Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari
Surah Al-Baqara
Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 91–120 · Quran text →
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قيل لهم﴾ ، وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل - للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ-: ﴿آمنوا﴾ ، أي صدقوا، ﴿بما أنزل الله﴾ ، يعني بما أنزل الله من القرآن على محمد ﷺ، ﴿قالوا: نؤمن﴾ ، أي نصدق، ﴿بما أنزل علينا﴾ ، يعني بالتوراة التي أنزلها الله على موسى.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ ، ويجحدون،"بما وراءه"، يعني: بما وراء التوراة.
* *
قال أبو جعفر: وتأويل"وراءه" في هذا الموضع"سوى". كما يقال للرجل المتكلم بالحسن:"ما وراء هذا الكلام شيء" يراد به: ليس عند المتكلم به شيء سوى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ ، أي بما سوى التوراة، وبما بعدها من كتب الله التي أنزلها إلى رسله، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٦٠.]] كما:-
١٥٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ ، يقول: بما بعده.
١٥٥٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ ، أي بما بعده - يعني: بما بعد التوراة.
١٥٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ويكفرون بما وراءه﴾ ، يقول: بما بعده.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وهو الحق مصدقا﴾ ، أي: ما وراء الكتاب - الذي أنزل عليهم من الكتب التي أنزلها الله إلى أنبيائه - الحق. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره القرآن الذي أنزله إلى محمد ﷺ، كما:-
١٥٥٩ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه﴾ ، وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه: ﴿وهو الحق مصدقا لما معهم﴾ . وإنما قال جل ثناؤه: ﴿مصدقا لما معهم﴾ ، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا. ففي الإنجيل والقرآن من الأمر باتباع محمد ﷺ، والإيمان به وبما جاء به، مثل الذي من ذلك في توراة موسى عليه السلام. فلذلك قال جل ثناؤه لليهود - إذْ أخبرهم عما وراء كتابهم الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه، من الكتب التي أنزلها إلى أنبيائه -: إنه الحق مصدقا للكتاب الذي معهم، يعني: أنه له موافق فيما اليهود به مكذبون.
قال: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بالتوراة، على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالإنجيل والفرقان، عنادا لله، وخلافا لأمره، وبغيا على رسله صلوات الله عليهم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ذكره بقوله: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله﴾ ، قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل - الذين إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا-: لم تقتلون = إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم = أنبياءه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؟ وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم في قولهم: ﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾ وتعيير لهم، كما:-
١٥٦٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال الله تعالى ذكره - وهو يعيرهم - يعني اليهود: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ ؟
* *
فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ ، فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟
قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك. فقال بعض البصريين: معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] ، أي: ما تلت، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٦٠ - ٦١.]] وكما قال الشاعر: [[هو رجل من بني سلول.]]
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت عنه وقلت لا يعنيني [[سيبويه ١: ٤١٦، الخزانة ١: ١٧٣، وشرح شواهد المغني: ١٠٧ وغيرها كثير. وروايتهم جميعا"ثمت قلت". وبعده بيت آخر: غضبان ممتلئا علي إهابه ... إني وربك سخطه يرضيني]]
يريد بقوله:"ولقد أمر" ولقد مررت. واستدل على أن ذلك كذلك، بقوله:"فمضيت عنه"، ولم يقل: فأمضي عنه. وزعم أن"فعل" و"يفعل" قد تشترك في معنى واحد، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: [[هو الطرماح بن حكيم الطائي.]]
وإني لآتيكم تَشَكُّرَ ما مضى ... من الأمر، واسْتِيجابَ ما كان في غد [[ديوانه: ١٤٦، وسيأتي في ٤: ٩٧ (بولاق) ، وحماسة البحتري: ١٠٩، واللسان (كون) وقد كان في هذا الموضع"بشكرى"، وهو خطأ، سيأتي من رواية الطبري على الصواب. وروى اللسان: "واستنجاز ما كان". وصواب الرواية: "فإني لآتيكم" فإنه قبله: من كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدى
فإني لآتيكم. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .]]
يعني بذلك: ما يكون في غد، وبقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر [[ديوانه: ٨٥، ونسب قريش: ١٣٨، والاستيعاب: ٦٠٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٢، وسمط اللآلئ: ٦٧٤. قالها الحطيئة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان من رجالات قريش همة وسخاء. استعمله أبو بكر وعمر وعثمان، فلما كان زمان عثمان، رفعوا عليه أنه شرب الخمر، فعزله عثمان وجلده الحد، وكان لهذا شأن كبير، فقال الحطيئة يعذره ويمدحه، ويذكر عزله: شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
خلعوا عنانك إذ جريت، ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري
ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر
فنزعت، مكذوبا عليك، ولم ... تردد إلى عوز ولا فقر
قال مصعب بن عبد الله الزبيري في نسب قريش: "فزادوا فيها من غير قول الحطيئة: نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم؟ ثملا ولا يدري
ليزيدهم خمسا، ولو فعلوا ... مرت صلاتهم على العشر
وقد أكثر الناس فيما كان من خبر الوليد، وما كان من شعر الحطيئة فيه. وهذا نص من أعلم قريش بأمر قريش، على أن البيتين قد نحلهما الحطيئة، متكذب على الوليد، لما كان له في الشأن في أمر عثمان رضي الله عنه. ولقد جلد الوليدبن عقبة مكذوبا عليه كما قال الحطيئة، فاعتزل الناس. وروى أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي (ورقة: ١٩٦) قال: "قال الوليد بن عقبة عند الموت، وهو بالبليخ من أرض الجزيرة: "اللهم إن كان أهل الكوفة صدقوا على، فلا تلق روحي منك روحا ولا ريحانا، وإن كانوا كذبوا على فلا ترضهم بأمير ولا ترض أميرا عنهم. انتقم لي منهم، واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي". فليت أهل الشر كفوا ألسنتهم عن رجل من عقلاء الرجال وأشرافهم.]] يعني: يشهد. وكما قال الآخر:
فما أضحي ولا أمسيت إلا ... أراني منكم في كَوَّفان [[لم أعرف قائله، وهو في اللسان (كوف) والصاحبي: ١٨٧. والكوفان (بتشديد الواو) : الاختلاط والشدة والعناء. يقال: إنا منه في كوفان، أي في عنت وشقاء ودوران واختلاط.]]
فقال: أضحي، ثم قال:"ولا أمسيت".
* *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إنما قيل: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ ، فخاطبهم بالمستقبل من الفعل، ومعناه الماضي، كما يعنف الرجل الرجل على ما سلف منه من فعل فيقول له: ويحك، لم تكذب؟ ولم تبغض نفسك إلى الناس؟ كما قال الشاعر:
إذا ما انتسبنا، لم تلدني لئيمة ... ولم تجدي من أن تُقِري به بُدَّا [[سلف تخريجه في هذا الجزء ٢: ١٦٥.]]
فالجزاء للمستقبل، والولادة كلها قد مضت. وذلك أن المعنى معروف، فجاز ذلك. قال: ومثله في الكلام:"إذا نظرت في سيرة عمر، لم تجده يسيء". [[في معاني القرآن للفراء: "لم يسئ"، بحذف"تجده".]] المعنى: لم تجده أساء. فلما كان أمر عمر لا يشك في مضيه، لم يقع في الوهم أنه مستقبل. فلذلك صلحت"من قبل" مع قوله: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ . قال: وليس الذين خوطبوا بالقتل هم القتلة، إنما قتل الأنبياء أسلافهم الذين مضوا، فتولوهم على ذلك ورضوا به، فنسب القتل إليهم. [[في المطبوعة: "فتلوهم على ذلك ورضوا. فنسب. . "، والصواب ما أثبته من معاني القرآن للفراء ١: ٦٠ - ٦١، وهذا الذي نقله الطبري هو نص كلامه.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب فيه من القول عندنا، أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله ﷺ من يهود بني إسرائيل - بما خاطبهم في سورة البقرة وغيرها من سائر السور - بما سلف من إحسانه إلى أسلافهم، وبما سلف من كفران أسلافهم نعمه، وارتكابهم معاصيه، واجترائهم عليه وعلى أنبيائه، وأضاف ذلك إلى المخاطبين به، نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا كذا وكذا، وفعلتم بنا يوم كذا كذا وكذا - على نحو ما قد بيناه في غير موضع من كتابنا هذا -، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٠٢ تعليق: ١ والمراجع.]] يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم، وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك في قوله: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ ، إذْ كان قد خرج على لفظ الخبر عن المخاطبين به خبرا من الله تعالى ذكره عن فعل السالفين منهم - [[في المطبوعة: "وإن كان قد خرج على لفظ الخبر. . "، والصواب: "إذ. . " كما أثبته.]] على نحو الذي بينا - جاز أن يقال"من قبل"، إذْ كان معناه: قل: فلم يقتل أسلافكم أنبياء الله من قبل"؟ وكان معلوما بأن قوله: ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ ، إنما هو خبر عن فعل سلفهم.
* *
وتأويل قوله: ﴿من قبل﴾ ، أي: من قبل اليوم.
* *
وأما قوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ، فإنه يعني: إن كنتم مؤمنين بما نزل الله عليكم كما زعمتم. وإنما عنى بذلك اليهود الذين أدركوا رسول الله ﷺ وأسلافهم - إن كانوا وكنتم، كما تزعمون أيها اليهود، مؤمنين. وإنما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبياءه، عند قولهم حين قيل لهم: (آمنوا بما أنزل الله. قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. لأنهم كانوا لأوائلهم - الذين تولوا قتل أنبياء الله، مع قيلهم: نؤمن بما أنزل علينا - متولين، وبفعلهم راضين. فقال لهم: إن كنتم كما تزعمون مؤمنين بما أنزل عليكم، فلم تتولون قتلة أنبياء الله؟ أي: ترضون أفعالهم. [[في المطبوعة: "أي وترضون. . " بزيادة واو لا خير فيها.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾ ، أي جاءكم بالبينات الدالة على صدقه وصحة نبوته، [[في المطبوعة: "وحقية نبوته"، وليست مما يقوله أبو جعفر، وقد مضى آنفًا مثل هذا التبديل من النساخ، وكان في المخطوطة العتيقة، على مثل الذي أثبته، وانظر ما سلف ٢: ٣١٨.]] كالعصا التي تحولت ثعبانا مبينا، ويده التي أخرجها بيضاء للناظرين. وفلق البحر ومصير أرضه له طريقا يبسا، والجراد والقمل والضفادع، وسائر الآيات التي بينت صدقه وصحة نبوته. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٨، ٣٥٤.]]
وإنما سماها الله"بينات" لتبينها للناظرين إليها أنها معجزة لا يقدر على أن يأتي بها بشر، إلا بتسخير الله ذلك له. وإنما هي جمع"بينة"، مثل"طيبة وطيبات". [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٨، ٣١٩.]]
* *
قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ولقد جاءكم - يا معشر يهود بني إسرائيل - موسى بالآيات البينات على أمره وصدقه وصحة نبوته. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٨، ٣٥٤.]]
* *
وقوله:"ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون" يقول جل ثناؤه لهم: ثم اتخذتم العجل من بعد موسى إلها. فالهاء التي في قوله:"من بعده"، من ذكر موسى. وإنما قال: من بعد موسى، لأنهم اتخذوا العجل من بعد أن فارقهم موسى ماضيا إلى ربه لموعده - على ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٦٠ - ٦٩.]]
وقد يجوز أن تكون"الهاء" التي في"بعده" إلى ذكر المجيء. فيكون تأويل الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بالبينات، ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء البينات وأنتم ظالمون. كما تقول: جئتني فكرهته، يعني كرهت مجيئك.
* *
وأما قوله: ﴿وأنتم ظالمون﴾ ، فإنه يعني بذلك أنكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه. لأن العبادة لا تنبغي لغير الله. وهذا توبيخ من الله لليهود، وتعيير منه لهم، وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا - من اتخاذ العجل إلها وهو لا يملك لهم ضرا ولا نفعا، بعد الذي علموا أن ربهم هو الرب الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله، ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه، وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد ﷺ وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنون = من صفته ونعته، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع [[سياق هذه الجملة المفصلة:. . "وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا. . فهم إلى تكذيب محمد. . . أسرع"، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه.]] وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ ، واذكروا إذ أخذنا عهودكم، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري، وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط، فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم، إذ رفعنا فوقكم الجبل. [[سلف شرحه لألفاظ هذه الآية: "ميثاق"، "الطور"، "الإيتاء"، "قوة"، فاطلبه في المواضع الآتية ٢: ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠ والمراجع.]]
وأما قوله: ﴿واسمعوا﴾ ، فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر:"سمعت وأطعت"، يعني بذلك: سمعت قولك، وأطعت أمرك، كما قال الراجز:
السمع والطاعة والتسليم ... خير وأعفى لبني ميمْ [[قائلة رجل من ضبة، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة ٥٥، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده. فقال الرجز. ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله (تاريخ الطبري ٦: ١٦٧) .]]
يعني بقوله:"السمع"، قبول ما يسمع، و"الطاعة" لما يؤمر. فكذلك معنى قوله: ﴿واسمعوا﴾ ، اقبلوا ما سمعتم واعملوا به.
* *
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتيناكم بقوة، واعملوا بما سمعتم، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.
* *
وأما قوله: ﴿قالوا سمعنا﴾ ، فإن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب، فإن ذلك كما وصفنا، [[في المطبوعة: "مما وصفنا"، ليست شيئا.]] من أن ابتداء الكلام، إذا كان حكاية، فالعرب تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب، كما بينا ذلك فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف ١: ١٥٣ - ١٥٤، وهذا الجزء ٢: ٢٩٣، ٢٩٤.]] فكذلك ذلك في هذه الآية، لأن قوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ ، بمعنى: قلنا لكم، فأجبتمونا.
* *
وأما قوله: ﴿قالوا سمعنا﴾ ، فإنه خبر من الله - عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة، وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها - أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: وأشربوا في قلوبهم حب العجل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ ، قال: أشربوا حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
١٥٦٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ ، قال: أشربوا حب العجل بكفرهم.
١٥٦٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ ، قال: أشربوا حب العجل في قلوبهم.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل. [[السحالة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوهما إذا سحلا، أي بردا بالمبرد.]]
ذكر من قال ذلك:
١٥٦٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما رجع موسى إلى قومه، أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، [[حرقه: برده بالمبرد، وانظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٧٤.]] ثم ذرّاه في اليم، فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا منه، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب. فذلك حين يقول الله عز وجل: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ . [[الأثر: ١٥٦٤ - سلف برقم: ٩٣٧.]]
١٥٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: لما سحل فألقي في اليم، استقبلوا جرية الماء، فشربوا حتى ملئوا بطونهم، فأورث ذلك من فعله منهم جبنا.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: (وأشربوا في قلوبهم العجل) تأويل من قال: وأشربوا في قلوبهم حب العجل. لأن الماء لا يقال منه: أشرب فلان في قلبه، وإنما يقال ذلك في حب الشيء، فيقال منه:"أشرب قلب فلان حب كذا"، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه، كما قال زهير:
فصحوت عنها بعد حب داخل ... والحب يُشْرَبُه فؤادُك داء [[ديوانه: ٣٣٩، وهو هناك"تشربه" بضم التاء وسكون الشين وكسر الراء ونصب"فؤادك"، وشرحه فيه دليل على ذلك، فإنه قال: "تدخله" وقال: "تشربه" تلزمه ولكن استدلال الطبري، كما ترى يدل على ضبطه مبنيا للمجهول، ورفع"فؤادك". وحب داخل، وداء داخل: قد خالط الجوف فأدخل الفساد على العقل والبدن.]]
قال أبو جعفر: ولكنه ترك ذكر"الحب" اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام. إذ كان معلوما أن العجل لا يُشرِب القلب، وأن الذي يشرب القلب منه حبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [سورة الأعراف: ١٦٣] ، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] ، وكما قال الشاعر: [[هو طرفة بن العبد.]]
ألا إنني سُقِّيت أسود حالكا ... ألا بَجَلِي من الشراب ألا بَجَل [[ديوانه: ٣٤٣ (أشعار الستة الجاهليين) ، ونوادر أبي زيد: ٨٣، واللسان (سود) . واختلف فيما أراد بقوله: "أسود". قيل: الماء، وقيل: المنية والموت. قال أبو زيد في نوادره: "يقال ما سقاني فلان من سويد قطرة، (سويد: بالتصغير) هو الماء، يدعى الأسود". واستدل بالبيت. والصواب في ذلك أن يقال كما قال الطبري، ويعني به: سوء ما لقى من هم وشقاء حالك في حب صاحبته الحنظلية، التي ذكرها في شعره هذا قبل البيت: فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها، فإني واصل حبل من وصل
ألا إنما أبكى ليوم لقيته ... بجرثم قاس، كل ما بعده جلل
إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي - لا كذاب ولا علل
ألا إنني. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويروى: "ألا بجلى من الحياة"، وهي أجود. . ورواية الديوان واللسان: (ألا إنني شربت) ، والتي هنا أجود. وقوله: "بجل"، أي حسبي ما سقيت منك ومن الحياة.]] يعني بذلك سُمّا أسود، فاكتفى بذكر"أسود" عن ذكر"السم" لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله:"سقيت أسود". ويروى:
ألا إنني سقيت أسود سالخا [[السالخ من الحيات: الأسود الشديد السواد، وهو أقتل ما يكون إذا سلخ جلده في إبانه من كل عام.]]
وقد تقول العرب:"إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم"، [[هرم بن سنان، صاحب زهير بن أبي سلمى، وحاتم: هو الطائي الذي لا يخفى له ذكر. وأكثر هذا في معاني القرآن للفراء ١: ٦١ - ٦٢.]]
فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله، إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات، ومنه قول الشاعر:
يقولون جاهد يا جميل بغزوة ... وإن جهادا طيئ وقتالها [[معاني القرآن للفراء ١: ٦٢، ومجالس ثعلب: ٧٦، واللسان (غزا) ، ونسبه لجميل، ولا أظنه إلا أخطأ، لذكر جميل في البيت، ولمشابهته لقول جميل: يقولون: جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟
ولكن البيت من شعر آخر، لم أهتد إليه بعد البحث، ويريد الأول: وإن الجهاد جهاد طيئ وقتالها، فحذف واجتزأ.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل: بئس الشيء يأمركم به إيمانكم؛ إن كان يأمركم بقتل أنبياء الله ورسله، والتكذيب بكتبه، وجحود ما جاء من عنده. ومعنى"إيمانهم": تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدقون من كتاب الله، إذْ قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله. فقالوا: نؤمن بما أنزل علينا. وقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ ، أي: إن كنتم مصدقين كما زعمتم بما أنزل الله عليكم، [[انظر ما سلف في معنى"الإيمان" ١: ٢٣٥، ٢: ١٤٣ وغيرهما.]] وإنما كذبهم الله بذلك - لأن التوراة تنهي عن ذلك كله، وتأمر بخلافه. فأخبرهم أن تصديقهم بالتوراة، إن كان يأمرهم بذلك، فبئس الأمر تأمر به. وإنما ذلك نفي من الله تعالى ذكره عن التوراة، أن تكون تأمر بشيء مما يكرهه الله من أفعالهم، وأن يكون التصديق بها يدل على شيء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم، والذي يحملهم عليه البغي والعدوان.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) ﴾
قال أبو جعفر: وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف. كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى - إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه وجادلوا فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. [[وذلك ما جاء في سورة آل عمران: ٦١، وانظر خبره في التفسير والسير.]] وقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم، إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله. بل إن أعطيتم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون: من أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنها تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها. كما امتنع فريق النصارى - الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى، إذْ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة.
فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال:"لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار. ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا".
١٥٦٦ - حدثنا بذلك أبو كريب قال، حدثنا زكريا بن عدي قال، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ. [[الحديث: ١٥٦٦ - إسناده صحيح. أبو كريب: هو محمد بن العلاء. زكريا بن عدي ابن زريق التيمي الكوفي: ثقة جليل ورع قال ابن سعد: " كان رجلا صالحا صدوقا". وهو مترجم في التهذيب، وفي الكبير للبخاري ٢ /١ / ٣٨٧ - ٣٨٨، والصغير: ٢٣٢، وابن سعد ٦: ٢٨٤، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٠٠، ووقع هنا في المطبوعة"أبو زكريا" وزيادة"أبو" خطأ من ناسخ أو طابع، عبيد الله بن عمرو: هو أبو وهب الجزري الرقي، ثقة معروف أخرج له أصحاب الكتب الستة، وترجمته في التهذيب، وابن سعد ٧ /٢ /١٨٢، والصغير للبخاري: ٢٠٣، وابن أبي حاتم ٢ /٢ / ٣٢٨ - ٣٢٩. عبد الكريم: هو ابن مالك الجزري الحراني، وهو ثقة ثبت صاحب سنة، من شيوخ ابن جريج ومالك والثوري وأضرابهم. ترجمته في التهذيب، والصغير للبخاري: ١٤٨، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /٥٨ - ٥٩.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٢٢٢٦، عن أحمد بن عبد الملك الحراني، عن عبيد الله، وهو ابن عمرو، بهذا الإسناد، ولكن لم يذكر لفظه، أحاله على الرواية قبله: ٢٢٢٥، من طريق فرات بن سلمان الحضرمي، عن عبد الكريم، به، بزيادة في أوله. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨: ٢٢٨، عن الرواية المطولة، وقال: "في الصحيح طرف من أوله"، ثم قال: "رواه أحمد، أبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح". أقول: ورجال أحمد في الإسناد: ٢٢٢٦ - رجال الصحيح أيضًا. وذكر السيوطي ١: ٨٩ بعضه، ونسبه أيضًا إلى الشيخين، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، وأبي نعيم.]]
١٥٦٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام بن علي، عن الأعمش، عن ابن عباس في قوله: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. [[الخبر: ١٥٦٧ - هو موقوف على ابن عباس، في معنى الحديث قبله. ولكن إسناده هذا منقطع. الأعمش: لم يدرك ابن عباس.]]
١٥٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة في قوله: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود الموت لماتوا. [[الخبر: ١٥٦٨- هو بعض الحديث السابق: ١٥٦٦، وإسناده صحيح. وظاهره هنا أنه موقوف على ابن عباس، ولكنه مرفوع بالروايات الأخر.]]
١٥٦٩ - حدثني موسى قال، أخبرنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن ابن عباس مثله.
