١٦. وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص: ٢١٠ مخطوطة مصور عندي) : "منكر الحديث جدا، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة". و"زبان": بالزاي المعجمة وتشديد الباء الموحدة. ووقع في المطبوعة"ريان" بالراء والتحتية، وهو تصحيف.

سهل بن معاذ بن أنس الجهني: ضعيف أيضًا، ضعفه ابن معين. وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص: ٢٣٢) : "روى عنه زبان بن فائد، منكر الحديث جدا. فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فائد؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها أحدهما ساقطة".

وهذا الحديث -على ما فيه من ضعف شديد- رواه أحمد في المسند: ١٥٦٨٨ (ج ٣ ص ٤٣٩ حلبي) . بل إنه روى هذه النسخة، التي كاد ابن حبان أن يجزم بأنها موضوعة.]] والآخر منهما ما:-

١٩٣٩- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ:"وإبراهيم الذي وفى" قال، أتدرون ما"وفى"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار. [[الحديث: ١٩٣٩- ضعفه أيضًا الطبري ووافقه ابن كثير، كما قلنا في الذي قبله. الحسن بن عطية بن نجيح الكوفي: ثقة، روى عنه البخاري في الكبير ٢/١/٢٩٩، ولم يذكر فيه جرحا، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: "صدوق". وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٧. وهو غير"الحسن بن عطية بن سعد العوفي، السابق ترجمته في: ٣٠٥.

إسرائيل: هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي، وهو ثقة، مضى في: ١٢٩١.

جعفر بن الزبير الحنفي، أو الباهلي، الدمشقي ثم البصري: ضعيف جدا. مترجم في التهذيب، وفي الكبير للبخاري ١/٢/١٩١، وفي الضعفاء له، ص: ٧، وقال: "متروك الحديث، تركوه"، وفي ابن أبي حاتم ١/١/٤٧٩. وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص: ١٤٢) : "روى عن القاسم مولى معاوية وغيره، أشياء كأنها موضوعة". وقال أبو حاتم: "روى جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، نسخة موضوعة، أكثر من مئة حديث".

وأما القاسم: فهو ابن عبد الرحمن الشامي، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقد اختلف فيه، والراجح أنه ثقة، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من الرواة عنه الضعفاء. وقد بينا ذلك في شرح المسند: ٥٩٨، وما علقنا به على تهذيب السنن للمنذري: ٢٣٧٦.

والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور ٦: ١٢٩، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وغيرهم، وقال: "بسند ضعيف".]]

* *

قال أبو جعفر: فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيحا سنده، كان بينا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن، هو قوله كلما أصبح وأمسى:"فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون"- أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته، كان معلوما أن الكلمات التي أوحين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن: أن يصلي كل يوم أربع ركعات. غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في معنى"الكلمات" التي أخبر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم، ما بينا آنفا.

ولو قال قائل في ذلك: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهبا. لأن قوله:"إني جاعلك للناس إماما"، وقوله:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين" وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم. [[وقد نقل ابن كثير في تفسيره ١: ٣٠٤ هذه الفقرة من أول قوله"ولو قال قائل" ثم عقب عليه بقوله: "قلت: والذي قاله أولا: من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله. لأن السياق يعطى غير ما قالوه، والله أعلم". لم يأت ابن كثير بشيء، فإن قول الطبري بين، وهو قاض بأن الصواب هو القول الأول، وأن هذا الثاني لو قيل كان مذهبا. وهذه كلمة تضعيف لا كلمة تقوية.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فأتمهن"، فأتم إبراهيم الكلمات. و"إتمامه إياهن"، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم: ٣٧] ، يعني وفى بما عهد إليه،"بالكلمات"، بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها، [[في المطبوعة: "يعني: وفى بما عهد إليه بالكتاب فأمره به من فرائضه ومحنه فيها"، وهي عبارة مضطربة لا تستقيم، وكأن الصواب ما أثبته.]] كما:-

١٩٤٠- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس:"فأتمهن"، أي فأداهن.

١٩٤١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فأتمهن"، أي عمل بهن فأتمهن.

١٩٤٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فأتمهن"، أي عمل بهن فأتمهن.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"إني جاعلك للناس إماما"، فقال الله: يا إبراهيم، إني مصيرك للناس إماما، يؤتم به ويقتدى به، كما:-

١٩٤٣- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إني جاعلك للناس إماما"، ليؤتم به ويقتدى به.

* *

يقال منه:"أممت القوم فأنا أؤمهم أما وإمامة"، إذا كنت إمامهم.

* *

وإنما أراد جل ثناؤه بقوله لإبراهيم:"إني جاعلك للناس إماما"، إني مصيرك تؤم من بعدك من أهل الإيمان بي وبرسلي، تتقدمهم أنت، [[في المطبوعة: "فتقدمهم أنت"، ليست بشيء.]] ويتبعون هديك، ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك ووحيي إليك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: قال إبراهيم- لمّا رفع الله منزلته وكرمه، فأعلمه ما هو صانع به، من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره، ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم، يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وأخلاقه -: يا رب، ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم، كالذي جعلتني إماما يؤتم بي ويقتدى بي. مسألة من إبراهيم ربه سأله إياها، كما:-

١٩٤٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيم:"ومن ذريتي"، يقول: فاجعل من ذريتي من يؤتم به ويقتدى به.

* *

وقد زعم بعض الناس أن قول إبراهيم:"ومن ذريتي"، مسألة منه ربه لعقبه أن يكونوا على عهده ودينه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم:٣٥] ، فأخبر الله جل ثناؤه أن في عقبه الظالم المخالف له في دينه، بقوله:"لا ينال عهدي الظالمين".

* *

والظاهر من التنزيل يدل على غير الذي قاله صاحب هذه المقالة. لأن قول إبراهيم صلوات الله عليه:"ومن ذريتي"، في إثر قول الله جل ثناؤه:"إني جاعلك للناس إماما". فمعلوم أن الذي سأله إبراهيم لذريته، لو كان غير الذي أخبر ربه أنه أعطاه إياه، لكان مبينا. [[قوله: "لكان مبينا"، أي لجاء ما سأل إبراهيم ربه مبينا في الآية.]] ولكن المسألة لما كانت مما جرى ذكره، اكتفى بالذكر الذي قد مضى، من تكريره وإعادته، فقال:"ومن ذريتي"، بمعنى: ومن ذريتي فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) ﴾

قال أبو جعفر: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماما يقتدي به أهل الخير. وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه [[في المطبوعة: "لما توهم"، وهي خطأ، والصواب ما أثبته، بالبناء للمجهول.]] أن يجعل من ذريته أئمة مثله. فأخبر أنه فاعل ذلك، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم، فإنه غير مُصَيِّره كذلك، ولا جاعله في محل أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة. لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به.

* *

واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم الله جل ثناؤه الظالمين أن ينالوه.

فقال بعضهم: ذلك"العهد"، هو النبوة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"قال لا ينال عهدي الظالمين"، يقول: عهدي، نبوتي.

فمعنى قائل هذا القول في تأويل الآية: لا ينال النبوة أهل الظلم والشرك.

* *

وقال آخرون: معنى"العهد": عهد الإمامة.

فتأويل الآية على قولهم: لا أجعل من كان من ذريتك بأسرهم ظالما، إماما لعبادي يقتدى به.

ذكر من قال ذلك:

١٩٤٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قال لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا يكون إمام ظالما.

١٩٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قال الله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا يكون إمام ظالما.

١٩٤٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة بمثله.

١٩٤٩- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله:"قال لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا يكون إمام ظالم يقتدى به.

١٩٥٠- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

١٩٥١- حدثنا مشرَّف بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد في قوله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به. [[الخبر: ١٩٥١- مشرف بن أبان أبو ثابت الحطاب، شيخ الطبري: ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ١٣: ٢٢٤، وذكر أنه يروي عن ابن عيينة، وغيره. مات ببغداد سنة ٢٤٣. ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا غير ذلك، و"مشرف": بوزن"محمد"، كما نص على أنه الجادة في المشتبه للذهبي، ص: ٤٨٤، والتبصير للحافظ ابن حجر (مخطوط مصور) .

ووقع في المطبوعة"مسروق"، وهو خطأ بين، وقد مضى في: ١٣٨٣ باسم"بشر بن أبان الحطاب". وهو خطأ أيضًا. ثم هو سيأتي على الصواب: "مشرف" - في: ٢٣٨٢.

وأما"الحطاب"، فهكذا هو الثابت هنا بالحاء المهملة، وفي تاريخ بغداد"الخطاب" بالمعجمة. ولم أستطع الترجيح بينهما.]] .

١٩٥٢- حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.

١٩٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد:"لا ينال عهدي الظالمين": قال: لا يكون إماما ظالم.

قال ابن جريج: وأما عطاء فإنه قال:"إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي"، فأبى أن يجعل من ذريته ظالما إماما. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.

ذكر من قال ذلك:

١٩٥٤- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"لا ينال عهدي الظالمين"، يعني: لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.

١٩٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس:"قال لا ينال عهدي الظالمين" قال، ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانقضه.

١٩٥٦- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس قال، ليس لظالم عهد.

* *

وقال آخرون: معنى"العهد" في هذا الموضع: الأمان.

فتأويل الكلام على معنى قولهم: قال الله لا ينال أماني أعدائي، وأهل الظلم لعبادي. أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٥٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"قال لا ينال عهدي الظالمين"، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عهده ظالم، فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله، فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم به. [[في المطبوعة: "وعادوهم"، والصواب من الدر المنثور ١: ١١٨، وقوله: "غازوهم" أي كانوا معهم في الغزو وشاركوهم في الغنائم.]] فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه.

١٩٥٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش.

١٩٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم:"قال لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون. فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وأبصر وعاش.

* *

وقال آخرون: بل"العهد" الذي ذكره الله في هذا الموضع: دين الله.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٠- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: قال الله لإبراهيم:"لا ينال عهدي الظالمين" فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينه. يقول: لا ينال دينه الظالمين. ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [سورة الصافات:١١٣] ، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.

١٩٦١- حدثني يحيى بن جعفر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال، لا ينال عهدي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليا لي يطيعني. [[الأثر: ١٩٦١- يحيى بن جعفر، هو يحيى بن أبي طالب، وانظر الأثر رقم: ٢٨٤.]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا الكلام، وإن كان ظاهره ظاهر خبر = عن أنه لا ينال من ولد إبراهيم صلوات الله عليه عهد الله - الذي هو النبوة والإمامة لأهل الخير، بمعنى الاقتداء به في الدنيا، والعهد الذي بالوفاء به ينجو في الآخرة، من وفى لله به في الدنيا [[سياق هذه الجملة المعترضة: ". . لا ينال من ولد إبراهيم عهد الله. . . من كان منهم ظالما. . . ".]] - من كان منهم ظالما متعديا جائرا عن قصد سبيل الحق [[وسياق هذه الجملة التي اعترضتها الجملة الطويلة السالفة: "وإن كان ظاهره ظاهر خبر. . فهو إعلام من الله. . . "، وهكذا دأب أبي جعفر رضي الله عنه.]] . فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به، ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباده، كالذي:-

١٩٦٢- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد في قوله:"لا ينال عهدي الظالمين" قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون [[الأثر: ١٩٦٢- في المطبوعة"عتاب بن بشر"، وهو خطأ. هو عتاب بن بشير الجزري أبو الحسن ويقال أبو سهل الحراني (تهذيب التهذيب) والتاريخ الكبير للبخاري ٤/١/٥٦.]]

* *

وأما نصب"الظالمين"، فلأن العهد هو الذي لا ينال الظالمين.

وذكر أنه في قراءة ابن مسعود:"لا ينال عهدي الظالمون"، بمعنى: أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد الله.

* *

وإنما جاز الرفع في"الظالمين" والنصب، وكذلك في"العهد"، لأن كل ما نال المرء فقد ناله المرء، كما يقال:"نالني خير فلان، ونلت خيره"، فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه.

* *

وقد بينا معنى"الظلم" فيما مضى، فكرهنا إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٥٢٣-٥٢٤.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾

قال أبو جعفر: أما قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة"، فإنه عطف ب"إذ" على قوله:"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات". وقوله:"وإذ ابتلى إبراهيم" معطوف على قوله:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي"، واذكروا"إذ ابتلى إبراهيم ربه"،"وإذ جعلنا البيت مثابة".

* *

و"البيت" الذي جعله الله مثابة للناس، هو البيت الحرام.

* *

وأما"المثابة"، فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت.

فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في"المثابة"، لما كثر من يثوب إليه، كما يقال:"سيارة" لمن يكثر ذلك،"ونسابة".

وقال بعض نحويي الكوفة: بل"المثاب" و"المثابة" بمعنى واحد، نظيرة"المقام" و"المقامة" [[في المطبوعة: "نظيره" والأرجح ما أثبت.]] . و"المقام"، ذكر -على قوله- لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت"المقامة"، لأنه أريد بها البقعة. وأنكر هؤلاء أن تكون"المثابة" ك"السيارة، والنسابة".، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في"السيارة والنسابة" تشبيها لها ب"الداعية".

* *

و"المثابة""مفعلة" من"ثاب القوم إلى الموضع"، إذا رجعوا إليه، فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا. [[لم تذكر هذه المصادر في كتب اللغة، "المثاب، والمثابة" مصدران ميميان قياسيان، فإغفالهما في كتب اللغة غير غريب، وأما قوله"وثوابا"، فهذا إن صح عن الطبري، فهو جائز في العربية أيضًا، ولكنهم نصوا على أن مصدر"ثاب" هو"ثوبانا، وثوبا، وثؤوبا" فأخشى أن تكون محرفة عن إحداها. وأما"الثواب" في المعروف من كتب العربية الاسم من"أثابه يثيبه إثابة، وهو الثواب"، وهو المجازاة على الصنيع.]]

فمعنى قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس": وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا، يأتونه كل عام ويرجعون إليه، فلا يقضون منه وطرا. ومن"المثاب"، قول ورقة بن نوفل في صفة الحرم:

مثاب لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الطلائح [[من أبيات طويلة لورقة بن نوفل في البداية والنهاية لابن كثير ٢: ٢٩٧، والبيت في تفسير أبي حيان ١: ٣٨٠، بهذه الرواية، وقبل البيت في ذكر أبينا إبراهيم عليه السلام: فمتبع دين الذي أسس البنا ... وكان له فضل على الناس راجح

وأسس بنيانا بمكة ثابتا ... تلألأ فيه بالظلام المصابح

مثابا لأفناء. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بنصب"مثابا" بيد أن الشافعي روى هذا البيت في الأم ٢: ١٢٠ لورقة بن نوفل، وعجزه. تخب إليه اليعملات الذوامل

وكذلك جاء في القرطبي ٢: ١٠٠، وعدها أبو حيان رواية في البيت، وبهذه الرواية ذكره صاحب اللسان في (ثوب) منسوبا لأبي طالب، وفي (ذمل) غير منسوب. والظاهر أن الشافعي رحمه الله أخطأ في رواية البيت. وأخطأ صاحب اللسان في نسبته، اشتبه عليه بشعر أبي طالب في قصيدته المشهورة.

وأفناء القبائل: أخلاطهم ونزاعهم من هاهنا وهاهنا. وخبت الدابة تخب خببا: وهو ضرب سريع من العدو. واليعملات جمع يعملة وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل، اشتق اسمها من العمل، والعمل الإسراع والعجلة. والطلائع جمع طليح. ناقة طليح أسفار: جهدها السير وهزلها، فهي ضامرة هزلا. يعني الإبل أنضاها أصحابها في إسراعهم إلى حج البيت. وأما"الذوامل" في الرواية الأخرى، فهو جمع ذاملة. ناقة ذمول وذاملة: وهي التي تسير سيرا لينا سريعا.]]

ومنه قيل:"ثاب إليه عقله"، إذا رجع إليه بعد عزوبه عنه.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٩٦٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو عاصم قال، حدثنا] عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال: لا يقضون منه وطرا. [[الأثر: ١٩٦٣- ما بين القوسين ساقط من الأصول. وهذا إسناد دائر، أقربه إلينا رقم: ١٩٤٦، فأتممته على الصواب.]]

١٩٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٩٦٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، يثوبون إليه، لا يقضون منه وطرا.

١٩٦٦- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، أما المثابة، فهو الذي يثوبون إليه كل سنة، لا يدعه الإنسان إذا أتاه مرة أن يعود إليه.

١٩٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي، قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، لا يقضون منه وطرا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.

١٩٦٨- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثني الوليد بن مسلم قال، قال أبو عمرو: حدثني عبدة بن أبي لبابة في قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا.

١٩٦٩- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، يثوبون إليه من كل مكان، ولا يقضون منه وطرا.

١٩٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء مثله.

١٩٧١- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا سهل بن عامر قال، حدثنا مالك بن مغول، عن عطية في قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، لا يقضون منه وطرا [[الخبر: ١٩٧١- شيخ الطبري"محمد بن عمارة الأسدي"، كما مضى في: ٦٤٥، ١٥١١، وكما ذكرنا أنه يروى عنه في التاريخ كثيرا. وفي المطبوعة"محمد بن عمار".

سهل بن عامر: هو البجلي، وهو ضعيف جدا، ترجمه للبخاري في الصغير، ص: ٢٣٤، وقال: "منكر الحديث، لا يكتب حديثه". وترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/٢٠٢ وروى عن أبيه قال: "هو ضعيف الحديث، روى أحاديث بواطيل! أدركته بالكوفة، وكان يفتعل الحديث". وترجم في لسان الميزان ٣: ١١٩-١٢٠، ووقع اسم أبيه في التاريخ الصغير"عمار"، وهو خطأ ناسخ أو طابع.]] .

١٩٧٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن: قال، حدثنا سفيان، عن أبي الهذيل قال، سمعت سعيد بن جبير يقول:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، يحجون ويثوبون.

١٩٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا الثوري، عن أبي الهذيل، عن سعيد بن جبير في قوله:"مثابة للناس" قال، يحجون، ثم يحجون، ولا يقضون منه وطرا. [[الخبران: ١٩٧٢-١٩٧٣- أبو الهذيل: هو غالب بن الهذيل الأودي، يروي عن أنس، وسعيد بن جبير، وغيرهما، وهو ثقة، وثقه ابن معين. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤/١/٩٩، وابن أبي حاتم ٣/٢/٤٧. وسيأتي باسمه في الخبر بعدهما.]]

١٩٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا ابن بكير قال، حدثنا مسعر، عن غالب، عن سعيد بن جبير:"مثابة للناس" قال، يثوبون إليه. [[الخبر: ١٩٧٤- غالب: هو أبو الهذيل في الخبرين قبله. مسعر، بكسر الميم وسكون السين وفتح العين: هو ابن كدام -بكسر الكاف وتخفيف الدال- وهو أحد الأعلام. الثقات.]]

١٩٧٥-- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا" قال، مجمعا.

١٩٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"مثابة للناس" قال، يثوبون إليه.

١٩٧٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"مثابة للناس" قال، يثوبون إليه.

١٩٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإذ جعلنا البيت مثابة للناس" قال، يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَمْنًا﴾

قال أبو جعفر: و"الأمن" مصدر من قول القائل:"أمن يأمن أمنا".

* *

وإنما سماه الله"أمنا"، لأنه كان في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه، لم يهجه ولم يعرض له حتى يخرج منه، وكان كما قال الله جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ . [سورة العنكبوت: ٦٧]

١٩٧٩- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وأمنا" قال، من أم إليه فهو آمن، كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يعرض له.

١٩٨٠- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما"أمنا"، فمن دخله كان آمنا.

١٩٨١- حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله الله:"وأمنا" قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.

١٩٨٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"وأمنا"، يقول: أمنا من العدو أن يحمل فيه السلاح، وقد كان في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يُسبَوْن.

١٩٨٣- حدثت عن المنجاب قال، أخبرنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله:"وأمنا" قال، أمنا للناس.

١٩٨٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله:"وأمنا" قال، تحريمه، لا يخاف فيه من دخله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:

فقرأه بعضهم:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" بكسر"الخاء"، على وجه الأمر باتخاذه مصلى. وهي قراءة عامة المصرين الكوفة والبصرة، وقراءة عامة قرأة أهل مكة وبعض قرأة أهل المدينة. [[كان في المطبوعة: "قراء" في هذه المواضع، فرددتها إلى ما جرى عليه الطبري في الأجزاء السالفة.]] وذهب إليه الذين قرأوه كذلك، من الخبر الذي:-

١٩٨٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا حميد، عن أنس بن مالك قال، قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، لو اتخذت المقام مصلى! فأنزل الله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى".

١٩٨٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي -وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية- جميعا، عن حميد، عن أنس، عن عمر، عن النبي ﷺ، مثله.

١٩٨٧- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، فذكر مثله. [[الأحاديث: ١٩٨٥-١٩٨٧، هي حديث واحد بأربعة أسانيد صحاح. وهو مختصر من حديث مطول، رواه أحمد في المسند: ١٥٧، ١٦٠، ٢٥٠، عن هشيم، وعن ابن أبي عدي، وعن يحيى - ثلاثتهم، عن حميد، عن أنس. ورواه البخاري أيضًا، عن مسدد، عن يحيى. كما ذكره ابن كثير ١: ٣٠٩-٣١٠، من رواية البخاري وأحمد، ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: "حسن صحيح".]]

* *

قالوا: فإنما أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية أمرا منه نبيه ﷺ باتخاذ مقام إبراهيم مصلى. فغير جائز قراءتها -وهي أمر- على وجه الخبر.

* *

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" معطوف على قوله:"يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي" و"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى". فكان الأمر بهذه الآية، وباتخاذ المصلى من مقام إبراهيم -على قول هذا القائل- لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ،..... كما حدثنا [عن] الربيع بن أنس. [[كان في المطبوعة: "كما حدثنا الربيع بن أنس"، وهو خطأ، فزدت"عن" بين القوسين، فبين أبي جعفر الطبري والربيع بن أنس دهر طويل. وانظر التعليق التالي.]] بما:-

١٩٨٨- حدثت [به] عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قال: من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فهم يصلون خلف المقام. [[الأثر: ١٩٨٨- هو جزء من الأثر السالف رقم: ١٩٢٢ وهو"عن ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس"، فزدت ما بين الأقواس، ليستقيم الكلام. وسيأتي أيضًا برقم: ٢٠٠١ ولكني وضعت هذه النقط في الموضع السالف، لأني أخشى أن يكون في الكلام سقط. وذلك أنه بدأ فقال: إن الأمر بهذه الآية على قول هذا البصري - لليهود من بني إسرائيل على عهد رسول الله ﷺ. ثم عقب عليه بقوله: "فأمرهم أن يتخذوا مقام إبراهيم مصلى، فهم يصلون خلف المقام". ولست أعلم أن اليهود الذي كانوا على عهد رسول الله ﷺ، كانوا يصلون في البيت الحرام خلف المقام، فلذلك وضعت هذه النقط، لأني أرجح أنه قد سقط من كلام الطبري في هذا الموضع ما يستقيم به هذا الكلام. ولم أجد في الكتب التي تنقل عن تفسير الطبري ما يهدي إلى صواب هذه العبارة.

والذي استظهره أن يكون سقط من هذا الموضع، توجيه الأمر في هذه الآية إلى إبراهيم وذريته من ولد إسماعيل، فيكون الضمير في قوله: "فأمرهم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فهم يصلون خلف المقام" إلى ذرية إبراهيم من ولد إسماعيل، وهم العرب من أهل دين إسماعيل، وبقاياهم من أهل الجاهلية، الذين جاء رسول الله ﷺ، ليقيمهم على الحنيفية ملة إبراهيم، وهي الإسلام.]]

* *

فتأويل قائل هذا القول: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال، إني جاعلك للناس إماما، وقال: اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

* *

قال أبو جعفر: والخبر الذي ذكرناه عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ قبل، يدل على خلاف الذي قاله هؤلاء، وأنه أمر من الله تعالى ذكره بذلك رسول الله ﷺ، والمؤمنين به وجميع الخلق المكلفين.

* *

وقرأه بعض قرأة أهل المدينة والشام: ﴿واتخذوا﴾ بفتح"الخاء" على وجه الخبر.

* *

ثم اختلف في الذي عطف عليه بقوله:"واتخذوا" إذ قرئ كذلك، على وجه الخبر،

فقال بعض نحويي البصرة: تأويله، إذا قرئ كذلك: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، [وإذ] اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. [[الزيادة التي بين القوسين، لا بد منها، وإلا لم يكن بين هذا القول والذي يليه فرق. ويعني البصري في هذا التأويل أن العطف على جملة"وإذ جعلنا"، فتكون"إذ" مضمرة في قوله تعالى: "واتخذوا".]]

وقال بعض نحويي الكوفة: بل ذلك معطوف على قوله:"جعلنا"، فكان معنى الكلام على قوله: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس، واتخذوه مصلى [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٧٧ وهو تأويله.]] .

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول والقراءة في ذلك عندنا:"واتخذوا" بكسر"الخاء"، على تأويل الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، للخبر الثابت عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه آنفا، وأن:

١٩٨٩- عمرو بن علي حدثنا قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا جعفر بن محمد قال، حدثني أبي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قرأ:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى". [[الحديث: ١٩٨٩- عمرو بن علي: هو الفلاس، من كبار الحفاظ الثقات، روى عنه أصحاب الكتب الستة وغيرهم. وشيخه يحيى بن سعيد: هو القطان الإمام.

والحديث جزء من حديث جابر -الطويل- في الحج كما سنذكر في: ٢٠٠٣، إن شاء الله.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، وفي"مقام إبراهيم". فقال بعضهم:"مقام إبراهيم"، هو الحج كله.

ذكر من قال ذلك:

١٩٩٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله:"مقام إبراهيم"، قال الحج كله مقام إبراهيم.

١٩٩١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال، الحج كله.

١٩٩٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: الحج كله"مقام إبراهيم".

* *

وقال آخرون:"مقام إبراهيم" عرفة والمزدلفة والجمار.

ذكر من قال ذلك:

١٩٩٣- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رياح:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال: لأني قد جعلته إماما، فمقامه عرفة والمزدلفة والجمار.

١٩٩٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال، مقامه: جمع وعرفة ومنى - لا أعلمه إلا وقد ذكر مكة.

١٩٩٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال، مقامه، عرفة.

١٩٩٦- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود، عن الشعبي قال: نزلت عليه وهو واقف بعرفة، مقام إبراهيم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣] ، الآية.

١٩٩٧- حدثنا عمرو قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن الشعبي مثله

* *

وقال آخرون:"مقام إبراهيم"، الحرم.

ذكر من قال ذلك:

١٩٩٨- حدثت عن حماد بن زيد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال، الحرم كله"مقام إبراهيم".

* *

وقال آخرون:"مقام إبراهيم" الحجر الذي قام عليه إبراهيم حين ارتفع بناؤه، وضعف عن رفع الحجارة.

ذكر من قال ذلك:

١٩٩٩- حدثنا سنان القزاز قال، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت كثير بن كثير يحدّث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جعل إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". فلما ارتفع البنيان، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر، فهو"مقام إبراهيم" [[الحديث: ١٩٩٩- هو قطعة من الحديث الآتي: ٢٠٥٦. وسنخرجه هناك، إن شاء الله. وشيخ الطبري هنا"ابن سنان القزاز": هو"محمد بن سنان"، مضت ترجمته في: ١٥٧. وفي المطبوعة"سنان" بحذف"ابن"، وهو خطأ.]]

* *

وقال آخرون: بل"مقام إبراهيم"، هو مقامه الذي هو في المسجد الحرام.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٠- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها. [[في المطبوعة: "مما تكلفته"، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٣١١.]] ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثر عقبه وأصابعه، فما زالت هذه الأمم يمسحونه حتى اخلولق وانمحى. [[في المطبوعة: "أصابعه فيها"، والصواب من تفسير ابن كثير. خلق الشيء وأخلق واخلولق: بلى.]]

٢٠٠١- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، فهم يصلون خلف المقام. [[الأثر: ٢٠٠١- هو الأثر السالف: ١٩٨٨، وانظر التعليق عليه.]]

٢٠٠٢- حدثني موسى [[كان في المطبوعة"حدثني يونس"، وهو خطأ محض بل هو إسناده الدائر في التفسير - إلى السدي، وأقربه رقم: ١٩٨٠.]] قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"، وهو الصلاة عند مقامه في الحج.

و"المقام" هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع إبراهيم رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه، ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر، فوضعته تحت الشق الآخر، فغسلته، فغابت رجله أيضا فيه، فجعلها الله من شعائره، فقال:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى".

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، ما قاله القائلون: إن"مقام إبراهيم"، هو المقام المعروف بهذا الاسم، الذي هو في المسجد الحرام، لما روينا آنفا عن عمر بن الخطاب، [[انظر ما سلف رقم: ١٩٨٥- ١٩٨٧.]] ولما:-

٢٠٠٣- حدثنا يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى". فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. [[الحديث: ٢٠٠٣- يوسف بن سلمان، شيخ الطبري: هو أبو عمر الباهلي البصري، ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٢٣-٢٢٤. وفي المطبوعة"سليمان" بدل"سلمان"، وهو خطأ.

حاتم بن إسماعيل المدني: ثقة مأمون كثير الحديث، أخرج له الجماعة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٧٢، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٥٨-٢٥٩، وابن سعد ٥: ٣١٤.

جعفر بن محمد: هو جعفر الصادق، بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وهو ثقة صادق مأمون، من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا. وإنما يكذب عليه الشيعة الروافض. أما رواية الثقات عنه فصحيحة.

وهذا الحديث قطعة من حديث جابر -الطويل- في صفة حجة الوداع. وقد مضت قطعة منه: ١٩٨٩، من رواية يحيى بن سعيد القطان، عن جعفر الصادق.

وستأتي قطعة منه، بهذا الإسناد: ٢٣٦٥.

والحديث بطوله -رواه الإمام أحمد في المسند: ١٤٤٩٢ (ج ٣ ص ٣٢٠-٣٢١ حلبي) عن يحيى القطان، عن جعفر.

ورواه مسلم في صحيحه ١: ٣٤٦-٣٤٧، عن أبي بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه -كلاهما عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر الصادق، به.]]

* *

فهذان الخبران ينبئان أن الله تعالى ذكره إنما عنى ب"مقام إبراهيم" الذي أمرنا الله باتخاذه مصلى - هو الذي وصفنا.

ولو لم يكن على صحة ما اخترنا في تأويل ذلك خبر عن رسول الله ﷺ، لكان الواجب فيه من القول ما قلنا. وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف، دون باطنه المجهول، [[انظر تفسير"الظاهر والباطن" فيما سلف ٢: ١٥، واطلبه في الفهارس.]] حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، مما يجب التسليم له. ولا شك أن المعروف في الناس ب"مقام إبراهيم" هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى"

* *

[قال أبو جعفر: وأما قوله تعالى:"مصلى"] ، فإن أهل التأويل مختلفون في معناه. [[الزيادة بين القوسين لا بد منها.]] فقال بعضهم: هو المدعى.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" قال، مصلى إبراهيم مُدَّعًى.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: اتخذوا مصلى تصلون عنده.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٠٥- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، أمروا أن يصلوا عنده.

٢٠٠٦- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هو الصلاة عنده.

* *

قال أبو جعفر: فكأن الذين قالوا: تأويل:"المصلى" ههنا، المُدَّعَى، وَجَّهوا "المصَلَّى" إلى أنه"مُفَعَّل"، من قول القائل:"صليت" بمعنى دعوت. [[انظر ما سلف ١: ٢٤٢-٢٤٣.]] .

وقائلو هذه المقالة، هم الذين قالوا: إن مقام إبراهيم هو الحج كله.

* *

فكان معناه في تأويل هذه الآية: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار، وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مَدَاعِيَ تدعوني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها، فإني قد جعلته لمن بعده -من أوليائي وأهل طاعتي- إماما يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به.

* *

وأما تأويل القائلين القول الآخر، فإنه: اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده، عبادةً منكم، وتكرمةً مني لإبراهيم.

* *

وهذا القول هو أولى بالصواب، لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وَعهدنا"؛ وأمرنا، كما:-

٢٠٠٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.

٢٠٠٨- حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وعهدنا إلى إبراهيم" قال، أمرناه.

* *

فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين."والتطهير" الذي أمرهما الله به في البيت، هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك بالله.

* *

فإن قال قائل: وما معنى قوله:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين"؟ وهل كان أيام إبراهيم -قبل بنائه البيت- بيت يطهر من الشرك وعبادة الأوثان في الحرم، فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره؟

قيل: لذلك وجهان من التأويل، قد قال بكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل. [[في المطبوعة: "قد كان لكل واحد من الوجهين"، وهو كلام هالك.]]

أحدهما: أن يكون معناه: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والرَّيْب [[الريب هنا: الشر والخوف من قولهم: رابني أمره، أي أدخل علي شرا وخوفا، وكأن ذلك مردود إلى قوله تعالى: "مثابة للناس وأمنا".]] كما قال تعالى ذكره: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ ، [سورة التوبة: ١٠٩] ، فكذلك قوله:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما:-

٢٠٠٩- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي"، يقول: ابنيا بيتي [للطائفين] . [[هذه الزيادة، من تفسير ابن كثير ١: ٣١٥.]]

فهذا أحد وجهيه.

والوجه الآخر منهما: أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه، والبيت بعد بنيانه، مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه -على عهد نوح ومن قبله- من الأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده، كما:-

٢٠١٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "أن طهرا" قال، من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها. [[قال ابن كثير في تفسيره ١: ٣١٤-٣١٥، بعد أن ساق هذا الوجه، وهذا الأثر: "قلت: وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم عليه السلام، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد ﷺ".]]

٢٠١١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عبيد بن عمير:"أن طهرا بيتي للطائفين" قال، من الأوثان والرَّيْب.

٢٠١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، مثله.

٢٠١٣- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، قال: من الشرك.

٢٠١٤- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو إسرائيل، عن أبي حصين، عن مجاهد:"طهرا بيتي للطائفين" قال، من الأوثان.

٢٠١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"طهرا بيتي للطائفين" قال: من الشرك وعبادة الأوثان.

٢٠١٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، بمثله - وزاد فيه: وقول الزور.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى"الطائفين" في هذا الموضع. فقال بعضهم: هم الغرباء الذين يأتون البيت الحرام من غَرْبةٍ. [[الغربة والغرب (بفتح فسكون) : النوى والبعد. يعني من أتاه من مكان بعيد.]]

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين، عن سعيد بن جبير في قوله:"للطائفين" قال، من أتاه من غربة.

* *

وقال آخرون: بل"الطائفون" هم الذين يطوفون به، غرباء كانوا أو من أهله.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٨- حدثنا محمد بن العلاء قال، حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء:"للطائفين" قال، إذا كان طائفا بالبيت فهو من"الطائفين".

* *

وأولى التأويلين بالآية ما قاله عطاء. لأن"الطائف" هو الذي يطوف بالشيء دون غيره. والطارئ من غَرْبةٍ لا يستحق اسم"طائف بالبيت"، إن لم يطف به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"والعاكفين"، والمقيمين به."والعاكف على الشيء"، هو المقيم عليه، كما قال نابغة بني ذبيان:

عكوفا لدى أبياتهم يثمدونهم ... رمى الله في تلك الأكف الكوانع [[ديوانه: ٦٣ من أبيات قالها لزرعة بن عامر العامري. حين بعثت بنو عامر إلى حصن بن حذيفة وابنه عيينة بن حصن: أن اقطعوا حلف ما بينكم وبين بني أسد، وألحقوهم ببني كنانة، ونحالفكم ونحن بنو أبيكم. وكان عيينة هم بذلك، فقالت بنو ذبيان: أخرجوا من فيكم من الحلفاء، ونخرج من فينا! فأبوا، فقال النابغة: ليهن بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع

سوى أسد، يحمونها كل شارق ... بألفي كمي، ذي سلاح، ودارع

ثم مدح بني أسد، وذم بني عبس، وتنقص بني سهم ومالك من غطفان وعبد بن سعد بن ذبيان، وهجاهم بهذا البيت الذي استشهد به الطبري، ورواية الديوان"قعودا"، و"يثمدونها"، والضمير للأبيات.

وقوله: "يثمدونهم" أصله من قولهم: "ثمد الماء يثمده ثمدا"، نبث عنه التراب ليخرج. وماء مثمود: كثر عليه الناس حتى فني ونفد إلا أقله. وأخذوا منه: "رجل مثمود"، إذا ألح الناس عليه في السؤال، فأعطى حتى نفد ما عنده. يقول: يظل بنو سعد ومالك لدى أبيات عبد بن سعد يستنزفون أموالهم. يصفهم بالخسة وسقوط الهمة. ومن روى: "يثمدونها" وأعاد الضمير إلى"أبياتهم"، فهو مثله، في أنهم يلازمون بيوتهم ويسترزقونها، يهزأ بهم.

