Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Baqara
Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 271–286 · Quran text →
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"إن تبدوا الصدقات"، إن تعلنوا الصدقات فتعطوها من تصدقتم بها عليه="فنعما هي"، يقول: فنعم الشيء هي="وإن تخفوها"، يقول: وإن تستروها فلم تعلنوها= [[في المخطوطة والمطبوعة: "فلن تعلنوها"، وهو فاسد السياق، والصواب ما أثبت،]] "وتؤتوها الفقراء"، يعني: وتعطوها الفقراء في السر= [[انظر معنى"الإيتاء"، في مادة "أتى" من فهارس اللغة فيما سلف.]] "فهو خير لكم"، يقول: فإخفاؤكم إياها خير لكم من إعلانها. وذلك في صدقة التطوع، كما:-
٦١٩٥ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم"، كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
٦١٩٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم"، قال: كل مقبول إذا كانت النية صادقة، والصدقة في السر أفضل. وكان يقول: إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
٦١٩٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم"، فجعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة: علانيتها أفضل من سرها، يقال بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. [[في المطبوعة: "في الأشياء كلها"، وأثبت ما في المخطوطة.]] .
٦١٩٨ - حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، قال: سمعت سفيان يقول في قوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم"، قال: يقول: هو سوى الزكاة. [[الأثر ٦١٩٨ -مضى رجال هذا الإسناد برقم: ٥٠٠٠، ٥٠٠٩، ويأتي برقم: ٦٢٠٠.]] .
* *
وقال آخرون: إنما عنى الله عز وجل بقوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي"، إن تبدوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعما هي، وإن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فهو خير لكم. قالوا: وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة تطوع، فإخفاؤه أفضل من علانيته.
ذكر من قال ذلك:
٦١٩٩ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الرحمن بن شريح، أنه سمع يزيد بن أبي حبيب يقول: إنما نزلت هذه الآية: [[في المطبوعة: "هذه آية" وهو خطأ، والصواب من المخطوطة.]] " إن تبدوا الصدقات فنعما هي"، في الصدقة على اليهود والنصارى. [[الأثر: ٦١٩٩ -"عبد الرحمن بن شريح بن عبد الله بن محمود بن المعافري"، أبو شريح الاسكندراني. قال أحمد: ثقة: توفي بالإسكندرية سنة ١٦٧، وكانت له عبادة وفضل.
مترجم في التهذيب.]] .
٦٢٠٠ - حدثني عبد الله بن محمد الحنفي، قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعة، قال: كان يزيد بن أبي حبيب يأمر بقسم الزكاة في السر= قال عبد الله: أحب أن تعطى في العلانية= يعني الزكاة.
* *
قال أبو جعفر: ولم يخصص الله من قوله:"إن تبدوا الصدقات فنعما هي" [شيئا دون شيء] ، فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، [[هكذا جاءت الجملة في المخطوطة والمطبوعة، فزدت ما بين القوسين لتستقيم العبارة بعض الاستقامة، ولا أشك أنه كان في الكلام سقط من ناسخ، فأتمته بأقل الألفاظ دلالة على المعنى.
وقد مضى كثير من سهو الناسخ في القسم من التفسير، وسيأتي في هذا القسم من التفسير، وسيأتي بعد قليل دليل على ذلك في رقم: ٦٢٠٩.]] فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه وإظهاره سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية، حكم سائر الفرائض غيرها.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فروي عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: ﴿وتكفر عنكم﴾ بالتاء.
ومن قرأه كذلك. فإنه يعني به: وتكفر الصدقات عنكم من سيئاتكم.
* *
وقرأ آخرون: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالياء، بمعنى: ويكفر الله عنكم بصدقاتكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتكم.
* *
وقرأ ذلك بعد عامة قراء أهل المدينة والكوفة والبصرة، ﴿ونكفر عنكم﴾ بالنون وجزم الحرف، يعني: وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء نكفر عنكم من سيئاتكم= بمعنى: مجازاة الله عز وجل مخفي الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأ: ﴿ونكفر عنكم﴾ بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله عن نفسه أنه يجازي المخفي صدقته من التطوع ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته. وإذا قرئ كذلك، فهو مجزوم على موضع"الفاء" في قوله:"فهو خير لكم". لأن"الفاء" هنالك حلت محل جواب الجزاء.
* *
فإن قال لنا قائل: وكيف اخترت الجزم على النسق على موضع" الفاء"، وتركت اختيار نسقه على ما بعد الفاء، وقد علمت أن الأفصح من الكلام في النسق على جواب الجزاء الرفع، وإنما الجزم تجويزه؟ [[في المطبوعة: "تجويز" بغير إضافة، وأثبت ما في المخطوطة.]] .
قيل: اخترنا ذلك ليؤذن بجزمه أن التكفير- أعني تكفير الله من سيئات المصدق= لا محالة داخل فيما وعد الله المصدق أن يجازيه به على صدقته. لأن ذلك إذا جزم، مؤذن بما قلنا لا محالة، ولو رفع كان قد يحتمل أن يكون داخلا فيما وعده الله أن يجازيه به، وأن يكون خبرا مستأنفا أنه يكفر من سيئات عباده المؤمنين، على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم، لأن ما بعد"الفاء" في جواب الجزاء استئناف، فالمعطوف على الخبر المستأنف في حكم المعطوف عليه، في أنه غير داخل في الجزاء، ولذلك من العلة، اخترنا جزم"نكفر" عطفا به على موضع الفاء من قوله:"فهو خير لكم" وقراءته بالنون. [[هذا من دقيق نظر أبي جعفر في معاني التأويل، ووجوده اختيار القراءات. ولو قد وصلنا كتابه في القراءات، الذي ذكره في الجزء الأول: ١٤٨، وذكر فيه اختياره من القراءة، والعلل الموجبة صحة ما اختاره - لجاءنا كتاب لطيف المداخل والمخارج، فيما نستظهر.]] .
* *
فإن قال قائل: وما وجه دخول"من" في قوله:"ونكفر عنكم من سيئاتكم" قيل: وجه دخولها في ذلك بمعنى: ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاء تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من الله فلا يتكلوا على وعده ما وعد على الصدقات التي يخفيها المتصدق فيجترئوا على حدوده ومعاصيه.
* *
وقال بعض نحويي البصرة: معنى"من" الإسقاط من هذا الموضع، [["الإسقاط" يعنى به: الزيادة، والحذف، وهو الذي يسمى أيضًا"صلة"، كما مضى مرارا، واطلبه في فهرس المصطلحات.]] ويتأول معنى ذلك: ونكفر عنكم سيئاتكم.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"والله بما تعملون" في صدقاتكم، من إخفائها، وإعلان وإسرار بها وجهار، [[في المطبوعة: "وإجهار"، والصواب من المخطوطة.]] وفي غير ذلك من أعمالكم="خبير" يعني بذلك ذو خبرة وعلم، [[انظر تفسير"خبير"فيما سلف ١: ٤٩٦ /ثم ٥: ٩٤.]] لا يخفى عليه شيء من ذلك، فهو بجميعه محيط، ولكله محص على أهله، حتى يوفيهم ثواب جميعه، وجزاء قليله وكثيره.
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ليس عليك يا محمد هدى المشركين إلى الإسلام، فتمنعهم صدقة التطوع، ولا تعطيهم منها ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، ولكن الله هو يهدي من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له، فلا تمنعهم الصدقة، كما:-
٦٢٠١ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن شعبة، قال: كان النبي ﷺ لا يتصدق على المشركين، فنزلت:"وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله"، فتصدق عليهم.
٦٢٠٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء". [[الأثر: ٦٢٠٢ -"جعفر بن إياس"، هو ابن أبي وحشية اليشكري، أبو بشر الواسطي. ثقة، وهو من أثبت الناس في سعيد بن جبير. واختلف في سنة وفاته بين سنة ١٢٣ وسنة: ١٣١. مترجم في التهذيب. وروي الأثر ابن كثير في تفسيره ٢: ٤٩ عن أبي عبد الرحمن النسائي بإسناده، وقال: وكذا رواه أبو حذيفة، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيري، وأبو داود الحضرمي، عن سفيان -وهو الثوري - به". ولم ينسبه لأبي جعفر، وهذا دليل على ما قدمته في تصدير الأجزاء السالفة أن ابن كثير وغيره، قد أقلوا النقل عن أبي جعفر بعد الجزء الأول من تفسيره.
"رضخ له من ماله يرضخ رضخا، ورضخ له من ماله رضيخة": أعطاه عطية مقاربة، بين القليل والكثير.]] .
٦٢٠٣ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين، حتى نزلت:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء".
٦٢٠٤ - حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن إسحاق، قالا حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنزلت:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء" فرخص لهم.
٦٢٠٥ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، ويريدونهم أن يسلموا، فنزلت:"ليس عليك هداهم ... " الآية.
٦٢٠٦ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، وذكر لنا أن رجالا من أصحاب نبي الله قالوا: أنتصدق على من ليس من أهل ديننا؟ فأنزل الله في ذلك القرآن:"ليس عليك هداهم".
٦٢٠٧ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء"، قال: كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابة وهو محتاج، فلا يتصدق عليه، يقول: ليس من أهل ديني!! فأنزل الله عز وجل:"ليس عليك هداهم" الآية.
٦٢٠٨ - حدثني موسى، قال: [[الأثر: ٦٢٠٨ -في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا محمد، قال حدثنا عمرو ... "، والصواب"موسى" وهو موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد" وهو إسناد دائر من أول التفسير. وسيأتي هذا الأثر نفسه، وتتمته برقم: ٦٢١١، وبإسناده على صوابه. وقد مضى بيان أخي السيد أحمد عن هذا الإسناد في الأثر رقم: ١٦٨.]] حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم"، أما"ليس عليك هداهم"، فيعني المشركين، وأما"النفقة" فبين أهلها.
٦٢٠٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: كانوا يتصدقون [على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ: لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم. فنزلت: هذه الآية، مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام] . [[الأثر: ٦٢٠٩ -كان الكلام مبتورا في الموضع من المخطوطة والمطبوعة، ولكن الناسخ ساقه سياقا واحدا هكذا: "كانوا يتصدقون، كما حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب ... " وقد أشرت في ص: ٥٨٤، التعليق: وغيره من تعليقاتي السالفة، إلى ما وقع فيه الناسخ من الغفلة والسهو.
وقد زدت ما بين القوسين مما رواه القرطبي في تفسيره ٣: ٣٣٧، قال روي سعيد بن جبير مرسلا عن النبي ﷺ في سبب نزول هذه الآية: "أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة. . . " إلى آخر ما نقلت. فرجحت أن هذا الأثر الساقط من هذا الموضع، فأثبته بنصه من القرطبي، ولكن بقى صدر الكلام الآتي مبتورا، فوضعت نقطا مكان هذا البتر.]] .
* *
..........................................................................
..........................................................................
* *
كما:-
٦٢١٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"يوف إليكم وأنتم لا تظلمون"، قال: هو مردود عليك، فمالك ولهذا تؤذيه وتمن عليه؟ إنما نفقتك لنفسك وابتغاء وجه الله، والله يجزيك. [[الأثر: ٦٢١٠ -ما قبل هذا الأثر بتر لا أستطيع أن أقدر مبلغه. وأخرج الأثر السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٥٧ -٣٥٨.]] .
القول في تأويل قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله"، فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها. ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
"واللام" التي في"الفقراء" مردودة على موضع"اللام" في"فلأنفسكم" كأنه قال:"وما تنفقوا من خير" - يعني به: وما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله. فلما اعترض في الكلام بقوله:"فلأنفسكم"، فأدخل"الفاء" التي هي جواب الجزاء فيه، تركت إعادتها في قوله:"للفقراء"، إذ كان الكلام مفهوما معناه، كما:-
٦٢١١ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم"، أما:"ليس عليك هداهم"، فيعني المشركين. وأما"النفقة" فبين أهلها، فقال:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله". [[الأثر: ٦٢١١- انظر الأثر السالف رقم: ٦٢٠٨ والتعليق عليه.]] .
* *
وقيل: إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء.
ذكر من قال ذلك:
٦٢١٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله"، مهاجري قريش بالمدينة مع النبي ﷺ، أمر بالصدقة عليهم.
٦٢١٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله" الآية، قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة.
٦٢١٤ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدى:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله"، قال: فقراء المهاجرين.
* *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: الذين جَعلهم جهادُهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسَهم فيحبسونها عن التصرُّف فلا يستطيعون تصرّفًا. [[التصرف: الكسب. يقال "فلان يصرف لعياله، ويتصرف لهم، ويصطرف"، أي يكتسب لهم. وهو من الصرف والتصرف: وهو التقلب والحيلة.]] .
* *
وقد دللنا فيما مضى قبلُ على أن معنى"الإحصار"، تصيير الرجل المحصَر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوَّه، وغير ذلك من علله، إلى حالة يحبس نفسَه فيها عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ٤: ٢١ -٢٦.]] .
* *
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، [[في المخطوطة: "وقال: اختلف أهل التأويل ... ". وهما سواء.]] .
فقال بعضهم: في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.
ذكر من قال ذلك:
٦٢١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"الذين أحصروا في سبيل الله"، قال: حَصَروا أنفسهم في سبيل الله للغزو.
٦٢١٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله"، قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيع أحدٌ أن يخرج يبتغي من فضل الله، إذا خرج خرج في كُفر= وقيل: كانت الأرضُ كلها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهة إلا لهم فيها عدوّ، فقال الله عز وجل:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله" الآية، كانوا ههنا في سبيل الله.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرُّف.
ذكر من قال ذلك:
٦٢١٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله"، حصرهم المشركون في المدينة.
* *
قال أبو جعفر: ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدّيّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصروا في سبيل الله، ولكنه"أحصِروا"، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبَسوا -وهم في سبيل الله- أنفسَهم، لا أنّ العدوَّ هم كانوا الحابِسِيهم.
وإنما يقال لمن حبسه العدوّ:"حصره العدوّ"، وإذا كان الرّجل المحبَّس من خوف العدوّ، قيل:"أحصره خوفُ العدّو". [[انظر تفضيل ذلك فيما سلف ٤: ٢١ -٢٦.]] .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاءَ المعاش وطَلبَ المكاسب، [[في المخطوطة: "المكاسر"، وهو دليل مبين عن غفلة الناسخ وعجلته، كما أسلفت مرارًا كثيرة.]] فيستغنوا عن الصدقات، رهبةَ العدوّ وخوفًا على أنفسهم منهم. كما:-
٦٢١٨ - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"لا يستطيعون ضربًا في الأرض" حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدوّ، فلا يستطيعون تجارةً.
٦٢١٩ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"لا يستطيعون ضربًا في الأرض"، يعني التجارة.
٦٢٢٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله:"لا يستطيعون ضربًا في الأرض"، كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فَضْل الله.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك:"يحسبهم الجاهل" بأمرهم وحالهم="أغنياء" من تعففهم عن المسألة، وتركهم التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء. كما:-
٦٢٢١ - حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يحسبهم الجاهل أغنياء"، يقول: يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف. [[الأثر: ٦٢٢١ -كان الإسناد في المطبوعة والمخطوطة: "كما حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد ... " أسقط الناسخ من الإسناد"حدثنا بشر قال"، كما زدته، وهو إسناد دائر دورانًا في التفسير أقربه رقم: ٦٢٠٦.]] .
* *
ويعني بقوله:"منَ التعفف"، من تَرْك مسألة الناس.
* *
وهو"التفعُّل" من"العفة" عن الشيء، والعفة عن الشيء، تركه، كما قال رؤبة:
فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ* [[مضى تخريج هذا البيت وتفسيره في ٥: ١١٠، ولم يذكر هناك مجيء ذكره في هذا الموضع من التفسير، فقيده هناك.]]
يعني بَرئ وتجنَّبَ.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"تعرفهم" يا محمد="بسيماهم"، يعني بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [سورة الفتح: ٢٩] ، هذه لغة قريش. ومن العرب من يقول:"بسيمائهم" فيمدها.
وأما ثقيف وبعض أسَدٍ، فإنهم يقولون:"بسيميائهم"؛ ومن ذلك قول الشاعر: [[هو ابن عنقاء الفزاري، وعنقاء أمه، وقد اختلف في اسمه، فقال القالي في أماليه ١: ٢٣٧: "أسيد"، وقال الآمدي في المؤلف والمختلف: ١٥٩، وقال المرزباني في معجم الشعراء: "فيس بن بجرة" (بالجيم) ، أو"عبد قيس بن بجرة"، وفي النقائض: ١٠٦"عبد قيس ابن بحرة" بالحاء الساكنة وفتح الباء، وهكذا كان في أصل اللآليء شرح أماني القالي: ٥٤٣، وغيره العلامة الراجكوتي"بجرة" بضم الباء وبالجيم الساكنة عن الإصابة في ترجمة"قيس بن بجرة" وفي هذه الترجمة أخطاء كثيرة. وذكر شيخنا سيد بن علي المرصفي في شرح الكامل ١: ١٠٨ أنه أسيد بن ثعلبة ابن عمرو. وهذا كاف في تعيين الاختلاف. وابن عنقاء، عاش في الجاهلية دهرًا، وأدرك الإسلام كبيرًا، وأسلم.]] .
غُلامٌ رَمَاهُ اللهُ بالحُسْنِ يَافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءٌ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ [[يأتي في التفسير ٤: ٥٥ /٨: ١٤١ (بولاق) والأغاني ١٧: ١١٧، الكامل ١: ١٤، المؤلف والمختلف، ومعجم الشعراء: ١٥٩، ٣٢٣، أمالى القالي ١: ٢٣٧، الحماسة ٤: ٦٨، وسمط اللآليء: ٥٤٣، وغيرها كثير. من أبيات جياد في قصة، ذكرها القالي في أماليه. وذلك أن ابن عنقاء كان من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولسانًا، فطال عمره، ونكبه دهره، فاختلت حاله، فمر عميلة بن كلدة الفزاري، وهو غلام جميل من سادات فزارة، فسلم عليه وقال: ياعم، ما أصارك إلى ما أدري؟ فقال: بخل مثلك بماله، وصوني وجهى عن مسألة الناس! فقال والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أردي من حالك. فرجع ابن عنقاء فأخبر أهله، فقالت: لقد غرك كلام جنح ليل!! فبات متململا بين اليأس والرجاء. فلما كان السحر، سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا؟ فقال: هذا عميلة ساق إليك ماله! ثم قسم عميلة ماله شطرين وساهمه عليه، فقال ابن عنقاء فيه يمجده: رَآنِي عَلَى مَا بِي عُمَيْلَةُ فَاشْتَكَى ... إِلَى مَالِهِ حَالي أسرَّ كَمَا جَهَرْ
دَعَانِي فآسَانِي وَلَوْ ضَنَّ لَمْ أَلُمْ ... عَلَى حِينَ لاَ بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
فَقُلْتُ لَهُ خيرًا وأَثْنَيْتُ فِعْلَهُ ... وَأَوْفَاكَ مَا أَبْلَيْتَ مَنْ ذَمَّ أَوْ شَكَرْ
غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالخَيْرِ يافِعًا ... لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ
كَأَنَّ الثُريَّا عُلِّقَتْ في جَبِينِهِ ... وَفِي خَدِّهِ الشِّعْرَي وَفِي وَجْهِهِ القَمَرْ
إذا قِيلَتِ العَوْرَاءُ أَغْضَى كَأَنّهُ ... ذَلِيلٌ بِلاَ ذُلّ وَلَوْ شَاءَ لاَنْتَصَرْ
كَرِيمٌ نَمَتْهُ لِلمكَارِمِ حُرَّةٌ ... فَجَاءَ وَلاَ بُخْلٌ لَدَيْهِ ولا حَصَرْ
وَلَمَّا رَأَى المَجْدَ استُعيرت ثِيَابُه ... تَرَدَّى رِدَاءً وَاسِعَ الذّيْلِ وَأتْزَرْ
وهذا شعر حر، ينبع من نفس حرة. هذا وقد روي الطبري في ٨: ١٤١"رماه الله بالحسن إذ رمي". وقال أبو رياش فيما انتقده على أبي العباس المبرد: "لا يروي بيت ابن عنقاء: "رماه الله بالحسن ... " إلا أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود، وإنما هو: رماه الله بالخير يافعًا".
وقوله: "لا تشق على البصر"، أي لا تؤذيه بقبح أو ردة أو غيرهما، بل تجلي بها العين، وتسر النفس وترتاح إليها.]]
* *
وقد اختلف أهل التأويل في"السيما" التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفَ صفتهم، وأنهم يعرفون بها. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وصفت صفتهم"، وهو مخالف للسياق، والصواب ما أثبت، وصف الله صفتهم.]]
فقال بعضهم: هو التخشُّع والتواضع.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٢٢ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"تعرفهم بسيماهم" قال: التخشُّع.
٦٢٢٣ - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٦٢٢٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، قال: كان مجاهد يقول: هو التخشُّع.
* *
وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجَهد الحاجة في وجُوههم.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٢٥ - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"تعرفهم بسيماهم"، بسيما الفقر عليهم.
٦٢٢٦ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"تعرفهم بسيماهم"، يقول: تعرف في وجوههم الجَهد من الحاجة.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم. وقالوا: الجوعُ خفيّ.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٢٧ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: "تعرفهم بسيماهم" قال: السيما: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها [أن] تخفى على الناس. [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها، لتستقيم العبارة.]] .
* *
قال أبو جعفر: وأول الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيَّه ﷺ أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم. وإنما كان النبيُّ ﷺ يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعِيان، فيعرفُهم وأصحابه بها، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة.
وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف. وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض، نظيرُ آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرثة، فيتزيّى بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة. وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصف الله [[في المخطوطة والمطبوعة: "كما وصفهم الله"، والسياق يقتضي ما أثبت. والمخطوطة التي نقلت عنها، فيما نظن، كل النسخ المخطوطة التي طبع عنها، مضطربة الخط، كما سلف الدليل على ذلك مرارًا، وفي هذا الموضع من كتابة الناسخ بخاصة.]] نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة، دون وَصْفه بصفته.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
قال أبو جعفر: يقال:" قد ألحف السائل في مسألته"، إذا ألحّ="فهو يُلحف فيها إلحافًا".
* *
فإن قال قائل: أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غيرَ إلحاف؟
قيل: غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئًا على وجه الصدقة إلحافًا أو غير إلحاف، [[في المطبوعة: "إلحافا وغير إلحاف"، بالواو، وهو لا يستقيم، والصواب ما أثبت. وانظر معاني القرآن للفراء ١: ١٨١، وقد قال: "ومثله قولك في الكلام: قلما رأيت مثل هذا الرجل! ، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه" وسيأتي بعد، في ص: ٥٩٩، وفي اللسان (لحف) ، وذكر الآية: "أي ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس [يصف طريقًا غير مسلوكة: عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَي بِمَنَارِهِ ... [إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرا]
المعنى: "ليس به منار فيهتدى به".]] وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يُعرفون بسيماهم. فلو كانت المسألة من شأنهم، لم تكن صفتُهم التعفف، ولم يكن بالنبي ﷺ إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تُنبئ عن حالهم وأمرهم.
وفي الخبر الذي:-
٦٢٢٨ - حدثنا به بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيتَ رسولَ الله ﷺ فسألته! فانطلقت إليه مُعْنِقًا، فكان أوّل ما واجهني به:"من استعفّ أعفَّه الله، ومَن استغنى أغناهُ الله، ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئًا نجده". قال: فرجعت إلى نفسي، فقلت: ألا أستعفّ فيُعِفَّني الله! فرجعت، فما سألتُ رسول الله ﷺ شيئًا بعد ذلك من أمر حاجة، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقَتنا، إلا من عَصَم الله. [[الحديث: ٦٢٢٨ -إسناده صحيح.
هلال بن حصن، أخو بني مرة بن عباد، من بني قيس بن ثعلبة: تابعى ثقة. ذكره ابن حبّان في الثقات، ص: ٣٦٤، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢/ ٢٠٤، وابن أبي حاتم ٤ /٢/ ٧٣ -فلم يذكرا فيه جرحا. وهو مترجم في التعجيل، ص: ٤٣٤.
والحديث رواه أحمد في المسند: ١٤٢٢١، ١٤٢٢٢ (ج ٣ ص ٤٤ حلبي) ، عن محمد بن جعفر وحجاج، ثم عن حسين بن محمد -ثلاثتهم عن شعبة، عن أبي حمزة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد. فذكر نحوه بأطول منه.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
أبو حمزة: هو البصري"جار شعبة"، عرف بهذا. واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله المازني"، ثقة، مترجم في التهذيب ٦: ٢١٩.
وقد ثبت في ترجمة"هلال بن حصن" -في الكبير، وابن أبي حاتم، والثقات، والتعجيل، أنه روى عنه أيضًا"أبو حمزة". وشك في صحة ذلك العلامة الشيخ عبد الرحمن اليماني مصحح التاريخ الكبير، واستظهر أن يكون صوابه "أبو جمرة"، يعنى نصر بن عمران الضبعي. ولكن يرفع هذا الشك أنه في المسند أيضًا "أبو حمزة". لاتفاقه مع ما ثبت في التراجم.
" أعوز الرجل فهو معوز": ساءت حاله وحل عليه الفقر.
"أعنق الرجل إلى الشيء يعنق": أسرع إليه إسراعًا.]] .
* *
[[سياق الكلام: "وفي الخبر ... الدلالة الواضحة ... "]] .
=الدلالةُ الواضحةُ على أنّ التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد، وأنَّ من كان موصوفًا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافًا أو غير إلحاف. [[في المخطوطة والمطبوعة في الموضعين: "إلحافا وغير إلحاف""بالواو، وانظر التعليق السالف رقم: ١ ص٥٩٨.]] .
* *
فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله:"لا يسألون الناس إلحافا"، وهم لا يسألون الناس إلحافًا أو غير إلحاف [[في المخطوطة والمطبوعة في الموضعين: "إلحافا وغير إلحاف""بالواو، وانظر التعليق السالف رقم: ١ ص٥٩٨.]] .
قيل له: وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف، وعرّف عبادَه أنهم ليسوا أهل مسألة بحالٍ بقوله:"يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفف"، وأنهم إنما يُعرفون بالسيما- زاد عبادَه إبانة لأمرهم، وحُسنَ ثناءٍ عليهم، بنفي الشَّره والضراعة التي تكون في الملحِّين من السُّؤَّال، عنهم. [["السؤال" جمع سائل، على زنة""جاهل وجهال". والسياق: "بنفي الشره ... عنهم".]] .
وقد كان بعضُ القائلين يقول: [[في المطبوعة: و "قال: كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل" هو كلام شديد الخلل. وفي المخطوطة: "وقال كاد بعض القائلين يقول ... "وسائره كالذي كان في المطبوعة" وهو أشدّ اختلالا وفسادًا. وصواب العبارة ما استظهرته فأثبته. وهذا الذي حكاه أبو جعفر هو قول الفراء في معاني القرآن ١: ١٨١، كما سلف في ص: ٥٩٨ التعليق: ١.]] ذلك نظيرُ قول القائل:" قلَّما رأيتُ مثلَ فلان"! ولعله لم يَرَ مثله أحدًا ولا نظيرًا.
* *
وبنحو الذي قلنا في معنى الإلحاف قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٢٩ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"لا يسألون الناس إلحافًا"، قال: لا يلحفون في المسألة.
٦٢٣٠ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"لا يسألون الناس إلحافًا"، قال: هو الذي يلح في المسألة.
٦٢٣١ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا يسألون الناس إلحافًا"، ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول:"إن الله يحب الحليمَ الغنيّ المتعفف، ويبغض الغنيّ الفاحشَ البذِىء السائلَ الملحفَ= قال: وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: إن الله عز وجل كره لكم ثلاثًا: قيلا وقالا [[في المطبوعة: "قيل وقال" وهو صواب، وهما فعلان من قولهم"قيل كذا" و"قال كذا"، وهو نهى عن القول بما لا يصح ولا يعلم. وأثبت ما في المخطوطة، وهما مصدران بمعنى الإشارة إلى هذين الفعلين الماضين، يجعلان حكاية متضمنة للضمير والإعراب، على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير، فيدخل عليهما حرف التعريف لذلك فيقال: "القيل والقال".]] وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال. فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدرَ ليلته، حتى يُلقى جيفةً على فراشه، لا يجعلُ الله له من نهاره ولا ليلته نصيبًا. وإذا شئت رأيته ذَا مال [ينفقه] في شهوته ولذاته وملاعبه، [[في المخطوطة: "ذا مال في شهوته" وبين الكلامين بياض، أما في المطبوعة والدر المنثور ١: ٣٦٣، فساقه سياقًا مطردًا: "ذا مال في شهوته"، ولكنه لا يستقم مع قوله بعد: "ويعدله عن حق الله"، فلذلك وضعت ما بين القوسين استظهارًا حتى يعتدل جانبا هذه العبارة.]] .
وَيعدِ له عن حقّ الله، فذلك إضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطًا ذراعيه، يسأل الناس في كفيه، فإذا أعطي أفرط في مدحهم، وإنْ مُنع أفرط في ذَمهم.
..........................................................................
..........................................................................
[[هذه النقط دلالة على أنه قد سقط من الناسخ كلام لا ندري ما هو، ففي المخطوطة في إثر الأثر السالف ٦٢٣١، الأثر الآتي: ٦٢٣٢ "حدثنا يعقوب بن إبراهيم. . . ". وقد تنبه طابع المطبوعة، فرأي أن الأثر الآتي، هو من تفسير الآية التي أثبتها وأثبتناها اتباعًا له، والذي لا شك فيه أنه قد سقط من الكلام في هذا الموضع تفسير بقية الآتية: "وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم" وشيء قبله، وشيء بعده، لم أستطع أن أجد ما يدلني عليه في كتاب آخر، ولكن سياق الأقوال التي ساقها الطبري دال على هذا الخرم. وهذا دليل آخر على شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب.]] .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) ﴾
[قال أبو جعفر] :
..........................................................................
..........................................................................
* *
٦٢٣٢ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال: حدثني شيخ من غافق: أن أبا الدرداء كان ينظر إلى الخيل مربوطةً بين البرَاذين والهُجْن. فيقول: أهل هذه - يعني الخيل- من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزَنون. [[الأثر: ٦٢٣٢ -"أيمن بن نابل الحبشي" أبو عمران المكي، نزيل عسقلان، مولي آل أبي بكر. روي عن قدامة بن عبد الله العامرى، وعن أبيه نابل، والقاسم بن محمد، وطاوس. وروى عنه موسى بن عقبة، وهو من أقرانه، ومعتمر بن سليمان، ووكيع وابن مهدي، وعبد الرزاق، وغيرهم. وهو ثقة، وكان لا يفصح، فيه لكنه. وعاش إلى خلافة المهدي. مترجم في التهذيب.
والبراذين جمع برذون (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وسكون الواو) : وهو ما كان من الخيل من نتاج غير العراب، وهو دون الفرس وأضعف منه. والهجن جمع هجين: وهو من الخيل الذي ولدته برذونة من حصان غير عربي، وهي دون العرب أيضًا، ليس من عتاق الخيل، وكلاهما معيب عندهم.]] .
* *
وقال آخرون: عنى بذلك قومًا أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٣٣ - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"الذين ينفقون أموالهم" إلى قوله:"ولا هم يحزنون"، هؤلاء أهلُ الجنة.
ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: المكثِرون هم الأسفلون. قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟ قال: المكثرون هم الأسفلون، قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟ قال: المكثرون هم الأسفلون. قالوا: يا نبيّ الله، إلا مَنْ؟ حتى خشوا أن تكون قد مَضَت فليس لها رَدّ، حتى قال:"إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله، وهكذا بين يديه، وهكذا خلفه، وقليلٌ ما هُمْ [قال] : [[ما بين القوسين، زيادة لا بد منها، فإن هذا الكلام الآتي ولا شك من كلام قتادة، وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٣ قال: "وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة. . . "، وساق هذا الشطر الآتي من هذا الأثر. وأما صدره، فهو خبر مرسل كسائر الأخبار السالفة.]] هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض وارتضى، في غير سَرَف ولا إملاق ولا تَبذير ولا فَساد. [[قوله: "إملاق" هو من قولهم: "ملق الرجل ما معه ملقًا، وأملقه إملاقًا"، إذا أنفقه وأخرجه من يده ولم يحبسه وبذره تبذيرًا. والفقر تابع للإنفاق والتبذير، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبب، فقالوا: "أملق الرجل إملاقًا"، إذا افتقر فهو"مملق" أي فقير لا شيء معه.]] .