١٥٧٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد - قال أبو جعفر: فيما أروي: أنبأنا - عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: لو تمنوه يوم قال ذلك لهم، ما بقي على ظهر الأرض يهودي إلا مات. [[الأثر: ١٥٧٠ - في ابن هشام ٢: ١٩١.]]
قال أبو جعفر: فانكشف - لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ - كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله ﷺ، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل.
وإنما أُمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم: ﴿تمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ، وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] . فقال الله لنبيه محمد ﷺ: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تزعمون، فتمنوا الموت. فأبان الله كذبهم بامتناعهم من تمني ذلك، وأفلج حجة رسول الله ﷺ.
* *
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت، وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه. فقال بعضهم: أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما.
ذكر من قال ذلك:
١٥٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله لنبيه ﷺ: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. [[الأثر: ١٥٧١ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩١، وفيها: "أكذب عند الله"، وانظر رقم: ١٥٧٨.]]
* *
وقال آخرون بما:-
١٥٧٢ - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس﴾ ، وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] ، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فقيل لهم: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ .
١٥٧٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: قالت اليهود: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ ، وقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ فقال الله: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، فلم يفعلوا.
١٥٧٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ الآية، وذلك بأنهم قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ ، وقالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ . [[الأثر: ١٥٧٤ - في المطبوعة". . حدثنا إسحاق قال حدثني أبو جعفر عن الربيع" وهذا إسناد فاسد، وهو كثير الدوران في التفسير، وأقرب ذلك رقم: ١٥٦٣]] .
* *
وأما تأويل قوله: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ ، فإنه يقول: قل يا محمد: إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله. فاكتفى بذكر"الدار"، من ذكر نعيمها، لمعرفة المخاطبين بالآية معناها. وقد بينا معنى"الدار الآخرة". فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٢٤٥.]]
* *
وأما تأويل قوله: ﴿خالصة﴾ ، فإنه يعني به: صافية. كما يقال:"خلص لي فلان" بمعنى صار لي وحدي وصفا لي. يقال منه:"خلص لي هذا الشيء فهو يخلص خلوصا وخالصة، و"الخالصة" مصدر مثل"العافية". ويقال للرجل:"هذا خُلْصاني"، يعني خالصتي من دون أصحابي.
* *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يتأول قوله: ﴿خالصة﴾ : خاصة. وذلك تأويل قريب من معنى التأويل الذي قلناه في ذلك.
١٥٧٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) ، قال:"قل" يا محمد لهم - يعني اليهود -: إن كانت لكم الدار الآخرة" - يعني: الجنة [[في المطبوعة: "يعني الخير"، وهو تصحيف وتحريف، صوابه ما أثبت.]] - ﴿عند الله خالصة﴾ ، يقول: خاصة لكم.
* *
وأما قوله: ﴿من دون الناس﴾ ، فإن الذي يدل عليه ظاهر التنزيل أنهم قالوا: لنا الدار الآخرة عند الله خالصة من دون جميع الناس. ويبين أن ذلك كان قولهم - من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم - إخبار الله عنهم أنهم قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ ، إلا أنه روي عن ابن عباس قول غير ذلك:
١٥٧٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿من دون الناس﴾ ، يقول: من دون محمد ﷺ وأصحابه الذين استهزأتم بهم، وزعمتم أن الحق في أيديكم، وأن الدار الآخرة لكم دونهم.
* *
وأما قوله: ﴿فتمنوا الموت﴾ فإن تأويله: تشهوه وأريدوه. وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تأويله: فسلوا الموت. ولا يعرف"التمني" بمعنى"المسألة" في كلام العرب. ولكن أحسب أن ابن عباس وجه معنى"الأمنية" - إذ كانت محبة النفس وشهوتها - إلى معنى الرغبة والمسألة، إذْ كانت المسألة، هي رغبة السائل إلى الله فيما سأله.
١٥٧٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿فتمنوا الموت﴾ ، فسلوا الموت، ﴿إن كنتم صادقين﴾ .
القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود وكراهتهم الموت، وامتناعهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من تمني الموت، لعلمهم بأنهم إن فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازل، والموت بهم حال؛ ولمعرفتهم بمحمد ﷺ أنه رسول من الله إليهم مرسل، وهم به مكذبون، وأنه لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر. فهم يحذرون أن يتمنوا الموت، خوفا أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب، كالذي:-
١٥٧٨ - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد فيما يروي أبو جعفر، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ الآية، أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب. فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ. يقول الله لنبيه محمد ﷺ: ﴿ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ ، أي: لعلمهم بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك. [[الأثر: ١٥٧٨ - مضى في رقم: ١٥٧١، وهنا تمامه. وفي سيرة ابن هشام ١: ١٩١"أكذب عند الله". وفي المطبوعة: "وقالوا ذلك على رسول الله. . " وهو خطأ، صوابه ما في سيرة ابن هشام. وفي المطبوعة: "أي لعلمهم بما عندهم. . " والذي أثبته هو نص ابن هشام.]]
١٥٧٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ ، يقول: يا محمد، ولن يتمنوه أبدا، لأنهم يعلمون أنهم كاذبون. ولو كانوا صادقين لتمنوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم.
١٥٨٠ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ، وكانت اليهود أشد فرارا من الموت، ولم يكونوا ليتمنوه أبدا.
* *
وأما قوله: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ ، فإنه يعني به: بما أسلفته أيديهم. وإنما ذلك مثل، على نحو ما تتمثل به العرب في كلامها. فتقول للرجل يؤخذ بجريرة جرها أو جناية جناها فيعاقب عليها:"نالك هذا بما جنت يداك، وبما كسبت يداك، وبما قدمت يداك"، فتضيف ذلك إلى"اليد". ولعل الجناية التي جناها فاستحق عليها العقوبة، كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد.
قال أبو جعفر: وإنما قيل ذلك بإضافته إلى"اليد"، لأن عُظْمَ جنايات الناس بأيديهم، فجرى الكلام باستعمال إضافة الجنايات التي يجنيها الناس إلى"أيديهم"، حتى أضيف كل ما عوقب عليه الإنسان مما جناه بسائر أعضاء جسده، إلى أنها عقوبة على ما جنته يده.
فلذلك قاله جل ثناؤه للعرب: ﴿ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ ، يعني به: ولن يتمنى اليهود الموت بما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بالله، في مخالفتهم أمره وطاعته في اتباع محمد ﷺ وما جاء به من عند الله، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، ويعلمون أنه نبي مبعوث. فأضاف جل ثناؤه ما انطوت عليه قلوبهم، وأضمرته أنفسهم، ونطقت به ألسنتهم - من حسد محمد ﷺ، والبغي عليه، وتكذيبه وجحود رسالته - إلى أيديهم، وأنه مما قدمته أيديهم، لعلم العرب معنى ذلك في منطقها وكلامها. إذ كان جل ثناؤه إنما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها. وروي عن ابن عباس في ذلك ما:-
١٥٨١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ ، يقول: بما أسلفت أيديهم.
١٥٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ ، قال: إنهم عرفوا أن محمدا ﷺ نبي فكتموه.
* *
وأما قوله: ﴿والله عليم بالظالمين﴾ ، فإنه يعني جل ثناؤه: والله ذو علم بظلمة بني آدم - يهودها ونصاراها وسائر أهل الملل غيرها - وما يعملون.
وظلم اليهود: كفرهم بالله في خلافهم أمره وطاعته في اتباع محمد ﷺ، بعد أن كانوا يستفتحون به وبمبعثه، وجحودهم نبوته وهم عالمون أنه نبي الله ورسوله إليهم.
وقد دللنا على معنى"الظلم" فيما مضى بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف ١: ٥٢٣ - ٥٢٤.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ - اليهود -. يقول: يا محمد، لتجدن أشد الناس حرصا على الحياة في الدنيا، وأشدهم كراهة للموت، اليهود * كما:-
١٥٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد -فيما يروي أبو جعفر- عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ ، يعني اليهود.
١٥٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ ، يعني اليهود. [[الأثر: ١٥٨٤ - في المطبوعة: "حدثنا أبو جعفر عن أبي العالية"، سقط منه"حدثنا الربيع"؛ وهو إسناد دائر، وأقربه في رقم: ١٥٧٣.]]
١٥٨٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله. [[الأثر: ١٥٨٥ - في المطبوعة: "حدثني المثنى قال حدثنا ابن أبي جعفر" سقط منه"حدثنا إسحاق"، وهو إسناد دائر، وأقربه رقم: ١٥٧٤.]]
١٥٨٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* *
وإنما كراهتهم الموت، لعلمهم بما لهم في الآخرة من الخزي والهوان الطويل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ ، وأحرص من الذين أشركوا على الحياة، كما يقال:"هو أشجع الناس ومن عنترة" بمعنى: هو أشجع من الناس ومن عنترة. فكذلك قوله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ . لأن معنى الكلام: ولتجدن -يا محمد- اليهود من بني إسرائيل، أحرص [من] الناس على حياة ومن الذين أشركوا. [[الزيادة بين القوسين، لا بد منها، يدل عليها سياقه.]] فلما أضيف"أحرص" إلى"الناس" وفيه تأويل"من"، أظهرت بعد حرف العطف، ردا - على التأويل الذي ذكرنا.
وإنما وصف الله جل ثناؤه اليهود بأنهم أحرص الناس على الحياة، لعلمهم بما قد أعد لهم في الآخرة على كفرهم بما لا يقر به أهل الشرك، [[في المطبوعة: "مما لا يقر به"، والصواب ما أثبته.]] فهم للموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث، لأنهم يؤمنون بالبعث، ويعلمون ما لهم هنالك من العذاب. والمشركون لا يصدقون بالبعث ولا العقاب، [[في المطبوعة: "وإن المشركين لا يصدقون. . "، و"إن" لا مكان لها هنا.]] فاليهود أحرص منهم على الحياة وأكره للموت.
* *
وقيل: إن الذين أشركوا - الذين أخبر الله تعالى ذكره أن اليهود أحرص منهم في هذه الآية على الحياة - هم المجوس الذين لا يصدقون بالبعث * ذكر من قال هم المجوس:
١٥٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، يعني المجوس.
١٥٨٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، قال: المجوس.
١٥٨٩ - حدثني يونس قال، أخبرني ابن وهب قال قال ابن زيد: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ ، قال: يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة.
* *
ذكر من قال: هم الذين ينكرون البعث:
١٥٩٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد -فيما يروي أبو جعفر- عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾ ، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة؛ وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع مما عنده من العلم. [[الأثر: ١٥٩٠ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩١.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
قال أبو جعفر: هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا [[في المطبوعة: "هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا" والصواب حذف"بقوله"، والنسخة المطبوعة ومخطوطاتها مضطربة في هذا الموضع من الكتاب اضطرابا شديدا.]] - الذين أخبر أن اليهود أحرص منهم على الحياة. يقول جل ثناؤه: يود أحد هؤلاء الذين أشركوا - الآيس، بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته، [[في المطبوعة: "يود أحد هؤلاء الذين أشركوا إلا ما. . بفناء دنياه وانقضاء أيام حياته"، بياض فيها وفي الأصل. واستظهرت قراءتها كما أثبت، فإنه هو المعنى الذي يدور عليه تفسير أبي جعفر: أن هذا المشرك قد يئس أن يكون له بعد فناء الدنيا وانقضاء الحياة نشور أو محيا أو فرح أو سرور، فهو يود لو يعمر ألف سنة.]] أن يكون له بعد ذلك نشور أو محيا أو فرح أو سرور - لو يعمر ألف سنة، حتى جعل بعضهم تحية بعض:"عشرة آلاف عام" حرصا منهم على الحياة، كما:-
١٥٩١ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، سمعت أبي عليا، أخبرنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، قال: هو قول الأعاجم:"سال زه نوروز مهرجان حر". [[الأثر: ١٥٩١ - محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، وأبوه: ثقتان، ترجمنا لهما في شرح المسند: ٧٤٣٧. أبو حمزة: هو السكري، محمد بن ميمون، ثقة إمام. وهذا الإسناد صحيح متصل. وانظر الإسناد الآتي. في تفسير ابن كثير ١: ٢٣٨، ونص الكلام الفارسي فيه:"هزار سال نوروز مهرجان". وقد سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال: إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية، وأنه يظن أن صوابها:"زه در مهرجان نو وروز هزار سال" ومعنى"زه": عش، و"در" ظرف بمعنى"في"، ومهرجان هو عيد لهم. ونيروز: عيد آخر في أول السنة. و"هزار" ألف، و"سال": سنة. فكأن"حر" التي في آخر الكلام في نص الطبري هي:"در" مصحفة. وباقي النصوص الفارسية صحيح، ومعناه: عش ألف سنة.
وفي المستدرك للحاكم ٢: ٢٦٤"هزار سال سرور مهرجان بخور"، وقال مصححه: يعني"تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان. وهو عيد لهم"، وكأن هذا هو الصواب.]]
١٥٩٢ - وحدثت عن نعيم النحوي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، قال: هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس:"زه هزار سال".
١٥٩٣ - حدثنا إبراهيم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن قتادة في قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، قال: حَبَّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العمر.
١٥٩٤ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثني علي بن معبد، عن ابن علية، عن ابن أبي نجيح في قوله: ﴿يود أحدهم﴾ ، فذكر مثله.
١٥٩٥ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ حتى بلغ: ﴿لو يعمر ألف سنة﴾ ، يهود، أحرص من هؤلاء على الحياة. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة.
١٥٩٦ - وحدثت عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ ، قال: هو قول أحدهم إذا عطس:"زه هزار سال"، يقول: عشرة آلاف سنة. [[الخبر: ١٥٩٦ - ذكره الطبري هكذا مجهول الإسناد، بقوله: "حدثت عن أبي معاوية"، إلخ. والعلة في ذلك - فيما أرى - أن الأعمش لم يسمعه من سعيد بن جبير، وإن كان أدركه وروى عنه.
فقد روى الحاكم هذا الخبر، في المستدرك ٢: ٢٦٣ - ٢٦٤، من طريق إسحاق بن إبراهيم"حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس" - بنحوه. ثم قال الحاكم: "رواه قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس". ثم رواه بإسناده إلى محمد بن يوسف، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. . " وهذا إسناد صحيح متصل، دل على انقطاع الإسناد: "الأعمش عن سعيد بن جبير".]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، وما التعمير - وهو طول البقاء - بمزحزحه من عذاب الله.
* *
وقوله: ﴿هو﴾ عماد لطلب "ما" الاسم أكثر من طلبها الفعل، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٢ في معنى"الاسم" و"الفعل"، و"العماد"، تعليق رقم: ٢، وانظر معاني الفراء ١: ٥٠ - ٥٢.]] كما قال الشاعر:
فهل هو مرفوع بما ههنا رأس * [[هذا شطر بيت مضى من أبيات ثلاثة، في هذا الجزء ٢: ٣١٣.]]
و"أن" التي في: ﴿أن يعمر﴾ ، رفع، بـ "مزحزحه"، و"هو" الذي مع"ما" تكرير، عماد للفعل، لاستقباح العرب النكرة قبل المعرفة.
* *
وقد قال بعضهم: إن"هو" الذي مع"ما" كناية ذكر العمر. كأنه قال: يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب. وجعل"أن يعمر" مترجما عن"هو"، يريد ما هو بمزحزحه التعمير. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٤٠ معنى"الترجمة".]]
* *
وقال بعضهم: قوله: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، نظير قولك: ما زيد بمزحزحه أن يعمر.
* *
قال أبو جعفر: وأقرب هذه الأقوال عندنا إلى الصواب ما قلنا، وهو أن يكون"هو" عمادا، نظير قولك:"ما هو قائم عمرو".
* *
وقد قال قوم من أهل التأويل: إن"أن" التي في قوله:"أن يعمر" بمعنى: وإن عمر، وذلك قول لمعاني كلام العرب المعروف مخالف.
ذكر من قال ذلك:
١٥٩٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، يقول: وإن عمر.
١٥٩٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
١٥٩٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"أن يعمر"- ولو عمر.
* *
وأما تأويل قوله: ﴿بمزحزحه﴾ ، فإنه بمبعده ومُنَحِّيه، كما قال الحطيئة:
وقالوا: تزحزح ما بنا فضل حاجة ... إليك، وما منا لوَهْيِك راقع [[البيت ليس للحطيئة، وإنما هو لقيس بن الحدادية، من قصيدة له نفيسة طويلة رواها أبو الفرج في أغانيه ١٣: ٦. يقول قبل البيت، يذكر مجيئه إلى صاحبته أم مالك. وما راعنى إلا المنادى: ألا اظعنوا ... وإلا الرواغى غدوة والقعاقع
فجئت كأني مستضيف وسائل ... لأخبرها كل الذي أنا صانع
فقالت: تزحزح! ما بنا كبر حاجة ... إليك، ولا منا لفقرك راقع
فما زلت تحت الستر حتى كأنني ... من الحر ذو طمرين في البحر كارع]]
يعني بقوله:"تزحزح"، تباعد، يقال منه:"زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحا،"وهو عنك متزحزح"، أي متباعد.
* *
فتأويل الآية - وما طول العمر بمبعده من عذاب الله، ولا مُنَحِّيه منه، لأنه لا بد للعمر من الفناء، ومصيره إلى الله، كما:-
١٦٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد -فيما أروي- [[في المطبوعة: "فيما أرى"، خطأ، والصواب ما أثبت. وانظر الإسناد رقم: ١٥٩٠.]] عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، أي: ما هو بمنحيه من العذاب.
١٦٠١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، يقول: وإن عُمِّر، فما ذاك بمغيثه من العذاب ولا منحيه.
١٦٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
١٦٠٣ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب﴾ ، فهم الذين عادوا جبريل عليه السلام.
١٦٠٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ ، ويهود أحرص على الحياة من هؤلاء. وقد ود هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب، لو عمر كما عمر إبليس لم ينفعه ذلك، إذ كان كافرا، ولم يزحزحه ذلك عن العذاب.
* *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿والله بصير بما يعملون﴾ ، والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفي عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر، حتى يذيقهم بها العقاب جزاءها.
* *
وأصل"بصير""مبصر" - من قول القائل:"أبصرت فأنا مبصر"، ولكن صرف إلى"فعيل"، كما صرف"مسمع" إلى"سميع"، و"عذاب مؤلم" إلى"أليم"،"ومبدع السموات" إلى بديع، وما أشبه ذلك. [[انظر ما سلف ١: ٢٨٣، وهذا الجزء ٢: ١٤٠.]]
القول في تأويل قوله جل ثناؤه ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم. ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته.
ذكر من قال ذلك:
١٦٠٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، [[في المطبوعة: "يونس عن بكير"، وهو خطأ محض.]] عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ: سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه، لتتابعُني على الإسلام. فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ: سلوني عما شئتم. فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا، أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟ فقال رسول الله ﷺ:"عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني! فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق. فقال:"نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه، فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل - قال أبو جعفر: فيما أروي: [[في المطبوعة: "فيما أرى" - وانظر ما سلف قريبا: ٣٧٦.]] وأحب الشراب إليه ألبانها؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ: أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد! قال: وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم! قال: اللهم اشهد! قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٣٩"أنت الآن فحدثنا. . "، وهي جيدة.]] فعندها نتابعك أو نفارقك. قال: فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة، تابعناك وصدقناك. قال:"فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا: إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل: ﴿من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ إلى قوله ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ ، فعندها باءوا بغضب على غضب. [[الأثر: ١٦٠٥ - إسناده صحيح. يونس بن بكير بن واصل الشيباني: ثقة، من تكلم فيه فلا حجة له، وأخرج له مسلم في صحيحه. وترجمته في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ٢ / ٤١١، وابن سعد ٦: ٢٧٩، وابن أبي حاتم ٤ /٢ /٢٣٦. ووقع في المطبوعة هنا"يونس عن بكير" وهو خطأ واضح. عبد الحميد بن بهرام - بفتح الباء وسكون الهاء - الفزاري: ثقة، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما. وتكلم فيه بعضهم من أجل روايته عن شهر بن حوشب، وهو راويته، ولكن شهر ثقة أيضًا، كما أشرنا في: ١٤٨٩.
والحديث رواه أحمد في المسند، مطولا: ٢٥١٤، وابن سعد في الطبقات ١/١/١١٥ - ١١٦، كلاهما من هاشم بن القاسم، عن عبد الحميد بن بهرام، بهذا الإسناد. ثم رواه أحمد: ٢٥١٥، عن محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، به ولم يذكر لفظه، إحالة على ما قبله. ورواه أحمد أيضًا: ٢٤٧١، مختصرا، عن حسين، هو ابن محمد المروزي عن عبد الحميد بن بهرام.
ورواه أيضًا: ٢٤٨٣، من وجه آخر، أطول قليلا. وكذلك رواه أبو نعيم في الحلية ٤: ٣٠٤ - ٣٠٥ من هذا الوجه. وذكر الهيثمي الرواية: ٢٤٨٣، وأشار إلى ما في الرواية: ٢٥١٤ من الزيادة، في مجمع الزوائد ٨: ٢٤١ - ٢٤٢، وقال:"رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات".ونقل ابن كثير في التفسير ١: ٢٣٨ - ٢٣٩ رواية الطبري التي هنا، ثم أشار إلى رواية المسند: ٢٥١٤. ثم نقل رواية المسند: ٢٤٨٣ فيه ١: ٢٤٠، ونقل روايتي المسند أيضًا ٢: ١٨٦ - ١٨٧.]]
١٦٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين -يعني المكي-، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك. فقال رسول الله ﷺ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني؟ قالوا: نعم. قال: فاسألوا عما بدا لكم. فقالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله ﷺ: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة، فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه؟ [[في المطبوعة: "فأيهما غلبت صاحبتها"، والصواب من نص سيرة ابن هشام ٢: ١٩١ - ١٩٢.]] نعم. قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ [[نص ابن إسحاق في رواية ابن هشام ٢: ١٩٢: "هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به، تنام عيناه وقلبه يقظان؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان. قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ " وبعد ذلك اختلاف أيضًا في رواية ابن جرير عن ابن إسحاق.]] قالوا: اللهم نعم. قال: اللهم اشهد! قالوا أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ قال: هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها، وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها، فحرم أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم. قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، [[في سيرة ابن هشام: "هل تعلمونه"، وهو أشبه بالصواب.]] وهو الذي يأتيني؟ قالوا: نعم، ولكنه لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله فيهم: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ إلى قوله ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ . [[الأثر: ١٦٠٦ - هو حديث مرسل، مضى جزء منه، بهذا الإسناد: ١٤٨٩. وأشار إليه ابن كثير ٢٣٩:١ - ٢٤٠، عقب حديث ابن عباس الذي قبله، وصرح أيضًا بأنه رواه محمد بن إسحاق مرسلا. وفي سيرة ابن هشام ٢: ١٩١ - ١٩٢، وفيه اختلاف في بعض اللفظ. وقد ساق ابن كثير هذين الأثرين (١٦٠٥، ١٦٠٦) وخرجهما، وواستوفى الكلام في هذه القصة في تفسيره ١: ٢٣٨ - ٢٤٥.]]