والكوانع جمع كانع: وهو الخاضع الذي تدانى وتصاغر وتقارب بعضه من بعض، كأنه يتقبض من ذلته. يصفهم بالخسة والطمع والسؤال الذليل. وقوله: "رمى الله" يعني أصابها بما يستأصلها، ورواية الديوان: "في تلك الأنوف"، فمعناه: رمى فيها بالجدع، وهو دعاء عليهم، واشمئزاز من حقارتهم.]] وإنما قيل للمعتكف"معتكف"، من أجل مقامه في الموضع الذي حبس فيه نفسه لله تعالى.

* *

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله:"والعاكفين".

فقال بعضهم: عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠١٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء قال: إذا كان طائفا بالبيت فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين.

* *

وقال بعضهم:"العاكفون"، هم المعتكفون المجاورون.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٠- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة:"طهرا بيتي للطائفين والعاكفين" قال، المجاورون.

* *

وقال بعضهم:"العاكفون"، هم أهل البلد الحرام.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين، عن سعيد بن جبير في قوله:"والعاكفين" قال: أهل البلد.

٢٠٢٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والعاكفين" قال: العاكفون: أهله.

* *

وقال آخرون:"العاكفون"، هم المصلون.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس في قوله:"طهرا بيتي للطائفين والعاكفين" قال، العاكفون، المصلون.

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء، وهو أن"العاكف" في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة. لأن صفة"العكوف" ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله:"أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود" - المصلين والطائفين، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من"العاكف"، غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"والركع"، جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم"راكع". وكذلك"السجود" هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم"ساجد" - كما يقال:"رجل قاعد ورجال قعود" و"رجل جالس ورجال جلوس"، فكذلك"رجل ساجد ورجال سجود". [[مما استظهرته من أمر هذا الجمع، جمع فاعل على فعول: أن كل فعل ثلاثي جاء مصدره على"فعول" بضم الفاء، فجمع"فاعل" منه على"فعول"، كهذه الأمثلة التي ذكرت هنا، وكل ما سواها مما قيدته كتب اللغة، ومما هو منثور في الشعر.]]

* *

وقيل: بل عنى"بالركع السجود"، المصلين.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٢٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء:"والركع السجود" قال، إذا كان يصلي فهو من"الركع السجود".

٢٠٢٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"والركع السجود"، أهل الصلاة.

* *

وقد بينا فيما مضى بيان معنى"الركوع" و"السجود"، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا. [[انظر ما سلف ١: ٥٧٤-٥٧٥، ثم ٢: ١٠٣-١٠٥، ٥١٩.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا"، واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.

* *

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"آمنا": آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وائتفاك، وغرق، [[في المطبوعة: "وانتقال" مكان"وائتفاك"، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة. والائتفاك الانقلاب، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط، فقال سبحانه في سورة هود: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها"، وهذا هو الائتفاك، ائتفكت بهم الأرض: أي انقلبت فصار عاليها سافلها، فسمى الله هذه القرى، قرى لوط"المؤتفكات" في سورة التوبة: ٧٠، وفي سورة الحاقة: ٩، وقال في سورة النجم: ٥٢-٥٣"والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى"]] وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره، كما:

٢٠٢٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش. وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط. قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي. فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين، حتى إذا كان زمان الطوفان -حين أغرق الله قوم نوح- رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض. فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله.

* *

فإن قال لنا قائل: أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان؟

قيل له: لقد اختلف في ذلك. فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه، منذ خلقت السموات والأرض. واعتلوا في ذلك بما:-

٢٠٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل، فقام رسول الله ﷺ خطيبا فقال:"يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرا. ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها. ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس. ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فمن قال: إن رسول الله ﷺ قد قتل بها! فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك". [[الحديث: ٢٠٢٧- هذا مختصر من حديث صحيح مطول:

فرواه أحمد في المسند: ١٦٤٤٨ (ج ٤ ص ٣٢ حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد.

ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن هشام ٤: ٥٧-٥٨ (حلبي) ، و ٨٢٣- ٨٢٤ أوربة، ٢: ٢٧٧-٢٧٨ (من الروض الأنف) .

ورواه أيضًا، بنحوه، أحمد: ١٦٤٤٤ (ج ٤ ص ٣١) ، والبخاري ١: ١٧٦-١٧٧، و ٤: ٣٥-٣٩ (فتح) ، ومسلم ١: ٣٨٣-٣٨٤ كلهم من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح.

وقوله في الحديث: "أو يعضد بها شجرا"، أي يقطعه، يقال"عضد الشجر"، من باب"ضرب" قطعه.

وقوله: "غضبا على أهلها": هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق، في المسند، وسيرة ابن هشام، وفي المطبوعة: "عصى على أهلها". وهو تصحيف.]]

٢٠٢٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ، لمكة حين افتتحها:"هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، أُحِلَّت لي ساعة من نهار. [[الحديث: ٢٠٢٨- هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين، عن ثلاثة شيوخ: فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي. ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع، كلاهما: أعني ابن حميد وابن وكيع، عن جرير بن عبد الحميد الضبي. ثم يجتمع الإسنادان: فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد"جميعا عن يزيد بن أبي زياد".

وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا، كما بينا في: ١٦٩٢- فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه، بل قرن به محمد الرازي، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا، بين مجاهد وابن عباس. وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا، ولكن هذا الحديث بعينه رواه"عن طاوس عن ابن عباس".

و"يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم": صدوق، في حفظه شيء بعد ما كبر، قال ابن سعد ٦: ٢٣٧"كان ثقة في نفسه، إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب". وقال يعقوب بن سفيان: "ويزيد -وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره- فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور". وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٣٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٦٥. فلعله وهم في حذف"طاوس" بين مجاهد وابن عباس.

والحديث في ذاته صحيح.

فرواه أحمد بنحوه مطولا: ٢٣٥٣، ٢٨٩٨، من طريق منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس.

وكذلك رواه البخاري ٤: ٤٠-٤٢، ومسلم ١: ٣٨٣، من طريق منصور.

ومنصور بن المعتمر: سبق توثيقه ١٧٧. وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد. بل قال يحيى القطان: "ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور". وقدمه الأئمة -في الحفظ- على الأعمش والحكم.

بل إن هذا الحديث نفسه: ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي ﷺ - مرسلا، يعني بحذف طاوس وابن عباس، ثم قال: "ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله". أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح.

وقوله في هذه الرواية: "ووضع هذين الأخشبين". هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر. و"الأخشبان"، بلفظ التثنية: هما جبلا مكة المطيفان بها. انظر النهاية لابن الأثير، ومعجم البلدان لياقوت.]]

* *

قالوا: فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة. قالوا: وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله ﷺ التي ذكرناها. قالوا: ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط، وأن يرزق ساكنه من الثمرات، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله:"وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر". قالوا: وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته، وهو غير ذي زرع ولا ضرع، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.

قالوا: وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم، وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه، وهو القائل - حين حله، ونزله بأهله وولده: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧] ؟ قالوا: فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه تحريمه لما قال:"عند بيتك المحرم" عند نزوله به، ولكنه حُرِّم قبله، وحُرِّم بعده.

* *

وقال آخرون: كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره، وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه، كما كانت مدينة رسول الله ﷺ حلالا قبل تحريم رسول الله ﷺ إياها. قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك، ما:-

٢٠٢٩- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ"إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها. [[الحديث: ٢٠٢٩- إسناده صحيح. عبد الرحمن بن مهدي: هو الإمام الحافظ العلم. سفيان: هو الثوري.

أبو الزبير: هو المكي، محمد بن مسلم بن تدرس، تابعي ثقة. أخرج له الجماعة. جابر: هو ابن عبد الله، الصحابي المشهور.

والحديث رواه مسلم ١: ٣٨٥، بنحوه، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي، عن سفيان، بهذا الإسناد. بلفظ"إن إبراهيم حرم مكة" إلخ.

ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: "وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار بندار، به". و"بندار": لقب محمد بن بشار.

اللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها.

العضاه، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء: كل شجر عظيم له شوك.]]

٢٠٣٠- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا [حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال] ، حدثنا عبد الرحيم الرازي، [قالا جميعا] : سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير. [[الحديث: ٢٠٣٠- أبو السائب: هو مسلم بن جنادة، مضت ترجمته: ٤٨. ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي. سبقت ترجمته في: ٤٣٨.

عبد الرحيم الرازي: هو عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت له رواية في الحديث ٢٠٢٨- وهو ثقة كثير الحديث. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢٣٩.

أشعث: هو ابن سوار الكندي، ضعفه بعضهم، ووثقه آخرون. وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند: ٦٦١. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٤٣٠، وابن أبي حاتم ١/١/٢٧١-٢٧٢.

نافع: هو مولى ابن عمر، الثقة الثبت الحجة.

وقد كان هذا الإسناد: مغلوطا في المطبوعة هكذا: "حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي: سمعت أشعث. . . " نقص منه"ابن إدريس". فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازي عن أشعث. والصواب ما أثبتناه، نقلا عن ابن كثير ١: ٣١٦، عن هذا الموضع من الطبري.

فصحة الإسناد: أنه يرويه الطبري عن أبي كريب وأبي السائب. كلاهما عن عبد الله بن إدريس، ثم يرويه الطبري عن أبي كريب وحده، عن عبد الرحيم الرازي -وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث.

وهذا الحديث من هذا الوجه، قال فيه ابن كثير: "وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة". وأزيد عليه: أني لم أجدها في المسند أيضًا، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع.

ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي هريرة، من وجه آخر، في صحيح مسلم. وهو حديث مالك في الموطأ، ص: ٨٨٥، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة: "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال، اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة، ومثله معه". وهو في صحيح مسلم ١: ٣٨٧، عن قتيبة، عن مالك.]]

٢٠٣١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قتيبة بن سعيد قال، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ:"إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابيتها. [[الحديث: ٢٠٣١- بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري: ثقة، أخرج له الشيخان وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٩٥، وابن أبي حاتم ١/١/٣٩٢-٣٩٣، وتذكرة الحفاظ، وقال: "الإمام المحدث الصادق العابد".

ابن الهاد: هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني. وهو ثقة كثير الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٤٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٧٥. أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: تابعي ثقة حجة، لا يسأل عن مثله.

عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: تابعي ثقة، وكان شريفا جوادا ممدحا. جده لأمه: عبد الله بن عمر بن الخطاب.

والحديث رواه مسلم في صحيحه ١: ٣٨٥، عن قتيبة بن سعيد، بهذا الإسناد. ونقله ابن كثير ١: ٣١٦، وقال: "انفرد بإخراجه مسلم". يعني دون البخاري.]] وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.

* *

قالوا:"وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال:"رب اجعل هذا بلدا آمنا"، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض، فليس لأحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك، الأمان له من بعض الأشياء دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها. قالوا: وأما خبر أبي شريح وابن عباس، فخبران لا تثبت بهما حجة، لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها، كما أخبر النبي ﷺ،"أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض"، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله، ولكن بمنعه من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات. فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل. فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه، يستنون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله، للناس إماما يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما سأله، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه،

فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - [[سياق هذه الجملة المعترضة: "بعد أن كانت ممنوعة. . .، ومحرمة. . . "، وسياق الجملة التي دخلها الاعتراض: "فصارت مكة. . . فرض تحريمها. . . وواجب على عباده. . . "]] فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها، واستحلال صيدها وعضاهها لها بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم.

فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ:"إن الله حرم مكة". لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - [[كلأه الله يكلؤه كلاء (بفتح فسكون) وكلأ (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف) : حرسه وحفظه. وكان في المطبوعة"الكلاء" بهمزة مفردة مع المد، وليس صوابا. هذا، وسياق العبارة: "لأن فرض تحريمها. . . كان عن مسألة إبراهيم ربه".]] كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه، [وهو الذي] لزم العباد فرضه دون غيره. [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام.]]

فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:"وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر" - وخبر جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم: أن النبي ﷺ قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة"؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر، كما ظنه بعض الجهال.

وغير جائز في أخبار رسول الله ﷺ أن يكون بعضها دافعا بعضا، إذا ثبت صحتها. وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله ﷺ، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.

وأما قول إبراهيم عليه السلام [[في الأصول: "وقول إبراهيم"، والصواب زيادة"أما" كما يدل عليه السياق.]] ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [سورة إبراهيم: ٣٧] فإنه، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه، [[وفيها: "إن يكن قال قبل إيجاب الله". والصواب ما أثبت.]] فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته، [[وفيها: "وكلائه"، والصواب ما أثبت، وانظر التعليق السالف رقم: ١.]] من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

قال أبو جعفر: وهذه مسألة من إبراهيم ربه: أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات، دون كافريهم. وخص، بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين، لما أعلمه الله -عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم- أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده، والظالم الذي لا يدرك ولايته. فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر، خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة، المؤمن منهم دون الكافر. وقال الله له: إني قد أجبت دعاءك، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم، فأمتعه به قليلا.

* *

وأما "من" من قوله: "من آمن منهم بالله واليوم الآخر"، فإنه نصبٌ على الترجمة والبيان عن"الأهل"، [[الترجمة: هي عطف البيان أو البدل عند الكوفيين، كما سلف ٢: ٣٤٠، ٤٢٠.]] كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [سورة البقرة: ٢١٧] ، بمعنى: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام، وكما قال تعالى ذكره: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [سورة آل عمران: ٩٧] : بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا.

* *

وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك، لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل، فسأل أن يرزق أهله ثمرا، وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم. فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه، نقل الله الطائف من فلسطين.

٢٠٣٢- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا هشام قال، قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم:"وارزق أهله من الثمرات"، نقل الله الطائف من فلسطين.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول، وفي وجه قراءته. فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره، وتأويله على قولهم: قال: ومن كفر فأمتعه قليلا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله. وقرأ قائل هذه المقالة ذلك:"فأمتعه قليلا"، بتشديد"التاء" ورفع"العين".

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع، قال، حدثني أبو العالية، عن أبي بن كعب في قوله:"ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار"، قال هو قول الرب تعالى ذكره.

٢٠٣٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما قال إبراهيم:"رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر"، وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية، = انقطاعا إلى الله، [[يعني أن إبراهيم قال ذلك، وصرف الدعوة: "انقطاعا إلى الله. . . "]] ومحبة وفراقا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده، بخبره عن ذلك حين أخبره [[في المطبوعة: "أنه كان منهم ظالم. . . " والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير. قوله: "بخبره عن ذلك. . " سياقه، أنه: عدل الدعوة عمن أبي. . بخبر الله عن ذلك حين أخبره. وفي المطبوعة: "فقال الله. . "، والفاء مفسدة للسياق، فإنه: "لما قال إبراهيم. . وعدل الدعوة. . قال الله. . ".]] = فقال الله: ومن كفر - فإني أرزق البر والفاجر - فأمتعه قليلا. [[الأثر: ٢٠٣٤- في تفسير ابن كثير ١: ٣١٩، وفيه اختلاف في بعض اللفظ، ولم أجده في سيرة ابن هشام.]]

* *

وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن، على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا"ثم اضطره إلى عذاب النار" - بتخفيف"التاء" وجزم"العين"، وفتح"الراء" من اضطره، وفصل"ثم اضطره" بغير قطع ألفها [[هذا رسم القراءة ﴿فأمتعه قليلا ثم اضطره﴾ ، على أنهما فعلا أمر، يراد بهما الدعاء والسؤال.]] - على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع قال، قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.

* *

٢٠٣٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن ليث، عن مجاهد:"ومن كفر فأمتعه قليلا"، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا، ثم أضطره إلى عذاب النار. [[الأثر: ٢٠٣٦- كان ينبغي أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التي سوف يردها الطبري. وبين من نقل ابن كثير عن الطبري أن موقعه قبل الأثر رقم: ٢٠٣٤، وسيأتي في كلام الطبري بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد، بمعزل عن هذه القراءة. فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه. وكدت أرده إلى مكانه، ولكني آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ، وفصلته عن الذي قبله بالنجوم الفاصلة.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل، ما قاله أبي بن كعب وقراءته، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو، على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.

* *

وأما قوله:"فأمتعه قليلا" يعني: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته. [[انظر تفسير"المتاع" فيما سلف ١: ٥٣٩-٥٤١.]]

وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة. فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره. وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه. [[انظر الأثر: رقم: ٢٠٣٦، والتعليق عليه.]]

وقال بعضهم: تأويله: فأمتعه بالبقاء في الدنيا.

وقال غيره: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة، حتى أبعث محمدا ﷺ فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها. وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه، لما وصفنا. [[ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام، يحتمل وجوها، ولكن سياق المعاني وترابطها يوجب معنى واحدا مما يحتمله الكلام. وهذا ما يعنيه بقوله: "دليل ظاهر الكلام". وانظر تفسير"الظاهر" فيما سلف ٢: ١٥ والمراجع قبله وبعده.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾

قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله:"ثم أضطره إلى عذاب النار"، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها، كما قال تعالى ذكره: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) [سورة الطور: ١٣] . [[قال أبو جعفر في تفسير هذه الآية (٢٧: ١٣-١٤، بولاق) : "يدفعون بإرهاق وإزعاج. يقال منه. دععت في قفاه: إذا دفعت فيه".]]

* *

ومعنى"الاضطرار"، الإكراه. يقال:"اضطررت فلانا إلى هذا الأمر"، إذا ألجأته إليه وحملته عليه.

فذلك معنى قوله:"ثم أضطره إلى عذاب النار"، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) ﴾

قال أبو جعفر: قد دللنا على أن"بئس" أصله "بِئس" من "البؤس" سُكِّن ثانيه، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله، كما قيل للكَبد كِبْد، وما أشبه ذلك. [[انظر ما سلف ٢: ٣٣٨-٣٤٠.]]

* *

ومعنى الكلام: وساء المصيرُ عذابُ النار، بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها.

* *

وأما"المصير"، فإنه "مَفعِل" من قول القائل:"صرت مصيرا صالحا"،، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار. [[يريد الطبري أنه المنزل الذي ينتهى إليه، من قولهم: "أين مصيركم؟ "، أي منزلكم. والمصير: العاقبة وما يصير إليه الشيء.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت"، واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.

* *

و"القواعد" جمع"قاعدة"، يقال للواحدة من"قواعد البيت""قاعدة"، وللواحدة من"قواعد النساء" وعجائزهن"قاعد"، فتلغى هاء التأنيث، لأنها"فاعل" من قول القائل:"قعدت عن الحيض"، ولا حظَّ فيه للذكورة، كما يقال:"امرأة طاهر وطامث"، لأنه لا حظ في ذلك للذكور. ولو عنى به"القعود" الذي هو خلاف"القيام"، لقيل:"قاعدة"، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث. و"قواعد البيت": إساسه. [[الإساس (بكسر الهمزة) جمع أس (بضم الهمزة) ، وجمع الأساس، أسس (بضمتين) وجمع الأسس (بفتحتين) آساس (بالمد) ، وكلها بمعنى واحد.]]

* *

ثم اختلف أهل التأويل في"القواعد" التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت. أهما أحدثا ذلك، أم هي قواعد كانت له قبلهما؟

فقال قوم: هي قواعد بيت كان بناه آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك، ثم درس مكانه وتعفَّى أثرُه بعده، حتى بوأه الله إبراهيم عليه والسلام، فبناه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: قال آدم: يا رب، إني لا أسمع أصوات الملائكة! قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، وابن لي بيتا، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من"حراء" و"طورزيتا"، و"طورسينا"، و"جبل لبنان"، و"الجودي"، وكان ربضه من حراء. فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد. [[الأثر: ٢٠٣٧- في تفسير ابن كثير ١: ٣٢٥، وقال: "وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة والله أعلم". وربض البناء (بفتحتين) وربضه (بضم فسكون) : هو وسطه الذي يربض عليه، أي يستقر ويثبت.]]

٢٠٣٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" قال، القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.

* *

وقال آخرون: بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٣٩- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن عمرو قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك -أو منزل - معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي. فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه الله إبراهيم، وأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من"حراء" و"ثبير" و"لبنان" و"جبل الطور" و"جبل الخمر". [[الخبر: ٢٠٣٩- عبد الوهاب: هو ابن عبد المجيد الثقفي، وهو ثقة، من شيوخ الشافعي وأحمد وأضرابهما. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٧١، وابن سعد ٧/٢/٤٤.

أيوب: هو ابن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة حجة. قال شعبة: "كان سيد الفقهاء". مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٤٠٩-٤١٠، وابن سعد ٧/٢/١٤-١٧، وابن أبي حاتم.

أبو قلابة، بكسر القاف وتخفيف اللام: هو عبد الله بن زيد الجرمي. وهو تابعي ثقة مشهور. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/١/١٣٣-١٣٥، وابن أبي حاتم ٢/٢/٥٧-٥٨.

وهذا الخبر ذكره السيوطي ١: ١٢٧، ونسبه الطبري وابن أبي حاتم، والطبراني، عن"عبد الله بن عمرو بن العاص".

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٢٨٨، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، موقوفا، ورجاله رجال الصحيح". وهو كما قال. ولكن ليس فيه حجة، ولعله مما كان يسمع عبد الله بن عمرو من أخبار أهل الكتاب. جبل الخمر: هو جبل بيت المقدس، سمي بذلك لكثرة كرومه (ياقوت) .]]

٢٠٤٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا إسماعيل بن علية قال، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: لما أهبط آدم، ثم ذكر نحوه.

٢٠٤١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشام بن حسان، عن سوار [ختن عطاء] ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فخفضه إلى الأرض. فلما فقد ما كان يسمع منهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة، حتى انتهى إلى مكة. وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه. فذلك قول الله:"وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت". [[الأثر: ٢٠٤١- في تاريخ الطبري ١: ٦١، والزيادة بين القوسين منه. وفي تفسير ابن كثير ١: ٣٢٥، وقال"هذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم"، ومعه أيضًا الأثر الذي سلف رقم: ٢٠٣٧.]]

٢٠٤٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم، حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعا: فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي.

فانطلق إليه آدم فخرج، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك. فأتى آدم البيت وطاف به ومن بعده من الأنبياء.

٢٠٤٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبان: أن البيت أهبط ياقوتة واحدة -أو درة واحدة- حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه، وبقي أساسه، فبوأه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك.

* *

وقال آخرون: بل كان موضع البيت ربوه حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء، [[الزبد (بفتحتين) : هو ما يطفو على الماء من رغوته البيضاء. والطائفة من الزبد، زبدة (بفتح فسكون) .]] وذلك في موضع البيت الحرام. ثم دحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم، فبناه على أساسه. وقالوا: أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٤٤- حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال جرير بن حازم، حدثني حميد بن قيس، عن مجاهد قال: كان موضع البيت على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، مثل الزبْدة البيضاء، ومن تحته دحيت الأرض.

٢٠٤٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء وعمرو بن دينار: بعث الله رياحا فصفقت الماء، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة، فهذا البيت منها. فلذلك هي"أم القرى". قال ابن جريج، قال عطاء: ثم وَتَدها بالجبال كي لا تكفأ بميد، فكان أول جبل"أبو قيس". [[صفقت الريح الماء (بفتح الفاء، وبتشديدها مع الفتح) : ضربته وقلبته يمينا وشمالا.

والحشفة: صخرة رخوة في سهل الأرض. ويقال للجزيرة في البحر لا يعلوها الماء: "حشفة"، وجمعها حشاف (بكسر الحاء) ، إذا كانت صغيرة مستديرة. وكفأ الشيء يكفؤه: قلبه. وماد الشيء يميد ميدا. تحرك ومال.]]

٢٠٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: وضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت [[قال مصحح النسخة المطبوعة: "قوله: وضع البيت على أركان الماء. . . هكذا في الأصل وعبارة الدر المنثور: كان البيت على أربعة أركان في الماء" وهذا تعليق غريب جدا، فإن نص الدر المنثور ١: ١٢٧، هو نفس نص الطبري، وهو نفس ما نقله ابن كثير في تفسيره عن الطبري ١: ٣٢٦. وعبارة الطبري صحيحة.]] .

٢٠٤٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن هارون بن عنتره، عن عطاء بن أبي رباح قال: وجدوا بمكة حجرا مكتوبا عليه:"إني أنا الله ذو بكة بنيته يوم صنعت الشمس والقمر، وحففته بسبعة أملاك حنفاء" [[الأثر: ٢٠٤٧- لم أجده من طريق عطاء بن أبي رباح، ولكنه مروي عن ابن عباس، ومجاهد في أخبار مكة للأزرقي ١: ٣٧-٣٨، بألفاظ مختلفة، في خبر طويل تام اختصره أبو جعفر. ونص خبر مجاهد: "وجد في بعض الزبور: أنا الله ذو بكة، جعلتها بين هذين الجبلين، وصغتها يوم صغت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء. . . ". وأما ابن إسحاق فقال (سيرة ابن هشام ١: ٢٠٨) ؛"حدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية، فلم يدروا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، لا يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء واللبن". قال ابن هشام: أخشباها: جبلاها".

أما قوله: "حنفاء" فجمع حنيف، وهو المسلم الذي قال لا إله إلا الله ثم استقام على الطريق. ووصف الملائكة بأنهم حنفاء، لطاعتهم واستقامتهم في عبادة ربهم، وصبرهم أنفسهم على ما أمروا به من حفظ هذا البيت المطهر. . وانظر تفسير"حنفاء" في الآثار رقم: ٢٠٩٦، ٢٠٩٨، ٢٠٩٩. هذا وقد كان في المطبوعة: "حففته بسبعة أملاك حفا"، وهو خطأ صوابه ما أثبت من المراجع، أخبار مكة للأزرقي ١: ٣٧-٣٨، وسيرة ابن هشام ١: ٢٠٨، والسهيلي في الروض الأنف ١: ١٣١.]] .

٢٠٤٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع. وحملوا -فيما حدثني- على البراق ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم. فخرج وخرج معه جبريل، فقال: كان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه! حتى قدم به مكة، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر، وبها أناس يقال لهم"العماليق" خارج مكة وما حولها، [[في المطبوعة: "يربها أناس يقال لهم. . . "، وهي صحيحة المعنى: أي يملكها العماليق وهم سادتها وأصحابها. من ذلك حديث صفوان بن أمية حين قال لأبي سفيان: "لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن". أي يكون ربا فوقي وسيدا يملكني. ولكني أثبت ما في تاريخ الطبري، وما نقله عنه ابن كثير، وأخبار مكة للأزرقي.]] والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أههنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . [سورة إبراهيم: ٣٧]

قال ابن حميد: قال، سلمة قال، ابن إسحاق: ويزعمون -والله أعلم- أن ملكا من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل - حين أنزلهما إبراهيم مكة، قبل أن يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت - فأشار لها إلى البيت، وهو ربوة حمراء مدرة، فقال لها: [[في المطبوعة: "فأشار لهما. . فقال لهما. . " على التثنية، وهو خطأ محض، فإن الخطاب لهاجر وحدها، كما يدل عليه السياق قبل وبعد، والصواب في أخبار مكة للأزرقي.]] هذا أول بيت وضع في الأرض، وهو بيت الله العتيق، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل هما يرفعانه للناس. [[الأثر: ٢٠٤٨- الفقرة الأولى من هذا الأثر في تاريخ الطبري ١: ١٣٠ مع بعض الاختلاف في اللفظ في صدر الخبر، وفي أخبار مكة للأزرقي ١: ١٩، وفي تفسير ابن كثير ١: ٣٢٦. وأما الفقرة الأخيرة منه فهي في أخبار مكة للأزرقي ١: ٢٠-٢١، وقد كان مكان قوله في آخرها"يرفعانه للناس"، "يرفعانه فالله أعلم"، وهي زيادة من ناسخ في أغلب الظن. وأثبت نص ما جاء في أخبار مكة.

والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك شديد. والسلم والسمر: ضربان من شجر العضاه. وقوله: "مدرة"، أي طين يابس لزج، لا رمل فيه، وهو الطين الحر.]]

٢٠٤٩- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشام بن حسان قال، أخبرني حميد، عن مجاهد قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة.

٢٠٥٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة قال، أخبرني بشر بن عاصم، عن ابن المسيب قال، حدثنا كعب: إن البيت كان غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين سنة، ومنه دحيت الأرض. قال [سعيد] : وحُدّثنا عن علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرمينية معه السكينة، تدله على تبوئ البيت، كما تتبوأ العنكبوت بيتها قال، فرفعت عن أحجار تطيقه -أو لا تطيقه- ثلاثون رجلا قال، قلت: يا أبا محمد فإن الله يقول:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت" قال، كان ذاك بعد. [[الخبر: ٢٠٥٠- بشر بن عاصم بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الطائفي: ثقة، يروي عن سعيد بن المسيب. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٧٧-٧٨، وابن سعد ٥: ٣٨٠، وابن أبي حاتم ١/١/٣٦٠.

وهذا الخبر خبران: أولهما عن كعب الأحبار. ولا قيمة له. والثاني عن علي بن أبي طالب. والظاهر أنه مما كان يتحدث به الصحابة من أخبار أهل الكتاب.

وقد روى القسمين ابن أبي حاتم، فيما نقل ابن كثير ١: ٣٢٤-٣٢٥. عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن سفيان، وهو ابن عيينة، بهذا الإسناد.

وروى الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٧ -خبر على وحده- من طريق زكريا بن إسحاق، عن بشر بن عاصم، به. وزكريا بن إسحاق المكي: ثقة.

وكذلك روى خبر علي وحده - الأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد، في تاريخ مكة ١: ٢٥ (طبعة مكة سنة ١٣٥٢) - عن جده، عن سفيان بن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، "قال: أخبرني علي بن أبي طالب".

وفي المطبوعة هنا - أول خبر علي: "قال: وحدثنا عن علي بن أبي طالب". فالذي يقول هذا: هو سعيد بن المسيب. وما أدري أوقعت الرواية للطبري هكذا، أم هو تحريف من الناسخين. فالذي في رواية ابن أبي حاتم: "قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب". ويؤيده رواية الحاكم: "عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب قال: حدثنا علي بن أبي طالب". وكذلك رواية الأزرقي. وهذا هو الصواب فيما أرى.

وخبر علي: نقله أيضًا السيوطي ١: ١٢٦، ونسبه فوق هذا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

الغثاءة واحدة الغثاء، وهو ما يحمله السيل والماء من الزبد والهالك البالي من الشجر وغيره، يخالط الزبد. وفي ابن كثير: "فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا". والضمير في قوله: "تطيقه" إلى حجر من الأحجار المذكورة، إن لم يكن في الأصول تحريف أو سقط.]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل، رفعا القواعد من البيت الحرام. وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة. وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء، مما أنشأه الله من زبد الماء. وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء. وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل. ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي، [[مضى مثل هذا التعبير في ١: ٥٢٠ س ١٦، ثم ٢: ٥١٧ س ١٥.]] لأن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله ﷺ، بالنقل المستفيض. ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها، ولا هو - إذ لم يكن به خبر، على ما وصفنا - مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس، فيمثل بغيره، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب مما قلنا. والله تعالى أعلم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا. وذكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن سعود. وهو قول جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، يبنيان وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، قال:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ربنا وابعث فيهم رسولا منهم".

٢٠٥٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني ابن كثير قال، حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" قال، هما يرفعان القواعد من البيت ويقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" قال، وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته، والشيخ يبني.

* *

فتأويل الآية على هذا القول: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل قائلين: ربنا تقبل منا.

* *

وقال آخرون: بل قائل ذلك كان إسماعيل. فتأويل الآية على هذا القول: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت، وإذ يقول ربنا تقبل منا. فيصير حينئذ"إسماعيل" مرفوعا بالجملة التي بعده. و"يقول" حينئذ، خبر له دون إبراهيم.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد، بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها.

فقال بعضهم: رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين". [[صدر هذا الخبر في تفسير ابن كثير: "وقال السدي: إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود. فانطلق إبراهيم. . . " وفي تاريخ الطبري ١: ١٢٩: "قال: لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم. . . "]]

قال: فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول، لا يدريان أين البيت. فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، [[في المطبوعة: "وعن أساس البيت" بزيادة الواو، ولا خير في زيادتها، وأثبت ما في التاريخ، وابن كثير. وفي ابن كثير: "فكشفت لهما" مكان"فكنست". والريح الخجوج: الشديدة المر، التي تلتوي في هبوبها، وتشق شقا بشدة عصفها.]] واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الأساس. فذلك حين يقول: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ . [سورة الحج: ٢٦] . فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني، اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا. قال: يا أبت، إني كسلان تعب. قال: علي بذلك. فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا. فانطلق يطلب له حجرا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتة بيضاء مثل الثغامة. [[الثغامة: نبات ذو ساق جماحته مثل هامة الشيخ، أبيض الثمر والزهر، يشبه به بياض الشيب. وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ أتى بأبي قحافة يوم الفتح، وكأن رأسه ثغامة، فأمرهم أن يغيروه.]] وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس. فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: من هو أنشط منك! فبنياه. [[الأثر: ٢٠٥٢- في تاريخ الطبري ١: ١٢٩ صدره إلى قوله: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت"، وهو بتمامه في تفسير ابن كثير ١: ٣٢٥. وقد مضى شطر من صدره بالرقم: ٢٠٠٩.]]

٢٠٥٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله بن عروة، عن عبيد بن عمير الليثي قال: بلغني أن إبراهيم وإسماعيل هما رفعا قواعد البيت. [[الخبر: ٢٠٥٤- عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير بن العوام: من ثقات أتباع التابعين يروي أيضًا عن جده عروة بن الزبير، وأخرج له الشيخان في الصحيحين. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣/١/١١٧، وكتاب الجمع بين رجال الصحيحين، ص: ٣٤١.

ووقع في المطبوعة"عمرو بن عبد الله بن عتبة"، وهو خطأ كبير، فلا يوجد في الرواة من يسمى بهذا.

ثم هذا الخبر نفسه كلمات قلائل، من خبر مطول في قصة، رواه الطبري في التاريخ ١: ١٣٤. بهذا الإسناد"عن عمر بن عبد الله بن عروة: أن عبد الله بن الزبير قال لعبيد بن عمير الليثي: كيف بلغك أن إبراهيم دعا إلى الحج؟ . . ".

عبيد بن عمير الليثي: مضت ترجمته: ١٧٦٨.]]

* *

وقال آخرون: بل رفع قواعد البيت إبراهيم، وكان إسماعيل يناوله الحجارة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٥- حدثنا أحمد بن ثابت الرازي قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء إبراهيم، وإسماعيل يبري نبلا قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا! وأشار إلى الكعبة، والكعبة مرتفعة على ما حولها قال، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. قال: فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"، حتى دور حول البيت. [[الحديث: ٢٠٥٥- أحمد بن ثابت بن عتاب الرازي، المعروف بفرخويه، شيخ الطبري: ترجمه ابن أبي حاتم ١/١/٤٤، ولسان الميزان ١: ١٤٣. وروى ابن أبي حاتم عن أبي العباس الطهراني قال، "كانوا لا يشكون أن فرخويه كذاب".

وقد يصدق الكذوب! فالحديث في ذاته صحيح:

رواه البخاري -مطولا جدا- عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد ٦: ٢٨٣-٢٨٩ (فتح) . والذي هنا قطعة منه.

وقد ذكر ابن كثير ١: ٣٢٠-٣٢٢، رواية البخاري بطولها، ثم أشار إلى رواية الطبري هذه.]]

٢٠٥٦- حدثنا ابن سنان القزاز قال، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي قال، حدثنا إبراهيم بن نافع قال، سمعت كثير بن كثير يحدث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء -يعني إبراهيم- فوجد إسماعيل يصلح نبلا من وراء زمزم. قال إبراهيم: يا إسماعيل، إن الله ربك قد أمرني أن أبني له بيتا. فقال له إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك. فقال له إبراهيم: قد أمرك أن تعينني عليه. قال: إذا أفعل. قال: فقام معه، فجعل إبراهيم يبنيه، وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". فلما ارتفع البنيان، وضعف الشيخ عن رفع الحجارة، قام على حجر، فهو مقام إبراهيم، فجعل يناوله ويقولان:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". [[الحديث: ٢٠٥٦- ابن سنان القزاز: هو محمد بن سنان. وقد مضت ترجمته في: ١٥٧. ووقع في المطبوعة هنا"ابن بشار"! وهو تصحيف.

وهذا الحديث أيضًا جزء من حديث مطول، رواه البخاري ٦: ٢٩٠ (فتح) ، عن عبد الله بن محمد، عن أبي عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، عن إبراهيم بن نافع، بهذا الإسناد.