* *
وقد قيل إنّ هذه الآيات من قوله:"إن تُبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله:"ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، كان مما يُعملَ به قبل نزول ما في"سورة براءة" من تفصيل الزَّكوات، فلما نزلت"براءة"، قُصِروا عليها.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٣٤ - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله:"ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، فكان هذا يُعمل به قبل أن تنزل"براءة"، فلما نزلت"براءة" بفرائض الصَّدقات وتفصيلها انتهت الصّدَقاتُ إليها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذين يُرْبون.
* *
و"الإرباء" الزيادة على الشيء، يقال منه:"أربْى فلان على فلان"، إذا زاد عليه،"يربي إرباءً"، والزيادة هي"الربا"،"وربا الشيء"، إذا زاد على ما كان عليه فعظم،"فهو يَرْبو رَبْوًا". وإنما قيل للرابية [رابية] ، [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام.]] لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها، من قولهم:"ربا يربو". ومن ذلك قيل:"فلان في رَباوَة قومه"، [[في المطبوعة: "في ربا قومه" وفي المخطوطة: "في رباء قومه"، ولا أظنهما صوابًا، والصواب ما ذكر الزمخشري في الأساس: "وفلان في رباوة قومه: في أشرافهم. وهو: في الروابي من قريش"، فأثبت ما في الأساس.]] يراد أنه في رفعة وشرف منهم، فأصل"الربا"، الإنافة والزيادة، ثم يقال:"أربى فلان" أي أناف [ماله، حين] صيَّره زائدًا. [[في المخطوطة والمطبوعة: "أي أناف صيره زائدًا"، وهو كلام غير مستقيم ولا تام. والمخطوطة كما أسلفت مرارًا، قد عجل عليها ناسخها حتى أسقط منها كثيرًا كما رأيت آنفًا. فزدت ما بين القوسين استظهارًا من معنى كلام أبي جعفر، حتى يستقيم الكلام على وجه يرتضى.]] وإنما قيل للمربي:"مُرْبٍ"، لتضعيفه المال، الذي كان له على غريمه حالا أو لزيادته عليه فيه لسبب الأجل الذي يؤخره إليه فيزيده إلى أجله الذي كان له قبلَ حَلّ دينه عليه. ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ . [آل عمران: ١٣١] .
* *
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:
ذكر من قال ذلك:
٦٢٣٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني! فيؤخَّر عنه.
- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
٦٢٣٧ - حدثني بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه.
* *
قال أبو جعفر: فقال جل ثناؤه: الذين يُرْبون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا="لا يقومون" في الآخرة من قبورهم ="إلا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المس"، يعني بذلك: يتخبَّله الشيطان في الدنيا، [[تخبله: أفسد عقله وأعضاءه.]] وهو الذي يخنقه فيصرعه [[في المطبوعة: "وهو الذي يتخبطه فيصرعه"، وهو لا شيء، إنما استبهمت عليه حروف المخطوطة، فبدل اللفظ إلى لفظ الآية نفسها، وهو لا يعد تفسيرًا عندئذ!! وفي المخطوطة: "+يحفه" غير منقوطة إلا نقطة على"الفاء"، وآثرت قراءتها"يخنقه"، لما سيأتي في الأثر رقم: ٦٢٤٢ عن ابن عباس: "يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق"، وما جاء في الأثر: ٦٢٤٧. وهذا هو الصواب إن شاء الله، لذلك، ولأن من صفة الجنون وأعراضه أنه خناق يأخذ من يصيبه، أعاذنا الله وإياك.]] ="من المس"، يعني: من الجنون.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٣٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يوم القيامة، في أكل الرِّبا في الدنيا.
٦٢٣٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٦٢٤٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس"، قال: ذلك حين يُبعث من قبره. [[الأثر: ٦٢٤٠-"ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري"، روى عن أبيه، وبكر ابن عبد الله المزني، والحسن البصري. وروى عنه القطان، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومسلم ابن إبراهيم، وحجاج بن منهال. قال النسائي: "ليس به بأس"، وقال في الضعفاء: "ليس بالقوي"، وقال أحمد وابن معين: "ثقة". وأبوه: "كلثوم بن جبر"، قال أحمد: "ثقة"، وقال النسائي: "ليس بالقوي". مات سنة: ١٣٠.]]
٦٢٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بم كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا:"خذْ سلاحك للحرب"، وقرأ:"لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: ذلك حين يبعث من قبره.
٦٢٤٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ". الآية، قال: يبعث آكل الربا يوم القيامة مَجْنونًا يُخنق. [[انظر ما سلف في ص: ٨، تعليق: ٢.]]
٦٢٤٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "الذين يأكلون الربا لا يقومون"، الآية، وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان.
٦٢٤٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتخبطه الشيطان من المس" قال: هو التخبُّل الذي يتخبَّله الشيطان من الجنون.
٦٢٤٥ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خَبَل من الشيطان. وهي في بعض القراءة: ﴿لا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
٦٢٤٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس"، قال: من مات وهو يأكل الربا، بعث يوم القيامة متخبِّطًا، كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ.
٦٢٤٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يعني: من الجنون.
٦٢٤٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ". قال: هذا مثلهم يومَ القيامة، لا يقومون يوم القيامة مع الناس، إلا كما يقوم الذي يُخنق من الناس، كأنه خُنق، كأنه مجنون [[في المطبوعة: "إلا كما يقوم الذي يخنق مع الناس يوم القيامة"، وهو كلام فاسد. وكذلك هو في المخطوطة أيضًا مع ضرب الناسخ على كلام كتبه، فدل على خلطه وسهوه. فحذفت من هذه الجملة"يوم القيامة" وجعلت"مع الناس"، "من الناس"، فصارت أقرب إلى المعنى والسياق، وكأنه الصواب إن شاء الله.]] .
* *
قال أبو جعفر: ومعنى قوله:"يتخبطه الشيطانُ من المسّ"، يتخبله من مَسِّه إياه. يقال منه:"قد مُسّ الرجل وأُلقِ، فهو مَمسوس ومَألوق"، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ. ومنه قول الله عز وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] ، ومنه قول الأعشى:
وَتُصْبحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى، وكأَنَّمَا ... أَلَمَّ بِهَا مِنْ طَائِفِ الجِنِّ أَوْلَقُ [[ديوانه: ١٤٧، وروايته"من غب السرى"، ورواية اللسان (ألق) ، "ولق"، وهو من قصيدته البارعة في المحرق. ويصف ناقته فيقول قبل البيت، وفيها معنى جيد في صحبة الناقة: وَخَرْقٍ مَخُوفٍ قَدْ قَطَعْتُ بِجَسْرَةٍ ... إذَا خَبَّ آلٌ فَوْقَهُ يَتَرَقْرقُ
هِيَ الصَّاحِبُ الأدْنَى، وَبَيْنى وَبَيْنَها ... مَجُوفٌ عِلاَفِيُّ وقِطْعٌ ونُمْرُقُ
وَتُصْبِحُ عَنْ غبّ السُّرَى. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"الخرق": المفازة الواسعة تتخرق فيها الرياح. "وناقة جسرة": طويلة شديدة جريئة على السير. و"خب": جرى. و"الآل": سراب أول النهار. "يترقرق": يذهب ويجيء. وقوله: "هي الصاحب الأدنى"، أي هي صاحبه الذي يألفه ولا يكاد يفارقه، وينصره في الملمات. و"المجوف": الضخم الجوف. و"العلافى": هو أعظم الرجال أخرة ووسطًا، منسوبة إلى رجل من الأزد يقال له"علاف". و"القطع": طنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير. و"النمرق والنمرقة": وسادة تكون فوق الرحل، يفترشها الراكب، مؤخرها أعظم من مقدمها، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل وواسطته. و"غب السرى": أي بعد سير الليل الطويل. و"الأولق": الجنون. ووصفها بالجنون عند ذلك، من نشاطها واجتماع قوتها، لم يضعفها طول السرى.]]
* *
فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الرِّبا في تجارته ولم يأكله، أيستحقّ هذا الوعيدَ من الله؟
قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكلُ، إلا أنّ الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت، كانت طُعمتهم ومأكلُهم من الربا، فذكرهم بصفتهم، معظّمًا بذلك عليهم أمرَ الرّبا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [سورة البقرة: ٢٧٨-٢٧٩] الآية، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الرّبا، وأنّ سواءً العملُ به وأكلُه وأخذُه وإعطاؤُه، [[ولكن أهل الفتنة في زماننا، يحاولون أن يهونوا على الناس أمر الربا، وقد عظمه الله وقبحه، وآذن العامل به بحرب من الله ورسوله، في الدنيا والآخرة، ومن أضل ممن يهون على الناس حرب ربه يوم يقوم الناس لرب العالمين. فاللهم اهدنا ولا تفتنا كما فتنت رجالا قبلنا، وثبتنا على دينك الحق، وأعذنا من شر أنفسنا في هذه الأيام التي بقيت لنا، وهي الفانية وإن طالت، وصدق رسول الله بأبي هو وأمي إذ قال: "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا. قيل له: الناس كلهم؟! قال: من لم يأكله ناله من غباره". (سنن البيهقي ٥: ٢٧٥) ، فاللهم انفض عنا وعن قومنا غبار هذا العذاب الموبق.]] كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من قوله:
٦٢٤٩-"لعن الله آكلَ الرّبا، وُمؤْكِلَه، وكاتبَه، وشاهدَيْه إذا علموا به". [[الأثر: ٦٢٤٩- رواه الطبري بغير إسناد مختصرًا، وقد استوفى تخريجه ابن كثير في تفسيره ١: ٥٥٠-٥٥١ وساق طرقه مطولا. والسيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٧، من حديث عبد الله بن مسعود ونسبه لأحمد، وأبي يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان. وانظر سنن البيهقي ٥: ٢٧٥.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بـ"ذلك" جل ثناؤه: ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم، كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المسّ من الجنون، فقال تعالى ذكره: هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قُبْح حالهم، ووَحشة قيامهم من قبورهم، وسوء ما حلّ بهم، من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون:"إنما البيع" الذي أحله الله لعباده ="مثلُ الرّبا". وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الرّبا من أهل الجاهلية، كان إذا حلّ مالُ أحدهم على غريمه، يقول الغَريم لغريم الحق:"زدني في الأجل وأزيدك في مالك". فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك:"هذا ربًا لا يحل". فإذا قيل لهما ذلك قالا"سواء علينا زدنا في أول البيع، أو عند مَحِلّ المال"! فكذَّبهم الله في قيلهم فقال:"وأحلّ الله البيع".
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: وأحلّ الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع [[انظر معنى: "البيع" فيما سلف ٢: ٣٤٢، ٣٤٣.]] ="وحرّم الربا"، يعني الزيادةَ التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دَيْنه عليه. يقول عز وجل: فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وَجه البيع، [[في المطبوعة: "وليست الزيادتان"، والصواب ما في المخطوطة.]] والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء. وذلك أنِّي حرّمت إحدى الزيادتين = وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل = وأحللتُ الأخرى منهما، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها، فيستفضلُ فَضْلها. فقال الله عز وجل: ليست الزيادة من وجه البيع نظيرَ الزيادة من وجه الربا، لأنّي أحللت البيع، وحرَّمت الرّبا، والأمر أمري والخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليمُ لحكمي.
* *
ثم قال جل ثناؤه:"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى"، يعني بـ"الموعظة": التذكير، والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوّفهم به في آي القرآن، [[انظر تفسير: "موعظة" فيما سلف ٢: ١٨٠، ١٨١.]] وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب، يقول جل ثناؤه: فمن جاءه ذلك،"فانتهى" عن أكل الربا وارتدع عن العمل به وانزجر عنه [[انظر تفسير: "انتهى" فيما سلف ٣: ٥٦٩.]] ="فله ما سلف"، يعني: ما أكل، وأخذ فمَضَى، قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك ="وأمرُه إلى الله"، يعني: وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن أكله، إلى الله في عصمته وتوفيقه، إن شاء عصمه عن أكله وثبَّته في انتهائه عنه، وإن شاء خَذَله عن ذلك ="ومن عاد"، يقول: ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم، وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم، من قوله:"إنما البيع مثل الربا" ="فأولئك أصْحاب النار هم فيها خالدون"، يعني: ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار، يعني نار جهنم، فيها خالدون. [[انظر تفسير: "أصحاب النار" و"خالدون" فيما سلف ٢: ٢٨٦، ٢٨٧/٤: ٣١٦، ٣١٧/٥: ٤٢٩.]]
* *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٥٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السديّ:"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله"، أما"الموعظة" فالقرآن، وأما"ما سلف"، فله ما أكل من الربا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني عز وجل بقوله:"يمحق الله الربا"، ينقُصُ الله الرّبا فيذْهبه، كما:-
٦٢٥١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"يمحق الله الربا"، قال: يَنقص.
* *
وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال:
٦٢٥٢-"الرّبا وَإن كثُر فإلى قُلّ". [[٦٢٥٢- أخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٧ من طريق إسرائيل، عن الركين بن الربيع، عن أبيه الربيع بن عميلة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الربا إن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قل"، وكذلك ذكره ابن كثير من المسند من طريق شريك عن الركين بن الربيع، بلفظه. ثم ساق ما رواه ابن ماجه. غير أن ابن كثير (٢: ٦١) نقل لفظ الطبري، وساق الخبر كنصه في الحديث، لا كما جاء في المطبوعة والمخطوطة. وانظر الدر المنثور ١: ٣٦٥.]] .
* *
وأما قوله:"ويُرْبي الصّدَقات"، فإنه جل ثناؤه يعني أنه يُضاعف أجرَها، يَرُبُّها وينمِّيها له. [[في المخطوطة والمطبوعة: "يضاعف أجرها لربها"، كأنه يريد لصاحبها، وكأن صواب قراءتها ما أثبت، رب المعروف والصنيعة والنعمة وغيرها - يريها ربًا +ورببها (كلها بالتشديد) : نماها وزادها وأتمها، وجملة"يربها وينميها له" تفسير لقوله: "يضاعف أجرها". وانظر الأثر الآتي رقم: ٦٢٥٣.]]
* *
وقد بينا معنى"الرّبا" قبلُ"والإرباء"، وما أصله، بما فيه الكفاية من إعادته. [[انظر ما سلف قريبا ص: ٧.]]
* *
فإن قال لنا قائل: وكيف إرباء الله الصدقات؟
قيل: إضعافه الأجرَ لربِّها، كما قال جل ثناؤه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٦١] ، وكما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٤٥] ، وكما:-
٦٢٥٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا عباد بن منصور، عن القاسم: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ:"إنّ الله عز وجل يقبلُ الصّدقة ويأخذها بيمينه فيربِّيها لأحدكم كما يربِّي أحدُكم مُهْرَه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحُد، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [سورة التوبة: ١٠٤] ، و"يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصّدَقات". [[الحديث: ٦٢٥٣- عباد بن منصور الناجي البصري القاضي: ثقة، من تكلم فيه تكلم بغير حجة. وقد حققنا توثيقه في شرح المسند: ٢١٣١، ٣٣١٦، وبينا خطأ من جرحه بغير حق.
القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق، التابعي الثقة الفقيه الإمام.
والحديث سيأتي في تفسير سورة التوبة (ج ١١ ص ١٥ بولاق) ، عن أبي كريب، بهذا الإسناد ولكن سقط منه هناك"حدثنا وكيع". وهو خطأ ظاهر.
ورواه أحمد في المسند: ١٠٠٩٠ (٢: ٣٧١ حلبي) ، عن وكيع، وعن إسماعيل - وهو ابن علية - كلاهما عن عباد بن منصور. بهذا الإسناد. وساقه على لفظ وكيع، كرواية الطبري هنا.
ولكن وقع في المسند خطأ غريب في تلاوة الآية الأولى، ففيه: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات". والآية المتلوة في الحديث هي التي في رواية الطبري هنا: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) ، وهي الآية: ١٠٤ من سورة التوبة. وأما الأخرى فالآية: ٢٥ من سورة الشورى، وتلاوتها: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات) وليست تكون موضع الاستشهاد في هذا الحديث.
وهذا الخطأ قديم في نسخ المسند، من الناسخين القدماء، بدلالة أنه ثبت هذا الخطأ أيضًا في نقل الحافظ ابن كثير هذا الحديث عن المسند، في جامع المسانيد والسنن ٧: ٣٢٠ (مخطوط مصور) .
بل ظهر لي بعد ذلك أن الخطأ أقدم من هذا. لعله من وكيع، أو من عباد بن منصور. لأن الترمذي روى الحديث ٢: ٢٣، عن أبي كريب -شيخ الطبري هنا - عن وكيع، به. وثبتت فيه تلاوة الآية على الخطأ، كرواية أحمد عن وكيع. ونقل شارحه المباركفوري عن الحافظ العراقي أنه قال: "في هذا تخليط من بعض الرواة. والصواب: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) - الآية. وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي، على الصواب".
بل إن الحافظ المنذري غفل عن هذا الخطأ أيضًا. فذكر الحديث في الترغيب والترهيب ٢: ١٩، عن رواية الترمذي، وذكر الآية كرواية المسند والترمذي - مخالفة للتلاوة.
فإذا كان ذلك كذلك، فأنا أرجح أن أبا جعفر الطبري رحمه الله سمعه من أبي كريب عن وكيع، كرواية الترمذي عن أبي كريب، وكرواية أحمد عن وكيع، فلم يستجز أن يذكر الآية على الخطأ في التلاوة، فذكرها على الصواب. وقد أصاب في ذلك وأجاد وأحسن.
وقال الترمذي - بعد روايته: "هذا حديث حسن صحيح. وقد روي عن عائشة عن النبي ﷺ - نحو هذا".
ورواية عائشة ستأتي: ٦٢٥٥.
وذكره ابن كثير في التفسير ٢: ٦٢، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن عمرو بن عبد الله الأودي، عن وكيع، بهذا الإسناد، لكنه لم يذكر الآية الأولى التي وقع فيها الخطأ.
وذكره السيوطي ١: ٣٦٥، وزاد نسبته للشافعي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن خزيمة، وابن المنذر، والدارقطني في الصفات.
ورواه أحمد أيضًا: ٩٢٣٤، عن خلف بن الوليد، عن المبارك، وهو ابن فضالة، عن عبد الواحد ابن صبرة، وعباد بن منصور، عن القاسم، عن أبي هريرة - فذكره بنحوه، مختصرًا، ولم يذكر فيه الآيتين.
وأشار ابن كثير ٢: ٦٢، إلى رواية المسند هذه، ولكن وقع فيه تخليط من الناسخين.
والحديث سيأتي نحو معناه، مطولا ومختصرًا، عن أبي هريرة: ٦٢٥٤، ٦٢٥٦، ٦٢٥٧. وعن عائشة: ٦٢٥٥.
وسنشير إلى بقية تخريجه في آخرها: ٦٢٥٧.]] .
٦٢٥٤ - حدثني سليمان بن عمر بن خالد الأقطع قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة = ولا أراه إلا قد رفعه = قال: إن الله عز وجل يقبَلُ الصدقة، ولا يقبلُ إلا الطيب." [[الحديث: ٦٢٥٤- سليمان بن عمر بن خالد الأقطع، القرشي العامري الرقي: ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/١٣١، وذكر أن أباه كتب عنه. ولم يذكر فيه جرحًا.
ابن المبارك: هو عبد الله. وسفيان: هو الثوري.
والحديث مختصر ما قبله. والشك في رفعه - هنا - لا يضر، فقد صح الحديث مرفوعًا بالإسناد السابق والأسانيد الأخر.
وسيأتي الحديث أيضًا، بهذا الإسناد (ج ١١ ص ١٥ بولاق) ، ولم يذكر لفظه، بل ذكر أوله، ثم قال: "ثم ذكر نحوه". إحالة على الحديث السابق. فكأنه رواه هناك مطولا، ولكن دون ذكر سياقه كاملا.
وأشار ابن كثير، في تفسير سورة التوبة ٤: ٢٣٥- إلى هذه الرواية والتي قبلها، جعلهما حديثًا واحدًا، عن الثوري ووكيع، عن عباد بن منصور، به. ولكنه لم يذكر تخريجه.]] .
٦٢٥٥- حدثني محمد بن عُمر بن علي المقدّمي، قال: حدثنا ريحان بن سعيد، قال: حدثنا عباد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ:"إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربّيها لصاحبها كما يربِّي أحدُكم مُهره أو فَصيله، حتى إنّ اللقمة لتصيرُ مثل أحُد، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿يمحق الله الرّبا ويُرْبي الصدقات﴾ . [[الحديث: ٦٢٥٥- محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم، المقدمي البصري، ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير ١/١/١٧٩، وابن أبي حاتم ٤/١/٢١. ووقع في المطبوعة هنا غلط في اسم أبيه: "عمرو" بدل"عمر". وسيأتي بتخليط أشد في المطبوعة: ٦٨٠٩، هكذا: "محمد ابن عمرو وابن علي عن عطاء المقدمي"!!
و"المقدمي": بتشديد الدال المهملة المفتوحة، نسبة إلى جده الأعلى"مقدم".
ريحان بن سعيد الناجي البصري: من شيوخ أحمد وإسحاق. وقال يحيى بن معين: "ما أرى به بأسا". وتكلم فيه بعضهم، ولكن البخاري ترجمه في الكبير ٢/١/٣٠١، فلم يذكر فيه جرحًا. وكان إمام مسجد عباد بن منصور، كما في الكبير، وابن أبي حاتم ١/٢/٥١٧. وتكلم فيه ابن حبان والعجلي باستنكار بعض ما روى عن عباد. ولعله كان أعرف به إذ كان إمام مسجده.
وأيا ما كان، فإنه لم ينفرد عن عباد بهذه الرواية، كما سيظهر من التخريج.
فرواه أحمد في المسند ٦: ٢٥١ (حلبي) ، عن عبد الصمد، عن حماد، عن ثابت، عن القاسم ابن محمد، عن عائشة: "أن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد".
وهذا إسناد صحيح. ولكن الحديث مختصر.
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه ٥: ٢٣٤-٢٣٥ (من مخطوطة الإحسان) . من طريق عبد الصمد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن القاسم.
ورواه البزار مطولا، من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة - ومن طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، بنحو رواية الطبري هنا، إلا أنه لم يذكر الآية في آخره. نقله ابن كثير ٢: ٦٢-٦٣.
ولكن رواه الضحاك بن عثمان عن أبي هريرة منقطعة، لأنه إنما يروى عن التابعين.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١١ مختصرًا كرواية المسند، وقال: "رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح". ثم ذكره مطولا ٣: ١١٢، وقال: "رواه البزار، ورجاله ثقات". ولكنه ذكره من حديث عائشة وحدها.
وذكر السيوطي ١: ٣٦٥ لفظ الطبري هنا. ثم تساهل في نسبته، فنسبه للبزار، وابن جرير، وابن حبان، والطبراني.]] .
٦٢٥٦ - حدثني محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ العبد إذا تصدق من طيّب تقبلها الله منه، ويأخذها بيمينه ويربِّيها كما يربِّي أحدكم مهرَه أو فصيله. وإنّ الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد الله = أو قال:"في كفِّ الله عز وجلّ = حتى تكون مثلَ أحُد، فتصدّقوا". [[الحديث: ٦٢٥٦-"محمد بن عبد الملك": الراجح عندي أنه"محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي"، فإنه يروي عن عبد الرزاق، وهو من طبقة شيوخ الطبري، وإن لم أجد نصا يدل على روايته عنه. ولكنه بغدادي مثله. فمن المحتمل جدا أن يروى عنه، بل هو هو الأغلب الأكثر في مثل هذه الحال. وهو ثقة، وثقه النسائي وغيره. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/١/٥. وتاريخ بغداد ٢: ٣٤٥-٣٤٦.
ومن شيوخ الطبري الذين روى عنهم في التاريخ: "محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب"، وهو ثقة أيضًا، ولكن لم يذكر عنه أنه روى عن عبد الرزاق، والغالب أن ينص على مثل هذا. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٤/١/٥، وتاريخ بغداد ٢: ٣٤٤-٣٤٥.
وقد انفرد ابن كثير بشيء لا أدري ما هو؟ فحين ذكر هذا الحديث ٢: ٦٢، ذكر أنه"رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق"!! ولم أجد في الرواة من يسمى بهذا. فلا أدري أهو سهو منه، أم تخليط من الناسخين؟
والحديث رواه أحمد في المسند: ٧٦٢٢، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
ورواه إمام الأئمة ابن خزيمة، في كتاب التوحيد، ص: ٤٤، عن محمد بن رافع، وعبد الرحمن ابن بشر بن الحكم - كلاهما عن عبد الرزاق، به.
وذكر المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ١٩، أنه رواه ابن خزيمة في صحيحه أيضًا.
ونقله ابن كثير عن هذا الموضع من الطبري - كما أشرنا، ثم قال: "وهكذا رواه أحمد عن عبد الرزاق. وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب. والمحفوظ ما تقدم"! يعني رواية عباد بن منصور.
ولسنا نرى في هذا اللفظ عجبا، ولا في الإسناد غرابةّ! وهو صحيح على شرط الشيخين.
ثم إن عبد الرزاق لم ينفرد به عن معمر، فقد تابعه عليه محمد بن ثور. فرواه الطبري - فيما سيأتي (ج ١١ ص ١٥-١٦ بولاق) ، عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، به. نحوه. وهذا إسناد صحيح أيضًا. فإن محمد بن ثور الصنعاني العابد: ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، بل فضله أبو زرعة على عبد الرزاق.]] .
٦٢٥٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت يونس، عن صاحب له، عن القاسم بن محمد قال، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: إن الله عز وجل يقبل الصدقة بيمينه، ولا يقبل منها إلا ما كان طيِّبًا، والله يربِّي لأحدكم لقمته كما يربِّي أحدكم مُهره وفصيله، حتى يوافَي بها يوم القيامة وهي أعظم من أحُد". [[الحديث: ٦٢٥٧- وهذا إسناد فيه راو مبهم، هو الذي روى عنه يونس، ومن المحتمل جدا أن يكون هو أيوب. ولكن لا يزال الإسناد ضعيفا حتى نجد الدلالة على هذا المبهم.
وأما الحديث في ذاته فصحيح بالأسانيد السابقة وغيرها.
وأصل المعنى ثابت من حديث أبي هريرة، من أوجه كثيرة:
فرواه البخاري ٣: ٢٢٠-٢٢٣، و ١٣: ٣٥٢ ومسلم، ١: ٢٧٧-٢٧٨، والترمذي ٢: ٢٢-٢٣، والنسائي ١: ٣٤٩، وابن ماجه: ١٨٤٢، وابن حبان في صحيحه ٥: ٢٣٤-٢٣٧ (من مخطوطة الإحسان) ، وابن خزيمة في كتاب التوحيد. ص: ٤١-٤٤.
ورواه أحمد في المسند -غير ما أشرنا إليه سابقا-: ٨٣٦٣ (٢: ٣٣١ حلبي) ، ٨٩٤٨، ٨٩٤٩ (ص: ٣٨١-٣٨٢) ، ٩٢٣٤ (ص٤٠٤) ، ٩٤١٣ (ص: ٤١٨) ، ٩٤٢٣ (ص: ٤١٩) ، ٩٥٦١ (ص: ٤٣١) ، ١٠٩٥٨ (ص: ٥٣٨) ، ١٠٩٩٢ (ص: ٥٤١) .
ورواه البخاري في الكبير، بالإشارة الموجزة كعادته ٢/١/٤٧٦.
وقد جاء في ألفاظ هذا الحديث: "في يد الله"، و"في كف الله"، و"كف الرحمن"، ونحو هذه الألفاظ. فقال الترمذي ٢: ٢٣-٢٤.
"وقال غير واحد من أهل العلم، في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، وتزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا - قال: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن بها. ولا يتوهم، ولا يقال: كيف؟ هكذا رُوي عن مالك ابن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، انهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيفَ. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه! وقد ذكر الله تبارك وتعالى في غير موضع من كتابه -: اليد، والسمع والبصر. فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفَّسروها على غير ما فَّسر أهلُ العلمّ! وقالوا: إن الله لم يَخْلق آدم بيده! وقالوا: إنما معنى اليد القوة!! وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كَيدٍ، أو مِثْل يَدٍ، أو سمع كسَمْعٍ، أو مثلَ سمعٍ. فإذا قال سمع كسمعٍ أو مثل سمع- فهذا تشبيه. وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر. ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمعٍ - فهذا لا يكون تشبيهاً. وهو كما قال الله تبارك وتعال: (ليس كَمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البَصير) ".]] .
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله:"والله لا يحب كل كفار أثيم"، فإنه يعني به: والله لا يحب كل مُصرٍّ على كفر بربه، مقيم عليه، مستحِلّ أكل الربا وإطعامه،"أثيم"، متماد في الإثم، فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا ينزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه التي وعظه بها في تنزيله وآي كتابه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا = يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه ="وعملوا الصالحات" التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي نَدَبهم إليها ="وأقاموا الصلاة" المفروضة بحدودها، وأدّوها بسُنَنها ="وآتوا الزكاة" المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم ="لهم أجرهم"، يعني ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصَدَقتهم ="عند ربهم" يوم حاجتهم إليه في معادهم = ولا خوف عليهم" يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده ="ولا هم يحزنون" على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما ترَكوا من ذلك في الدنيا ابتغاءَ رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وُعدوا على تركه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"يا أيها الذين آمنوا"، صدّقوا بالله وبرسوله="اتقوا الله"، يقول: خافوا الله على أنفسكم، فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه="وذروا"، يعني: ودعوا="ما بقي من الربا"، يقول: اتركوا طلب ما بقي لكم من فَضْل على رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تُربوا عليها ="إن كنتم مؤمنين"، يقول: إن كنتم محققين إيمانكم قولا وتصديقكم بألسنتكم، بأفعالكم. [[قوله: "بأفعالكم" متعلق بقوله: "محققين. . . "، أي محققين ذلك بأفعالكم.]] .
* *
قال أبو جعفر: وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أسلموا ولهم على قوم أموالٌ من رباً كانوا أرْبوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضَه منهم، وبقي بعضٌ، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، [[في المخطوطة: "عما كان قد اقتضوه. . . "، وهو فاسد، والصواب ما في المطبوعة.]] وحرّم عليهم اقتضاءَ ما بقي منه.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٥٨ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا" إلى:"ولا تظلمون"، قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، يُسلِفان في الرِّبا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو = [[في المخطوطة والمطبوعة: "سلفا في الربا إلى أناس. . . " بالفعل الماضي، والصواب ما أثبت من الدر المنثور ١: ٣٦٦، والبغوي (بهامش ابن كثير) ٢: ٦٣. والسلف (بفتحتين) : القرض. والفعل: أسلف وسلف (بتشديد اللام) .]] وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله"ذروا ما بقي" من فضل كان في الجاهلية ="من الربا".