١٦٠٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، حدثني القاسم بن أبي بزة: أن يهود سألوا النبي ﷺ: من صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي؟ فقال: جبريل. قالوا: فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال! فنزل: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ الآية. قال ابن جريج: وقال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب! وقالوا: إنه لنا عدو! [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٠: "إلا بشدة وحرب وقتال فإنه لنا عدو".]] فنزل: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ الآية. [[الأثر: ١٦٠٧ - وهذا منقطع، وقد ذكره ابن كثير ١: ٢٤٠، عن هذا الموضع و"القاسم بن أبي بزة": سبق في: ٦٣١، وهو يروى عن التابعين.]]
* *
وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم، في أمر النبي ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
١٦٠٨ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ههنا. فكره ذلك وقال: أيما؟ رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه! [[في المطبوعة: "وقال: إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة"، وهي عبارة ركيكة. وأثبت ما جاء في تفسير ابن كثير عن الطبري ١: ٢٤٠. وقوله"أيما" استفهام وتعجب، وأكثر ما تكتب: "أيم" (بفتح فسكون ففتح) ، وبحذف الألف. تقول: أيم تقول؟ أي: أي شيء تقول؟ وانظر اللسان (أيم) . يتعجب عمر من فعلهم.]] ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدق التوراة! فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا. قال: قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان! قال: ومر رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به. قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، قال: فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه. [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٢: "قد غلظ عليكم".]] قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا به، فإنا نعلم أنه رسول الله. قال: قلت: ويحكم! إذا هلكتم! [[في المطبوعة: "أي هلكتم"، والصواب في تفسير ابن كثير.]] قالوا إنا لم نهلك. قال: قلت: كيف ذاك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله ﷺ، ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لدينا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة، وإنه قرن به عدونا من الملائكة. [[السلم: المسالم. تقول: أنا سلم لمن سالمني. رجل سلم، وقوم سلم، وامرأة سلم.]] قال: قلت: ومن عدوكم؟ ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل! قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ، فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان، [[في المطبوعة: "خرقة"، وفي تفسير ابن كثير"خوخة" والصواب"مخرفة" كما أثبتها. والمخرفة: البستان، أو سكة بين صفين من نخل. خرف النخل والثمر: اجتناه، واجتناء الثمر هـ"الخرفة" (بضم فسكون) .]] فقال لي: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نزلن؟ فقرأ على: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه﴾ حتى قرأ الآيات. قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، [[في المطبوعة: "بأبي وأمي يا رسول الله" بإسقاط"أنت"، وأثبت ما في تفسير ابن كثير]] والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر! [[الحديث: ١٦٠٨ - وهذا مرسل أيضًا. ذكره ابن كثير ١: ٢٤١ - ٢٤٣، عن هذا الموضع، ثم عن تفسير ابن أبي حاتم، من رواية مجالد عن عامر - وهو الشعبي - وسيأتي نحوها أيضًا من رواية مجالد رقم: ١٦١٤. ثم قال ابن كثير:"وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر. ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك زمانه". وقال السيوطي في الدر المنثور ١: ٩٠"صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر".
رِبْعِي، بكسر الراء والعين المهملة، بينهما باء موحدة ساكنة، وآخره ياء تحتية مشددة: هو"ربعي بن إبراهيم بن مقسم الأسدي" عرف"بابن علية"، كأخيه"إسماعيل بن علية". وربعي: ثقة مأمون، من شيوخ أحمد وأبي خيثمة وغيرهما. وقال عبد الرحمن بن مهدي:"كنا نعد ربعي بن علية من بقايا شيوخنا". وفي المسند: ٧٤٤٤ أن أحمد بن حنبل قال:"كان يفضل على أخيه". وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٢ / ١ /٢٩٩، وابن أبي حاتم ١ /٢ /٥٠٩ - ٥١٠.داود بن أبي هند: ثقة، جيد الإسناد، رفع، من حفاظ البصرين. ترجمته في التهذيب، والكبير ٢/١/٢١١ -٢١٢، والصغير: ١٦٠، وابن أبي حاتم ١ /٢ /٤١١ - ٤١٢.
الشعبي: هو عامر بن شراحيل الهمداني، إمام جليل الشأن، من كبار التابعين. ولكنه لم يدرك عمر، كما قال ابن كثير. فإنه ولد سنة ١٩، أو سنة ٢٠.]]
١٦٠٩ - حدثني يعقوب بن ابرهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال، قال عمر: كنت رجلا أغشى اليهود في يوم مدراسهم، ثم ذكر نحو حديث ربعي. [[الأثر: ١٦٠٩ - في المطبوعة: "حدثني يعقوب قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا ابن علية" والصواب ما أثبته، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد سلف مرارا بهذا الإسناد، وروايته عن ابن علية]]
١٦١٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحبوا به. فقال لهم عمر: أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة [[السنة: الجدب والقحط.]] ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم، فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو رسول الله ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزل عليه هذه الآية: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ .
١٦١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوما، فذكر نحوه.
١٦١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ ، قال: قالت اليهود: إن جبريل هو عدونا، لأنه ينزل بالشدة والحرب والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا. فقال الله جل ثناؤه: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ .
١٦١٣ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه﴾ ، قال: كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة، فكان يأتيها، وكان ممره على طريق مدراس اليهود، وكان كلما دخل عليهم سمع منهم. وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمد ﷺ أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا، وتمر بنا فلا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك. فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟ قالوا: الرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء. فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء، أتجدون محمدا ﷺ عندكم؟ فأَسْكتوا. [[سكت الرجل: صمت. وأسكت الرجل (غير متعد) : انقطع كلامه فلم يتكلم، وأطرق من فكرة انتابته وقطعته.]] فقال: تكلموا، ما شأنكم؟ فوالله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني. فنظر بعضهم إلى بعض، فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل، لتخبرنه أو لأخبرنه. قالوا: نعم، إنا نجده مكتوبا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا، وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو خسف، ولو أنه كان وليه ميكائيل، إذًا لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث. فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء، أين مكان جبريل من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. قال عمر: فأشهدكم أن الذي هو عدو للذي عن يمينه، عدو للذي هو عن يساره؛ والذي هو عدو للذي هو عن يساره؛ عدو للذي هو عن يمينه؛ وأنه من كان عدوهما، فانه عدو لله. ثم رجع عمر ليخبر النبي ﷺ، فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فدعاه النبي ﷺ فقرأ عليه، فقال عمر: والذي بعثك بالحق، لقد جئتك وما أريد إلا أن أخبرك! [[الأثر: ١٦١٣ - في الدر المنثور ١ - ٩١ مع اختلاف يسير في اللفظ واختصار في روايته.]]
١٦١٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج الرازي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء أبو زهير، عن مجالد، عن الشعبي قال: انطلق عمر إلى يهود فقال: إني أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولا إلا كان له كفل من الملائكة، وإن جبريل هو الذي يتكفل لمحمد، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه. قال: فإني أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن جانبه الآخر. فقال: إني أشهد ما يقولان إلا بإذن الله، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٣: "ما ينزلان إلا بإذن الله"، وكأنه هو الصواب.]] وما كان لميكائيل أن يعادي سلم جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل. [فبينما هو عندهم] ، إذ مر نبي الله ﷺ، [[ما بين القوسين زيادة لا بد منها، زدتها من تفسير ابن كثير ١: ٢٤٢، من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره.]] فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه، فأتاه وقد أنزل عليه: ﴿من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ إلى قوله: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ . [[الحديث: ١٦١٤ - وهذا إسناد مرسل أيضًا، ووقع فيه في المطبوعة خطأ في موضعين أثبتنا الصواب لليقين به. وكان في المطبوعة"حدثنا عبد الرحمن بن مغراء قال حدثنا زهير عن مجاهد عن الشعبي". فلا يوجد في شيوخ ابن مغراء، ولا في الرواة عن"مجاهد" أو"مجالد" من يسمى"زهيرا". و"مجاهد عن الشعبي" خطأ أيضًا، وكلاهما من كبار التابعين، من طبقة واحدة، ومجاهد أقدم قليلا. وعبد الرحمن بن مغراء لا يدرك أن يروى عن مجاهد، ولا عن الشعبي.
ومجالد: هو ابن سعيد الهمداني، وهو ثقة، ضعفه بعض الأئمة. وروى عنه من الأئمة: شعبة والسفيانان وابن المبارك، ورجحنا تصحيح حديث القدماء عنه، في شرح المسند: ٣٧٨١، لأن أعدل كلمة فيه قول عبد الرحمن بن مهدي:"حديث مجالد عند الأحداث، يحيى بن سعيد وأبي أسامة، ليس بشيء، ولكن حديث شعبة وحماد بن زيد وهشيم وهؤلاء القدماء،". قال ابن حاتم:"يعني أنه تغير حفظه في آخر عمره". وذكر ابن سعد في ترجمته ٦: ٢٤٣ جرح يحيى القطان إياه، ثم قال:"وقد روى عنه يحيى بن سعيد القطان مع هذا، وروى عنه سفيان الثورى، وشعبة، وغيرهم". وترجمته في التهذيب، والكبير للبخاري ٤/ ٢/٩، والصغير: ١٦٨، ١٦٩، وابن أبي حاتم ٤ /١/ ٣٦١ - ٣٦٢.
إسحاق بن الحجاج الرازي: هو الطاحوني المقرئ، ترجمنا له فيما مضى: ٢٣٠. وعبد الرحمن بن مغراء بن عياض الدوسي، أبو زهير: ثقة، تكلم بعضهم في روايته عن الأعمش، وهو مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم ٢ /٢ /٢٩٠ - ٢٩١.
وهذا الحديث نقله ابن كثير ١: ٢٤٢ - ٢٤٣، من تفسير ابن أبي حاتم."حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر.." - وهو الشعبي، فذكر نحوه. ثم بين ابن كثير أنه منقطع، كما أشرنا آنفًا.
الراجح عندي أن عبد الرحمن بن مغراء ممن روى عن مجالد بعد تغيره.]]
١٦١٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ . قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم لتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿من كان عدوا لجبريل﴾ .
١٦١٦ - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بنحو ذلك.
* *
قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية - أعني قوله: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ - فهو: أن الله يقول لنبيه: قل يا محمد - لمعاشر اليهود من بني إسرائيل، الذين زعموا أن جبريل لهم عدو، من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات، لا صاحب وحي وتنزيل ورحمة، فأبوا اتباعك، وجحدوا نبوتك، وأنكروا ما جئتهم به من آياتي وبينات حكمي، من أجل أن جبريل وليك وصاحب وحيي إليك، وزعموا أنه عدو لهم -: من يكن من الناس لجبريل عدوا، ومنكرا أن يكون صاحب وحي الله إلى أنبيائه، وصاحب رحمته، فإني له ولي وخليل، ومقر بأنه صاحب وحي إلى أنبيائه ورسله، وأنه هو الذي ينزل وحي الله على قلبي من عند ربي، بإذن ربي له بذلك، يربط به على قلبي، ويشد فؤادي، كما:-
١٦١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿قل من كان عدوا لجبريل﴾ ، قال: وذلك أن اليهود قالت - حين سألت محمدا ﷺ عن أشياء كثيرة، فأخبرهم بها على ما هي عندهم -"إلا جبريل"، فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة، ولم يكن عندهم صاحب وحي - يعني: تنزيل من الله على رسله - ولا صاحب رحمة، فأخبرهم رسول الله ﷺ فيما سألوه عنه: أن جبريل صاحب وحي الله، وصاحب نقمته. وصاحب رحمته، فقالوا: ليس بصاحب وحي ولا رحمة، هو لنا عدو! فأنزل الله عز وجل إكذابا لهم: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ ، يقول: فإن جبريل نزله. يقول: نزل القرآن - بأمر الله يشد به فؤادك، ويربط به على قلبك"، يعني: بوحينا الذي نزل به جبريل عليك من عند الله- وكذلك يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك.
١٦١٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ ، يقول: أنزل الكتاب على قلبك بإذن الله.
١٦١٩ - وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ ، يقول: نزل الكتاب على قليك جبريل.
* *
قال أبو جعفر: وإنما قال جل ثناؤه: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ - وهو يعني بذلك قلب محمد ﷺ، وقد أمر محمدا في أول الآية أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه - ولم يقل: فإنه نزله على قلبي = ولو قيل:"على قلبي" كان صوابا من القول = لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه، إذ كان المخبر عن نفسه؛ ومرة مضافا إلى اسمه، كهيئة كناية اسم المخاطب لأنه به مخاطب. فتقول في نظير ذلك:"قل للقوم إن الخير عندي كثير" - فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه-: و"قل للقوم إن الخير عندك كثير" - فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له. وكذلك:"لا تقل للقوم إني قائم" و"لا تقل لهم إنك قائم"، و"الياء" من"إني" اسم المأمور بقول ذلك، على ما وصفنا. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ و ﴿تغلبون﴾ [آل عمران: ١٢] ، بالياء والتاء. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٦٣.]]
* *
وأما"جبريل" فإن للعرب فيه لغات. فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون"جبريل، وميكال" بغير همز، بكسر الجيم والراء من"جبريل" وبالتخفيف. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.
أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون:"جَبرئيل وميكائيل" على مثال"جبرعيل وميكاعيل"، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة. وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة، كما قال جرير بن عطية:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجَبرَئيل وكذبوا ميكالا [[ديوانه: ٤٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٧، من قصيدته الدامغة في هجاء الأخطل، والضمير إلى تغلب، رهط الأخطل، وقبله: قبح الإله وجوه تغلب، كلما ... شَبَح الحجيج وكبروا إهلالا]]
وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن:"جبريل" بفتح الجيم. وترك الهمز.
قال أبو جعفر: وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها، لأن"فعليل" في كلام العرب غير موجود. [[في المطبوعة: "فعيل"، هو خطأ.]] وقد اختار ذلك بعضهم، وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال:"سمويل"، وأنشد في ذلك: [[هو الربيع بن زياد العبسي، أحد الكملة من بني فاطمة بنت الخرشب الأنمارية.]]
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... ما وازنت ريشة من ريش سمويلا [[الأغاني ١٤: ٩٢، ١٦: ٢٢، واللسان (سمل) ، من أبيات أرسلها الربيع إلى النعمان ابن المنذر في خبر طويل، حين قال لبيد في رجزه: مهلا، أبيت اللعن، لا تأكل معه
وزعم أنه أبرص الخبيثة، وذكر من فعله قبيحا كريها، فرحل الربيع عن النعمان، وكان له نديما، وأرسل إليه أبياته. لئن رحلت جمالي لا إلى سعة ... ما مثلها سعة عرضا ولا طولا
بحيث لو وزنت لخم بأجمعها ... لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا
ترعى الروائم أحرار البقول بها ... لا مثل رعيكم ملحا وغسويلا
فاثبت بأرضك بعدي، واخل متكئا ... مع النطاسي طورا وابن توفيلا
ولخم: هم رهط آل المنذر ملوك الحيرة.]]
وأما بنو أسد فإنها تقول"جِبرين" بالنون. وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في"جبريل""ألفا" فتقول: جبراييل وميكاييل.
وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ:"جَبْرَئِلّ" بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام.
فأما"جبر" و"ميك"، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى:"عبد"، والآخر بمعنى:"عبيد".
* *
وأما"إيل" فهو الله تعالى ذكره، كما:-
١٦٢٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح الحماني، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس:"جبريل" و"ميكائيل"، كقولك: عبد الله.
١٦٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:"جبريل" عبد الله؛ و"ميكائيل"، عبيد الله. وكل اسم"إيل" فهو: الله.
١٦٢٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس: أن"إسرائيل، وميكائيل وجبريل، وإسرافيل" كقولك: عبد الله.
١٦٢٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال:"إيل"، الله، بالعبرانية.
١٦٢٤ - حدثنا الحسين بن يزيد الضحاك قال، حدثنا إسحاق بن منصور قال، حدثنا قيس، عن عاصم، عن عكرمة، قال:"جبريل" اسمه: عبد الله؛ و"ميكائيل" اسمه: عبيد الله."إيل": الله.
١٦٢٥ - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن علي بن حسين قال: اسم"جبريل" عبد الله، واسم"ميكائيل" عبيد الله، واسم"إسرافيل": عبد الرحمن. وكل معبد،"إيل"، فهو عبد الله. [[الخبر: ١٦٢٥ - الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي: ضعيف قال أبو زرعة: "لا يصدق". وهو مترجم في لسان الميزان، وابن أبي حاتم ١/٢/٦١ -٦٢، والأنساب، في الورقة: ٤٠١. و"العنقزي": بفتح العين المهلة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاي. ووقع في المطبوعة"العبقري"، وهو تصحيف. وكذلك سيأتي في رقم: ١٦٥٥، بالتصحيف، وصححناه هناك.]]
١٦٢٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان، عن محمد المدني - قال المثنى: قال قبيصة: أراه محمد بن إسحاق - عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن علي بن حسين، قال: ما تعدون"جبريل" في أسمائكم؟ قال:"جبريل" عبد الله، و"ميكائيل" عبيد الله. وكل اسم فيه"إيل"، فهو مُعَبَّدٌ لله.
١٦٢٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن علي بن حسين قال: قال لي: هل تدري ما اسم"جبريل" من أسمائكم؟ قلت: لا. قال: عبد الله. قال: فهل تدري ما اسم"ميكائيل" من أسمائكم؟ قلت: لا. [[في المطبوعة: "قال: لا"، والصواب ما أثبت.]] قال: عبيد الله. وقد سمى لي"إسرائيل" باسم نحو ذلك فنسيته، إلا أنه قد قال لي: أرأيت، كل اسم يرجع إلى"إيل" فهو معبد له.
١٦٢٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قوله: ﴿جبريل﴾ قال:"جبر" عبد،"إيل" الله، و"ميكا" قال: عبد."إيل": الله. [[لعله"وميكا". قال: "عبيد" بالتصغير، كما سلف آنفًا.]]
* *
قال أبو جعفر: فهذا تأويل من قرأ"جبرئيل" بالفتح، والهمز، والمد. وهو -إن شاء الله- معنى من قرأ بالكسر، وترك الهمز.
وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز، وترك المد، وتشديد اللام، فإنه قصد بقوله ذلك كذلك، إلى إضافة"جبر" و"ميكا" إلى اسم الله الذي يسمى به بلسان العرب دون السرياني والعبراني. وذلك أن"الإلّ" بلسان العرب: الله، كما قال: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] . فقال جماعة من أهل العلم:"الإل" هو الله. ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه - لوفد بني حنيفة، حين سألهم عما كان مسيلمة يقول، فأخبروه - فقال لهم: ويحكم" أين ذهب بكم؟ والله، إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر. يعني"من إل": من الله * وقد:-
١٦٢٩ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة﴾ قال: قول"جبريل" و"ميكائيل" و"إسرافيل".
كأنه يقول: حين يضيف"جبر" و"ميكا" و"إسرا" إلى"إيل" يقول: عبد الله. [[لعل الصواب أن يقول: "إسراف"، مكان"إسرا"، أو تكون الأولى"إسرائيل" مكان"إسرافيل".]] ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا﴾ ، كأنه يقول: لا يرقبون الله عز وجل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ ، القرآن. ونصب "مصدقا" على القطع من"الهاء" التي في قوله: ﴿نزله على قلبك﴾ . [[القطع: الحال هنا. وانظر ما سلف ١: ٢٣٠ - ٢٣٢، ٣٣٠، ٥٦١.]]
فمعنى الكلام: فإن جبريل نزل القرآن على قلبك، يا محمد، مصدقا لما بين يدي القرآن. يعني بذلك: مصدقا لما سلف من كتب الله أمامه، ونزلت على رسله الذين كانوا قبل محمد ﷺ. وتصديقه إياها، موافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد ﷺ وما جاء به من عند الله، وهي تصدقه. [[في المطبوعة: "وهي تصديقه" والصواب ما أثبت، يريد: وهي توافقه. كما فسر قبل.]] كما:-
١٦٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس. (مصدقا لما بين يديه) ، يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم.
١٦٣١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ ، من التوراة والإنجيل.
١٦٣٢ - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وهدى﴾ ودليل وبرهان. وإنما سماه الله جل ثناؤه"هدى"، لاهتداء المؤمن به. و"اهتداؤه به" اتخاذه إياه هاديا يتبعه، وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه. و"الهادي" من كل شيء: ما تقدم أمامه. ومن ذلك قيل لأوائل الخيل:"هواديها"، وهو ما تقدم أمامها، وكذلك قيل للعنق:"الهادي"، لتقدمها أمام سائر الجسد. [[انظر ما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩ ثم ٥٤٩ - ٥٥١.]]
* *
وأما"البشرى" فإنها البشارة. أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أن القرآن لهم بشرى منه، لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته، وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه، وذلك هو"البشرى" التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه. لأن البشارة في كلام العرب، هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره. [[انظر ما سلف ١: ٣٨٣.]]