ونقله ابن كثير أيضًا ١: ٣٢٢-٣٢٣، عن رواية البخاري.

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٥١-٥٥٢، مختصرا، عن أبي العباس الأصم محمد بن يعقوب، عن محمد بن سنان القزاز -شيخ الطبري هنا- بهذا الإسناد. وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، فلم ينبه إلى خطأ الحاكم في استدراكه، إذ رواه البخاري. وقد نبه على ذلك ابن كثير، واستعجب أن يستدركه الحاكم، وهو في صحيح البخاري!]]

* *

وقال آخرون: بل الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده، وإسماعيل يومئذ طفل صغير.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٥٧- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قالا حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي - أو على قدري - ولا تزد ولا تنقص. فلما بنى [خرج] وخلف إسماعيل وهاجر، [[الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري ١: ١٢٩، وتفسير ابن كثير ١: ٣٢٤.]] فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشا شديدا قال، فصعدت هاجر الصفا، فنظرت فلم تر شيئا. ثم أتت المروة، فنظرت فلم تر شيئا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت، فلم تر شيئا. حتى فعلت ذلك سبع مرات. فقالت: يا إسماعيل، مت حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. [[فحصت الدجاجة وغيرها برجلها في التراب: بحثته وأزالت التراب عن حفرة.]] فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا هاجر، أم ولد إبراهيم. قال: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كاف! قال: ففحص [الغلام] الأرض بإصبعه، [[الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبري ١: ١٢٩، وليست في ابن كثير.]] فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء. فقال: دعيه فإنها رَوَاء. [[الحديث: ٢٠٥٧- مؤمل- بوزن: محمد -: هو ابن إسماعيل العدوي، وهو ثقة. بينا توثيقه في شرح المسند: ٢١٧٣.

سفيان: هو الثوري. وأبو إسحاق: هو السبيعي.

حارثة ابن مضرب العبدي: تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٨٧، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٥٥.

و"مضرب": بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر الراء المشددة وآخره باء موحدة. ووقع في المطبوعة"مصرف"، وهو تصحيف.

والخبر رواه الطبري في التاريخ أيضًا ١: ١٢٩، بهذا الإسناد.

ونقله ابن كثير في التفسير ١: ٣٢٤، عن الطبري. ثم قال: "ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما. وقد يحتمل -إن كان محفوظا- أن يكون أولا وضع له حوطا وتجميرا، لا أنه بناه إلى أعلاه. حتى كبر إسماعيل، فبنياه معا، كما قال الله تعالى".

وقوله: "فإنها رواء" (بفتح الراء والواو) . يقال ماء روى (بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء) وروى (بكسر ففتح) ورواء: كثير عذب مرو لا ينقطع.]]

٢٠٥٨- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا قام إلى علي فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا ولكن هو أول بيت وضع فيه البركة، [[في المطبوعة وفي التاريخ، وابن كثير: "وضع في البركة". وفي المستدرك الحاكم ١: ٢٩٣، والدر المنثور، "وضع للناس فيه البركة والهدى"، فصححتها من هناك.]] مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا، وإن شئت أنبأتك كيف بني: إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض. قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعا، فأرسل الله السكينة -وهى ريح خجوج، ولها رأسان [[انظر ما سلف قريبا: ٦٦ تعليق رقم: ١.]] - فأتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة، فتطوت على موضع البيت كتطوي الحجفة، [[تطوت: استدارت. تطوت الحية: تحوت والتف بعضها على بعض واستدارت كالطوق. والحجفة: الترس من الجلود يطارق بعضه على بعض، ليس فيه خشب. وفي رواية الطبري في التاريخ"كتطوي الحية"، وكذلك في المستدرك"كتطوق الحية"، وجاء في ابن كثير"الجحفة" وهو خطأ.]] وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئا، فقال إبراهيم: لا ابغني حجرا كما آمرك. [[في التاريخ: "لا أبغي حجرا. . . "، وهو خطأ، وفي ابن كثير: "فقال إبراهيم: ابغي حجرا كما آمرك"، وهو خطأ أيضًا. يقال: ابغني كذا وكذا، وابغ لي كذا وكذا: أي اطلبه لي والتمسه. بغى فلان فلانا شيئا: التمسه له.]] قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرا، فأتاه فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه، فقال: يا أبت، من أتاك بهذا الحجر؟ قال: أتاني به من لم يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء. فأتماه. [[الأخبار: ٢٠٥٨-٢٠٦٠، هي خبر واحد بثلاثة أسانيد.

وشيخ الطبري في الإسناد الأول"هناد": هو ابن السري بن مصعب الدارمي التميمي، وهو ثقة. من شيوخ البخاري ومسلم وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٤٨، والصغير: ٢٤٥، وابن أبي حاتم ٤/٢/١١٩-١٢٠.

وقع في المطبوعة"عباد"، وهو تحريف، تصويبه، من التاريخ للطبري ١: ١٢٨-١٢٩، حيث روى هذا الخبر بهذا الإسناد الأول"حدثنا هناد بن السري". وكذلك نقله ابن كثير ١: ٢٢٤، عن الطبري.

أبو الأحوص: هو سلام بن سليم الحنفي الحافظ الثقة.

سماك - بكسر السين وتخفيف الميم: هو ابن حرب بن أوس البكري، وهو تابعي ثقة، روى له مسلم ووثقه أحمد وابن معين وغيرهما. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١٧٤، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٧٩-٢٨٠.

خالد بن عرعرة التيمي: تابعي ثقة، ترجمه البخاري في الكبير ٢/١/١٤٩، وقال: "سمع عليا". وابن أبي حاتم ١/٢/٣٤٣، ولم يذكرا فيه جرحا، وذكره ابن حبان في الثقات.

و"سعيد" -في الإسناد الثاني-: أنا أرجح أنه محرف عن"شعبة"، فهو الذي يروي عن سماك ابن حرب، وهو الذي يطلقه"محمد بن جعفر غندر"، إذ هو شيخه الذي لزمه وجالسه نحوا من عشرين سنة. و"أبو داود" في الإسناد الثالث: هو الطيالسي.

والخبر رواه أيضًا الأزرقي في تاريخ مكة ١: ٢٤-٢٥، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله، مولى بني هاشم، عن حماد -وهو ابن سلمة- عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة.

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٩٢-٢٩٣، من طريق إسرائيل، عن خالد بن حرب، عن خالد بن عرعرة. قال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وذكره السيوطي ١: ١٢٦، ونسبه لهؤلاء ولغيرهم.]]

٢٠٥٩- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا سعيد، عن سماك قال: سمعت خالد بن عرعرة يحدث عن علي بنحوه.

٢٠٦٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، بنحوه.

* *

قال أبو جعفر: فمن قال: رفع القواعد إبراهيم وإسماعيل، أو قال: رفعها إبراهيم وكان إسماعيل يناوله الحجارة، فالصواب في قوله أن يكون المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل. ويكون الكلام حينئذ:"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل" يقولان:"ربنا تقبل منا". وقد كان يحتمل، على هذا التأويل، أن يكون المضمر من القول لإسماعيل خاصة دون إبراهيم، ولإبراهيم خاصة دون إسماعيل، لولا ما عليه عامة أهل التأويل من أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل جميعا.

وأما على التأويل الذي روي عن علي:- أن إبراهيم هو الذي رفع القواعد دون إسماعيل - فلا يجوز أن يكون المضمر من القول عند ذلك إلا لإسماعيل خاصة.

* *

والصواب من القول عندنا في ذلك: أن المضمر من القول لإبراهيم وإسماعيل، وأن قواعد البيت رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا. وذلك أن إبراهيم وإسماعيل، إن كانا هما بنياهما ورفعاها فهو ما قلنا. وإن كان إبراهيم تفرد ببنائها، وكان إسماعيل يناوله، فهما أيضا رفعاها، لأن رفعها كان بهما: من أحدهما البناء، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها. ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته.

وإنما قلنا ما قلنا من ذلك، لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل معني بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه، أنهما كانا يقولانه، وذلك قولهما:"ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم". فمعلوم أن إسماعيل لم يكن ليقول ذلك، إلا وهو: إما رجل كامل، وإما غلام قد فهم مواضع الضر من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه. وإذا كان -في حال بناء أبيه، ما أمره الله ببنائه ورفعه قواعد بيت الله [[سياق العبارة: "وإذا كان. . . كذلك" وما بينهما فصل. ويعني بقوله"كذلك" أنه كان قد فهم الضر والنفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه.]] - كذلك، فمعلوم أنه لم يكن تاركا معونة أبيه، إما على البناء، وإما على نقل الحجارة. وأي ذلك كان منه، فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت، وثبت أن القول المضمر خبر عنه وعن والده إبراهيم عليهما السلام.

* *

فتأويل الكلام: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا عملنا، وطاعتنا إياك، وعبادتنا لك، في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه، إنك أنت السميع العليم.

* *

وفي إخبار الله تعالى ذكره أنهما رفعا القواعد من البيت وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم - دليل واضح على أن بناءهما ذلك لم يكن مسكنا يسكنانه، ولا منزلا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده لكل من أراد أن يعبد الله تقربا منهما إلى الله بذلك. ولذلك قالا"ربنا تقبل منا". ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهم، لم يكن لقولهما:"تقبل منا" وجه مفهوم. لأنه كانا يكونان -لو كان الأمر كذلك- سائلين أن يتقبل منهما ما لا قربة فيه إليه. وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه. [[يقول: هما من العلم والنبوة بمنزلة وموضع، فلا يسألان الله قبول عمل ليس من القربات إلى الله.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"إنك أنت السميع العليم"، إنك أنت السميع دعاءنا ومسألتنا إياك قبول ما سألناك قبوله منا، من طاعتك في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه - العليم بما في ضمائر نفوسنا من الإذعان لك في الطاعة، والمصير إلى ما فيه لك الرضا والمحبة، وما نبدي ونخفي من أعمالنا، [[قوله: "وما نبدي. . . " معطوف على قوله: "العليم بما في ضمائر نفوسنا".]] . كما:-

٢٠٦١- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني أبو كثير قال، حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"تقبل منا إنك أنت السميع العليم"، يقول: تقبل منا إنك سميع الدعاء.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضا خبر من الله تعالى ذكره عن إبراهيم وإسماعيل: أنهما كانا يرفعان القواعد من البيت وهما يقولان:"ربنا واجعلنا مسلمين لك"، يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك، ولا في العبادة غيرك.

* *

وقد دللنا فيما مضى على أن معنى"الإسلام": الخضوع لله بالطاعة. [[انظر ما سلف ٢: ٥١٠، ٥١١.]]

* *

وأما قوله:"ومن ذريتنا أمة مسلمة لك"، فإنهما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله تعالى ذكره قد كان أعلم إبراهيم خليله ﷺ قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره. فخصا بالدعوة بعض ذريتهما.

* *

وقد قيل: إنهما عنيا بذلك العرب.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٢- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" يعنيان العرب.

* *

قال أبو جعفر: وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه. لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره. وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة، من الفريقين. فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقا من ولده بأعيانهم دون غيرهم، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد.

* *

وأما"الأمة" في هذا الموضع، فإنه يعني بها الجماعة من الناس، [[انظر ما سلف ١: ٢٢١ س: ١٤.]] من قول الله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٩] . [[جاء في تفسير ابن كثير ١: ٣٣٢ ما نصه:

قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم، لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"

وهو كما ترى ليس في أصل الطبري. فلا أدري أهو تصرف من ابن كثير، أم في أصول الطبري خرم في هذا الموضع، وكلاهما جائز، ولا أقطع بشيء.

هذا وقد أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري، فزعم أن تخصيص السدي أنهم العرب لا ينفي من عداهم ثم قال: "والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم" الآية، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم".

واعتراض ابن كثير هذا لا يقوم، واحتجاجه بالسياق هنا لا ينهض. فالدعاء دعاء إبراهيم وإسماعيل معا، ولكل منهما ذرية يشملها الدعاء. والسياق هنا سياق الآيات المتتابعة لا سياق آية واحدة. ففي الآيات التي تلي هذه الآية ذكر ملة إبراهيم، وبيانها: " إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون".

وهي آيات متتابعة، فالتخصيص فيها غير جائز، مع وضوح الدلالة على أن ذرية إبراهيم من غير إسماعيل، كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهم له مسلمون وهذا دليل على ما ذهبت إليه في مقدمة الجزء الأول، من اختصار الطبري في تفسيره هذا، فإنه لو شاء لأفاض واحتج بما احتججت بما احتججت به. وهو دليل أيضًا على أن قراءة الطبري تحتاج إلى متابعة آية بعد آية، وأن قراءته مفرقا توقع في خطأ في فهم مراده وحجته. ودليل على أن الطبري شديد العناية بسياق الآيات وترابطها، ولكنه ربما أغفل ذكر هذا الترابط مفصلا وحجته فيه، لأنه قد استوفى ذلك في مواضع سبقت، فاختصر المواضع الأخرى ثقة بتتبع قارئه لما أراد. ودليل آخر على أن هذا التفسير لا يزال مجهول المكانة، على علو مكانته عند أسلافنا غفر الله لنا ولهم.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك. [[في المطبوعة: "القراء"و"قراء"، ورددتها إلى ما درج عليه الطبري في عبارته. والقَرَأَة جمع قارئ، مثل حافظ وحفظة، كما سلف مرارا.]] فقرأه بعضهم:"وأرنا مناسكنا" بمعنى رؤية العين، أي أظهرها لأعيننا حتى نراها. وذلك قراءة عامة أهل الحجاز والكوفة.

وكان بعض من يوجه تأويل ذلك إلى هذا التأويل، يسكن الراء من"أرنا"، غير أنه يشمها كسرة.

* *

واختلف قائل هذه المقالة وقرأة هذه القراءة في تأويل قوله:"مناسكنا"

فقال بعضهم: هي مناسك الحج ومعالمه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وأرنا مناسكنا" فأراهما الله مناسكهما: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والإفاضة من عرفات، والإفاضة من جمع، ورمي الجمار، حتى أكمل الله الدين - أو دينه.

٢٠٦٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا نسكنا وحجنا.

٢٠٦٥- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بنيان البيت، أمره الله أن ينادي فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [سورة الحج:٢٧] ، فنادى بين أخشبي مكة: [[أخشبا مكة: هما الجبلان المطيفان بها، وهما: "أبو قبيس" و"الأحمر"، وهو مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ، وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها".]] يا أيها الناس! إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل من سمعه من جبل أو شجر أو دابة:"لبيك لبيك". فأجابوه بالتلبية:"لبيك اللهم لبيك"، وأتاه من أتاه. فأمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها [له] ، [[الزيادة بين القوسين، أظنها أحرى بالصواب.]] فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار فوقع على الجمرة الثانية أيضا، فصده، فرماه وكبر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه وكبر. فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدر إبراهيم أين يذهب، انطلق حتى أتى"ذا المجاز"، فلما نظر إليه فلم يعرفه جاز، فلذلك سمي:"ذا المجاز". ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت. قال: قد عرفت! فسميت:"عرفات". فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع، [[ازدلف إلى الشيء: تقرب إليه ودنا منه. وجمع (بفتح الجيم وسكون الميم) هي"مزدلفة".]] فسميت"المزدلفة"، فوقف بجمع. ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج وأمره. وذلك قوله:"وأرنا مناسكنا". [[الأثر: ٢٠٦٥ سيأتي بعضه برقم: ٣٧٩٢ في هذا الجزء.]]

* *

وقال آخرون - ممن قرأ هذه القراءة -"المناسك": المذابح. فكان تأويل هذه الآية، على قول من قال ذلك: وأرنا كيف ننسك لك يا ربنا نسائكنا، فنذبحها لك. [[نسك ينسك (بضم السين) نسكا (بسكون السين) ذبح. والنسيكة: الذبيحة.]]

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء:"وأرنا مناسكنا" قال: ذبحنا.

٢٠٦٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء قال: مذابحنا.

٢٠٦٧م- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢٠٦٧م- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٠٦٧م- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول:"وأرنا مناسكنا" قال، أرنا مذابحنا.

* *

وقال آخرون:"وأرنا مناسكنا" بتسكين"الراء"، [[كان في المطبوعة: "وقال آخرون"، واستظهرت من السياق أنها"وقرأ آخرون"، فلذلك أثبت ما استظهرت، فسيقول بعد: "وهذه قراءة رويت. . . ".]] وزعموا أن معنى ذلك: وعلمنا، ودلنا عليها - لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حُطائط بن يعفر، أخي الأسود بن يعفر: [[هما أخوان من بني نهشل بن دارم، جاهليان، أمهما رهم بنت العباب.]]

ريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا [[الشعر والشعراء: ٢٠١-٢٠٢، ٢١١ وفيه تحقيق عن اختلاف قديم في نسبته، ومجاز القرآن: ٥٥، والخزانة ١: ١٩٥-١٩٦ وفيهما مراجع كثيرة. روى البيت لحاتم الطائي، ولمعن بن أوس، وفي اللسان (أنن) و (علل) عن ابن برى وقال: "حطائط بن يعفر، ويقال هو لدريد"، وسيأتي في تفسير الطبري منسوبا لدريد بن الصمة (٧: ٢١٣ بولاق) مع اختلاف في رواية صدره: ذريني أطوف في البلاد لأنني

ولم أجد هذه الرواية في الكتب التي بين يدي، وأخشى أن يكون الطبري أو من أنشده البيت - قد وهم. فقول حطائط قبله أو بعده. ذريني أكن للمال ربا، ولا يكن ... لي المال ربا، تحمدي غبه غدا

ذريني فلا أعيا بما حل ساحتى ... أسود فأكفي، أو أطيع المسودا

وهو يخاطب بهذه الأبيات أمه رهم بنت العباب، وكانت تلومه على جوده وإتلافه المال. والهزل (بفتح وسكون) والهزل (بضم فسكون) والهزال: هو نقيض السمن، مع الضعف والاسترخاء. وقوله: "لأنني" بفتح الهمزة بمعنى: "لعلني". من قولهم: "أن" بمعنى"عل"، و"لأن" بمعنى"لعل"، وأرى أن الهمزة منقلبة عن العين، والنون منقلبة عن اللام. وهما لغتان من لغات العرب. واجتمعتا في هذا اللفظ.]]

يعني بقوله:"أريني"، دليني عليه وعرفيني مكانه، ولم يعن به رؤية العين.

وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين. [[كان الأجود أن تكون هذه الجملة بعد قوله: "وقرأ آخرون: "وأرنا مناسكنا" بتسكين الراء". ولكن هكذا وقع في النسخ.]]

ذكر من قال ذلك:

٢٠٦٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء:"أرنا مناسكنا"، أخرجها لنا، علمناها.

٢٠٦٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، قال:"فعلت أي رب، فأرنا مناسكنا" -أبرزها لنا، علمناها- فبعث الله جبريل، فحج به.

* *

قال أبو جعفر: والقول واحد، فمن كسر"الراء" جعل علامة الجزم سقوط"الياء" التي في قول القائل:"أرينه""أرنه"، [[هكذا جاء في المطبوعة"أرينه"، وأظن صواب هذا الحرف"يرينيه"، مضارعا مرفوعا، ليستقيم مع قوله: "وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم".]] وأقر الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن"الراء" من"أرنا"، توهم أن إعراب الحرف في"الراء"، فسكنها في الجزم، كما فعلوا ذلك في"لم يكن" و"لم يك". [[ظاهر كلام الطبري هنا يدل على أن قوله: "لم يك" بتسكين الكاف، على توهم أن إعراب هذه الكلمة في الكاف، فسكنها لما دخل عليها الجازم. ولم أجد هذا القول في كتاب مما بين يدي من الكتب، وأخشى أن يكون في نص الطبري في هذا المكان سقط لم أتبينه.]] .

وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب. ولا معنى لفرق من فرق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب.

* *

وأما"المناسك" فإنها جمع"منسك"، وهو الموضع الذي ينسك لله فيه، ويتقرب إليه فيه بما يرضيه من عمل صالح: إما بذبح ذبيحة له، وإما بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة. ولذلك قيل لمشاعر الحج "مناسكه"، لأنها أمارات وعلامات يعتادها الناس، ويترددون إليها.

* *

وأصل"المنسك" في كلام العرب: الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه، يقال:"لفلان منسك"، وذلك إذا كان له موضع يعتاده لخير أو شر. ولذلك سميت"المناسك""مناسك"، لأنها تعتاد، ويتردد إليها بالحج والعمرة، وبالأعمال التي يتقرب بها إلى الله.

* *

وقد قيل: إن معنى"النسك": عبادة الله. وأن"الناسك" إنما سمي"ناسكا" بعبادة ربه.

فتأول قائلو هذه المقالة. قوله:"وأرنا مناسكنا"، وعلمنا عبادتك، كيف نعبدك؟ وأين نعبدك؟ وما يرضيك عنا فنفعله؟

وهذا القول، وإن كان مذهبا يحتمله الكلام، فإن الغالب على معنى"المناسك" ما وصفنا قبل، من أنها"مناسك الحج" التي ذكرنا معناها.

* *

وخرج هذا الكلام من قول إبراهيم وإسماعيل على وجه المسألة منهما ربهما لأنفسهما. وإنما ذلك منهما مسألة ربهما لأنفسهما وذريتهما المسلمين. فلما ضما ذريتهما المسلمين إلى أنفسهما، صارا كالمخبرين عن أنفسهما بذلك. [[في المطبوعة: "عن أنفسهم بذلك"، والصواب ما أثبت.]] وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لتقدم الدعاء منهما للمسلمين من ذريتهما قبل في أول الآية، وتأخره بعد في الآية الأخرى. فأما الذي في أول الآية فقولهما:"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك"، ثم جمعا أنفسهما والأمة المسلمة من ذريتهما، في مسألتهما ربهما أن يريهم مناسكهم فقالا"وأرنا مناسكنا". وأما التي في الآية التي بعدها:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم"، فجعلا المسألة لذريتهما خاصة.

وقد ذكر أنها في قراءة ابن مسعود:"وأرهم مناسكهم"، يعني بذلك وأر ذريتنا المسلمة مناسكهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: أما"التوبة"، فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب. فتوبة العبد إلى ربه، أوبته مما يكرهه الله منه، بالندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ترك العود فيه. وتوبة الرب على عبده: عوده عليه بالعفو له عن جرمه، والصفح له عن عقوبة ذنبه، مغفرة له منه، وتفضلا عليه. [[انظر معنى"التوبة" فيما سلف ١: ٥٤٧/٢: ٧٢-٧٣.]]

* *

فإن قال لنا قائل: وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة؟

قيل: إنه ليس أحد من خلق الله، إلا وله من العمل -فيما بينه وبين ربه- ما يجب عليه الإنابة منه والتوبة. فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خَصَّا به الحال التي كانا عليها، [[في المطبوعة: "ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك، وإنما خصا. . . "، وهو كلام فاسد والصواب ما أثبت. يجعل"قبلهما"، أي قولهما. وبحذف الواو من: "وإنما".]] من رفع قواعد البيت. لأن ذلك كان أحرى الأماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله. وجائز أن يكونا عنيا بقولهما:"وتب علينا"، وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا -الذين أعلمتنا أمرهم- من ظلمهم وشركهم، حتى ينيبوا إلى طاعتك. فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأنفسهما، والمعني به ذريتهما. كما يقال:"أكرمني فلان في ولدي وأهلي، وبرني فلان"، إذا بر ولده.

* *

وأما قوله:"إنك أنت التواب الرحيم"، فإنه يعني به: إنك أنت العائد على عبادك بالفضل، والمتفضل عليهم بالعفو والغفران - الرحيم بهم، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾

قال أبو جعفر: وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد ﷺ خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا ﷺ يقول:"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى":-

٢٠٧٠- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي: أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ﷺ. [[الحديث: ٢٠٧٠- ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي. ثقة من أثبت الرواة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/١٨٠-١٨١، وابن أبي حاتم ١/١/٤٦٨-٤٦٩.

خالد بن معدان الكلاعي الحمصي: تابعي ثقة ثبت، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/١٦١-١٦٢، وابن سعد ٧/٢/١٦٢، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٥١.

وهذا الإسناد مرسل، لأن خالد بن معدان لم يذكر أنه عن أحد من الصحابة. وكذلك هو في سيرة ابن هشام، (ص ١٠٦-١٠٧ طبعة أوربة، ١: ١٧٥ طبعة الحلبي) . في قصة مطولة. وكذلك رواه الطبري في التاريخ ٢: ١٣٠، بهذا الإسناد، مطولا أيضًا، مرسلا.

ولكنه ثبت موصولا، من رواية ابن إسحاق أيضًا: فرواه الحاكم في المستدرك ٢: ٦٠٠، من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال، "حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ، أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك؟ ". . فذكر الحديث مختصرا، بنحو مما هنا. ثم قال الحاكم: "خالد بن معدان: من خيار التابعين، صحب معاذ بن جبل، فمن بعده من الصحابة. فإذا أسند حديثا إلى الصحابة، فإنه صحيح الإسناد، وإن لم يخرجاه". ووافقه الذهبي على تصحيحه.]]

٢٠٧١- حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال، حدثنا أبو اليمان قال، حدثنا أبو كريب، عن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، عن العرباض بن سارية السلمي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني عند الله في أم الكتاب، خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته. وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي. [[الحديث: ٢٠٧١- عمران بن بكار الكلاعي: ثقة، من شيوخ النسائي، ووثقه هو وغيره. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٩٤، وذكر أنه سمع منه. وقد مضت رواية الطبري عنه: ١٤٩ ولم نترجمه هناك. ووقع في التهذيب أنه مات"سنة إحدى وسبعين ومائة"! وهو خطأ ناسخ أو طابع، لا يعقل ذلك وأن يسمع منه النسائي والطبري وهذه الطبقة. وصحته: سنة ٢٧١.

أبو اليمان: هو الحكم بن نافع الحمصي، وهو ثقة من شيوخ أحمد بن حنبل والبخاري. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٣٤٢، وابن أبي حاتم ١/٢/١٢٩، وقال: "وهو نبيل ثقة صدوق".

أما قوله"حدثنا أبو كريب" - هنا: فإنه خطأ يقينا من الناسخين. فإن"أبا كريب محمد بن العلاء" - وقد مضت ترجمته: ١٢٩١- متأخر عن أبي اليمان. هذه واحدة، وأخرى، أن أبا اليمان روى هذا الحديث عن ابن أبي مريم، كما سيأتي. فإما أنه ذكر خطأ من الناسخ، وإما أن يكون صوابه"وأبو كريب، قالا: حدثنا". فيكون عمران بن بكار رواه عن شيخين.

ابن أبي مريم: هو"أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي"، وهو ضعيف، من قبل سوء حفظه وتغيره، كما بينا في شرح المسند: ١٤٦٤، ٦١٦٥. ووقع هنا في المطبوعة"عن أبي مريم" بحذف"ابن". وهو خطأ واضح. ثم إن ضعف"ابن أبي مريم" من قبل حفظه، قد جبر في هذا الحديث، بأن رواه غيره. ولكنه أخطأ فيه بحذف التابعي من إسناده.

سعيد بن سويد الكلبي الشامي: وهو تابعي ثقة، سمع من بعض الصحابة ولقيهم. ولكن ابن حبان ذكره في الثقات (ص: ٤٧٥) في أتباع التابعين. ترجمه الحافظ في التعجيل: ١٥٢، وأشار إلى هذا الحديث، ونقل أن البخاري قال: "لم يصح حديثه". وما أدري أين قاله البخاري، فإنه لم يترجمه في الصغير، ولم يذكره في الضعفاء. وترجمه في الكبير ٢/١/٤٣٦، ولم يذكر فيه جرحا. وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/٢٩، ولم يذكر فيه جرحا أيضًا. وإنما اختلف عنه الراويان - في هذا الإسناد والإسنادين بعده: أهو"عن العرباض"، أم بينهما تابعي آخر؟ فأخطأ ابن أبي مريم في حذف التابعي بين سعيد والعرباض. كما سيأتي، إن شاء الله.]]

٢٠٧٢- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرني معاوية -، وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني قال، حدثني أبي قال، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح - قالا جميعا، عن سعيد بن سويد، عن عبد الله بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية السلمي، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الحديث: ٢٠٧٢- وهذا إسناد آخر للحديث قبله، بل إسنادان: فرواه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، ثم رواه عن عبيد بن آدم العسقلاني، عن أبيه، عن الليث بن سعد - وابن وهب والليث روياه عن معاوية بن صالح.

وأولهما واضح. و"عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني" - في ثانيهما: ثقة، روى عنه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم، والنسائي، وغيرهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٢. وأبوه"آدم بن أبي إياس". مضت ترجمته: ١٨٧. والليث بن سعد: ومعاوية بن صالح: مضت ترجمته: ١٨٧ أيضًا.]]

٢٠٧٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن سعيد بن سويد، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكر نحوه. [[الحديث: ٢٠٧٣- وهذا إسناد آخر للحديث السابق. و"أبو صالح": هو عبد الله بن صالح، كاتب الليث بن سعد. مضت ترجمته: ١٨٦. عبد الأعلى بن هلال السلمي: هكذا اختلف في اسمه على معاوية بن صالح، في الإسناد السابق وهذا الإسناد: فهنالك"عبد الله بن هلال"، وهنا"عبد الأعلى بن هلال". وأنا أرجح أنه"عبد الأعلى" لما سيأتي من الدلائل، إن شاء الله.

وهذا التابعي قصر الحافظ فلم يترجم له في التعجيل في واحد من الاسمين، مع أنه من رجال مسند أحمد، ومع أن سلفه الحافظ الحسيني ترجم له في الإكمال، ص: ٦٤ قال، "عبد الله بن هلال السلمي، ويقال: عبد الأعلى، شامي. روى عن العرباض بن سارية، وأبي أمامة الباهلي. وعنه سويد بن سعيد الكلبي. مجهول"! وما كان الرجل مجهولا قط! وهو مترجم عند ابن أبي حاتم ٣/١/٢٥ باسم"عبد الأعلى"، وكذلك ذكره ابن حبان في الثقات، ص: ٢٦٧، وذكر له هذا الحديث، عن العرباض بن سارية. وكذلك ذكره البخاري في الكبير، في ترجمة"سعيد بن سويد" باسم"عبد الأعلى بن هلال". وكذلك صنع ابن أبي حاتم وابن حبان.

وأيضًا فإن الرواة عن الليث بن سعد اختلفوا عليه كذلك. ففي روايتي أحمد وابن سعد، من طريق الليث: "عبد الأعلى بن هلال"، كما سنذكر.

بل إن عبد الأعلى هذا له ذكر في حديث آخر في المسند (٥: ٢٦١ حلبي) في مسند أبي أمامة الباهلي، فروى الإمام أحمد بإسناده إلى خالد بن معدان قال، "حضرنا صنيعا لعبد الأعلى بن هلال، فلما فرغنا من الطعام قام أبو أمامة فقال:. . "، إلخ.

وأيا ما كان فهذه الأسانيد صحاح، على الرغم من هذا الاختلاف. وكثيرا ما يكون مثل هذا، ولا أثر له في صحة الحديث.

والحديث - من رواية أبي بكر بن أبي مريم: ٢٠٧١- رواه أيضًا أحمد في المسند: ١٧٢٣٠ (ج ٤ ص ١٢٧ حلبي) ، عن أبي اليمان الحكم بن نافع، عن أبي بكر، عن سعيد بن سويد، عن العرباض، بنحوه. وآخره عنده: "ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين، صلوات الله عليهم".

وبنحو ذلك - وشيء من الاختصار- رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٦٠٠، من طريق أبي اليمان، عن ابن أبي مريم. وصححه هو والذهبي.

ورواه أيضًا الإمام أحمد: ١٧٢١٧ (ج ٤ ص ١٢٧ حلبي) ، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد، عن"عبد الله بن هلال السلمي"، عن عرباض بن سارية، نحوه. فعبد الرحمن بن مهدي، سمي التابعي"عبد الله" - كما صنع ابن وهب وآدم بن أبي إياس، هنا في روايتهما عن الليث.

ورواه أيضًا الإمام أحمد: ١٧٢١٨، وابن سعد في الطبقات ١/١/٩٥-٩٦، كلاهما عن أبي العلاء الحسن بن سوار الخراساني، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد، عن"عبد الأعلى بن هلال السلمي"، عن العرباض.

وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد ٨: ٢٢٣، بألفاظ عن العرباض. ثم قال: "رواه أحمد بأسانيد، والبزار، والطبراني بنحوه. . . وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان".

وهو أيضًا عند السيوطي ١: ١٣٩، ونسبه -زيادة على ما ذكرنا- لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.

وبعد: فإن للحديث شاهدا آخر، يصلح للاستشهاد، مع ضعف في إسناده:

فروى أبو داود الطيالسي في مسنده: ١١٤٠، عن الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي ﷺ، نحو هذا الحديث.

وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند (٥: ٢٦٢ حلبي) ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن الفرج بن فضالة. بهذا الإسناد. والفرج بن فضالة: ضعيف، كما قلنا في: ١٦٨٨.

وذكره السيوطي ١: ١٣٩، ونسبه أيضًا للطبراني، وابن مردويه، والبيهقي.]]

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٧٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم"، ففعل الله ذلك، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.

٢٠٧٥- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم"، هو محمد ﷺ.

٢٠٧٦- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع:"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم"، هو محمد ﷺ، فقيل له: قد استجيب ذلك، وهو في آخر الزمان.

* *

قال أبو جعفر: ويعني تعالى ذكره بقوله:"يتلو عليهم آياتك": يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه. [[انظر معاني"تلا" فيما سلف ٢: ٤٠٩- ٤١١، ٥٦٩.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿َ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

قال أبو جعفر: ويعني ب"الكتاب": القرآن.

وقد بينت فيما مضى لم سمي القرآن"كتابا"، وما تأويله. [[انظر ما سلف ١: ٩٧، ٩٩.]] وهو قول جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"ويعلمهم الكتاب"، القرآن.

* *

ثم اختلف أهل التأويل في معنى"الحكمة" التي ذكرها الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هي السنة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٧٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة""والحكمة"، أي السنة.

* *

وقال بعضهم:"الحكمة"، هي المعرفة بالدين والفقه فيه.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٧٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له.

٢٠٨٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"والحكمة" قال،"الحكمة"، الدين الذي لا يعرفونه إلا به ﷺ، يعلمهم إياها. قال: و"الحكمة"، العقل في الدين وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٦٩] ، وقال لعيسى، ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ﴾ [سورة آل عمران: ٤٨] قال، وقرأ ابن زيد: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [سورة الأعراف: ١٧٥] قال، لم ينتفع بالآيات، حيث لم تكن معها حكمة. قال:"والحكمة" شيء يجعله الله في القلب، ينور له به.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول عندنا في"الحكمة"، أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول ﷺ، والمعرفة بها، وما دل عليه ذلك من نظائره. وهو عندي مأخوذ من"الحكم" الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل، بمنزلة "الجِلسة والقِعدة" من "الجلوس والقعود"، يقال منه:"إن فلانا لحكيم بين الحكمة"، يعني به: إنه لبين الإصابة في القول والفعل.

وإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل قضائك وأحكامك التي تعلمه إياها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾

قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى"التزكية": التطهير، وأن معنى"الزكاة"، النماء والزيادة. [[انظر ما سلف ١: ٥٧٣-٥٧٤.]]

فمعنى قوله:"ويزكيهم" في هذا الموضع: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان، وينميهم ويكثرهم بطاعة الله، كما:-

٢٠٨١- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"يتلو عليهم آياتك ويزكيهم" قال، يعني بالزكاة، طاعة الله والإخلاص.

٢٠٨٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج قوله:"ويزكيهم" قال، يطهرهم من الشرك، ويخلصهم منه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: إنك يا رب أنت"العزيز" القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك؛ و"الحكيم" الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم"، وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها؟ [[سيأتي تفسير"الملة" بعد صفحات ص: ١٠٤.]]

* *

وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن"ملة إبراهيم" هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] ، فقال تعالى ذكره لهم: ومن يزهد عن ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه، كما:-

٢٠٨٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"، رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم -يعني الإسلام- حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا ﷺ بملة إبراهيم.

٢٠٨٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ومن يرغبث عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه" قال، رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية، وليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم: الإسلام.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إلا من سفه نفسه"، إلا من سفهت نفسه. وقد بينا فيما مضى أن معنى"السفه"، الجهل. [[انظر ما سلف ١: ٢٩٣-٢٩٥.]]

فمعنى الكلام: وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية، إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها، ويضرها في معادها، كما:-

٢٠٨٥- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"إلا من سفه نفسه" قال، إلا من أخطأ حظَّه.