٦٢٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين"، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبيّ ﷺ على أنّ ما لهم من ربًا على الناس وما كان للناس عليهم من ربًا فهو موضوع. فلما كان الفتحُ، استعمل عتَّاب بن أسِيد على مكةَ، وكانت بنو عمرو بن عُمير بن عوف يأخذون الرِّبا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير. فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبي بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّاب بن أسيد، فكتب عتّاب إلى رسول الله ﷺ، فنزلت:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرْب من الله ورسوله"، إلى"ولا تظلمون". فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتّاب وقال:"إن رَضوا وإلا فآذنهم بحرب" = وقال ابن جريج، عن عكرمة، قوله:"اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا"، قال: كانوا يأخذون الرّبا على بني المغيرة، يزعمون أنهم مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة، بنو عمرو بن عمير، فهم الذين كان لهم الرّبا على بني المغيرة، فأسلم عبد ياليل وحَبيب وربيعة وهلالٌ ومسعود. [[الأثر: ٦٢٥٩- انظر ما قاله الحافظ في الإصابة في ترجمة"هلال الثقفي". وقال: "وفي ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله: "فلما كان الفتح" نظر، ذكرت توجيهه في أسباب النزول".]]
٦٢٦٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين"، قال: كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمِروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ فإن لم تذَروا ما بقي من الربا.
* *
واختلف القرأة في قراءة قوله:"فأذنوا بحرب من الله ورسوله".
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة:"فَأْذَنُوْا" بقصر الألف من"فآذنوا"، وفتح ذالها، بمعنى: كونوا على علم وإذن.
* *
وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قرأة الكوفيين:"فَآذِنُوا" بمدّ الألف من قوله:"فأذنوا" وكسر ذالها، بمعنى: فآذنوا غيرَكم، أعلمُوهم وأخبروهم بأنكم علىَ حرْبهم.
* *
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ:"فأذَنوا" بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه، وكونوا على إذن من الله عز وجل لكم بذلك.
وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أمر نبيه ﷺ أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يُقَرُّ على المقام عليه، وأن يقتُل المرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، آذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يُؤذنوه. [[في المطبوعة: "أذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يأذنوه". وهو خطأ في الرسم، وفساد في المعنى بهذا الرسم. وصواب رسمه في المخطوطة، وهو صواب المعنى.]] فإذْ كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركا مقيمًا على شركه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكون كان مسلمًا فارتدَّ وأذن بحرب. فأي الأمرين كان، فإنما نُبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عَزَم على ذلك. [[في المخطوطة: "بالإنذار بها إن عزم على ذلك"، وهي صواب في المعنى، ولكن ما في المطبوعة عندي أرجح.]] لأن الأمر إن كان إليه، فأقام على أكل الربا مستحلا له ولم يؤذن المسلمون بالحرب، لم يَلزمهم حرْبُه، وليس ذلك حُكمه في واحدة من الحالين، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها.
وعلى هذا التأويل تأوله أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا"، إلى قوله: (فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ : فمن كان مقيمًا على الرّبا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضَرب عنقه.
٦٢٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا:"خذ سلاحك للحرْب". [[الأثر: ٦٢٦٢- انظر الأثر السالف رقم: ٦٢٤١، والتعليق عليه.]]
٦٢٦٣- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج، قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال: حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
٦٢٦٤ - حدثنا بشر، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ أوْعدهم الله بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بَهْرَجًا أينما ثقفوا. [[البهرج: الشيء المباح. والمكان بهرج: غير حمى. وبهرج دمه: أهدره وأبطله. وفي الحديث: أنه بهرج دم ابن الحارث.]]
٦٢٦٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، مثله.
٦٢٦٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله"، أوعد الآكلَ الرّبا بالقتل. [[في المطبوعة والمخطوطة: "أوعد لآكل الربا. . . " وهو لا شيء، والصواب ما أثبت.]]
٦٢٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله.
* *
قال أبو جعفر: وهذه الأخبار كلها تنبئ عن أن قوله: ﴿فأذنوا بحرب من الله﴾ إيذان من الله عز وجل لهم بالحرب والقتل، لا أمر لهم بإيذان غيرهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أُمْوَالِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"إن تبتم" فتركتم أكلَ الربا وأنبتم إلى الله عز وجل ="فلكم رؤوس أموالكم" من الديون التي لكم على الناس، دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربًا منكم، كما:
٦٢٦٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم"، والمال الذي لهم على ظهور الرجال، [[في المطبوعة: "المال الذي لهم" بإسقاط الواو، وأثبت ما في المخطوطة وسيأتي على الصواب رقم: ٦٢٩٧. وفي المخطوطة"ظهور الرحال" بالحاء.]] جعل لهم رءوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئًا.
٦٢٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: وضع الله الرّبا، وجعل لهم رءوس أموالهم.
٦٢٧٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم"، قال: ما كان لهم من دَين، فجعل لهم أن يأخذوا رءوس أموالهم، ولا يزدادُوا عليه شيئًا.
٦٢٧١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم" الذي أسلفتم، وسقط الربا.
٦٢٧٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنّ نبيّ الله ﷺ قال في خطبته يوم الفتح:"ألا إن ربا الجاهلية موضوعٌ كله، وأوَّل ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب".
٦٢٧٣- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: أن رسول الله ﷺ قال في خطبته:"إنّ كل ربا موضوع، وأول ربًا يوضع ربا العباس". [[الأثران: ٦٢٧٢، ٦٢٧٣- حديث خطبته ﷺ في حجة الوداع، رواه مسلم ٨: ١٨٢، ١٨٣ في حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع. وسنن البيهقي ٥: ٢٧٤، ٢٧٥. وخرجه السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٧، وقال"أخرج أبو داود والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع. . . "، وانظر ابن كثير ٢: ٦٥.]] .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله:"لا تَظلمون" بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غُرمائكم منهم، دون أرباحها التي زدتموها ربًا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم، فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذُه، أو لم يكن لكم قبلُ="ولا تُظلمون"، يقول: ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الرّبا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل، يبخسُكم حقًّا لكم عليه فيمنعكموه، لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقًّا لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول، وغيرُه من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون"، فتُربون،"ولا تظلمون" فتنقصون.
٦٢٧٥ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون"، قال: لا تنقصون من أموالكم، ولا تأخذون باطلا لا يحلُّ لكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك:"وإن كان" ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوسَ أموالكم ="ذو عُسْرَة" يعني: معسرًا برؤوس أموالكم التي كانت لكم عليهم قبلَ الإرباء، فأنظروهم إلى ميسرتهم.
وقوله:"ذو عسرة"، مرفوع ب"كان"، فالخبر متروك، وهو ما ذكرنا. وإنما صلح ترك خبرها، من أجل أنّ النكرات تضمِرُ لها العربُ أخبارَها، ولو وُجِّهت"كان" في هذا الموضع، إلى أنها بمعنى الفعل المكتفِي بنفسه التام، لكان وجهًا صحيحًا، ولم يكن بها حاجة حينئذ إلى خبر. فيكون تأويلُ الكلام عند ذلك: وإن وُجد ذُو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم، فنَظِرة إلى ميسرة.
وقد ذكر أنّ ذلك في قراءة أبي بن كعب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ﴾ ، بمعنى: وإن كان الغريم ذا عسرة ="فنظرة إلى ميسرة". وذلك وإن كان في العربية جائزا فغيرُ جائز القراءة به عندنا، لخلافه خطوط مصاحف المسلمين. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٨٦.]]
* *
وأما قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ، فإنه يعني: فعليكم أن تنظروه إلى ميسرة، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ [سورة البقرة: ١٩٦] ، وقد ذكرنا وجه رفع ما كان من نظائرها فيما مضى قبلُ، فأغنى عن تكريره. [[انظر ما سلف ٤: ٣٤.]] .
* *
و"الميسرَة"، المفعلة من"اليُسر"، مثل"المرْحمة" و"والمشأمة".
* *
ومعنى الكلام: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدَّين الذي لكم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "حتى يوسر بما ليس لكم"، واجتهد مصحح المطبوعة وقال: "لعل (ليس) زائدة من الناسخ". ولا أراه كذلك، بل قوله"بما ليس"، هي في الأصل الذي نقل عنه الناسخ"بالدين" مرتبطة الحروف، كما يكون كثيرا في المخطوطة القديمة، فلم يحسن الناسخ قراءتها، فقرأها"بما ليس"، وحذف"الذي"، لظنه أنها زائدة سهوا من الناسخ قبله، وتبين صحة ما أثبتناه، من كلام الطبري بعد في آخر تفسير الآية. ولو قرئت: "برأس ما لكم"، لكان صوابا في المعنى، كما يتبين من الآثار الآتية.]] فيصيرَ من أهل اليُسر به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٧٧ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، قال: نزلت في الربا.
٦٢٧٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين: أن رجلا خاصَم رجلا إلى شُرَيح، قال: فقضى عليه وأمرَ بحبسه، قال: فقال رجل عند شريح: إنه مُعسرٌ، والله يقول في كتابه:"وإن كان ذو عسرة فنَظِرة إلى ميسرة"! قال: فقال شريح: إنما ذلك في الربا! وإن الله قال في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [سورة النساء: ٥٨] ولا يأمرنا الله بشيء ثم يعذبنا عليه.
٦٢٧٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، قال: ذلك في الربا.
٦٢٨٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن الشعبيّ أن الربيع بن خثيم كان له على رجل حق، فكان يأتيه ويقوم على بابه ويقول: أيْ فلان، إن كنت مُوسرًا فأدِّ، وإن كنت مُعسرًا فإلى مَيسرة. [[الأثر: ٦٢٨٠ - كان في المطبوعة: "مغيرة، عن الحسن. . . "، وفي المخطوطة"مغيرة، عن الحسى" مشددة الياء بالقلم، والناسخ كثير السهو والغفلة والتصحيف كما أسلفنا. وإنما هو"الشعبي"، وهذا الإسناد إلى الشعبي قد مضى مئات من المرات، انظر مثلا: ٤٣٨٥. وكان في المطبوعة: "الربيع بن خيثم" وهو تصحيف والصواب ما أثبت، وقد مضت ترجمته في رقم: ١٤٣٠.]]
٦٢٨١- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، قال: جاء رجل إلى شريح فكلَّمه فجعل يقول: إنه معسر، إنه مُعسر! ! قال: فظننت أنه يكلِّمه في محبوس، فقال شريح: إن الربا كان في هذا الحي من الأنصار، فأنزل الله عز وجل:"وإنْ كان ذُو عُسْرَة فَنظِرة إلى ميسرة" وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، فما كان الله عز وجل يأمرنا بأمر ثم يعذبنا عليه، أدّوا الأمانات إلى أهلها.
٦٢٨٢- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنطرة إلى ميسرة"، قال: فنظرة إلى ميسرة برأس ماله.
٦٢٨٣ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، إنما أمر في الربا أن ينظر المعسر، وليست النَّظِرة في الأمانة، ولكن يؤدِّي الأمانة إلى أهلها. [[في المخطوطة: "ولكن مؤدي الأمانة. . . "، وهو تصحيف من الناسخ.]]
٦٢٨٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن كان ذو عسرة فنظرة" برأس المال ="إلى ميسرة"، يقول: إلى غنى.
٦٢٨٥- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، هذا في شأن الربا.
٦٢٨٦ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال [[في المطبوعة: "عبيد بن سلمان"، والصواب من المخطوطة، وقد مضى الكلام على هذا الإسناد فيما سلف.]] سمعت الضحاك في قوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ ، هذا في شأن الربا، وكان أهل الجاهلية بها يتبايعون، فلما أسلم من أسلم منهم، أمِروا أن يأخذوا رءوس أموالهم.
٦٢٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، يعني المطلوب.
٦٢٨٨ - حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن أبي جعفر في قوله:"وإن كان ذُو عسرة فنظِرةَ إلى ميسرة"، قال: الموت.
٦٢٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن محمد بن علي مثله.
٦٢٩٠- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم:"وإن كان ذُو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، قال: هذا في الربا.
٦٢٩١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم في الرجل يتزوج إلى الميسرة، قال: إلى الموت، أو إلى فُرْقة.
٦٢٩٢- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم:"فنظرة إلى ميسرة"، قال: ذلك في الربا.
٦٢٩٣ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد:"فنظرة إلى ميسرة"، قال: يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخَّره.
٦٢٩٤ - وحدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مندل، عن ليث، عن مجاهد:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" قال: يؤخره ولا يزدْ عليه.
* *
وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من كان له قِبَل رجل معسر حقٌّ [[في المخطوطة: "هذه الآية عام. . . " تصحيف من الناسخ وسهو.]] من أيّ وجهة كان ذلك الحق، من دين حلال أو ربا.
ذكر من قال ذلك:
٦٢٩٥ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: من كان ذا عُسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدّقوا خير لكم. قال: وكذلك كل دين على مسلم، فلا يحلّ لمسلم له دَين على أخيه يعلم منه عُسرة أن يسجنه، ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه. وإنما جعل النظرة في الحلال، فمن أجل ذلك كانت الدّيون على ذلك.
٦٢٩٦- حدثني علي بن حرب قال، حدثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" قال: نزلت في الدَّين. [[الأثر: ٦٢٩٦-"علي بن حرب بن محمد بن علي الطائي". قال النسائي: "صالح"، وقال أبو حاتم: "صدوق" توفي سنة ٢٦٥، مترجم في التهذيب.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة"، أنه معنيٌّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول الله ﷺ، ولهم عليهم ديون قد أربَوْا فيها في الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم، فأمر الله بوضع ما بقي من الربا بعد ما أسلموا، وبقبض رؤوس أموالهم، ممن كان منهم من غرمائهم موسرا، أو إنظار من كان منهم معسرا برؤوس أموالهم إلى ميسرتهم. فذلك حكم كل من أسلم وله ربا قد أربى على غريم له، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قِبْل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله - الذي كان أخذ منه، أو لزمه من قبل الإرباء - إليه، إن كان موسرا. [[سياق العبارة"ويلزمه أداء رأس ماله. . . إليه. . . "، وما بينهما فصل.]] وإن كان معسرا، كان منظرا برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضل على رأس المال مبطلا عنه.
غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها، فإن الحكم الذي حكم الله به: من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه، حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حل عليه، وهو بقضائه معسر: في أنه منظر إلى ميسرته، لأن دين كل ذي دين، في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه - لا في رقبته. فإذا عدم ماله، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع، وذلك أن مال رب الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون في رقبة غريمه، أو في ذمته يقضيه من ماله، أو في مال له بعينه.
= فإن يكن في مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم، فقد بطل دين رب المال، وذلك ما لا يقوله أحد.
= ويكون في رقبته، [[في المطبوعة: "ويكون في رقبته"، والصواب من المخطوطة.]] فإن يكن كذلك، فمتى عدمت نفسه، فقد بطل دين رب الدين، وإن خلف الغريم وفاء بحقه وأضعاف ذلك، وذلك أيضا لا يقوله أحد.
فقد تبين إذا، إذ كان ذلك كذلك، أن دين رب المال في ذمة غريمه يقضيه من ماله، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل، لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه، سبيل. [[في المطبوعة: "لم يكن إلى حبسه بحقه وهو معدوم سبيل" قدم"بحقه"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو صواب جيد.]] لأنه غير مانعه حقا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس. [[في المطبوعة: "فيعاقب بظلمه إياه. . . "، وفي المخطوطة"فيعاقب بطله إياه. . " وصواب قراءتها ما أثبت. مطله حقه يمطله مطلا، وماطله مطالا: سوفه ودافعه بالعدة والدين. هذا، وأبو جعفر رضي الله عنه، رجل قويم الحجة، أسد اللسان، سديد المنطق، عارف بالمعاني ومنازلها من الرأي، ومساقطها من الصواب. وهذه حجة بينة فاصلة من حججه التي أشرت إليها كثيرا في بعض تعليقي على هذا التفسير الجليل.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل وعز بذلك: وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، ="خير لكم" أيها القوم من أن تنظروه إلى ميسرته، لتقبضوا رؤوس أموالكم منه إذا أيسر ="إن كنتم تعلمون" موضع الفضل في الصدقة، وما أوجب الله من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه.
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك:"وأن تصدقوا" برؤوس أموالكم على الغني والفقير منهم ="خير لكم".
ذكر من قال ذلك:
٦٢٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم"، والمال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية. فأما الربح والفضل فليس لهم، ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا ="وأن تصدقوا خير لكم"، يقول: أن تصدقوا بأصل المال، خير لكم. [[الأثر: ٦٢٩٧- سلف برقم: ٦٢٦٨. وانظر التعليق هناك.]]
٦٢٩٨ - حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية، عن سعيد، عن قتادة: "وأن تصدقوا"، أي برأس المال، فهو خير لكم.
٦٢٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ قال: من رؤوس أموالكم.
٦٣٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم بمثله.
٦٣٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم:"وأن تصدقوا خير لكم"، قال: أن تصدقوا برؤوس أموالكم.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسر، خير لكم - نحو ما قلنا في ذلك.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٠٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وأن تصدقوا خير لكم"، قال: وأن تصدقوا برؤوس أموالكم على الفقير، فهو خير لكم، فتصدق به العباس.
٦٣٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، يقول: وإن تصدقت عليه برأس مالك فهو خير لك.
٦٣٠٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ، قال أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك في قوله: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ ، يعني: على المعسر، فأما الموسر فلا ولكن يؤخذ منه رأس المال، والمعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل.
٦٣٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك: وأن تصدقوا برؤوس أموالكم، خير لكم من نظرة إلى ميسرة. فاختار الله عز وجل الصدقة على النظارة. [[النظارة (بكسر النون) : الإنظار وهو الإمهال. وهو مصدر لم أجده في كتب اللغة، ولكنه عريق في عربيته. كالنذارة، من الإنذار، وهو عزيز، ولكنه عربي البناء والقياس.]]
٦٣٠٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم"، قال: من النظرة ="إن كنتم تعلمون".
٦٣٠٧- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ﴿فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم﴾ ، والنظرة واجبة، وخير الله عز وجل الصدقة على النظرة، [[يقال: "اخترت فلانا على فلان" بمعنى: فضلت فلانا على فلان، ولذلك عدى بعلى. ومثله"خير فلانا على فلان"، أي فضله عليه. وقد جاء في الأثر: "خير بين دور الأنصار"، أي فضل بعضها على بعض. وقلما تجد هذا التعبير.]] والصدقة لكل معسر، فأما الموسر فلا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه:"وأن تصدقوا على المعسر برءوس أموالكم خير لكم" لأنه يلي ذكر حكمه في المعنيين. وإلحاقه بالذي يليه، أحب إلي من إلحاقه بالذي بعد منه.
* *
قال أبو جعفر: وقد قيل إن هذه الآيات في أحكام الربا، هن آخر آيات نزلت من القرآن.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٠٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد = وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سعيد، = عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها، فدعوا الربا والريبة. [[الحديث: ٦٣٠٨- سعيد: هو ابن أبي عروبة.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٤٦، عن يحيى، وهو القطان.
و: ٣٥٠، عن ابن علية - كلاهما عن ابن أبي عروبة. بهذا الإسناد.
ورواه ابن ماجه: ٢٢٧٦، من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، به.
وذكره ابن كثير ٢: ٥٨، عن الموضع الأول من المسند.
وذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٣٦٥، وزاد نسبته لابن الضريس، وابن المنذر. وأشار إليه في الإتقان ١: ٣٣، موجزا، منسوبا لأحمد وابن ماجه فقط.
وهذا الحديث - على جلالة رواته وثقتهم - ضعيف الإسناد، لانقطاعه. فإن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، كما بينا في شرح المسند: ١٠٩، وانظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص: ٢٦-٢٧.]]
٦٠٣٩- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر: أن عمر رضي الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أما بعد، فإنه والله ما أدري لعلنا نأمركم بأمر لا يصلح لكم، وما أدري لعلنا ننهاكم عن أمر يصلح لكم، وإنه كان من آخر القرآن تنزيلا آيات الربا، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم". [[الحديث: ٦٣٠٩- داود: هو ابن أبي هند. عامر: هو الشعبي.
وهذا الإسناد ضعيف أيضًا، فإن الشعبي لم يدرك عمر، كما قلنا فيما مضى: ١٦٠٨، نقلا عن ابن كثير.
وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٣، منسوبا للطبري، وقال: "وهو منقطع، فإن الشعبي لم يدرك عمر".
وذكر ابن كثير ٢: ٥٨، نحو معناه، قال: "رواه ابن ماجه وابن مردويه، من طريق هياج ابن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر. . . " إلخ.
وهياج بن بسطام الهروي: اختلفوا فيه جدا، فضعفه أحمد، وابن معين، وابن أبي حاتم، وغيرهم. وقال المكي بن إبراهيم - شيخ البخاري: "ما علمنا الهياج إلا ثقة صادقا عالما". ووثقه محمد ابن يحيى الذهلي. وقد أنكروا عليه أحاديث، ثم ظهر أن الحمل فيها على ابنه خالد الذي رواها عنه. والراجح عندنا هذا، فإن البخاري ترجمه في الكبير ٤/٢/٢٤٢، فلم يذكر فيه جرحا. وكأنه ذهب فيه إلى ما اختاره شيخاه: المكي بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى الذهلي.
وابن كثير لم يبين من رواه عن الهياج. ثم لم أعرف موضعه في ابن ماجه، وليس عندي كتاب ابن مردويه.
ولكني وجدت له إسنادا إلى الهياج. فرواه الخطيب في ترجمته في تاريخ بغداد ١٤: ٨٠-٨١، من طريق محمد بن بكار بن الريان، -وهو ثقة- عن الهياج، بهذا الإسناد.
فعن هذا ظهر أن إسناده صحيح، والحمد لله.]]
٦٣١٠ - حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: آخر ما أنزل على رسول الله ﷺ آية الربا، وإنا لنأمر بالشيء لا ندري لعل به بأسا، وننهى عن الشيء لعله ليس به بأس. [[الحديث: ٦٣١٠- أبو زيد عمر بن شبة - بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة - النميري النحوي: ثقة صاحب عربية وأدب. قال الخطيب: "كان ثقة عالما بالسير وأيام الناس". مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/١١٦، وتاريخ بغداد ١١: ٢٠٨-٢١٠.
قبيصة: هو ابن عقبة. مضت ترجمته في: ٤٨٩، ٢٧٩٢. وهذا الحديث من روايته عن سفيان الثوري. وقد بينا هناك أن روايته عنه صحيحة، خلافا لمن تكلم فيها.
عاصم الأحول: هو عاصم بن سليمان. وقد مضى مرارا. ووقع في المطبوعة هنا"عاصم عن الأحول". وهو خطأ مطبعي. وثبت على الصواب في المخطوطة.
وهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح ٨: ١٥٣ (فتح) ، عن قبيصة، بهذا الإسناد. ولكنه اقتصر على أوله، إلى قوله"آية الربا" لأن الباقي موقوف من كلام ابن عباس.
وذكر السيوطي ١: ٣٦٥ رواية البخاري، وزاد نسبتها لأبي عبيد، والبيهقي في الدلائل.
وقال الحافظ في الفتح: "المراد بالآخرية في الربا: تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة. وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران، في أثناء قصة أحد: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) الآية".]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١) ﴾
قال أبو جعفر: وقيل: هذه الآية أيضا آخر آية نزلت من القرآن.
ذكر من قال ذلك:
٦٣١١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ:"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله". [[الحديث: ٦٣١١ -أبو تميلة- بضم التاء المثناة: هو يحيى بن واضح. مضت ترجمته في: ٣٩٢.
الحسين بن واقد: مضت ترجمته في: ٤٨١٠. ووقع هناك في طبعتنا هذه"الحسن". وهو خطأ مطبعي، مع أننا بيناه على الصواب في الترجمة، فيصحح ذلك.
يزيد النحوي: هو يزيد بن أبي سعيد النحوي المروزي، مولى قريش. وهو ثقة، وثقه أبو زرعة، وابن معين، وغيرهما. قتله أبو مسلم سنة ١٣١ لأمره إياه بالمعروف. والنحوي": نسبة إلى"بني نحو"، بطن من الأزد.
وهذا إسناد صحيح.
والحديث ذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٣، ونسبه للطبري فقط.
وذكره ابن كثير ٢: ٦٩، عن رواية النسائي، فهو يريد بها السنن الكبرى. وكذلك صنع السيوطي في الإتقان ١: ٣٣.
وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٣٢٤، وقال: "رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما ثقات".
وفي الدر المنثور ١: ٣٦٩-٣٧٠ زيادة نسبته لأبي عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.
وظاهر هذه الرواية عن ابن عباس، يعارض ظاهر الرواية السابقة عنه: ٦٣١٠، أن آخر آية زلت هي آية الربا.
فقال الحافظ في الفتح: "وطريق الجمع بين هذين القولين، [يريد الروايتين] : أن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا، إذ هي معطوفة عليهن".
ويشير إلى ذلك صنيع البخاري، بدقته وثقوب نظره، فإنه روى الحديث الماضي تحت عنوان: "باب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ". فجعل بهذه الإشارة الموضوع واحدا، والروايتين متحدتين غير متعارضتين. رحمه الله.]]
٦٣١٢ - حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ... " الآية، فهي آخر آية من الكتاب أنزلت.
٦٣١٣ - حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا سهل بن عامر، قال: حدثنا مالك بن مغول، عن عطية قال: آخر آية نزلت:"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون". [[الخبر: ٦٣١٣- سهل بن عامر: مضت ترجمته في: ١٩٧١، وأنه ضعيف جدا. ووقع اسمه في المخطوطة والمطبوعة هنا"إسماعيل بن سهل بن عامر"! وهو تخليط من الناسخين، فلا يوجد راو بهذا الاسم. ثم هذا الإسناد نفسه هو الماضي: ١٩٧١. ومضى أيضًا رواية محمد بن عمارة، عن سهل، عن مالك بن مغول: ٥٤٣١.]]
٦٣١٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي، قال: آخر آية نزلت:"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله".
٦٣١٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، [[في المطبوعة: "عبيد بن سلمان"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، ومن كتب التراجم.]] عن الضحاك، عن ابن عباس = وحجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس = آخر آية نزلت من القرآن:"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" = قال ابن جريج: يقولون إن النبي ﷺ مكث بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، [[في المخطوطة والمطبوعة: "وبدا يوم السبت"، وهو خطأ فاحش، وأشد منه فظاظة شرح من شرحه فقال: "يريد أنه احتجب عن الناس لمرضه، ثم خرج لهم يوم السبت"! وأولى بالمرء أن يدع ما لا يحسن! إنما هو قولهم: "بدئ الرجل" (بالبناء للمجهول) أي مرض. يقال: متى بدئ فلان؟ أي: متى مرض: وفي حديث عائشة: أنها قالت في اليوم الذي بدئ فيه رسول الله ﷺ: "وا رأساه".
وانظر لهذا الخبر ما خرجه السيوطي في الإتقان ١: ٣٣، وابن كثير ٢: ٦٩، ٧٠.]] ومات يوم الاثنين.
٦٣١٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، حدثني سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. [[الحديث: ٦٣١٦ - هذا إسناد صحيح إلى ابن المسيب، ولكنه حديث ضعيف لإرساله، إذ لم يذكر ابن المسيب من حدثه به.
والحديث نقله ابن كثير ٢: ٧٠-٧١، عن هذا الموضع بإسناده. وذكره السيوطي ١: ٣٧٠"عن ابن جرير، بسند صحيح عن سعيد بن المسيب".]]
* *
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واحذروا أيها الناس = يوما ترجعون فيه إلى الله" فتلقونه فيه، أن تردوا عليه بسيئات تهلككم، أو بمخزيات تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم، فتهتك أستاركم، [[في المطبوعة: "بفضيحات تفضحكم"، ولا أدري لم غير ما كان في المخطوطة!!]] أو بموبقات توبقكم، فتوجب لكم من عقاب الله ما لا قبل لكم به، وإنه يوم مجازاة بالأعمال، [[في المطبوعة: "مجازاة الأعمال"، ولا أدري لم حذف"الباء"!!]] لا يوم استعتاب، ولا يوم استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب ومحاسبة، توفى فيه كل نفس أجرها على ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح، لا تغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا أحضرت، [[في المطبوعة: "لا يغادر. . . " بالياء، وفي المخطوطة غير منقوطة، والصواب ما أثبت.]] فوفيت جزاءها بالعدل من ربها، وهم لا يظلمون. [[في المطبوعة: "فتوفى جزاءها"، وفي المخطوطة: "فتوفيت" غير منقوطة كلها، وصوت قراءتها ما أثبت]] وكيف يظلم من جوزي بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟! [[في المطبوعة: "كيف" بحذف الواو، والصواب ما في المخطوطة.]] كلا بل عدل عليك أيها المسيء، وتكرم عليك فأفضل وأسبغ أيها المحسن، فاتقى امرؤ ربه، وأخذ منه حذره، [[في المطبوعة: "فأخذ" بالفاء، والصواب ما في المخطوطة.]] وراقبه أن يهجم عليه يومه، وهو من الأوزار ظهره ثقيل، ومن صالحات الأعمال خفيف، فإنه عز وجل حذر فأعذر، ووعظ فأبلغ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله:"إذا تداينتم"، يعني: إذا تبايعتم بدين، أو اشتريتم به، أو تعاطيتم أو أخذتم به ="إلى أجل مسمى"، يقول: إلى وقت معلوم وقتموه بينكم. وقد يدخل في ذلك القرض والسلم، وكل ما جاز [فيه] السلم مسمى أجل بيعه، يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وقد يدخل في ذلك القرض والسلم في كل ما جاز السلم شرى أجل بيعه"، وهي عبارة غير مفهومة قد أخل بها التصحيف والتحريف، وقد اجتهدت في تصحيحها على هذا الوجه حتى تستقيم بعض الاستقامة. والسلم (بفتحتين) : السلف. يقال: أسلم وسلم (بتشديد اللام) : إذا أسلف، وهو أن تعطى ذهبا وفضة في سلعة معلومة إلى أجل معلوم، فكأنك قد أسلمت الثمن إلى صاحب السلعة. وحده عند بعض الفقهاء: هو بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة، بعين حاضرة. أو ما في حكمها، إلى أجل معلوم".]] ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة. كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى، إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه.
* *
وكان ابن عباس يقول نزلت هذه الآية في السلم خاصة.
ذكر الرواية عنه بذلك:
٦٣١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن عيسى الرملي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح قال، قال ابن عباس في:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى"، قال: السلم في الحنطة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم. [[الأثر: ٦٣١٧- يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الرملي الهشلي الخزاز، سمع سفيان، ومات سنة ٢٠١، وقد تكلموا فيه قال أبو داود: "بلغني عن أحمد أنه أحسن الثناء عليه" وقال ابن معين: "ليس بشيء"، وقال العجلي"ثقة"، وقال ابن عدي: "عامة ما يرويه لا يتابع عليه".
مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٩٦، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٧٨.]]
٦٣١٨- حدثني محمد بن عبد الله المخرمي قال، حدثنا يحيى بن الصامت قال، حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي حيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عباس:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين"، قال: نزلت في السلم، في كيل معلوم إلى أجل معلوم. [[الحديث: ٦٣١٨- يحيى بن الصامت: هكذا وقع في المخطوطة والمطبوعة، ولم نعرف من؟ ولعله محرف من شيء آخر؟ .
والذي في هذه الطبقة، ونرجح أنه الراوي هنا: هو"يحيى بن أيوب المقابري أبو زكريا العابد. فهو الذي يروي عن عبد الله بن المبارك، ويروي عنه محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، كما في ترجمته في التهذيب ١١: ١٨٨، ولكن فيه"محمد بن عبد العزيز بن المبارك المخرمي"، وهو خطأ في"عبد العزيز" بدل"عبد الله". ويحيى بن أيوب هذا: ثقة من شيوخ مسلم في صحيحه. و"المقابري": نسبة إلى المقابر، لكثرة زيارته إياها، كما في اللباب ٤: ١٦٧. وله ترجمة في ابن أبي حاتم ٤/٢/١٢٨، وتاريخ بغداد ١٤: ١٨٨-١٨٩.
ومن المحتمل -وهو رجل عابد زاهد- أن يكون"الصامت" لقبا له، فيكون"يحيى الصامت". ولكن لم أجد نصا على ذلك، ولا ما يشير إليه.
سفيان: هو الثوري.