وقد روي في ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه:
١٦٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿هدى وبشرى للمؤمنين﴾ ، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعد فيه، وكان على يقين من ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه من كان عدوا لله، من عاداه، وعادى جميع ملائكته ورسله؛ [[هكذا في المطبوعة: "من كان عدوا لله"، وهو لايستقيم، وكأن الصواب"أن من كان عدوا لله، عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله" بإسقاط"من" من"من عاداه".]] وإعلام منه أن من عادى جبريل فقد عاداه وعادى ميكائيل، وعادى جميع ملائكته ورسله. لأن الذين سماهم الله في هذه الآية هم أولياء الله وأهل طاعته، ومن عادى لله وليا فقد عادى الله وبارزه بالمحاربة، ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته. لأن العدو لله عدو لأوليائه، والعدو لأولياء الله عدو له. فكذلك قال لليهود - الذين قالوا: إن جبريل عدونا من الملائكة، وميكائيل ولينا منهم-: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ ، من أجل أن عدو جبريل عدو كل ولي لله. فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوا لجبريل، فهو لكل من ذكره - من ملائكته ورسله وميكال - عدو، وكذلك عدو بعض رسل الله، عدو لله ولكل ولي. وقد:-
١٦٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد الله - يعني العتكي -، عن رجل من قريش قال: سأل النبي ﷺ اليهود فقال: أسالكم بكتابكم الذي تقرءون، هل تجدون به قد بشر بي عيسى ابن مريم أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟ فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا، ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهَرِيق الدماء. فأنزل الله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته﴾ الآية. [[الحديث: ١٦٣٤ - عبيد الله العتكي: هو عبيد الله بن عبد الله، أبو المنيب العتكي، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره. وذكره البخاري في كتاب الضعفاء، ص: ٢٢، وقال: "عنده مناكير". وقال ابن أبي حاتم ٢ /٢ /٣٢٢ في ترجمته: "سمعت أبي يقول: هو صالح الحديث. وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء. وقال: "يحول". ولكن هذا الحديث منقطع ضعيف الإسناد، لأن أبا المنيب إنما يروى عن التابعين.
والخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٥، من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به. وصحه الذهبي في مختصره. ونقله ابن كثير ١: ٢٤٨ - ٢٤٩، عن الطبري، ثم أشار إلى رواية الحاكم.]]
١٦٣٥ - حدثت عن عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إن يهوديا لقي عمر فقال له: إن جبريل الذي يذكره صاحبك، هو عدو لنا. فقال له عمر: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ . قال: فنزلت على لسان عمر.
* *
وهذا الخبر يدل على أن الله أنزل هذه الآية توبيخا لليهود في كفرهم بمحمد ﷺ، وإخبارا منه لهم أن من كان عدوا لمحمد فالله له عدو، وأن عدو محمد من الناس كلهم، لمن الكافرين بالله، الجاحدين آياته.
* *
فإن قال قائل: أو ليس جبريل وميكائيل من الملائكة؟
قيل: بلى.
فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما، وقد مضى ذكرهما في الآية في جملة أسماء الملائكة؟
قيل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما، أن اليهود لما قالت:"جبريل عدونا، وميكائيل ولينا" - وزعمت أنها كفرت بمحمد ﷺ، من أجل أن جبريل صاحب محمد ﷺ - أعلمهم الله أن من كان لجبريل عدوا، فإن الله له عدو، وأنه من الكافرين. فنص عليه باسمه وعلى ميكائيل باسمه، لئلا يقول منهم قائل: إنما قال الله: من كان عدوا لله وملائكته ورسله، ولسنا لله ولا لملائكته ورسله أعداء. لأن الملائكة اسم عام محتمل خاصا، وجبريل وميكائيل غير داخلين فيه. وكذلك قوله: ﴿ورسله﴾ ، فلست يا محمد داخلا فيهم. فنص الله تعالى على أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم، ليقطع بذلك تلبيسهم على أهل الضعف منهم، ويحسم تمويههم أمورهم على المنافقين.
* *
وأما إظهار اسم الله في قوله: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ ، وتكريره فيه - وقد ابتدأ أول الخبر بذكره فقال: ﴿من كان عدوا لله وملائكته﴾ - فلئلا يلتبس لو ظهر ذلك بكناية، فقيل:"فإنه عدو للكافرين"، على سامعه، من المَعْنِيّ بـ "الهاء" التي في"فإنه": أألله، أم رسل الله جل ثناؤه، أم جبريل، أم ميكائيل؟ إذ لو جاء ذلك بكناية على ما وصفت، فإنه يلتبس معنى ذلك على من لم يوقف على المعني بذلك، لاحتمال الكلام ما وصفت، وقد كان بعض أهل العربية يوجه ذلك إلى نحو قول الشاعر: [[هو جرير.]]
ليت الغراب غداة ينعَب دائما ... كان الغراب مقطع الأوداج [[ديوانه ٨٩، وأمالي ابن الشجرى ١: ٢٤٣، وغيرهما. ورواية ديوانه"ينعت بالنوى" وهو الجيد، فإن قبله: إن الغراب، بما كرهت، لمولع ... بنوى الأحبة دائم التشحاج
والأوداج جمع ودج: وهو عرق من عروق تكتنف الحلقوم.]]
وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه. والأمر في ذلك بخلاف ما قال. وذلك أن"الغراب" الثاني لو كان مكنى عنه، لما التبس على أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم "الغراب" الأول، إذ كان لا شيء قبله يحتمل الكلام أن يوجه إليه غير كناية اسم "الغراب" الأول - وأن قبل قوله: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾ أسماء، لو جاء اسم الله تعالى ذكره مكنيا عنه، [[في المطبوعة: "وإن قيل قوله فإن الله عدو للكافرين" اسما لو جاء. . " والصواب ما أثبت. وقد رجم مصححو المطبوعة رجما لا خير فيه في تصحيح كلام الطبري.]] لم يعلم من المقصود إليه بكناية الاسم، إلا بتوقيف من حجة. فلذلك اختلف أمراهما.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات﴾ ، أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك: وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ. [[في المطبوعة: "فأطلع الله في كتابه. . " وهو كلام لا يستقيم، والصواب ما أثبت. يعني فأظهر الله هذه الخفايا، وتلك الأخبار، وما حرفوه من الأحكام في توراتهم.]] فكان، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي. وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
١٦٣٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
١٦٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله ﷺ: [[في المطبوعة"القطيوني" بالقاف، وهو خطأ، وهو من بني ثعلبة بن الفطيون (بكسر الفاء وسكون الطاء، وضم الياء) . قال السهيلي: "الفطيون: كلمة عبرانية تطلق على كل من ولي أمر اليهود وملكهم". ورواية ابن جرير: "ابن صوريا"، والذي في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦"ابن صلوبا الفطيوني". وقد ذكر ابن هشام فيما روى من سيرة ابن إسحاق ١: ١٦٠ - ١٦١"الأعداء من يهود"، فعد في بني ثعلبة: ابن الفطيون: "عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوارة منه، وابن صلوبا، ومخيريق. وكان حبرهم، أسلم"، ولم أستطع أن أرجح أهو: ابن صوريا، أو - ابن صلوبا - الذي كان من أمره ما كان. ولعلهما روايتان مختلفتان عن ابن إسحاق. وانظر أيضًا الأثر: ١٦٣٨.]] يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! [[في ابن هشام: "من آية فنتبعك لها، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: "ولقد أنزلنا إليك. . "]] فأنزل الله عز وجل: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ! [[الأثران: ١٦٣٧ - ١٦٣٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦.]]
١٦٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا لرسول الله ﷺ، فذكر مثله. [[الأثران: ١٦٣٧ - ١٦٣٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ، وما يجحد بها. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى"الكفر" الجحود، بما أغنى عن إعادته هنا. [[انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٣٧.]] وكذلك بينا معنى"الفسق"، وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره. [[انظر ما سلف ١: ٤٠٩ - ٤١٠، وهذا الجزء ٢: ١١٨.]]
* *
فتأويل الآية: ولقد أنزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم - الجاحدين نبوتك، والمكذبين رسالتك - أنك لي رسول إليهم، ونبي مبعوث، وما يجحد تلك الآيات = الدالات على صدقك ونبوتك، التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم = إلا الخارج منهم من دينه، التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي يدين بتصديقه. فأما المتمسك منهم بدينه، والمتبع منهم حكم كتابه، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا ﷺ من يهود بني إسرائيل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبوجعفر: اختلف أهل العربية في حكم"الواو" التي في قوله: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا﴾ . فقال بعض نحويي البصريين: هي"واو" تجعل مع حروف الاستفهام، وهي مثل"الفاء" في قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] ، قال: وهما زائدتان في هذا الوجه، وهي مثل"الفاء" التي في قوله: فالله لتصنعن كذا وكذا، [[لم أعلم ماذا أراد الطبري بهذا.]] وكقولك للرجل:"أفلا تقوم"؟ وإن شئت جعلت"الفاء" و"الواو" هاهنا حرف عطف.
وقال بعض نحويي الكوفيين: هي حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام.
* *
والصواب في ذلك عندي من القولة أنها"واو" عطف، أدخلت عليها"ألف" الاستفهام، كأنه قال جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا قالوا: سمعنا وعصينا﴾ ، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. ثم أدخل"ألف" الاستفهام على"وكلما" فقال: (قالوا سمعنا وعصينا، أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم.
وقد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له، [[انظر ما سلف ١: ٤٣٩ - ٤٤١.]] فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن"الواو" و"الفاء" من قوله: ﴿أو كلما﴾ و ﴿أفكلما﴾ زائدتان لا معنى لهما.
* *
وأما"العهد"، فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد ﷺ من العهد والميثاق، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته، فقال تعالى ذكره: أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فتركه ونقضه؟ كما:-
١٦٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال مالك بن الصيف - حين بعث رسول الله ﷺ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه-: والله ما عهد إلينا في محمد ﷺ، وما أخذ له علينا ميثاقا! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ . [[الأثر: ١٦٣٩ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦، مع اختلاف يسير في اللفظ. وقد ذكر ابن هشام في ٢: ١٦١"مالك بن الصيف" وقال: "ويقال: ابن ضيف".]]
١٦٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
* *
قال أبو جعفر: وأما"النبذ" فإن أصله -في كلام العرب- الطرح، ولذلك قيل للملقوط:"المنبوذ"، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٧: "وسمى اللقيط. . " واللقيط أجود من الملقوط.]] لأنه مطروح مرمي به. ومنه سمي النبيذ"نبيذا"، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء، ثم يعالج بالماء. وأصله"مفعول" صرف إلى"فعيل"، أعني أن"النبيذ" أصله"منبوذ" ثم صرف إلى"فعيل" فقيل:"نبيذ"، كما قيل:"كف خضيب، ولحية دهين" - يعني: مخضوبة ومدهونة. [[انظر ما سلف ١: ١١٢.]] يقال منه:"نبذته أنبذه نبذا"، كما قال أبو الأسود الدؤلي:
نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا [[ديوانه: ٢١ (في نفائس المخطوطات: ٢) ، وسيأتي في ٢٠: ٤٩ - ٥٠ (بولاق) ، ومجاز القرآن: ٤٨، من أبيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر، وهو وال على ميسان، وكان كتب إليه في أمر يهمه، فشغل عنه؛ وقبل البيت: وخبرني من كنت أرسلت أنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا]]
* *
فمعنى قوله جل ذكره: ﴿نبذه فريق منهم﴾ ، طرحه فريق منهم، فتركه ورفضه ونقضه. كما:-
١٦٤١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿نبذه فريق منهم﴾ يقول: نقضه فريق منهم.
١٦٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿نبذه فريق منهم﴾ ، قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا. قال: وفي قراءة عبد الله: ﴿نقضه فريق منهم﴾ .
* *
و"الهاء" التي في قوله: ﴿نبذه﴾ ، من ذكر العهد. فمعناه أو كلما عاهدوا عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم.
* *
و"الفريق" الجماعة، لا واحد له من لفظه، بمنزلة"الجيش" و"الرهط" الذي لا واحد له من لفظه. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٤٤، ٢٤٥.]]
* *
و"الهاء والميم" اللتان في قوله: ﴿فريق منهم﴾ ، من ذكر اليهود من بني إسرائيل.
* *
وأما قوله: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ فإنه يعني جل ثناؤه: بل أكثر هؤلاء - الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون.
* *
ولذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في عدد المكذبين الناقضين عهد الله، على عدد الفريق. فيكون الكلام حينئذ معناه: أو كلما عاهدت اليهود من بني إسرائيل ربها عهدا نقض فريق منهم ذلك العهد؟ لا - ما ينقض ذلك فريق منهم، ولكن الذي ينقض ذلك فيكفر بالله، أكثرهم، لا القليل منهم. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: أو كلما عاهدت اليهود ربها عهدا، نبذ ذلك العهد فريق منهم؟ لا - ما ينبذ ذلك العهد فريق منهم فينقضه = على الإيمان منهم بأن ذلك غير جائز لهم = ولكن أكثرهم لا يصدقون بالله ورسله، ولا وعده ووعيده. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى"الإيمان"، وأنه التصديق. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٧١، ٥٦٠، وهذا الجزء ٢: ١٤٣، ٣٤٨.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات﴾ ، أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك: وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم - وما حرفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه، من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ. [[في المطبوعة: "فأطلع الله في كتابه. . " وهو كلام لا يستقيم، والصواب ما أثبت. يعني فأظهر الله هذه الخفايا، وتلك الأخبار، وما حرفوه من الأحكام في توراتهم.]] فكان، في ذلك من أمره، الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد والبغي. إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي. وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس.
١٦٣٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات) يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه. يقول الله: ففي ذلك لهم عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
١٦٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا الفِطيوني لرسول الله ﷺ: [[في المطبوعة"القطيوني" بالقاف، وهو خطأ، وهو من بني ثعلبة بن الفطيون (بكسر الفاء وسكون الطاء، وضم الياء) . قال السهيلي: "الفطيون: كلمة عبرانية تطلق على كل من ولي أمر اليهود وملكهم". ورواية ابن جرير: "ابن صوريا"، والذي في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦"ابن صلوبا الفطيوني". وقد ذكر ابن هشام فيما روى من سيرة ابن إسحاق ١: ١٦٠ - ١٦١"الأعداء من يهود"، فعد في بني ثعلبة: ابن الفطيون: "عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوارة منه، وابن صلوبا، ومخيريق. وكان حبرهم، أسلم"، ولم أستطع أن أرجح أهو: ابن صوريا، أو - ابن صلوبا - الذي كان من أمره ما كان. ولعلهما روايتان مختلفتان عن ابن إسحاق. وانظر أيضًا الأثر: ١٦٣٨.]] يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها! [[في ابن هشام: "من آية فنتبعك لها، فأنزل الله تعالى في ذلك من قوله: "ولقد أنزلنا إليك. . "]] فأنزل الله عز وجل: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ! [[الأثران: ١٦٣٧ - ١٦٣٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦.]]
١٦٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال ابن صوريا لرسول الله ﷺ، فذكر مثله. [[الأثران: ١٦٣٧ - ١٦٣٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ ، وما يجحد بها. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن معنى"الكفر" الجحود، بما أغنى عن إعادته هنا. [[انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٣٧.]] وكذلك بينا معنى"الفسق"، وأنه الخروج عن الشيء إلى غيره. [[انظر ما سلف ١: ٤٠٩ - ٤١٠، وهذا الجزء ٢: ١١٨.]]
* *
فتأويل الآية: ولقد أنزلنا إليك، فيما أوحينا إليك من الكتاب علامات واضحات تبين لعلماء بني إسرائيل وأحبارهم - الجاحدين نبوتك، والمكذبين رسالتك - أنك لي رسول إليهم، ونبي مبعوث، وما يجحد تلك الآيات = الدالات على صدقك ونبوتك، التي أنزلتها إليك في كتابي فيكذب بها منهم = إلا الخارج منهم من دينه، التارك منهم فرائضي عليه في الكتاب الذي يدين بتصديقه. فأما المتمسك منهم بدينه، والمتبع منهم حكم كتابه، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا ﷺ من يهود بني إسرائيل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) ﴾
قال أبوجعفر: اختلف أهل العربية في حكم"الواو" التي في قوله: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا﴾ . فقال بعض نحويي البصريين: هي"واو" تجعل مع حروف الاستفهام، وهي مثل"الفاء" في قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧] ، قال: وهما زائدتان في هذا الوجه، وهي مثل"الفاء" التي في قوله: فالله لتصنعن كذا وكذا، [[لم أعلم ماذا أراد الطبري بهذا.]] وكقولك للرجل:"أفلا تقوم"؟ وإن شئت جعلت"الفاء" و"الواو" هاهنا حرف عطف.
وقال بعض نحويي الكوفيين: هي حرف عطف أدخل عليها حرف الاستفهام.
* *
والصواب في ذلك عندي من القولة أنها"واو" عطف، أدخلت عليها"ألف" الاستفهام، كأنه قال جل ثناؤه: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا قالوا: سمعنا وعصينا﴾ ، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. ثم أدخل"ألف" الاستفهام على"وكلما" فقال: (قالوا سمعنا وعصينا، أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم.
وقد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله حرف لا معنى له، [[انظر ما سلف ١: ٤٣٩ - ٤٤١.]] فأغنى ذلك عن إعادة البيان على فساد قول من زعم أن"الواو" و"الفاء" من قوله: ﴿أو كلما﴾ و ﴿أفكلما﴾ زائدتان لا معنى لهما.
* *
وأما"العهد"، فإنه الميثاق الذي أعطته بنو إسرائيل ربهم ليعملن بما في التوراة مرة بعد أخرى، ثم نقض بعضهم ذلك مرة بعد أخرى. فوبخهم جل ذكره بما كان منهم من ذلك، وعير به أبناءهم إذ سلكوا منهاجهم في بعض ما كان جل ذكره أخذ عليهم بالإيمان به من أمر محمد ﷺ من العهد والميثاق، فكفروا وجحدوا ما في التوراة من نعته وصفته، فقال تعالى ذكره: أو كلما عاهد اليهود من بني إسرائيل ربهم عهدا وأوثقوه ميثاقا، نبذه فريق منهم، فتركه ونقضه؟ كما:-
١٦٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال مالك بن الصيف - حين بعث رسول الله ﷺ، وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد الله إليهم فيه-: والله ما عهد إلينا في محمد ﷺ، وما أخذ له علينا ميثاقا! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ . [[الأثر: ١٦٣٩ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٦، مع اختلاف يسير في اللفظ. وقد ذكر ابن هشام في ٢: ١٦١"مالك بن الصيف" وقال: "ويقال: ابن ضيف".]]
١٦٤٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
* *
قال أبو جعفر: وأما"النبذ" فإن أصله -في كلام العرب- الطرح، ولذلك قيل للملقوط:"المنبوذ"، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٧: "وسمى اللقيط. . " واللقيط أجود من الملقوط.]] لأنه مطروح مرمي به. ومنه سمي النبيذ"نبيذا"، لأنه زبيب أو تمر يطرح في وعاء، ثم يعالج بالماء. وأصله"مفعول" صرف إلى"فعيل"، أعني أن"النبيذ" أصله"منبوذ" ثم صرف إلى"فعيل" فقيل:"نبيذ"، كما قيل:"كف خضيب، ولحية دهين" - يعني: مخضوبة ومدهونة. [[انظر ما سلف ١: ١١٢.]] يقال منه:"نبذته أنبذه نبذا"، كما قال أبو الأسود الدؤلي:
نظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا [[ديوانه: ٢١ (في نفائس المخطوطات: ٢) ، وسيأتي في ٢٠: ٤٩ - ٥٠ (بولاق) ، ومجاز القرآن: ٤٨، من أبيات كتب بها إلى صديقه الحصين بن الحر، وهو وال على ميسان، وكان كتب إليه في أمر يهمه، فشغل عنه؛ وقبل البيت: وخبرني من كنت أرسلت أنما ... أخذت كتابي معرضا بشمالكا]]
* *
فمعنى قوله جل ذكره: ﴿نبذه فريق منهم﴾ ، طرحه فريق منهم، فتركه ورفضه ونقضه. كما:-
١٦٤١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿نبذه فريق منهم﴾ يقول: نقضه فريق منهم.
١٦٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿نبذه فريق منهم﴾ ، قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا. قال: وفي قراءة عبد الله: ﴿نقضه فريق منهم﴾ .
* *
و"الهاء" التي في قوله: ﴿نبذه﴾ ، من ذكر العهد. فمعناه أو كلما عاهدوا عهدا نبذ ذلك العهد فريق منهم.
* *
و"الفريق" الجماعة، لا واحد له من لفظه، بمنزلة"الجيش" و"الرهط" الذي لا واحد له من لفظه. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٤٤، ٢٤٥.]]
* *
و"الهاء والميم" اللتان في قوله: ﴿فريق منهم﴾ ، من ذكر اليهود من بني إسرائيل.
* *
وأما قوله: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ فإنه يعني جل ثناؤه: بل أكثر هؤلاء - الذين كلما عاهدوا الله عهدا وواثقوه موثقا، نقضه فريق منهم - لا يؤمنون.
* *
ولذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون الكلام دلالة على الزيادة والتكثير في عدد المكذبين الناقضين عهد الله، على عدد الفريق. فيكون الكلام حينئذ معناه: أو كلما عاهدت اليهود من بني إسرائيل ربها عهدا نقض فريق منهم ذلك العهد؟ لا - ما ينقض ذلك فريق منهم، ولكن الذي ينقض ذلك فيكفر بالله، أكثرهم، لا القليل منهم. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: أو كلما عاهدت اليهود ربها عهدا، نبذ ذلك العهد فريق منهم؟ لا - ما ينبذ ذلك العهد فريق منهم فينقضه = على الإيمان منهم بأن ذلك غير جائز لهم = ولكن أكثرهم لا يصدقون بالله ورسله، ولا وعده ووعيده. وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى"الإيمان"، وأنه التصديق. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٧١، ٥٦٠، وهذا الجزء ٢: ١٤٣، ٣٤٨.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولما جاءهم﴾ ، أحبار اليهود وعلماءها من بني إسرائيل - ﴿رسول﴾ ، يعني بالرسول: محمدا ﷺ. كما:-
١٦٤٣ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿ولما جاءهم رسول﴾ ، قال: لما جاءهم محمد ﷺ.
* *
وأما قوله: ﴿مصدق لما معهم﴾ ، فإنه يعني به أن محمدا ﷺ يصدق التوراة والتوراة تصدقه، في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه.
* *
وأما تأويل قوله: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم﴾ ، فإنه للذي هو مع اليهود، وهو التوراة. فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول الله ﷺ من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة، أن محمدا ﷺ نبي لله، ﴿نبذ فريق﴾ ، يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدا منهم له وبغيا عليه. وقوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ . وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها. ويعني بقوله: ﴿كتاب الله﴾ ، التوراة.
وقوله: ﴿وراء ظهورهم﴾ ، [[في المطبوعة: "وقوله نبذوه وراء ظهورهم"، فحذفت"نبذوه"، لأن الطبري ساق الآية بتمامها، وهذا لفظ مقحم فيها.]] جعلوه وراء ظهورهم. وهذا مثل، يقال لكل رافض أمرا كان منه على بال:"قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر، وجعله وراء ظهره"، يعني به: أعرض عنه وصد وانصرف، كما:-
١٦٤٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾ ، قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت. [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٧ زيادة، بعد قوله: "وماروت، فلم يوافق القرآن، فذلك قول الله". وآصف: كان كاتب سليمان. وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان. ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا (ابن كثير ١: ٢٤٨) .]] فذلك قوله الله: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ .
* *
ومعنى قوله: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ ، كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود - فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيه - لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد ﷺ وتصديقه. وهذا من الله جل ثناؤه إخبار عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم به ومعرفة، وأنهم عاندوا أمر الله فخالفوا على علم منهم بوجوبه عليهم، كما:-
١٦٤٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ ، يقول: نقض فريق من الذين أوتوا الكتاب"كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون) : أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ ، الفريق من أحبار اليهود وعلمائها، الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى، وراء ظهورهم، تجاهلا منهم وكفرا بما هم به عالمون، كأنهم لا يعلمون. فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه ﷺ، ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه، وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه، وذلك هو الخسار والضلال المبين.
* *
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ . فقال بعضهم: عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، لأنهم خاصموا رسول الله ﷺ بالتوراة، فوجدوا التوراة للقرآن موافقة، تأمر من اتباع محمد ﷺ وتصديقه، بمثل الذي يأمر به القرآن. فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ - على عهد سليمان - قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٩: "ما يكون في الأرض. . أو غيب".]] فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا. حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم فأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة. فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه. ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا اسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه! فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفرا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟ [[لا تأكلونه: أي لا تنفدونه أبدا. يقال: أكل فلان عمره: إذا أفناه.]] قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان. وقام ناحية. [[في المطبوعة: "فقام"، والصواب ما أثبته من تفسير ابن كثير.]] فقالوا له: فادن! قال: لا ولكني هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني! فحفروا فوجدوا تلك الكتب. فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر. ثم طار فذهب. وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاءهم محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ . [[الأثر: ١٦٤٦ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٩.]]
١٦٤٧ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، قالوا: إن اليهود سألوا محمدا ﷺ زمانا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه، فيخصمهم. [[خاصمني فخصمته أخصمه: غلبته بالحجة في خصومي.]] فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل إلينا منا! وأنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله جل وعز: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ . وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان - [[في تفسير ابن كثير: "تحت كرسي مجلس سليمان".]] وكان سليمان لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه! فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا، وأدحض الله حجتهم. [[الأثر: ١٦٤٧ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٩ - ٢٥٠.]]
* *
١٦٤٨ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، قال: لما جاءهم رسول الله ﷺ مصدقا لما معهم، ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب﴾ الآية، قال: اتبعوا السحر، وهم أهل الكتاب. فقرأ حتى بلغ: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ .
* *
وقال آخرون: بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان.
ذكر من قال ذلك:
١٦٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: تلت الشياطين السحر على اليهود على ملك سليمان، فاتبعته اليهود على ملكه، يعني اتبعوا السحر على ملك سليمان.
١٦٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السحر:"من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا". حتى إذا صنعوا أصناف السحر، [[في تفسير ابن كثير: "صنفوا أصناف السحر". وهي أجود.]] جعلوه في كتاب ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه:"هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم"، ثم دفنوه تحت كرسيه. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان سليمان بن داود إلا بهذا! فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه، فليس في أحد أكثر منه في يهود. فلما ذكر رسول الله ﷺ، فيما نزل عليه من الله، سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد! [[في المطبوعة: "لمحمد ﷺ"، والذي أثبته مقتضى سياق كلامهم.]] يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد ﷺ: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ . [[إلى هنا انتهى ما نقله ابن كثير في تفسيره عن أبي جعفر ١: ٢٥٠، أما سائر الخبر، فإنه رواه في ١: ٢٤٧، وصدره بقوله: "وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: "واتبعوا ما تتلو الشياطين" الآية - وكان حين ذهب ملك سليمان. . "، وساق الخبر بنصه هذا. فلست أدري أفي نسخ الطبري سقط، أم هذه جزء من رواية الطبري عن ابن إسحاق من حديث ابن عباس.]]
* *
قال: كان حين ذهب ملك سليمان، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، [[الفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه.]] فلما رجع الله إلى سليمان ملكه، قام الناس على الدين كما كانوا. وأن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان حدثان ذلك، [[حدثان الشيء (بكسر فسكون) : أوله وابتداؤه وقرب العهد به. وهو منصوب على الظرفية.]] فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا! فأخذوا به فجعلوه دينا، فأنزل الله: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ ، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله ﷺ، فجحدوا نبوته، وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل، وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله، وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان. وقد بينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٨ - ٣٩.]]
* *
وإنما اخترنا هذا التأويل، لأن المتبعة ما تلته الشياطين، في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق، وأمر السحر لم يزل في اليهود. ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله: ﴿واتبعوا﴾ بعضا منهم دون بعض. إذْ كان جائزا فصيحا في كلام العرب إضافة ما وصفنا - من اتباع أسلاف المخبر عنهم بقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ - إلى أخلافهم بعدهم، ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله ﷺ أثر منقول، ولا حجة تدل عليه. فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال: كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود، داخل في معنى الآية، على النحو الذي قلنا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ ، الذي تتلو. فتأويل الكلام إذًا: واتبعوا الذي تتلو الشياطين.
* *
واختلف في تأويل قوله: ﴿تتلو﴾ . فقال بعضهم: يعني بقوله: ﴿تتلو﴾ ، تحدث وتروي، وتتكلم به وتخبر. نحو "تِلاوة" الرجل للقرآن، وهي قراءته. ووجه قائلو هذا القول تأويلهم ذلك، إلى أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥١ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن عمرو، عن مجاهد في قول الله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، قال: كانت الشياطين تسمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه. فلما توفي سليمان وجدته الشياطين، فعلمته الناس، وهو السحر. [[الأثر: ١٦٥١ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٠.]]
١٦٥٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، من الكهانة والسحر. وذكر لنا، والله أعلم، أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه.
١٦٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء: قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ ، قال: نراه ما تحدث.
١٦٥٤ - حدثني سَلْم بن جُنادة السُّوائي قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتلي فيها سليمان، فكتبت فيها كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس. [[الأثر: ١٦٥٤ - كان في المطبوعة: "سالم بن جنادة"، وهو خطأ، وانظر التعليق على الأثر رقم: ٤٨ في الجزء الأول. وهو جزء من خبر سيأتي برقم: ١٦٦٠.]]
* *
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ما تتلو﴾ ، ما تتبعه وترويه وتعمل به.
ذكر من قال ذلك:
١٦٥٥ - حدثنا الحسن بن عمرو العنقزي قال، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: ﴿تتلوا﴾ ، قال: تتبع. [[الأثر: ١٦٥٥ - في المطبوعة"العبقري"، وهو خطأ، وانظر التعليق على الأثر رقم: ١٦٢٥.]]
١٦٥٦ - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا يحيى بن إبراهيم، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي رزين مثله. [[الأثر: ١٦٥٦ - في المطبوعة"نصر بن عبد الرحمن الأودي"، وهو خطأ وانظر التعليق على الأثر: ٤٢٣ في الجزء الأول.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان، باتباعهم ما تلته الشياطين.
* *
ولقول القائل:"هو يتلو كذا" في كلام العرب معنيان. أحدهما: الاتباع، كما يقال:"تلوت فلانا" إذا مشيت خلفه وتبعت أثره، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تتلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] ، [["هنالك تتلو" إحدى القراءتين، والأخرى"هنالك تبلو"، وهي التي في مصاحفنا اليوم وقال أبو جعفر في تفسيره ١١: ٧٩"إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل منهما أئمة من القراء".]] يعني بذلك تتبع.
والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول:"فلان يتلو القرآن"، بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت:
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد [[ديوانه: ٨٨، من أبيات قالها حسان في خبر أم معبد، حين خرج رسول الله مهاجرا إلى المدينة. ورواية الديوان: "في كل مسجد"، ورواية الطبري أمثل.]]
ولم يخبرنا الله جل ثناؤه - بأى معنى"التلاوة" كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان - بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا فتكون كانت متبعته بالعمل، ودارسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به، وروته. [[كان ينبغي أن يكون في هذا المكان تفسير قوله" ما تتلو" الذي سيأتي في: ٤١٨]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿على ملك سليمان﴾ ، في ملك سليمان. وذلك أن العرب تضع"في" موضع"على" و"على" في موضع"في".
[[انظر ما سلف ١: ٢٩٩.]] من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١] يعني به: على جذوع النخل، وكما قالوا:"فعلت كذا في عهد كذا، وعلى عهد كذا"، بمعنى واحد. [[في المطبوعة: "وكما قال: فعلت كذا. . " ولا يستقيم إلا على تمريض.]] وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحاق يقولان في تأويله:
١٦٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، ابن جريج: ﴿على ملك سليمان﴾ ، يقول: في ملك سليمان.
* *
١٦٥٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن أبي إسحاق في قوله: ﴿على ملك سليمان﴾ ، أي: في ملك سليمان.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وما هذا الكلام، من قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، [[قوله: "وما هذا الكلام" الإشارة فيه إلى الآية التي يؤولها: "وما كفر سليمان" يقولون: ما مكان هذا الكلام - من هذا الكلام وهو قوله: "واتبعوا ما تتلو الشياطين".]] ولا خبر معنا قبل عن أحد أنه أضاف الكفر إلى سليمان، بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلته الشياطين؟ فما وجه نفي الكفر عن سليمان، بعقب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايته من اليهود؟
قيل: وجه ذلك، أن الذين أضاف الله جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود، نسبوا ما أضافه الله تعالى ذكره إلى الشياطين من ذلك، إلى سليمان بن داود. وزعموا أن ذلك كان من علمه وروايته، وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر خلق الله بالسحر. فحسنوا بذلك - من ركوبهم ما حرم الله عليهم من السحر - أنفسهم، [[في المطبوعة"لأنفسهم"، والصواب إسقاط هذه اللام، كما يدل عليه السياق.]] عند من كان جاهلا بأمر الله ونهيه، وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة. وتبرأ بإضافة ذلك إلى سليمان - من سليمان، وهو نبي الله ﷺ - منهم بشر، [[سياق العبارة: "وتبرأ. . من سليمان. . منهم بشر". ولعل"بشر" هذه"نفر"، أي جماعة. يقول: تبرأت جماعة أخرى من سليمان، إذ نسب إلى السحر، وكفروه.]] وأنكروا أن يكون كان لله رسولا وقالوا: بل كان ساحرا. فبرأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر عند من كان منهم ينسبه إلى السحر والكفر = لأسباب ادعوها عليه قد ذكرنا بعضها، وسنذكر باقي ما حضرنا ذكره منها = وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر متزينين عند أهل الجهل في عملهم ذلك، بأن سليمان كان يعمله. فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون كان ساحرا أو كافرا، وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا - في عملهم بالسحر - ما تلته الشياطين في عهد سليمان، دون ما كان سليمان يأمرهم من طاعة الله، واتباع ما أمرهم به في كتابه الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه.
* *
ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار:
* *
١٦٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته. فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس فقالوا لهم: أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه. فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به. فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر! فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد ﷺ براءة سليمان. فقال: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية، فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام. [[الثر: ١٦٥٩ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٠.]]
١٦٦٠ - حدثني أبو السائب السُّوائِي قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذي أصاب سليمان بن داود، في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة، وكانت من أكرم نسائه عليه. قال: فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا. قال: وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئا من نسائه، أعطى الجرادة خاتمه. فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي! فأخذه فلبسه. فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي! فقالت: كذبت، لست بسليمان! قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب! قال: فبرئ الناس من سليمان وأكفروه، حتى بعث الله محمدا ﷺ، فأنزل جل ثناؤه: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ - يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر - ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ ، فأنزل الله جل وعز وعذره. [[الأثر: ١٦٦٠ - انظر الأثر السالف: ١٦٥٤ والتعليق عليه.]]
١٦٦١ - حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عمران بن حُدير، عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان من كل دابة عهدا، فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد، خلي عنه. فرأى الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان! فقال الله جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ . [[الأثر: ١٦٦١ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥١، وفيه"فزاد الناس". . مكان"فرأى" والصواب ما في الطبري.]]
١٦٦٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران بن الحارث قال: بينا نحن عند ابن عباس، إذ جاءه رجل فقال له ابن عباس: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم! ففزع فقال: ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه! أما إني أحدثكم؛ من ذلك: إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيأتي أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا حدث منه صدق، [[في تفسير ابن كثير: "فإذا جرت منه وصدق"، ولعلها تصحيف.]] كذب معها سبعين كذبة. قال: فتشربها قلوب الناس. فأطلع الله عليها سليمان، فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان بن داود قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز مثله؟ تحت الكرسي! فأخرجوه، فقالوا: هذا سحر! فتناسخها الأمم - حتى بقاياهم ما يتحدث به أهل العراق - [[في تفسير ابن كثير: "حتى بقاياها".]] فأنزل الله عذر سليمان: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ . [[الأثر: ١٦٦٢ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٤٨ - ٢٤٩، مع اختلاف في بعض اللفظ غير الذي أثبته.]] .
١٦٦٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا، والله أعلم، أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم، ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه. [[في المطبوعة: "وأعلموهم إياه"، وقد مضى في رقم: ١٦٥٢، "وعلموهم"، وكذلك أثبتها هنا.]] فلما سمع بذلك سليمان نبي الله ﷺ تتبع تلك الكتب، فأتى بها فدفنها تحت كرسيه، [[في المطبوعة: "فتتبع تلك الكتب" بزيادة الفاء، ولا موضع لها.]] كراهية أن يتعلمها الناس. فلما قبض الله نبيه سليمان، عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه فعلموها الناس، فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به. فعذر الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك، فقال جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ .
١٦٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان. فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب، فقالوا: هذا علم كتمناه سليمان! فقال الله جل وعز: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ .
١٦٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، قال: كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها. وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه، فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس. [[الأثر: ١٦٦٥ - كان في المطبوعة: "حدثنا القاسم قال حدثنا حجاج" أسقط منه"قال حدثنا الحسين"، وهو إسناد دائر في الطبري، أقربه إلينا رقم: ١٦٥٧، وسيأتي في الذي يلي.]]
١٦٦٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت:"من أراد أن يأتي كذا وكذا، فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا". فكتبته وجعلت عنوانه:"هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم"، ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان، قام إبليس خطيبا فقال: يا أيها الناس، إن سليمان لم يكن نبيا، وإنما كان ساحرا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرا! هذا سحره! بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا! فقال المؤمنون: بل كان نبيا مؤمنا! فلما بعث الله النبي محمدا ﷺ، جعل يذكر الأنبياء، حتى ذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد! يخلط الحق بالباطل! يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا يركب الريح! فأنزل الله عذر سليمان: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ الآية. [[الأثر: ١٦٦٦ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥١.]]
١٦٦٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ . وذلك أن رسول الله ﷺ -فيما بلغني- لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد! يزعم أن ابن داود كان نبيا! والله ما كان إلا ساحرا! فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ ،-أي باتباعهم السحر وعملهم به- ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ . [[الأثر: ١٦٦٧ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٢ - ١٩٣.]]
* *
قال أبو جعفر: فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وتأويل قوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ ما ذكرنا = فبين أن في الكلام متروكا، [[في المطبوعة: "فتبين" وما أثبت أشبه بعبارة الطبري.]] ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه، وأن معنى الكلام: واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر على ملك سليمان فتضيفه إلى سليمان، وما كفر سليمان، فيعمل بالسحر، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. وقد كان قتادة يتأول قوله: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ على ما قلنا.
١٦٦٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ ، يقول: ما كان عن مشورته ولا عن رضا منه، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه.
* *
وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى"تتلو"، [[انظر ما سلف قريبا: ٤١١.]] وتوجيه من وجه ذلك إلى أن"تتلو" بمعنى"تلت"، إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا وهو قوله: ﴿واتبعوا﴾ ، وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك. وبينا فيه وفي نظيره الصواب من القول، [[قوله: "وتوجيه من وجه ذلك أن: تتلو - بمعنى: تلت" لم يأت هنا في تفسير الآية، بل جاء في تفسير آية مضت من سورة البقرة: ٩١، ص ٣٥٠ - ٣٥٢.]] فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.
* *
وأما معنى قوله: ﴿ما تتلوا﴾ ، فإنه بمعنى: الذي تتلو، وهو السحر. [[هذه الفقرة، والأخرى التي قبلها، والأثر الآتي رقم: ١٦٦٩، كان أولى أن تكون في آخر تفسير قوله: "ما تتلو الشياطين" فيما مضى: ٤١١.]]
١٦٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ، أي السحر. [[الأثر: ١٦٦٩ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٢.]]
* *
قال أبو جعفر: ولعل قائلا أن يقول: أو ما كان السحر إلا أيام سليمان؟
قيل له: بلى، قد كان ذلك قبل ذلك، وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما أخبر عنهم، وقد كانوا قبل سليمان، وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر.
[فإن] قال: فكيف أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد سليمان؟ قيل: لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمان، على ما قد قدمنا البيان عنه، فأراد الله تعالى ذكره تبرئة سليمان مما نحلوه وأضافوا إليه، مما كانوا وجدوه، إما في خزائنه، وإما تحت كرسيه، على ما جاءت به الآثار التي قد ذكرناها من ذلك. فحصر الخبر عما كانت اليهود اتبعته، فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره لذلك السبب، وإن كانت الشياطين قد كانت تالية للسحر والكفر قبل ذلك.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل العلم في تأويل"ما" التي في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ . فقال بعضهم: معناه الجحد، وهي بمعنى"لم".
ذكر من قال ذلك:
١٦٧٠ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ فإنه يقول: لم ينزل الله السحر.
١٦٧١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثني حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ ، قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
* *
فتأويل الآية - على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس والربيع، من توجيههما معنى قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ إلى: ولم ينزل على الملكين-: واتبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين = ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ="ببابل، هاروت وماروت". فيكون حينئذ قوله:" ﴿ببابل هاروت وماروت﴾ ، من المؤخر الذي معناه التقديم.
* *
فإن قال لنا قائل: وكيف - وجه تقديم ذلك؟
قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان [من السحر] ، وما أنزل [الله السحر] على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل، هاروت وماروت - فيكون معنيا بـ "الملكين": جبريل وميكائيل، لأن سحرة اليهود، فيما ذكر، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبها الله بذلك، وأخبر نبيه محمدا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس [ذلك] ببابل، وأن اللذين يعلمانهم ذلك رجلان: [[في المطبوعة وابن كثير: "وأن الذين يعلمونهم"، وما أثبت هو الصواب.]] اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت. فيكون"هاروت وماروت"، على هذا التأويل، ترجمة على"الناس" وردا عليهم. [["الترجمة" عند الكوفيين هي"البدل"، وانظر ما سلف ٢: ٣٤٠ وانظر ما سيأتي: ٤٢٣. والزيادات التي بين الأقواس في هذه الفقرة، من تفسير ابن كثير ١: ٢٥٢، وقد نقل كلام الطبري بنصه.]]
* *
وقال آخرون: بل تأويل"ما" التي في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ -"الذي".
ذكر من قال ذلك:
١٦٧٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر، قال قتادة والزهري عن عبد الله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ ، كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم. قال: فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها، [[حاف له يحيف حيفا: مال معه فجاز وظلم غيره. وحاف عليه: ظلمه وجار عليه.]] ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. قال معمر، قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا"إنما نحن فتنة فلا تكفر".
١٦٧٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ ، فهذا سحر آخر خاصموه به أيضا. يقول: خاصموه بما أنزل على الملكين، وأن كلام الملائكة فيما بينهم، إذا علمته الإنس فصنع وعمل به، كان سحرا. [[الأثر: ١٦٧٣ - هو من تتمة الأثر السالف: ١٦٤٦، ويرجع الضمير في قوله: "وخاصموه به أيضًا - إلى رسول الله ﷺ، ثم اليهود، كما تبين ذلك من مراجعة الأثر هناك.]]
١٦٧٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الناس ببابل هاروت وماروت﴾ . فالسحر سحران: سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت.
١٦٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ ، قال: التفريق بين المرء وزوجه.
١٦٧٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين﴾ ، فقرأ حتى بلغ: ﴿فلا تكفر﴾ ، قال: الشياطين والملكان يعلمون الناس السحر.
* *
قال أبو جعفر: فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه: واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت. وهما ملكان من ملائكة الله، سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى.
* *
قال أبو جعفر [[كان في المطبوعة هنا: "وقالوا: إن قال لنا قائل. . ". والضمير في"قالوا"، لا يعود إلى مذكورين قبل. وكأن الناسخ تعاظمه أن يكون الرد الآتي من كلام أبي جعفر، فحذف ما جرى عليه في تفسيره من قوله"قال أبو جعفر"، وأقحم"وقالوا" مكانها، ثم زاد فحشا هذه الفقرات الآتية بكلمته"وقالوا"، كما سنبينه في مواضعه من التعليق. وهذا أسلوب لم يطرقه أبو جعفر قط في تفسيره كله.
والذي استبشعه بعض النساخ - فيما نرجح - سيأتي بعد قليل في ص ٤٢٣ - ٤٢٦ بأوضح مما قاله هنا. وقد عد ابن كثير قول أبي جعفر مسلكا غريبا، فقال في تفسيره ١: ٢٥٣، وذكر ما ذكره أبو جعفر من قول من قال"ما" بمعنى"لم" فقال: "ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن"ما" بمعنى"الذي"، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارا لعباده وامتحانا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك، لأنهما امتثلا ما أمرا به. وهذا الذي سلكه غريب جدا".
ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر، كما استنكره ابن كثير، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام أبي جعفر، لرأيت فيه حجة بينه ساطعة على صواب مذهبه الذي ذهب إليه، ولرأيت دقة ولطفا في تناول المعاني، وتدبير الألفاظ، لا تكاد تجدهما في غير هذا التفسير الجليل القدر.]] إن قال لنا قائل: وهل يجوز أن ينزل الله السحر، أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس؟
قلنا له: إن الله عز وجل قد أنزل الخير والشر كله، وبين جميع ذلك لعباده، فأوحاه إلى رسله، وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم. وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفهموها، ونهاهم عن ركوبها. فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها، ونهاهم عن العمل بها.