* *

وإنما نصب"النفس" على معنى المفسر. ذلك أن"السفه" في الأصل للنفس، فلما نقل إلى"من"، نصبت"النفس"، بمعنى التفسير. [[التفسير والمفسر: يعني التمييز، ويقال له أيضًا "التبيين".]] كما يقال:"هو أوسعكم دارا"، فتدخل"الدار" في الكلام على أن السعة فيها، لا في الرجل. فكذلك"النفس" أدخلت لأن السفه للنفس لا ل"من". ولذلك لم يجز أن يقال: سفه أخوك. وإنما جاز أن يفسر بالنفس، وهي مضافة إلى معرفة، لأنها في تأويل نكرة. [[انظر بيان ذلك في معاني القرآن للفراء ١: ٧٩، واللسان (سفه) .]]

* *

وقال بعض نحويي البصرة: إن قوله:"سفه نفسه" جرت مجرى"سفه" إذا كان الفعل غير متعد، وإنما عداه إلى"نفسه" و"رأيه" وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو"سفه"، إذا هو لم يتعد. فأما"غبن" و"خسر" فقد يتعدى إلى غيره، يقال:"غبن خمسين، وخسر خمسين".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ولقد اصطفيناه في الدنيا"، ولقد اصطفينا إبراهيم. و"الهاء" التي في قوله:"اصطفيناه"، من ذكر إبراهيم.

* *

و"الاصطفاء""الافتعال" من"الصفوة"، وكذلك"اصطفين"ا"افتعلنا" منه، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد.

ويعني بقوله:"اصطفيناه": اخترناه واجتبيناه للخلة، [[الخلة (بضم فتشديد) : الصداقة والمحبة. والخليل: الصديق الحبيب. وهي هنا منزلة من منازل محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم وأحبهم.]] ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما.

* *

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد ﷺ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته، وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وإنه في الآخرة لمن الصالحين"، وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين.

* *

و"الصالح" من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه.

فأخبر تعالى ذكره عن إبراهيم خليله، أنه في الدنيا صفي، وفي الآخرة ولي، وأنه وارد موارد أوليائه الموفين بعهده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إذ قال له ربه أسلم"، إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة، وقد دللنا فيما مضى على معنى"الإسلام" في كلام العرب، فأغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ٢: ٥١٠، ٥١١، وهذا الجزء ٣: ٧٤.]]

* *

وأما معنى قوله:"قال أسلمت لرب العالمين"، فإنه يعني تعالى ذكره، قال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره.

* *

فإن قال قائل: قد علمت أن"إذ" وقت، فما الذي وقت به؟ وما الذي هو له صلة. [[في المطبوعة: "وما الذي صلته". والصواب ما أثبت.]]

قيل: هو صلة لقوله:"ولقد اصطفيناه في الدنيا". وتأويل الكلام: ولقد اصطفيناه في الدنيا، حين قال له ربه: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين. وإنما معنى الكلام: ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قلنا له: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين. فأظهر اسم"الله" في قوله:"إذ قال له ربه أسلم"، على وجه الخبر عن غائب، وقد جرى ذكره قبل على وجه الخبر عن نفسه، كما قال خُفاف بن ندبة:

أقول له - والرمح يأطر متنه: ... تأمل خفافا إنني أنا ذالكا [[سلف تخريج هذا البيت في ١: ٢٢٧/ ٢: ٣٠٤.]]

* *

ءفإن قال لنا قائل: وهل دعا اللهُ إبراهيمَ إلى الإسلام؟

قيل له: نعم، قد دعاه إليه.

فإن قال: وفي أي حال دعاه إليه؟

قيل حين قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٧٨-٧٩] ، وذلك هو الوقت الذي قال له ربه: أسلم - من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس. [[قرأ الآيات من سورة الأنعام: ٧٤-٧٨.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ووصى بها"، ووصى بهذه الكلمة. عنى ب"الكلمة" قوله [[في المطبوعة: "أعني بالكلمة"، وهو خطأ محض.]] "أسلمت لرب العالمين"، وهي"الإسلام" الذي أمر به نبيه ﷺ، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له. [[انظر تفسير"الإسلام" قبل ٢: ٥١٠، ٥١١، وهذا الجزء ٣: ٧٤، ٩٢.]]

* *

ويعني بقوله:"ووصى بها إبراهيم بنيه"، عهد إليهم بذلك وأمرهم به.

* *

وأما قوله:"ويعقوب"، فإنه يعني: ووصى بذلك أيضا يعقوبُ بنيه، كما:-

٢٠٨٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب"، يقول: ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم.

٢٠٨٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"ووصى بها إبراهيم بنيه"، وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بمثل ذلك.

* *

قال أبو جعفر: وقال بعضهم: قوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ ، خبر منقض. وقوله:"ويعقوب" خبر مبتدأ. فإنه قال:"ووصى بها إبراهيم بنيه". بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين - ووصى يعقوب بنيه: أن:"يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".

ولا معنى لقول من قال ذلك. لأن الذي أوصى به يعقوب بنيه، نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه: من الحث على طاعة الله، والخضوع له، والإسلام.

* *

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت: من أن معناه: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: أن"يا بني" - فما بال"أن" محذوفة من الكلام؟

قيل: لأن الوصية قول، فحملت على معناها. وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ القول، لم تحسن معه"أن"، وإنما كان يقال: وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب:"يا بني". فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون لفظها، [[في المطبوعة: "على معناها دون قولها"، وهو خطأ صوابه ما أثبت.]] فحذفت"أن" التي تحسن معها، كما قال تعالى ذكره: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء: ١١] ، وكما قال الشاعر:

إني سأبدي لك فيما أبدي ... لي شجنان شجن بنجد ... وشجن لي ببلاد السند [[معاني القرآن للفراء ١: ٨٠، ١٨٠، ولسان العرب (شجن) . وقوله"شجن": هوى النفس، والحاجة. وهو مجاز من"الشجن" الذي هو الحزن والهم. وكنوا به عن المرأة المحبوبة التي تشغل القلب بالهم والحزن، من فراق أو دلال أو تجن، يقول مسلم بن الوليد الأنصاري: وسرب من الأشجان يطوى له الحشا ... على شرق، من يلقه يتبلد

يعني نساء، وقال أيضًا: أطال عمري، أم مد في أجلي، ... أم ليس في الظاعنين لي شجن؟

أي امرأة أحبها، وهوى يحزنني فراقه وبعده؟]]

فحذفت"أن"، إذ كان الإبداء باللسان في المعنى قولا فحمله على معناه دون لفظه. [[انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء ١: ٨٠-٨١.]]

* *

وقد قال بعض أهل العربية: إنما حذفت"أن" من قوله:"ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب"، اكتفاء بالنداء - يعني بالنداء قوله:"يا بني" وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأدوات عن"أن"، كقولهم:"ناديت هل قمت؟ - وناديت أين زيد؟ ". قال: وربما أدخلوها مع الأدوات. فقالوا:"ناديت، أن هل قمت؟ ".

* *

وقد قرأ جماعة من القرأة:"وأوصى بها إبراهيم"، بمعنى: عهد.

وأما من قرأ"ووصى" مشددة، فإنه يعني بذلك أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إن الله اصطفى لكم الدين"، إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه، واجتباه لكم. [[انظر معنى"الاصطفاء" فيما سلف قريبا: ٩١.]]

* *

وإنما أدخل"الألف واللام" في"الدين"، لأن الذين خوطبوا من ولدهما وبنيهما بذلك، كانوا قد عرفوه بوصيتهما إياهم به، وعهدهما إليهم فيه، ثم قالا لهم -بعد أن عرفاهموه-: إن الله اصطفى لكم هذا الدين الذي قد عهد إليكم فيه، فاتقوا الله أن تموتوا إلا وأنتم عليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أوَ إلَى بني آدمَ الموتُ والحياةُ، فينهى أحدُهم أن يموت إلا على حالة دون حالة؟

قيل له: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ. وإنما معنى [[في المطبوعة: "وإنما معناه"، والصواب ما أثبت.]] "فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، أي: فلا تفارقوا هذا الدين -وهو الإسلام- أيام حياتكم. وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيتُه، فلذلك قالا لهم:"فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلام، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربُّكم ساخط عليكم، فتهلكوا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أم كنتم شهداء"، أكنتم. ولكنه استفهم ب"أم"، إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه، كما قيل: ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [سورة السجدة: ١-٣] وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه، تستفهم فيه ب"أم". [[استوفى الطبري حديث"أم" فيما سلف ٢: ٤٩٢-٤٩٤ وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٦.]]

* *

"والشهداء" جمع"شهيد"، كما"الشركاء" جمع"شريك" و"الخصماء" جمع"خصيم". [[مضى تفسير"الشهداء" في ١: ٣٧٦-٣٧٨.]]

* *

قال أبو جعفر وتأويل الكلام: أكنتم -يا معشر اليهود والنصارى، المكذبين بمحمد ﷺ، الجاحدين نبوته-، حضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموت، أي إنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتَنحلوهم اليهوديةَ والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم -وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم- بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصَّوْا بنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم. فلو حضرتموهم فسمعتم منهم، علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم [[في المطبوعة: "علىغير ما تنحلوهم"، والصواب ما أثبت".]] .

* *

وهذه آيات نزلت، تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب: أنهم كانوا على ملتهم، فقال لهم في هذه الآية:"أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت"، فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده؟ ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"أم كنتم شهداء"، يعني أهل الكتاب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"إذ قال لبنيه"، إذ قال يعقوب لبنيه".

* *

و"إذ" هذه مكررة إبدالا من"إذ" الأولى، بمعنى: أم كنتم شهداء يعقوب، إذ قال يعقوب لبنيه حين حضور موته.

* *

ويعني بقوله:"ما تعبدون من بعدي" - أي شيء تعبدون،"من بعدي"؟ أي من بعد وفاتي؟ قالوا:"نعبد إلهك"، يعني به: قال بنوه له: نعبد معبودك الذي تعبده، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق،"إلها واحدا" أي: ن خلص له العبادة، ونوحد له الربوبية، فلا نشرك به شيئا، ولا نتخذ دونه ربا.

* *

ويعني بقوله:"ونحن له مسلمون"، ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة.

ويحتمل قوله:"ونحن له مسلمون"، أن تكون بمعنى الحال، كأنهم قالوا: نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه. ويحتمل أن يكون خبرا مستأنفا، فيكون بمعنى: نعبد إلهك بعدك، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون.

* *

وأحسن هذين الوجهين -في تأويل ذلك- أن يكون بمعنى الحال، وأن يكون بمعنى: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، مسلمين لعبادته.

* *

وقيل: إنما قدم ذكر إسماعيل على إسحاق، لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٨٩- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق" قال، يقال: بدأ بإسماعيل لأنه أكبر.

* *

وقرأ بعض المتقدمين:"وإله أبيك إبراهيم"، ظنا منه أن إسماعيل، إذ كان عما ليعقوب، فلا يجوز أن يكون فيمن تُرجم به عن الآباء، وداخلا في عدادهم. وذلك من قارئه كذلك، قلة علم منه بمجاري كلام العرب. والعرب لا تمتنع من أن تجعل الأعمام بمعنى الآباء، والأخوال بمعنى الأمهات. [[وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٧، وقوله: "والعرب تجعل العم والخال أبا".]] فلذلك دخل إسماعيل فيمن تُرجم به عن الآباء. وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ترجمةٌ عن الآباء في موضع جر، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون [["الترجمة" وما اشتق منها: هي"البدل"، كما سلف آنفًا ٢: ٣٤٠، ٤٢٠، وهذا الجزء ٣: ٥٢ وقوله: "ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون"، بمعنى أنها أسماء ممنوعة من الصرف، كما هو بين، ولكنه تعبير مليح.]] .

* *

والصواب من القراءة عندنا في ذلك:"وإله آبائك"، لإجماع القراء على تصويب ذلك، وشذوذ من خالفه من القراء ممن قرأ خلاف ذلك.

* *

ونصب قوله:"إلها"، على الحال من قوله:"إلهك".

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره. بقوله:"تلك أمة قد خلت"، إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم.

يقول لليهود والنصارى: يا معشر اليهود والنصارى، دَعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهله، ولا تنحلوهم كفر اليهودية والنصرانية، فتضيفونها إليهم، فإنهم أمة - ويعني: ب"الأمة" في هذا الموضع: الجماعةَ والقرنَ من الناس [[انظر ما سلف في معنى"أمة" ١: ٢٢١، وهذا الجزء ٣: ٧٤.]] - قد خلت: مضت لسبيلها.

* *

وإنما قيل للذي قد مات فذهب:"قد خلا"، لتخليه من الدنيا وانفراده، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه. [[في المطبوعة: "بما كان من الأنس"، والصواب ما أثبت: أي: تخليه عما كان من الأنس بأهله. .]]

وأصله من قولهم:"خلا الرجل"، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت، على ذلك الوجه.

* *

ثم قال تعالى ذكره لليهود والنصارى: إن لمن نحلتموه - ضلالكم وكفركم الذي أنتم عليه [[في المطبوعة: "بضلالكم وكفركم" بزيادة الباء، وسياق الطبري يقتضي حذف هذه الباء.]] - من أنبيائي ورسلي، ما كسب [[في المطبوعة: "كسبت"، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.]] .

"والهاء والألف" في قوله:"لها"، عائدة إن شئت على"تلك"، وإن شئت على"الأمة".

* *

ويعني بقوله:"لها ما كسبت"، أي ما عملت من خير، [[انظر معنى"الكسب" فيما سلف ٢: ٢٧٣-٢٧٤.]] . ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم، ولا تؤاخذون أنتم - أيها الناحلون ما نحلتموهم من الملل - فتسألوا عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم يعملون. فيكسبون من خير وشر، لأن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم، فإن الدعاوَى غيرُ مغنيتكم عند الله، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم، إن كنتم عملتموها وقدمتموها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: "وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا"، وقالت اليهود لمحمد ﷺ وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا.

* *

تعني بقولها:"تهتدوا"، أي تصيبوا طريق الحق، [[انظر معاني"الهدى" فيما سلف ١: ١٦٦-١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩-٥٥١/٢: ٣٩٣.]] . كما:-

٢٠٩٠- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة - جميعا، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله عز وجل فيهم:"وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين". [[الأثر: ٢٠٩٠- سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨.]]

* *

قال أبو جعفر: احتج الله لنبيه محمد ﷺ أبلغ حجة وأوجزها وأكملها، وعلمها محمدا نبيه ﷺ فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك:"كونوا هودا أو نصارى تهتدوا" -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه [[في المطبوعة: "تجمع جميعنا"، وهي خطأ، والصواب"يجمع"، من الإجماع.]] وأمر به -فإن دينه كان الحنيفية المسلمة- وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك -على اختلافه- لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.

* *

وفي نصب قوله:"بل ملة إبراهيم" أوجه ثلاثة. أحدها: أن يوجه معنى قوله:"وقالوا كونوا هودا أو نصارى"، إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذ قالوا:"كونوا هودا أو نصارى"، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم، ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة. فيكون معنى الكلام حينئذ: قل يا محمد، لا نتبع اليهودية والنصرانية، ولا نتخذها ملة، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، ثم يحذف"نتبع" الثانية، ويعطف ب"الملة" على إعراب اليهودية والنصرانية.

والآخر: أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى"نتبع"

والثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم، أو أهل ملة إبراهيم. ثم حذف"الأهل" و"الأصحاب"، وأقيمت"الملة" مقامهم، إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٨٢، ويريد في هذا القول الأخير، أن النصب بقوله"نكون"، التي هي من معنى قوله: "كونوا هودا. . "، ثم حذفت"نكون".]] كما قال الشاعر: [[هو ذو الخرق الطهوي، وانظر الاختلاف في اسمه، ومن سمي باسمه في المؤتلف والمختلف: ١١٩، والخزانة ١: ٢٠، ٢١.]]

حسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق [[سيأتي في التفسير ٢: ٥٦ منسوبا / ثم ٤: ٦٠/١٥: ١٤ (بولاق) ، ونوادر أبي زيد: ١١٦، ومعاني القرآن للفراء ١: ٦١ - ٦٢، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها. وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه، وهي أبيات ساخرة جياد. ألم تعجب لذئب بات يسري ... ليؤذن صاحبا له باللحاق

حسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق

ولو أني دعوتك من قريب ... لعاقك عن دعاء الذئب عاق

ولكني رميتك من بعيد ... فلم أفعل، وقد أوهت بساقي

عليك الشاء، شاء بني تميم، ... فعافقه، فإنك ذو عفاق

وقوله"عناق" في البيت: هي أنثى المعز، وقوله: "ويب" أي ويل. والبغام: صوت الظبية أو الناقة، واستعاره هنا للمعز. وقوله في البيت الثالث"عاق"، أي عائق، فقلب، والعقاق: السرعة في الذهاب بالشيء. عافقه: عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة.]]

يعني: صوت عناق، فتكون"الملة" حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على"اليهود والنصارى".

* *

وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء، باتباع ملة إبراهيم. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٧، وقوله: "عليكم ملة إبراهيم".]]

وقرأ بعض القراء ذلك رفعا، فتأويله - على قراءة من قرأ رفعا: بل الهدى ملة إبراهيم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) ﴾

قال أبو جعفر: و"الملة"، الدين

* *

وأما"الحنيف"، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له"أحنف"، نظرا له إلى السلامة، كما قيل للمهلكة من البلاد"المفازة"، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ:"السليم"، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك، وما أشبه ذلك.

* *

فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما.

فيكون"الحنيف" حينئذ حالا من"إبراهيم"

* *

وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك. فقال بعضهم:"الحنيف" الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام"الحنيفية"، لأنه أول إمام لزم العباد -الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة- اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو"حنيف"، مسلم على دين إبراهيم.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٩١- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا القاسم بن الفضل، عن كثير أبي سهل، قال: سألت الحسن عن"الحنيفية"، قال: حج البيت.

٢٠٩٢- حدثني محمد بن عبادة الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل، عن عطية في قوله:"حنيفا" قال الحنيف: الحاج. [[الخبر: ٢٠٩٢- محمد بن عبادة الأسدي، شيخ الطبري: هذا الشيخ مضى مرارا في المطبوعة على أوجه. منها: ٦٤٥، ١٥١١ باسم"محمد بن عمارة الأسدي"، وذكرنا في ثانيهما أننا لم نجد له ترجمة ولا ذكرا، إلا في رواية الطبري عنه مرارا في التاريخ. ولم نجده في فهارس التاريخ إلا كذلك. ومنها: ١٩٧١، باسم"محمد بن عمار"، وصححناه فيه على ما رأينا من قبل"محمد بن عمارة". ولكنه جاء هنا -كما ترى- باسم"محمد بن عبادة". والراجح عندي الآن أنه هو الصواب. فإن يكن ذلك تكن نسخ الطبري في التفسير وفي التاريخ محرفة في كل موضع ذكر فيه على غير هذا النحو.

وهذا الشيخ"محمد بن عبادة بن البختري الأسدي الواسطي": ثقة صدوق، كان صاحب نحو وأدب. وهو من شيوخ البخاري، وأبي حاتم، وأبي داود، وغيرهم. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/١/١٧. روى عنه البخاري في الصحيح حديثين، (٨: ٢٦، و ٩: ٩٣ من الطبعة السلطانية) - (١٠: ٤٢٩، و ١٣: ٢١٤ من الفتح) - (٩: ٥٣، و ١٠: ٢٤٦ من القسطلاني طبعة بولاق الأول) . ونص بهامش السلطانية على أن"عبادة" - في الموضعين: بفتح العين. وكذلك ضبطه الشارحان. قال الحافظ (١٣: ٢١٤) : "بفتح المهملة وتخفيف الموحدة، واسم جده: البختري، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق، ثقة واسطي، يكنى: أبا جعفر. ما له في البخاري إلا هذا الحديث، وآخر تقدم في كتاب الأدب"، يعني الذي مضى في الفتح (٨: ٢٦) .

وكذلك ضبط اسم أبيه، في المشتبه للذهبي: ٣٣٣، والحافظ في تحرير المشتبه (مخطوط) .

وإنما رجحت -هنا- أنه"محمد بن عبادة": لأن"محمد بن عمارة الأسدي" مفقود ذكره في كتب التراجم والرواية. فيما وصل إليه علمي، ولأن كثيرا من رواياته في التاريخ والتفسير - عن"عبيد الله بن موسى"، كما في التفسير: ١٥١١، والتاريخ ١: ٥٧، و ٢: ٢٦٦، و ٣: ٧٦، ٧٨. نعم: يمكن أن يكون هناك شيخ آخر -لم يصل إلينا علمه- باسم"محمد بن عمارة" يتفق مع هذا في شيوخه وفي الرواة عنه. ولكني أرى أن ما ذكرت هو الأرجح.

و"عبيد الله بن موسى": هو العبسي الحافظ الثقة. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٣٤-٣٣٥، وتذكرة الحفاظ ١: ٣٢٢-٣٢٣، ووقع اسمه في المطبوعة هنا"عبد الله" وهو تحريف واضح.

فضيل: هو ابن مرزوق الرقاشي: وهو ثقة، رجحنا توثيقه في شرح المسند: ١٢٥١، لأن من تكلم فيه، إنما تكلم من أجل أحاديث يرويها عن عطية العوفي - الذي يروى عنه هنا، وعطية ضعيف، كما مضى في: ٣٠٥.]]

٢٠٩٣- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا أبي، عن الفضيل، عن عطية مثله. [[الخبر: ٢٠٩٣- الحسين بن علي الصدائي -بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين- الأكفاني: ثقة عدل من الصالحين، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/٥٦، وتاريخ بغداد ٨: ٦٧-٦٨.

أبوه"علي بن يزيد بن سليم الصدائي": ثقة أيضًا، تكلم فيه بعضهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٠٩.]]

٢٠٩٤- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام بن سلم، [[في المطبوعة"حكام بن سالم"، خطأ. وقد مضى كثيرا في إسناد الطبري.]] عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قال: الحنيف الحاج.

٢٠٩٥- حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي، عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن"الحنيفية"، قال: هو حج هذا البيت.

قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر، عن الضحاك بن مزاحم، مثله. [[الخبر: ٢٠٩٥- ابن التيمي: لم أجد نصا يعين من هو؟ ونسبة"التيمي" فيها سعة. وأنا أرجح أن يكون"معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي". فإنه من هذه الطبقة، ويروي عنه عبد الرزاق. ولعل عبد الرزاق ذكره بهذه النسبة، لئلا يشتبه باسم معمر. وهو ابن راشد، إذ يكثر عبد الرزاق الرواية عن معمر. فخشي التصحيف لو قال هنا"معتمر". فخرج منه بقوله"ابن التيمي".]]

٢٠٩٦- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن مهدي قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن مجاهد:"حنفاء" قال: حجاجا. [[انظر ما سيأتي في رقم: ٢٠٩٨، فهذا من تفسير آية سورة الحج المذكورة ثم.]]

٢٠٩٧- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"حنيفا" قال: حاجا.

٢٠٩٨- حدثت عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم قال: كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون"حنفاء"، فأنزل الله تعالى ذكره ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ . [سورة الحج: ٣١]

* *

وقال آخرون:"الحنيف"، المتبع، كما وصفنا قبل، من قول الذين قالوا: إن معناه: الاستقامة.

ذكر من قال ذلك:

٢٠٩٩- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"حنفاء" قال: متبعين.

* *

وقال آخرون: إنما سمي دين إبراهيم"الحنيفية"، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو"حنيف" على ملة إبراهيم. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٨.]]

وقال آخرون:"بل ملة إبراهيم حنيفا"، بل ملة إبراهيم مخلصا."فالحنيف" على قولهم: المخلص دينه لله وحده.

ذكر من قال ذلك:

٢١٠٠- حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"واتبع ملة إبراهيم حنيفا"، يقول: مخلصا.

* *

وقال آخرون: بل"الحنيفية" الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو"حنيف".

* *

قال أبو جعفر:"الحنف" عندي، هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتباعه على ملته. [[في المطبوعة: "الحنيف عندي هو الاستقامة"، وهو كلام مختلف، صوابه ما أثبت.]] . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]

فكذلك القول في الختان. لأن"الحنيفية" لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] .

فقد صحّ إذًا أن"الحنيفية" ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها.

* *

فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم ﷺ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟

قيل: بَلى.

فإن قال: فكيف أضيف"الحنيفية" إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟

قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس"حنيفًا" باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل:"يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ"، وغير ذلك من صنوف الملل

* *

وأما قوله: و"ما كانَ مِن المشركين"، يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى، بل كان حنيفًا مسلمًا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك:"قولوا" -أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى، الذين قالوا لكم:"كونوا هُودًا أو نصارى تَهتدوا"-:"آمنا"، أي صدَّقنا"بالله".

وقد دللنا فيما مضى أنّ معنى"الإيمان"، التصديقُ، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٥-٢٣٦، ثم ٢: ١٤٣، ٣٤٨. . . ومواضع أخرى غيرها.]] .

* *

"وما أنزل إلينا"، يقول أيضًا: صدّقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبيّنا محمد ﷺ. فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به. فكان - وإنْ كان تنزيلا إلى رسول الله ﷺ - بمعنى التنزيل إليهم، للذي لهم فيه من المعاني التي وصفتُ

* *

ويعني بقوله:"ومَا أنزل إلى إبراهيم"، صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم"وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط"، وهم الأنبياء من ولد يَعقوب.

* *

وقوله:"ومَا أوتي مُوسَى وعيسى"، يعني: وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم، وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته،"لا نُفرِّق بَينَ أحد منهم"، يقول: ل انؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض، ونتبرَّأ من بعضٍ ونتولى بعضًا، كما تبرأت اليهودُ من عيسى ومحمد عليهما السلام وأقرّت بغيرهما من الأنبياء، وكما تبرأت النصارَى من محمد ﷺ وأقرّت بغيره من الأنبياء، بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه، بعثوا بالحق والهدى.

* *

وأما قوله:"ونحنُ لَهُ مُسلمون"، فإنه يعني تعالى ذكره: ونحنُ له خاضعون بالطاعة، مذعنون له بالعبودية. [[انظر"الإسلام" فيما سلف: ٥١٠، ٥١١ / وهذا الجزء ٣، ٧٤، ٩٢، ٩٤.]]

* *

فذُكر أنّ نبيّ الله ﷺ قال ذلك لليهود، فكفروا بعيسى وبمن يؤمن به، كما:-

٢١٠١- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، [[في سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦"منهم: أبو ياسر".]] ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط، ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [[الأثر: ٢١٠١- سيأتي في تفسير سورة المائدة: ٥٩ (٦: ١٨٨-١٨٩ بولاق) بإسناده عن هناد بن السري عن يونس بن بكير، وهو في سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦ مع اختلاف يسير في بعض لفظه. وانظر الأثر التالي.]] [سورة المائدة:٥٩]

٢١٠٢- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: أتى رسول الله ﷺ، فذكر نحوه - إلا أنه قال:"ونافع بن أبي نافع" مكانَ"رافع بن أبي رافع" [[الأثر: ٢١٠٢ - هكذا جاء في سيرة ابن هشام ٢: ٢١٦، وانظر سيرة ابن هشام أيضًا ١: ١٦١، ١٦٢"رافع بن أبي رافع"، و"نافع بن أبي نافع"، والخلط في أسماء يهود ذلك العهد كثير في كتب السير.]] .

* *

وقال قتادة: أنزلتْ هذه الآية، أمرًا من الله تعالى ذكره للمؤمنين بتصديق رُسله كلهم.

٢١٠٣- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:"قُولُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم" إلى قوله:"ونَحنُ له مسلمون"، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرِّقوا بين أحد منهم.

* *

وأما"الأسباط" الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رَجلا من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وَلَد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا"أسباطًا" [[انظر تفسير"الأسباط" فيما سلف أيضًا ٢: ١٢١.]] . كما:-

٢١٠٤- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قال: الأسباط، يوسفُ وإخوته، بنو يَعقوب. ولد اثني عشر رجلا فولد كل وحل منهم أمَّة من الناس، فسموا:"أسباطا".

٢١٠٥- حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما الأسباط، فهم بنو يعقوب: يوسُف، وبنيامين، ورُوبيل، ويهوذا، وشَمعون، ولاوِي، ودَان، وقهاث. [[الأثر: ٢١٠٥- في الدر المنثور ١: ١٤٠. ولم أجد في ولد يعقوب"قهاث" وفي الدر المنثور"وتهان"، والظاهر أنهما جميعًا محرفان عن"نفتالى" أخبر"دان" من أمها"بلهية" جارية"راحيل"، كما سيأتي في الأثر التالي: ٢١٠٧، وكما هو في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا. هذا، وقد اقتصر الطبري هنا على ثمانية نفر من الأسباط. وزاد السيوطي في الدر المنثور تاسعًا -في روايته عن الطبري- قال"وكونوا - بالنون"، وليس في ولد يعقوب هذا الاسم، إلا أن يكون تصحيفًا صوابه"زبلون" كما هو في كتب القوم. انظر التعليق على الأثر التالي: ٢١٠٧.]] .

٢١٠٦- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال:"الأسباط" يوسف وإخوته بنو يعقوب، اثنا عشر رجلا فولد لكل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا"الأسباط".

٢١٠٧- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال [[الأثر: ٢١٠٧- لم أصحح هذه الأسماء، مع الاختلاف فيها، ولكني سأذكر مواضع الاختلاف على رسمها في كتاب بني إسرائيل الذي بين أيدينا، في التعليقات الآتية.]] نكح يَعقوب بن إسحاق -وهو إسرائيل- ابنة خاله"ليا" ابنة"ليان بن توبيل بن إلياس"، [["ليئة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان. . "]] فولدت له"روبيل بن يعقوب"، [[(رأُوبين بن يعقُوبُ)]] وكان أكبر ولده، و"شمعون بن يعقوب"، و"لاوي بن يعقوب" و"يهوذا بن يعقوب" و"ريالون بن يعقوب"، [[(زَبُولُون بن يعقوب)]] و"يشجر بن يعقوب"، [[(يسَّاكر بن يعقوب)]] و"دينة بنت يعقوب"، ثم توفيت"ليا بنت ليان". [["ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان. . "]] فخلف يعقوب على أختها"راحيل بنت ليان بن توبيل بن إلياس" [["ليئَة ابنة لابَان بن بَتُوئِيل""وراحيل بنت لابان. . "]] فولدت له"يوسف بن يعقوب" و"بنيامين" -وهو بالعربية أسد- وولد له من سُرِّيتين له: اسم إحداهما"زلفة"، واسم الأخرى"بلهية"، [[(بِلْهة)]] أربعة نفر:"دان بن يعقوب"، و"نَفثالي بن يعقوب" و"جَاد بن يعقوب"، و"إشرب بن يعقوب" [[(أشِير بن يَعْقُوب) وراجع في الجميع سفر التكوين إصحاح: ٢٩، ٣٠، ٣٥.]] فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلا نشر الله منهم اثنَى عشر سبطًا، لا يُحصى عددَهم ولا يعلم أنسابَهم إلا الله، يقول الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ . [سورة الأعراف: ١٦٠]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به"، فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنزل إليكم، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم، فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك.

فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها، كما:-

٢١٠٨- حدثنا المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا" ونحو هذا، قال: أخبر الله سبحانه أنّ الإيمان هو العروة الوثقى، وَأنه لا يقبل عملا إلا به، ولا تحرُم الجنة إلا على مَن تركه.

* *

وقد روي عن ابن عباس في ذلك قراءةٌ، جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها، وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها. وذلك ما:-

٢١٠٩- حدثنا به محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال: قال ابن عباس: لا تقولوا:"فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا" -فإنه ليس لله مثل- ولكن قولوا:"فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا"- أو قال:"فإن آمنوا بما آمنتم به".

* *

فكأن ابن عباس -في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه- يوجِّه تأويل قراءة من قرأ:"فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به"، فإن آمنوا بمثل الله، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل. وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه، فنؤمن أو نكفر به.

* *

ولكن تأويل ذلك على غير المعنى الذي وَجّه إليه تأويله. وإنما معناه ما وصفنا، وهو: فإن صدّقوا مثل تصديقكم بما صدقتم به -من جميع ما عددنا عليكم من كتُب الله وأنبيائه- فقد اهتدوا. فالتشبيه إنما وقع بين التصديقين والإقرارين اللذين هما إيمان هؤلاء وإيمان هؤلاء. كقول القائل:"مرّ عمرو بأخيك مثلَ ما مررتُ به"، يعني بذلك مرّ عمرو بأخيك مثل مُروري به. والتمثيل إنما دخل تمثيلا بين المرورين، لا بين عمرو وبين المتكلم. فكذلك قوله:"فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به"، إنما وقع التمثيل بين الإيمانين، لا بين المؤمَنِ به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾

قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله:"وإن تَوَلَّوْا"، وإن تولى -هؤلاء الذين قالوا لمحمد ﷺ وأصحابه:"كونوا هودًا أو نصارَى"- فأعرضوا، [[انظر معنى"تولى" فيما سلف، ٢: ١٦٢، ١٦٣ / ثم ٢٩٨، ٢٩٩.]] = فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابتُعِثت به الرسل، وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ = فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم، كما:-

٢١١٠- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: "وإنما هُم في شقاق"، أي: في فراق [[الأثر: ٢١١٠- سقط من المطبوعة في إسناده: "عن سعيد"، وهو إسناد دائر في التفسير، أقر به فيما سلف: ٢١٠٤.]]

٢١١١- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فإنما هُمْ في شقاق"، يعني فراق.

٢١١٢- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد:"وإن توَلوا فإنما هم في شقاق" قال: الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، وقرأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: ١١٥] .

* *

قال أبو جعفر: وأصل"الشقاق" عندنا، والله أعلم، مأخوذٌ من قول القائل:"شَقَّ عليه هذا الأمر"، إذا كرَبه وآذاه. ثم قيل:"شاقَّ فلانٌ فلانًا"، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته. ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [سورة النساء: ٣٥] بمعنى: فراقَ بينهما.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فسيكفيكهمُ الله"، فسيكفيكَ الله يا محمد، هؤلاء الذين قالوا لَكَ ولأصحابك:"كونوا هودًا أو نَصَارَى تهتدوا"، من اليهود والنصارى، إنْ هم تولوْا عن أن يؤمنوا بمثل إيمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غيرهم، وفرقوا بين الله ورُسُله - إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات؛ فإن الله هو"السميع" لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم، من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضّالة -"العليمُ" بما يُبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحَسد والبغضاء.

ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده، فكفى نبيّه ﷺ بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره ب"الصبغة: صبغةَ الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية. [[انظر معاني القرآن ١: ٨٢-٨٣.]]

فقال الله تعالى ذكره -إذ قالوا لنبيه محمد ﷺ وأصحابه المؤمنين به:"كونوا هودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"-: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه.

* *

ونصب"الصبغة" من قرأها نصبًا على الردِّ على"الملة". وكذلك رَفع"الصبغة" من رَفع"الملة"، على ردّها عليها.

وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء، بمعنى: هي صبغةُ الله.

وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على"الملة"، ولكن على قوله:"قولوا آمنا بالله" إلى قوله"ونحنُ له مسلمون"،"صبغةَ الله"، بمعنى: آمنا هذا الإيمان، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ الله. [[انظر معاني القرآن ١: ٨٢-٨٣.]]

* *

وبمثل الذي قلنا في تأويل"الصبغة" قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢١١٣- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة" إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ، والنصارى تَصبغ أبناءَها نصارَى، وأن صبغة الله الإسلامُ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله بعث به نُوحًا والأنبياء بعده.

٢١١٤- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء:"صبغةَ الله" صبغت اليهودُ أبناءَهم خالفوا الفِطْرة.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"صبغة الله". فقال بعضهم: دينُ الله.

ذكر من قال ذلك:

٢١١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"صبغة الله" قال: دينَ الله.

٢١١٦- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله،"ومن أحسن من الله صِبغةً"، ومن أحسنُ من الله دينًا.

٢١١٧- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع مثله.

٢١١٨- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.

٢١١٩- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد مثله.

٢١٢٠- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢١٢١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فُضَيل بن مرزوق، عن عطية قوله:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله.

٢١٢٢- حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغة"، يقول: دينَ الله، ومن أحسن من الله دينًا.

٢١٢٣- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله.

٢١٢٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله:"صبغةَ الله" قال: دين الله.

٢١٢٥- حدثني ابن البرقي قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت ابن زيد عن قول الله:"صبغةَ الله"، فذكر مثله.

* *

وقال أخرون:"صبغة الله" فطرَة الله. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٩.]]

ذكر من قال ذلك:

٢١٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"صبغة الله" قال: فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها.

٢١٢٧- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال: حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن مجاهد:"ومن أحسنُ من الله صبغة" قال: الصبغة، الفطرةُ.

٢١٢٨- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "صبغةَ الله"، الإسلام، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها. قال ابن جريج: قال لي عبد الله بن كثير:"صبغةَ الله" قال: دين الله، ومن أحسنُ من الله دينًا. قال: هي فطرة الله.