أبو حيان: هو التيمي، يحيى بن سعيد بن حيان. مضت ترجمته في: ٥٣٨٢.
ابن أبي نجيح: هو عبد الله بن يسار الثقفي المكي. وكنية أبيه"أبو نجيح". وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ولكن روايته عن ابن عباس منقطعة، فإنه يروى عن التابعين.
وسيأتي الحديث صحيحا، بإسناد آخر صحيح: ٦٣٢١.
وسيأتي بين هذين بإسنادين ضعيفين.]]
٦٣١٩- حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن أبي حيان، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، في السلم، في الحنطة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم. [[الحديث: ٦٣١٩- زيد بن أبي الزرقاء: مضت ترجمته في: ١٣٨٤. ووقع في المطبوعة"يزيد" بدل"زيد". وهو خطأ فلا يوجد من يسمى بهذا في الرواة. ثم هذا الشيخ هو الذي روى عن سفيان الثوري، ويروي عنه علي بن سهل الرملي، كما مضى في ذاك الإسناد.
والحديث ضعيف كالذي قبله. فالرجل المبهم الذي يروي عنه أبو حيان -هو ابن أبي نجيح. ولم يدرك ابن عباس.]]
٦٣٢٠- حدثنا ابن بشار قال حدثنا محمد بن محبب قال، حدثنا سفيان، عن أبي حيان التيمي، عن رجل، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى"، في السلف في الحنطة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم. [[الحديث: ٦٣٢٠- محمد بن محبب بن إسحاق القرشي، أبو همام الدلال صاحب الرقيق: ثقة، وثقه أبو داود، وأبو حاتم، وغيرهما. وأخطأ المنذري في تهذيب السنن: ٢٥٣٧، إذ قال: "لا يحتج بحديثه". وإنما قلد ابن الجوزي حين ذكره في الضعفاء. وغلطه في ذلك الذهبي في الميزان.
و"محبب": بباءين موحدتين، وزان"محمد". كذا ضبطه عبد الغني في المؤتلف، ص: ١٢٣، والذهبي في المشتبه، ص: ٤٦٧، والحافظ في التهذيب والتقريب. ووهم ابن أبي حاتم، حين جعله"محبب"، في الجرح ٤/١/٩٦.
"صاحب الرقيق": بالراء، كما في الكبير للبخاري ١/١/٢٤٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم. ووقع في التهذيب والخلاصة: "الدقيق" بالدال. وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن اليماني في هوامش الجرح: "والرقيق - بالراء: أشبه بقولهم الدلال"، وهو جيد.
والحديث مكرر ما قبله، وهو ضعيف الإسناد كمثله.]]
٦٣٢١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون، إلى أجل مسمى، أن الله عز وجل قد أحله وأذن فيه. ويتلو هذه الآية:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى" [[الحديث: ٦٣٢١- معاذ بن هشام الدستوائي: ثقة مأمون. أخرج له الستة.
أبوه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي: إمام ثقة حجة، وكان ممن سمى"أمير المؤمنين في الحديث" - سماه به أبو داود الطيالسي. وقال شعبة: "كان هشام أحفظ مني عن قتادة".
أبو حسان - بالسين: هو أبو حسان الأعرج، مضت ترجمته في: ٥٤٢٢. ووقع في المخطوطة والمطبوعة"أبو حيان" -بالياء- وهو خطأ وتخليط، كما سيبين من التخريج.
والحديث رواه عبد الرزاق في المصنف ٤: ٢٥٢ (مخطوط مصور) ، عن معمر، عن قتادة، به.
ورواه الشافعي في الأم ٣: ٨٠-٨١، عن سفيان - وهو ابن عيينة، "عن أيوب، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس"، به.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٦، من طريق إبراهيم بن بشار، عن سفيان، وهو ابن عيينة، به.
ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٦: ١٨، من طريق سعيد بن عامر، عن شعبة، عن قتادة، به.
وتسرع الحافظ الذهبي في مختصر المستدرك، فعقب عليه، كأنه يريد تضعيف إسناده! فقال: "إبراهيم ذو زوائد عن"ابن عيينة"!!
وهي كلمة مرسلة دون تحقيق. فإبراهيم بن بشار الرمادي: مضت ترجمته وتوثيقه في: ٨٩٢، ونزيد هنا: أنه كان مكثرا عن ابن عيينة مغربا. ولكن قال ابن حبان: "كان متقنا ضابطا، صحب ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارا". فمثل هذا لا يستبعد عليه أن يأتي عن شيخه بما لم يأت به غيره. هذه واحدة.
وأخرى: أنه لم ينفرد به عن ابن عيينة - كما ترى. وكفى برواية الشافعي إياه عن ابن عيينة ثقة وحجة.
ثم لم ينفرد به ابن عيينة عن أيوب عن قتادة. كما تبين مما ذكرنا من الأسانيد، ومن رواية الطبري هنا. فقد رواه هشام الدستوائي، ومعمر، وشعبة - ثلاثتهم عن قتادة، كما ترى.
ولذلك ذكره ابن كثير ٢: ٧١-٧٢، قال: "وقال قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس. . . ". فلم يذكر من رواه عن قتادة، لثبوته عنه من غير وجه.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٠، وزاد نسبته لعبد بن حميد، والبخاري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني.]]
* *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما وجه قوله:"بدين"، وقد دل بقوله:"إذا تداينتم"، عليه؟ وهل تكون مداينة بغير دين، فاحتيج إلى أن يقال"بدين"؟ قيل: إن العرب لما كان مقولا عندها: "تداينا" بمعنى: تجازينا، وبمعنى: تعاطينا الأخذ والإعطاء بدين أبان الله بقوله:"بدين"، المعنى الذي قصد تعريف من سمع قوله:"تداينتم"، [[في المطبوعة: "الذي قصد تعريفه من قوله تداينتم حكمه".، وهو غير مستقيم، وفي المخطوطة: "تعريفمن قوله تداينتم حكمه"، بين الكلام بياض، وبالهامش حرف (ط) إشارة إلى الخطأ، فآثرت أن أقيم الجملة بزيادة"سمع" حتى يستقيم الكلام بعض الاستقامة. وقوله"حكمه" مفعول للمصدر في قوله: "تعريف من سمع". ثم انظر الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس: ٨٥، فإنه نقل كلام الطبري مختصرا، آخره: "المعنى الذي قصد له".]]
حكمه، وأعلمهم أنه حكم الدين دون حكم المجازاة.
* *
وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [سورة الحجر: ٣٠\ سورة ص: ٧٣] ، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضع. [[لم أعرف قائله، ولكنه مشهور في كتب التفسير، انظر تفسير أبي حيان ١: ٣٤٣، والقرطبي ٣: ٣٧٧.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فاكتبوه"، فاكتبوا الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى، من بيع كان ذلك أو قرض.
* *
واختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه، هل هو واجب أو هو ندب.
فقال بعضهم: هو حق واجب وفرض لازم.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٢٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، قال: من باع إلى أجل مسمى، أمر أن يكتب، صغيرا كان أو كبيرا إلى أجل مسمى.
٦٣٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، قال: فمن ادان دينا فليكتب، ومن باع فليشهد.
٦٣٢٤ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، فكان هذا واجبا.
٦٣٢٥ - وحدثت عن عمار قال حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله = وزاد فيه، قال: ثم قامت الرخصة والسعة. [[قوله: "ثم قامت الرخصة والسعة"، أي ثبتت واستقامت، وهو مجاز، مثله قولهم: "قام الماء" إذا ثبت متحيرا لا يجد منفذا، وإذا جمد أيضًا. "وقامت عينه": ثبتت لم تتحرك. و"قام عندهم الحق": أي ثبت ولم يبرح. كل ذلك مجاز.]] قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) .
٦٣٢٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي، كان رجلا صحب كعبا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له؟ قالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع شيئا فلم يكتب ولم يشهد، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه، فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه. [[الأثر: ٦٣٢٦-"أبو سلمان المرعشي" في المخطوطة"المدعس"، وفي ابن كثير ٢: ٧٢. وقد ذكر البخاري في الكنى: ٣٧، "أبو سليمان، عن كعب قوله، روى عن قتادة".]]
* *
وقال آخرون: كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا، فنسخه قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ .
ذكر من قال ذلك:
٦٣٢٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ابن شبرمة، عن الشعبي قال: لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب ولا تشهد، لقوله:"فإن أمن بعضكم بعضا" = قال ابن عيينة، قال ابن شبرمة، عن الشعبي: إلى هذا انتهى.
٦٣٢٨ - حدثنا المثنى، قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" حتى بلغ هذا المكان:"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته"، قال: رخص من ذلك، [[في المطبوعة: "رخص في ذلك"، والذي في المخطوطة صواب، ولكنه سيأتي في المخطوطة كالمطبوعة هنا في رقم: ٦٣٣٤.]] فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه.
٦٣٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن الشعبي، قال: إن ائتمنه فلا يشهد عليه ولا يكتب.
٦٣٣٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: فكانوا يرون أن هذه الآية:"فإن أمن بعضكم بعضا"، نسخت ما قبلها من الكتابة والشهود، رخصة ورحمة من الله.
٦٣٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال غير عطاء: [[قوله: "قال غيرعطاء"، لم يمض لقول عطاء ذكر فيما سلف في قول من قال إن الاكتتاب حق واجب وفرض لازم. ولعله سقط أثر فيه التصريح بما قال عطاء، أو لعله اقتصر على ما قاله ابن جريج في الأثر رقم: ٦٣٢٣، كأنه من رواية ابن جريج عن عطاء.]] نسخت الكتاب والشهادة:"فإن أمن بعضكم بعضا".
٦٣٣٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: نسخ ذلك قوله:"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته"، قال: فلولا هذا الحرف، [[قوله: "فلولا هذا الحرف"، يعني: فلولا هذا القول من الله تعالى. واستعمال"الحرف" بمعنى القول، لم أجده في كتاب من كتب اللغة، ولكنه مجاز حسن، كما سموا القصيدة"كلمة"، فجائز أن يقال للآية وللقول كله"حرف".]] لم يبح لأحد أن يدان بدين إلا بكتاب وشهداء، أو برهن. فلما جاءت هذه نسخت هذا كله، صار إلى الأمانة.
٦٣٣٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي قال: سألت الحسن قلت: كل من باع بيعا ينبغي له أن يشهد؟ قال: ألم تر أن الله عز وجل يقول:"فليؤد الذي اؤتمن أمانته"؟
٦٣٣٤- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"، حتى بلغ هذا المكان:"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته"، قال: رخص في ذلك، فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه.
٦٣٣٥ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي في قوله:"فإن أمن بعضكم بعضا"، قال: إن أشهدت فحزم، وإن لم تشهد ففي حل وسعة.
٦٣٣٦- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت للشعبي: أرأيت الرجل يستدين، من الرجل الشيء، أحتم عليه أن يشهد؟ قال: فقرأ إلى قوله: [[في المخطوطة: "قال فقال إلى قوله. . " بياض بين الكلمتين، و"فقال"، مكان"فقرأ" والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.]] "فإن أمن بعضكم بعضا"، قد نسخ ما كان قبله.
٦٣٣٧ - حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن مروان العقيلي قال، حدثنا عبد الملك بن أبي نضرة، [عن أبيه] ، عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى" إلى:"فإن أمن بعضكم بعضا" = [[في المطبوعة: "قال فقرأ إلى: فإن أمن. . . " وفي المخطوطة تكرار بعد قوله: "إلى أجل مسمى" نصه: "قال فقرأ: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى. هذه نسخت ما قبلها" ولم يذكر"فإن أمن. . . " وهي الآية الناسخة. وأثبت الصواب من الناسخ والمنسوخ: ٨٣، وروى الخبر، كما سيأتي.]] قال: هذه نسخت ما قبلها. [[الأثر: ٦٣٣٧ -"محمد بن مروان بن قدمة العقيلي" روى عنه البخاري في التعاليق، وأبو داود في المراسيل، وروى عنه مسدد ويحيى معين وغيرهم. قال أحمد: "رأيت محمد بن مروان العقيلي، وحدث بأحاديث وأنا شاهد، لم أكتبها، تركتها على عمد" - كأنه ضعفه. وقال ابن معين: "ليس به بأس"، وعن أبي داود: "صدوق". مترجم في التهذيب. و"عبد الملك بن أبي نضرة العبدي" روى عن أبيه. قال الحافظ في التهذيب: "ذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ. له عندهما حديث في آية الدين: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم. قلت: وقال الدارقطني: لا بأس به. وقال الحاكم في المستدرك: من أعز البصريين حديثا". مترجم في التهذيب. وأبوه"أبو نضرة" هو: "المنذر بن مالك بن قطعة العبدي" روى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأبي ذر، وأبي سعيد، وابن عباس وغيرهم من الصحابة. قال أحمد: "ثقة". وقال ابن سعد: "ثقة كثير الحديث، وليس كل أحد يحتج به". مترجم في التهذيب.
هذا، وقد أسقطت المخطوطة والمطبوعة ما وضعناه بين القوسين [عن أبيه] ، وهو سهو من الناسخ، وقد جاء على الصواب في الناسخ والمنسوخ: ٨٣ بهذا الإسناد نفسه، كما أشرت إليه في التعليق السالف.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وليكتب كتاب الدين إلى أجل مسمى بين الدائن والمدين ="كاتب بالعدل"، يعني: بالحق والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما، بما لا يحيف ذا الحق حقه، ولا يبخسه، [[في المطبوعة: "لا يحيف ذا الحق"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة، وهي فيها برسم ما أثبت غير منقوط. حاف يحف حيفا: مال وجار، وهو فعل لازم غير متعد. أما"تحيفه ماله وحقه": تنقصه من حافاته.]] ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه، كما:
٦٣٣٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل"، قال: اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يدعن منه حقا، ولا يزيدن فيه باطلا.
* *
وأما قوله:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"، فإنه يعني: ولا يأبين كاتب استكتب ذلك، أن يكتب بينهم كتاب الدين، كما علمه الله كتابته فخصه بعلم ذلك، وحرمه كثيرا من خلقه.
* *
وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك، نظير اختلافهم في وجوب الكتاب على الذي له الحق.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٣٩ - حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"ولا يأب كاتب"، قال: واجب على الكاتب أن يكتب.
٦٣٤٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله:"ولا يأب كاتب أن يكتب"، أواجب أن لا يأبى أن يكتب؟ قال: نعم= قال: ابن جريج، وقال مجاهد: واجب على الكاتب أن يكتب.
٦٣٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"، بمثله.
٦٣٤٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر وعطاء قوله:"ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"، قالا إذا لم يجدوا كاتبا فدعيت، فلا تأب أن تكتب لهم.
* *
ذكر من قال:"هي منسوخة". قد ذكرنا جماعة ممن قال:"كل ما في هذه الآية من الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن منسوخ بالآية التي في آخرها"، [[انظر ما سلف من رقم: ٦٣٢٧-٦٣٣٧.]] وأذكر قول من تركنا ذكره هنالك ببعض المعاني.
٦٣٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"ولا يأب كاتب"، قال: كانت عزيمة، فنسختها: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ .
٦٣٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر. عن أبيه، عن الربيع:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله" فكان هذا واجبا على الكتاب.
* *
وقال آخرون: هو على الوجوب، ولكنه واجب على الكاتب في حال فراغه.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٤٥ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"، يقول: لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فارغا.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل، وأمر الله فرض لازم، إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب. ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك، وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك، ندب وإرشاد، فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه. [[قوله: "حرجا"، أي آثما. وانظر ما سلف مرارا في التعليق على هذه الكلمة ٢: ٤٢٣/ ثم ٤: ٢٢٤ (تعليق: ١) / ثم ٤٧٥ تعليق: ٢/ ثم ٥٦٦ تعليق: ٣، ثم ص ٥٦٧ وما بعدها.]]
ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله:"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته". لأن ذلك إنما أذن الله تعالى ذكره به حيث لا سبيل إلى الكتاب أو إلى الكاتب. فأما والكتاب والكاتب موجودان، فالفرض - إذا كان الدين إلى أجل مسمى - ما أمر الله تعالى ذكره به في قوله:"فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه والله".
وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة، على السبيل التي قد بيناها. [[يعني ما سلف له بيانه في ٣: ٣٨٥، ٥٦٣/ ٤: ٥٨٢، وما سيأتي في هذا الجزء: ١١٨، تعليق: ١.]] فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء.
ولو وجب أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ناسخا قوله:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله" - لوجب أن يكون قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة: ٦] ناسخا الوضوء بالماء = في الحضر عند وجود الماء فيه وفي السفر = الذي فرضه الله عز وجل بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [سورة المائدة: ٦] وأن يكون قوله في كفارة الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [سورة المجادلة: ٤] ناسخا قوله: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [[ساق رأي الطبري مختصرًا، أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: ٨٣، ٨٤، والقرطبي في تفسيره ٣: ٤٠٣، ٤٠٤.]] [سورة المجادلة: ٣] .
* *
فيُسْأل القائل إنّ قول الله عز وجل:"فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته" ناسخٌ قوله:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه": ما الفرقُ بَينه وبين قائلٍ في التيمم وما ذكرنا قوله = [[في المطبوعة: "ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم ما ذكرنا قوله"، أدخل التعريف على"قائل"، وحذف الواو من"وما ذكرنا" فصار الكلام محفوفًا بالفساد والخلط من كل مكان، وتخلع السياق تخلعًا فظيعًا. وقول الطبري"وما ذكرنا" يعني ما ذكره في آية الظهار السالفة. ويعني بقوله: "وما ذكرنا قوله"، أي أنه منسوخ بتمام الآية.]] فزعم أنّ كل ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة، ناسخ حكمُه في حال الضرورة حكمَه في كل أحواله: نظيرَ قوله في أنّ الأمر باكتتاب كتب الديون والحقوق منسوخٌ بقوله:"وإن كنتم عَلى سَفر ولم تجدُوا كاتبًا فرهانٌ مقبوضة فإن أمن بعضُكم بعضًا فليؤدّذ الذي اؤتمن أمانته) ؟
فإن قال: الفرق بيني وبينه أن قوله:"فإن أمن بعضُكم بعضًا" كلام منقطع عن قوله:"وإن كنتم على سَفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة"، وقد انتهى الحكم في السفر إذا عُدم فيه الكاتب بقوله:"فرهان مقبوضة". وإنما عنى بقوله:"فإن أمن بعضكم بعضًا":"إذا تداينتم بدَين إلى أجل مسمى"، فأمن بعضكم بعضًا، فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته.
قيل له: وما البرهان على ذلك من أصل أو قياس، وقد انقضى الحكم في الدّين الذي فيه إلى الكاتب والكتاب سبيلٌ بقوله:"ويُعلّمكم الله واللهُ بكل شيء عليم"؟ [[هذه حجة حبر رباني بصير بمعاني الكلام.]]
* *
وأما الذين زعموا أن قوله:"فاكتبوا"، وقوله:"ولا يأب كاتب" على وجه الندب والإرشاد، فإنهم يُسألون البرهان على دعواهم في ذلك، ثم يعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه، ويُسألون الفرق بين ما ادّعوا في ذلك وأنكروه في غيره. فلم يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.
* *
ذكر من قال:"العدل" في قوله:"وليكتب بينكم كاتب بالعدل": الحقّ.
.........................................................................
.........................................................................
............................................................................ [[سقط من الناسخ في هذا المكان، ما رواه أبو جعفر من أقوال القائلين في معنى"العدل" بإسناده إليهم. ولا سبيل إلى إتمام ذلك حتى توجد نسخة من التفسير يقل سهو ناسخها وإغفاله.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾
[[في المطبوعة والمخطوطة: سقط من الناسخ"فليكتب" قبل"وليملل"، فأثبتها.]]
قال أبو جعفر: يعني بذلك:" فليكتب" الكاتب = وليملل الذي عليه الحق"، وهو الغريم المدينُ يقول: ليتولّ المدَين إملالَ كتاب ما عليه من دين ربّ المال على الكاتب ="وليتق الله ربه" المملي الذي عليه الحقّ، فليحذر عقابه في بخس الذي له الحق من حقه شيئًا، أن ينقُصَه منه ظلمًا أو يذهب به منه تعدّيًا، فيؤخذ به حيث لا يقدرُ على قضائه إلا من حسناته، أو أن يتحمل من سيئاته، كما:
٦٣٤٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فليكتب وليملل الذي عليه الحق"، فكان هذا واجبًا -"وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا"، يقول: لا يظلم منه شيئًا.
٦٣٤٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا يبخس منه شيئًا"، قال: لا ينقص من حقّ هذا الرجل شيئًا إذا أملى.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا"، فإن كان المدين الذي عليه المال"سفيهًا"، يعني: جاهلا بالصواب في الذي عليه أن يُملَّه على الكاتب، كما:-
٦٣٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا"، أما السفيه: فالجاهل بالإملاء والأمور.
* *
وقال آخرون: بل"السفيه" في هذا الموضع، الذي عناه الله: الطفلُ الصغير.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٤٩ - حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو، حدثنا أسباط، عن السدي:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا"، أما السفيه، فهو الصغير.
٦٣٥٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا"، قال: هو الصبي الصغير، فليملل وليُّه بالعدل.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال:"السفيه في هذا الموضع: الجاهل بالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه"، لما قد بينا قبل من أن معنى"السفه" في كلام العرب: الجهلُ. [[انظر تفسير"السفه" فيما سلف ١: ٢٩٣-٢٩٥/ ٣: ٩٠، ١٢٩، ١٣٠.]]
وقد يدخل في قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا"، كل جاهل بصواب ما يُملّ من خطئه، من صغير وكبير، وذكر وأنثى. غير أن الذي هو أولى بظاهر الآية أن يكون مرادًا بها: كلُّ جاهل بموضع خطأ ما يملّ وصوابه: من بالغي الرجال الذين لا يُولىَّ عليهم = والنساء. لأنه جل ذكره ابتدأ الآية بقوله:"يا أيها الذين آمنوا إذا تدينتم بدَين إلى أجل مسمى"، والصبي ومن يُولّى عليه، لا يجوز مُداينته، وأنّ الله عز وجل قد استثنى من الذين أمرَهم بإملال كتاب الدَّين مع السفيه، الضعيفَ ومن لا يستطيع إملاله، ففي فصْله جل ثناؤه الضعيفَ من السفيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب في الصفة التي وصف بها كل واحد منهم: [[في المخطوطة: "فعن فصله جل ثناؤه الضعيف من السفيه، فالصفة ومن لا يستطيع إملاء الكتاب التي وصف الله بها كل واحد منهم. . . " وهو كلام مضطرب، وقد أصاب ناشر المطبوعة في تصحيحه.]] ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين ميَّز بين صفاتهم، غير الصنفين الآخرين. [[في المخطوطة: ". . . الذين بين الله صفاتهم"، وهو تصحيح لما كان في المخطوطة وهو: "الذين سن منه صفاتهم" غير منقطة، ورجحت قراءتها كما أثبتها.]]
وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنّ الموصوف بالسفه منهم دون الضعف، هو ذو القوة على الإملال، غيرَ أنه وُضع عنه فرض الإملال بجهله بموضع صواب ذلك من خطئه = وأن الموصوف بالضعف منهم، هو العاجز عن إملاله، وإن كان شديدًا رشيدًا، إما لعيّ لسانه أو خرس به = وأنّ الموصوف بأنه لا يستطيع أن يملّ، هو الممنوع من إملاله، إما بالحبس الذي لا يقدر معه على حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فيملّ عليه، وإما لغيبته عن موضع الإملال، فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب.
فوضع الله جلّ وعز عنهم فرض إملال ذلك، للعلل التي وصفنا - إذا كانت بهم - وعذرهم بترك الإملال من أجلها، وأمرَ، عند سقوط فرض ذلك عليهم، وليَّ الحق بإملاله فقال:"فإن كان الذي عليه الحقّ سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليه بالعدل"، يعني: وليُّ الحقّ.
* *
ولا وجه لقول من زعم أن"السفيه" في هذا الموضع هو الصغير، وأن"الضعيفَ" هو الكبير الأحمق. لأن ذلك إن كان كما قال، يوجب أن يكون قوله:"أو لا يستطيعُ أن يملّ هو" هو، العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل، وإما لغيبته عن موضع الكتاب. وإذا كان ذلك كذلك معناه، لبطل معنى قوله:"فليملل وليه بالعدل"، [[في المطبوعة: "بطل"، وفي المخطوطة: "فبطل"، ورجحت قراءتها كما أثبتها.]] لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله وإن كان أخرس أو غائبا، [[في المخطوطة: "لا يولى عليه ماله"، وما في المطبوعة أشبه بالصواب.]] ولا يجوز حُكم أحد في ماله إلا بأمره. وفي صحة معنى ذلك، ما يقضي على فساد قول من زعم أن"السفيه" في هذا الموضع، هو الطفل الصغير، أو الكبير الأحمق.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٥١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل"، يقول: وليّ الحق.
٦٣٥٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يملّ هو فليملل وليه بالعدل"، قال يقول: إن كان عجز عن ذلك، أملَّ صاحبُ الدَّين بالعدل.
* *
ذكر الرواية عمن قال:"عنى بالضعيف في هذا الموضع: الأحمق"، وبقوله:"فليملل وليه بالعدل"، ولي السفيه والضعيف.
٦٣٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو"، قال: أمر وليّ السفيه أو الضعيف أن يملّ بالعدل.
٦٣٥٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما الضعيف، فهو الأحمق.
٦٣٥٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أما الضعيفُ فالأحمق.
٦٣٥٦ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا" لا يعرف فيثبت لهذا حقه ويجهل ذلك، فوليه بمنزلته حتى يضع لهذا حقه.
* *
وقد دللنا على أولى التأويلين بالصواب في ذلك.
* *
وأما قوله:"فليملل وليه بالعدل"، فإنه يعني: بالحق.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واستشهدوا على حقوقكم شاهدين.
* *
يقال:"فلان" شَهيدي على هذا المال، وشاهدي عليه". [[انظر تفسير"شهيد" فيما سلف ١: ٣٧٦، ٣٧٧.]]
* *
وأما قوله:"من رجالكم"، فإنه يعني من أحراركم المسلمين، دون عبيدكم، ودون أحراركم الكفار، كما:-
٦٣٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم"، قال: الأحرار.
٦٣٥٨- حدثني يونس قال، أخبرنا علي بن سعيد، عن هشيم، عن داود بن أبي هند، عن مجاهد مثله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن لم يكونا رجلين، فليكن رجلٌ وامرأتان على الشهادة. ورفع"الرجل والمرأتان"، بالرّد على"الكون". وإن شئتَ قلتَ: فإن لم يكونا رجلين، فليشهد رجل وامرأتان على ذلك. وإن شئت: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان يُشهدون عليه. وإن قلت: فإن لم يكونا رجلين فهو رجلٌ وامرأتان، [[في المطبوعة والمخطوطة: "فرجل وامرأتان"، والصواب ما أثبت، وهو الوجه الذي ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٨٤.]] كان صوابًا. كل ذلك جائز.
* *
ولو كان"فرجلا وامرأتين" نصبًا، كان جائزًا، على تأويل: فإن لم يكونا رجلين فاستشهدوا رجلا وامرأتين. [[أكثر هذا نص معاني القرآن للفراء ١: ١٨٤. وفي المخطوطة والمطبوعة: "فرجل وامرأتان" نصبًا، والأجود ما أثبت.]]
* *
وقوله:"ممن ترضون من الشهداء"، يعني: من العدول المرتضَى دينهُم وصلاحهم، كما:-
٦٣٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم"، يقول: في الدَّين ="فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان"، وذلك في الدين ="ممن تَرْضون من الشهداء"، يقول: عدولٌ.
٦٣٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم"، أمر الله عز وجل أن يُشهدوا ذَوَيْ عدل من رجالهم ="فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضَون من الشهداء".
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى﴾ بفتح"الألف" من"أنْ"، ونصب"تَضلَّ"، و"تذكرَ"، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضَلّت. وهو عندهم من المقدّم الذي معناه التأخير. لأن"التذكير" عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان"تضلّ". لأن المعنى ما وصفنا في قولهم. وقالوا: إنما نصبنا"تذكّر"، لأن الجزاء لما تقدم اتصلَ بما قبله، [[في المخطوطة: "لما تقدم تضل بما قبله"، والصواب من المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء.]] فصار جوابه مردودًا عليه، كما تقول في الكلام:"إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيُعطى"، بمعنى: إنه ليعجبني أن يُعطى السائل إن سأل - أو: إذا سأل. فالذي يعجبك هو الإعطاء دون المسألة. ولكن قوله:"أنْ يسأل" لما تقدم، اتصل بما قبله وهو قوله:"ليعجبني"، ففتح"أنْ" ونصب بها، [[في المطبوعة: "فتح أن ونصب بها"، وفي المخطوطة: "ففلح ونصب بها" تصحيف، وبإسقاط"أن".]] ثم أتبع ذلك قوله:"يعطى"، فنصبه بنصب قوله:"ليعجبني أن يسأل"، نسقًا عليه، وإن كان في معنى الجزاء. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ١٨٤.]]
* *
وقرأ ذلك آخرون كذلك، غير أنهم كانوا يقرأونه بتسكين"الذال" من ﴿تُذْكِرَ﴾ وتخفيف كافها. وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويل قراءتهم إياه كذلك.
وكان بعضهم يوجّهه إلى أن معناه: فتصيِّر إحداهما الأخرى ذَكرًا باجتماعهما، بمعنى: أن شهادَتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها، جازت كما تجوز شهادةُ الواحد من الذكور في الدَّين، لأن شهادة كل واحدة منهما منفردةً غيرُ جائزة فيما جازَت فيه من الديون إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحد، فتصير شهادتهما حينئذ بمنزلة شهادة واحد من الذكور، [[في المخطوطة والمطبوعة: "منزلة شهادة واحد. . . " بإسقاط الباء، والصواب ما أثبت.]] فكأن كل واحدة منهما - في قول متأوِّلي ذلك بهذا المعنى - صيرَّت صاحبتها معها ذَكَرًا. وذهب إلى قول العرب:"لقد أذكرت بفلان أمُّه"، أي ولدته ذَكرًا،"فهي تُذْكِر به"،"وهي امرأةٌ مُذْكِرٌ"، إذا كانت تَلد الذكور من الأولاد. وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينه أنه كان يقوله.
٦٣٦١ - حدثت بذلك عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: حدثت عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس تأويل قوله:"فتذْكر إحداهما الأخرى" من الذِّكْر بعد النسيان، إنما هو من الذَّكَر، بمعنى: أنها إذا شهدت مع الأخرى صَارت شَهادتهما كشَهادة الذكر.
* *
وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى"الذكر" بعد النسيان. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وقال آخرون منهم يوجهونه" ليس صوابًا، والصواب ما أثبت.]]
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى﴾ "بكسر"إن" من قوله:"إن تضلَ" ورفع"تذكر" وتشديده، كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان إن نسيت إحداهما شهادتها، ذكرتها الأخرى، [[في المطبوعة"تذكرها الأخرى"، وفي المخطوطة"وذكرها الأخرى"، والسياق يقتضي ما أثبت. وسيأتي بعد ما يدل على صواب ما رجحت.]] من تثبيت الذاكرة الناسيةَ وتذكيرها ذلك [[في المخطوطة: "وتنكيرها ذلك"، تصحيف.]] = وانقطاع ذلك عما قبله. [[قوله: "وانقطاع ذلك عما قبله" معطوف على قوله آنفًا: "بمعنى ابتداء الخبر. . . ".]] ومعنى الكلام عند قارئ ذلك كذلك: واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، فإن إحداهما إن ضَلت ذكرتها الأخرى = على استئناف الخبر عن فعلها إن نسيت إحداهما شهادتها، من تذكير الأخرى منهما صاحبتها الناسية. [[في المخطوطة: "من تنكير الأخرى منهما. . . "، تصحيف، كالسالف في التعليق رقم: ٣.]]