[[كان في المطبوعة هنا: " (قالوا) ليس في العلم. . ". انظر ما سلف.]] وليس في العلم بالسحر إثم، كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب. وإنما الإثم في عمله وتسويته. وكذلك لا إثم في العلم بالسحر، وإنما الإثم في العمل به، وأن يضر به، من لا يحل ضره به.
[[كان في المطبوعة هنا: " (قالوا) فليس في إنزال الله. . " انظر ما سلف.]] فليس في إنزال الله إياه على الملكين، ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس، إثم، إذ كان تعليمهما من علماه ذلك، بإذن الله لهما بتعليمه، بعد أن يخبراه بأنهما فتنة، وينهاه عن السحر والعمل به والكفر. وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به، إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به. [[كان في المطبوعة هنا: " (قالوا) ولو كان الله أباح. . " انظر ما سلف.]] ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك، لم يكن من تعلمه حرجا، كما لم يكونا حرجين لعلمهما به. [[استعمل أبو جعفر: هو"حرج" - على وزن: هو"فرح" - بمعنى: آثم. وأهل اللغة ينكرون ذلك. لا يقال للآثم إلا"الحارج" على النسب. لأن"الحرج" بمعنى الإثم، لا فعل له. ولعل الناسخ أخطأ فكتب"حرجا. . وحرجين" مكان"حارجا. . وحارجين"، بمعنى: آثم، وآثمين، ولكني تركتها هنا على حالها مخافة أن تكون من كلام أبي جعفر خطأ اجتهاد، أو صوابا علمه هو لم يبلغنا.]] إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما. [[سيأتي بيان قوله هذا كله بأوفى من هذا وأتم في ص: ٤٢٣ - ٤٢٦.]]
* *
وقال آخرون: معنى"ما" معنى"الذي"، وهي عطف على"ما" الأولى. غير أن الأولى في معنى السحر، والآخرة في معنى التفريق بين المرء وزوجه.
فتأويل الآية على هذا القول: واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
ذكر من قال ذلك:
١٦٧٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ ، وهما يعلمان ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ . وكان يقول: أما السحر، فإنما يعلمه الشياطين، وأما الذي يعلم الملكان، فالتفريق بين المرء وزوجه، كما قال الله تعالى.
* *
وقال آخرون: جائز أن تكون"ما" بمعنى"الذي"، وجائز أن تكون"ما" بمعنى"لم".
ذكر من قال ذلك:
١٦٧٨ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد - وسأله رجل عن قول الله: ﴿يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ فقال الرجل: يعلمان الناس ما أنزل عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ قال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.
١٦٧٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا أنس بن عياض، عن بعض أصحابه، أن القاسم بن محمد سئل عن قول الله تعالى ذكره: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ ، فقيل له: أنزل أو لم ينزل؟ فقال: لا أبالي أي ذلك كان، إلا أني آمنت به. [[الخبر: ١٦٧٩ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري: إمام معروف، يروى عنه الطبري كثيرا، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة. وقال ابن أبي حاتم ٤ /٢ /٢٤٣: "كتبت عنه، وأقمت عليه سبعة أشهر". وقال: "سمعت أبي يوثق يونس بن عبد الأعلى، ويرفع من شأنه". ولد سنة ١٧٠، ومات سنة ٢٦٤.
وأما شيخه هنا فهو: "أنس بن عياض بن ضمرة": وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة. وهو مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ /٢ /٣٤، وابن أبي حاتم ١ /١ /٢٨٩.
وكتب في المطبوعة"بشر" بدل"أنس". وهو تحريف واضح. صوابه في ابن كثير ١: ٢٥٣، نقلا عن هذا الموضع من الطبري. ولم نجد في الرواة من يسمى"بشر بن عياض" أبدا.]] .
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، قول من وجه"ما" التي في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ إلى معنى"الذي"، دون معنى"ما" التي هي بمعنى الجحد. وإنما اخترت ذلك، من أجل أن"ما" إن وجهت إلى معنى الجحد، تنفي عن"الملكين" أن يكونا منزلا إليهما، [[في المطبوعة: "فتنفي. . . " بزيادة فاء لا خير فيها.]] ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما - أعني"هاروت وماروت" - من أن يكونا بدلا منهما وترجمة عنهما [[انظر معنى "الترجمة" آنفًا: ٤٢٠ تعليق: ٢.]] أو بدلا من"الناس" في قوله: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ ، وترجمة عنهما. [[في المطبوعة "يعلمان الناس السحر" وهو خطأ. وانظر ما سلف: ٤٢٠.]] فإن جعلا بدلا من"الملكين" وترجمة عنهما، بطل معنى قوله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنه فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به من بين المرء وزوجه﴾ . لأنهما إذا لم يكونا عالمين بما يفرق به بين المرء وزوجه، فما الذي يتعلم منهما من يفرق بين المرء وزوجه؟ [[في المطبوعة: "ما يفرق"، والصواب ما أثبت.]] وبعد، فإن"ما" التي في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ ، إن كانت في معنى الجحد عطفا على قوله: ﴿وما كفر سليمان﴾ ، فإن الله جل ثناؤه نفى بقوله: ﴿وما كفر سليمان﴾ ، عن سليمان أن يكون السحر من عمله أو من علمه أو تعليمه. فإن كان الذي نفى عن الملكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان منه - وهاروت وماروت هما الملكان - فمن المتعلَّم منه إذًا ما يفرق به بين المرء وزوجه؟ وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ ؟ إن خطأ هذا القول لواضح بين.
وإن كان قوله"هاروت وماروت" ترجمة عن"الناس" الذين في قوله: ﴿ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ ، فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما. فإن يكن ذلك كذلك، فلن يخلو"هاروت وماروت" - عند قائل هذه المقالة - من أحد أمرين:
إما أن يكونا ملكين، فإن كانا عنده ملكين، فقد أوجب لهما من الكفر بالله والمعصية له بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلمان من الشياطين السحر ويعلمانه الناس، وإصرارهما على ذلك ومقامهما عليه - أعظم مما ذكر عنهما أنهما أتياه من المعصية التي استحقا عليها العقاب. وفي خبر الله عز وجل عنهما - أنهما لا يعلمان أحدا ما يتعلم منهما حتى يقولا ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ - ما يغني عن الإكثار في الدلالة على خطأ هذا القول.
أو أن يكونا رجلين من بني آدم. فإن يكن ذلك كذلك، فقد كان يجب أن يكونا بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل - من بني آدم. [[يقول في سياقه: قد ارتفع من بني آدم - السحر، والعلم به والعمل.]] لأنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلم، فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما، عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما.
وفي وجود السحر في كل زمان ووقت، أبين الدلالة على فساد هذا القول. وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم، لم يعدما من الأرض منذ خلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس، فيدعي ما لا يخفى بُطوله. [[بطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا. وهذا باطل بين البطول والبطلان.]]
* *
فإذْ فسدت هذه الوجوه التي دللنا على فسادها، فبَيِّنٌ أن معنى ﴿ما﴾ التي في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ بمعنى"الذي"، وأن"هاروت وماروت"، مترجم بهما عن الملكين، ولذلك فتحت أواخر أسمائهما، لأنهما في موضع خفض على الرد على"الملكين". ولكنهما لما كانا لا يجران، فتحت أواخر أسمائهما.
* *
فإن التبس على ذي غباء ما قلنا فقال: وكيف يجوز لملائكة الله أن تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجه؟ أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله تبارك وتعالى إنزال ذلك على الملائكة؟
قيل له: إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر على غير ذلك، لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم. فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ - ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما. ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك - لله مطيعين، إذْ كانا = عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه = يعلمان. وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائرا، إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناه. [[هذه حجة رجل يبصر دقيق المعاني، ولا يغفل عن مواضع السقط في كلام من يتكلم وهو لا يضبط ما يقتضيه كلامه. وقد استخف به ابن كثير، لأنه لم يضبط ما ضبطه هذا الإمام المتمكن من عقله وفهمه.]] فكذلك الملكان، غير ضائرهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعظتهما له بقولهما: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ ، إذ كانا قد أديا ما أمر به بقيلهما ذلك، كما:-
١٦٨٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن في قوله: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ إلى قوله: ﴿فلا تكفر﴾ ، أخذ عليهما ذلك.
* *
ذكر بعض الأخبار التي في بيان الملكين، ومن قال إن هاروت وماروت هما الملكان اللذان ذكر الله جل ثناؤه في قوله: ﴿ببابل﴾ :
* *
١٦٨١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة قال: حدثنا أبو شعبة العدوي في جنازة يونس بن جبير أبي غلاب، عن ابن عباس قال: إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون الخطايا قالوا: يا رب، هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا! قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا! قال: فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، قال: فاختاروا هاروت وماروت. فاهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء، غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق. قال: فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن، يقال لها"بيذخت" فلما أبصراها أرادا بها زنا، فقالت: لا إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم! فقالا ما كنا لنشرك بالله شيئا! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا إلا أن تشربا الخمر. فشربا حتى ثملا ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقع من الشر، أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك! كنت أعلم! قال: فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل. [[الخبر: ١٦٨١ - أبو شعبة العدوي، هذا الذي يروى هنا عن ابن عباس: لم أعرف من هو؟ ولا وجدت له ذكرا في شيء من المراجع. والراجح عندي أن اسمه محرف عن شيء لا أعرفه.]]
١٦٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حجاج، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال: ربنا ألا تهلكهم! [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٦، والدر المنثور ١: ٩٩: "ربنا، لا تمهلهم"، وكأنها هي الصواب، وإن كانت الأولى صحيحة المعنى.]] فأوحى الله إلى الملائكة: إني لو أنزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضا! [[هذه العبارة صحيحة المعنى، ولكنها جاءت في تفسير ابن كثير: "إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا". وجاءت في الدر المنثور: "إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا". مختصرا.]] قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزُّهَرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكان أهل فارس يسمونها"بيذخت". قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا. [[في المطبوعة: "وكانت الملائكة" بالواو، والصواب من ابن كثير والدر المنثور.]] ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا﴾ . فلما وقعا بالخطيئة، استغفروا لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور الرحيم. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. [[الخبر: ١٦٨٢ - الحجاج بن المنهال الأنماطي: ثقة فاضل، أخرج له الجماعة. شيخه"حماد": الراجح عندنا أنه"حماد بن سلمة"، وإن كان في التهذيب أنه يروى عن"الحمادين"، يعني حماد بن زيد وحماد بن سلمة. ولكن اقتصر البخاري في ترجمته في الكبير ١ /٢ / ٣٧٦ على ذكر"حماد بن سلمة"، وكذلك صنع ابن أبي حاتم ١ /٢ /١٦٧. فصنيعهما يدل على أنه عرف بالرواية عنه أكثر - ووقع في المطبوعة هنا"حجاج" بدل"حماد". والتصحيح من ابن كثير ١: ٢٥٦، إذ نقل هذا الخبر عن الطبري.]]
١٦٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد قال، سمعت عليا يقول: كانت الزُّهَرَة امرأة جميلة من أهل فارس، وأنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تُكُلِّم به يعرج به إلى السماء. فعلماها، فتكلمت به، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبا. [[الخبر: ١٦٨٣ - خالد الحذاء: هو"خالد بن مهران"، ثقة كثير الحديث. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ /٢ /١٥٩، وابن أبي حاتم ١ /٢ / ٣٥٢ - ٣٥٣.
عمير بن سعيد النخعي: تابعي ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١ /٣٧٦. ووقع في المطبوعة هنا"عمرو" بدل"عمير". وهو خطأ، صوابه في ابن كثير ١: ٢٥٥ عن رواية الطبري هذه.
والخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٦٥ - ٢٦٦، مطولا، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، "عن عمير بن سعيد النخعي قال: سمعت عليا. . "، فذكره بطوله.]]
١٦٨٤ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا مؤمل بن إسماعيل - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق - جميعا، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين - وقال الحسن بن يحيى في حديثه: اختاروا ملكين - فاختاروا هاروت وماروت، فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه إلى الأرض حتى استكملا جميع ما نهيا عنه - وقال الحسن بن يحيى في حديثه: فما استكملا يومهما الذي أنزلا فيه حتى عملا ما حرم الله عليهما. [[الخبر: ١٦٨٤ - راه البخاري بإسنادين: من طريق مؤمل بن إسماعيل، ومن طريق عبد الرازق، كلاهما عن الثوري. موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي: هو صاحب المغازي، كان ثقة ثبتا. كان مالك يقول:"عليكم بمغازي موسى بن عقبة، فإنه ثقة". وهو مترجم في الكبير للبخاري ٤/ ١/ ٢٩٢ وابن أبي حاتم ٤/ ١ /١٥٤ - ١٥٥.
والذي أثبتنا هو الصواب، وكان في المطبوعة"محمد بن عقبة"، بدل"موسى". و"محمد ابن عقبة": هو أخو موسى بن عقبة. وهو ثقة أيضًا، مترجم في التهذيب، والكبير ١/١ /١٩٨ - ١٩٩، وابن أبي حاتم ٤/١/٣٥.
وكان من المحتمل أن يكون ما في المطبوعة صحيحا، لأن سفيان الثوري يروي عن محمد بن عقبة، كما يروي عن أخيه موسى. لولا الدلائل والقرائن، التي جزمنا معها بخطأ ذلك:
فأولا: أن محمد بن عقبة لم يذكر في ترجمته بالرواية عن سالم بن عبد الله بن عمر.
وثانيا: أن ابن كثير نقل هذا الخبر عن تفسير عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عقبة ١: ٢٥٥، ثم ذكر أن الطبري رواه من طريق عبد الرزاق. وثالثا: الخبر ثابت في تفسير عبد الرزاق، في نسخة مصورة عندي، عن مخطوطة دار الكتب المصرية، المكتوبة سنة ٧٢٤. وفيها"عن موسى بن عقبة".
فاتفق على هذا الكتابان: الكتاب الذي نقل عنه الطبري، والكتاب الذي نقل عن الطبري.
ورابعا: أن ابن كثير قال أيضًا:"رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن عصام، عن مؤمل، عن سفيان الثوري، به".
والطبري هنا رواه - كما ذكرنا - عن مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري. فاتفقت روايته مع رواية ابن أبي حاتم.
وليس بعد هذا ثبت ويقين.]]
١٦٨٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة قال، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار أنه حدث: أن الملائكة أنكروا أعمال بني آدم وما يأتون في الأرض من المعاصي، فقال الله لهم: إنكم لو كنتم مكانهم أتيتم ما يأتون من الذنوب، فاختاروا منكم ملكين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال الله لهما: إني أرسل رسلي إلى الناس، وليس بيني وبينكما رسول، انزلا إلى الأرض، ولا تشركا بي شيئا، ولا تزنيا. فقال كعب: والذي نفس كعب بيده، ما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم الله عليهما. [[الخبر: ١٦٨٥ - هو تكرار للخبر قبله، من رواية عبد العزيز بن المختار، عن موسى ابن عقبة. وعبد العزيز بن المختار الدباغ: ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم /٢/٣٩٣ - ٣٩٤.]]
١٦٨٦ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أنه كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت ابن آدم عشرا من الشهوات، فبها يعصونني. قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس. فنزلا ببابل دنباوند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا فإذا أصبحا هبطا. فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها - واسمها بالعربية،"الزُّهَرة"، وبالنبطية"بيذخت"، واسمها بالفارسية"أناهيذ" - فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني! فقال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك! فقال: الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو رحمة الله! فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها. ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها، قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها، فتكلمت فصعدت. فأنساها الله ما تنزل به فبقيت مكانها، [[في ابن كثير ١: ٢٥٩: "فثبتت مكانها".]] وجعلها الله كوكبا - فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت! - فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يستطيعا، فعرفا الهلك، [[في ابن كثير ١: ٢٥٩: "الهلكة"، وهما سواء.]] فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة، فعلقا ببابل، فجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر.
١٦٨٧ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي رب، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد ركبوا الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام. والسرقة والزنا وشرب الخمر! فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم، فقيل لهم: إنهم في غيب. [[ما أدري ما يعني بقوله: "إنهم في غيب"، إلا أن يكون أراد الغيب: وهو ما غيبك من الأرض، لبعده وانقطاعه، وهبوطه عما حوله. كأنه يقول: إنهم في مكان غيبهم عما تشهدون أنتم - أيتها الملائكة - من آيات ربكم. وانظر ص: ٤٣٣.]] فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وجعل بهما شهوات بني آدم، [[في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٧: "فجعل لهما. . ".]] وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر. فلبثا على ذلك في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق - وذلك في زمان إدريس. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكوكب، وأنها أتت عليهما، [[في تفسير ابن كثير: "أتيا عليها".]] فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، وأنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها التي هي عليه، فأخرجت لهما صنما وقالت: هذا أعبد. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا! فذهبا فغبرا ما شاء الله، [[في المطبوعة: "فصبرا ما شاء الله"، وفي ابن كثير: "فعبرا". وغبر: مكث وبقى.]] ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها، فقالت: لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا لا حاجة لنا في عبادة هذا! فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا الخمر. فقالا كل هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر. فسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها. فمر بهما إنسان، وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه. فلما أن ذهب عنهما السكر، عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، فحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الذنب، فعجبوا كل العجب، وعلموا أن من كان في غيب فهو أقل خشية [[انظر ص: ٤٣٢ تعليق: ١.]] فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض - وأنهما لما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة! فقالا أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له. فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان. [[الأثر: ١٦٨٧ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٧ - ٢٥٨ عن أبي حاتم قال: "أخبرنا عصام بن رواد، أخبرنا آدم، أخبرنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله عنهما"، وهو غير إسناد ابن جرير، وكلاهما من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس، ولكن ابن جرير لم يرفعه إلى ابن عباس. ونصهما واحد إلا بعض خلاف يسير في بعض اللفظ.]]
١٦٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع انظر، طلعت الحمراء؟ قلت: لا -مرتين أو ثلاثا- [[في المطبوعة: "قالها مرتين أو ثلاثا"، والصواب من ابن كثير في تفسيره ١: ٢٥٥، والدر المنثور ١: ٩٧.]] ثم قلت: قد طلعت! قال: لا مرحبا ولا أهلا! قلت: سبحان الله، نجم مسخر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ، [[في ابن كثير: "أو قال - قال لي رسول الله. . ".]] وقال: قال لي رسول الله ﷺ:"إن الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك! قال: فاختاروا ملكين منكم! قال: فلم يألوا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت. [[الفرج بن فضالة التنوخي القضاعي: ضعيف قال البخاري: "منكر الحديث"، وهو مترجم في التهذيب، والكبير ٤ /١/١٣٤، والصغير: ١٩٢، ١٩٩، والضعفاء للبخاري: ٢٩، والنسائي: ٢٥، وابن أبي حاتم ٣ /٢ /٨٥ - ٨٦.
وهذا الحديث هنا مختصر. وقد رواه الخطيب في ترجمة سنيد، مطولا، من طريق عبد الكريم بن الهيثم، عن سنيد، بهذا الإسناد.
وهذه الأخبار، في قصة هاروت وماروت، وقصة الزهرة، وأنها كانت امرأة فمسخت كوكبا - أخبار أعلها أهل العلم بالحديث. وقد جاء هذا المعنى في حديث مرفوع، ورواه أحمد في المسند: ٦١٧٨، من طريق موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر. وقد فصلت القول في تعليله في شرح المسند، ونقلت قول ابن كثير في التفسير ١: ٢٥٥"وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبي ﷺ". واستدل بروايتي الطبري السالفتين: ١٦٨٤، ١٦٨٥ عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار.
وقد أشار ابن كثير أيضًا في التاريخ ١: ٣٧ - ٣٨ قال: "فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سيبل الحكاية والتحدث عن بني إسرائيل ":. وقال أيضًا، بعد الإشارة إلى أسانيد أخر: "وإذا أحسنا الظن قلنا: هذا من أخبار بني إسرائيل، كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها".
وقال في التفسير أيضًا ١: ٢٦٠، بعد ذكر كثير من الروايات التي في الطبري وغيره: "وقد روى في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين. وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة" من غير بسط ولا إطناب فيها. فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال".
وهذا هو الحق، وفيه القول الفصل. والحمد لله.]]
١٦٨٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: وأما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات. فقال لهم ربهم: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت. فقال لهما حين أنزلهما: عجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، [[في ابن كثير ١: ٢٥٩: "أعجبتم من بني آدم. . وإنكما ليس بيني وبينكم رسول".]] وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمرهما بأمر ونهاهما. [[في ابن كثير: "فأمرهما بأمور ونهاهما".]] ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما. فحكما فعدلا. فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة - في أحسن صورة امرأة - تخاصم، فقضيا عليها. فلما قامت، وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل ما وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها: أن ائتينا نقض لك. فلما رجعت، قالالها -وقضيا لها-: ائتينا! فأتتهما، [[في ابن كثير: "قالا وقضيا لها فأتتهما"، وليس بصواب.]] فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا، طارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فردا ولم يؤذن لهما، [[في ابن كثير: "فزجرا ولم يؤذن لهما، وهما سواء.]] ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه فقالا ادع لنا ربك! فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء! فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا نعلم أن أنواع عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، ومع الدنيا سبع مرات مثلها. [[في ابن كثير: "فقالا: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله. . وفي الدنيا تسع مرات مثلها". وفي الدر المنثور: "فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله. . نعم، ومع الدنيا سبع مرات. . " وقوله"ومع الدنيا. . " أي إذا قيس بعذاب الدنيا، كان سبعة أمثال عذابها.]] فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما. [[الأثر: ١٦٨٩ - في تفسير ابن كثير ١: ٢٥٩ - ٢٦٠، وفي الدر المنثور ١: ١٠٢]]
* *
قال أبو جعفر: وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ ، يعني به رجلين من بني آدم. وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال، [[انظر ما سلف ص: ٤٢٥ - ٤٢٦.]] فأما من جهة النقل، فإجماع الحجة - على خطأ القراءة بها - من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار. وكفى بذلك شاهدا على خطئها.
* *
وأمأ قوله ﴿ببابل﴾ ، فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض. وقد اختلف أهل التأويل فيها. فقال بعضهم: إنها"بابل دُنْبَاوَنْد".
١٦٩٠ - حدثني بذلك موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي. [[الأثر: ١٦٩٠ - هو الأثر السابق ١٦٨٦.]]
* *
وقال بعضهم: بل ذلك"بابل العراق".