* *

ومن قال هذا القول، فوجَّه"الصبغة" إلى الفطرة، فمعناه: بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤] . بمعنى خالق السماوات والأرض [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٩.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: وقوله تعالى ذكره:"ونَحنُ له عَابدون"، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه ﷺ أن يقوله لليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه:"كونوا هودًا أو نَصارَى". فقال لنبيه محمد ﷺ: قُلْ بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفًا، صبغةَ الله، ونحنُ له عابدون. يعني: ملة الخاضعين لله المستكينين له، في اتّباعنا ملة إبراهيم، وَديْنُونتنا له بذلك، غير مستكبرين في اتباع أمره، والإقرار برسالته رسلَه، كما استكبرت اليهودُ والنصارَى، فكفروا بمحمد ﷺ استكبارًا وبغيًا وحسدًا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"قُلْ أتُحاجُّونَنا في الله"، قل يا محمد = لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك:"كونوا هُودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"، وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم، لأنه كان قبلَ كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم =:"أتحاجوننا في الله وهو رَبنا وربكم"، بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقابُ، والجزاءُ على الأعمال - الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم بالله أوْلى منا، من أجل أن نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربّكم وربّنا واحدٌ، وأنّ لكلّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها، يجازى [عليها] فيثابُ أو يعاقبُ، [[في المطبوعة: "ويجازى فيثاب أو يعاقب". وكأن الصواب يقتضي حذف"الواو"، وزيادة: "عليها". وقوله: "لأعلى الأنساب" معطوف على قوله: "والجزاء على الأعمال".]] - لا على الأنساب وقدمَ الدِّين والكتاب.

* *

ويعني بقوله:"قُلْ أتحاجوننا"، قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟ كما-

٢١٢٩- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قل أتحاجوننا في الله"، قل: أتخاصموننا؟

٢١٣٠- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد:"قل أتحاجُّونَنا"، أتخاصموننا؟

٢١٣١- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أتحاجوننا"، أتجادلوننا؟

* *

فأما قوله:"ونحن له مُخلصون"، فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد غيره أحدًا، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ، وأصحاب العِجل معه العجلَ.

* *

وهذا من الله تعالى ذكره توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأهل الإيمان، بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد ﷺ: قولوا -أيها المؤمنون، لليهود والنصارى الذين قالوا لكم:"كونوا هودًا أو نصارى تَهتدوا"-:"أتحاجوننا في الله"؟ يعني بقوله:"في الله"، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به، وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور، وإنما يجازي العبادَ عَلى ما اكتسبوا. وتزعمون أنّكم أولى بالله منا، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحنُ مُخلصون له العبادةَ، لم نشرك به شَيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟ [[في المطبوعة: "وأنى تكونوا خيرًا منا"، والصواب ما أثبت. "أنى" استفهام بمعنى: كيف.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره ب"الصبغة: صبغةَ الإسلام. وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية. [[انظر معاني القرآن ١: ٨٢-٨٣.]]

فقال الله تعالى ذكره -إذ قالوا لنبيه محمد ﷺ وأصحابه المؤمنين به:"كونوا هودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"-: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه.

* *

ونصب"الصبغة" من قرأها نصبًا على الردِّ على"الملة". وكذلك رَفع"الصبغة" من رَفع"الملة"، على ردّها عليها.

وقد يجوز رفعها على غير هذا الوجه. وذلك على الابتداء، بمعنى: هي صبغةُ الله.

وقد يجوز نصبها على غير وجه الرّد على"الملة"، ولكن على قوله:"قولوا آمنا بالله" إلى قوله"ونحنُ له مسلمون"،"صبغةَ الله"، بمعنى: آمنا هذا الإيمان، فيكون الإيمان حينئذ هو صبغةُ الله. [[انظر معاني القرآن ١: ٨٢-٨٣.]]

* *

وبمثل الذي قلنا في تأويل"الصبغة" قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢١١٣- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "صبغةَ الله ومن أحسن من الله صبغة" إنّ اليهود تصبغ أبناءها يهودَ، والنصارى تَصبغ أبناءَها نصارَى، وأن صبغة الله الإسلامُ، فلا صبغة أحسنُ من الإسلام، ولا أطهر، وهو دين الله بعث به نُوحًا والأنبياء بعده.

٢١١٤- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء:"صبغةَ الله" صبغت اليهودُ أبناءَهم خالفوا الفِطْرة.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله:"صبغة الله". فقال بعضهم: دينُ الله.

ذكر من قال ذلك:

٢١١٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"صبغة الله" قال: دينَ الله.

٢١١٦- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله،"ومن أحسن من الله صِبغةً"، ومن أحسنُ من الله دينًا.

٢١١٧- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع مثله.

٢١١٨- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد مثله.

٢١١٩- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد مثله.

٢١٢٠- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢١٢١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فُضَيل بن مرزوق، عن عطية قوله:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله.

٢١٢٢- حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"صبغةَ الله ومن أحسنُ من الله صبغة"، يقول: دينَ الله، ومن أحسن من الله دينًا.

٢١٢٣- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"صبغةَ الله" قال: دينَ الله.

٢١٢٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله:"صبغةَ الله" قال: دين الله.

٢١٢٥- حدثني ابن البرقي قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سألت ابن زيد عن قول الله:"صبغةَ الله"، فذكر مثله.

* *

وقال أخرون:"صبغة الله" فطرَة الله. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٩.]]

ذكر من قال ذلك:

٢١٢٦- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"صبغة الله" قال: فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها.

٢١٢٧- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال: حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن مجاهد:"ومن أحسنُ من الله صبغة" قال: الصبغة، الفطرةُ.

٢١٢٨- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "صبغةَ الله"، الإسلام، فطرةَ الله التي فطر الناس عليها. قال ابن جريج: قال لي عبد الله بن كثير:"صبغةَ الله" قال: دين الله، ومن أحسنُ من الله دينًا. قال: هي فطرة الله.

* *

ومن قال هذا القول، فوجَّه"الصبغة" إلى الفطرة، فمعناه: بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤] . بمعنى خالق السماوات والأرض [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة: ٥٩.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: وقوله تعالى ذكره:"ونَحنُ له عَابدون"، أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه ﷺ أن يقوله لليهود والنصارى، الذين قالوا له ولمن تبعه من أصحابه:"كونوا هودًا أو نَصارَى". فقال لنبيه محمد ﷺ: قُلْ بل نتبعُ ملة إبراهيم حنيفًا، صبغةَ الله، ونحنُ له عابدون. يعني: ملة الخاضعين لله المستكينين له، في اتّباعنا ملة إبراهيم، وَديْنُونتنا له بذلك، غير مستكبرين في اتباع أمره، والإقرار برسالته رسلَه، كما استكبرت اليهودُ والنصارَى، فكفروا بمحمد ﷺ استكبارًا وبغيًا وحسدًا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"قُلْ أتُحاجُّونَنا في الله"، قل يا محمد = لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك:"كونوا هُودًا أو نَصَارَى تَهتدوا"، وزعموا أن دينهم خيرٌ من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم، لأنه كان قبلَ كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم =:"أتحاجوننا في الله وهو رَبنا وربكم"، بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقابُ، والجزاءُ على الأعمال - الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم بالله أوْلى منا، من أجل أن نبيكم قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربّكم وربّنا واحدٌ، وأنّ لكلّ فريق منا ما عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها، يجازى [عليها] فيثابُ أو يعاقبُ، [[في المطبوعة: "ويجازى فيثاب أو يعاقب". وكأن الصواب يقتضي حذف"الواو"، وزيادة: "عليها". وقوله: "لأعلى الأنساب" معطوف على قوله: "والجزاء على الأعمال".]] - لا على الأنساب وقدمَ الدِّين والكتاب.

* *

ويعني بقوله:"قُلْ أتحاجوننا"، قل أتخاصموننا وتجادلوننا؟ كما-

٢١٢٩- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قل أتحاجوننا في الله"، قل: أتخاصموننا؟

٢١٣٠- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد:"قل أتحاجُّونَنا"، أتخاصموننا؟

٢١٣١- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"أتحاجوننا"، أتجادلوننا؟

* *

فأما قوله:"ونحن له مُخلصون"، فإنه يعني: ونحن لله مخلصو العبادةِ والطاعة، لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد غيره أحدًا، كما عبد أهل الأوثان معه الأوثانَ، وأصحاب العِجل معه العجلَ.

* *

وهذا من الله تعالى ذكره توبيخٌ لليهود، واحتجاج لأهل الإيمان، بقوله تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب محمد ﷺ: قولوا -أيها المؤمنون، لليهود والنصارى الذين قالوا لكم:"كونوا هودًا أو نصارى تَهتدوا"-:"أتحاجوننا في الله"؟ يعني بقوله:"في الله"، في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به، وربنا وربكم واحدٌ عدلٌ لا يجور، وإنما يجازي العبادَ عَلى ما اكتسبوا. وتزعمون أنّكم أولى بالله منا، لقدم دينكم وكتابكم ونبيكم، ونحنُ مُخلصون له العبادةَ، لم نشرك به شَيئًا، وقد أشركتم في عبادتكم إياه، فعبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟ [[في المطبوعة: "وأنى تكونوا خيرًا منا"، والصواب ما أثبت. "أنى" استفهام بمعنى: كيف.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: في قراءة ذلك وجهان. أحدهما:"أمْ تَقولون" ب"التاء". فمن قرأ كذلك، فتأويله: قل يا محمد -للقائلين لَك من اليهود والنصارى:"كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا"-: أتجادلوننا في الله، أم تقولون إن إبراهيم؟ فيكون ذلك معطوفًا على قوله:"أتحاجوننا في الله".

والوجه الآخر منهما:"أم يَقولون" ب"الياء". ومن قرأ ذلك كذلك وجّه قوله:"أم يقولون" إلى أنه استفهام مُستأنَف، كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [سورة السجدة: ٣] ، وكما يقال:"إنها لإبل أم شَاءٌ". [[انظر ما سلف في خبر"أم" ٢: ٤٩٢-٤٩٤، وهذا الجزء ٣: ٩٧.]] وإنما جعله استفهامًا مستأنَفًا، لمجيء خبر مستأنف، كما يقال:"أتقوم أم يقوم أخوك؟ " فيصير قوله:"أم يقوم أخوك" خبرًا مستأنفًا لجملة ليست من الأول واستفهامًا مبتدأ. ولو كان نَسقًا على الاستفهام الأول، لكان خبرًا عن الأول، فقيل:"أتقوم أم تقعد؟ "

وقد زعم بعض أهل العربية أنّ ذلك، إذا قرئ كذلك ب"الياء"، فإن كان الذي بعد"أم" جملة تامة، فهو عطفٌ على الاستفهام الأول. لأن معنى الكلام: قيل: أيّ هذين الأمرين كائنٌ؟ هذا أم هذا؟

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القرَاءة عندنا في ذلك:"أم تقولون""بالتاء" دون"الياء" عطفًا على قوله:"قل أتحاجُّوننا"، بمعنى: أيّ هذين الأمرين تفعلون؟ أتجادلوننا في دين الله، فتزعمون أنكم أولى منا وأهدى منا سبيلا -وأمرنا وأمركم ما وصفنا، على ما قد بيناه آنفًا [[في المطبوعة: "أيضًا"، والصواب ما أثبت.]] - أمْ تزعمون أنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ، ومن سَمَّى الله، كانوا هُودًا أو نصارَى على ملتكم، فيصحّ للناس بَهتكم وكذبكم، [[أخشى أن يكون الصواب"فيتضح للناس"، والذي في الأصل لا بأس به.]] لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعد هؤلاء الذين سماهم الله من أنبيائه. وغير جائزة قراءة ذلك ب"الياء"، لشذوذها عن قراءة القراء.

* *

وهذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّه ﷺ على اليهود والنصارى، الذين ذكر الله قَصَصهم. يقول الله لنبيه محمد ﷺ: قُلْ يا محمد -لهؤلاء اليهود والنصارى-: أتحاجُّوننا في الله، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة، ببرهان من الله تعالى ذكره، فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه، أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم؟ فهاتُوا -على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك- برهانًا فنصدِّقكم، فإن الله قد جَعلهم أئمة يقتدى بهم.

ثم قال تعالى ذكره لنبيه ﷺ: قُل لهم يا محمد - إن ادَّعوا أن إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصَارَى: أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان، أم الله؟

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني: فإنْ زَعمتْ يا محمد اليهودُ والنصَارى - الذين قالوا لك ولأصحابك:"كونوا هودًا أو نصارى"، أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، فمن أظلمُ منهم؟ يقول: وأيُّ امرئ أظلم منهم؟ وقد كتموا شهادةً عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكتموا ذلك، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

٢١٣٢- فحدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ومن أظلمُ ممن كتم شَهادةً عندهُ من الله" قال: في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما، إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقول الله: لا تكتموا منّي شهادةً إن كانت عندكم فيهم. وقد عَلم أنهم كاذبون.

٢١٣٣- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله"، في قول اليهود لإبراهيم وإسماعيل ومن ذكر معهما: إنهم كانوا يهود أو نصارَى. فقال الله لهم: لا تكتموا مني الشهادة فيهم، إن كانت عندكم فيهم. وقد علم الله أنهم كانوا كاذبين.

٢١٣٤- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني إسحاق، عن أبي الأشهب، عن الحسن أنه تلا هذه الآية:"أم تقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل" إلى قوله:"قل أأنتم أعلمُ أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله"، قال الحسن: والله لقد كان عند القوم من الله شهادةُ أنّ أنبياءَه بُرَآء من اليهودية والنصرانية، كما أن عند القوم من الله شَهادة أن أموالكم ودماءكم بينكم حرام، فبم استحلُّوها؟

٢١٣٥- حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله"، أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان.

* *

وإنما عنى تعالى ذكره بذلك أن اليهود والنصارَى، [[في المطبوعة: "وأنه عنى تعالى ذكره. . . " والسياق مختل، فاستظهرت إصلاحه كما سترى في التعليق الآتي:]] إن ادَّعوْا أنَّ إبراهيم ومن سمِّي مَعه في هذه الآية، كانوا هودًا أو نصارى، تبيّن لأهل الشرك الذين هم نصراؤهم، [[في المطبوعة"بين لأهل الشرك". والسياق يوجب ما أثبت.]] كذبُهم وادّعاؤهم على أنبياء الله الباطلَ = لأن اليهودية والنصرانية حدثت بعدهم = وإن هم نَفوْا عنهم اليهودية والنصرانية، [[سياق هذه الجملة من أول الفقرة: "وإنما عنى تعالى ذكره أن اليهود والنصارى، إن ادعوا أن إبراهيم. . . تبين لأهل الشرك. . . وإن نفوا عنهم اليهودية قيل لهم:. . . "، وبذلك يتبين أن الذي أثبتنا أحق بسياق الكلام.]] قيل لهم: فهلموا إلى ما كانوا عليه من الدين، فإنا وأنتم مقرُّون جميعًا بأنهم كانوا على حق، ونحن مختلفون فيما خالف الدّين الذي كانوا عليه.

* *

وقال آخرون: بل عَنى تعالى ذكره بقوله:"ومَنْ أظلم ممن كتم شهادةً عنده من الله"، اليهودَ في كتمانهم أمرَ محمد ﷺ ونبوَّتَه، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم.

ذكر من قال ذلك:

٢١٣٦- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:"أم تَقولون إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى"، أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، واتخذوا اليهودية والنصرانيةَ، وكتموا محمدًا ﷺ، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

٢١٣٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:"ومَنْ أظلمُ ممن كتم شهادة عنده من الله" قال: الشهادةُ، النبيُّ ﷺ، مكتوبٌ عندهم، وهو الذي كتموا.

٢١٣٨- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، نحو حديث بشر بن معاذ، عن يزيد. [[الأثر: ٢١٣٨- كان في المطبوعة"حدثني المثنى قال حدثني ابن أبي جعفر"، أسقط من الإسناد"حدثنا إسحاق"، وهو إسناد دائر في التفسير، أقربه رقم: ١١٧.]]

٢١٣٩- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عند منَ الله" قال: هم يهودُ، يُسألون عن النبي ﷺ وعن صفته في كتاب الله عندهم، فيكتمون الصفة.

* *

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القولَ الذي قلناه في تأويل ذلك، لأن قوله تعالى ذكره:"ومن أظلمُ ممن كتم شهادةً عنده من الله"، في إثر قصة من سمَّى الله من أنبيائه، وأمامَ قصته لهم. فأوْلى بالذي هو بَين ذلك أن يكون من قَصصهم دون غَيره.

* *

فإن قال قائل: وأية شهادة عندَ اليهود والنصارى من الله في أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ؟ قيل: الشهادةُ التي عندهم من الله في أمرهم، مأ أنزل الله إليهم في التوراة والإنجيل، وأمرُهم فيها بالاستنان بسُنَّتهم واتباع ملتهم، وأنهم كانوا حُنفاء مسلمين. وهي الشهادةُ التي عندهم من الله التي كتموها، حين دعاهم نبي الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا له: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة: ١١١] ، وقالوا له ولأصحابه:"كونوا هُودًا أوْ نصارى تَهتدوا"، فأنزلَ الله فيهم هذه الآيات، في تكذيبهم، وكتمانهم الحق، وافترائهم على أنبياء الله الباطلَ والزُّورَ.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وقل -لهؤلاء اليهود والنصارَى، الذين يحاجُّونك يا محمد-:"وما اللهُ بغافل عما تعملون"، من كتمانكم الحق فيما ألزَمكم في كتابه بيانَه للناس من أمر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطِ في أمر الإسلام، وأنهم كانُوا مسلمين، وأنّ الحنيفية المسلمة دينُ الله الذي على جميع الخلق الدينُونةُ به، دون اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل- ولا هُو سَاهٍ عن عقابكم على فعلكم ذلك، [[انظر تفسير"غافل" فيما سلف ٢: ٢٤٣-٢٤٤ / ثم: ٣١٦.]] بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيكم به من الجزاء ما أنتم له أهلٌ في عاجل الدنيا وآجل الآخرة. فجازاهم عاجلا في الدنيا، بقتل بعضهم، وإجلائه عن وطنه وداره، وهو مُجازيهم في الآخرة العذابَ المهين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"تلك أمة"، إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ. كما:-

٢١٤٠- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله تعالى:"تلك أمة قَد خَلت"، يعني: إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.

٢١٤١- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله.

* *

قال أبو جعفر: وقد بينا فيما مضى أن"الأمة"، الجماعة [[انظر ما سلف ١: ٢٢١ ثم هذا الجزء ٣: ٧٤، ١٠٠ / ثم انظر"خلا" و"كسب" في هذا الجزء ٣: ١٠١ والمراجع هناك.]] .

* *

فمعنى الآية إذًا: قلْ يا محمد = لهؤلاء الذين يُجادلونك في الله من اليهود والنصارى، إن كتموا ما عندَهم من الشهادة في أمر إبراهيم ومن سَمَّينا مَعه، وأنهم كانوا مسلمين، وزعموا أنهم كانوا هودًا أو نصارى، فكذبوا =: إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمَّةٌ قد خَلتْ -أي مضت لسبيلها [[انظر ما سلف ١: ٢٢١ ثم هذا الجزء ٣: ٧٤، ١٠٠ / ثم انظر"خلا" و"كسب" في هذا الجزء ٣: ١٠١ والمراجع هناك.]] - فصارت إلى ربها، وخَلتْ بأعمالها وآمالها، لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها، وعليها ما اكتسبت من شر، لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها، ولا يضرها إلا سيِّئها. فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك، فإنكم، إنْ كان هؤلاء - [[في المطبوعة: "هم الذين بهم. . . "، والصواب"وهم. . . ".]] وهم الذين بهم تَفتخرون، وتزعمون أنّ بهم تَرجُون النجاةَ من عذاب ربكم، مع سيئاتكم وعظيم خطيئاتكم - لا يَنفعهم عند الله غيرُ ما قدَّموا من صالح الأعمال، ولا يضرهم غير سيئها، فأنتم كذلك أحرَى أنْ لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأعمال، [[سياق هذه العبارة: "إن كان هؤلاء. . . لا ينفعهم عند الله غير ما قدموا. . . فأنتم كذلك أحرى أن لا ينفعكم غير صالح الأعمال. . . ".]] ولا يضرّكم غيرُ سَيئها. فاحذروا على أنفسكم، وبادروا خروجَها بالتوبة والإنابة إلى الله مما أنتم عليه من الكفر والضلالة والفِرية على الله وعلى أنبيائه ورُسُله، ودَعُوا الاتكالَ على فَضَائل الآباء والأجداد، فإنما لكم ما كسبتم، وعليكم ما اكتسبتم، ولا تُسألون عما كان إبراهيم وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباط يَعملون من الأعمال، لأن كل نفس قَدِمت على الله يوم القيامة، فإنما تُسأل عما كسبت وأسلفت، دون ما أسلفَ غيرُها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"سيقول السفهاء"، سيقول الجهال"منَ الناس"، وهم اليهود وأهل النفاق.

وإنما سماهم الله عز وجل"سُفهاء"، لأنهم سَفِهوا الحق. [[سفه الحق: جهله. وانظر ما سلف في معنى"السفه" ١: ٢٩٣-٢٩٤ / ثم هذا الجزء ٣: ٩٠.]] فتجاهلت أحبارُ اليهود، وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن اتِّباع محمد ﷺ، إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا.

* *

وبما قلنا في"السفهاء" -أنهم هم اليهود وأهلُ النفاق- قال أهل التأويل.

ذكر من قال: هم اليهود:

٢١٤٢- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"سيقول السفهاء من الناس مَا وَلاهم عن قِبْلتهم" قال، اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس.

٢١٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢١٤٤- حدثت عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن البَراء:"سيقول السفهاء من الناس" قال، اليهود. [[الأثر: ٢١٤٤- هذا إسناد ليس بذاك، فإن الطبري رواه عن شخص مبهم، عن أحمد بن يونس، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي. وهو ثقة، أخرج له الجماعة، وقد ينسب إلى جده. ولد سنة ١٣٣، أو ١٣٤، ومات سنة ٢٢٧. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٦، والصغير، ص: ٢٣٩، وابن أبي حاتم ١/١/٥٧. وابن سعد ٦: ٢٨٣. زهير: هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي. ثقة ثبت معروف. وأبو إسحاق: هو السبيعي، عمرو بن عبد الله. التابعي الكبير المشهور، البراء: هو ابن عازب الصحابي.]]

٢١٤٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء:"سيقول السفهاء من الناس" قال، اليهود.

٢١٤٦- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله:"سيقول السفهاء من الناس" قال، أهل الكتاب

٢١٤٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: اليهودُ.

* *

وقال آخرون:"السفهاء"، المنافقون.

ذكر من قال ذلك:

٢١٤٨- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: نزلت"سَيقول السفهاء من الناس"، في المنافقين.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ما ولاهم": أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم؟ وهو من قول القائل:"ولاني فلان دُبُره"، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره، فكذلك قوله:"ما ولاهم"؟ أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم؟ [[انظر ما سلف في معنى"ولي" ٢: ١٦٢، وهذا الجزء ٣: ١١٥.]]

* *

وأما قوله:"عن قبلتهم"، فإن"قبلة" كل شيء ما قابلَ وجهه. وإنما هي"فِعْلة" بمنزلة"الجلسة والقِعْدة"، [[انظر ما قال من ذلك في"الحكمة" في هذا الجزء ٣: ٨٧.]] من قول القائل."قابلت فلانًا"، إذا صرتُ قُبالته أقابله، فهو لي"قبلة" وأنا له"قبلة"، إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا -إذْ كان ذلك معناه [[في المطبوعة: "إذ كان معناه" بإسقاط"ذلك"، ولا يقوم الكلام إلا بها.]] -: سيقول السفهاء من الناس لكم، أيها المؤمنون بالله ورسوله، - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام -: أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟

فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه ﷺ، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام، وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب. فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا محمد، فقل لهم:"لله المشرقُ والمغرب يَهدي مَنْ يَشاء إلى صرَاط مستقيم".

* *

وكان سببُ ذلك أنّ النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس مُدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم أراد الله تعالى صَرْف قبلة نبيّة ﷺ إلى المسجد الحرام. فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهَه ووجهَ أصحابه شطرَه، وما الذي ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.

* *

ذكر المدة التي صلاها رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سببُ صلاته نحوه؟ وما الذي دَعا اليهودَ والمنافقين إلى قِيلِ ما قالوا عند تحويل الله قبلةَ المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة؟

اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة. فقال بعضهم بما:-

٢١٤٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا: حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، أخبرني سعيد بن جبير، أو عكرمة -شكّ محمد-، عن ابن عباس قال: لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة -وصرفت في رَجَب، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله ﷺ المدينةَ- أتى رسولَ الله ﷺ رفاعةُ بنُ قيس، وقَرْدَم بن عمرو، وكعبُ بن الأشرف، ونافعُ بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد، وقال أبو كريب: ورَافع بن أبي رافع [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٣: ١١١ تعليق: ١.]] - والحجاج بن عمرو = حليفُ كعب بن الأشرف = والربيعُ بن الربيعُ بن [أبي] الحقيق، وكنانةُ بن أبي الحقيق، [[الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام. وفيها: "وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق".]] فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنتَ تزعمُ أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقك! وإنما يريدون فتنته عن دينه. فأنزل الله فيهم:"سيقول السفهاءُ من الناس مَا ولاهم عنْ قبلتهم التي كانوا عليها" إلى قوله:"إلا لنعلمَ مَنْ يَتَّبع الرسول ممن يَنقلبُ عَلى عَقبَيْه". [[الأثر: ٢١٤٩- نص ما في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨-١٩٩.]]

٢١٥٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال البراء: صلّى رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس سَبعةَ عشر شهرًا، وكان يشتهي أن يُصرف إلى الكعبة. قال: فبينا نحن نُصلي ذاتَ يوم، فمر بنا مارٌّ فقال: ألا هلْ علمتم أنّ النبي ﷺ قد صُرف إلى الكعبة؟ قال: وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا، وصلينا ركعتين إلى هاهنا - قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟ فسكت. [[الحديث: ٢١٥٠- أبو بكر بن عياش: ثقة معروف، إلا أنهم أخذوا عليه بعض الأخطاء، لأنه لما كبر ساء حفظه وتغير. وهو هنا يروى الحديث -منقطعًا- عن البراء، لأنه لم يدركه. وقد سأله بعض سامعيه، كما حكى أبو كريب في آخر الحديث: "فيه: أبو إسحاق"؟ يريد السائل أن يستوثق منه: أسمعه من أبي إسحاق السبيعي عن البراء؟ فسكت ولم يجبه. ولو كان هذا وحده كان الحديث ضعيفًا. ولكنه ثابت من رواية أبي إسحاق السبيعي عن البراء، في الأسانيد الثلاثة التالية -وأولها من رواية ابن عياش نفسه- ومن مصادر الحديث الأخر، كما سيأتي.]]

٢١٥١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: صلينا بعد قدوم النبي ﷺ المدينةَ سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس. [[الحديث: ٢١٥١- هذا إسناد ضعيف، لضعف سفيان بن وكيع - شيخ الطبري. ولكنه يتقوى بالروايات الآتية وغيرها.

وقد رواه ابن ماجه: ١٠١٠، عن علقمة بن عمرو الدارمي، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء، مطولا. وذكر فيه أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت"ثمانية عشر شهرًا". وعلقمة بن عمرو الدارمي: ثقة. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: "حديث البراء صحيح، ورجاله ثقات".]]

٢١٥٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب قال: صليت مع النبي ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعةَ عشر شهرًا -شك سفيان- ثم صُرفنا إلى الكعبة. [[الحديث: ٢١٥٢- هذا إسناد صحيح جدًا. يحيى: هو ابن سعيد القطان. سفيان: هو الثوري. والحديث مختصر. وهكذا رواه البخاري ٨: ١٣٢ (فتح الباري) ومسلم ١: ١٤٨ - كلاهما من طريق يحيى، عن سفيان، به، مختصرًا.]]

٢١٥٣- حدثني المثنى قال، حدثنا الُّنفيلي قال، حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء: أنّ رسول الله ﷺ كان أوَّلَ ما قَدم المدينة، نزلَ على أجداده -أو أخواله- من الأنصار، وأنه صَلَّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبَلَ البيت، وأنه صلى صلاة العصر ومعه قومٌ. فخرج رجل ممن صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم رُكوع فقال: أشهدُ لقد صلَّيت مع رسول الله قبلَ مكة. فداروا كما همْ قِبَل البيت. وكانَ يُعجبه أن يحوَّل قبَل البيت. وكان اليهودُ أعجبهم أنّ رسول الله صلى الله علايه وسلم يُصَلّي قبَل بيت المقدس وأهلُ الكتاب، فلما ولَّى وجْهه قبَل البيت أنكروا ذلك. [[الحديث: ٢١٥٣- وهذه رواية مفصلة. والإسناد صحيح جدًا. رواه الإمام أحمد في المسند ٤: ٢٨٣ (حلبي) ، عن حسن بن موسى، عن زهير وهو ابن معاوية. بهذا الإسناد نحوه. بأطول منه. ورواه ابن سعد في الطبقات ١/٢/٥، عن الحسن بن موسى، بهذا الإسناد. وكذلك رواه البخاري ١: ٨٩-٩٠، عن عمرو بن خالد، عن زهير، به. ورواه أيضًا ٨: ١٣٠، عن أبي نعيم، عن زهير، مختصرًا قليلا.

ورواه أيضًا البخاري ١: ٤٢١-٤٢٢، و ١٣: ٢٠٢. ومسلم ١: ١٤٨، من أوجه، عن البراء بن عازب.

وسيأتي باقيه بهذا الإسناد: ٢٢٢٢.]]

٢١٥٤- حدثني عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب قال: صلى رسولُ الله ﷺ نحو بيت المقدس بَعْد أن قدِم المدينةَ ستة عشر شهرًا، ثم وُجِّه نحو الكعبة قَبل بَدْرٍ بشهرين. [[الحديث: ٢١٥٤- عمران بن موسى بن حيان القزاز الليثي، شيخ الطبري: ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٣٠٥-٣٠٦.

عبد الوارث: هو ابن سعيد بن ذكوان، أحد الأعلام، يحيى بن سعيد: هو الأنصاري البخاري ثقة حجة، من شيوخ الزهري ومالك والثوري وغيرهم.

ابن المسيب: هو سعيد بن المسيب الإمام التابعي الكبير، ووقع في المطبوعة"المسيب"، بحذف"ابن"! وهو خطأ واضح من الناسخين.

وهذا الحديث مرسل، كما هو مبين، وكذلك رواه مالك في الموطأ، ص ١٩٦، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب مرسلا. وكذلك رواه الشافعي عن مالك، في الرسالة، بتحقيقنا، رقم ٣٦٦. وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات ١/٢/٤، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد.

وقد وصله العطاردي. من حديث سعد بن أبي وقاص: فرواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٣، من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي: "حدثنا محمد بين الفضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال، سمعت سعدًا يقول. . . ". فذكر الحديث. ثم قال البيهقي: "هكذا رواه العطاردي عن ابن فضيل. ورواه مالك، والثوري، وحماد بن زيد - عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، مرسلا دون ذكر سعد".

وهذا إسناد جيد، يصلح متابعة جيدة للرواية المرسلة. فإن"أحمد بن عبد الجبار العطاردي": قد مضى في: ٦٦ أن أبا حاتم قال فيه: "ليس بقوي". ولكن المتأمل في ترجمته في التهذيب ١: ٥١-٥٢، وتاريخ بغداد ٤: ٢٦٢-٢٦٥ - يرى أن توثيقه أرجح، وأن الكلام فيه لم يكن عن بينة. ولذلك قال الخطيب: "كان أبو كريب من الشيوخ الكبار، الصادقين الأبرار وأبو عبيدة السري ابن يحيى شيخ جليل أيضًا ثقة، من طبقة العطاردي. وقد شهد له أحدهما بالسماع، والآخر بالعدالة. وذلك يفيد حسن حالته، وجواز روايته. إذ لم يثبت لغيرهما قول يوجب إسقاط حديثه، واطراح خبره". وهذا كاف في قبول زيادته في هذا الحديث، بوصله من رواية سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص.]]

* *

وقال آخرون بما:-

٢١٥٥- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سعد الكاتب قال، حدثنا أنس بن مالك قال: صلى نبي الله ﷺ نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر. فبينما هو قائمٌ يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس، انصرف بوَجْهه إلى الكعبة، فقال السفهاء:"ما وَلاهُم عن قبلتهم التي كانوا عَليها". [[الحديث: ٢١٥٥- عمرو بن علي: هو الفلاس، مضت ترجمته: ١٩٨٩.

أبو عاصم: هو النيل، واسمه"الضحاك بن مخلد"، وهو فقيه ثقة حافظ، من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم من الأئمة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٣٣٧، والصغير: ٢٣١، وابن سعد ٧/٢/٤٩، وابن أبي حاتم٢/١/٤٦٣، والجمع بين رجال الصحيحين ٢٢٨-٢٢٩. وكان نبيلا حقًا، صفة ولقبًا. قال البخاري في الكبير: "سمعت أبا عاصم يقول: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها". ولد سنة ١٢٢، ومات سنة ٢١٢ وهو ابن ٩٠ سنة و ٤ أشهر ولدته أمه وعمرها ١٢ سنة. رحمهما الله.

عثمان بن سعد التميمي الكاتب المعلم: ثقة، وثقه أبو نعيم، والحاكم وغيرهما، وتكلم فيه بعضهم بغير حجة، ونقل بعضهم عن النسائي أنه قال: "ليس بثقة"، ونقل الحافظ أنه رأى بخط ابن عبد الهادي: "الصواب في قول النسائي: أنه ليس بالقوي". وهذا هو الصواب عن النسائي، وهو الذي في كتاب الضعفاء له، ص: ٢٢. وترجمه ابن أبي حاتم ٣/١/١٥٣، وقال: "سمع أنس بن مالك". وسماعه من أنس ثابت عندنا في حديث آخر في المسند: ١٣٢٠١.

فهذا الإسناد -عندنا- صحيح. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٣، ونسبه البزار وابن جرير. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ١٣، وقال: "رواه البزار، وفيه عثمان بن سعد، ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة، ووثقه ابو نعيم الحافظ، وقال أبو حاتم: شيخ". وقال الهيثمي أيضًا: "حديث أنس في الصحيح، إلا أنه جعل ذلك في صلاة الصبح، وهنا: الظهر". يشير بذلك إلى أن أصله في الصحيح، وهو الحديث في صحيح مسلم ١: ١٤٨، من رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، بنحوه، وفيه: "فمر رجل من بني سلمة، وهم ركوع في صلاة الفجر، فنادى: ألا إن القبلة قد حولت! فمالوا كما هم نحو القبلة". وكذلك رواه ابن سعد ١/٢/٤، من طريق حماد بن سلمة. ومن الواضح أن هذه قصة غير التي رواها الطبري هنا. فإن الذي هنا أن رسول الله ﷺ هو الذي انصرف بوجهه إلى الكعبة. فهذا أول تحويل القبلة. وأما رواية مسلم فتلك بشأن جماعة آخرين، في مسجد قباء، جاءهم مخبر فأخبرهم وهم في الصلاة بتحويل القبلة، فاستداروا إليها. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمر. وهو في المسند: ٤٦٤٢، ٤٧٩٤، ٥٩٣٤، ٥٨٢٧.]]

* *

وقال آخرون بما:-

٢١٥٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثَلاثة عَشر شهرًا. [[الحديث: ٢١٥٦- أبو داود: هو الطيالسي الإمام الحافظ، واسمه: "سليمان بن داود بن الجارود". مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١١، وابن سعد ٧/٢/٥١، وابن أبي حاتم ٢/١/١١١-١١٣، مات سنة ٢٠٣ عن ٩٢ سنة لم يستكملها، كما قال ابن سعد.

المسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد لله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، تغير حفظه في آخر عمره. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢٥٠-٢٥٢. وترجمنا له في شرح المسند مرارًا، آخرها في الحديث: ٧١٠٥.

ابن أبي ليلى: هو عبد الرحمن، التابعي المشهور. ولكنه لم يسمع من معاذ بن جبل، كما جزم بذلك علي بن المديني والترمذي وابن خزيمة، لأنه ولد سنة وفاة معاذ أو قبلها أو بعدها بقليل.

فهذا الإسناد منقطع.

والحديث بهذا الإسناد، مختصرًا، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: ٥٦٦، بلفظ: "أن النبي ﷺ قدم المدينة، فصلى سبعة عشر شهرًا نحو بيت المقدس، ثم نزلت عليه هذه الآية: "قد نرى تقلب وجهك في السماء"، إلى آخر الآية قال، فوجهه الله إلى الكعبة".