وهذه قراءة كان الأعمش يقرؤها ومن أخذَها عنه. وإنما نصب الأعمش"تضل"، لأنها في محل جزم بحرف الجزاء، وهو"إن". وتأويل الكلام على قراءته [[في المخطوطة والمطبوعة: "تأويل الكلام" بإسقاط الواو، والصواب، ما أثبت.]] "إن تَضْللْ"، فلما اندغمت إحدى اللامين في الأخرى، حركها إلى أخفّ الحركات، ورفع"تذكر" بالفاء، لأنه جواب الجزاء.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندنا في ذلك، قراءةُ من قرأه بفتح"أن" من قوله:"أن تضلّ إحداهما"، وبتشديد الكاف من قوله:"فتذكِّر إحداهما الأخرى". ونصب الراء منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان، كي إن ضلت إحداهما ذكَّرتها الأخرى.
وأما نصب"فتذكر" فبالعطف على"تضل"، وفتحت"أن" بحلولها محل"كي" وهي في موضع جزاء، والجواب بعده، اكتفاءً بفتحها = أعني بفتح"أن" = من"كي"، ونسق الثاني - أعني:"فتذكر" - على"تضل"، ليعلم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فيه وهو ظاهر، قد دلّ عليه وأدّى عن معناه وعمله - أي عن"كي".
وإنما اخترنا ذلك في القراءة، لإجماع الحجة من قُدماء القرأة والمتأخرين على ذلك، وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءَته في ذلك بما انفرد به عنهم. ولا يجوز تركُ قراءة جاء بها المسلمون مستفيضة بَينهم، إلى غيرها. وأما اختيارنا"فتذكر" بتشديد الكاف، فإنه بمعنى: ترديد الذكر من إحداهما على الأخرى، وتعريفها بأنها [نسيت] ذلك، لتذكر. [[مطبوعة بولاق: "فإنه بمعنى تأدية الذكر من إحداهما على الأخرى وتعريفها بأنها ذلك لتذكر" وهو كلام بلا معنى. وفي مطبوعة أخرى قبله، مع"بإنهاء ذلك" مكان"بأنها ذلك" وهو أشد خلوًا من المعنى. وفي المخطوطة: "بمعنى يوره الذكر. . . بأنها ذلك"، غير منقوطة. وصواب قراءتها ما أثبت، مع زيادة"نسيت" التي وضعتها بين القوسين.]] فالتشديد به أولى من التخفيف.
* *
وأما ما حكي عن ابن عيينة من التأويل الذي ذكرناه، فتأويلٌ خطأ لا معنى له، لوجوه شتى:
أحدها: أنه خلافٌ لقول جميع أهل التأويل.
والثاني: أنه معلوم أن ضلال إحدى المرأتين في الشهادة التي شهدت عليها، [[في المطبوعة: "أنه معلوم بأن ضلال. . . " بزيادة الباء، وهو لا خير فيه، والصواب من المخطوطة.]] إنما هو ذهابُها عنها ونسيانها إياها، [[في المطبوعة: "إنما هو خطؤها عنها بنسيانها"، والصواب من المخطوطة، غير أنها أسقطت الواو قبل"ونسيانها".]] كضلال الرجل في دينه: إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحق [[انظر تفسير"الضلال" فيما سلف ١: ١٩٥ / ثم ٢: ٤٩٥، ٤٩٦.]] . وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة، فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكرًا معها، مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها؟ ولَلضّالة منهما في شهادتها حينئذ، [[في المطبوعة: "فالضالة منهما"، وفي المخطوطة: "ولا الضالة منهما"، والصواب ما أثبت.]] لا شك أنها إلى التذكير أحوجُ منها إلى الإذكار، إلا إن أراد أنّ الذاكرة إذا ضَعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتها شحذَتها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته، [[في المطبوعة: "ستجرئها على ذكر ما ضعفت عن ذكره. . . "، وفي المخطوطة: "سحدتها" غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. مجاز من قولهم: "شحذ السكين والسيف": حدده بالمسن ومنه: "شحذ الجوع معدته"، إذا أضرمها وقواها على الطعام وأحدها. ويقال: "اشحذ له غرب ذهنك"، و"هذا الكلام مشحذة للفهم".]] فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل في قوتها في ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك، [[في المخطوطة: "فقوته بالذكر"، وما في المطبوعة أجود.]] كما يقال للشيء القوي في عمله:"ذَكرٌ"، وكما يقال للسيف الماضي في ضربه:"سيف ذكر"، و"رجل ذَكَر" يراد به: ماض في عمله، قويّ البطش، صحيحُ العزم.
فإن كان ابن عيينة هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهب تأويل ذلك؟ إلا أنه إذا تُؤُوِّل ذلك كذلك، [[في المطبوعة: "إذا تأول ذلك. . . " وأثبت ما في المخطوطة.]] صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذي تأولناه فيه، وإن خالفت القراءةُ بذلك المعنى، القراءةَ التي اخترناها. [[في المخطوطة: "القراءة الذي اخترناها"، وهو سهو من الناسخ الكثير السهو!!]] ومعنى القراءة حينئذ صحيح بالذي اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله:"فتذكر". [[في المطبوعة: "بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بالذي اختار قراءته. . . " وهو كلام قد أريق معناه ضياعًا. وفي المخطوطة: "بأن +تعين القراءة حينئذ الصحيح بالذي اختار قراءته. . . "، وهو مصحف، وأرجح أن يكون صواب الجملة كما أثبتها، لأنها عندئذ مصيبة معنى ما أراد أبو جعفر.]] ولا نعلم أحدًا تأوّل ذلك كذلك، ويستحب قراءته كذلك بذلك المعنى. فالصواب في قراءته - إذْ كان الأمر عامًّا على ما وصفنا - ما اخترنا. [[في المطبوعة والمخطوطة: "فالصواب في قوله. . . "، والصواب ما أثبت. وسياق الجملة: "فالصواب في قراءته. . . ما اخترنا".]]
* *
ذكر من تأول قوله:"أنْ تضلّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى" نحو تأويلنا الذي قُلنا فيه:
٦٣٦٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"واستشهدوا شهدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضلّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى"، علم الله أن ستكونُ حقوق، فأخذ لبعضهم من بعض الثِّقة، فخذوا بثقة الله، فإنه أطوع لربِّكم، وأدرَكُ لأموالكم. ولعمري لئن كان تقيًّا لا يزيده الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحرَي أن يؤدّي إذا علم أنّ عليه شهودًا.
٦٣٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"، يقول: أن تنسى إحداهما فتذكِّرها الأخرى.
٦٣٦٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أن تضل إحداهما"، يقول: تنسى إحداهما الشهادة، فتذكّرها الأخرى.
٦٣٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"أن تضل إحداهما"، يقول: إنْ تنسَ إحدَاهما، كذتِّرْها الأخرى.
٦٣٦٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"أن تضل إحداهما فتُذْكِرَ إحداهما الأخرى"، قال: كلاهما لغة، وهما سواء، ونحن نقرأ:"فتذكِّر".
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الحال التي نَهى الله الشهداءَ عن إباء الإجابة إذا دعوا بهذه الآية.
فقال بعضهم: معناه: لا يأب الشهداء أن يجيبوا، إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٦٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله تعالى:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، كان الرجل يطوف في الحِوَاء العظيم فيه القوم، [[الحواء (بكسر الحاء) : بيوت مجتمعة من الناس على ماء.]] فيدعوهم إلى الشهادة، فلا يتبعه أحد منهم. قال: وكان قتادة يتأوّل هذه الآية:"ولا يأبَ الشّهداء إذا ما دُعوا" ليشهدوا لرجل على رجل.
٦٣٦٨ - حدثت عن عمار قال حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا، فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله عز وجل:"ولا يأبَ الشهداء إذا ما دُعوا".
٦٣٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: لا تأب أن تشهد إذا ما دُعيت إلى شهادة.
* *
وقال آخرون بمثل معنى هؤلاء، إلا أنهم قالوا: يجب فرضُ ذلك على مَن دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره. فأما إذا وُجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخيَّر، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٧٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي قال:"لا يأب الشهداء إذا ما دعوا" - قال: إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره شهد.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا" - للشهادة على من أراد الدّاعي إشهادَه عليه، والقيامَ بما عنده من الشهادة - من الإجابة.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٧١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عامر، عن الحسن:"ولا يأب الشهداءُ إذا ما دعوا"، قال: قال الحسن: الإقامة والشهادة. [[الأثر ٦٣٧١-"أبو عامر" هو: "صالح بن رستم المزني"، روى عن عبد الله بن أبي مليكة، وأبي قلابة، وحميد بن هلال، والحسن البصري، وعكرمة وغيرهم. روى عنه ابنه عامر، وإسرائيل، وهشيم، ومعتمر، وأبو داود الطيالسي. قال ابن معين: "ضعيف". وقال أحمد: "صالح الحديث". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "شيخ، يكتب حديثه". وقال أبو داود: "ثقة". وسيأتي في الأسانيد رقم: ٦٣٨٣، ٦٣٨٤، ٦٣٨٧.]]
٦٣٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: كان الحسن يقول: جَمَعتْ أمرين: لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيتَ إلى شهادة.
٦٣٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، يعني: من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده، ولا يحلّ له أن يأبى إذا ما دُعي.
٦٣٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن يونس، عن الحسن:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: لإقامتها، ولا يبدأ بها، إذا دعاه ليشهده، وإذا دعاه ليقيمها.
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا" - للقيام بالشهادة التي عندهم للداعي - من إجابته إلى القيام بها.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٧٥ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا شهد.
٦٣٧٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك.
٦٣٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، يقول: إذا كانوا قد أشْهِدوا.
٦٣٧٨ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا كانت عندك شهادة فدُعيت.
٦٣٧٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ليث، عن مجاهد في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا كانت شهادة فأقمها، فإذا دُعيت لتشهد، فإن شئتَ فاذْهب، وإن شئت فلا تذهب.
٦٣٨٠ - حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصّباح، عن عمران بن حُدَير، قال: قلت لأبي مجلز: ناس يدعونني لأشهد بينهم، وأنا أكره أن أشهد بينهم؟ قال: دع ما تكره، فإذا شهدتَ فأجب إذا دُعيت.
٦٣٨١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر قال: الشاهد بالخيار ما لم يَشْهد.
٦٣٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن عكرمة في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا". قال: لإقامة الشهادة.
٦٣٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن أبي عامر، عن عطاء قال: في إقامة الشهادة.
٦٣٨٤ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو عامر المزني قال، سمعت عطاء يقول: ذلك في إقامة الشهادة = يعني قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا". [[الأثران: ٦٣٨٣، ٦٣٨٤ - أبو"عامر" مضت ترجمته برقم: ٦٣٧٢.]]
٦٣٨٥ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو حُرّة، أخبرنا عن الحسن أنه سأله سائل قال: أُدْعَى إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها. قال: فلا تجبْ إن شئت. [[الأثر: ٦٣٨٥ -"أبو حرة" البصري، هو: "واصل بن عبد الرحمن". روى عن عكرمة بن عبد الله المزني، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن واسع وغيرهم. روى عنه حماد بن سلمة، وهشيم، والقطان، وابن مهدي، ووكيع، وغيرهم. قال البخاري: "يتكلمون في روايته عن الحسن". قال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى بن معين عن أبي حرة فقال: "صالح، وحديثه عن الحسن ضعيف، يقولون: لم يسمعها من الحسن". مترجم في التهذيب. وكان في المطبوعة: أبو مرة، وهو خطأ.]]
٦٣٨٦ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة قال: سألت إبراهيم قلت: أدعى إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى؟ قال: فلا تشهد إن شئتَ.
٦٣٨٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عامر، عن عطاء قال: للإقامة. [[الأثر: ٦٣٨٧-"أبو عامر"، انظر ما سلف رقم: ٦٣٧٢.]]
٦٣٨٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير:"ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا"، قال: إذا كانوا قد شهدوا.
٦٣٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: هو الذي عنده الشهادة.
٦٣٩٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا"، يقول: لا يأب الشاهد أن يتقدّم فيشهد، إذا كان فارغًا.
٦٣٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء:"ولا يأبَ الشهداء إذا ما دعوا"، قال: هم الذين قد شهدوا. قال: ولا يضرّ إنسانًا أن يأبى أن يشهد إن شاء. قلت لعطاء: ما شأنه؟ إذا دُعي أن يكتب وجبَ عليه أن لا يأبى، وإذا دعي أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء! قال: كذلك يجب على الكاتب أن يكتُب، ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء، الشهداء كثيرٌ.
٦٣٩٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا شهد فلا يأب إذا دُعي أن يأتي يؤدي شهادةً ويُقيمها.
٦٣٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: "ولا يأب الشهداء"، قال: كان الحسن يتأوّلها: إذا كانت عنده شهادة فدعي ليقيمها.
٦٣٩٤ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: إذا كتب الرجل شهادته، أو أشهِد لرجل فشهد، والكاتبُ الذي يكتب الكتاب - دعوا إلى مَقطع الحق، فعليهم أن يجيبوا وأن يشهدوا بما أشهِدوا عليه. [[قوله: "مقطع الحق": هو موضع الفصل في الحكم بين الحق والباطل. من"القطع"، وهو الفصل بين الأجزاء.]]
* *
وقال آخرون: هو أمر من الله عز وجل الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دعي ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق، ابتداءً، لا لإقامة الشهادة، [[في المطبوعة: "لا إقامة الشهادة"، وفي المخطوطة كتب"لا إقامة" ثم ضرب على الألف ووضع تحت الألف من"لا" همزة، وظاهر أن الذي أثبته هو الصواب.]] ولكنه أمر نَدْب لا فرْض.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٩٥ - حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم قال، حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، قال: أمرت أن تشهد، فإن شئت فاشهد، وإن شئت فلا تشهد. [[الخبر: ٦٣٩٥- إسماعيل بن الهيثم، أبو العالية العبدي، شيخ الطبري: لم نجد له ترجمة ولا ذكرًا في شيء من المراجع، إلا رواية الطبري هذا الخبر والذي بعده، وروايته عنه في التاريخ ١: ٢٠٦ مرة واحدة، عن أبي قتيبة أيضًا.
وأبو قتيبة: هو سلم بن قتيبة، مضت ترجمته في: ١٩٢٤.]]
٦٣٩٦ - حدثني أبو العالية قال، حدثنا أبو قتيبة، عن محمد بن ثابت العَصَريّ، عن عطاء، بمثله.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال:" [معنى] ذلك: [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها.]] ولا يأب الشهداء من الإجابة، إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذُ من الذي عليه ما عليه، للذي هو له".
وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى في ذلك من سائر الأقوال غيره، لأن الله عز وجل قال:"ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا"، فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم"الشهداء". وغير جائز أن يلزمهم اسم"الشهداء" إلا وقد استُشهدوا قبل ذلك فشهدوا على ما ألزمتهم شهادتهم عليه اسم"الشهداء". [[في المطبوعة: "على ما ألزمهم شهادتهم عليه"، وفي المخطوطة: "لزمهم شهادتهم"، والصواب في قراءة ذلك ما أثبت.]] فأما قبل أن يُستشهدوا على شيء، فغير جائز أن يقال لهم"شهداء". لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولمَّا يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم، لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له"شاهد"، بمعنى أنه سيشهد، أو أنه يصلح لأن يشهد. وإذْ كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره، [[في المطبوعة: "وإن كان خطأ. . . " والصواب من المخطوطة. وفي المخطوطة: "شهادة لغيرهم"، والصواب ما في المطبوعة.]] أو من قد قام شهادته فلزمه لذلك هذا الاسم = [[في المطبوعة: "من قد قام بشهادته"، وفي المخطوطة: "من قد قام شهادته"، وصواب القراءة ما أثبت.]] كان معلومًا أن المعنيَّ بقوله:"ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دعوا"، من وصفنا صفته ممن قد استُرْعى شهادةً، أو شَهد، فدعى إلى القيام بها. لأن الذي لم يُستشْهد ولم يُسترْعَ شهادةً قبل الإشهاد، غيرُ مستحق اسم"شهيد" ولا"شاهد"، لما قد وصفنا قبل.
=مع أن في دخول"الألف واللام" في"الشهداء"، دلالةً واضحةً على أن المسمَّى بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة، أشخاصٌ معلومون قد عرفوا بالشهادة، وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهلَ الحقوق باستشهادهم بقوله:"واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضونَ من الشهداء". وإذْ كان ذلك كذلك، كانَ معلومًا أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعد ما استُشْهدوا فشهدوا. ولو كان ذلك أمرًا لمن أعرَض من الناس فدُعي إلى الشهادة يشهد عليها، لقيل: [[في المخطوطة: "إلى الشهادة فشهد"، والصواب ما في المطبوعة.]] ولا يأبَ شاهد إذا ما دعى.
غيرَ أنّ الأمر وإن كان كذلك، فإنّ الذي نقول به في الذي يُدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلحُ للشهادة، فإنّ الفرضَ عليه إجابةُ داعيه إليها، كما فَرضٌ على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه، ففرضٌ عليه أن يكتب، كما فرضٌ على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام، فحضره جاهلٌ بالإيمان وبفرائض الله، فسأله تعليمه وبيان ذلك له، أنْ يعلمه ويبيِّنه له. [[سياق هذه الجملة: كما فرض على من كان بموضع. . . أن يعلمه. . ".]] ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعي ابتداءً ليشهِد على ما أشْهِد عليه بهذه الآية، ولكن بأدلة سواها، وهي ما ذكرنا. وإنَّ فرْضًا على الرجل إحياءُ ما قَدَر على إحيائه من حق أخيه المسلم. [[في المطبوعة: "وقد فرضنا على الرجل. . . "، وهو خطأ فاسد، وتحريف لما في المخطوطة من الصواب المحض.]]
* *
"والشهداء" جمع"شهيد". [[انظر ما سلف في بيان"الشهداء" ١/ ٣٧٧/ ثم ٣: ٩٧، ١٤٥/ وما سلف قريبًا ص: ٦٠.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تسأموا، أيها الذين تُداينون الناس إلى أجل، أن تكتبوا صغيرَ الحق، يعني: قليله، أو كبيره = يعني: أو كثيره = إلى أجله = إلى أجل الحق، فإنّ الكتاب أحصى للأجل والمال.
٦٣٩٧ - حدثني المثنى قال حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد:"ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله"، قال: هو الدّين.
* *
ومعنى قوله:"ولا تسأموا": لا تملوا. يقال منه:"سئمتُ فأنا أسأم سَآمة وسَأمةً"، ومنه قول لبيد:
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وَسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبيدُ؟ [[ديوانه، القصيدة رقم: ٧، يذكر فيها طول عمره، ومآثره في ماضيه.]]
ومنه قول زهير:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الحَيَاةِ، وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ عَامًا، لا أَبَالَكَ، يَسْأَمِ [[ديوانه: ٩. تكاليف الحياة: مشقاتها ومتاعبها. وهذا البيت هو مطلع أبياته الحكيمة التي ختم بها معلقته.]]
يعني مللت.
* *
وقال بعض نحويي البصريين: تأويل قوله:"إلى أجله"، إلى أجل الشاهد. ومعناه إلى الأجل الذي تجوز شهادته فيه. وقد بينا القول فيه. [[انظر ما قاله في"الأجل" فيما سلف قريبًا ص: ٤٣.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ذلكم"، اكتتاب كتاب الدين إلى أجله.
* *
ويعني بقوله:"أقسط"، أعدل عند الله.
يقال منه:"أقسط الحاكم فهو يُقسط إقساطًا، وهو مُقسط"، إذا عدل في حكمه وأصاب الحق فيه. فإذا جار قيل:"قَسَط فهو يَقْسِط قُسوطًا". ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [سورة الجن: ١٥] ، يعني الجائرون.
* *
وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٣٩٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ذلكم أقسط عند الله"، يقول: أعدل عند الله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأصوب للشهادة.
* *
وأصله من قول القائل:"أقمتُ من عَوَجه"، [[في المخطوطة والمطبوعة: "أقمته من عوجه"، والصواب ما أثبت.]] إذا سويته فاستوى.
* *
وإنما كان الكتاب أعدل عند الله، وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه، لأنه يحوي الألفاظ التي أقرّ بها البائع والمشتري وربّ الدَّين والمستدين على نفسه، فلا يَقع بين الشهود اختلاف في ألفاظهم بشهادتهم، لاجتماع شهادتهم على ما حواه الكتاب، وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك، كان فصلُ الحكم بينهم أبيَن لمن احتُكم إليه من الحكام، مع غير ذلك من الأسباب. وهو أعدل عند الله، لأنه قد أمر به. واتباعُ أمر الله لا شَكّ أنه عند الله أقسطُ وأعدلُ من تركه والانحراف عنه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"وأدنى"، وأقرب، من"الدنو"، وهو القرب.
* *
ويعني بقوله:"أن لا ترتابوا"، أن لا تَشكوا في الشهادة، [[في المطبوعة والمخطوطة: "من أن لا تشكوا"، والصواب حذف"من"، أو جعلها"أي أن لا تشكوا".]] كما:-
٦٣٩٩ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي"ذلك أدنى أن لا ترتابوا"، يقول: أن لا تشكوا في الشهادة.
* *
وهو"تفتعل" من"الرِّيبة". [[في المخطوطة: "وهو تفعيل"، وهو خطأ محض وتحريف.]]
* *
ومعنى الكلام: ولا تملُّوا أيها القوم أن تكتبوا الحقّ الذي لكم قِبَل من داينتموه من الناس إلى أجل، صغيرًا كان ذلك الحق قليلا أو كثيرًا، فإن كتابكم ذلك أعدل عند الله، وأصوبُ لشهادة شهودكم عليه، وأقربُ لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأجل إذا كان مكتوبًا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا﴾
قال أبو جعفر: ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوق التي لهم عليهم = ما وجب لهم قِبَلهم من حقّ عن مُبايعة بالنقود الحاضرة يدًا بيد، فرخَّص لهم في ترك اكتتاب الكُتب بذلك. لأن كل واحد منهم، أعني من الباعة والمشترين، يقبض = إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقدًا = ما وجب له قِبَل مبايعيه قبْل المفارقة، [[في المطبوعة: "إذا كان التواجب بينهم فيما يتابعونه بعد ما وجب له قبل مبايعيه. . " وهو كلام لا معنى له. وفي المخطوطة: "إذا كان التواجب بينهم فيما يتبايعون نقدًا ما وجب له قبل مبايعيه"، وقوله"++ ما وجب" غير منقوطة. فرأيت صواب قراءة"التواجب"، "الواجب" وصواب الأخرى"نقدا" فاستقام الكلام. وسياق العبارة: "لأن كل واحد منهم. . يقبض. . . ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة" وقوله: "إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقدًا"، جملة فاصلة.]] فلا حاجة لهم في ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتابًا بما وجب لهم قبلهم، وقد تقابضوا الواجبَ لهم عليهم. فلذلك قال تعالى ذكره:"إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم"، لا أجل فيها ولا تأخير ولا نَسَاء="فليس عليكم جُناح أن لا تكتبوها"، يقول: فلا حرج عليكم أن لا تكتبوها - يعني التجارة الحاضرةَ.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٠٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم"، يقول: معكم بالبلد تَرَوْنها، فتأخذُ وتعطى، فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها.
* *
٦٤٠١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك."ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله"، إلى قوله:"فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها"، قال: أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله، وأمر ما كان يدًا بيد أن يُشهد عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخصّ لهم أن لا يكتبوه.
واختلفت القرَأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق وعامة القرأة: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ﴾ بالرفع.
وانفرد بعض قرأة الكوفيين فقرأ به بالنصب. [[في المطبوعة: "فقرأه"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب.]] وذلك وإن كان جائزًا في العربية، إذ كانت العربُ تنصبُ النكرات والمنعوتات مع"كان"، وتضمر معها في"كان" مجهولا فتقول:"إن كان طعامًا طيبًا فأتنا به"، وترفعها فتقول:"إن كان طعامٌ طيبٌ فأتنا به"، فتتبع النكرةَ خبرَها بمثل إعرابها = فإن الذي أختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءةَ بغيره، الرفعُ في"التجارة الحاضرة"، لإجماع القرأة على ذلك، وشذوذ من قرأ ذلك نصبًا عنهم، ولا يُعترض بالشاذ على الحجة. ومما جاء نصبًا قولُ الشاعر: [[لم أعرف قائله، ولكن أخشى أن يكون هو متمم بن نويرة، كما سترى في التعليق التالي.]]
أَعَيْنيَ هَلا تَبْكِيَانِ عِفَاقَا ... إذَا كانَ طَعْنًا بَيْنَهُمْ وعِنَاقَا [[معاني القرآن للفراء ١: ١٨٦. أرجح أن"عفاقًا" هذا، هو"عفاق بن أبي مليل اليربوعي"، الذي قتل يوم العظالى (انظر هذا ١: ٣٣٧، تعليق: ٢) فرثاه متمم بن نويرة اليربوعي، ورثى أخاه بجيرًا، وقد سلف شعر متمم في رثائهما (١: ٣٣٧) . ومن أجل ذلك قلت إن الشعر خليق أن يكون لمتمم. أما ما زعمه زاعمون من أنه في"عفاق" الذي أكلته باهلة. والذي يقول فيه القائل: إنَّ عِفَاقًا أَكلَتْهُ باَهِلَهْ ... تمشَّشُوا عِظَامَهُ وكاهِلَهْ
فذاك"عفاق" آخر، هو"عفاق بن مرى بن سلمة بن قشير" (القاموس- التاج عفق) .]] وقول الآخر: [[هو عمرو بن شأس، على الشك في ذلك كما سترى في التعليق التالي.]]
وَلِلهِ قَومِي: أَيُّ قَوْمٍ لِحُرَّةٍ ... إذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا! ! [[معاني القرآن للفراء ١: ١٨٦، سيبويه ١: ٢٢، وصدره في سيبويه منسوبًا لعمرو بن شأس: "بَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنا"
وأنا أخشى أن يكون الشعر لغير عمرو بن شأس، ولكني لم أجده، وإن كنت أذكر أني قرأته في أبيات غير شعر عمرو. وقوله: "ذا كواكب"، أي شديد عصيب، قد ظهرت النجوم فيه نهارًا، كأنه أظلم فبدت كواكبه، لأن شمسه كسفت بارتفاع الغبار في الحرب، وإذا كسفت الشمس، ظهرت الكواكب. ويقال: "أمر أشنع وشنيع"، أي فظيع قبيح. وكان في المطبوعة: "بحرة"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء. يعني أن أمهم حرة، فولدتهم أحرارًا.]]
وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات، لما وصفنا من إتباع أخبار النكرات أسماءَها. و"كان" من حكمها أن يكون معها مرفوع ومنصوب، فإذا رفعوهما جميعهما، تذكروا إتباع النكرة خبرَها، وإذا نصبوهما، تذكروا صحبة"كان" لمنصوب ومرفوع. [[في المطبوعة والمخطوطة: "منصوب ومرفوع" والصواب ما أثبت. وانظر ما قاله الفراء في معاني القرآن ١: ١٨٥-١٨٧.]] ووجدوا النكرة يتبعها خبرُها، وأضمروا في"كان" مجهولا لاحتمالها الضمير.
* *
وقد ظن بعض الناس أن من قرأ ذلك:"إلا أن تَكون تجارةً حاضرةً"، إنما قرأه على معنى: إلا أن يكون تجارة حاضرة، فزعم أنه كان يلزم قارئ ذلك أنْ يقرأ"يكون" بالياء، وأغفل موضعَ صواب قراءته من جهة الإعراب، وألزمه غير ما يلزمه. وذلك أن العربَ إذا جعلوا مع"كان" نكرة مؤنثًا بنعتها أو خبرها، أنَّثوا"كان" مرة، وذكروها أخرى، فقالوا:"إن كانت جارية صغيرة فاشترُوها، وإن كان جاريةً صغيرةً فاشتروها"، تذكر"كان" - وإن نصبت النكرة المنعوتة أو رَفعت - أحيانًا، وتؤنث أحيانًا.
* *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله:"إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ" مرفوعة فيه"التجارة الحاضرة"، لأن"تكون"، بمعنى التمام، ولا حاجة بها إلى الخبر، بمعنى: إلا أن تُوجد أو تقعَ أو تحدث. فألزم نفسه ما لم يكن لها لازمًا، لأنه إنما ألزم نفسه ذلك، إذْ لم يكن يجدك لـ"كان" منصوبًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "إذا لم يكن يجد"، والسياق يقتضي: "إذ".]] ووجد"التجارة الحاضرة" مرفوعة، وأغفل جَواز قوله:"تديرونها بينكم" أن يكون خبرًا لـ"كان"، فيستغني بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.
* *
والذي قال من حكينا قوله من البصريين غيرُ خطأ في العربية، غيرَ أن الذي قلنا بكلام العرب أشبه، وفي المعنى أصحّ: وهو أن يكون في قوله:"تديرونها بينكم" وجهان: أحدهما أنه في موضع نصب، على أنه حل محل خبر"كان"، و"التجارة الحاضرة" اسمها. والآخر: أنه في موضع رفع على إتباع"التجارة الحاضرة"، لأن خبرَ النكرة يتبعها. فيكون تأويله: إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ دائرةً بينكم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونَسَائه، فإنّ إرخاصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدًا بيدٍ ونقدًا، ليس بإرخاص مني لكم في ترك الإشهاد منكم على مَنْ بعتموه شيئًا أو ابتعتم منه. لأن في ترككم الإشهاد على ذلك خوفَ المضرّة على كل من الفريقين. أما على المشتري، فأنْ يجحد البائعُ البيع، [[في المطبوعة: ". . البائع المبيع. . "، والصواب من المخطوطة.]] وله بيِّنة على ملكه ما قد باع، ولا بيِّنة للمشتري منه على الشراء منه، فيكون القولُ حينئذ قولَ البائع مع يمينه ويُقضَى له به، فيذهب مالُ المشتري باطل وأما على البائع، فأنْ يجحد المشتري الشراءَ، وقد زال ملك البائع عما باع، ووجب له قِبل المبتاع ثمن ما باع، فيحلفُ على ذلك، فيبطل حقّ البائع قِبَلَ المشتري من ثمن ما باعه. فأمر الله عز وجل الفريقين بالإشهاد، لئلا يضيع حق أحد الفريقين قبل الفريق الآخر.
* *
ثم اختلفوا في معنى قوله:"وأشهدوا إذا تبايعتم"، أهو أمرٌ من الله واجبٌ بالإشهاد عند المبايعة، أم هو ندب؟
فقال بعضهم:"هو نَدْبٌ، إن شاء أشهد، وإن شاء لم يُشهد".
ذكر من قال ذلك:
٦٤٠٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن الربيع، عن الحسن وشقيق، عن رجل، عن الشعبي في قوله:"وأشهدوا إذا تبايعتم"، قال: إن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد، ألم تسمع إلى قوله:"فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته"؟
٦٤٠٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا الربيع ابن صبيح قال: قلت للحسن: أرأيتَ قول الله عز وجل:"وأشهدوا إذا تبايعتم"؟ قال: إن أشهدت عليه فهو ثقة للذي لك، وإن لم تُشهد عليه فلا بأس.
٦٤٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن الربيع بن صبيح قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، قول الله عز وجل:"وأشهدوا إذا تبايعتم"، أبيع الرجل وأنا أعلم أنه لا ينقدني شهرين ولا ثلاثة، [[في المطبوعة: "ينقد في شهرين". . .، وأثبت ما في المخطوطة.]] أترى بأسًا أن لا أشهد عليه؟ قال: إن أشهدت فهو ثقة للذي لك، وإن لم تشهد فلا بأس. [[الأثران: ٦٤٠٣، ٦٤٠٤ -"الربيع بن صبيح السعدي". روى عن الحسن، وحميد الطويل ومجاهد بن جبر، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وابن المبارك، وابن مهدي، ووكيع وغيرهم. قال حرملة عن الشافعي: "كان الربيع بن صبيح غزاء - وإذا مدح الرجل بغير صناعته، فقد وهص، أي دق عنقه". وقال أحمد: "رجل صالح لا بأس به". وقال ابن معين وابن سعد والنسائي: "ضعيف الحديث". وقال ابن حبان: "كان من عباد أهل البصرة وزهادهم، وكان يشبه بيته بالليل ببيت النحل من كثرة التهجد، إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان يهم فيما يروى كثيرًا، حتى وقع في حديثه المناكير من حيث لا يشعر. لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد". مترجم في التهذيب.]]