ذكر من قال ذلك:
١٦٩١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - في قصة ذكرتها عن امرأة قدمت المدينة، فذكرت أنها صارت في العراق ببابل، فأتت بها هاروت وماروت، فتعلمت منهما السحر. [[الأثر: ١٦٩١ الحسين: هو سنيد، كما مضى مرارا.
حجاج: هو ابن محمد المصيصي الأعور، وهو ثقة رفيع الشأن، من شيوخ أحمد وابن معين. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١/٢/٣٧٦، وابن أبي حاتم ١/٢/١٦٦، وتاريخ بغداد ٨: ٢٣٦ - ٢٣٩.
وهذا الخبر قطعة من خبر مطول، سيأتي: ١٦٩٢، من طريق ابن أبي الزناد أيضًا.]]
قال أبو جعفر: واختلف في معنى السحر، فقال بعضهم: هو خدع ومخاريق ومعان يفعلها الساحر، حتى يخيل إلى المسحور الشيء أنه بخلاف ما هو به، نظير الذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، ويرى الشيء من بعيد فيثبته. بخلاف ما هو على حقيقته. وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائر معه. قالوا: فكذلك المسحور ذلك صفته: يحسب بعد الذي وصل إليه من سحر الساحر، أن الذي يراه أو يفعله بخلاف الذي هو به على حقيقته، كالذي:-
١٦٩٢ - حدثني أحمد بن الوليد وسفيان بن وكيع، قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ لما سحر، كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله. [[الحديث: ١٦٩٢ - أحمد بن الوليد، شيخ الطبري: لم أعرف من هو؟ وسفيان بن وكيع بن الجراح: ضعيف قال البخاري في التاريخ الصغير، ص: ٢٤٦"يتكلمون فيه لأشياء لقنوه". وقال النسائي في الضعفاء، ص: ١٦"ليس بشيء". بل اتهمه أبو زرعة بالكذب. ودفع عنه أبو حاتم هذه السبة، وإنما جاءه ذلك من وراقه، أفسد عليه حديثه. وهو مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٣١ - ٢٣٢، والمجروحين لابن حبان (مخطوط مصور) ، رقم: ٤٧٠. وليس ضعفه بسبب لضعف هذا الحديث فقد جاء بأسانيد صحاح، سنشير إليها في الحديث التالي.
يحيى بن سعيد: هو القطان الإمام الحافظ.]]
١٦٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت، سحر رسول الله ﷺ يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله. [[الحديث: ١٦٩٣- هو تكرار للحديث السابق بإسناد آخر، رواه سفيان بن وكيع عن ابن نمير.
ابن نمير: هو عبد الله بن نمير الهمداني: ثقة صاحب سنة، روى عنه الأئمة، أحمد، وابن المديني. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٧٤ - ٢٧٥. وابن أبي حاتم ٢ /٢ /١٨٦.
وهذا الحديث - بطريقيه - مختصر من حديث مطول: أما من رواية ابن نمير، فقد رواه أحمد في المسند ٦: ٥٧ (حلبي) عن ابن نمير. ورواه مسلم في صحيحه ٢: ١٨٠، عن أبي كريب. ورواه ابن ماجه: ٣٥٤٥، عن أبي بكر بن شيبة - كلاهما عن ابن نمير، به مطولا.
وقد رواه كثير من الثقات الأثبات عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
فرواه أحمد في المسند ٦: ٦٣، من طريق معمر. ورواه أحمد أيضًا ٦: ٦٣، من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، وكذلك رواه البخاري ١٠: ٢٠١، ومسلم ٢: ١٨٠ - كلاهما من طريق أبي أسامة. ورواه أحمد أيضًا ٦: ٩٦، وابن سعد ٢ /٢ /٤ - كلاهما من طريق وهيب. ورواه البخاري ١٠: ١٩٢ - ١٩٧، من طريق عيسى بن يونس. و١٠: ١٩٩ - ٢٠١، من طريق ابن عيينة. و ١٠: ٤٠٠، من طريق سفيان، وهو ابن عيينة. و١١: ١٦٣، من طريق أنس ابن عياض أبي ضمرة. ورواه أيضًا ٦: ٢٣٩، معلقا من رواية الليث بن سعد، - كل هؤلاء رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال البخاري ١٠: ١٩٧، عقب رواية عيسى بن يونس: أنه سمعه قبل ذلك من ابن جريح"يقول: حدثني آل عروة عن عروة".، وأنه - أي ابن عيينة - سأل هشاما عنه، فحدثه به عن أبيه عن عائشة.
وذكر ابن كثير بعض طرقه، في تفسير سورة الفلق ٩: ٣٥٣ - ٣٥٤. وإنما فصلنا القول في طرقه هنا، لأن الطبري لم يذكره هناك في موضعه.
وقد ثبت مثل هذه القصة من حديث زيد بن أرقم. رواه أحمد في المسند ٤: ٣٦٧ (حلبي) ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم، به وهذا إسناد صحيح. يزيد بن حيان أبو حيان التيمي: تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤/ ٢/٣٢٤ - ٣٢٥، وابن أبي حاتم ٤ /٢ /٢٥٥ - ٢٥٦.
ورواه أيضًا ابن سعد ٢/٢/٦، عن موسى بن مسعود، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن ثمامة المحلمي، عن زيد بن أرقم. وهذا إسناد صحيح أيضًا. موسى بن مسعود النهدي: سبق توثيقه: ٢٨٠. و"ثمامة بن عقبة المحلمي": ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ١ /٢ /١٧٦، والجرح ١/١/٤٦٥ - ٤٦٦. و"المحلمي"بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة بعدهما ميم، نسبة إلى"محلم بن تميم".
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٦: ٢٨١، بروايتين، وقال:"رواه النسائي باختصار"، ثم قال:"رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح".
وذكره الحافظ في الفتح ١٠: ١٩٤ أنه"صححه الحاكم وعبد حميد".
وقصة السحر هذه عرض لها كثير من أهل عصرنا بالإنكار؛ وهم في إنكارهم مقلدون، ويزعمون أنهم بعقلهم يهتدون. وقد سبقهم إلى ذلك غيرهم، ورد عليهم العلماء:
فقال الحافظ في الفتح ١٠: ١٩٢"قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها! ١٠: ١٩٢"قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع؛ إذ يحتمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم! وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء!! قال المازري: وهذا كله مردود. لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه. فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها - فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض. فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك من أمور الدين". ثم أفاض الحافظ في هذا البحث الدقيق، بقوته المعروفة، في جمع الروايات وتفسيرها، بما لا يدع شكا عند من ينصف. وعقد القاضي عياض فصلا جيدا في هذا البحث، في كتاب الشفاء. انظره في شرح العلامة على القارئ٢: ١٩٠ - ١٩٣ من طبعة بولاق سنة ١٢٥٧.]]
١٦٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: كان عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب يحدثان: أن يهود بني زريق عقدوا عُقَدَ سحر لرسول الله ﷺ، فجعلوها في بئر حزم، حتى كان رسول الله ينكر بصره، ودله الله على ما صنعوا، فأرسل رسول الله ﷺ إلى بئر حزم التي فيها العُقَد فانتزعها. فكان رسول الله ﷺ يقول: سحرتني يهود بني زريق. [[الحديث: ١٦٩٤ - هذا في معنى الحديثين قبله. ولكن هذا مرسل. وقد روى ابن سعد ٢/٢/٥، نحوه مختصرا، عن الزهري، "عن ابن المسيب وعروة بن الزبير قالا: فكان رسول الله ﷺ يقول: سحرتني يهود بني زريق". وقد أشار الحافظ في الفتح ١٠: ١٩٣ إلى أن مرسل سعيد بن المسيب رواه عبد الرزاق، وذكر من بعض ألفاظه ما يدل على أنه أطول مما هنا. وقوله"بئر حزم"، لا يعرف. والذي في الروايات جميعا: "بئر ذروان".]]
* *
وأنكر قائل هذه المقالة أن يكون الساحر يقدر بسحره على قلب شيء عن حقيقته، واستسخار شيء من خلق الله - إلا نظير الذي يقدر عليه من ذلك سائر بني آدم - أو إنشاء شيء من الأجسام سوى المخاريق والخدع المتخيلة لأبصار الناطرين بخلاف حقائقها التي وصفنا. وقالوا: لو كان في وسع السحرة إنشاء الأجسام وقلب حقائق الأعيان عما هي به من الهيئات، لم يكن بين الحق والباطل فصل، [[في المطبوعة: "فضل"، وهو خطأ.]] ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها. قالوا: وفي وصف الله جل وعز سحرة فرعون بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [سورة طه: ٦٦] ، وفي خبر عائشة عن رسول الله ﷺ أنه كان إذْ سحر يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين =: أن الساحر ينشئ أعيان الأشياء بسحره، ويستسخر ما يتعذر استسخاره على غيره من بني آدم، كالموات والجماد والحيوان = وصحة ما قلنا. [[سياق العبارة: "أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين. . وصحة ما قلنا" معطوفا.]]
* *
وقال آخرون: قد يقدر الساحر بسحره أن يحول الإنسان حمارا، وأن يسحر الإنسان والحمار، وينشئ أعيانا وأجساما، واعتلوا في ذلك بما:-
١٦٩٥ - حدثنا به الربيع بن سليمان قال، حدثنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن أبي الزناد قال، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك، [[يقال: "كان في حدثان كذا وكذا" (بكسر فسكون) ، و"في حداثته": أي على قرب عهد به.]] تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، [[يشفيها: أي يجيبها بما يبلغ بها سكينة القلب فتبرأ من حيرتها. ومنه: "شفاء العي السؤال". والجهل والحيرة مرض القلوب والنفوس.]] كانت تبكي حتى إني لأرحمها! وتقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت! كان لي زوج فغاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلتِ ما آمرك به، فأجعله يأتيك! فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، [[في ابن كثير ١: ٢٦٠: "فلم يكن شيء"، والصواب ما هنا وفي الدر المنثور ١: ١٠١ وقولها: "فلم يكن كشيء" عبارة جيدة، بمعنى: لم يكن ما مضى كشيء يعد، بل أقل من القليل. والعرب تقول: تأخرت عنك شيئا، أي قليلا. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة. وقالت لهن: اربعن شيئا، لعلني ... وإن لامني فيما ارتأيت مليم
أي قفن قليلا. ويقولون في مثل ذلك أيضًا: "لم يكن إلا كلا ولا"، كل ذلك بمعنى السرعة الخاطفة.]] فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ فقالا إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي. فأبيت وقلت: لا قالا فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. [[في المطبوعة: "فقالا، اذهبي. . "، وأثبت ما في الدر المنثور وابن كثير، فهي أجود.]] فذهبت ففزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا أفعلت؟ قلت: نعم. فقالا فهل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا! فقالا لي: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأربيت وأبيت، [[في المطبوعة: "فأبيت" بحذف"فأرببت". وأرب بالمكان لزمه ولم يبرحه. والزيادة من ابن كثير في الموضعين.]] فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت، فاقشعررت. ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا فما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئا. فقالا كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك! [[يقال: أنت على رأس أمرك، وعلى رئاس أمرك: أي في أوله وعلى شرف منه. وزعم الجوهري أن قولهم: "على رأس أمرك" من كلام العامة، وهذا الخبر ينقض ما قال.]] فأربيت وأبيت، فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسا متقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء، وغاب عني حتى ما أراه. فجئتهما فقلت: قد فعلت! فقالا ما رأيت؟ فقلت: فارسا متقنعا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، [[في تفسير ابن كثير والدر المنثور: "فرأيت فارسا"، وما هنا صواب جيد.]] فقالا صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئا! وما قالا لي شيئا! فقالت: بلى، لن تريدي شيئا إلا كان! خذي هذا القمح فابذري. فبذرت، وقلت: أطلعي! فأطلعت، وقلت: أحقلي! فأحقلت، ثم قلت: أفركي! فأفركت، ثم قلت: أيبسي! فأيبست، ثم قلت: أطحني! فأطحنت، ثم قلت: أخبزي، فأخبزت. [[في هذه الفقرة كلمات لم تثبتها كتب اللغة، سأذكرها في مدرج شرحها. "أطلعي فأطلعت" أي أخرجي شطأك، من قولهم: أطلع الزرع، إذا بدا أول نباته من الأرض. "أحقل الزرع: تشعب ورقه من قبل أن تغلظ سوقه. "أفركي فأفركت"، أي كوني فريكا. وهو حب السنبلة إذا اشتد وصلح أن يفرك. أفرك السنبل: صار فريكا، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل. و"أيبسي فأيبست" أي كوني حبا يابسا، أيبس البقل: يبس وجف. "أطحني فأطحنت". أي كوني طحينا. ولم يرد في كتب اللغة: "أطحن"، ولكنها أتبعت هذا الحرف ما مضى من أخواته، وهي عربية سليمة ماضية على سنن اللغة في هذا الموضع. "أخبزي فأخبزت"، أي كوني خبزا يؤكل، وهذه أيضًا لم ترد في كتب اللغة، ولكنها عريقة كأختها السالفة. وقد قال ابن كثير أن إسناد هذا الحديث جيد إلى عائشة، وأن الحاكم صححه، فإن كان ذلك كما قالا، فلا شك في عربية هذه الألفاظ من طريق الرواية أيضًا.]] فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان، سُقِط في يدى وندمت والله يا أم المؤمنين! والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا. [[الخبر: ١٦٩٥ - مضت قطعة منه، بإسناد آخر إلى ابن أبي الزناد: ١٦٩١.
وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٢٦٠ - ٢٦١، بطوله، عن الطبري. وقدم له بكلمة قال"وقد ورد في ذلك أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك. أحببنا أن ننبه عليه". ثم قال بعد نقله. "فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها". وذكر أنه رواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان، بأطول منه.
وذكره السيوطي ١: ١٠١، ونسبه أيضًا للحاكم وصححه. والبيهقي في سننه.
وهي قصة عجيبة، لا ندري أصدقت تلك المرأة فيما أخبرت به عائشة؟ أما عائشة فقد صدقت في أن المرأة أخبرتها. والإسناد إلى عائشة جيد، بل صحيح.
الربيع بن سليمان: هو المرادي المصري المؤذن، صاحب الشافعي وراوية كتبه، وهو ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/٤٦٤. ابن أبي الزناد: هو"عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان"، وهو ثقة، تكلم فيه بعض الأئمة، في روايته عن أبيه، وفي رواية البغداديين عنه. والحق أنه ثقة، وخاصة في حديث هشام بن عروة. فقد قال ابن معين - فيما رواه أبو داود عنه عند الخطيب وغيره -"أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد". وقد وثقه الترمذي وصحح عدة من أحاديثه، بل قال في السنن ٣: ٥٩، في حديث له صححه، وفيه حرف لم يروه غيره، فقال: "وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ثقة حافظ".]]
قال أهل هذه المقالة بما وصفنا، واعتلوا بما ذكرنا، وقالوا: لولا أن الساحر يقدر على فعل ما ادعى أنه يقدر على فعله، ما قدر أن يفرق بين المرء وزوجه. قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه. وذلك لو كان على غير الحقيقة، وكان على وجه التخييل والحسبان، لم يكن تفريقا على صحة، وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يفرقون على صحة.
* *
وقال آخرون: بل"السحر" أخذ بالعين.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: وما يعلم الملكان أحدا من الناس الذي أنزل عليهما من التفريق بين المرء وزوجه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاء وفتنة لبني آدم، فلا تكفر بربك. كما:-
١٦٩٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: إذا أتاهما - يعني هاروت وماروت - إنسان يريد السحر، وعظاه وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة! فإن أبى، قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه. فإذا بال عليه خرج منه نور يسطع حتى يدخل السماء - وذلك الإيمان - وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء منه، [[في المطبوعة: "وقيل شيء أسود. . " كلام بلا معنى. والتصحيح من ابن كثير ١: ٢٦٢.]] فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر. فذلك قول الله: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ الآية.
١٦٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة والحسن: ﴿حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ ، قال: أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. [[في المطبوعة: أخذ عليها أن لا يعلما" والزيادة من ابن كثير ١: ٢٦٢.]]
١٦٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة: كانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا"إنما نحن فتنة فلا تكفر".
١٦٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر قال، قال غير قتادة: أخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يتقدما إليه فيقولا"إنما نحن فتنة فلا تكفر".
١٧٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن قال: أخذ عليهما أن يقولا ذلك.
١٧٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخذ الميثاق عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا"إنما نحن فتنة فلا تكفر". لا يجترئ على السحر إلا كافر.
* *
وأما الفتنة في هذا الموضع، فإن معناها: الاختبار والابتلاء، من ذلك قول الشاعر. [[نسبه الطبري في تاريخه ١: ١٥١ - ١٥٢ للحتات بن يزيد المجاشعي عم الفرزدق. ونسبه البلاذري في أنساب الأشراف ٥: ١٠٤ إلى: علي بن الغدير بن المضرس الغنوي، وإلى: إهاب بن همام بن صعصة بن ناجية بن عقال المجاشعي، وإلى: ابن الغريرة النهشلي، وهو كثير بن عبد الله بن مالك النهشلي، وهو مخضرم، وإليه أيضًا في معجم الشعراء: ٣٤٩، وفي الكامل للمبرد ٢: ٣٤، وقال أبو الحسن الأخفش: "ابن الغريرة الضبي"، وهو خطأ محض، إنما هو النهشلي.]]
وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا [[أول هذه القصيدة: نأتك أمامة نأيا طويلا ... وحملك الحب عبئا ثقيلا
ثم قال: لعمر أبيك فلا تجزعي ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا
أعاذل كل امرئ هالك ... فسيرى إلى الله سيرا جميلا
فإن الزمان له لذة ... ولا بد لذته أن تزولا
وروى الطبري صدر البيت الذي استشهد به هنا في تاريخه: * لقد سفه الناس في دينهم *]]
ومنه قوله:"فتنت الذهب في النار"، إذا امتحنته لتعرف جودته من رداءته، "أفتنه فتنة وفتونا"، كما:-
١٧٠٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿إنما نحن فتنة﴾ ، أي بلاء.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: ﴿فيتعلمون منهما﴾ ، خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما، وليس بجواب لقوله: ﴿وما يعلمان من أحد﴾ ، بل هو خبر مستأنف، ولذلك رفع فقيل:"فيتعلمون". فمعنى الكلام إذًا: وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة، فيأبون قبول ذلك منهما، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. [[يعني الطبري أن في الكلام حذف اجتزأ بفهم سامعه عن ذكره، وهو قوله: "فيأتون قبول ذلك منهما".]]
وقد قيل: إن قوله: ﴿فيتعلمون﴾ ، خبر عن اليهود معطوف على قوله:"ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت"،"فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه) . وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم.
* *
والذي قلنا أشبه بتأويل الآية. لأن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام، ما كان للتأويل وجه صحيح، [[قوله: "ما كان للتأويل. . "، هي ما يقولونه في العربية الركيكة"ما دام للتأويل. . "]] أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام.
و"الهاء" و"الميم" و"الألف" من قوله: ﴿منهما﴾ ، من ذكر الملكين. ومعنى ذلك: فيتعلم الناس من الملكين الذي يفرقون به بين المرء وزوجه.
* *
و"ما" التي مع"يفرقون" بمعنى"الذي". وقيل: معنى ذلك: السحر الذي يفرقون به. وقيل: هو معنى غير السحر. وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف: ٤٢٣ - ٤٢٤.]]
وأما"المرء"، فإنه بمعنى: رجل من أسماء بني آدم، والأنثى منه"المرأة". يوحد ويثنى، ولا تجمع ثلاثته على صورته، [[في المطبوعة: "ولا يجمع ثلاثيه" خطأ محض.]] يقال منه:"هذا امرؤ صالح، وهذان امرآن صالحان". ولا يقال: هؤلاء امرؤو صدق، ولكن يقال:"هؤلاء رجال صدق"، وقوم صدق. وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها. يقال: هذه امرأة، وهاتان امرأتان". ولا يقال: هؤلاء امرآت، ولكن:"هؤلاء نسوة".
* *
وأما"الزوج"، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل:"هي زوجه" بمنزلة الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧] ، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون:"هي زوجته". [[انظر ما سلف ١: ٥١٤، ففيه زيادة عما هنا.]] كما قال الشاعر: [[هو الفرزدق.]]
وإن الذي يمشي يحرش زوجتي ... كماش إلى أسد الشرى يستبيلها [[ديوانه: ٦٠٥، والأغاني ٩: ٣٢٦، و١٩: ٨ (ساسى) ، في قصته مع النوار، ويقول هذا الشعر لبني أم النسير (طبقات فحول الشعراء: ٢٨١، والأغاني) ، وكانت خرجت مع رجل يقال له زهير بن ثعلبة ومع بني أم النسير، فقال هذا الشعر، وبعد البيت: ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وصولة أيد يمنع الضيم طولها
ورواية الديوان وغيره: وإن امرءا يسعى يخبب زوجتي
وقوله: "يخبب"، أي يفسدها على. ويحرش: يحرض ويغرى بيني وبينها. و"يستبيلها": أي يطلب أن تبول في يده.]]
فإن قال قائل: وكيف يفرق الساحر بين المرء وزوجه؟ قيل: قد دللنا فيما مضى على أن معنى"السحر": تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته، بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه. [[انظر ما سلف: ٤٣٥ وما بعدها.]] فإن كان ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه، [[في المطبوعة: "فإن كان ذلك صحيحا"، والأجود ما أثبت.]] فتفريقه بين المرء وزوجه: تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته، من حسن وجمال، حتى يقبحه عنده، فينصرف بوجهه ويعرض عنه، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا. فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذين كان منه فرقة ما بينهما. وقد دللنا، في غير موضع من كتابنا هذا، على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه، وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ١٩٦.]] فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ ، وتفريقهما: أن يُؤَخِّذَ كل واحد منهما عن صاحبه، [[أخذه تأخيذا. والتأخيذ: حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء، ويقال لهذه الحيلة: الأخذة (بضم فسكون) .]] ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه.