وهو جزء من حديث طويل، رواه أبو داود السجستاني في سننه: ٥٠٧، بإسنادين: عن محمد بن المثنى -شيخ الطبري هنا- عن أبي داود، وهو الطيالسي - ثم رواه عن نصر بن المهاجر، عن يزيد بن هارون، كلاهما عن المسعودي. ولكن بين أبو داود أن رواية محمد بن المثنى مختصرة، كالرواية التي في مسند الطيالسي، ولكن ذكر أن صلاتهم نحو بيت المقدس كانت"ثلاثة عشر شهرًا"، كرواية الطبري هنا عن ابن المثنى. وأنا أرجح أن تكون رواية ابن المثنى عن الطيالسي. أرجح من الرواية التي في مسند الطيالسي، إذ أنه ليس من جمعه، بل هو من جمع أحد الرواة عنه.

ثم إن حديث معاذ -بطوله- رواه أحمد في المسند ٥: ٢٤٦-٢٤٧، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن يزيد بن هارون - كلاهما عن المسعودي، بهذا الإسناد. ولكن فيه"سبعة عشر شهرًا"، كرواية مسند الطيالسي.

وقد أشار الحافظ في الفتح ١: ٨٩-٩٠ إلى كثير من الروايات في ذلك، وحاول الجمع بينهما أو الترجيح. وعندي أن مثل هذا لا يستطاع ضبطه إلا أن يكتبوه في حينه، أو تتجه همّتهم إلى العناية بحفظه.

وقال الحافظ ابن كثير ١: ٣٤٥-٣٤٦: "والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس، بعد مقدمه ﷺ المدينة. واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة. التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام. فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق". وانظر أيضًا تاريخ ابن كثير ٣: ٢٥٢-٢٥٤.]]

٢١٥٧- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب: أنّ الأنصار صلَّت القبلةَ الأولى، قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث حجج، وأن النبي ﷺ صلَّى القبلةَ الأولى بعد قُدومه المدينة ستة عشر شهرًا، أو كما قال. وكلا الحديثين يحدِّث قتادة عن سعيد.

* *

ذكر السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة.

* *

اختلف أهلُ العلم في ذلك.

فقال بعضهم: كان ذلك باختيار من النبي ﷺ

ذكرُ من قال ذلك:

٢١٥٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح أبو تَميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن عكرمة -وعن يزيد النحويّ، عن عكرمة- والحسن البصري قالا أوَّلُ ما نُسخ من القرآن القبلةُ. وذلك أنّ النبي ﷺ كان يستقبل صَخرَة بيت المقدس، وهي قبلة اليهودِ، فاستقبلها النبيّ ﷺ سبعةَ عشر شهرًا، ليؤمنوا به ويتبعوه، ويدعو بذلك الأميين من العرب. فقال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١١٥] .

٢١٥٩- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"سيقولُ السفهاء من الناس مَا وَلاهم عَن قبلتهم التي كانوا عليها"، يعنون بيتَ المقدس. قال الربيع. قال أبو العالية: إنّ نبيّ الله ﷺ خُيّر أن يوجِّه وجهه حيث شاء، فاختار بيت المقدس لكي يتألَّف أهلَ الكتاب، فكانت قبلتهُ ستة عشر شهرًا، وهو في ذلك يقلِّب وَجهه في السماء، ثم وَجَّهه الله إلى البيت الحرام.

* *

وقال آخرون: بل كان فعلُ ذلك -من النبيّ ﷺ وأصحابه- بفرض الله عز ذكره عليهم.

ذكر من قال ذلك:

٢١٦٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: لما هاجَرَ رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ، أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهود. فاستقبلها رَسُول الله ﷺ بضْعة عَشر شَهرًا، فكان رسول الله ﷺ يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام، وكان يدعو وينظر إلى السماء. فأنزل الله عز وجل: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) [سورة البقرة: ١٤٤] الآية. فارتاب من ذلك اليهود وقالوا:"ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"؟ فأنزل الله عز وجل:"قُلْ لله المشرق والمغرب". [[الأثر: ٢١٦٠- مضى برقم: ١٨٣٣ ويأتي برقم: ٢٢٣٦، والزيادة بين القوسين من الموضعين.]]

٢١٦١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: صلى رسول الله ﷺ أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة، ثم صُرف إلى بَيت المقدس. فصلَّت الأنصارُ نحو بيت المقدس قبلَ قُدومه ثلاث حِجَجٍ: وصلّى بعد قُدومه ستة عشر شهرًا، ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة.

* *

ذكر السبب الذي من أجله قال من قال"ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"؟

* *

اختلف أهل التأويل في ذلك. فرُوي عن ابن عباس فيه قولان. أحدهما ما:-

٢١٦٢- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال ذلك قومٌ من اليهود للنبي ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدّقك! يريدون فتنتَهُ عن دينه. [[الأثر: ٢١٦٢- هو بعض الأثر السالف رقم: ٢١٤٩.]]

والقول الآخر: ما ذكرتُ من حَديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل. [[يعني الأثر رقم: ٢١٦٠.]]

* *

٢١٦٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عَليها"؟ قال: صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حَولين قَبْل قُدوم النبي ﷺ المدينةَ وصلى نبي الله ﷺ بعدَ قدومه المدينة مهاجرًا، نحو بيت المقدس، ستة عشر شَهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام. فقال في ذلك قائلون من الناس:"ما ولاهمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها"؟ لقد اشتاق الرَّجُل إلى مَوْلده! فقال الله عز وجل:"قلْ لله المشرقُ والمغربُ يهدي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مُستقيم".

* *

وقيل: قائل هذه المقالة المنافقون. وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام.

ذكر من قال ذلك:

٢١٦٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قبَلَ المسجد الحرام، اختلفَ الناس فيها فكانوا أصنافًا. فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجَّهوا إلى غيرها؟ فأنزل الله في المنافقين:"سَيقول السفهاءُ من الناس"، الآية كلها.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك عز وجل: قُلْ يا محمد -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس، التي كنتم على التوجُّه إليها، إلى التوجُّه إلى شطر المسجد الحرام؟ -: لله مُلك المشرق والمغرب = يعني بذلك: ملكُ ما بين قُطرَيْ مشرق الشمس، وقُطرَيْ مغربها، وما بينهما من العالم [[انظر تفسير"المشرق والمغرب" فيما سلف ٢: ٥٢٦-٥٣٠.]] = يَهدي من يشاء من خلقه، [[انظر تفسير"هدى" فيما سلف١: ١٦٦- ١٦٩، وفي فهرس اللغة في الجزء الأول والثاني.]] فيُسدده، ويوفِّقه إلى الطريق القويم، وهو"الصراط المستقيم" [[انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف ١: ١٧٠-١٧٧.]] -ويعني بذلك: إلى قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا- ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق.

* *

وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله:"يَهدي من يَشاء إلى صراط مُستقيم"، قُلْ يا محمد: إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم، وأضلَّكم -أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله- فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وكذلك جَعلناكم أمة وسطًا"، كما هديناكم أيّها المؤمنون بمحمد عليه والسلام وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا.

* *

وقد بينا أن"الأمة"، هي القرن من الناس والصِّنف منهم وغَيرهم. [[انظر ما سلف١: ٢٢١ / ثم هذا الجزء ٣: ٧٤، ١٠٠، ١٢٨.]]

* *

وأما"الوسَط"، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه:"فلان وَسَطُ الحسب في قومه"، [[يقولون أيضًا: "هو وسيط الحسب في قومه"، إذا كان أوسطهم نسبًا، وأرفعم مجدًا.]] أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، و"هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ"، [[شاهد قولهم"واسط" من شعرهم، قول جابر بن ثعلب الطائي: وَمَنْ يَفْتَقِرْ فِي قَوْمِهِ يَحْمَدِ الغِنَى ... وَإنْ كَانَ فِيهِمْ وَاسِطَ العَمِّ مُخْوِلَا]]

كما يقال:"شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن"، وكما قال جل ثناؤه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [سورة طه: ٧٧] ، وقال زُهير بن أبي سُلمى في"الوسط":

هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ [[كأنه من قصيدته المعلقة، ديوانه ٢: ٢٧، ولكن رواية صدر البيت في الديوان: لِحَيٍّ حِلاَلٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرُهُمْ

ولم أجد هذه الرواية فيما طبع من روايات ديوانه. ولكن البيت بهذه الرواية أنشده الجاحظ في البيان ٣: ٢٢٥ غير منسوب. وهو منسوب إلى زهير في أساس البلاغة"وسط". ورواية الديوان، والجاحظ: "إذا طرقت إحدى الليالي". وهما سواء.]]

* *

قال أبو جعفر: وأنا أرى أن"الوسط" في هذا الموضع، هو"الوسط" الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل"وسَط الدار" محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في"سينه" التخفيف.

وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم"وسَط"، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها.

* *

وأما التأويل، فإنه جاء بأن"الوسط" العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم.

ذكر من قال:"الوسطُ" العدلُ.

٢١٦٥- حدثنا سَلْم بن جُنادة ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله:"وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا" قال، عُدولا. [[الحديث: ٢١٦٥- سلم بن جنادة، شيخ الطبري، مضت ترجمته في: ٤٨، وكثرت رواية الطبري عنه، وهو أبو السائب. وفي المطبوعة هنا"سالم"، وهو خطأ تكرر فيها. ولا حاجة بنا إلى التنبيه عليه بعد ذلك.

يعقوب بن إبراهيم: هو الدورقي الحافظ، مضى: ٢٣٧.

وهذا الإسناد والإسنادان بعده، لحديث واحد، مختصر من حديث سيأتي: ٢١٧٩.

ورواه مختصرًا أيضًا، أحمد في المسند: ١١٠٨٤، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. ورواه بنحوه أيضًا: ١١٢٩١، عن وكيع، عن الأعمش. (المسند ٣: ٩، ٣٢ حلبي) . ونقله ابن كثير ١: ٣٤٨، عن المسند. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح".

وقد وهم صاحب الزوائد في إدخاله فيها، لأنه مختصر من الحديث المطول الآتي، وقد أخرجه البخاري وغيره، فليس من الزوائد.

وهذه الروايات المختصرة عند الطبري - أشار إليها الحافظ في الفتح ٨: ١٣١، أثناء شرحه الرواية المطولة.

وكل الروايات التي رأينا، فيها"عدلا" بدل"عدولا". ولعل ما هنا من تحريف الناسخين، لأن الأجود صيغة الإفراد. على الوصف بالمصدر، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والجمع. وفي اللسان: "فإن رأيته مجموعًا أو مثنى أو مؤنثًا - فعلى أنه قد أجرى مجرى الوصف الذي ليس بمصدر". والذي نقله الحافظ في الفتح، والسيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤ - بلفظ"عدلا" أيضًا بل عبارة أبي جعفر نفسه، قبل هذا الحديث تدل على ذلك، إذ قال: "ذكر من قال: الوسط العدل".]]

٢١٦٦- حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار قالا حدثنا جعفر بن عون، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ مثله.

٢١٦٧- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري:"وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا" قال،"عدولا.

٢١٦٨- حدثني علي بن عيسى قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله:"جعلناكم أمَّة وسطًا" قال، عدولا. [[الحديث: ٢١٦٨- علي بن عيسى بن يزيد البغدادي الكراجكي: ثقة، من شيوخ الترمذي وابن خزيمة، مترجم في التهذيب، بغداد ١٢: ١٢-١٣. قال الخطيب: "وما علمت من حاله إلا خيرًا". مات سنة ٢٤٧.

سعيد بن سليمان: هو أبو عثمان الواسطي البزاز، لقبه"سعدويه"، سبق توثيقه في شرح: ٦١١. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٤٠ وابن سعد ٧/٢/٨١، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٦، وتاريخ بغداد ٩: ٨٤-٨٧. مات سنة ٢٢٥، وله ١٠٠ سنة.

حفص بن غياث: مضى في: ١٠٣٧، ولكن روايته هنا عن أبي صالح ذكوان السمان، منقطعة يقينًا، فإن أبا صالح مات سنة ١٠١، وحفص ولد سنة ١١٧. وإنما يروي عن الأعمش وطبقته، عن أبي صالح، كما في الإسناد الماضي: ٢١٦٥.

ولعله سقط من نسخة الطبري في هذا الموضع بينهما: "عن الأعمش" - فيستقيم الإسناد، ويكون صحيححًا. ولم أستطع الجزم بشيء في ذلك، لأني لم أجد حديث أبي هريرة هذا في كتاب آخر ذي إسناد. وإنما ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ١٤٤، ونسبه الطبري وحده.

وقد يرجح سقوط"الأعمش" من الإسناد في هذا الموضع: أن الحافظ حين أشار في الفتح ٨: ١٣١- إلى روايات الطبري المختصرة لحديث أبي سعيد، السابق، ذكر منها أن الطبري رواه"من طريق وكيع عن الأعمش، بلفظ: والوسط العدل، مختصر مرفوعا. ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش، مثله". فهذان إسنادان لحديث أبي سعيد، نقلهما الحافظ ابن حجر - وهو من هو، دقة وتحريًا - عن هذا الموضع من الطبري، وليسا في النسخة بين أيدينا. فلا يبعد أن يكون في هذا الإسناد أيضًا نقص قوله"عن الأعمش" بين حفص بن غياث وأبي صالح.]]

٢١٦٩- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.

* *

٢١٧٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.

٢١٧١- حدثنا المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢١٧٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أمة وسَطًا" قال، عُدولا.

٢١٧٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.

٢١٧٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.

٢١٧٥- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكذلك جعلناكم أمة وَسَطًا"، يقول: جعلكم أمةً عُدولا.

٢١٧٦- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن رِشْد بن سعد قال، أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى رسول الله ﷺ:"وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا" قال، الوسطُ العدل. [[الحديث: ٢١٧٦- هو قطعة من حديث مطول، سيأتي: ٢١٩٥. و"رشدين بن سعد" ثبت في المطبوعة هنا"راشد بن سعد". وهو خطأ، كما سنبين هناك إن شاء الله.]]

٢١٧٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير:"أمة وَسَطًا"، قالوا: عُدولا. قال مجاهد: عَدْلا. [[في المطبوعة: "وقال مجاهد: عدولا"، وكأن الصواب ما أثبت، وإلا كان كلاما زائدا، لا معنى له.]]

٢١٧٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وكذلك جَعلناكم أمهً وسطًا" قال، هم وَسَطٌ بين النبي ﷺ وبين الأمم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾

قال أبو جعفر:"والشهداء" جمع"شَهيد". [[انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف ١: ٣٧٦-٣٧٨ / وهذا الجزء ٣: ٩٧.]]

فمعنى ذلك: وكذلك جَعلناكم أمَّة وسَطًا عُدولا [لتكونوا] شُهداءَ لأنبيائي ورسُلي على أممها بالبلاغ، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها، بدلالة الآية، ودلالة ما سيأتي من قوله: "ويكون رسولي".]] أنها قد بلغت ما أُمرَت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ويكونَ رسولي محمدٌ ﷺ شهيدًا عليكم، بإيمانكم به وبما جاءكم به من عندي، كما:-

٢١٧٩- حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال، قال رسول الله ﷺ: يُدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغتَ ما أرسِلت به؟ فيقول: نعم. فيقال لقومه: هل بلغكم؟ فيقول: ما جاءنا ممن نذير! فيقال له: من يعلم ذاك؟ فيقول: محد وأمته. فهو قوله:"وكذلك جعلناكم أمَّةً وسطًا لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا". [[الحديث: ٢١٧٩- هو والإسنادان بعده، لحديث واحد، مضى بعضه بهذه الأسانيد: ٢١٦٥-٢١٦٧، إلا أن هناك زيادة شيخين للطبري في الإسنادين الأولين منا.

والحديث رواه الإمام أحمد في المسند، بنحوه: ١١٣٠، عن وكيع عن الأعمش، و ١١٥٧٩، عن أبي معاوية عن الأعمش. (٣: ٣٢، ٥٨ حلبي) .

ورواه البخاري ٦: ٢٦٤، من طريق عبد الواحد بن زياد، و ٨: ١٣٠-١٣١، من طريق جرير وأبي أسامة، و ١٣: ٢٦٦، من طريق أبي أسامة وجعفر بن عون - كلهم عن الأعمش، بهذا الإسناد نحوه.

ونقله ابن كثير في التفسير ١: ٣٤٧-٣٤٨، من روايتي الإمام أحمد، وقال: "رواه البخاري والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طرق، عن الأعمش".

ونسبه السيوطي ١: ١٤٤ لهؤلاء ولغيرهم.]]

٢١٨٠- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه - إلا أنه زاد فيه: فيُدعون ويَشهدون أنه قد بلَّغ.

٢١٨١- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد:"وكذلك جعلناكم أمة وسَطًا لتكونوا شُهداءَ عَلى الناس" -بأن الرسل قد بلَّغوا-"ويكونَ الرسول عليكم شهيدًا". بما عملتم، أو فعلتم.

٢١٨٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن النهاس: أن مُكاتبًا لهم حَدّثهم عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: إني وأمتي لعلى كَوْمٍ يومَ القيامة، مُشرفين على الخلائق. ما أحدٌ من الأمم إلا ودَّ أنه منها أيَّتُها الأمة، [[في حديث كعب بن مالك: "فتخلفنا أيتها الثلاثة" - يريد تخلفهم عن غزوة تبوك، وتأخر توبتهم. وهذه اللفظة تقال في الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب. تقول: "ما أنا فأفعل كذا أيها الرجل"، يعني نفسه. فمعنى قول كعب: "أيتها الثلاثة"، أي المخصوصين بالتخلف. (لسان العرب، مادة: أيا) .]] ومَا من نبيّ كذّبه قومُه إلا نحن شُهداؤه يومَ القيامة أنه قد بلَّغ رسالات ربه ونصحَ لهُم. قال:"ويكونَ الرسول عليكم شَهيدًا". [[الحديث: ٢١٨٢- هذا إسناد ضعيف، لجهالة التابعي الذي رواه عن جابر، وفي اسم الراوي عن التابعي بحث يحتاج إلى تحقيق.

ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان، مضى: ١٨٤٠. أبو مالك الأشجعي: هو سعد بن طارق بن أشيم، تابعي ثقة. مترجم في التهذيب. والكبير ٢/٢/٥٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٨٦-٨٧.

المغيرة بن عتيبة بن النهاس: ثبت في الطبري هنا"عيينة"، بدل"عتيبة". ولم يترجم في التهذيب ولا ذيوله. وترجمه ابن أبي حاتم ٤/١/٢٢٧ هكذا: "مغيرة بن عتيبة بن نهاس العجلي. وكان قاضيًا لأهل الكوفة. روى عن سعيد بن جبير، وموسى بن طلحة، وعن مكتب عن جابر"، إلخ، وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٣٢٢-٣٢٣ هكذا: "مغيرة بن عيينة بن عابس. قال ابن المبارك: ابن النحاس، عن. . . وعن مكتب بن جابر. . . ".

وحقق العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني، مصحح الكتابين - ترجيح ما يفي كتاب ابن أبي حاتم، لموافقته ما ثبت في الثقات لابن حبان، والإكمال لابن ماكولا. وهو الصحيح. وللمغيرة هذا روايات كثيرة في تاريخ الطبري، وثبت اسم أبيه في كثير منها على الصواب، وذكر اسمه ونسبه كاملا هناك ٤: ٨١"المغيرة بن عتيبة بن النهاس العجلي".

وأما قوله هنا"أن مكاتبًا لهم حدثهم عن جابر" - فيفهم منه أن التابعي المبهم الراوي عن جابر، هو من موالي آل المغيرة الراوي عنه، وأنه مكاتب لهم. ولكن الذي في كتابي البخاري وابن أبي حاتم - كما ترى: "وعن مكتب عن جابر". فقال العلامة عبد الرحمن في تعليقه على ابن أبي حاتم: " أراه سعيد بن زياد المكتب" ولكنه قبل ذلك في تعليقه على التاريخ الكبير، ذكر ذلك احتمالا فقط، بل كاد يرده بأن"سعيد بن زياد المكتب مولى زياد المكتب مولى بني زهرة" ترجمه البخاري - يعني في ٢/١/٤٣٣"ولكن لم يذكر روايته عن جابر ولا غيره من الصحابة". وهو كما قال، وكذلك ترجمه في التهذيب وغيره. فلذلك أنا أستبعد جدًا أن يكون هو المراد بقول البخاري وابن أبي حاتم في شيوخ المغيرة"عن مكتب عن جابر". بل أكاد أرجح ما هنا في الطبري: أنه عن"مكاتب"، وأن يكون ذكر في بعض الروايات هكذا، ولعل بعض الناسخين القدماء نقلها حين نسخها محذوفة الألف.

ولم أجد هذا الحديث في كتاب آخر ذي إسناد، حتى أستطيع أن أتجاوز هذا الحد في التحقيق. ولكن ذكره السيوطي ١: ١١٤ -دون إسناد طبعًا- ونسبه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، فقط.

وذكره ابن كثير ١: ٣٤٨، نقلا عن ابن مردويه وابن أبي حاتم، من طريق عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، بهذا الإسناد. وفيه"عن مغيرة بن عتيبة بن نياس"! وهو غلط واضح.]]

٢١٨٣- حدثني عصام بن روَّاد بن الجرّاح العسقلاني قال، حدثنا أبي قال، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي الفضل، عن أبي هريرة قال: خرجتُ مع النبي ﷺ في جنازة، فلما صلى على الميت قال الناس: نِعم الرجل! فقال النبي ﷺ: وجَبت! ثم خرجت مَعه في جنازة أخرى، فلما صلوا على الميت قال الناس: بئس الرجل! فقال النبي ﷺ: وجَبت. فقام إليه أبيّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولك وجبت؟ قال:" قول الله عز وجل:"لتكونوا شُهداء على الناس". [[٢١٨٣- عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني: ثقة، ترجمه ابن أبي حاتم ٣/٢/٢٦، وقال: "روى عنه أبي، وكتبت أنا عنه"، ثم قال: "سئل أبي عنه؟ فقال: صدوق". وفي لسان الميزان: "لينه الحاكم أبو أحمد. وذكره ابن حبان في الثقات".

أبوه"رواد بن الجراح": مضت ترجمته: ١٢٦. ونزيد هنا: مترجم أيضًا في ميزان الاعتدال. ومجموع الكلام فيه يؤيد ضعفه. وقد روى له الطبري - فيما يأتي (٢٢: ٧٢-٧٣) حديثًا مكذوبًا لا أصل له. وروى ما يدل على أن هذا الشيخ أدخل عليه ذلك الحديث، فلئن كان ذاك إن فيه لغفلة شديدة ما يجوز معها أن يقبل شيء من روايته. أما هذا الحديث -الذي هنا- فإنه لم ينفرد بروايته، كما سيجيء في الإسناد التالي لهذا.

وقد وقع المطبوعة هنا"عصام بن وراد" بتقديم الواو على الراء؛ وهو خطأ ظاهر. عبد الله بن أبي الفضل المديني: ترجمه ابن أبي حاتم ٢/٢/١٣٧، وروى عن أبيه قال: "لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير، ولا نعرفه". وعن ذلك قال الذهبي في الميزان: "مجهول". وقال الحافظ في لسان الميزان: "ذكره ابن حبان في الثقات". وهذا - عندنا كاف في الاحتجاج بحديثه، إذ هو تابعي عرف شخصه، ووثقه ابن حبان. والتابعون -عندنا- على القبول، حتى يثبت في أحدهم جرح مقبول.

ووقع هنا في المطبوعة"عبد الله بن الفضل" بحذف كلمة"أبي"، وهو خطأ. وثبت على الصواب في الإسناد بعده.]]

٢١٨٤- حدثني عليّ بن سَهل الرملي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني أبو عمرو، عن يحيى قال، حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني قال، حدثني أبو هريرة قال: أُتي رَسول الله ﷺ بجنازة، فقال الناس: نعم الرجل! ثم ذكر نحو حديث عصَام عن أبيه. [[الحديث: ٢١٨٤- هو إسناد آخر للحديث السابق. علي بن سهيل الرملي: مضى: ١٣٨٤. الوليد بن مسلم الدمشقي، عالم الشأم: ثقة متقن صحيح العلم صحيح الحديث، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما، مات سنة ١٩٥. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/١٥٢-١٥٣، وابن سعد ٧/٢/١٧٣، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٦-١٧، وروى عن مروان بن محمد قال، "كان الوليد بن مسلم عالمًا بحديث الأوزاعي".

وشيخه في هذا الإسناد"أبو عمرو"-: هو الأوزاعي.

والحديث -من هذا الوجه- صحيح، وذكره السيوطي، ١: ١٤٥، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.

وأصله ثابت من حديث أبي هريرة. رواه أحمد في المسند: ٧٥٤٣. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، كما بينا هنا. ولكن لم يذكر فيه سؤال أبي بن كعب، ولا الاستشهاد بالآية. وفي مجمع الزوائد ٣: ٤ رواية أخرى له مطولة، وفيها أن السائل هو عمر. وذكر أنه"رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح".]]

٢١٨٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عكرمة بن عمار قال، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: كنا مع النبي ﷺ فمُرّ عليه بجنازة، فأثنِيَ عليها بثناء حَسن، فقال: وجبت! ومُرَّ عليه بجنازة أخرى، فأثنِيَ عليها دون ذلك، فقال: وجبت! قالوا: يا رسول الله، ما وجبت؟ قال: الملائكة شُهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه وجب. ثم قرأ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية [سورة التوبة: ١٠٥] . [[الحديث: ٢١٨٥- وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم.

زيد بن الحباب -بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة- العكلي: ثقة من شيوخ أحمد وابن المديني وغيرهما من الأئمة، وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٣٥٨، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبي حاتم ١/٢/٥٦١-٥٦٢.

عكرمة بن عمار العجلي: ثقة، روى عنه شعبة والثوري ووكيع وغيرهم. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤/١/٥٠، وابن سعد ٥: ٤٠٤، وابن أبي حاتم ٣/٢/١٠-١١.

إياس بن سلمة بن الأكوع: تابعي ثقة كثير الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو قد سمع من أبيه الصحابي، وروى له الشيخان وغيرهما أحاديث من روايته عنه. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/١/٤٣٩، وابن سعد ٥: ١٨٤، وابن أبي حاتم ١/١/٢٧٩-٢٨٠. ورجال الصحيحين، ص: ٤٧.

والحديث ذكره السيوطي ١: ١٤٥، باختصار في آخره. ونسبه لابن أبي شيبة، وهناد، وابن جرير والطبراني. ونقله الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ٤-٥، عن إسنادين للطبراني في الكبير، في كل منهما رجل ضعيف. فيستفاد تصحح الحديث بهذا الإسناد الصحيح عند ابن جرير. وفي المطبوعة: "فما شهدتم عليه وجبت"، والصواب ما أثبت.]]

* *

٢١٨٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"لتكونوا شهداء على الناس"، تكونوا شهداء لمحمد عليه السلام على الأمم، اليهود والنصارى والمجوس.

٢١٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢١٨٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا [أبو] عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح قال: يأتي النبي ﷺ يوم القيامة نَادِيَهُ ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد ﷺ أنه قد بلغهم. [[الأثر: ٢١٨٨- كان في المطبوعة"حدثنا عاصم"، والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر في التفسير، أقربه: ٢١٨٦. أما قوله: "ناديه" فهكذا جاءت في المطبوعة، وفي مطبوعات أخرى، وفي المخطوطات، وفي الدر المنثور ١: ١٤٦: "بإذنه"، وهذه الأخيرة لا معنى لها. أما قوله: "ناديه"، فكأنه أراد موقفه يوم القيامة. والنادي: مجتمع القوم وأهل المجلس. ولكني أرجح أن اللفظ محرف عن كلمة معناها"وحده - أو منفردًا"، فإن سياقه يقتضي ذلك. وقوله: "يأتي النبي ﷺ ناديه" أرجح أن قوله: "ﷺ" زيادة ناسخ، والسياق يقتضي أن يكون: "يأتي النبي يوم القيامة ناديه ليس معه أحد".]]

٢١٨٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير مثله.

٢١٩٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني ابن أبي نجيح، عن أبيه قال، يأتي النبي ﷺ يوم القيامة، فذكر مثله، ولم يذكر عبيد بن عمير، مثله.

٢١٩١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة"لتكونوا شُهداء على الناس"، أي أنّ رسلهم قد بلغت قومَها عن ربّها،"ويكون الرسول عليكم شَهيدًا"، على أنه قد بلغ رسالات ربِّه إلى أمته.

٢١٩٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أنّ قوم نوح يَقولونَ يوم القيامة: لم يبلِّغنا نوحٌ! فيدعَى نوح عليه السلام فيسأل: هل بلغتهم؟ فيقول: نعم. فيقال: من شُهودك؟ فيقول: أحمد ﷺ وأمته. فتدعون فتُسألون فتقولون: نعم، قد بلّغهم. فتقول قوم نوح عليه السلام: كيف تشهدون علينا ولم تدركونا؟ قالوا: قد جاء نبيُّ الله ﷺ فأخبرنا أنه قد بلغكم، وأنزل عليه أنه قد بلغكم، فصدَّقناه. قال: فيصدّق نوح عليه السلام ويكذبونهم. قال:"لتكونوا شُهداء على الناس ويَكونَ الرسول عليكم شهيدًا"

٢١٩٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"لتكونوا شُهداء على الناس"، لتكون هذه الأمة شُهداء على الناس أنّ الرسل قد بلَّغتهم، ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدًا، أن قد بلَّغ ما أرسل به.

٢١٩٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أنّ الأمم يقولُون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياءَ كلهم! لما يرون الله أعطاهم.

٢١٩٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، عن رِشْدين بن سعد، قال أخبرني ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة يُسنده إلى رسول الله ﷺ قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة، كان أوَّلَ من يدعى إسرافيلُ، فيقول له ربه: ما فعلتَ في عهدي؟ هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم رَبّ، قد بلغته جبريل عليهما السلام، فيدعى جبريل، فيقال له: هل بَلغك إسرافيلُ عهدي! [[في المطبوعة: "هل بلغت إسرافيل"، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت.]] فيقول: نعم ربّ، قد بلغني. فيخلَّى عن إسرافيلُ، ويقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، قد بلغتُ الرسل. فتُدعى الرسل فيقال لهم: هل بلَّغكم جبريلُ عهدي؟ فيقولون: نعم ربَّنا. فيخلَّى عن جبريل، ثم يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلَّغنا أممنا. فتدعى الأمم، فيقال: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذّب ومنهم المصدِّق، فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهودًا يَشهدون أنْ قد بلَّغنا مع شَهادتك. فيقول: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمَّة محمد. فتدعى أمة محمد ﷺ، فيقول: أتشهدون أنّ رسُلي هؤلاء قد بلَّغوا عهدي إلى من أرسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم ربَّنا شَهدنا أنْ قد بلَّغوا. فتقول تلك الأمم. كيف يشهد علينا من لم يُدركنا؟ فيقول لهم الرب تباركَ وتعالى: كيف تشهدون عَلى من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصَصَت علينا أنّهم قد بلَّغوا، فشهدنا بما عهدْتَ إلينا. فيقول الرب: صدَقوا. فذلك قوله:"وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا" -والوسطُ العَدْل-"لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا". قال ابن أنعم: فبلغني أنه يشهد يومئذ أمَّةُ محمد ﷺ، إلا من كان في قلبه حِنَةٌ على أخيه. [[الحديث: ٢١٩٥- هذا حديث ضعيف، من ناحيتين: من ناحية أنه مرسل، رواه تابعي لم يسنده عن صحابي. ومن ناحية ضعف"رشدين بن سعد"، كما سيأتي.

وقد مضت قطعة منه بهذا الإسناد: ٢١٧٦. وأحلنا تخريجها على هذا الموضع.

رشدين بن سعد: ضعيف جدًا، سبق بيانه في: ١٩٣٨. ووقع في المطبوعة هنا، وفي: ٢١٧٦: "راشد"، كما كان ذلك في: ١٩٣٨. وهو خطأ.

ابن أنعم المعافري: هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم -بفتح الهمزة وسكون النون وضم العين المهملة- المعافري الإفريقي القاضي. وهو ثقة، تكلم فيه كثير من العلماء بغير حجة، سمع من أجلة التابعين، وكان شجاعًا في الحق. وكان أحمد بن صالح يقول: هو ثقة، وينكر على من تكلم فيه. قاله أبو بكر المالكي في رياض النفوس: "كان من جلة المحدثين، منسوبًا إلى الزهد والورع، صلبًا في دينه، متفننًا في علوم شتى". وغلا فيه ابن حبان غلوًا فاحشًا، فقال في كتاب المجروحين، ص: ٢٨٣-٢٨٤: "كان يروي الموضوعات عن الثقات، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم، وكان يدلس عن محمد بن سعيد بن أبي قيس المطلوب". ثم روى حديثًا من طريقه يستدل به على ما قال. وهو حديث موضوع، ولكن ابن أنعم بريء من عهدته، فإن الحمل فيه على أحد الكذابين، وهو يوسف بن زياد البصري. وقد تعقب الدارقطني على ابن حبان ذلك، فيما ثبت بهامش مخطوطة المجروحين.

والمشارقة أخطأوا معرفة ابن أنعم، فعن ذلك جاء ما جاء من جرحه، بل أخطأوا تاريخ وفاته، فأرخوه سنة ١٥٦. والمغاربة أعرف به، وأرخوه سنة ١٦١.

وله تراجم وافية: في التهذيب ٦: ١٧٣-١٧٦، والصغير للبخاري، ص: ١٨٠، وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٣٤-٣٣٥. والمجروحين لابن حبان: ٢٨٣-٢٨٤، والميزان للذهبي ٢: ١٠٤-١٠٥، وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب: ٢٧-٣٢. ورياض النفوس لأبي بكر المالكي ١: ٩٦-١٠٣، وتاريخ بغداد ١٠: ٢١٤-٢١٨.

حبان -بكسر المهملة وتشديد الموحدة- بن أبي جبلة المصري: تابعي ثقة. وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/٨٣، وابن أبي حاتم ١/٢/٢٦٩.

وهذا الحديث مرسل، إذ حكى راويه عن التابعي أنه"يسنده إلى رسول الله ﷺ"، لم يذكر من حدثه به.

وقوله"يسنده" - كتب في المطبوعة هنا وفي: ٢١٧٦"بسنده" بالباء الموحدة. وهو تصحيف. والحديث ذكره السيوطي ١: ١٤٥، ولم ينسبه لغير الطبري وابن المبارك في الزهد.

وكان في المطبوعة"حقد على أخيه". وفي الدر المنثور ١: ١٤٦"إحنة"، والذي أثبته من القرطبي، وبعض المخطوطات. والحنة: الحقد، من"وحن يحن حنة" مثل: "وعد يعد عدة" (بكسر الحاء وفتح النون) . وقال الأزهري: ليست من كلام العرب، إنما هي إحنة: أي حقد. وأنكر الأصمعي"حنة"، وحكى عنه أبو نصر أنه قال: "كنا نظن الطرماح شيئًا حتى قال: وَأَكرَهُ أنْ يَعِيبَ عَلَيَّ قَوْمِي ... ِجَائِي الأَرْذَلِينَ ذَوِي الحِنَاتِ

لأنها إحنة وإحن، ولا يقال حنات" (ديوان الطرماح: ١٣٤) . وقال الزمخشري في الفائق (أحن) : "أما ما حكى عن الأصمعى. . . فاسترذال منه! "وحن"، وقضاء على الهمزة بالأصالة، أو برفض الواو في الاستعمال".]]

٢١٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"لتكونوا شُهداء على الناس"، يعني بذلك. الذين استقاموا على الهُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله.

٢١٩٧- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"لتكونوا شهداء على الناس"، يقول: لتكونوا شهداء على الأمم الذين خَلَوا من قبلكم، بما جاءتهم رسلهم، وبما كذّبوهم، فقالوا يوم القيامة وعَجِبوا: إنّ أمة لم يكونوا في زماننا، فآمنوا بما جاءتْ به رسلنا، وكذبنا نحن بما جاءوا به! فعجبوا كل العجب. قوله:"ويكُون الرسولُ عليكم شهيدًا"، يعني بإيمانهم به، وبما أنزل عليه.

٢١٩٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لتكونوا شُهداء على الناس"، يعني: أنهم شَهدوا على القرون بما سمَّى الله عز وجل لَهم.

٢١٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما قوله:"لتكونوا شهداء على الناس"؟ قال: أمة محمد، شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمانُ والهدى، ممن كان قبلنا. قالها عبد الله بن كثير. قال: وقال عطاء: شهداء على مَنْ ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين، جاء ذلك أمَّةَ محمد ﷺ في كتابهم،"ويكون الرسولُ عليكمْ شهيدًا" على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم، وصَدَّقوا به.