٦٤٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن داود، عن الشعبي:"وأشهدوا إذا تبايعتم"، قال: إن شاؤوا أشهدوا، وإن شاؤوا لم يشهدوا.
* *
وقال آخرون:"الإشهاد على ذلك واجب".
ذكر من قال ذلك:
٦٤٠٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها"، ولكن أشهدوا عليها إذا تبايعتم. أمر اللهُ، ما كان يدًا بيد أن يُشهدوا عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا.
٦٤٠٧ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: ما كان من بيع حاضر فإن شاء أشهد، وإن شاء لم يشهد. وما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله أن يكتب ويُشْهد عليه. وذلك في المقام.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أنّ الإشهاد على كل مَبيع ومُشترًي، حقٌّ واجبٌ وفرضٌ لازم، لما قد بيَّنا: من أن كلَّ أمرٍ لله ففرضٌ، إلا ما قامت حُجته من الوجه الذي يجب التسليم لهُ بأنه ندبٌ وإرشاد. [[انظر ما سلف قريبًا ص: ٥٣.]]
* *
وقد دللنا على وَهْيِ قول من قال: [[في المخطوطة: "على وهاء قول من قال"، وقد سلف ما قلته في قول الفقهاء"الوهاء" بمعنى"الوهى"، وهو الضعف الشديد في ٤: ١٨ / ثم ص: ١٥٥ تعليق: ١/ ثم ص: ٣٦١، تعليق٣، فراجعه.]] ذلك منسوخ بقوله:"فليؤدِّ الذي اؤتمن أمانته"، فيما مضى فأغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف قريبًا ص: ٥٣-٥٥.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: ذلك نهيٌ من الله الكاتبَ الكتابَ بين أهل الحقوق والشهيدَ أن يضارّ أهله، [[في المطبوعة: "نهي من الله لكاتب الكتاب"، وأثبت ما في المخطوطة. وقوله: "الكاتب الكتاب. . والشهيد" منصوب بالمصدر"نهى"، و"الكتاب" منصوب باسم الفاعل"الكاتب"]] فيكتب هذا ما لم يُملله المملي، ويَشهد هذا بما لم يستشهده المستشهِد. [[في المخطوطة والمطبوعة: "بما لم يستشهده الشهيد"، وهو محال وخطأ، وإنما"الشهيد الشاهد، وهو لا يعني إلا"المستشهد"، فكذلك أثبتها.]]
ذكر من قال ذلك:
٦٤٠٨ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله:""ولا يضارّ كاتب ولا شهيد"،"ولا يضار كاتب" فيكتب ما لم يملَّ عليه =،"ولا شهيد" فيشهد بما لم يُستشهد.
٦٤٠٩ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، قال: كان الحسن يقول:"لا يضارّ كاتب" فيزيد شيئًا أو يحرّف ="ولا شهيد"، قال: لا يكتم الشهادة، ولا يشهدْ إلا بحق.
٦٤١٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: اتقى الله شاهدٌ في شهادته، لا ينقص منها حقًّا ولا يزيد فيها باطلا. اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعنَّ منه حقًّا ولا يزيدنَّ فيه باطلا. [[الأثر: ٦٤١٠- في المطبوعة: "قال حدثنا يزيد بن قتادة"، وفي المخطوطة: "قال حدثنا يزيد، قال حدثنا يزيد، عن قتادة"، وهو إسناد دائر في الطبري كما أثبته، أقربه رقم: ٦٣٩٣، هذا وقد سلف هذا الأثر مختصرًا برقم: ٦٣٣٨.]]
٦٤١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قال:"لا يضار كاتب" فيكتب ما لم يُملل ="ولا شهيد"، فيشهد بما لم يستشهد.
٦٤١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قال:"لا يضار كاتب" فيكتب ما لم يُملل ="ولا شهيد"، فيشهد بما لم يستشهد.
٦٤١٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن قتادة نحوه.
٦٤١٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قال:"لا يضار كاتب" فيكتب غير الذي أملي عليه. قال: والكتاب يومئذ قليلٌ، ولا يدرون أي شيء يُكتب، فيضار فيكتبَ غير الذي أملي عليه، فيبطل حقهم. قال: والشهيد: يضارّ فيحوِّل شهادته، فيبطل حقهم.
* *
قال أبو جعفر: فأصل الكلمة على تأويل من ذكرنا من هؤلاء: ولا يضارِرْ كاتبٌ ولا شهيد، ثم أدغمت"الراء" في"الراء"، لأنهما من جنس، وحُرِّكت إلى الفتح وموضعها جزم، لأنّ الفتح أخفّ الحركات. [[انظر ما سلف ٥: ٤٦-٥٣، وفي"تضار" وقراءاتها، وفي قوله: "لأن الفتح أخف الحركات" ٥: ٥٢، تعليق: ١، ثم هذا فيما سلف قريبا ص: ٦٥ س: ٢.]]
* *
وقال آخرون ممن تأول هذه الكلمة هذا التأويل: معنى ذلك:،"ولا يضارّ كاتب ولا شهيد" بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عندهما من العلم أو الشهادة.
ذكر من قال ذلك:
٦٤١٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء في قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: أن يؤديا ما قِبَلهما.
٦٤١٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء."ولا يضار كاتب ولا شهيد"؟ قال:"لا يضار"، أن يؤديا ما عندهما من العلم. [[في المطبوعة: "لا يضارا أن يؤديا" وهو خطأ، وفاسد المعنى، وأثبت ما في المخطوطة.]]
٦٤١٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس قال:"لا يضار" كاتب ولا شهيد"، قال: أن يدعوهما، فيقولان: إن لنا حاجة. [[في المطبوعة: "فيقولا"، والصواب من المخطوطة.]]
٦٤١٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قالا واجب على الكاتب أن يكتب ="ولا شهيد"، قالا إذا كان قد شهد، اقبلْهُ. [[قوله: "اقبله"، هكذا في المخطوطة والمطبوعة، وأنا في شك منها، وضبطتها على أقرب المعاني إلى الصواب، ولكني أخشى أن يكون في الكلمة تحريف لم أقف على وجهه.]]
* *
وقال آخرون: بل معنى ذلك:"ولا يضارّ المستكتِب والمستشهِد الكاتبَ والشهيدَ". وتأويل الكلمة على مذهبهم: ولا يضَارَرْ، على وجه ما لم يسمّ فاعله.
ذكر من قال ذلك:
٦٤١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال، كان عمر يقرأ:"ولا يُضَارَرْ كاتبٌ ولا شهيد".
٦٤١٩ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك قال: كان ابن مسعود يقرأ: ﴿ولا يُضَارَرْ﴾ .
٦٤٢٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد أنه كان يقرأ:"ولا يُضَارَرْ كاتب ولا شهيد"، وأنه كان يقول في تأويلها: ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبَه وشاهدَه إلى أن يشهد، ولعله أن يكون في شُغل أو حاجة، ليؤثمه إن ترك ذلك حينئذ لشغله وحاجته = وقال مجاهد: لا يقمْ عن شغله وحاجته، فيجدَ في نفسه أو يحرَج.
٦٤٢١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، والضِّرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غنىّ: إنّ الله قد أمرك أن لا تأبَى إذا دعيت! فيضارُّه بذلك، وهو مكتف بغيره. فنهاه الله عز وجل عن ذلك وقال:"وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم".
٦٤٢٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: إنه يكون للكاتب والشاهد حاجةٌ ليس منها بدٌّ؛ فيقول: خلُّوا سبيله.
٦٤٢٣ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن عكرمة في قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قال: يكون به العلة أو يكون مشغولا يقول: فلا يضاره.
٦٤٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه كان يقول:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: لا يأت الرجل فيقول: انطلق فاكتبْ لي، واشهد لي، فيقول: إن لي حاجة فالتمسْ غيري! فيقول: اتق الله، فإنك قد أمِرتَ أن تكتب لي! فهذه المضارّة، ويقول: دعه والتمس غيره، والشاهدُ بتلك المنزلة.
٦٤٢٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: يدعو الرجل الكاتبَ أو الشهيدَ، فيقولُ الكاتب أو الشاهد: إن لنا حاجة! فيقولُ الذي يدعوهما: إن الله عز وجل أمركما أن تجيبا في الكتابة والشهادة! يقول الله عز وجل لا يضارّهما.
٦٤٢٦ - حدثت عن الحسن قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، هو الرجل يدعو الكاتب أو الشاهدَ وهما على حاجة مهمة، فيقولان: إنّا على حاجة مهمة فاطلب غيرنا! فيقول: والله لقد أمركما أن تجيبا! [[في المطبوعة: "الله أمركما أن تجيبا"، والصواب من المخطوطة.]] فأمره أن يطلب غيرهما ولا يضارهما، = يعني: لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة وهو يجد غيرهما.
٦٤٢٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: ليس ينبغي أن تعترض رجلا له حاجة فتضاره فتقول له: اكتب لي! فلا تتركه حتى يكتب لك وتفوته حاجته = [[في المخطوطة والمطبوعة: "حتى يكتب له"، والسياق يقتضي"لك". وقوله بعد"ولا شاهدًا من شهودك. . . " معطوف على قوله قبل: "أن تعترض رجلا. . . ".]] ولا شاهدًا من شهودك وهو مشغول، فتقول: اذهب فاشهد لي! تحبسه عن حاجته، وأنتَ تجد غيره.
٦٤٢٨ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، قال: لما نزلت هذه الآية:"ولا يأب كاتبٌ أن يكتب كما علَّمه الله"، كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي! فيقول: إني مشغول = أو: لي حاجة، فانطلق إلى غيري! فيلزَمه ويقول: إنك قد أمِرتَ أن تكتب لي! فلا يدعه ويضارّه بذلك وهو يجد غيره. ويأتي الرجل فيقول: انطلق معي فاشهد لي! فيقول: انطلق إلى غيري فإني مشغول = أو: لي حاجة! [[في المطبوعة: "ويأتي الرجل فيقول: انطلق معي. فيقول: اذهب إلى غيري فإني مشغول" وكان في المخطوطة: "ويأتي الرجل فيقول: انطلق معي إلى غيري فإني مشغول"، وهو فاسدًا، وآثرت تصحيحه على وجه غير الوجه الذي كان في المطبوعة، ليكون أوضح وأقرب إلى معنى الشهادة.]] فيلزمه ويقول: قد أمِرت أن تتبعني. فيضاره بذلك، وهو يجد غيره، فأنزل الله عز وجل:"ولا يضار كاتب ولا شهيد".
٦٤٢٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، يقول: إن لي حاجة فدعني! فيقول: اكتب لي ="ولا شهيد"، كذلك.
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، بمعنى: ولا يضارهما من استكتَبَ هذا أو استشهدَ هذا، بأن يأبى على هذا إلا أن يكتبَ له وهو مشغول بأمر نفسه، ويأبى على هذا إلا أن يجيبه إلى الشهادة وهو غير فارغ = [[في المطبوعة: "أن يجيب" وأثبت ما في المخطوطة.]] على ما قاله قائلو ذلك من القول الذي ذكرنا قبل.
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره، لأن الخطاب من الله عز وجل في هذه الآية من مُبتدئها إلى انقضائها على وجه:"افعلوا= أو: لا تفعلوا"، إنما هو خطابٌ لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتابُ، والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون. فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب، كقوله:"وليكتب بينكم كاتب"، وكقوله:"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا"، وما أشبه ذلك. فالوجهُ = إذْ كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله:"وإن تَفعلوا فإنه فُسوقٌ بكم" = [بأن يكون الأمر مردودًا على المستكتب والمستشهد] ، أشبه منه بأن يكون مردودًا على الكاتب والشهيد. [[في المخطوطة والمطبوعة: "فالواجب إذ كان المأمورون مخاطبين بقوله: وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم، أشبه منه بأن يكون مردودًا على الكاتب والشهيد"، وهو كلام مختل أشد الاختلال، وهو في المطبوعة أشد اختلالا إذ جعل"إذ كان المأمورون" -"إذ كان. . . "، وقد وضعت بين القوسين ما هو أشبه بسياق المعنى، وكأنه الصواب إن شاء الله.]] ومع ذلك، فإنّ الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيَّين عن الضرار لقيل: [[في المخطوطة والمطبوعة: "ومع ذلك إن الكاتب والشهيد" والصواب ما أثبت.]] وإن يفعلا فإنه فسوقٌ بهما، لأنهما اثنان، وأنهما غير مخاطبين بقوله:"ولا يضارّ"، بل النهي بقوله:"ولا يضار"، نهيٌ للغائب غير المخاطب. فتوجيهُ الكلام إلى ما كان نظيرًا لما في سياق الآية، أولى من توجيهه إلى ما كان مُنعدِلا عنه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تضارّوا الكاتب أو الشاهدَ، وما نُهيتم عنه من ذلك ="فإنه فسوق بكم"، يعني: إثم بكم ومعصيةٌ. [[انظر تفسير"الفسوق" فيما سلف ١: ٤٠٩، ٤١٠ / ثم ٢: ١١٨، ١١٩، ٣٩٩ / ثم ٤: ١٣٥-١٤٠.]]
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم بنحو الذي قلنا.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك:"وإن تفعلوا فإنه فُسوق بكم"، يقول: إن تفعلوا غير الذي آمركم به، فإنه فسوق بكم.
٦٤٣١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم"، والفسوقُ المعصية.
٦٤٣٢ - حدثت عن عمار، قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم"، الفسوق العصيان.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يضارّ كاتبٌ فيكتبَ غير الذي أملَى المملي، ويضارّ شهيدٌ فيحوِّلَ شهادته ويغيرَها ="فإنه فسوق بكم"، يعني: فإنه كذب.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وإن تفعلوا فإنه فُسوق بكم"، الفسوق الكذب. قال: هذا فسوق، لأنه كذب الكاتبُ فحوَّل كتابه فكذَب، وكذَب الشاهدُ فحوّل شهادته، فأخبرهم الله أنه كذبٌ.
* *
قال أبو جعفر: وقد دللنا فيما مضى على أن المعنىّ بقوله:"ولا يضار كاتب ولا شهيد"، إنما معناه: لا يضارّهما المستكتب والمستشهد، بما فيه الكفاية. [[انظر ما سلف قريبًا في تفسير الآية.]]
فقوله:"وإن تفعلوا" إنما هو إخبارُ من يضارّهما بحكمه فيهما، وأنّ من يضارّهما فقد عصَى ربه وأثم به، [[قوله: ""أثم به". قد سلف في ٤: ٥٣٠ تعليق ٣ ما نصه: "آثما بربه" غير منقوطة، كأنها"بربه" ولكني لم أجد في كتب اللغة"آثم بربه" وإن كنت أخشى أن يكون صوابًا له وجه لم أتحققه" وغيرتها هناك"أثم بريائه"، فقد جاء هذا النص هنا محققًا ما خشيت، فصح أن الصواب هناك"آثمًا بربه"، فقيده هناك، وفي كتب اللغة. ومعنى: "أثم بربه": أي: قدم الإثم إلى ربه بمعصيته، فالباء فيه للغاية، كما في قوله تعالى ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ وكما قال كثير: أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي، لا مَلُومَةً ... لَدَيْنَا، ولا مقلِيَّةً إن تَقَلَّتِ
فهذه هي الحجة الناهضة في صواب التعبير الذي جاء في كلام الطبري، والحمد لله رب العالمين على حسن توفيقه إيانا إلى الصواب.]] وركب ما لا يحلّ له، وخرج عن طاعة ربه في ذلك.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"واتقوا الله"، وخافوا الله، أيها المتداينون في الكتاب والشهود، أن تضاروهم، وفي غير ذلك من حدود الله أن تُضِيعوه. ويعني بقوله:"ويُعلَّمكم الله"، ويبين لكم الواجب لكم وعليكم، فاعملوا به="والله بكل شيء عليم"، يعني: [بكل شيء] من أعمالكم وغيرها، [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، وليست في المخطوطة ولا المطبوعة.]] يحصيها عليكم، ليجازيكم بها.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٣٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله:"ويعلمكم الله"، قال: هذا تعليم علَّمكموه فخذُوا به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته القرأة في الأمصار جميعًا ﴿كَاتِبًا﴾ ، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم كتابَ الدَّين الذي تداينتموه إلى أجل مسمًّى،"فرهان مقبوضة".
* *
وقرأ جماعةٌ من المتقدمين: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ ، بمعنى: ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين سبيلٌ، إما بتعذّر الدواة والصحيفة، وإما بتعذر الكاتب وإن وجدتم الدواة والصحيفة.
* *
والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا هي قراءة الأمصار:"ولم تجدوا كاتبًا"، بمعنى: من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين.
* *
[قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه] : [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، حتى يستقيم الكلام.]] وإن كنتم، أيها المتداينون، في سفر بحيث لا تجدون كاتبًا يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونًا تقبضونها ممن تداينونه كذلك، ليكون ثقةً لكم بأموالكم.
ذكر من قال ما قلنا في ذلك:
٦٤٣٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة"، فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن.
٦٤٣٦ - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا"، يقول: كاتبًا يكتب لكم ="فرهان مقبوضة".
٦٤٣٧ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أنْ يكتب ويُشْهد عليه، وذلك في المُقام. فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا [كاتبًا] ، فرهان مقبوضة. [[الزيادة بين القوسين، أخشى أن تكون سقطت من الناسخ.]]
* *
ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التي حكيناها:
٦٤٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس:"فإن لم تجدوا كتابًا"، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم.
٦٤٣٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قرأ:"فإن لم تجدوا كتابًا"، قال: ربما وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتبًا.
٦٤٤٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقرأها:"فإن لم تجدوا كتابًا"، ويقول: ربما وجد الكاتبُ ولم تُوجد الصحيفة أو المداد، ونحو هذا من القول.
٦٤٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابًا"، يقول: مدادًا، - يقرأها كذلك - يقول: فإن لم تجدوا مدادًا، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة ="فرهن مقبوضة"، قال: لا يكون الرهن إلا في السفر.
٦٤٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب قال: إن أبا العالية كان يقرؤها،"فإن لم تجدوا كتابًا"، قال أبو العالية: تُوجد الدواةُ ولا توجد الصحيفة.
* *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"فرهان مقبوضة".
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، بمعنى جماع"رَهْن" كما"الكباش" جماع"كبش"، و"البغال" جماع"بَغل"، و"النعال" جماع"نعل".
* *
وقرأ ذلك جماعة آخرون: ﴿فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على معنى جمع:"رِهان"،"ورُهن" جمع الجمع، وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع"رَهْن":، مثل"سَقْف وسُقُف".
* *
وقرأه آخرون: ﴿فَرُهْنٌ﴾ مخففة الهاء على معنى جماع"رَهْن"، كما تجمع"السَّقْف سُقْفًا". قالوا: ولا نعلم اسمًا على"فَعْل" يجمع على"فُعُل وفُعْل" إلا"الرُّهُنُ والرُّهْن". و"السُّقُف والسُّقْف".
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأه:"فرهان مقبوضة". لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان من اسم على"فَعْل"، كما يقال:"حَبْلٌ وحبال" و"كَعْب وكعاب"، ونحو ذلك من الأسماء. فأما جمع"الفَعْل" على"الفُعُل أو الفُعْل" فشاذّ قليل، إنما جاء في أحرف يسيرة وقيل:"سَقْف وسُقُفٌ وسُقْف""وقلْبٌ وقُلُب وقُلْب" من:"قلب النخل". [[هذا كله غريب لم يرد في كتب اللغة.]] "وجَدٌّ وجُدٌّ"، للجد الذي هو بمعنى الحظّ. [[وهذا أيضًا غريب لم أجده في كتب اللغة، وإنما قالوا في جمعه"أجداد وأجد وجدود". وكان في المطبوعة"حد وحد" بالحاء، و"الخط"، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط.]] وأما ما جاء من جمع"فَعْل" على"فُعْل" ف"ثَطٌّ، وثُطّ"، و"وَرْدٌ ووُرْد" و"خَوْدٌ وخُود".
وإنما دعا الذي قرأ ذلك:"فرُهْنٌ مقبوضة" إلى قراءته فيما أظن كذلك، مع شذوذه في جمع"فَعْل"، أنه وجد"الرِّهان" مستعملة في رِهَان الخيل، فأحبّ صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذي هو بغير معنى"الرهان" الذي هو جمع"رَهْن"، ووجد"الرُّهُن" مقولا في جمع"رَهْن"، كما قال قَعْنَب:
بَانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ ... وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ [[مختارات ابن الشجرى ١: ٦، ولباب الآداب ٤٠٢-٤٠٤، اللسان (رهن) ، وروايته هناك"من قبلك"، وهي أجود فيما أرى. غلق الرهن غلقًا (بفتحتين) وغلوقًا: إذا لم تجد ما تخلص به الرهن وتفكه في الوقت المشروط، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذي عنده. كان هذا على رسم الجاهلية، فأبطله الإسلام. يقول: فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التي أعطيتها، فذهبت بذلك كله، كما يذهب بالرهان من كانت تحت يده.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن كان المدين أمينًا عند رب المال والدَّين فلم يرتهن منه في سفره رَهْنًا بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، ="فليتق الله"، المدينُ ="رَبّه"، يقول: فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده، أو يَلُطّ دونه، [[يقال: "لط الغريم بالحق دون الباطل": دافع ومنع الحق. و"لط حقه، ولط عليه" جحده ومنعه.]] أو يحاول الذهاب به، فيتعرّض من عقوبة الله لما لا قبل له، [[في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا قبل" بحذف اللام، وما أثبت هو أقرب إلى الجودة.]] به وليؤدّ دينه الذي ائتمنه عليه، إليه.
* *
وقد ذكرنا قول من قال:"هذا الحكم من الله عز وجل ناسخٌ الأحكامَ التي في الآية قبلها: من أمر الله عز وجلّ بالشهود والكتاب". وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف آنفًا: ص ٥٣-٥٥.]] وقد:-
٦٤٤٣ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"فإن أمِن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته"، إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا وهو واجد كاتبًا، فليسَ له أن يرتهن ولا يأمن بعضُهم بعضًا.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله الضحاك = من أنه ليس لرب الدين ائتمانُ المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر=، فكما قال، لما قد دللنا على صحّته فيما مضى قبل.
وأما ما قاله= من أنّ الأمر في الرّهن أيضًا كذلك، مثل الائتمان: في أنه ليس لربّ الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر= فإنه قولٌ لا معنى له، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ:-
٦٤٤٤- أنه اشترى طعامًا نَسَاءً، ورهن به درعًا لهُ. [[الأثر: ٦٤٤٤- ذكره الطبري بغير إسناد. وقد رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٥: ١٠٠- ١٠٢) ومسلم في صحيحه ١١: ٣٩، ٤٠ من طرق، عن عائشة أم المؤمنين. وسنن البيهقي ٦: ٣٦. يقال نسأت عنه دينه نساء: (بالمد وفتح النون) : أخرته. و"بعته بنسيئة"، أي: بأخرة.]]
* *
فجائز للرجل أن يرهن بما عليه، ويرتهن بمالَهُ من حقّ، في السفر والحضر- لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله ﷺ، وأنّ معلومًا أنّ النبيّ ﷺ لم يكن - حين رَهن من ذكرنا - غير واجد كاتبًا ولا شهيدًا، لأنه لم يكن متعذرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتبُ والشاهدُ، غير أنهما إذا تبايعا برَهْن، فالواجب عليهما= إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد، أو كان البيع أو الدَّين إلى أجل مسمى [[في المطبوعة: "وكان البيع. . . " وأثبت ما في المخطوطة.]] = أن يكتبا ذلك ويشهدَا على المال والرّهن. وإنما يجوز ترك الكتاب والإشهاد في ذلك، حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيلٌ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدينَ وربَّ المال بإشهادهم، فقال لهم:"ولا يأب الشهداءُ إذا ما دعوا" - ولا تكتموا، أيها الشهود، بعد ما شهدتم شهادَتكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه، ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذُ له بحقه.
ثم أخبر الشاهدَ جل ثناؤه ما عليه في كتمان شهادته، وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم أو ذي سلطان، فقال:"ومن يَكتمها". يعني: ومن يكتم شهادته ="فإنه آثم قَلبه"، يقول: فاجرٌ قلبه، مكتسبٌ بكتمانه إياها معصية الله، [[انظر تفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-
٦٤٤٥ - حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمُ قلبه"، فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا.
٦٤٤٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ومن يكتمها فإنه آثم قلبه"، يقول: فاجر قلبه.
٦٤٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [[في المخطوطة والمطبوعة: "ومن يشرك بالله"، وليست هذه قراءتها، أخطأ الناسخ وسها.]] [سورة المائدة: ٧٢] ، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول:"ومَنْ يكتمها فإنه آثمٌ قلبه".
* *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول:"على الشاهد أن يشهد حيثما استُشهد، ويخبر بها حيثُ استُخبر".
٦٤٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم قال، أخبرنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل:"أخْبِر بها عند الأمير"، أخبره بها، لعله يراجع أو يَرْعَوي.
* *
وأما قوله:"والله بما تعملون عليمٌ"، فإنه يعني:"بما تعملون" في شهادتكم من إقامتها والقيام بها، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها ="عليمٌ"، يحصيه عليكم، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[[لم تثبت المخطوطة ولا المطبوعة قوله تعالى: "فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" في هذا الموضع ولا في غيره إلى القول في تفسير تمام الآية، وأثبتها في مكانها.]]
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"لله ما في السموات وما في الأرض"، لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير، وإليه تدبير جميعه، وبيده صرفه وتقليبه، لا يخفى عليه منه شيء، لأنه مدبره ومالكه ومصرّفه.
وإنما عنى بذلك جل ثناؤه كتمانَ الشهود الشهادةَ، يقول: لا تكتموا الشهادة أيها الشهود، ومن يكتمها يفجُرْ قلبه، ولن يخفى عليّ كتمانه ذلك، لأني بكل شيء عليم، وبيدي صَرْف كل شيء في السموات والأرض ومِلكه، أعلمُ خفيّ ذلك وَجليّه، [[في المخطوطة والمطبوعة: "أعلمه خفي. . "، والسياق يقتضي ما أثبت. وفي المخطوطة: "وجليله"، ولا بأس بها، ولكن ما في المطبوعة أمثل بالسياق.]] فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة = وعيدًا من الله بذلك مَنْ كتمها، وتخويفًا منه له به. ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم وبمن كان من نظرَائهم ممن انطوى كشحًا على معصية فأضمرها، أو أظهر مُوبقة فأبداها من نفسه - من المحاسبة عليها فقال:"وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، يقول: وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حقّ ربّ المالِ الجحودَ والإنكار، أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم، وغير ذلك من سيئ أعمالكم ="يحاسبكم به الله"، يعني بذلك: يحتسب به عليكم من أعمالكم، [[في المطبوعة والمخطوطة: "يحسب به عليه من أعماله" بالضمير المفرد، والسياق يقتضي الجمع كما أثبته. ويقال: "احتسب عليه بالمال"، أي: عددته عليه وحاسبته به. و"احتسب" من"الحساب" مثل"اعتد" من"العد".]] فمجازٍ من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله، [[في المخطوطة والمطبوعة: "فيجازي من شاء. . " والسياق يقتضي ما أثبت.]] وغافرٌ لمن شاء منكم من المسيئين. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وغافر منكم لمن شاء. . . "، وهو تقديم من عجلة الناسخ، والصواب ما أثبت.]]
* *
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله:"وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله".
فقال بعضهم بما قلنا: من أنه عنى به الشهودَ في كتمانهم الشهادة، وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٤٩ - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يُحاسبكم به الله"، يقول: يعني في الشهادة. [[الأثر: ٦٤٤٩-"ابن فضيل"، هو محمد بن فضيل، وقد سلف مرارًا. وكان في المخطوطة والمطبوعة"أبو نفيل" وليس في الرواة من يقال له"أبو نفيل" يروي عن يزيد بن أبي زياد، والذي يروي عنه هو ابن فضيل.]]
٦٤٥٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: في الشهادة.
٦٤٥١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال: سئل داود عن قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فحدثنا عن عكرمة قال: هي الشهادة إذا كتمتها.
٦٤٥٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمرو وأبي سعيد: أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية:"وإنْ تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: في الشهادة.
٦٤٥٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن الشعبي في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" قال: في الشهادة.
٦٤٥٤ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية،"وإنْ تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها.
٦٤٥٥ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن عكرمة في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، يعني: كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها.
* *
وقال آخرون:"بل نزلت هذه الآية إعلامًا من الله تبارك وتعالى عبادَه أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه".
ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك.
فقال بعضهم:"ثم نسخ الله ذلك بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦] "
ذكر من قال ذلك:
٦٤٥٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلتْ:"لله ما في السموات وما في الأرض وإن تُبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، اشتد ذلك على القوم، فقالوا: يا رسول الله، إنا لمؤاخذون بما نحدّث به أنفسنا! هلكنا! فأنزل الله عز وجل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ الآية إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: قال اللهُ: نعم = ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخر الآية = قال أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: نعم. [[الحديث: ٦٤٥٦- إسحاق بن سليمان الرازي العبدي: ثقة ثبت في الحديث، متعبد كبير، من خيار المسلمين. أخرج له الجماعة.
مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: تكلم فيه الأئمة، فضعفه أحمد، وابن معين، وغيرهم. وأثنى عليه الزهري. وقال أبو حاتم: "صدوق كثير الغلط، ليس بالقوي، ويروي عنه إسحاق بن سليمان"، ولكن ترجمه البخاري في الكبير ٤/١/٣٥٣، فلم يذكر فيه جرحًا. والظاهر أن من ضعفه فإنما ذهب إلى كثرة غلطه، كما فعل أبو حاتم. وأيًا ما كان، فهو لم ينفرد بهذا الحديث، كما سيأتي في التخريج.
والحديث سيأتي بعضه: ٦٥٣٨، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد في المسند: ٩٣٣٣ (٢: ٤١٢ حلبي) ، عن عفان، عن عبد الرحمن بن إبراهيم القاص المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به، مطولا عما هنا.
وعبد الرحمن بن إبراهيم - هذا - ثقة، وثقه ابن معين وغيره. مترجم في التعجيل، وابن أبي حاتم ٢/٢/٢١١.
ورواه مسلم -مطولا أيضًا- ١١: ٤٦-٤٧، وابن حبان في صحيحه: ١٣٩ (١: ٢٢٥-٢٢٦- من مخطوطة الإحسان) - كلاهما من طريق يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، به.
ونقله ابن كثير ٢: ٧٩-٨٠، عن رواية المسند.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لأبي داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم ينسبه لصحيح ابن حبان.]]
٦٤٥٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبي = قال، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء"، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء، فقال رسول الله ﷺ:"سمعنا وأطعنا وسلَّمنا. قال: فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ = قال أبو كريب: فقرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ = قال فقال: قد فعلت = ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبِلْنَا﴾ = قال: قد فعلت = ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ = قال: قال: قد فعلت = ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ = قال: قد فعلت. [[الحديث: ٦٤٥٧- سفيان بن وكيع يرويه عن أبيه. وأبوه يرويه عن سفيان، وهو الثوري، ووقع في المطبوعة هنا حذف قوله"قال: حدثنا أبي". وهو خطأ. وسيأتي الإسناد على الصواب: ٦٥٣٧، حيث روى الطبري بعضه مختصرًا. بهذا الإسناد.