٢٢٠٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"لتكونوا شُهداء عل الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا" قال، رسول الله ﷺ شاهدٌ على أمَّته، وهم شهداء على الأمم، وهم أحد الأشهاد الذين قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ﴾ [سورة غافر: ٥١] الأربعة: الملائكة الذين يُحصُون أعْمالنا، لنا وعلينا، وقرأ قوله: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [سورة ق: ٢١] ، وقال: هذا يوم القيامة. قال: والنبيون شُهداء على أممهم. قال: وأمة محمد ﷺ شُهداء على الأمم. قال: [والأطوار] الأجساد والجلود. [[الأثر: ٢٢٠٠- ذكره السيوطي في الدر المنثور ٥: ٣٥٢ في تفسير [سورة غافر الآية: ٥١] ، بغير هذا اللفظ، ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما. ونصه:

"عن زيد بن أسلم: الأشهاد أربعة: الملائكة الذين يحصون علينا أعمالنا، وقرأ: "وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد"، والنبيون، شهداء على أممهم، وقرأ: "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد"، وأمة محمد ﷺ، شهداء على الأمم، وقرأ: "لتكونوا شهداء على الناس"، والأجساد والجلود، وقرأ: "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الذي أنطق كل شيء".

أما ما جاء في نص الطبري، ووضعته بين قوسين، فهو خطأ لا شك فيه، وأخشى أن يكون صوابه"الأطراف والأجساد والجلود"، ويعني بالأطراف، الجوارح، يريد بذلك الأيدي والأرجل، في قوله تعالى في [سورة يس: ٦٥] : (اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتُكَلّمنَا أَيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه.

* *

والقبلة التي كان رسولُ الله ﷺ عليها، التي عناها الله بقوله:"وما جعلنا القبلة التي كنت عليها"، هي القبلة التي كنت تتوجَّه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة، كما:-

٢٢٠١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، يعني: بيت المقدس.

٢٢٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء:"وما جَعلنا القِبلة التي كنتَ عليها". قال: القِبلة بيتُ المقدس.

* *

قال أبو جعفر: وإنما ترك ذكر"الصرف عنها"، اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه، كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نَظائره. [[انظر ما سلف ١: ١٣٩-١٤١، ١٧٩، وغيرها كثير، اطلبه في الفهارس.]]

وإنما قُلنا: ذلك معناه، لأن محنةَ الله أصحابَ رسوله في القِبلة، إنما كانت -فيما تظاهرت به الأخبار- عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة، حتى ارتدَّ -فيما ذكر- رجالٌ ممن كان قد أسلمَ واتَّبع رسول الله ﷺ، وأظهرَ كثيرٌ من المنافقين =من أجل ذلك= نفاقَهم، وقالوا: ما بَالُ محمد يحوّلنا مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا! وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين وهم يصلون نحو بيت المقدس: بطلت أعمالُنا وأعمالُهم وضاعت! وقال المشركون: تحيَّر محمد [ﷺ] في دينه! فكان ذلك فتنةً للناس، وتمحيصًا للمؤمنين.

فلذلك قال جل ثناؤه:"ومَا جَعلنا القِبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عَقبيه"، أي: ومَا جعلنا صَرْفك عن القبلة التي كنت عليها، وتحويلك إلى غيرها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء: ٦٠] بمعنى: وما جعلنا خَبرَك عن الرؤيا التي أريناك. وذلك أنه لو لم يكن أخبَر القوم بما كان أُرِي، لم يكن فيه على أحد فتنةٌ، وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس، لو لم يكن صرفٌ عنها إلى الكعبة، لم يكن فيها على أحد فتنةٌ ولا محْنة.

* *

ذكر الأخبار التي رُويت في ذلك بمعنى ما قلنا:

٢٢٠٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قَال: كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتمحيصٌ. صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حوْلين قَبل قدوم نبيّ الله ﷺ، وصلى نبي الله ﷺ بعدَ قُدومه المدينةَ مهاجرًا نحو بيت المقدس سبعةَ عشر شهرًا، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس:"مَا وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها"؟ لقد اشتاق الرجُل إلى مولده! قال الله عز وجل:"قُلْ لله المشرقُ والمغربُ يَهدي مَنْ يَشاءُ إلى صراط مُستقيم". فقال أناسٌ -لما صُرفت القبلة نحو البيت الحرام-: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل:"ومَا كانَ الله ليُضيعَ إيمانكم". وقد يَبتلي الله العبادَ بما شَاءَ من أمره، الأمرَ بعدَ الأمر، ليعلم مَنْ يطيعه ممن يَعصيه، وكل ذلك مقبول، إذْ كان في [ذلك] إيمان بالله، وإخلاصٌ له، وتسليم لقضائه. [[الأثر: ٢٢٠٣- في الدر المنثور ١: ١٤٣، وقد مضى شطره في رقم: ٢١٦٣. وكان في المطبوعة: "وكل ذلك مقبول، وإذا كان في إيمان بالله. . . "، عبارة ركيكة، فجعلت"إذا"، "إذ" وزدت"ذلك": لتستقيم العبارة. أما في الدر المنثور فعبارته أشد سقمًا ونصها: "وكل ذلك مقبول، في درجات في الإيمان بالله، والإخلاص، والتسليم لقضاء الله".]]

٢٢٠٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان النبي ﷺ يُصلي قِبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبة. فلما وُجِّه قبل المسجد الحرام، [[في المطبوعة: "فلما توجه قبل المسجد"، والصواب من رقم: ٢١٦٤، والدر المنثور.]] اختلف الناس فيها، فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها؟ وقال المسلمون: ليت شعرَنا عَن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلُّون قبَلَ بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم، أوْ لا؟ وقالت اليهود: إنّ محمدًا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر! وقال المشركون من أهل مكة: تَحيَّر على محمد دينُهُ، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أنْ يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين:"سَيقول السفهاء من الناس مَا ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" إلى قوله:"وإنْ كانتْ كبيرةً إلا على الذين هَدى الله"، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها. [[الأثر: ٢٢٠٤- مضى بعضه في رقم: ٢١٦٤، وهو في الدر المنثور ١: ١٤٢-١٤٣.]]

٢٢٠٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء:"إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن ينقلبُ على عَقبيه"؟ فقال عطاء: يبتليهم، ليعلم من يُسلم لأمره. قال ابن جريج: بلغني أنّ ناسًا ممن أسلم رَجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا!

* *

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ مَا كان الله عالمًا بمن يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، إلا بعد اتباع المتّبع، وانقلاب المنقلب على عقبيه، حتى قال: ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتّبعَ رسولَ الله ﷺ من المنقلب على عقبيه؟

قيل: إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قَبل كونها، وليس قوله:"وما جعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلمَ من يتَّبع الرسول ممن يَنقلب على عَقبيه" يخبر [عن] أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجُوده. [[في المطبوعة: "يخبر أنه لم يعلم ذلك. . . "، والصواب ما أثبت، مع الزيادة بين القوسين.]]

فإن قال: فما معنى ذلك؟

قيل له: أما معناه عندنا، فإنه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رَسولي وحزبي وأوليائي مَنْ يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، فقال جل ثناؤه:"إلا لنعلم"، ومعناه: ليعلمَ رَسولي وأوليائي. إذْ كان رسول الله ﷺ وأولياؤهُ من حزبه، وكان من شَأن العرب إضافة ما فعلته أتباعُ الرئيس إلى الرئيس، ومَا فعل بهم إليه، نحو قولهم:"فتح عُمر بن الخطاب سَوادَ العراق، وجَبى خَرَاجها"، وإنما فعل ذلك أصحابه، عن سببٍ كان منه في ذلك. وكالذي رُوي في نظيره عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله جل ثناؤه: مَرضْتُ فلم يَعدني عَبدي، واستقرضته فلم يقرضني، وشتمني ولم يَنبغِ له أن يُشتمني.

٢٢٠٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قالَ الله: استقرضتُ عَبدي فلم يُقرضني، وشتمني ولم يَنبغ له أن يشتُمني! يقول: وادَهراه! وأنا الدهر، أنا الدهر.

٢٢٠٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الحديثان: ٢٢٠٦، ٢٢٠٧- هما حديث واحد بإسنادين صحيحين.

خالد- في أولهما: هو خالد بن مخلد القطواني، بفتح القاف والطاء. وهو ثقة من شيوخ البخاري، أخرج له هو ومسلم في الصحيحين، تكلم فيه من جهة إفراطه في التشيع، ولكنه صدوق في الرواية. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢/١/١٦٠، وابن سعد ٦: ٢٨٣، وابن أبي حاتم ١/٢/٣٥٤. وشيخه محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي: ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك ١: ٤١٨، من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، بالإسناد الثاني، بنحوه. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

والنهي عن سب الدهر، في الحديث القدسي، من حديث أبي هريرة-: ثابت من أوجه، في الصحيحين وغيرهما. فانظر المسند: ٧٢٤٤، ٧٥٠٩. والبخاري ٨: ٤٤١، و ١٠: ٤٦٥، و ١٣: ٣٨٩. وصحيح مسلم ٢: ١٩٦-١٩٧.]]

* *

فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه، وقد كان ذلك بغيره، إذ كان ذلك عن سببه.

وقد حكي عن العرب سماعًا:"أجوع في غَيْر بَطني، وأعرى في غير ظهْري"، بمعنى: جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم،

فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: يعلم أوليائي وحزبي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وما جَعلنا القبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"، قال ابن عباس: لنميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة.

* *

وقال بعضهم: إنما قيل ذلك، من أجل أن العرَب تَضع"العلم" مكان"الرؤية"، و"الرؤية" مكان"العلم"، كما قَال جلّ ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [سورة الفيل: ١] ، فزعم أن معنى"ألم تر"، ألم تعلم؟ وزعم أن معنى قوله:"إلا لنعلم"، بمعنى: إلا لنرى من يتبع الرسول. وزعم أنّ قول القائل:"رأيتُ، وعَلمت، وشَهدت"، حروفٌ تتعاقب، فيوضَع بعضها موضع بعض، كما قال جرير بن عطية

كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا ... وَعَمْرَو بن عَمْرٍو إذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ [[ديوانه: ٥٦٣، والنقائض: ٤٠٩، من قصيدته الفالقة، في نقض قصيدة الفرزدق. وقد عدد فيها أيام قومه. والخطاب في قوله: "كأنك" للفرزدق، ويذكر"يوم جبلة"، وهو من أعظم أيامهم، وكان قبل الإسلام بأربعين سنة، عام ولد النبي ﷺ، وهو لعامر وعبس، على ذبيان وتميم. وقتل يومئذ لقيط بن زرارة، وأسر حاجب بن زرارة، وأسر عمرو بن عمرو بن عدس، وهم من بني عبد الله بن دارم، وهم عمومة الفرزذق، وهو من بني مجاشع بن دارم.

ورواية الديوان والنقائض: "إذا دعوا"، وكلتاهما صحيحة المعنى.]]

بمعنى: كأنك لم تعلم لَقيطًا، لأنّ بين هُلْك لَقيط وحاجب وزمان جرير، ما لا يخفى بُعده من المدة. وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجريرٌ كان بعد بُرْهة مَضَت من مجيء الإسلام.

* *

قال أبو جعفر: وهذا تأويل بعيدٌ، من أجل أنّ"الرؤية"، وإن استعملت في موضع"العلم"، من أجل أنه مستحيلٌ أن يرى أحدٌ شيئًا، فلا توجب رؤيته إياه علمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيح الفطرة. فجاز من الوجه الذي أثبته رؤيةً، أن يُضَاف إليه إثباتُهُ إياه علمًا، [[أثبت الشيء: عرفه حق المعرفة.]] وصحّ أن يدلّ بذكر"الرؤية" على معنى"العلم" من أجل ذلك. فليس ذلك، وإن كان [جائزا] في الرؤية -لما وصفنا- بجائز في العلم، [[الزيادة بين القوسين، لا بد للسياق منها، وإلا اختل الكلام.]] فيدلّ بذكر الخبر عن"العلم" على"الرؤية". لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها، ويستحيل أن يَرَى شيئًا إلا علمه، كما قد قدمنا البيان [عنه] . [[زيادة يقتضيها سياقه.]] مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال:"علمت كذا"، بمعنى رأيته. وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد ﷺ منَ الكلام، إلى ما كان موجودًا مثله في كلام العرب، دون ما لم يكن موجودًا في كلامها. فموجود في كلامها"رأيت" بمعنى: علمت، وغير موجود في كلامها"علمت" بمعنى: رأيت، فيجوز توجيه:"إلا لنعلم" إلى معنى: إلا لنرى.

* *

وقال آخرون: إنما قيل:"إلا لنعلم"، من أجل أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفر بالله، أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يَعلم الشيءَ قبل كونه. وقالوا - إذ قيل لهم: إن قومَا من أهل القبلة سيرتدُّون على أعقابهم، إذا حُوِّلت قبلة محمد ﷺ إلى الكعبة-: ذلك غير كائن! أو قالوا: ذلك باطل! فلما فَعل الله ذلك، وحوَّل القبلة، وكفر من أجل ذلك من كفر، قال الله جل ثناؤه: ما فعلتُ إلا لنعلم ما علمه غَيركم- أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه-: أنّي عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد. [[كان في المطبوعة: "إلا لنعلم ما عندكم. . . " وهذا يجعل الجملة غير مستقيمة، غير مفهومة المعنى. ورأيت أن سياق الكلام قبله يدل على أن ذلك كما أثبت، فإن المؤمنين علموا أن قومًا سيرتدون إذا حولت القبلة، وأنكر اليهود والمنافقون أن يكون ذلك كائنًا. فاقتضى السياق أن يكون التأويل جامعًا لهذا العلم من هؤلاء، وذلك الإنكار من أولئك. ثم جاء الطبري بعبارة تصحح ما ذهبت إليه في قوله: "إلا لنبين لكم أننا نعلم". فكأن معنى الآية عند قائل هذا القول: ما جعلنا القبلة التي كنت عليها، وإلا للعلم بأننا نعلم من يتبع الرسول. . .]]

فكأن معنى قائلي هذا القول في تأويل قوله:"إلا لنعلم": إلا لنبيّن لكم أنّا نعلمُ من يَتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه. وهذا وإن كان وَجهًا له مَخرج، فبعيدٌ من المفهوم.

* *

وقال آخرون: إنما قيل:"إلا لنعلم"، وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال، على وجه الترفّق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، [[في المطبوعة: "على وجه الترفيق بعباده"، وهو خطأ.]] كما قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [[كان في الأصل: "قل الله" أول الآية المستشهد بها، فآثرت إتمامها.]] [سورة سبأ: ٢٤] ، وقد علم أنه على هدى، وأنهم على ضلال مبين، ولكنه رَفقَ بهم في الخطاب، فلم يقل: أنّا على هدى، وأنتم على ضلال. فكذلك قوله:"إلا لنعلم"، معناه عندهم: إلا لتعلموا أنتم، إذ كنتم جُهالا به قبل أن يكونَ. فأضاف العلم إلى نفسه، رفقًا بخطابهم.

* *

وقد بيَّنا القول الذي هو أوْلى في ذلك بالحقّ.

* *

وأما قوله:"مَنْ يتَّبع الرسول". فإنه يعني: الذي يتبع محمدًا ﷺ فيما يأمره الله به، فيوجِّه نحو الوَجه الذي يتوَجَّه نحوه محمد ﷺ.

* *

وأما قوله:"ممن يَنقلب على عَقبيه"، فإنه يعني: من الذي يرتدُّ عن دينه، فينافق، أو يكفر، أو مخالف محمدًا ﷺ في ذلك، ممن يظهر اتِّباعه، كما:-

٢٢٠٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وما جَعلنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه" قال، مَنْ إذا دخلتْه شُبهة رجع عن الله، وانقلب كافرًا على عَقبيه.

* *

وأصل"المرتد على عقبيه"، هو:"المنقلب على عقبيه"، الراجع مستدبرًا في الطريق الذي قد كان قطعه، منصرفًا عنه. فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه، من دين أو خير. ومن ذلك قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [سورة الكهف: ٦٤] ، بمعنى: رَجعا في الطريق الذي كانا سَلكاه، وإنما قيل للمرتد:"مرتد"، لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها.

وإنما قيل:"رجع عَلى عقبيه"، لرجوعه دُبُرًا على عَقبه، إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل مَرْجعه عنه. فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرًا وآخذٍ آخرَ غيره، إذا انصرف عما كان فيه، إلى الذي كان له تاركًا فأخذه. فقيل:"ارتد فلان على عَقِبه، وانقلب على عَقبيه".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت"كبيرة إلا على الذين هَدى الله".

فقال بعضهم: عنى جل ثناؤه ب"الكبيرة"، التوليةُ من بيت المقدس شطرَ المسجد الحرام والتحويلُ. وإنما أنَّث"الكبيرة"، لتأنيث"التولية".

ذكر من قال ذلك:

٢٢١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال الله:"وإن كانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله"، يعني: تحويلَها.

٢٢١١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله" قال، ما أمِروا به من التحوُّل إلى الكعبة من بيت المقدس.

٢٢١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢٢١٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لكبيرة إلا على الذين هَدى الله" قال، كبيرة، حين حُولت القبلة إلى المسجد الحرام، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدى الله.

* *

وقال آخرون: بل"الكبيرة"، هي القبلة بعينها التي كان ﷺ يتوجَّه إليها من بيت المقدس قبلَ التحويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٢١٤- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية:"وإن كانت لكبيرة"، أي: قبلةُ بيت المقدس -"إلا على الذين هدى الله". [[في المطبوعة: "عن أبيه عن أبي العالية"، بإسقاط"عن الربيع"، وهو إسناد دائر في الطبري، أقربه رقم: ١٨٨٦.]]

وقال بعضهم: بل"الكبيرة" هي الصلاة التي كانوا يصلّونها إلى القبلة الأولى.

ذكر من قال ذلك:

٢٢١٥- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله" قال، صلاتكم حتى يهديَكم اللهُ عز وجل القِبلةَ. [[الأثر: ٢٢١٥- سيأتي تامًا برقم: ٢٢١٧، وفيه"يهديكم إلى القبلة"، وهما صواب.]]

٢٢١٦- وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لَكبيرة" قال، صلاتك هاهنا -يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا- وانحرافُك هاهنا

* *

وقال بعض نحويي البصرة: أنِّثت"الكبيرة" لتأنيث القبلة، وإياها عنى جل ثناؤه بقوله:"وإن كانت لكبيرة".

وقال بعض نحويي الكوفة: بل أنثت"الكبيرة" لتأنيث التولية والتحويلة

فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة: وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنتَ عليها وتوليتُناك عنها، إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت تحويلتُنا إياك عنها وتوليتُناكَ"لكبيرة إلا على الذين هدى الله".

* *

وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب. لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي ﷺ وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم. إلا أن يوجِّه موجِّه تأنيث"الكبيرة" إلى"القبلة"، ويقول: اجتُزئ بذكر"القبلة" من ذكر"التولية والتحويلة"، لدلالة الكلام على معنى ذلك، كما قد وصفنا لك في نظائره. [[انظر ما سلف في فهارس الأجزاء الماضية.]] فيكون ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.

* *

ومعنى قوله:"كبيرة"، عظيمة، [[انظر تفسير"كبيرة" فيما سلف ٢: ١٥.]] . كما:-

٢٢١٧- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن كانت لكبيرة إلا عَلى الذين هدى الله" قال، كبيرة في صدور الناس، فيما يدخل الشيطانُ به ابنَ آدم. قال: ما لهم صلُّوا إلى هاهنا ستةَ عشر شهرًا ثم انحرفوا! فكبُر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين، فقالوا: أيّ شيء هذا الدين؟ وأما الذين آمنوا، فثبَّت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم، وقرأ قول الله"وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله" قال، صَلاتكم حَتى يهديكم إلى القبلة. [[الأثر: ٢٢١٧- انظر ما سلف رقم: ٢١١٥، والتعليق عليه.]]

* *

قال أبو جعفر: وأما قوله:"إلا على الذين هَدى الله"، فإنه يعني به:

وإن كان تقليبَتُناك عن القبلة التي كنتَ عليها، لعظيمة إلا على من وّفَّقه الله جل ثناؤه، فهداهُ لتصديقك والإيمان بك وبذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك، كما:-

٢٢١٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله"، يقول: إلا على الخاشعين، يعني المصدِّقين بما أنزل الله تبارك وتعالى. [[الأثر ٢٢١٨- أخشى أن يكون هذا الأثر، هو نفس الأثر السالف برقم: ٨٥٦.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: قيل: عنى ب"الإيمان"، في هذا الموضع: الصلاةَ.

* *

ذكر الأخبار التي رُويت بذلك، وذكر قول من قاله:

٢٢١٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وعبيد الله -وحدثنا سفيان بن وكيع قال حدثنا عبيد الله بن موسى- جميعًا، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال، لما وُجِّه رَسوله الله ﷺ إلى الكعبة قالوا: كيف بمن ماتَ من إخواننا قبل ذلك، وهم يصلون نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله جل ثناؤه:"وما كانَ الله ليضيعَ إيمانكم". [[الحديث: ٢٢١٩- هو بإسنادين معًا: أولهما صحيح، وهو رواية أبي كريب، عن وكيع وعبيد الله بن موسى. وثانيهما ضعيف، وهو رواية سفيان بن وكيع عن عبيد الله بن موسى.

وعبيد الله بن موسى العبسي: مضى في ٢٠٩٢.

والحديث رواه أحمد في المسند: ٣٢٤٩، عن وكيع، عن إسرائيل، بهذا الإسناد، نحوه. ورواه أيضًا مطولا ومختصرًا، من طرق عن إسرائيل: ٢٦٩١، ٢٧٧٦، ٢٩٦٦. وخرجناه هناك في: ٢٦٩١.]]

٢٢٢٠- حدثني إسماعيل بن موسى قال، أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء في قول الله عز وجل:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم نحوَ بَيت المقدس.

٢٢٢١- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء نحوه. [[الحديثان: ٢٢٢٠-٢٢٢١- هما حديث واحد بإسنادين.

وذكره السيوطي ١: ١٤٦، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]]

٢٢٢٢- وحدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن محمد بن نفيل الحرّاني قال، حدثنا زهير قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: مات على القبلة قبلَ أن تحوّل إلى البيت رجالٌ وقُتلوا، فلم ندر ما نَقول فيهم. فأنزل الله تعالى ذكره:"وما كان الله ليُضيع إيمانكم". [[الحديث: ٢٢٢٢- عبد الله بن محمد بن نفيل: هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، أبو جعفر النفيلي الحراني، الثقة المأمون الحافظ. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٢/٢/١٥٩.

زهير: هو ابن معاوية الجعفي أبو خيثمة. مضى: ٢١٤٤. وأبو إسحاق: هو السبيعي الهمداني. والحديث هو باقي الحديث الماضي لهذا الإسناد: ٢١٥٣. وقد بينا تخريجه هناك.]]

٢٢٢٣- حدثنا بشر بن معاذ العقدي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، قال أناسٌ من الناس -لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام-: كيف بأعمالنا التي كنا نَعملُ في قبلتنا؟ فأنزل الله جل ثناؤه:"وما كان الله ليضيع إيمانكم".

٢٢٢٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما وُجِّه رسول الله ﷺ قبَل المسجد الحرام، [[في المطبوعة: "لما توجه. . . "، وانظر ما سلف رقم: ٢٢٠٤، والتعليق عليه.]] قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أم لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة وهذه طاعة. [[الأثر: ٢٢٢٤- مضى برقم: ٢١٦٤، ثم: ٢٢٠٤، وفيه هنا زيادة.]]

٢٢٢٥- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: قال ناسٌ -لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام-: كيف بأعمالنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"وما كانَ الله ليضيع إيمانكم" الآية.

٢٢٢٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم قال، لما صُرف رسولُ الله ﷺ إلى الكعبة، قال المسلمون: هَلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس! فنزلت:"وما كان الله ليضيع إيمانكم".

٢٢٢٧- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"، يقول: صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم.

٢٢٢٨- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وما كان الله ليضيع إيمانكم"، صلاتكم.

٢٢٢٩- حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري قال، أخبرنا المؤمل قال، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية:"وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم نحو بيت المقدس.

* *

قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على أن"الإيمان" التصديق. وأن التصديقَ قد يكون بالقول وحده، وبالفعل وحده، وبهما جميعًا. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٤-٢٣٥، وغيره، فالتمسه في فهرس اللغة.]]

فمعنى قوله:"وما كان الله ليُضيع إيمانكم" -على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة-: وما كان الله ليُضيع تصديقَ رَسوله عليه السلام، بصَلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي، واتِّباعًا لأمْري، وطاعةً منكم لي.

* *

قال:"وإضاعته إياه" جل ثناؤه -لو أضاعه-: تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعًا، ويصير باطلا كهيئة"إضاعة الرجل ماله"، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل.

* *

فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة، فلا يُثيبه عليه، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله.

* *

فإن قال قائل: وكيفَ قال الله جل ثناؤه:"وما كان الله ليُضيع إيمانكم"، فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين، والقومُ المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية؟

قيل: إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفقين من حُبُوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة، وظنّوا أنّ عملهم ذلك قد بطلَ وذهب ضياعًا؟ فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ، فوجّه الخطاب بها إلى الأحياء ودخل فيهم الموتى منهم. لأن من شأن العرب -إذا اجتمع في الخبر المخاطبُ والغائبُ- أن يغلبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب. فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر:"فعلنا بكما وصنعنا بكما"، كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران، ولا يستجيزون أن يقولوا:"فعلنا بهما"، وهم يخاطبون أحدهما، فيردّوا المخاطب إلى عِدَاد الغَيَب. [[الغيب (بفتحتين) جمع غائب، مثل خادم وخدم.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: ويعني بقوله جل ثناؤه:"إنّ الله بالناس لَرَءوفٌ رحيمٌ": أن الله بجميع عباده ذُو رأفة.

* *

و"الرأفة"، أعلى مَعاني الرحمة، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة.

* *

وأما"الرحيم": فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ١: ١٢٦-١٣٤.]]

* *

وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أنّ الله عز وجل أرْحمُ بعباده منْ أن يُضيع لهم طاعةً أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم -أيْ ولا تأسوا عَلى مَوْتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس-، فإني لهم =على طاعتهم إياي بصَلاتهم التي صلوها كذلك= مثيبٌ، لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي؛ ولا تحزنوا عليهم، فإني غيرُ مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة، لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم، وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله.

* *

وفي"الرءوف" لغات. إحداها"رَؤُف" على مثال"فَعُل"، كما قال الوليد بن عقبة:

وَشرُّ الطالِبِينَ -وَلا تَكُنْه- ... بقَاتِلِ عَمِّه، الرَّؤُفُ الرَّحِيم [[كان في المطبوعة: "الرءوف الرحيما". وجاء على الصواب في القرطبي ٢: ١٤٥، وأبي حيان ١: ٤٢٧، وفيهما خطأ آخر، الأول فيه"يقاتل"، والثاني"يقابل"، وكأن هذا البيت من شعر الوليد بن عقبة، الذي كتب به إلى معاوية يحض معاوية على قتال علي رضي الله عنهما. وهي في أنساب الأشراف: ١٤٠، وتاريخ الطبري ٥: ٢٣٦-٢٣٧، وحماسة البحتري: ٣٠، واللسان (حلم) وغيرها، وليس فيها هذا البيت، وكأنه قبل البيت الذي يقول فيه: لَكَ الْوَيْلاتُ! أَقْحِمْهَا عَلَيْهِمْ ... فخيرُ الطَّالبي التِّرَةِ الغَشُومُ

وقوله: "لا تكنه"، دعاء له، واستنكار أن يكون كهذا الطالب الثائر الذي يطالب بدم عمه، وهو رؤوف رحيم بعدوه وقاتل عمه، وهو شر طالب ثأر.]] وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة. والأخرى"رَؤوف" على مثال"فعول"، وهي قراءة عامة قراء المدينة، و"رَئِف"، وهي لغة غطفان، على مثال"فَعِل" مثل حَذِر. و"رَأْف" على مثال"فَعْل" بجزم العين، وهي لغة لبني أسد.

والقراءة على أحد الوجهين الأوَّلين.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.

* *

ويعني: ب"التقلب"، التحوُّل والتصرُّف.

ويعني بقوله:"في السماء"، نحو السماء وقِبَلها.

* *

وإنما قيل له ذلك ﷺ -فيما بلغنا- لأنه كان =قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة= يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:-

٢٢٣٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء" قال، كان ﷺ يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.

٢٢٣١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء"، فكان نبي الله ﷺ يُصلّي نحو بيتَ المقدس، يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام، فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.

٢٢٣٢- حدثنا المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء"، يقول: نَظرَك في السماء. وكان النبي ﷺ يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام، فولاه الله قبلةً كان يهواها.

٢٢٣٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس، فلما قَدِم النبي ﷺ المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره، كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر، وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ. فكان النبي ﷺ يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنزل الله جل ثناؤه:"قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء" الآية.

* *

ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان ﷺ يهوى قبلة الكعبة.

قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس، من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!

ذكر من قال ذلك:

٢٢٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا! فكان يدعو الله جل ثناؤه، ويَستفرض للقبلة، [[في المطبوعة: "يستعرض للقبلة"، وأثبت ما في الدر المنثور ١: ١٤٧ وقوله: "يستفرض" أي يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين. وهذا ما لم تشبه كتب اللغة، ولكنه صحيح العربية. أما قوله: "يستعرض للقبلة"، فليست بشيء.]] فنزلت:"قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام"، -وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا! - في صلاة الظهر، [[سياق عبارته: "فنزلت. . . في صلاة الظهر".]] . فجعل الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال.

٢٢٣٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته -يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ:"فأينما تولوا فثمَّ وجه الله". قال: فقال رسول الله ﷺ:" هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه! فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرًا، فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! [[في المطبوعة: "ما درى محمد ﷺ"، ولا تقوله يهود، فرفعته. وكذلك جاء في رقم: ١٨٣٨.]] فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله جل ثناؤه:"قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام" الآية. [[الأثر: ٢٢٣٥- مضى برقم: ١٨٣٨.]]

* *

وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس. ففرحت اليهودُ. فاستقبلها رسول الله ﷺ ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يُحب قبلةَ إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله عز وجل:"قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء" الآية. [[الأثر: ٢٢٣٦- مضى برقم: ١٨٣٣، ورقم: ٢١٦٠.]]

* *

فأما قوله:"فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها"، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة"ترضاها": تَهواها وتُحبها. [[انظر معاني"ولى" فيما سلف ٢: ١٦٢، ٥٣٥، وهذا الجزء ٣: ١٣١.]]

* *

وأما قوله:"فوَلِّ وجهك"، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.

* *

وقوله:"شَطرَ المسجد الحَرَام"، يعني: ب"الشطر"، النحوَ والقصدَ والتّلقاء، كما قال الهذلي: [[هو قيس بن العيزارة الهذلي. والعيزارة أمه، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل.]]

إنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ [[ديوانه في أشعار الهذليين للسكري: ٢٦١ (أوربة) ، ورسالة الشافعي: ٣٥، ٤٨٧، وسيرة ابن هشام ٢: ٢٠٠، والكامل ١: ١٢، ٢: ٣ ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠، واللسان (شطر) (حسر) ، وغيرها. ورواية الشافعي في الرسالة: "إن العسيب" بالباء في آخره، ورواية ديوانه وابن هشام: "إن النعوس". والعسير: التي تعسر بذنبها إذا حملت، من شراستها. والنعوس: التي تغمض عينيها عند الحلب. والعسيب: جريد النخل إذا كشط عنه خوصه. وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة، وإنما هو اسم ناقته. وكلها صالح أن يكون اسما للناقة. وقد قال ابن هشام: "النعوس: ناقته، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله: "وهو حسير". ويروى: "داء يخامرها فنحوها. . . "، ورواية ديوانه"مخزور". ومحسور، هو الحسير: الذي قد أعيى وكل. ومخزور: من قولهم: "خزر بصره": إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه. وهو يصف ناقته، ويذكر حزنه وحبه لها، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل.]]

يعني بقوله:"شَطْرَها"، نحوها. وكما قال ابن أحمر:

تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ، ... قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا [[سيرة ابن هشام ٢: ١٩٩، والروض الأنف ٢: ٣٨، والخزانة ٣: ٣٨، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٦٠. وفي المطبوعة: "من إنفادها"، وهو خطأ. وقال: قبله: أَنْشَأتُ أَسْأَلُه عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ ... فقال: حَيَّ، فَإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا

حي: اعجل. ونصب: جد في السير: وقوله: "جمع"، هي مزدلفة، يريد الحج. وقوله: عاقدة، أي: قد عطفت ذنبها بين فخذيها. وقوله: كارب، أي أوشك وكاد وقارب ودنا. وأوفدت الناقة إيفادًا: أسرعت. والحقب: الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير. يقول: قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب. والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها، يقول المخبل السعدي: وإذَ رَفَعْتُ السَّوْطَ، أفْزَعَهَا ... تَحْتَ الضُّلُوعِ مُرَوِّعٌ شَهْمُ

وتَسُدُّ حَاذَيْهَا بِذِي خُصَلٍ ... عُقِمَتْ فناعَمَ، نَبْتَهُ العُقْمُ

ويقول المثقب العبدي، يصف ناقته مسرعة: تَسُدُّ بِدَائِمِ الخَطَرَانِ جَثْلٍ ... خَوايَةَ فَرْجِ مِقْلاَتٍ دَهِينِ]]

* *

ءوبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٣٧- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية:"شَطْرَ المسجد الحَرَام"، يعني: تلقاءه.

٢٢٣٨- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:"شطر المسجد الحرام"، نحوَه.

٢٢٣٩- حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:"فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام"، نَحوَه.

٢٢٤٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٢٢٤١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة:"فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام"، أي تلقاءَ المسجد الحرام.

٢٢٤٢- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام" قال، نحو المسجد الحرام.

٢٢٤٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام"، أي تلقاءَه.

٢٢٤٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال:"شطرَه"، نحوَه.

٢٢٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن البراء:"فولوا وجُوهكم شَطره" قال، قِبَله.

٢٢٤٦- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"شَطْره"، ناحيته، جانبه. قال: وجوانبه:"شُطوره". [[الخبر: ٢٢٤٦- هو وما قبله من الأخبار، في تفسير (شطره) بأنه: قبله، أو: نحوه. وانظر مؤيدًا ذلك، ما قاله الشافعي في الرسالة، بتحقيقنا: ١٠٥-١١١، ١٣٧٨-١٣٨١.]]

* *

ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه ﷺ أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.

فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي ﷺ، وعناها الله تعالى ذكره بقوله:"فلنولينَّك قبلة تَرْضاها"، حيالَ ميزاب الكعبة.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٤٧- حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة، عن عبد الله بن عمرو:"فلنولينَّك قبلة ترضاها"، حيالَ ميزاب الكعبة. [[الحديث: ٢٢٤٧- عبد الله بن أبي زياد، شيخ الطبري: نسب إلى جده. وهو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني"، واسم"أبي زياد": "سليمان". وعبد الله هذا: ثقة، روى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨.

وشيخه"عثمان": ما أدري من هو؟ وأغلب الظن أنه محرف، وصوابه"عفان".

يحيى بن قمطة: تابعي ثقة، ترجمه البخاري في الكبير ٤/٢/٢٢٩، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٨١، وذكر أنه حجازي، ولم يذكرا فيه جرحًا. وذكر البخاري أنه يروي"عن ابن عمر". وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي"عن عبد الله بن عمرو". وذكره ابن حبان في الثقات، ص: ٣٧١، وقال: "يروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو". روى عنه يعلى بن عطاء.

واسم أبيه: "قمطة" بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة. ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف. لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة. ووقع في ابن كثير والمستدرك"قطة" بدون الميم. وهو خطأ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٩، من طريق مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بهذا الإسناد، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.]]

٢٢٤٨- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، وتلا هذه الآية:"فلنولينك قِبلة ترضاها" قال، هذه القبلة، هي هذه القبلة.

٢٢٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم -بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه:"فلنولينك قبلة تَرضاها". [[الحديثان: ٢٢٤٨، ٢٢٤٩- وهذان إسنادان آخران للحديث قبلهما. وأولهما من رواية عبد الرزاق، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء.

وهشيم- بالتصغير: هو ابن بشير، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة. وهو أبو معاوية بن أبي خازم، وهو حافظ ثقة ثبت. مترجم في التهذيب. والكبير ٤/٢/٢٤٢، وابن سعد ٧/٢/٦١، ٧٠. وابن أبي حاتم ٤/٢/١١٥-١١٦. وتذكرة الحفاظ ١: ٢٢٩-٢٣٠.

والحديث في تفسير عبد الرزاق، ص: ١٣، بهذا الإسناد. وليس فيه كلمة"هي" المزادة هنا بعد قوله: "هذه القبلة". وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة.

وذكر ابن كثير ١: ٣٥٢، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم"عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء". ووقع اسم"هشيم" فيه محرفًا، فيصحح من هذا الموضع.

والحديث في الدر المنثور أيضًا ١: ١٤٧، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأحمد بن منيع في مسنده، وابن المنذر، والطبراني في الكبير. وهو في مجمع الزوائد ٦: ٣١٦، وقال: "رواه الطبراني من طريقين، ورجال إحداهما ثقات".]]

* *

وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ، وقبلةُ البيت الباب.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٥٠- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: البيت كله قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب. [[الخبر: ٢٢٥٠- نقله السيوطي ١: ١٤٧، عن الطبري وحده، بلفظ: "البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب".]]

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه:"فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام"، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ. وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه، كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه، وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره، بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام. فكذلك حكمُ القبلة، وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها. فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها، أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما:

٢٢٥١- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي، عن علي:"فول وجهك شطر المسجد الحرام" قال، شطُره، قبله. [[الحديث: ٢٢٥١- أبو إسحاق: هو السبيعي الهمداني.

عميرة -بفتح العين- بن زياد الكندي: تابعي ثقة، ترجمه ابن سعد في الطبقات ٦: ١٤١، وقال: "روى عن عبد الله". أراد بذلك عبد الله بن مسعود. وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٦٩. وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٤. ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا رواية عن غير ابن مسعود. وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٩، من طريق محمد بن كثير، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي إسحاق بهذا الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج ٢ ص ٣، عن الحاكم.

وذكره السيوطي ١: ١٤٧، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدينوري في المجالسة.

وذكره ابن كثير ١: ٢٦٨، نقلا عن الحاكم.

ولفظه عندهم جميعًا: "قال: شطره قبله"، كما أثبتنا. ووقع في المطبوعة هنا: "قال: شطره فينا قبلة"!! وهو خطأ سخيف، من ناسخ أو طابع.

ووقع في الإسناد في ابن كثير"محمد بن إسحاق" بدل"أبي إسحاق". وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا، وما ثبت في سائر المراجع.

ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي -المطبوع والمخطوط-"عمير بن زياد". وهو خطأ أيضًا. وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم.]]

* *

قال أبو جعفر: وقبلةُ البيت: بابه، كما:-

٢٢٥٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله ﷺ حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ، هذه القبلة. [[الحديث: ٢٢٥٢- الفضل بن الصباح البغدادي: ثقة، وثقه ابن معين. وقال أبو القاسم البغوي: "كان من خيار عباد الله". مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣/٢/٦٣.

عبد الملك: هو ابن أبي سليمان العرزمي، مضى في: ١٤٥٥.

عطاء: هو ابن أبي رباح، التابعي الكبير، الإمام الحجة، القدوة العلم، مفتي أهل مكة ومحدثهم. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣/١/٣٣٠-٣٣١. وتذكرة الحفاظ ١: ٩٢: ٩٣، وتاريخ الإسلام ٤: ٢٧٨-٢٨٠، وابن سعد ٢/٢/١٣٣-١٣٤، و ٥: ٣٤٤-٣٤٦.

أسامة بن زيد بن حارثة: هو حب رسول الله ﷺ وابن حبه.

وقد زعم أبو حاتم -فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل: ص: ٥٧- أن عطاء لم يسمع من أسامة. ولكن الرواية التالية لهذه، فيها تصريح عطاء بالسماع منه. ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث.

وعطاء ولد سنة ٢٧ ومات سنة ١١٤. بل ذكر الذهبي أنه مات عن ٩٠ سنة. وأسامة بن زيد مات سنة ٥٤. بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة ٥٨ أو ٥٩.

وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢٠٩) ، عن هشيم، بهذا الإسناد واللفظ. ثم رواه عقبه، بالإسناد نفسه مطولا، بنحوه.]]

٢٢٥٣- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي ﷺ من البيت، فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة، فقال: هذه القبلةُ مرتين. [[الحديث: ٢٢٥٣- ابن حميد: هو محمد بن حميد بن حيان الرازي الحافظ. سبقت رواية الطبري عنه مرارًا كثيرة، ووثقناه في ٢٠٢٨. ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره. وأنكروا عليه أحاديث، وأجاب عنه ابن معين بأن"هذه الأحاديث التي يحدث بها، ليس هو من قبله، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم". وقال الخليلي: "كان حافظًا عالمًا بهذا الشأن، رضيه أحمد ويحيى". وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه، فقال: أما حديثه عن ابن المبارك وجرير، فصحيح، وأما حديثه عن أهل الري، فهو أعلم". مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/٦٩-٧٠، وابن أبي حاتم ٣/٢/٢٣٢-٢٣٣، والخطيب ٢: ٢٥٩-٢٦٤، وتذكرة الحفاظ ٢: ٦٧-٦٩.

جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي، وهو ثقة حجة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٢١٤، وابن سعد ٧/٢/١١٠. وابن أبي حاتم ١/١/٥٠٥-٥٠٧، والخطيب ٧: ٢٥٣-٢٦١، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٥٠.

فهذا إسناد صحيح، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد، كما أشرفا في الإسناد السابق.

والحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢١٠ ح) ، ضمن قصة، عن يحيى -وهو القطان- عن عبد الملك"حدثنا عطاء، عن أسامة بن زيد".]]

٢٢٥٤- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ نحوه. [[الحديث: ٢٢٥٤- عبد الرحيم بن سليمان: هو المروزي الأشل، مضت ترجمته: ٢٠٣٠. والحديث تكرار لسابقه، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة.]]

٢٢٥٥- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله. قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله، ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله ﷺ لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة. [[الحديث ٢٢٥٥- سعيد بن يحيى بن سعيد، الأموي: ثقة ثبت، بل قال علي بن المديني: "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم. . . وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: أثبت من أبيه". وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم، مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤٧٧، وابن أبي حاتم ٢/١/٧٤، والخطيب ٩: ٩٠-٩١. أبوه، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص: حافظ ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٧٧، وابن سعد ٦: ٢٧٧-٢٧٨، و ٧/٢/٨٠-٨١. وابن أبي حاتم ٤/٢/١٥١-١٥٢، والخطيب ١٤: ١٣٢-١٣٥، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٩٨.

والحديث رواه أحمد في المسند (٥: ٢٠٨ح) ، عن عبد الرزاق، وروح - كلاهما عن ابن جريج، بهذا الإسناد نحوه.

رواه قبل ذلك (ص: ٢٠١ ح) عن عبد الرزاق وحده، مختصرًا، طوى القصة فلم يذكرها.

وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد، لأنه -هنا- إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت. فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة، من أجل هذا. ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة.

والحديث رواه أيضًا مسلم ١: ٣٧٦-٣٧٧، من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، بهذا الإسناد، نحو هذه القصة، أطول منها قليلا.

ورواه البخاري ١: ٤٢٠- ٤٢١ (فتح الباري) ، من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، مختصرًا. لم يذكر القصة، ولم يذكر أنه عن أسامة، جعله من حديث ابن عباس. وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم، في مستخرجيهما، من طريق إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، بإسناد هذا: "فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد". قال الحافظ: "وهو الأرجح".

والخلاف في أن رسول الله ﷺ صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين. والراجح صلاته فيها. المثبت مقدم على النافي. وانظر نصب الراية ٢: ٣١٩-٣٢٢.]]

* *

قال أبو جعفر: فأخبر ﷺ أنّ البيت هو القبلة، وأن قبلة البيت بابه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.

و"الهاء" التي في"شطرَه"، عائدة إلى المسجد الحرام.

فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.

وأدخلت"الفاء" في قوله:"فولوا"، جوابًا للجزاء. وذلك أن قوله:"حيثما كنتم" جزاء، ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾

يعني بقوله جل ثناؤه:"وإنّ الذين أوتُوا الكتاب" أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.

* *

وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٥٦- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن الذين أوتوا الكتاب"، أنزل ذلك في اليهود.

* *

وقوله:"ليعلمون أنه الحق من ربهم"، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.

* *

ويعني بقوله:"من رَبِّهم" أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره، وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام، ولا هو ساه عنه، [[انظر تفسير"غافل" فيما سلف ٢: ٢٤٣-٢٤٤، ٣١٥، وهذا الجزء ٣: ١٢٧.]] ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء، ويثيبكم عليه أفضل ثواب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي"الآية"- [[انظر تفسيره"آية" فيما سلف ١: ١٠٦/٢: ٥٥٣.]] بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا -مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.

* *

قال أبو جعفر: وأجيبت"لئن" بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب"لو"، فأجيبت بما تجاب به"لو"، لتقارب معنييهما.

وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى. [[انظر ما سلف ٢: ٤٥٨، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٨٤.]] وأجيبت"لو" بجواب الأيمان. ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة، لأن الجزاء مُشابه اليمين: في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره، ولا يتمُّ وحده، ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه. فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت"اللام" الأولى بمنزلة يَمين، والثانية بمنزلة جواب لها، كما قيل:"لعمرك لتقومَنَّ" إذ كثرت"اللام" من"لعمرك"، حتى صارت كحرف من حروفه، فأجيب بما يجاب به الأيمان، إذ كانت"اللام" تنوب في الأيمان عن الأيمان، دون سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان. فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان. [[قوله: "أجوبة الأيمان لنا على الأيمان" هذه عبارة غامضة، لم أظفر لها بوجه أرتضيه، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها.]] فشبهت"اللام" التي في جواب الأيمان بالأيمان، لما وصفنا، فأجيبت بأجوبَتها.

* *

فكانَ مَعنى الكلام -إذ كان الأمر على ما وصفنا-: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.

* *

وأما قوله:"وما أنتَ بتابع قِبلتهم"، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرقَ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.

* *

وأما قوله:"وما بعضهم بتابع قبلة بعض"، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ قبلةَ النصارى، ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها، كما:-

٢٢٥٧- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وما بعضهم بتاع قبلة بعض"، يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود. قال: وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبة، قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده! ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنزل الله عز وجل فيهم:"وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم" إلى قوله:"ليكتمون الحق وهم يعلمون". [[الأثر: ٢٢٥٧- انظر ما مضى رقم: ٢٢٠٤.]]

٢٢٥٨- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض"، مثل ذلك.

* *

وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم. فقال تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، فإنه أمر لا سبيل إليه. لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم. من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى، وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود، فدع ما لا سبيل إليه، وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة، وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولئن اتبعت أهواءهم"، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك:"كونوا هُودًا أو نصارى تهتدوا"، فاتبعتَ قبلتهم - يعني: فرَجعت إلى قبلتهم.

ويعني بقوله:"من بَعد مَا جَاءك من العلم"، من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق، ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها،"إنك إذًا لمن الظالمين"، يعني: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم، المخالفين أمري، والتاركين طاعتي، وأحدُهم وفي عِدادِهم. [[السياق: من عبادي الظلمة. . . وأحدهم، وفي عدادهم".]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه"، أحبارَ اليهود وعلماء النصارى: يقول: يعرف هؤلاء الأحبارُ من اليهود، والعلماءُ من النصارى: أن البيتَ الحرام قبلتُهم وقبلة إبراهيم وقبلةُ الأنبياء قبلك، كما يعرفون أبناءَهم، كما:-

٢٢٥٩- حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يَعرفونه كما يَعرفون أبناءهم"، يقول: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلةُ.

٢٢٦٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قول الله عز وجل:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونهُ كما يعرفونَ أبناءهم"، يعني: القبلةَ.

٢٢٦١- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، عرفوا أن قِبلة البيت الحرام هي قبلتُهم التي أمِروا بها، كما عرفوا أبناءهم.

٢٢٦٢- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفونَ أبناءهم"، يعني بذلك: الكعبةَ البيتَ الحرام.

٢٢٦٣- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء، كما يعرفون أبناءهم. [[في المطبوعة: "يعرفون الكعبة من قبلة الأنبياء".]]

٢٢٦٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" قال، اليهود يعرفون أنها هي القبلة، مكة.

٢٢٦٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج في قوله:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" قال، القبلةُ والبيتُ.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وإنّ طائفةً من الذين أوتوا الكتاب -وهُمُ اليهود والنصارى. وكان مجاهد يقول: هم أهل الكتاب.

٢٢٦٦- حدثني محمد بن عمرو -يعني الباهلي- قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بذلك.

٢٢٦٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج مثله.

٢٢٦٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح مثله.

* *

قال أبو جعفر: وقوله:"ليكتمون الحق"، - وذلك الحق هو القبلة =التي وجَّه الله عز وجل إليها نبيَّه محمدًا ﷺ. يقول: فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام= التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى، فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد ﷺ وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجل محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ تبارك وتعالى، وخيانتهم عبادَه، وكتمانِهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه، وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافُه، فقال:"ليكتمونَ الحق وهم يعلمون"، أنْ لَيس لَهم كتمانه، فيتعمَّدون معصية الله تبارك وتعالى، كما:- [[من أول قوله: "كما حدثنا بشر بن معاذ"، إلى حيث نذكر في ص ٢٠٧ تعليق: ٢ موجود في ست عشرة صفحة بقيت من القسم المفقود من النسخة العتيقة.]]

٢٢٦٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة قوله:"وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهُمْ يعلمون"، فكتموا محمدًا ﷺ.

٢٢٧٠- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ليكتمون الحق وَهمْ يعلمون" قال، يكتمون محمدًا ﷺ وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

٢٢٧١- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وإنّ فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون"، يعني القبلةَ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره [[في المطبوعة: "يقول الله جل ثناؤه"، وأثبت نص المخطوطة.]] اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى.

وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه عليه السلام: [[في المطبوعة"وهذا من الله تعالى ذكره خبر"، وأثبت ما في المخطوطة.]] عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله عز وجل.

يقول تعالى ذكره له: فاعمل بالحقّ الذي أتاك من ربِّك يا محمد، ولا تَكوننَّ من الممترين.

* *

يعني بقوله:"فلا تكونن من الممترين"، أي: فلا تكونن من الشاكِّين في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي عليه السلام وقبلة الأنبياء غيره، كما:

٢٢٧٢- حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: قال الله تعالى ذكره لنبيه عليه السلام:"الحقُّ من ربك فلا تكونن من الممترين"، يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك. [[في المطبوعة: "فلا تكن في شك أنها"، بإسقاط الفاء من"فإنها".]]

٢٢٧٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"فلا تكونن من الممترين" قال، من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك.

* *

قال أبو جعفر: وإنما"الممتري" [[في المطبوعة: "والممتري"، وأثبت ما في المخطوطة.]] "مفتعل"، من"المرْية"، و"المِرْية" هي الشك، ومنه قول الأعشى:

تَدِرُّ عَلَى أَسْوُقِ المُمْتَرِينَ ... رَكْضًا، إِذَا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنّ [[ديوانه: ٢٠ واللسان (رجحن) من قصيدة سلف بيت منها في ١: ٣٤٥، ٣٤٦، يصف خيلا مغاوير لقيس بن معديكرب الكندي، أغارت على قوم مسرعة حثيثة، فبينا القوم يتمارون فيها إذا بها: - تُبَارِي الزِّجَاجَ مَغَاوِيرُهَا ... شَمَاطِيط في رَهَجٍ كالدَّخَنْ

تَدِرُّ عَلَى أسوُق. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

در الفرس يدر دريرًا ودرة: عدا عدوًا شديدًا. لا يثنيه شيء. والأسوق جمع ساق، ويجمع أيضًا على سوق وسيقان. يقول: بيناهم يتمارون إذ غشيتهم الخيل فصرعتهم، فوطئتهم وطئًا شديدًا، ومرت على سيقانهم عدوًا. وارجحن السراب: ارتفع واتسع واهتز، وذلك في وقت ارتفاع الشمس.]]

* *

ءقال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: أوَ كان النبي ﷺ شَاكَّا في أنّ الحق من رَبه، أو في أن القبلة التي وجَّهه الله إليها حق من الله تعالى ذكره، حتى نُهي عن الشك في ذلك، فقيل له:"فلا تكونن من الممترين"؟

قيل: ذلك من الكلام الذي تُخرجه العرب مخُرَج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة الأحزاب: ١] ، ثم قال: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [سورة الأحزاب: ٢] . فخرج الكلام مخرج الأمرِ للنبي ﷺ والنهيِ له، والمراد به أصحابه المؤمنون به. وقد بينا نظيرَ ذلك فيما مضى قبل بما أغنَى عن إعادته. [[انظر ما سلف ٢: ٤٨٤- ٤٨٨.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"ولكلّ"، ولكل أهل ملة، [[في المطبوعة والمخطوطة: ". . . تعالى ذكره ولكل أهل ملة"، والصواب ما أثبت.]] فحذف"أهل الملة" واكتفى بدلالة الكلام عليه، كما:-

٢٢٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"ولكلِّ وِجْهة" قال، لكل صاحب ملة.

٢٢٧٥- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"ولكلٍّ وجهة هو موليها"، فلليهوديّ وجهة هو موليها، وللنصارى وجهة هو موليها، وهداكم الله عز وجل أنتم أيها الأمَّة للقِبلة التي هي قبلة. [[في المطبوعة: " فلليهود وجهة هو موليها"، و"وللنصارى قبلة هو موليها"، والصواب من المخطوطة. وفيها أيضًا: "التي هي قبلته" وأثبت ما في المخطوطة، وهو جبد.]]

٢٢٧٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، قلت لعطاء قوله:"ولكل وجهة هو موليها" قال، لكل أهل دين، اليهودَ والنصارَى. قال ابن جريج، قال مجاهد: لكل صاحب مِلة.

٢٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولكل وجهة هو موليها" قال، لليهود قبلة، وللنصارى قبلة، ولكم قبلة. يريد المسلمين.

٢٢٧٨- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ولكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها"، يعني بذلك أهلَ الأديان: يقول: لكلٍّ قبلةٌ يرضَونها، ووجهُ الله تبارك وتعالى اسمه حيثُ تَوَجَّه المؤمنون. وذلك أن الله تعالى ذكره قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١١٥]

٢٢٧٩- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ولكلٍّ وجْهة هو موليها"، يقول: لكل قوم قبلة قد ولَّوْها.

* *

فتأويل أهل هذه المقالة في هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلةٌ هو مستقبلها، ومولٍّ وجهه إليها.

* *

وقال آخرون بما:-

٢٢٨٠- حدثنا به الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"ولكل وجهة هو موليها" قال، هي صلاتهم إلى بيت المقدس، وصلاتهم إلى الكعبة.

* *

وتأويل قائل هذه المقالة: ولكلّ ناحية وجَّهك إليها ربّك يا محمد قبلة، اللهُ عز وجل مُولِّيها عبادَه.

* *

وأما"الوِجهة"، فإنها مصدر مثل"القِعدة" و"المِشية"، من"التوجّه". وتأويلها: مُتوَجِّهٌ، يتوجَّه إليه بوَجهه في صلاته، [[في المطبوعة: "يتوجه إليها"، وأثبت ما في المخطوطة. وانظر معاني القرآن للفراء: ٩٠"وجهة".]] كما:-

٢٢٨١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وجهة" قبلةٌ.

٢٢٨٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٢٢٨٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"ولكل وجهة" قال، وَجْه.

٢٢٨٤- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وِجْهه"، قِبلة.

٢٢٨٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، قلت لمنصور:"ولكل وجْهة هو مولِّيها" قال، نحن نقرؤها، ولكلٍّ جَعلنا قِبلة يرضَوْنها. [[قوله: "نقرؤها"، لا يعني أنها قراءة في قراآت القرآن، وإنما يعني دراستها والتفقه في معانيها.]]

* *

وأما قوله:"هو مُولِّيها"، فإنه يعني هو مولٍّ وجهه إليها ومستقبلها، [[في المطبوعة: "مستقبلها" بحذف الواو، وهي جيدة.]] كما:-

٢٢٨٦- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"هو موليها" قال، هو مستقبلها.

٢٢٨٧- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* *

ومعنى"التوْلية" هاهنا الإقبال، كما يقول القائل لغيره:"انصرِف إليّ" بمعنى: أقبل إليّ."والانصراف" المستعمل، إنما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال:"انصرفَ إلى الشيء"، بمعنى: أقبل إليه منصرفًا عن غيره. وكذلك يقال:"ولَّيت عنه"، إذا أدبرت عنه. ثم يقال:"ولَّيت إليه"، بمعنى أقبلت إليه مولِّيًا عن غيره. [[انظر معنى"التولية" فيما سلف ٢: ٥٣٥، وهذا الجزء ٣: ١٧٥ وانظر أيضًا ٢: ١٦٢، ثم هذا الجزء ٣: ١١٥، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٨٥.]]

* *

والفعل -أعني"التولية"- في قوله:"هو موليها" لل"كل". و"هو" التي مع"موليها"، هو"الكل"، وحُدَّت للفظ"الكل".

* *

فمعنى الكلام إذًا: ولكل أهل مِلة وجهة، الكلُّ. منهم مولُّوها وجُوهَهم. [[في المطبوعة: "لكل منهم مولوها"، وهو كلام مختل، والصواب من المخطوطة.]]

* *

وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قرأوها:"هو مُولاها"، بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوها. ويكون"الكل" حينئذ غير مسمًّى فاعله، [[في المطبوعة: "ويكون الكلام حينئذ"، والصواب من المخطوطة.]] ولو سُمي فاعله، لكان الكلام: ولكلّ ذي ملة وجهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها، بمعنى: موجِّهه إليها.

* *

وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك:"ولكُلٍّ وِجهةٍ" بترك التنوين والإضافة. وذلك لحنٌ، ولا تجوز القراءةُ به. لأن ذلك -إذا قرئ كذلك- كان الخبرُ غير تامٍّ، وكان كلامًا لا معنى لَه. وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

* *

والصواب عندنا من القراءة في ذلك:"ولكلٍّ وِجهةٌ هُوَ مُولِّيها"، بمعنى: ولكلٍّ وجهةٌ وقبلةٌ، ذلك الكُلّ مُولّ وجهه نحوها. لإجماع الحجة من القرّاء على قراءة ذلك كذلك، وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلى غيره. وما جاءَ به النقلُ مستفيضًا فحُجة، وما انفرد به من كان جائزًا عليه السهو والغلط، [[في المطبوعة: "السهو والخطأ"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فغيرُ جائز الاعتراضُ به على الحجة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فاستبقوا"، فبادروا وسَارعوا، من"الاستباق"، وهو المبادرة والإسراع، كما:-

٢٢٨٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"فاستبقوا الخيرات"، يقول: فسارعوا في الخيرات. [[في المطبوعة: "يعني: فسارعوا"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وإنما يعني بقوله:"فاستبقوا الخيرات"، أي: قد بيّنت لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهديتكم للقِبلة التي ضلَّت عنها اليهود والنصارى وسائرُ أهل الملل غيركم، فبادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم، وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم، [[في المطبوعة: "لأخراكم"، وهما سواء في المعنى.]] فإني قد بيّنت لكم سبُل النجاة، [[في المطبوعة: "سبيل النجاة"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فلا عذر لكم في التفريط، وحافظوا على قبلتكم، فلا تضيِّعوها كما ضَيَّعتها الأمم قبلكم، [[في المطبوعة: "ولا تضيعوها كما ضيعها"، وأثبت ما في المخطوطة، وهي أجود.]] فتضلُّوا كما ضلت؛ كالذي:-

٢٢٨٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فاستبقوا الخيرات"، يقول: لا تُغلَبُنَّ على قبلتكم.

٢٢٩٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فاستبقوا الخيرات" قال، الأعمال الصالحة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) ﴾

قال أبو جعفر: ومعنى قوله:"أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا"، في أيّ مكان وبقعة تهلكون فيه، [[انظر القول في تفسير"أينما" في معاني القرآن للفراء ١: ٨٥-٨٩.]] يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير، كما:-

٢٢٩١- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أينما تكونوا يَأت بكمُ الله جميعًا"، يقول: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا يوم القيامة.

٢٢٩١م- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أينما تكونوا يَأت بكم الله جميعًا"، يعني: يومَ القيامة.

* *

قال أبو جعفر: وإنما حضَّ الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزوُّد في الدنيا للآخرة، فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالفَ قبلكم ودينكم وشريعتكم جميعًا يوم القيامة، من حيث كنتُم من بقاع الأرض، حتى يوفِّيَ المحسنَ منكم جزاءه بإحسانه، [[في المخطوطة: "حتى يؤتي المحسن منكم جزاءه"، ولا بأس بها.]] والمسيء عقابه بإساءته، أو يتفضّل فيصفح.

* *

وأما قوله:"إنّ الله على كل شيء قدير"، فإنه تعالى ذكره يعني: إنّ الله تعالى على جَمْعكم -بعد مماتكم- من قبوركم إليه، من حيث كنتم وكانت قبوركم كمن وعلى غير ذلك مما يشاء، قديرٌ. [[في المطبوعة: "من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك"، أسقط منها الناسخ.]] فبادروا خروجَ أنفسكم بالصالحات من الأعمال قبل مماتكم ليومَ بعثكم وَحشركم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ومن حيث خرجت"، ومن أيّ موضع خرَجْت إلى أي موضع وجَّهتَ، فولِّ يا محمد وَجهك - يقول: حوِّل وَجْهك. وقد دللنا على أن"التولية" في هذا الموضع شطر المسجد الحرام، إنما هي: الإقبالُ بالوجه نحوه. وقد بينا معنى"الشطر" فيما مضى. [[انظر ما سلف في"التولية" في هذا الجزء ٣: ١٩٤ تعليق: ٣، وما سلف في تفسير: "شطر" في هذا الجزء ٣: ١٧٥.]]

* *

وأما قوله:"وإنه للحق من ربك"، فإنه يعني تعالى ذكره: وإنّ التوجه شَطرَه للحق الذي لا شكّ فيه من عند ربك، فحافظوا عليه، وأطيعوا الله في توجهكم قِبَله.

* *

وأما قوله:"ومَا الله بغافل عَما تَعملون"، فإنه يقول: فإن الله تعالى ذكره لَيس بساهٍ عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها لكم، حتى يجازيكم بها يوم القيامة. [[انظر معنى"غافل" فيما سلف من هذا الجزء ٣: ١٧٤ تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"ومن حَيثُ خرجت فول وَجهك شطر المسجد الحرام": من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد، فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شَطره.

ويعني بقوله:"وحيث ما كنتم فولُّوا وُجوهكم"، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم تُجاهه وقِبَله وقَصْدَه. [[في المخطوطة: "فولوا في صلاتكم"، أسقط"وجوهكم".]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾

قال أبو جعفر: فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى ب"الناس" في قوله:"لئلا يكون للناس"، أهلَ الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٩٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني بذلك أهلَ الكتاب. قالوا -حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!

٢٢٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"لئلا يكونَ للناس عليكم حجة"، يعني بذلك أهلَ الكتاب، قالوا -حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!

* *

فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله ﷺ وأصحابه؟

قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! [[انظر ما سلف في هذا الجزء رقم: ٢٢٣٤، ٢٢٣٥.]] فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله ﷺ وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين. [[في المطبوعة: "وأهل العناد من المشركين"، والصواب من المخطوطة.]]

وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه ﷺ والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني ب"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.

* *

وأما قوله:"إلا الذين ظَلموا منهم"، فإنهم مُشركو العرب من قريش، فيما تأوَّله أهلُ التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٢٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إلا الذين ظَلموا منهم"، قومُ محمد ﷺ.

٢٢٩٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: هم المشركون من أهل مكة.

٢٢٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إلا الذين ظلموا منهم"، يعني مشركي قريش.

٢٢٩٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إلا الذين ظلموا منهم" قال، هم مشركو العرب.

٢٢٩٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، و"الذين ظلموا": مشركو قريش.

٢٢٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء: هم مشركو قريش - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقولُ مثل قول عطاء.

* *

فإن قال قائل: وأيّةُ حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه، في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين -فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه- حُجة؟ [[في المطبوعة: ". . . على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به، أو نهاهم عنه"، قدم"حجة" وزاد الثناء على الله.]]

قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبتَ إليه. وإنما"الحجة" في هذا الموضع، الخصومة والجدال. [[انظر ما سلف في تفسير: "أتحاجوننا"، في هذا الجزء ٣: ١٢١.]] ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خُصُومةٌ ودعوى باطلٌ غيرَ مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى بَاطلا وخصومةً بغير حق، [[في المطبوعة: "دعوى باطلة" في الموضعين، ولا بأس بها. يقال: "دعوى باطل وباطلة"]] بقيلهم لكم:"رَجَع محمدٌ إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا". فذلك من قولهم وأمانيّهم الباطلة، هي"الحجة" التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره"الذين ظلموا" من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجّههم إليها حُجة.

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

٢٣٠٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"لئلا يكون للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم"، قومُ محمد ﷺ. قال مجاهد: يقول: حُجتهم، قولهم: قد راجعتَ قبلتنا!

٢٣٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: قولهم: قد رَجَعت إلى قبلتنا!

٢٣٠٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم"، قالا هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل:"فلا تَخشوْهم واخشوْني".

٢٣٠٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، و"الذين ظلموا": مشركُو قريش. يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله ﷺ =انصرافَهُ إلى البيت الحرام= [[في المطبوعة والدر المنثور ١: ١٤٨"بانصرافه" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير ١: ٣٥٨، وقوله: "انصرافه" منصوب على الظرفية أي عند انصرافه.]] أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله. [[الأثر: ٢٣٠٣- في تفسير ابن كثير ١: ٣٥٨، والدر المنثور ١: ١٤٨. والذي في المخطوطة والمطبوعة سواء"فأنزل الله في ذلك كله". أما في الدر المنثور: "فأنزل الله في ذلك كله: "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين". والذي في الطبري يكاد لا يستقيم، والذي في الدر المنثور لا يستقيم، وكأن صواب العبارة: "فأنزل الله في ذلك، ذلك كله إلى قوله: "يا أيها الذين آمنوا. . . ".]]

٢٣٠٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

٢٣٠٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما يذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما صُرف نبيّ الله ﷺ نحوَ الكعبة، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه! فتوجّه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ويُوشك أن يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه فيهم:"لئلا يَكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني". [[الأثر: ٢٣٠٥- انظر الأثر السالف: ٢٢٠٤.]]

٢٣٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله:"لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم" قال، قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمِر بها:- ما كان يستغني عنا! قد استقبل قبلتنا! فهي حُجتهم، وهم"الذين ظلموا" - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد: حُجتهم، قولهم: رجعت إلى قبلتنا!

* *

فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، عن صحّة ما قلنا في تأويله، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. [[في المطبوعة: "الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيًا عما قبلهم"، وهو خطأ صرف، والصواب ما في المخطوطة.]] كما قولُ القائل [[في المطبوعة: "كما أن قول القائل"، زادوا"أن" لتكون دارجة على نهجهم، والصواب ما في المخطوطة.]] "ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك"، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله:"لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم"، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله ﷺ ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا: [[في المطبوعة: "ودعوى باطلة" في الموضعين. وانظر ما سلف: ٢٠١ تعليق: ٣.]] إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.

وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله:"إلا الذين ظلموا منهم": ولا الذين ظلموا منهم، وأن"إلا" بمعنى"الواو". [[زاعم هذا القول هو أبو عبيدة في مجاز القرآن: ٦٠-٦١، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٨٩-٩٠.]] لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك:"إلا الذين ظَلموا منهم" إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به. [[رد الطبري على أبي عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم.]]

هذا مع خروج معنى الكلام =إذا وجّهت"وإلا" إلى معنى"الواو"، ومعنى العطف= من كلام العرب. وذلك أنه غيرُ موجودة"إلا" في شيء من كلامها بمعنى"الواو"، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل:"سار القوم إلا عمرًا إلا أخاك"، بمعنى: إلا عمرًا وأخاك، فتكون"إلا" حينئذ مؤدّية عما تؤدي عنه"الواو"، لتعلق"إلا" الثانية ب"إلا" الأولى. [[في المخطوطة: "إلى الأول"، وكأنه غير صواب.]] ويجمع فيها أيضًا بين"إلا" و"الواو" فيقال:"سار القوم إلا عمرًا وإلا أخاك"، فتحذف إحداهما، فتنوب الأخرى عنها، فيقال: [[في المخطوطة: "ويجمع أيضًا فيها إلا والواو فيها فيقول: " ولم أستبن ما يقول، والذي في المطبوعة سياق صحيح.]] "سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلا عمرًا إلا أخاك"، لما وصفنا قبل.

وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لمدَّعٍ من الناس أن يدَّعي أنّ"إلا" في هذا الموضع بمعنى"الواو" التي تأتي بمعنى العطف.

* *

وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم، فإنهم لا حجة لهم، فلا تخشوْهم. كقول القائل في الكلام: [[في المطبوعة: "في كلامه"، والصواب من المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء، فهو نص كلامه.]] "الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [لك] المعتدي عليك"، فإن ذلك لا يعتدّ بعُداوَنه ولا بتركه الحمد، [[في المطبوعة، وفي معاني القرآن للفراء: "بعداوته"، والصواب ما في المخطوطة.]] لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سُمي ظالمًا = [[السياق: "وواضح فساد قول من زعم. . . لإجماع جميع أهل التأويل".]] لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدًا على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئتها.

* *

وظاهر بُطُول قول من زَعَم: [[في المطبوعة: "بطلان" صحيحة المعنى، وفي المخطوطة: "دخول" تصحيف وتحريف لما أثبت. والبطول والبطلان مصدران من الباطل. وهما سواء في المعنى، وقد سلف أن استعملها الطبري مرارًا. انظر ما سلف ٢: ٤٢٦، تعليق: ١ / ٤٣٩ س: ١١/٤٧٩ س: ١٣.]] أنّ"الذين ظلموا" هاهنا، ناسٌ من العرب كانوا يَهودًا ونصارَى، فكانوا يحتجون على النبي ﷺ، فأما سائرُ العرب، فلم تكن لهم حجة، وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته:"إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة، وإنك لتحتج بلا حجة، وحجتك ضعيفة". ووَجَّه معنى:"إلا الذين ظَلموا منهم" إلى معنى: إلا الذينَ ظلموا منهم، منْ أهل الكتاب، فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة.

* *

ووَهْيُ قَولِ من قال:"إلا" في هذا الموضع بمعنى"لكن".

وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم. [[قوله"ووهي قول. . . "، و"وضعف قول. . . " معطوف على قوله آنفًا: "وظاهر بطول قول من زعم. . . ".]]

لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم: أنهم يحتجون على النبي ﷺ وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة -وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة- وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.

٢٣٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قال، قال الربيع: إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال: إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجدُ صالح، فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام. قال الربيع: وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين، وقِبلتُه إلى الكعبة.

* *

وأما قوله:"فلا تخشوْهم واخشوْني"، يعني: فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون [[في المطبوعة: "من الظلم في حجتهم"، والصواب من المخطوطة. ثم فيها: "وقولهم ما يقولون من أن محمدًا"، وصوابه من المخطوطة.]] في أنّ محمدًا ﷺ قد رجع إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا! - أو أن يَقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدِّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق، ولكن اخشوني، فخافوا عقابي، في خلافكم أمري إن خالفتموه.

وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلى عباده المؤمنين، [[تقدم إليه بكذا: أمره به.]] بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها، وبالنهي عن التوجُّه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوْني أيها المؤمنون، في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شَطرَ المسجد الحرام.

وقد حكي عن السدي في ذلك ما:-

٢٣٠٨- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا تخشوْهم واخشوْني"، يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم [[إلى هنا انتهى ما عثرنا عليه من الأوراق التي ذكرناها في ص: ١٨٩ تعليق: ١، وفي آخره ما نصه:

"تَمَّ المجلد الثاني بعون الله تعالى، والصلاة على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوهُ في الثالث إن شاء الله تعالى، القول في تأويل قوله تعالى: (ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) إن شاء الله تعالى، وهو بقية الجزء السادس والعشرون؟؟ "]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولأتمَّ نعمتي عليكم"، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض، وإلى أيّ بقعة شخصت [[في المطبوعة: "إلى أي بقعة"، بحذف الواو، والصواب ما أثبت.]] فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثُ كنت، يا محمد والمؤمنون، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم شَطرَه، واتخذوه قبلة لكم، كيلا يكون لأحد من الناس -سوى مشركي قريش- حجةٌ، ولأتمّ بذلك =من هدايتي لكم إلى قبلة خليلي إبراهيم عليه السلام، الذي جعلته إمامًا للناس= نعمتي، فأكمل لكم به فضلي عليكم، وأتمم به شرائع ملتكم الحنيفية المسلمة التي وصيتُ بها نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء غيرهم. وذلك هو نعمته التي أخبر جل ثناؤه أنه متمُّها على رسوله ﷺ والمؤمنين به من أصحابه.

* *

وقوله:"ولعلكم تهتدون"، يعني: وكي ترشدوا للصواب من القبلة. [[انظر ما سلف في معنى"لعل" بمعنى"كي" ١: ٣٦٤ / ثم ٢: ٦٩، ٧٢، ١٦١.]] و"لعلكم" عطف على قوله:"ولأتم نعمتي عليكم"،"ولأتم نعمتي عليكم" عطف على قوله:"لئلا يكون".

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com