آدم بن سليمان القرشي، مولى خالد بن بن خالد بن عقبة بن أبي معيط: ثقة، وهو والد يحيى بن آدم صاحب كتاب الخراج.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٠٧٠، عن وكيع، بهذا الإسناد.
وكذلك رواه مسلم ١: ٤٧، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه-: ثلاثتهم عن وكيع، به.
وفي التهذيب، في ترجمة آدم بن سليمان، أن مسلمًا أخرج له هذا الحديث الواحد متابعة؛ وليس كذلك، بل هو أصل لا متابعة، إذ لم يروه مسلم من طريق غيره.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٦، من طريق ابن راهويه، عن وكيع. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
وذكره ابن كثير ٢: ٨١، عن رواية المسند. ثم أشار إلى رواية مسلم.
وأشار إليه الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، من رواية مسلم.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته للترمذي، والنسائي، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات.
وسيأتي بعض معناه: ٦٤٦٤، عن سعيد بن جبير، مرسلا غير متصل، فيستفاد وصله من هذه الرواية.]]
٦٤٥٨ - حدثني أبو الردّاد المصري عبد الله بن عبد السلام قال، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، عن حيوة بن شريح قال، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: قال ابن شهاب، حدثني سعيد ابن مرجانة قال: جئتُ عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاءُ ويعذب من يشاء". ثم قال ابن عمر: لئن آخذَنا بهذه الآية، لنهلِكنّ! ثم بكى ابن عمر حتى سالت دُموعه. قال، ثم جئتُ عبدَ الله بن العباس فقلت: يا أبا عباس، إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، ثم قال: لئن وَاخذنا بهذه الآية لنهلكنّ! ثم بكى حتى سالت دموعه! فقال ابن عباس: يغفر الله لعبد الله بن عمر! لقد فَرِق أصحابُ رسول الله ﷺ منها كما فَرِق ابن عمر منها، فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، فنسخ الله الوَسوسة، وأثبت القول والفعلَ. [[الحديث: ٦٤٥٨- أبو الرداد المصري، عبد الله بن عبد السلام - شيخ الطبري: ثقة ترجمة ابن أبي حاتم ٢/٢/١٠٧، وقال: "سمعنا منه بمصر، وهو صدوق".
أبو زرعة وهب الله بن راشد: هذه أول مرة يثبت فيها اسمه في المطبوعة على الصواب، فقد مضى في: ٢٣٧٧، ٢٨٩١، ٥٣٨٦- وكان فيها كلها محرفًا في المطبوعة. وترجمنا له في أولهن.
سعيد ابن مرجانة: هو سعيد بن عبد الله، مولى قريش. ومرجانة - بفتح الميم وسكون الراء: أمه. قال الحافظ في التهذيب: "فعلى هذا فيكتب: ابن مرجانة - بالألف". وهو تابعي ثقة. ثبت سماعه من أبي هريرة، خلافًا لمن زعم غير ذلك، كما بينا في المسند: ٧٥٨٣.
والحديث سيأتي عقبه: ٦٤٥٩، من وجه آخر عن ابن شهاب. ونذكر تخريجه هناك.]]
٦٤٥٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة يحدث: أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية،"لله ما في السموات وما في الأرض وَإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، فقال: والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلِكنّ! ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نَشيجه، فقال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرتُ لهُ ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن! لعمري لقد وَجَد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وَجد عبد الله بن عمر، فأنزل اللهُ بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أنّ للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القوْل والفعل. [[الحديث: ٦٤٥٩- هو الحديث السابق، نحوه.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٨١-٨٢، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، مختصرًا، عن هذا الموضع أيضًا. قال: "أخرج الطبري، بإسناد صحيح عن الزهري. . . "- إلخ.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، ونسبه لعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه، وابن جرير، والطبراني، والبيهقي في الشعب.
وانظر الأحاديث الآتية: ٦٤٦٠-٦٤٦٤.]]
٦٤٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، سمعتُ الزهري يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال: قرأها ابن عمر فبكى وقال: إنا لمؤاخذون بما نحدِّث به أنفسنا! فبكى حتى سُمع نشيجه، فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له، فقال: رَحم الله ابن عُمر! لقد وَجَد المسلمون نحوًا مما وَجدَ، حتى نزلت: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ . [[الحديث: ٦٤٦٠- هذا حديث مرسل، لم يسمعه الزهري، من ابن عمر، ولا من ابن عباس. وهو مختصر من الحديثين قبله، ومن الحديث: ٦٤٦٢. فقد سمع الزهري القصة من سعيد ابن مرجانة، ومن سالم بن عبد الله بن عمر.]]
٦٤٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عمر فقال:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" الآية، فبكى. فدخلت على ابن عباس فذكرت له ذلك، فضحك ابن عباس فقال: يرحم الله ابن عمر! أوَ ما يدري فيم أنزلت؟ إن هذه الآية حين أنزلت غَمَّت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا وقالوا: يا رسول الله، هلكنا! فقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا:"سمعنا وأطعنا"، فنسختها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فَتُجُوِّز لهم منْ حديث النفس، وأخِذوا بالأعمال. [[الحديث: ٦٤٦١- جعفر بن سليمان: هو الضبعي، وقد مضى توثيقه في: ٢٩٠٥.
حميد الأعرج: هو حميد بن قيس المكي، قارئ أهل مكة. مضى توثيقه في: ٣٣٥٢.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٣٠٧١، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، به.
فظهر من رواية الطبري هذه: أن عبد الرزاق سمعه من شيخين، من معمر، ومن جعفر بن سليمان - كلاهما حدثه به عن حميد الأعرج.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٨١، عن رواية أحمد في المسند، وكذلك ذكره الحافظ في الفتح ٨: ١٥٤، عن رواية أحمد.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وابن المنذر.
وهو في معنى الأحاديث السابقة: ٦٤٥٨-٦٤٦٠.
وقوله: "كنت عند ابن عمر فقال: (وإن تبدوا ما في أنفسكم) . . . " - هكذا في المخطوطة والمطبوعة. ولعل صوابه: "فقرأ"، بدل"فقال". وهو الثابت في رواية المسند ومن نقل عنه.
وقوله في آخر الحديث: "فتجوز لهم من حديث النفس" - هكذا في المخطوطة والمطبوعة أيضًا. ولعل صوابه"عن حديث النفس"، كرواية المسند.]]
٦٤٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم: أن أباه قرأ:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فدمعت عينه، فبلغ صَنِيعه ابنَ عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن! لقد صَنعَ كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلتْ، فنسختها الآية التي بعدها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ . [[الحديث: ٦٤٦٢- سفيان بن حسين الواسطي: مضى الكلام في روايته عن الزهري، وأن فيها تخاليط، في ٣٤٧١. ولكن يظهر لي الآن أن في هذا غلوًا من ابن حبان. فإن البخاري ترجم له في الكبير ٢/٢/٩٠، وأشار إلى رواية عن الزهري، فلم يذكر فيها قدحًا، ثم إن الأئمة صححوا هذا الحديث من روايته عن الزهري، كما سيجيء.
فالحديث رواه أبو جعفر بن النحاس في الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٦. والحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٧ - كلاهما من طريق يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ثم قد ذكره ابن كثير ٢: ٨٢، عن هذا الموضع - بعد الروايات السابقة، ثم قال: "فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس".
وقد رجحت توثيق سفيان بن حسين - وفي روايته عن الزهري - فيما كتبت تعليقًا على تهذيب السنن للمنذري، ج٣ ص: ٤٠٢، فأنسيته حين كتبت ما مضى في: ٣٤٧١.
والحديث ذكره أيضًا السيوطي ١: ٣٧٤، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.]]
٦٤٦٣ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير قال: نسخت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" - ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ . [[الحديث: ٦٤٦٣- أبو أحمد: هو الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي. وهو يروي عن سفيان الثوري. ويروي عنه محمد بن بشار.
وهذا الحديث مرسل، لأنه حكاية من سعيد بن جبير عن إخبار بنسخ الآية.
وقد سبقت رواية لسعيد بن جبير عن ابن عباس: ٦٤٥٧، لعلها تشير إلى هذا المعنى.]]
٦٤٦٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية:"إن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قالوا: أنؤاخذ بما حدِّثنا به أنفسنا، ولم تعمل به جوارحنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ، قال: ويقول: قد فعلت. قال: فأعطيت هذه الأمة خواتيم"سورة البقرة"، لم تُعطها الأمم قبلها. [[الحديث: ٦٤٦٤- وهذا حديث مرسل أيضًا، من رواية سعيد بن جبير، ولكنه بعض معنى الحديث السابق: ٦٤٥٧، الذي رواه سعيد عن ابن عباس متصلا.
وسيأتي بعضه: ٦٥٣٩، بهذا الإسناد، مع تحريف في اسم الراوي عن سفيان، كما سنذكر هناك، إن شاء الله.]]
٦٤٦٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح قال، حدثنا إسماعيل، عن عامر:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء"، قال: فنسختها الآية بعدها، قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ .
٦٤٦٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسختها الآية التي بعدها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ = وقوله:"وإن تُبدوا"، قال: يحاسب بما أبدَى من سرّ أو أخفى من سر، فنسختها التي بعدها.
٦٤٦٧- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا سيّار، عن الشعبي، قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفرُ لمن يشاء ويعذب من يشاء"، قال: فكان فيها شدّة، حتى نزلت هذه الآية التي بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، قال: فنسخت ما كان قبلها.
٦٤٦٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون قال: ذكروا عند الشعبي:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" حتى بلغ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، قال، فقال الشعبي: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخر الآية.
٦٤٦٩ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، قال قال ابن مسعود: كانت المحاسبة قبل أن تنزل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها.
٦٤٧٠- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يذكر، عن ابن مسعود نحوه.
٦٤٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن الشعبي قال: نسخت"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" = ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ .
٦٤٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب = وسفيان، عن جابر، عن مجاهد = وعن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قالوا: نسخت هذه الآية ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ ،"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه"، الآية.
٦٤٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أ، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة وعامر بمثله.
٦٤٧٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج قال: حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه" إلى آخر الآية، قال: محتها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ . [[الأثر: ٦٤٧٤-"حماد" هو حماد بن سلمة، و"حميد" هو حميد الطويل. وكان في المطبوعة والمخطوطة"حماد بن حميد"، وليس في رواة الأثر من يعرف بهذا الاسم، وحجاج بن المنهال يروي عن حماد بن سلمة، وحماد يروي عن خاله حميد الطويل، وحميد الطويل يروي عن الحسن.]]
٦٤٧٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أنه قال: نسخت هذه الآية = يعني قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ = الآية التي كانت قبلها:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله".
٦٤٧٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسختها قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ .
٦٤٧٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني ابن زيد قال: لما نزلت هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" إلى آخر الآية، اشتدّت على المسلمين، وشقَّتْ مشقةً شديدة، فقالوا: يا رسول الله، لو وَقع في أنفسنا شيء لم نعمل به وَأخذنا الله به؟ قال:"فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل:"سمعنا وعصينا"! قالوا: بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله! قال: فنزل القرآن يفرِّجها عنهم:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" إلى قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، قال: فصيَّره إلى الأعمال، وترك ما يقع في القلوب.
٦٤٧٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا هشيم، عن سيارٍ عن أبي الحكم، عن الشعبي، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود في قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: نسخت هذه الآية التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ .
٦٤٧٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"وإن تبدُوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وَسْوست به أنفسهم وما عملوا، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فقالوا: إن عمل أحدُنا وإن لم يعملْ أخِذنا به؟ والله ما نملك الوَسوسة!! فنسخها الله بهذه الآية التي بعدُ بقوله: [[في المطبوعة: "التي بعدها بقوله"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ الآية، فكان حديث النفس مما لم تطيقوا. [[في المخطوطة والمطبوعة: "مما لم تطيقوا، الآية" أخر الناسخ"الآية"، فرددتها إلى مكانها قبل.]]
* *
٦٤٨٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: نسختها قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ .
وقال آخرون = ممن قال معنى ذلك:"الإعلام من الله عز وجل عبادَه أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم، وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعلموه"= [[انظر ما سلف ص: ١٠٣ وما بعدها.]] "هذه الآية محكمة غيرُ منسوخة، والله عز وجل محاسبٌ خلقَه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصرّوه في أنفسهم ونووه وأرادُوه، فيغفره للمؤمنين، ويؤاخذ به أهلَ الكفر والنفاق".
ذكر من قال ذلك:
٦٤٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله:"وإن تُبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فإنها لم تنسخ، ولكن الله عز وجل إذا جَمع الخلائق يوم القيامة، يقول الله عز وجل:"إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي"، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدَّثوا به أنفسهم، وهو قوله:"يحاسبكم به الله"، يقول: يخبركم. وأما أهل الشك والرَّيْب، فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، [[في المخطوطة والمطبوعة بعد قوله: "من التكذيب" ما نصه: "وهو قوله: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء". وهي زيادة بلا شك من الناسخ. فإلا تكن منه، فمكانها قبل ذلك بعد قوله"يحاسبكم به الله" وقبل قوله: "وأما أهل الشك والريب. . . "، ولكني آثرت إسقاطها، لأن السيوطي خرجه في الدر المنثور ١: ٣٧٥ بغير ذكر هذه الزيادة في الموضعين.]] وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٥] ، من الشكّ والنفاق.
٦٤٨٢ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، فذلك سِرُّ عملكم وعلانيته، يحاسبكم به الله، فليس من عبد مؤمن يُسرّ في نفسه خيرًا ليعمل به، فإن عمل به كُتبت له به عشرُ حسنات، وإن هو لم يُقدَر له أن يعمل به كتبت له به حسنة، من أجل أنه مؤمن، والله يَرْضى سرّ المؤمنين وعلانيتهم. وإن كان سُوءًا حدَّث به نفسه، اطلع الله عليه وأخبره به يوم تُبلى السرائر، وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوَز الله عنه، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [سورة الأحقاف: ١٦] .
٦٤٨٣ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، الآية، قال: قال ابن عباس: إن الله يقول يوم القيامة:"إن كُتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظَهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليومَ، فأغفر لمن شئت وأعذّب من شئت".
٦٤٨٤ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا علي بن عاصم قال، أخبرنا بيان، عن بشر، عن قيس بن أبي حازم قال: إذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل يُسمع الخلائق:"إنما كان كُتّابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم، فإما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه ولا يعلمونه، أنا اللهُ أعلم بذلك كله منكم، فأغفر لمن شئتُ، وأعذّب من شئت".
٦٤٨٥ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، كان ابن عباس يقول: إذا دعي الناس للحساب أخبرَهم الله بما كانوا يسرُّون في أنفسهم مما لم يعملوه فيقول:"إنه كان لا يعزُب عني شيء، وإني مخبركم بما كنتم تسرُّون من السُّوء، ولم تكن حفظتكم عليكم مطَّلعين عليه". فهذه المحاسبة.
٦٤٨٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس نحوه.
٦٤٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: هي محكمة، لم ينسخها شيء يقول:"يحاسبكم به الله"، يقول: يعرّفه الله يوم القيامة:"إنك أخفيتَ في صدرك كذا وكذا"! لا يؤاخذه.
٦٤٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: هي محكمة لم تنسخ.
٦٤٨٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: من الشك واليقين.
٦٤٩٠ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، يقول: في الشك واليقين. [[في المطبوعة: "في اليقين والشك"، قدم وأخر، وأثبت ما في المخطوطة.]]
٦٤٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه على بن أبي طلحة: [[هو رقم: ٦٤٨١.]] وإن تبدوا ما في أنفسكم من شيء من الأعمال فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم، أو تخفوه فتسروه في أنفسكم، فلم يطلع عليه أحد من خلقي، أحاسبكم به، فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان، وأعذِّب أهلَ الشرك والنفاق في ديني.
* *
وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه، [[هي رقم: ٦٤٨٦.]] وعلى ما قاله الربيع بن أنس، [[هو رقم: ٦٤٨٧.]] فإن تأويلها: إنْ تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي، أو تضمروا إرادته في أنفسكم فتخفوه، يُعْلمكم به الله يوم القيامة، فيغفر لمن يشاء، ويعذّب من يشاء.
* *
وأما قول مجاهد، [[هو رقم: ٦٤٨٩ وما بعده.]] فشبيهٌ معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة.
* *
وقال آخرون = ممن قال:"هذه الآية محكمة، وهي غير منسوخة"، ووافقوا الذين قالوا:"معنى ذلك: أن الله عز وجل أعلم عبادَه ما هو فاعل بهم فيما أبدَوْا وأخفوا من أعمالهم" = معناها: إن الله محاسبٌ جميعَ خلقه بجميع ما أبدَوْا من سيئ أعمالهم، وجميع ما أسروه، وُمعاقبهم عليه. غيرَ أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه، ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب والأمور التي يحزَنون عليها ويألمون منها.
ذكر من قال ذلك:
٦٤٩٢ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، الآية، قال: كانت عائشة رضي الله عنها تقول: من همّ بسيئة فلم يعملها، أرسل الله عليه من الهم والحزَن مثل الذي همّ به من السيئة فلم يعملها، فكانت كفّارته.
٦٤٩٣ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"، قال: كانت عائشة تقول: كل عبد يهمّ بمعصية، أو يحدّث بها نفسه، حاسبه الله بها في الدنيا، يخافُ ويحزن ويهتم.
٦٤٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك قال: قالت عائشة في ذلك: كل عبد همّ بسوء ومعصية، وحدّث نفسه به، حاسبه الله في الدنيا، يخاف ويحزَن ويشتدّ همّه، لا يناله من ذلك شيء، كما همّ بالسوء ولم يعمل منه شيئًا.
٦٤٩٥ - حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أميّة أنها سألت عائشة عن هذه الآية:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله" و ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [سورة النساء: ١٢٣] فقالت: ما سألني عنها أحد مذْ سألت رسول الله ﷺ، فقال: يا عائشة، هذه متابعة الله العبدَ بما يصيبه من الحمَّى والنكبة والشَّوكة، حتى البضاعة يضعها في كمِّه فيفقدها، فيفزع لها فيجدُها في ضِبْنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرُج التبر الأحمر من الكير. [[الحديث: ٦٤٩٥ - علي بن زيد: هو ابن جدعان.
أمية: هي بنت عبد الله، وهي تابعية لم ترو عن عائشة غير هذا الحديث. وعلي بن زيد، هو بن زوجها. وقد مضى البيان عن ترجمتها في: ٤٨٩٧.
ووقع في المطبوعة هنا: "عن أمه". وهو خطأ. وقع مثل ذلك في بعض نسخ الترمذي. ولو صحت هذه النسخ لم يكن بذلك بأس، إذ لا يبعد أن يسميها ربيبها"أمه".
والحديث رواه الطيالسي: ١٥٨٤، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن"أمية بنت عبد الله".
ورواه أحمد في المسند ٦: ٢١٨ (حلبي) ، عن بهز، عن حماد - وهو ابن سلمة، وفيه: "عن أمية".
ورواه الترمذي ٤: ٧٨-٧٩، من طريق روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، به. وفيه: "عن أمية"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن سلمة".
ورواه ابن أبي حاتم - فيما نقله عنه ابن كثير ٢: ٨٥- من طريق سليمان بن حرب، عن حماد ابن سلمة. وفيه"عن أبيه" بدل"عن أمية"؛ وهو تحريف مطبعي.
وقال ابن كثير: "علي بن زيد بن جدعان: ضعيف يغرب في رواياته. وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه: أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه".
أقول: وعلي بن زيد ليس بضعيف، كما قلنا في: ٤٨٩٧، وكما رجحنا في شرح المسند: ٧٨٣.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٥، وزاد نسبته لابن المنذر، والبيهقي في الشعب.
قول"هذه متابعة الله العبد" - يعني ما يصيب الإنسان ما يؤلمه، يتابعه الله به ليكفر عنه من سيئاته. وهذا هو الثابت في الطبري والمسند. والذي في الطيالسي والترمذي والدر المنثور: "معاتبة الله" ومعناه قريب من هذا. وفي ابن كثير: "مبايعة". وهو تحريف.
النكبة - بفتح النون: أن ينكبه الحجر إذا أصاب ظفره أو إصبعه. ومنه قيل لما يصيب الإنسان: نكبة.
البضاعة: اليسير من المال تبعثه في التجارة، ثم سميت السلعة: بضاعة.
الضبن - بكسر فسكون: ما بين الإبط والكشح.
التبر: فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغ، فإذا صيغ فهو ذهب أو فضة.
الكير- بكسر الكاف، كير الحداد: وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات، ينفخ النار حتى تتوهج.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال:"إنها محكمة، وليست بمنسوخة". وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا بنفيه بآخر، هو له ناف من كل وجوهه. [[في المطبوعة: "إلا ينفيه"، بالياء في أوله، وهو في المخطوطة غير منقوط. وفيهما معًا"بآخر له ناف"، والصواب زيادة"هو" كما أثبت. وبذلك يستقيم الكلام.
وانظر ما قال في"النسخ" فيما سلف ص: ٥٤، والتعليق: ١.]] وليس في قوله جل وعز:"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، نفى الحكم الذي أعلم عبادَه بقوله:"أو تخفوه يحاسبكم به الله". لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبةً، ولا مؤاخذةً بما حوسب عليه العبد من ذنوبه.
وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة يقولون: (يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا) [سورة الكهف: ٤٩] . فأخبر أن كتبهم محصيةٌ عليهم صغائرَ أعمالهم وكبائرَها، فلم تكن الكتب - وإن أحصت صغائرَ الذنوب وكبائرَها - بموجبِ إحصاؤها على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأهل الطاعة له، أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين. لأن الله عز وجل وَعدهم العفوَ عن الصغائر، باجتنابهم الكبائر فقال في تنزيله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١] . فذلك محاسبة الله عبادَه المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم، غيرَ موجبٍ لهم منه عقوبة، [[في المطبوعة: "فدل أن محاسبة الله. . . "، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المطبوعة والمخطوطة بعد: "غير موجبة لهم منه عقوبة"، والسياق يقتضي: "غير موجب. . " كما أثبتها.]] بل محاسبته إياهم - إن شاء الله - عليها، ليعرّفهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها، كما بلغنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي:-
٦٤٩٦ - حدثني به أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي، عن قتادة، عن صَفوان بن مُحْرز، عن ابن عمر، عن نبي الله ﷺ قال: يُدْني الله عبدَه المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه، فيقرِّره بسيئاته يقول: هل تعرف؟ فيقول: نعم! فيقول: سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم! ثم يظهر له حسناته فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ﴾ [سورة الحاقة: ١٩] أو كما قال = وأما الكافر فإنه ينادي به على رؤوس الأشهاد. [[الحديث: ٦٤٩٦- صفوان بن محرز المازني: تابعي ثقة جليل، له فضل وورع. والحديث مختصر من الذي بعده. وسنذكر تخريجه فيه، إن شاء الله.]]
٦٤٩٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، وهشام = وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا هشام = قالا جميعا في حديثهما عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه فيقول:"هل تعرف كذا"؟ فيقول:"رب اغفر" - مرتين - حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال:"فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم". قال: فيعطى صحيفة حسناته - أو: كتابه - بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ . [[الحديث: ٦٤٩٧- سعيد: هو ابن أبي عروبة، الثقة المأمون الحافظ. وهشام: هو ابن أبي عبد الله الدستوائي.
ووقع في المطبوعة: "حدثنا ابن أبي عدي، وسعيد، وهشام"، وهو تحريف.
وصوابه: "عن سعيد"، لأن ابن أبي عدي - وهو محمد بن إبراهيم - إنما يروي عن ابن أبي عروبة وعن هشام الدستوائي. فهو ليس من طبقتهما. ثم هو لم يدرك أن يروي عن قتادة. وكذلك ابن بشار - وهو محمد بن بشار. شيخ الطبري - إنما يروي عن ابن أبي عدي وطبقته، لم يدرك أن يروي عن ابن أبي عروبة والدستوائي.
وأيضًا، فإن قوله في الإسناد - بعد تحويله إلى ابن علية عن هشام-"قالا جميعا في حديثهما عن قتادة"، يرجع ضمير المثنى فيه إلى سعيد وهشام، دون ابن أبي عدي. إذ لو كان معهما لكان القول أن يقول: "قالوا جميعا".
ثم قد ثبت أنه"عن سعيد" في نقل ابن كثير هذا الحديث عن هذا الموضع ٢: ٨٤، وإن وقع فيه خطأ مطبعي آخر، إذ فيه: "عن سعيد بن هشام" بدل"وهشام". وفيه بعد ابن علية"حدثنا ابن هشام" بزيادة"ابن" زيادة هي غلط غير مستساغ.
ثم الحديث سيأتي في تفسر الطبري ١٢: ١٤ (بولاق) ، بهذا الإسناد، على الصواب. ولكنه جعله هناك إسنادين: فصل إسناد ابن علية عن إسناد ابن أبي عدي.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٤٣٦، عن بهز وعفان، كلاهما عن همام - وهو ابن يحيى- عن قتادة، بهذا الإسناد.
ورواه أيضًا: ٥٨٢٥، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، به.
ورواه البخاري ٥: ٧٠ (فتح) ، ومسلم ٢: ٣٢٩ - كلاهما من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، به.
ورواه البخاري أيضًا ٨: ٢٦٦-٢٦٧، من طريق سعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي، عن قتادة.
ورواه أيضًا: ١٠: ٤٠٦-٤٠٧، و ١٣: ٣٩٧-٣٩٨، من طريق أبي عوانة، عن قتادة
ورواه أبو جعفر بن النحاس، في كتاب الناسخ والمنسوخ، ص: ٨٦-٨٧، من طريق ابن علية، عن هشام. وقال: "وإسناده إسناد لا يدخل القلب منه لبس. وهو من أحاديث أهل السنة والجماعة".
وذكره ابن كثير ٢: ٨٤-٨٥، كما قلنا من قبل، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره أيضًا ٤: ٣٥٣، عن رواية المسند الأولى.
وذكره السيوطي ٣: ٣٢٥. وزاد نسبته لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات.
ونسبه القسطلاني ٤: ٢٠٦، للنسائي في التفسير والرقائق، وابن ماجه في السنة.
ووقع في المخطوطة - هنا -"وأما الكفار أو المنافقين"، وهو خطأ واضح.]] [سورة هود: ١٨] .
* *
= أن الله يفعل بعبده المؤمن: [[سياق هذه الجملة من قبل الخبرين السالفين: "كما بلغنا عن رسول الله ﷺ. . . أن الله يفعل بعبده المؤمن. . . "، فجملة"أن الله يفعل"، هي فاعل قوله: "بلغنا".]] من تعريفه إياه سيئات أعماله، حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها. فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه من ذلك، ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرمه عليه، فيستره عليه. وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين فقال:"فيغفر لمن يشاء". [[في المطبوعة: "يغفر لمن يشاء" بغير فاء، وأثبت نص الآية كما في المخطوطة.]]
* *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإن قوله:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب، ولا مثابين إلا بما كسبته من خير؟
قيل: إن ذلك كذلك، وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله، أو ترك ما أمر بفعله.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله:"ويعذب من يشاء"، إن كان لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا -: من هم بذنب، أو إرادة لمعصية - لم تكتسبه جوارحنا؟
قيل له: إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفو لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله، وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها، وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله:"ويعذب من يشاء"، سعلى ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله، والمرية في وحدانيته، أو في نبوة نبيه ﷺ وما جاء به من عند الله، أو في المعاد والبعث - من المنافقين، [[سياق الجملة: "على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله. . من المنافقين"، وما بينهما صفات فاصلة.]] على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد، ومن قال بمثل قولهما، إن تأويل قوله:"أو تخفوه يحاسبكم به الله"، على الشك واليقين.
غير أنا نقول إن المتوعد بقوله:"ويعذب من يشاء"، هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله، [[قوله: "الشك والمرية. . . " خبر"كان".]] وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا = والموعود الغفران بقوله: [[قوله: "الموعود" منصوب معطوف على قوله"إن المتوعد. . . "، وقوله: "الغفران" منصوب باسم المفعول وهو"الموعود"، أي الذي وعد الغفران.]] "فيغفر لمن يشاء" هو الذي إخفاء ما يخفيه، [[في المطبوعة: "هو الذي أخفى وما يخفيه الهمة بالتقدم. . . " وفي المخطوطة: "هو الذي إحفا وما يخفيه +الهمه" غير منقوطة بهذا الرسم: وصواب قراءة المخطوطة هو ما أثبت.]] الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداءً تحليلُه وإباحته، فحرمه على خلقه جل ثناؤه = [[قوله: "أو على ترك. . . " معطوف على قوله آنفًا: "بالتقدم على بعض ما نهاه. . . "]] أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله، مما كان جائزا ابتداءً إباحة تركه، فأوجب فعله على خلقه. فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين - إذا هو لم يصحح همه بما يهم به، ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه - لم يكن مأخوذا به، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال:
٦٤٩٨ -"من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه". [[الأثر: ٦٤٩٨- لم يذكر الطبري إسناده، وأحاديث تجاوز الله عن حديث النفس في مسلم ٢: ١٤٦- ١٥٢ بغير هذا اللفظ، ثم سائر كتب السنة.]]
* *
فهذا الذي وصفنا هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده، ثم لا يعاقبهم عليه. فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه، فذلك هو الهالك المخلد في النار الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله:"ويعذب من يشاء".
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا:"وإن تبدوا ما في أنفسكم"، أيها الناس، فتظهروه ="أو تخفوه"، فتنطوي عليه نفوسكم ="يحاسبكم به الله"، فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه ومغفرته له فيغفره له، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه. [[في المخطوطة: "فيعرف مؤمنيكم. . . ويعذب منافقيكم" بالجمع، والذي في المطبوعة أصح وأجود.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: والله عز وجل = على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة، وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله عز وجل ونبوة أنبيائه، ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه، وعلى غير ذلك من الأمور = قادر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول = يعني رسول الله ﷺ، فأقر ="بما أنزل إليه"، يعني: بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد وعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها.
* *
وذكر أن رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية عليه قال: يحق له.
٦٤٩٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه"، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: ويحق له أن يؤمن. [[الأثر: ٦٤٩٩- أخرج الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨٧ من طريق خلاد بن يحيى، عن أبي عقيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس قال: "لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ: "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" قال النبي ﷺ: وأحق له أن يؤمن". ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" واستدرك عليه الذهبي فقال: "منقطع".]]
* *
وقد قيل: إنها نزلت بعد قوله:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير"، لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه شق عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال لهم رسول الله ﷺ: لعلكم تقولون:"سمعنا وعصينا" كما قالت بنو إسرائيل! فقالوا: بل نقول:"سمعنا وأطعنا"! فأنزل الله لذلك من قول النبي ﷺ وقول أصحابه:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله"، يقول: وصدق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله، الآيتين. وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل. [[انظر ما سلف رقم: ٦٤٧٧.]]
* *
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله:"وكتبه".
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض قرأة أهل العراق ﴿وكتبه﴾ على وجه جمع"الكتاب"، على معنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التي أنزلها على أنبيائه ورسله.
* *
وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ﴿وكتابه﴾ ، بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وبالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ.
* *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك:"وكتابه"، ويقول: الكتاب أكثر من الكتب. وكأن ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: ١-٢] ، بمعنى جنس"الناس" وجنس"الكتاب"، كما يقال:"ما أكثر درهم فلان وديناره"، ويراد به جنس الدراهم والدنانير. [[انظر ما سلف ٤: ٢٦٣.]] وذلك، وإن كان مذهبا من المذاهب معروفا، فإن الذي هو أعجب إلي من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع. لأن الذي قبله جمع، والذي بعده كذلك - أعني بذلك:"وملائكته وكتبه ورسله" - فإلحاق"الكتب" في الجمع لفظا به، أعجب إلي من توحيده وإخراجه في اللفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقا في اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾
قال أبو جعفر: وأما قوله:"لا نفرق بين أحد من رسله"، فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك. ففي الكلام في قراءة من قرأ:"لا نفرق بين أحد من رسله" بالنون، متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عنه. وذلك المتروك هو"يقولون". وتأويل الكلام: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله. وترك ذكر"يقولون" لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [سورة الرعد: ٢٣-٢٤] ، بمعنى: يقولون: سلام.
* *
وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ب"الياء"، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد ﷺ، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه، كما:-
٦٥٠٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"لا نفرق بين أحد من رسله"، كما صنع القوم - يعني بني إسرائيل - قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به.
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: "لا نفرق بين أحد من رسله"، لأنها القراءة التي قامت حجتها بالنقل المستفيض، [[في المطبوعة: "التي قامت حجة. . . "، وفي المخطوطة: "التي قامت حجته"، وصواب قراءتها ما أثبت.]] الذي يمتنع معه التشاعر والتواطؤ والسهو والغلط= [[في المطبوعة: "التشاغر" بغين معجمة، وهو خطأ غث. والصواب من المخطوطة. و"تشاعروا الأمر، أو على الأمر"، أي تعالموه بينهم. من قولهم: "شعر" أي"علم". وهي كلمة قلما تجدها في كتب اللغة، ولكنها دائرة في كتب الطبري ومن في طبقته من القدماء. وانظر الرسالة العثمانية للجاحظ: ٣، وتعلق: ٥، ثم ص: ٢٦٣، وصواب شرحها ما قلت. وانظر ما سيأتي ص: ١٥٥، تعليق ١.]] بمعنى ما وصفنا من: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله= [[في المطبوعة: "يعني ما وصفنا"، والصواب من المخطوطة.]] ولا يعترض بشاذ من القراءة، على ما جاءت به الحجة نقلا ووراثة. [[في المطبوعة: "نقلا ورواية"، وفي المخطوطة"نقلا وراثة"، وهي الصواب، وآثرت زيادة الواو قبلها، فإني أرجح أنها كانت كذلك. وقد أكثر الطبري استعمال"وراثة" و"موروثة" فيما سلف، من ذلك فيما مضى في ٤: ٣٣". . . بالحجة القاطعة العذر، نقلا عن نبينا ﷺ وراثة. . . " / ثم في ٥: ٢٣٨"لخلافها القراءة المستفيضة الموروثة. . . ". وانظر ما سيأتي ص: ١٥٥، تعليق: ١.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين:"سمعنا" قول ربنا وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه ="وأطعنا"، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له = وقوله:"غفرانك ربنا"، يعني: وقالوا:"غفرانك ربنا"، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال:"سبحانك"، بمعنى: نسبحك سبحانك.
* *
وقد بينا فيما مضى أن"الغفران" و"المغفرة"، الستر من الله على ذنوب من غفر له، وصفحة له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة - عليه. [[انظر ما سلف ٢: ١٠٩، ١١٠.]]
* *
وأما قوله:"وإليك" المصير"، فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا. [[انظر ما سلف في تفسير"المصير" ٣: ٥٦.]]
* *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله:"غفرانك"؟
قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر. وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: "شكرا لله يا فلان"، و"حمدا له"، بمعنى: اشكر الله واحمده."والصلاة، الصلاة". بمعنى: صلوا. ويقولون في الأسماء:"الله الله يا قوم"، ولو رفع بمعنى: هو الله، أو: هذا الله - ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الأمر، كان جائزا، كما قال الشاعر: [[لم أعرف قائله.]]
إن قوما منهم عمير وأشبا ... هـ عمير ومنهم السفاح [[معاني القرآن للفراء ١: ١٨٨، وشواهد العيني (بهامش الخزانة) ٤: ٣٠٦. ولم أستطع تعييني"عمير" و"السفاح"، فهما كثير.]] لجديرون بالوفاء إذا قا ... ل أخو النجدة: السلاح السلاح! !
ولو كان قوله:"غفرانك ربنا" جاء رفعا في القراءة، لم يكن خطأ، بل كان صوابا على ما وصفنا. [[أكثر هذا من معاني القرآن للفراء ١: ١٨٨.]]
* *
وقد ذكر أن هذه الآية لما نزلت على رسول الله ﷺ ثناء من الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل ﷺ: إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء، فسل ربك.
٦٥٠١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر قال: لما أنزلت على رسول الله ﷺ:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، قال جبريل: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه! فسأل:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" إلى آخر السورة. [[الحديث: ٦٥٠١- بيان: هو ابن بشر الأحمسي، مضت ترجمته في: ٢٥٩. "حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي": تابعي كبير ثقة، أرسل عن النبي ﷺ. روى عن أبيه، وعمر، وابن مسعود، وطلحة، وعبادة بن الصامت. وروى عنه إسماعيل ابن أبي خالد، و"بيان". ثقة. مات في آخر إمارة الحجاج. وقيل سنة ٨٢، وقيل سنة ٩٥. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/١٢. وصرح بأنه سمع عمر.
فهذا الحديث مرسل.
وذكره السيوطي ١: ٣٧٦، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.
ونقله ابن كثير ٢: ٨٩، عن هذا الموضع من الطبري. ولكن وقع فيه تحريف في الإسناد، من ناسخ أو طابع - هكذا: "عن سنان، عن حكيم، عن جابر"؛ فصار الإسناد موهما أنه حديث متصل من رواية جابر بن عبد الله الصحابي. فيصحح من هذا الموضع.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها، [[في المخطوطة والمطبوعة: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيتعبدها إلا بما يسعها" وبين أن الناسخ عجل فزاد"إلا وسعها"، والسياق يقتضي تركها هنا، فتركتها.]] فلا يضيق عليها ولا يجهدها.
* *
وقد بينا فيما مضى قبل أن"الوسع" اسم من قول القائل:"وسعني هذا الأمر"، مثل"الجهد" و"الوجد" من:"جهدني هذا الأمر" و"وجدت منه"، [[انظر ما سلف ٥: ٤٥.]] كما:-
٦٥٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاومة، عن علي، عن ابن عباس قوله:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم، فقال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: ٧٨] ، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] ، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [[في المخطوطة والمطبوعة: "اتقوا الله. . " وأثبت نص القراءة.]] [سورة التغابن: ١٦] .
٦٥٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس قال: لما نزلت، ضج المؤمنون منها ضجة وقالوا: يا رسول الله، هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان! [[قوله: "هذا نتوب. . . "، تعبير فصيح يكون مع التعجب، وقد جاء في الشعر، ولكن سقط عني موضعه الآن فلم أجده.]] كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل ﷺ بهذه الآية،"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة.
٦٥٠٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وسعها، طاقتها. وكان حديث النفس مما لم يطيقوا. [[في المطبوعة: "مما لا يطيقون"، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"لها" للنفس التي أخبر أنه لا يكلفها إلا وسعها. يقول: لكل نفس ما اجترحت وعملت من خير ="وعليها"، يعني: وعلى كل نفس ="ما اكتسبت"، ما عملت من شر، [[انظر تفسير"الكسب" و"الاكتساب" فيما سلف ٢: ٢٧٣، ٢٧٤ / ثم ٣: ١٠٠، ١٠١، ١٢٨، ١٢٩ / ثم ٤: ٤٤٩.]] كما:-
٦٥٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت"، أي: من خير ="وعليها ما اكتسبت"، أي: من شر - أو قال: من سوء.
٦٥٠٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط. عن السدي."لها ما كسبت"، يقول: ما عملت من خير ="وعليها ما اكتسبت"، يقول: وعليها ما عملت من شر.
٦٥٠٧ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتاده، مثله.
٦٥٠٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن عباس:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، عمل اليد والرجل واللسان.
* *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذا: لا يكلف الله نفسا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
قال أبو جعفر: وهذا تعليم من الله عز وجل عباده المؤمنين دعاءه كيف يدعونه، وما يقولونه في دعائهم إياه. ومعناه: قولوا:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا" شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله=،"أو أخطأنا" في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه، على غير قصد منا إلى معصيتك، ولكن على جهالة منا به وخطأ، كما:-
٦٥٠٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، إن نسينا شيئا مما افترضته علينا، أو أخطأنا، [فأصبنا] شيئا مما حرمته علينا. [[الزيادة بين القوسين، توشك أن تكون زيادة لا يستقيم بغيرها الكلام.]]
٦٥١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها. [[الأثر: ٦٥١٠ - أخرجه مسلم في صحيحه (٢: ١٤٦، ١٤٧) من طرق، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة ولفظه: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم يتكلموا أو يعملوا".]]
٦٥١١ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال، زعم السدي أن هذه الآية حين نزلت:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال له جبريل ﷺ: فقل ذلك يا محمد.
* *
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وهل يحوز أن يؤاخذ الله عز وجل عباده بما نسوا أو أخطأوا، فيسألوه أن لا يؤاخذهم بذلك؟
قيل: إن"النسيان" على وجهين: أحدهما على وجه التضييع من العبد والتفريط، والآخر على وجه عجز الناسي عن حفظ ما استحفظ ووكل به، وضعف عقله عن احتماله.
= فأما الذي يكون من العبد على وجه التضييع منه والتفريط، فهو ترك منه لما أمر بفعله. فذلك الذي يرغب العبد إلى الله عز وجل في تركه مؤاخذته به، وهو"النسيان" الذي عاقب الله عز وجل به آدم صلوات الله عليه فأخرجه من الجنة، فقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [سورة طه: ١١٥] ، وهو"النسيان" الذي قال جل ثناؤه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [سورة الأعراف: ٥١] . فرغبة العبد إلى الله عز وجل بقوله:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، فيما كان من نسيان منه لما أمر بفعله على هذا الوجه الذي وصفنا، ما لم يكن تركه ما ترك من ذلك تفريطا منه فيه وتضييعا، كفرا بالله عز وجل. فإن ذلك إذا كان كفرا بالله، فإن الرغبة إلى الله في تركه المؤاخذة به غير جائزة، لأن الله عز وجل قد أخبر عباده أنه لا يغفر لهم الشرك به، فمسألته فعل ما قد أعلمهم أنه لا يفعله، خطأ. وإنما تكون مسألته المغفرة، فيما كان من مثل نسيانه القرآن بعد حفظه بتشاغله عنه وعن قراءته، ومثل نسيانه صلاة أو صياما، باشتغاله عنهما بغيرهما حتى ضيعهما.
= وأما الذي العبد به غير مؤاخذ، لعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ما وكل بمراعاته، فإن ذلك من العبد غير معصية، وهو به غير آثم، فذلك الذي لا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له، لأنه مسألة منه له أن يغفر له ما ليس له بذنب، وذلك مثل الأمر يغلب عليه وهو حريص على تذكره وحفظه، كالرجل يحرص على حفظ القرآن بجد منه فيقرأه، ثم ينساه بغير تشاغل منه بغيره عنه، ولكن بعجز بنيته عن حفظه، وقلة احتمال عقله ذكر ما أودع قلبه منه، وما أشبه ذلك من النسيان، فإن ذلك مما لا تجوز مسألة الرب مغفرته، لأنه لا ذنب للعبد فيه فيغفر له باكتسابه.
* *
وكذلك "الخطأ" وجهان:
= أحدهما: من وجه ما نهي عنه العبد فيأتيه بقصد منه وإرادة، فذلك خطأ منه، وهو به مأخوذ. يقال منه:"خطئ فلان وأخطأ" فيما أتى من الفعل، و"أثم"، إذا أتى ما يأثم فيه وركبه، [[في المطبوعة: "ما يتأثم فيه"، والصواب من المخطوطة. وانظر معنى"خطئ" فيما سلف ٢: ١١٠.]] ومنه قول الشاعر: [[هو عبيد بن الأبرص الأسدي، وفي حماسة البحتري، ٢٣٦"عبيد بن منصور الأسدي"، وكأنه تحريف.]]
الناس يلحون الأمير إذا هم ... خطئوا الصواب ولا يلام المرشد [[ديوانه: ٥٤، وحماسة البحتري ٢٣٦ واللسان (أمر) ورواية ديوانه: والناس يلحون الأمير إذا غوى ... خطب الصواب. . . . . . . .
أما رواية اللسان، فهي كما جاءت في الطبري. ولحاه يلحاه: لامه وقرعه. والأمير: صاحب الأمر فيهم، يأمرهم فيطيعونه. والمرشد (اسم مفعول بفتح الشين) : من هداه الله إلى الصواب. وهو شبيه بقول القطامي: والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأم المخطئ الهبل]]
يعني: أخطأوا الصواب = وهذا الوجه الذي يرغب العبد إلى ربه في صفح ما كان منه من إثم عنه، [[استعمل أبو جعفر"الصفح" هنا بمعنى: الرد والصرف، ولو كان من قولهم"صفح عن ذنبه" لكان صواب العبارة"في صفحه عما كان منه من إثم". واستعمال أبي جعفر جيد صحيح.]] إلا ما كان من ذلك كفرا.
= والآخر منهما: ما كان عنه على وجه الجهل به، والظن منه بأن له فعله، كالذي يأكل في شهر رمضان ليلا وهو يحسب أن الفجر لم يطلع = أو يؤخر صلاة في يوم غيم وهو ينتظر بتأخيره إياها دخول وقتها، فيخرج وقتها وهو يرى أن وقتها لم يدخل. فإن ذلك من الخطأ الموضوع عن العبد، الذي وضع الله عز وجل عن عباده الإثم فيه، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه به.
* *
وقد زعم قوم أن مسألة العبد ربه أن لا يؤاخذه بما نسي أو أخطأ، إنما هو فعل منه لما أمره به ربه تبارك وتعالى، أو لما ندبه إليه من التذلل له والخضوع بالمسألة، فأما على وجه مسألته الصفح، فما لا وجه له عندهم [[انظر أمالي الشريف المرتضى ٢: ١٣١، ١٣٢.]]
وللبيان عن هؤلاء كتاب سنأتي فيه إن شاء الله على ما فيه الكفاية، لمن وفق لفهمه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾
قال أبو جعفر: ويعني بذلك جل ثناؤه: قولوا:"ربنا ولا تحمل علينا إصرا"، يعني ب"الإصر" العهد، كما قال جل ثناؤه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [سورة آل عمران: ٨١] . وإنما عنى بقوله:" وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا) ولا تحمل علينا عهدا فنعجز عن القيام به ولا نستطيعه ="كما حملته على الذين من قبلنا"، يعني: على اليهود والنصارى الذين كلفوا أعمالا وأخذت عهودهم ومواثيقهم على القيام بها، فلم يقوموا بها فعوجلوا بالعقوبة. فعلم الله عز وجل أمة محمد ﷺ - الرغبة إليه بمسألته أن لا يحملهم من عهوده ومواثيقه على أعمال - إن ضيعوها أو أخطأوا فيها أو نسوها - مثل الذي حمل من قبلهم، فيحل بهم بخطئهم فيه وتضييعهم إياه، مثل الذي أحل بمن قبلهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٥١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قي قوله:"لا تحمل علينا إصرا"، قال: لا تحمل علينا عهدا وميثاقا، كما حملته على الذين من قبلنا. يقول: كما غلظ على من قبلنا.
٦٥١٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن موسى بن قيس الحضرمي، عن مجاهد في قوله:"ولا تحمل علينا إصرا"، قال: عهدا [[الأثر: ٦٥١٣-"موسى بن قيس الحضرمي" الفراء، الكوفي، لقبه: "عصفور الجنة". روى عن سلمة بن كهيل، ومحمد بن عجلان، ومسلم البطين وغيرهم. روى عنه وكيع، ويحيى بن آدم، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد: "لا أعلم إلا خيرا". وقال ابن سعد: "كان قليل الحديث". ووثقه ابن معين. وقال العقيلي: "كان من الغلاة في الرفض. . . يحدث بأحاديث مناكير - أو: بواطيل". مترجم في التهذيب.]]
٦٥١٤ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إصرا"، قال: عهدا.
٦٥١٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس في قوله:"إصرا"، يقول: عهدا.
٦٥١٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا"، والإصر: العهد الذي كان على من قبلنا من اليهود.
٦٥١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:"ولا تحمل علينا إصرا"، قال: عهدا لا نطيقه ولا نستطيع القيام به ="كما حملته على الذين من قبلنا"، اليهود والنصارى فلم يقوموا به، فأهلكتهم.
٦٥١٨ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك:"إصرا"، قال: المواثيق.
٦٥١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"الإصر"، العهد. = ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [سورة آل عمران ٨١] ، قال: عهدي.
٦٥٢٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ ، قال: عهدي.
وقال آخرون:"معنى ذلك: ولا تحمل علينا ذنوبًا وإثمًا، كما حملت ذلك على من قبلنا من الأمم، فتمسخنا قردةً وخنازير كما مسختهم".
ذكر من قال ذلك:
٦٥٢١ - حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد، عن علي بن هارون، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله:"ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، قال: لا تمسخنا قردة وخنازير. [[الأثر: ٦٥٢١-"سعيد بن عمرو السكوني"، سلفت ترجمته في رقم: ٥٥٦٣. أما"علي بن هارون" فلم أجده، وأظن صوابه"يزيد بن هارون"، و"بقية بن الوليد"، يروي عن"يزيد بن هارون" ومات قبله. وهم جميعًا مترجمون في التهذيب.]]
٦٥٢٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:"ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، لا تحمل علينا ذنبًا ليس فيه توبةً ولا كفارة.
* *
وقال آخرون:"معنى"الإصر" بكسر الألف: الثِّقْل".
ذكر من قال ذلك:
٦٥٢٣ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، يقول: التشديد الذي شدّدته على من قبلنا من أهل الكتاب.
٦٥٢٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته - يعنى مالكًا - عن قوله:"ولا تحمل علينا إصرًا"، قال: الإصر، الأمر الغليظ.
* *
قال أبو جعفر: فأما"الأصر"، بفتح الألف: فهو ما عَطف الرجلَ على غيره من رَحم أو قرابة، يقال:"أصَرتني رَحم بيني وبين فلانٌ عليه"، بمعنى: عطفتني عليه."وما يأصِرُني عليه"، أي: ما يعطفني عليه."وبيني وبينه آصرةُ رَحم تأصرني عليه أصرًا"، يعني به: عاطفة رَحم تعطفني عليه. [[في المخطوطة والمطبوعة: "وبيني وبينه أصر رحم يأصرني عليه"، وسياق شرحه يقتضي ما أثبتته كتب اللغة، وهو الذي أثبته هنا.]]
* *
القول في تأويل قوله: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وقولوا أيضًا: ربنا لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، لثِقَل حمله علينا.
وكذلك كانت جماعة أهل التأويل يتأولونه.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، تشديدٌ يشدِّد به، كما شدّد على من كان قبلكم.
٦٥٢٦ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قوله:"ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.
٦٥٢٧ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، لا تفترض علينا من الدّين ما لا طاقة لنا به فنعجز عنه.
٦٥٢٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، مَسخُ القردة والخنازير.
٦٥٢٩ - حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي قال، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سالم بن شابور في قوله:"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، قال: الغُلْمة. [[الأثر: ٦٥٢٩-"سلام بن سالم الخزاعي"، سلفت ترجمته برقم: ٢٥٢. وأما"أبو حفص عمر بن سعيد التنوخي"، فهو"عمر بن سعيد بن سليمان، أبو حفص القرشي الدمشقي"، راوية سعيد بن عبد العزيز التنوخي، فكأنه نسب إليه. روى عن محمد بن شعيب ابن شابور. مترجم في التهذيب، وتاريخ بغداد (١١: ٢٠٠) . و"محمد بن شعيب بن شابور" الدمشقي، أحد الكبار. روى عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وغيرهما. كان يسكن بيروت، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة ٢٠٠.
والغلمة: غليان شهوة المواقعة من الرجل والمرأة.]]
٦٥٣٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم.
* *
قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن تأويل ذلك: ولا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق القيام به، على نحو الذي قلنا في ذلك، لأنه عَقيب مسألة المؤمنين ربَّهم أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطأوا، وأن لا يحمل عليهم إصرًا كما حمله على الذين من قبلهم، فكان إلحاق ذلك بمعنى ما قبله من مسألتهم التيسيرَ في الدين، أولى مما خالف ذلك المعنى.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾
قال أبو جعفر: وفي هذا أيضًا، من قول الله عز وجل، خبرًا عن المؤمنين من مسألتهم إياه ذلك = [[سياق العبارة: "وفي هذا أيضًا. . . الدلالة الواضحة" خبر ومبتدأ.]] الدلالةُ الواضحة أنهم سألوه تيسير فرائضه عليهم بقوله:"ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، لأنهم عقبوا ذلك بقولهم:"واعف عنا"، مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه ولا يعاقبهم عليه. وإن خفّ ما كلفهم من فرائضه على أبدانهم.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٦٥٣١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واعف عنا"، قال: اعفُ عنا إن قصرنا عن شيء من أمرك مما أمرتنا به.
* *
وكذلك قوله:"واغفر لنا"، يعني: واستر علينا زلَّة إن أتيناها فيما بيننا وبينك، فلا تكشفها ولا تفضحنا بإظهارها.
* *
وقد دللنا على معنى"المغفرة" فيما مضى قبل. [[انظر، ما سلف قريبًا: ١٢٧، ١٢٨ تعليق: ١، والمراجع هناك. وانظر فهارس اللغة (غفر) .]]
* *
٦٥٣٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"واغفر لنا" إن انتهكنا شيئًا مما نهيتنا عنه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿وَارْحَمْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: تغمدنا منك برحمة تنجينا بها من عقابك، فإنه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إياه دُون عمله، وليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفقنا لما يرضيك عنا، كما:-
٦٥٣٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قوله:"وارحمنا"، قال يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا تركَ ما نهيتنا عنه إلا برحمتك. [[في المطبوعة: "لا نترك"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو الصواب، منصوبًا بقوله: "تنال" معطوفًا على قوله"العمل".]] قال: ولم ينج أحدٌ إلا برحمتك.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"أنت مَوْلانا"، أنت وَليُّنا بنصرك، دون من عَاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك، ومطيعوك فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت وليّ من أطاعك، وعدوّ من كفر بك فعصاك =،"فانصرنا"، لأنا حزْبك = "على القوم الكافرين"، الذين جحدوا وحدانيتك، وعبدوا الآلهة والأندادَ دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان.
* *
و"المولى" في هذا الموضع"المفعَل"، من:"وَلى فلانٌ أمرَ فُلان، فهو يليه وَلاية، وهو وليُّه ومولاه". [[انظر تفسير"الولي"، و"المولى" فيما سلف ٢: ٤٨٩، ٥٦٤ / ثم ٥: ٤٢٤.]] وإنما صارت"الياء" من"ولى""ألفًا"، لانفتاح"اللام" قبلها، التي هي عينُ الاسم.
* *
وقد ذكروا أن الله عز وجل لما أنزل هذه الآية على رسول الله ﷺ، فتلاها رسول الله ﷺ، استجاب الله له في ذلك كله.
ذكر الأخبار التي جاءت بذلك:
٦٥٣٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم ومحمد بن خلف قالا حدثنا آدم قال، حدثنا ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه"، قال: قرأها رسول الله ﷺ، فلما انتهى إلى قوله:"غُفرانك ربنا"، قال الله عز وجل:"قد غفرت لكم. فلما قرأ:"ربنا لا تؤاخذنا إنْ نسينا أو أخطأنا"، قال الله عز وجل: لا أحملكم. فلما قرأ:"واغفر لنا"، قال الله تبارك وتعالى: قد غفرت لكم. فلما قرأ:"وارحمنا"، قال الله عز وجل:"قد رحمتكم"، فلما قرأ:"وانصرنا على القوم الكافرين"، قال الله عز وجل: قد نصرتُكم عليهم. [[الحديث: ٦٥٣٤- محمد بن خلف بن عمار العسقلاني، شيخ الطبري: ثقة، من شيوخ النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وقد مضت رواية أخرى للطبري عنه في: ١٢٦.
آدم: هو ابن أبي إياس العسقلاني، وهو ثقة مأمون. وكان مكينًا عند شعبة. وقد مضت ترجمته في: ١٨٧.
ورقاء: هو ابن عمر اليشكري، أبو بشر. وهو كوفي ثقة، أثنى عليه شعبة جدًا. والراجح - عندي - أن ورقاء ممن سمع من عطاء قديمًا قبل تغيره، لأنه من القدماء من طبقة شعبة، ولأنه كوفي، وعطاء تغير في مقدمه البصرة آخر حياته.
وهذا الحديث من هذا الوجه - من رواية عطاء بن سعيد بن المسيب - لم أجده في شيء من الدواوين، غير تفسير الطبري. فرواه هنا مرفوعًا، ثم سيرويه بنحوه: ٦٥٤٠ موقوفًا على ابن عباس.
وذاك الموقوف في الحقيقة مرفوع حكمًا، لأنه ليس مما يعرف بالرأي ولا القياس. فهو مؤيد لصحة هذا المرفوع.
ثم رفع الحديث في هذا الإسناد زيادة في ثقة، فهي مقبولة.
بل إن هذا الإسناد أرجح صحة من ذاك. لأن ورقاء قديم، رجحنا أنه سمع من عطاء قبل تغيره.
وأما ذاك الإسناد، فإنه من رواية محمد بن فضيل عن عطاء. وابن فضيل سمع من عطاء بأخرة، بعد تغيره. كما نص على ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه ٣/ ٣٣٤.
ومعنى الحديث ثابت صحيح من وجه آخر، كما مضى في: ٦٤٥٧، من رواية آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وهناك الإجابة بعد كل دعاء: "قد فعلت". وهنا الإجابة من لفظ الدعاء. والمعنى واحد.
والظاهر أن متن الحديث هنا سقط منه شيء، سهوًا من الناسخين، عند قوله: "فلما قرأ: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ، قال الله عز وجل: لا أحملكم". وفي الرواية الآتية: "قال: لا أؤاخذكم"، ثم ذكر هناك ما بعدها من الدعاء: (ربنا ولا تحمل علينا إصرار كما حملته على الذين من قبلنا) -"قال: لا أحمل عليكم". وذاك هو السياق الصحيح الكامل، الذي يدل على نقص من هذا السياق هنا.
واضطرب كاتب المخطوطة اضطرابًا أشد من هذا، لأنه كرر في متن الحديث: "فلما انتهى إلى قوله (غفرانك ربنا) ، قال الله عز وجل: قد غفرت لكم" - مرتين. ثم أسقط باقي الحديث فلم يذكره.]]
٦٥٣٥ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: أتى جبريل النبيّ ﷺ فقال: يا محمد، قل:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، فقالها، فقال جبريل: قد فعل. وقال له جبريل: قل:"ربنا ولا تَحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، فقالها، فقال جبريل: قد فعل. فقال: قل"ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، فقالها، فقال جبريل ﷺ: قد فعل. فقال: قل:"واعف عَنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، فقالها، فقال جبريل: قد فَعل.
٦٥٣٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال: زعم السدي أن هذه الآية حين نزلت:"ربَنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، فقال له جبريل: فعل ذلك يا محمد ="ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، فقال له جبريل في كل ذلك: فَعَل ذلك يا محمد.
٦٥٣٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع = وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي = عن سفيان، عن آدم بن سليمان، مولى خالد قال، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل الله عز وجل:"آمن الرسول بما أنزل من ربه" إلى قوله:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، فقرأ:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال فقال: قد فعلت ="ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، فقال: قد فعلت ="ربنا ولا تحملنا ما لا طاقه لنا به"، قال: قد فعلت ="واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين"، قال: قد فعلت. [[الحديث: ٦٥٣٧ - هو مختصر من الحديث: ٦٤٥٧، بهذا الإسناد.
وقد ثبت الإسناد هنا على الصواب، كما أشرنا هناك.]]
٦٥٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن مصعب بن ثابت، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أنزل الله عز وجل:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: أبي: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: نعم. [[الحديث: ٦٥٣٨ - هو مختصر من الحديث: ٦٤٥٦، بهذا الإسناد. وقد أشرنا إليه هناك.]]
٦٥٣٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير:"لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال ويقول: قد فعلت ="ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، قال ويقول: قد فعلت. فأعطيت هذه الأمة خواتيم"سورة البقرة"، ولم تعطها الأمم قبلها. [[الحديث: ٦٥٣٩ - هو حديث مرسل. وهو بعض الحديث الماضي: ٦٤٦٤، بهذا الإسناد.
ولكن ثبت هنا في المخطوطة والمطبوعة"أبو حميد"، بدل"أبو أحمد". وهو خطأ يقينًا، فإنه"أبو أحمد الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير"، كما بينا في: ٦٤٦٣.
ووقع في المخطوطة هنا بياض بين قوله"أبو حميد"، وبين"سفيان". وآخر بين قوله"عن سعيد بن جبير"، وبين الآية.
ولعل كاتبها شك في قوله"عن سفيان"، وظنه كالرواية الماضية"حدثنا سفيان"، فترك مكان"حدثنا" بياضا. ثم شك في ذكر الآية بعد اسم"سعيد بن جبير"، دون تمهيد لها بقوله"فنزلت هذه الآية"، كما في الرواية الماضية، فترك لذلك بياضًا.]]
٦٥٤٠ - حدثنا علي بن حرب الموصلي قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله عز وجل:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" إلى قوله:"غفرانك ربنا"، قال: قد غفرت لكم ="لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها" = إلى قوله:"لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا"، قال: لا أؤاخذكم ="ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا"، قال: لا أحمل عليكم = إلى قوله:"واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا"، إلى آخر السورة، قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم، ورحمتكم، ونصرُتكم على القوم الكافرين. [[الحديث: ٦٥٤٠- علي بن حرب بن محمد بن علي، أبو الحسن الطائي الموصلي: ثقة ثبت، وثقه الدارقطني وغيره. وكان عالمًا بأخبار العرب، أديبًا شاعرًا. روى عنه النسائي، وأبو حاتم، وابنه، وترجمه ٣/١/١٨٣. وله ترجمة جيدة في تاريخ بغداد ١١: ٤١٨-٢٤٠.
وهذا الحديث تكرار للحديث: ٦٥٣٤، بنحوه. وهذا موقوف لفظًا مرفوع معنى، وذاك مرفوع لفظًا ومعنى. وذاك أرجح إسنادًا وأصح، كما بينا هناك.
وذكر ابن كثير ٢: ٨٩ قطعة منه، من رواية ابن أبي حاتم، عن علي بن حرب الموصلي، بهذا الإسناد. فلا ندري: أرواه ابن أبي حاتم هكذا مختصرًا، أم اختصره ابن كثير؟]]
* *
= وروى عن الضحاك بن مزاحم أن إجابةَ الله للنبيّ ﷺ خاصّة:
٦٥٤١ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا": كان جبريل عليه السلام يقول له: سلها! [[في المخطوطة: ". . . أو أخطأنا كان جبريل صلى الله عليه فسألها نبي الله" وما بين الكلام بياض، وأئمته المطبوعة كما ترى. أما الدر المنثور ١: ٣٧٨ فقال: "أخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: كان ٣ عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه. . . " ورقم"٣" دلالة على سقط في الكلام. فالظاهر أن السقط قديم في بعض النسخ، ولذلك ترك له السيوطي بياضًا في نسخته من الدر المنثور.]] فسألها نبيّ الله رَبَّه جل ثناءه، فأعطاه إياها، [[في المخطوطة: "فأعطاها إياها"، وأثبت ما في المطبوعة، لأنه موافق لما في الدر المنثور.]] فكانت للنبي ﷺ خاصةً.
٦٥٤٢ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق: أن مُعاذًا كان إذا فرغ من هذه السورة:"وانصرنا على القوم الكافرين"، قال: آمين. [[الأثر: ٦٥٤٢- في تفسير ابن كثير ٢: ٩١، والدر المنثور ١: ٣٧٨ وفيهما تخريجه.
وفي ختام الصورة من النسخة العتيقة ما نصه:
"آخر تفسير سورة البقرة"
"والحمد لله أولا وآخرًا، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم"
"يتلوه تفسير سورة آل عمران. الحمد لله رب العالمين".]]
* *
آخر تفسير سورة البقرة