* *
وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه، فإنهم وجهوا تأويل قوله: ﴿فيتعلمون منهما﴾ إلى"فيتعلمون مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه، كقول القائل: ليت لنا كذا من كذا"، أي مكان كذا، كما قال الشاعر:
ججَمَعَت من الخيرات وَطبا وعلبة ... وصرا لأخلاف المُزَنَّمة البزل [[لم أعرف قائلهما، ولم أجدها إلا في أمالي الشريف المرتضى ١: ٤٢١، وكأنه نقلهما عن الطبري، لأنهما جاءا في تفسير هذه الآية، على هذا المعنى. والوطب: سقاء اللبن خاصة. والعلبة: جلدة تؤخذ من جنب البعير، فتسوى مستديرة، ثم تملأ رملا سهلا، ثم تضم أطرافها بخلال حتى تجف وتيبس، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة لجفافها تشبه قصعة مدورة، فكأنها نحتت نحتا، ويعلقها الراعي ويشرب بها، وله فيها رفق وخفة لأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض. والصر: شد ضرع النوق الحلوبات إذا أرسلوها للمرعي سارحة، ويسمون ذلك الرباط: صرارا. والأخلاف جمع خلف (بكسر فسكون) ، وهو ضرع الناقة أو البعير إذا استكمل الثامنة وطعن في التاسعة، وبزل نابه، أي انشق عن اللحم. وهو أقصى سنه وتمام قوته. وفي المطبوعة هنا"المذممة"، وفي أمالي الشريف:"المزممة"، وفي نسخة أخرى منها"المزهمة"، وقد علق أحد أصحاب الحواشي على الأمالي فقال: "المزممة: التي علق عليها الزمام ". واخترت أن تكون "المزنمة" فهي أشبه بهذا الشعر. يقال: ناقة مزنمة وهي التي عليها سمة التزنيم، وهو أن يقطع طرف أذنه ويترك له زنمة مشرفة. وإنما يفعل ذلك بالكرام من الإبل. وهذا هجاء يقول له: إنما أنت راع خسيس، ترعى على السادة الكرام كرام إبلهم، ولا تجمع من خيرات ما يتمتع به سادتك، إلا وطبا وعلبة وعلاجا لإبلهم التي ترعاها عليهم.]]
ومن كل أخلاق الكرام نميمة ... وسعيا على الجار المجاور بالنَّجْل [[الجار: الذي قرب منزله من منزلك، ووصفه بقوله: "المجاور" للدلالة على شدة قربه، وهو الجار الجنب، فهو أشد حرمة لنزوله في جواره ومنعته، وركونه إلى أمان عهده. والنجل: تمزيق عرضه بالغيبة والمعابة والسب بظهر الغيب. وفي الحديث: "من نجل الناس نجلوه" أي سبهم وقطع أعراضهم بالشتم كما يقطع بالمنجل، جازوه بمثل فعله.]]
يريد بقوله:"جمعت من الخيرات"، مكان خيرات الدنيا هذه الأخلاق الرديئة والأفعال الدنيئة، ومنه قول الآخر:
صلدت صفاتك أن تلين حيودها ... وورثت من سلف الكرام عقوقا [[لم أعرف قائله. صلدت: صلبت وقست. والصفاة: الحجر الصلد الأملس الضخم الذي لا ينبت شيئا. والحيود جمع حيد: وهو التنوء في الجبل أو القرن أو غيرهما. وهذا مثل: يقول له أنت غليظ جاف لا يصلحك شيء، ولا خير فيك، كالصفاة الملساء ذات النتوء، لا يصلحها شيء ولا تأتي بخير. والسلف: سلف الإنسان: من تقدمه من آبائه وذوي قرابته ممن هم فوقه في السن والفضل. يقول: ورثت من والديك مكان مآثر الأسلاف الكرام، عقوقا، فأنت تعقهم، كما عقوا هم آباءهم. فأنتم خلف يلعن سلفا لئيما عاقا، يلعن أسلافه. فأنتم معرقون في العقوق، وهو شر أخلاق الناس.]]
يعني: ورثت مكان سلف الكرام، عقوقا من والديك.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
قال أبو حعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ ، وما المتعلمون من الملكين هاروت وماروت ما يفرقون به بين المرء وزوجه، بضارين - بالذي تعلموه منهما، من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه - من أحد من الناس إلا من قد قضى الله عليه أن ذلك يضره. فأما من دفع الله عنه ضره، وحفظه من مكروه السحر والنفث والرُّقى، فإن ذلك غير ضاره، ولا نائله أذاه.
* *
ولـ لإذن" في كلام العرب أوجه. منها: الأمر على غير وجه الإلزام. وغير جائز أن يكون منه قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ ، لأن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر؟ - على لسان الأمة. [[كأنه يريد: حرم التفريق على لسان الأمة: أن تنطق به وتأمر بفعله]]
ومنها: التخلية بين المأذون له، والمخلى بينه وبينه.
ومنها العلم بالشيء، يقال منه:"قد أذنت بهذا الأمر" إذا علمت به"آذن به إذنا"، ومنه قول الحطيئة:
ألا يا هند إن جددت وصلا ... وإلا فأذنيني بانصرام [[لم أجد البيت في ديوان الحطيئة المطبوع. وقوله"فأذنيني"، يدل على أن الفعل متعد: "أذنه بالشيء يأذنه إذنا" أعلمه به، مثل"آذنه به". ولم يرد ذلك في شيء من كتب اللغة، والبيت شاهد عليه، وشرح الطبري بعد دال أيضًا على مراده.]]
يعنى فأعلميني. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٩] ، وهذا هو معنى الآية، كأنه قال جل ثناؤه: وما هم بضارين، بالذي تعلموا من الملكين، من أحد إلا بعلم الله. يعني: بالذي سبق له في علم الله أنه يضره. كما:-
١٧٠٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان في قوله: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ ، قال: بقضاء الله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿ويتعلمون﴾ ، الناس الذين يتعلمون من الملكين ما أنزل عليهما من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم، ولا ينفعهم في معادهم. فأما في العاجل في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسبون به ويصيبون به معاشا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: [[في المطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه". ويتعلمون أي الناس الذين يتعلمون. . " وهو كلام غير مستقيم، كأنه تصرف من بعض النساخ.]] ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، الفريق الذين لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، فقال جل ثناؤه: لقد علم النابذون - من يهود بني إسرائيل - كتابي وراء ظهورهم تجاهلا منهم = التاركون العمل بما فيه من اتباعك يا محمد واتباع ما جئت به، بعد إنزالي إليك كتابي مصدقا لما معهم، وبعد إرسالك إليهم بالإقرار بما معهم وما في أيديهم، المؤثرون عليه اتباع السحر الذي تلته الشياطين على عهد سليمان، والذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت = لمن اشترى السحر بكتابي الذي أنزلته على رسولي فآثره عليه ما له في الآخرة من خلاق. كما:-
١٧٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، يقول: قد علم ذلك أهل الكتاب في عهد الله إليهم: أن الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة.
١٧٠٦ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، يعني اليهود. يقول: لقد علمت اليهود أن من تعلمه أو اختاره، ما له في الآخرة من خلاق.
١٧٠٧ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه.
١٧٠٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، قال: قد علمت يهود أن في كتاب الله في التوراة: أن من اشترى السحر وترك دين الله، ما له في الآخرة من خلاق. فالنار مثواه ومأواه.
* *
قال أبو جعفر: وأما قوله: ﴿لمن اشتراه﴾ ، فإن"من" في موضع رفع، وليس قوله: ﴿ولقد علموا﴾ بعامل فيها. لأن قوله: ﴿ولقد علموا﴾ ، [[في المطبوعة: "لأن قوله: علموا، بمعنى اليمين"، وآثرت إثبات"ولقد"، لأن الجملة كلها بمعنى اليمين.]] بمعنى اليمين، فلذلك كانت في موضع رفع. لأن الكلام بمعنى: والله لمن اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. ولكون قوله: ﴿قد علموا﴾ بمعنى اليمين، حققت بـ "لام اليمين"، فقيل: ﴿لمن اشتراه﴾ ، كما يقال:"أقسم لمن قام خير ممن قعد". وكما يقال:"قد علمت، لعمرو خير من أبيك".
وأما"من" فهو حرف جزاء. وإنما قيل"اشتراه" ولم يقل"يشتروه"، لدخول"لام القسم" على"من". ومن شأن العرب - إذا أحدثت على حرف الجزاء لام القسم - أن لا ينطقوا في الفعل معه إلا بـ "فعل" دون"يفعل"، إلا قليلا كراهية أن يحدثوا على الجزاء حادثا وهو مجزوم، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [سورة الحشر: ١٢] ، وقد يجوز إظهار فعله بعده على"يفعل" مجزوما، [[هذا كله في معاني الفراء ١: ٦٥ - ٦٩، مع تصرف في اللفظ.]]
كما قال الشاعر:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع [[رواه الفراء في معاني الفراء ١: ٦٦ غير منسوب، ولكن صاحب الخزانة ٤: ٢٢٠ نسبه لكميت بن معروف، ولكني لم أجده منسوبا إليه في كتاب آخر، وأخشى أن يكون صاحب الخزانة قدوهم. هذا، والبيت وما قبله جميعا في معاني الفراء ١: ٦٥ - ٦٦.]]
* *
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ . فقال بعضهم:"الخلاق" في هذا الموضع: النصيب.
ذكر من قال ذلك:
١٧٠٩ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، يقول: من نصيب.
١٧١٠ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، من نصيب.
١٧١١ - حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا وكيع، قال سفيان: سمعنا في: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ ، أنه ما له في الآخرة من نصيب.
* *
وقال بعضهم:"الخلاق" ههنا الحجة.
ذكر من قال ذلك:
١٧١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿وما له في الآخرة من خلاق﴾ ، قال: ليس له في الآخرة حجة.
وقال آخرون: الخلاق: الدين.
ذكر من قال ذلك:
١٧١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال الحسن: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، قال: ليس له دين.
* *
وقال آخرون:"الخلاق" ههنا القوام.
ذكر من قال ذلك:
١٧١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، قال: قوام.
* *
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى"الخلاق" في هذا الموضع: النصيب. وذلك أن ذلك معناه في كلام العرب.
ومنه قول النبي ﷺ:
١٧١٥ -"ليؤيدن الله هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم". [[الحديث: ١٧١٥ - هكذا علق الطبري هذا الحديث، بدون إسناد وقد رواه أحمد في المسند ٥: ٤٥ (حلبي) ، من حديث أبي بكرة، بلفظ: "إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥: ٣٠٢، ثم قال: "رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات". وذكره أيضًا بعده، من حديث أنس، وقال: "رواه البزار والطبراني في الأوسط، وأحد أسانيد البزار ثقات الرجال". (كذا بالأصل) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير: ١٨٣٨، ونسبه للنسائي وابن حبان من حديث أنس، ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة. ونقل شارحه المناوي أن الحافظ العراقي قال: "إسناده جيد". وحديث أنس رواه أيضًا أبو نعيم في الحلية ٦: ٢٦٢. ورواه قبل ذلك ٣: ١٣، من حديث الحسن مرسلا. ثم أشار إلى حديث أنس.]]
يعني لا نصيب لهم ولا حظ في الإسلام والدين. ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
يَدْعُون بالويل فيها لا خَلاق لهم ... إلا سرابيلُ من قِطْر وأغلال [[ديوانه: ٤٧ بيت مفرد:. وقوله"فيها"، أظنه يعني النار. والقطر: النحاس الذائب.]]
يعني بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ، إلا السرابيل والأغلال.
* *
فكذلك قوله: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ : ما له في الدار الآخرة حظ من الجنة، من أجل أنه لم يكن له إيمان ولا دين ولا عمل صالح يحازي به في الجنة ويثاب عليه، فيكون له حظ ونصيب من الجنة. وإنما قال جل ثناؤه: ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، فوصفه بأنه لا نصيب له في الآخرة، وهو يعني به: لا نصيب له من جزاء وثواب وجنة دون نصيبه من النار، إذْ كان قد دل ذمه جل ثناؤه أفعالهم - التي نفى من أجلها أن يكون لهم في الآخرة نصيب - على مراده من الخبر، وأنه إنما يعني بذلك أنه لا نصيب لهم فيها من الخيرات، وأما من الشرور فإن لهم فيها نصيبا.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) ﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى"شروا":"باعوا". [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٤٠ - ٣٤٢.]] فمعنى الكلام إذا: ولبئس ما باع به نفسه من تعلم السحر لو كان يعلم سوء عاقبته، كما:
١٧١٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾ ، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم.
* *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ ؟ وقد قال قبل: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، فكيف يكونون عالمين بأن من تعلم السحر فلا خلاق لهم، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم؟
قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي توهمته، من أنهم موصوفون بالجهل بما هم موصوفون بالعلم به. ولكن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وإنما معنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. فقوله: ﴿لبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ ، ذم من الله تعالى ذكره فعل المتعلمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه، وخبر منه جل ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم، برضاهم بالسحر عوضا عن دينهم الذي به نجاة أنفسهم من الهلكة، جهلا منهم بسوء عاقبة فعلهم، وخسارة صفقة بيعهم. إذ كان قد يتعلم ذلك منهما من لا يعرف الله، ولا يعرف حلاله وحرامه، وأمره ونهيه.
ثم عاد إلى الفريق - الذين أخبر الله عنهم أنهم نبذوا كتابه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين - فأخبر عنهم أنهم قد علموا أن من اشترى السحر، ما له في الآخرة من خلاق؛ ووصفهم بأنهم يركبون معاصي الله على علم منهم بها، ويكفرون بالله ورسله، ويؤثرون اتباع الشياطين والعمل بما أحدثته من السحر، على العمل بكتابه ووحيه وتنزيله، عنادا منهم، وبغيا على رسله، وتعديا منهم لحدوده، على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب. فذلك تأويل قوله.
* *
وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، يعني به الشياطين، وأن قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ ، يعني به الناس. وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف. وذلك أنهم مجمعون على أن قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ ، معني به اليهود دون الشياطين: ثم هو - مع ذلك - خلاف ما دل عليه التنزيل. لأن الآيات قبل قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ ، وبعد قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ ، جاءت من الله بذم اليهود وتوبيخهم على ضلالهم، وذما لهم على نبذهم وحي الله وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علمهم بخطأ فعلهم. فقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، أحد تلك الأخبار عنهم.
* *
وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ ، فنفى عنهم العلم، هم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ . وإنما نفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ - بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله: ﴿ولقد علموا﴾ - من أجل أنهم لم يعملوا بما علموا. وإنما العالم العامل بعلمه، وأما إذا خالف عمله علمه، فهو في معاني الجهال. قال: وقد يقال للفاعل الفعل بخلاف ما ينبغي أن يفعل، وإن كان بفعله عالما:"لو علمت لأقصرت" كما قال كعب بن زهير المزني، وهو يصف ذئبا وغرابا تبعاه لينالا من طعامه وزاده:
إذ إذا حضراني قلت: لو تعلمانه!! ... ألم تعلما أني من الزاد مرمل [[ديوانه: ٥١، وأمالي الشريف المرتضى ١: ٤٢٤، وكأنه كان ينقل كلام الطبري في تفسير هذه الآية، مع التصرف. والمرمل: الذي نفد زاده. أرمل الرجل فهو مرمل، كأنه لصق بالرمل لما أنفض.]]
فأخبر أنه قال لهما:"لو تعلمانه"، فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما فقال: ألم تعلما؟ قالوا: فكذلك قوله: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه﴾ و ﴿لو كانوا يعلمون﴾
* *
وهذا تأويل وإن كان له مخرج ووَجْه فإنه خلاف الظاهر المفهوم بنفس الخطاب، أعني بقوله: ﴿ولقد علموا﴾ وقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ ، وإنما هو استخراج. وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر الخطاب = دون الخفي الباطن منه، حتى تأتي دلالة - من الوجه الذي يجب التسليم له - بمعنىً خلافَ دليله الظاهر المتعارف في أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن = أولى. [[يقول: "وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر من الخطاب. . أولى" وفصل فأطال.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ ، لو أن الذين يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه،"آمنوا" فصدقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم، و"اتقوا" ربهم فخافوه فخافوا عقابه، فأطاعوه بأداء فرائضه وتجنبوا معاصيه - لكان جزاء الله إياهم، وثوابه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه، خيرا لهم من السحر وما اكتسبوا به،"لو كانوا يعلمون" أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوا به. وإنما نفى بقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ العلم عنهم: أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله، وقدر جزائه على طاعته.
* *
و"المثوبة" في كلام العرب، مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة". فأصل ذلك من:"ثاب إليك الشيء" بمعنى: رجع. ثم يقال:"أثبته إليك": أي، رجعته إليك ورددته. فكان معنى"إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها": إرجاعه إليه منها بدلا [[في المطبوعة: "إرجاعه إليها" سهو من ناسخ.]] ورده عليه منها عوضا. ثم جعل كل معوض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه: مثيبا له. ومنه"ثواب" الله عز وجل عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له.
* *
وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾ مما اكتفي - بدلالة الكلام على معناه - عن ذكر جوابه. وأن معناه: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكنه استغنى - بدلالة الخبر عن المثوبة - عن قوله: لأثيبوا.
* *
وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك، ويرى أن جواب قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ ، ﴿لمثوبه﴾ ، وأن"لو" إنما أجيبت"بالمثوبة"، وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى"لئن" في أنهما جزاءان، فإنهما جوابان للإيمان. فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها - فأجيبت"لو" بجواب "لئن"، و"لئن" بجواب "لو"، لذلك، وإن اختلفت أجوبتهما، فكانت"لو" من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل، وكانت"لئن" من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل - لما وصفنا من تقاربهما. فكان يتأول معنى قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا﴾ : ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.
* *
وبما قلنا في تأويل"المثوبة" قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لمثوبة من عند الله﴾ ، يقول: ثواب من عند الله.
١٧١٨ - حدثني يونس قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله﴾ ، أما"المثوبة"، فهو الثواب.
١٧١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير﴾ ، يقول: لثواب من عند الله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ . فقال بعضهم: تأويله: لا تقولوا خلافا.
ذكر من قال ذلك:
١٧٢٠ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: لا تقولوا خلافا.
١٧٢١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، لا تقولوا خلافا.
١٧٢٢ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
١٧٢٣ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن رجل عن مجاهد مثله.
١٧٢٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن مجاهد مثله.
* *
وقال آخرون: تأويله: أَرْعِنَا سمعك. أي: اسمع منا ونسمع منك.
ذكر من قال ذلك:
١٧٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿راعنا﴾ ، أي: أَرْعِنا سمعك.
١٧٢٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ ، لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
١٧٢٧ - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿راعنا﴾ ، قال: كان الرجل من المشركين يقول: أَرْعِني سمعك.
* *
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا"راعنا". فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة، فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
١٧٢٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ قول كانت تقوله اليهود استهزاء، فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.
١٧٢٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك! حتى قالها أناس من المسلمين: فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ ، كما قالت اليهود والنصارى.
١٧٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ ، قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك! فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ .
١٧٣١ - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: راعنا سمعك! وإنما"راعنا" كقولك، عاطنا.
١٧٣٢ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ قال:"راعنا" القول الذي قاله القوم، قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [سورة النساء: ٤٦] قال:"قال: هذا الراعن" - والراعن: الخطاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء، كما قال القوم، وقولوا: انظرنا واسمعوا. قال: كانوا ينظرون إلى النبي ﷺ ويكلمونه، ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم. [[قوله"الراعن: الخطاء" لم أجده في غيره بعد. والذي في كتب التفسير واللغة. وربما كانت"الخطأ". وقد قالوا: "راعنا: الهجر من القول". وقالوا اشتقوه من الرعونة: وهي الحمق والجهل والاسترخاء.]]
* *
وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
١٧٣٣ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية، فنزلت هذه الآية: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ولكن قولوا انظرنا) إلى آخر الآية.
١٧٣٤ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء قال: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: كانت لغة في الأنصار.
١٧٣٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء مثله.
١٧٣٦ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ ، قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أَرْعِني سمعك! فنهوا عن ذلك.
١٧٣٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"راعنا"، قول الساخر. فنهاهم أن يسخروا من قول محمد ﷺ.
* *
وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه، يقال له: رفاعة بن زيد. كان يكلم النبي ﷺ به على وجه السب له، وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
١٧٣٨ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا﴾ ، كان رجل من اليهود - من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع - كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب - قال أبو جعفر: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب - كان يأتي النبي ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: [[في المطبوعة: "فقال"، والفاء لا مكان لها.]] أَرْعِني سمعك، واسمع غير مسمع = فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون:"اسمع غير مسمع"، كقولك اسمع غير صاغر = وهي التي في النساء ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [سورة النساء: ٤٦] ، يقول: إنما يريد بقوله طعنا في الدين. ثم تقدم إلى المؤمنين فقال:"لا تقولوا راعنا". [[تقدم إليه: أمره.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه:"راعنا" أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه ﷺ، نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال:
١٧٣٩ -"لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبَلة". [[الحديث: ١٧٣٩ - ذكره الطبري معلقا دون إسناد. وقد رواه أحمد في المسند: ٧٥٠٩، من حديث أبي هريرة، مرفوعا: "ولا تسموا العنب الكرم". ورواه الشيخان وغيرهما، كما بينا هناك. ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا: ٧٢٥٦.
وروى مسلم ٢: ١٩٧، من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، مرفوعا: "لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، يعني العنب".]]
١٧٤٠ - و"لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي". [[الحديث: ١٧٤٠ - وهذا معلق أيضًا. وهو جزء من حديث طويل. رواه البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة، مرفوعا: ". . ولا يقل أحدكم عبدي، أمتي، وليقل: فتاى، فتاتي، غلامي". انظر البخاري ٥: ١٢٨ - ١٣١ (فتح) ، ومسلم ٢: ١٩٧.]]
وما أشبه ذلك، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب، فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.
* *
فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي ﷺ في "العنب" أن يقال له"كرم"، وفي"العبد" أن يقال له"عبد"، فما المعنى الذي في قوله: ﴿راعنا﴾ حينئذ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: ﴿انظرنا﴾ ؟
قيل: الذي فيه من ذلك، نظير الذي في قول القائل:"الكرم" للعنب، و"العبد" للمملوك. وذلك أن قول القائل:"عبدي" لجميع عباد الله، فكره للنبي ﷺ أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله، وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل، فيقال:"فتاي". وكذلك وجه نهيه في"العنب" أن يقال:"كرم" خوفا من توهم وصفه بالكرَم، وإن كانت مُسَكَّنَة، فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد. فكره أن يتصف بذلك العنب. فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا:"راعنا"، لما كان قول القائل:"راعنا" محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك. من قول العرب بعضهم لبعض:"رعاك الله": بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك، من قولهم:"أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة"، بمعنى: فرغته لسماع كلامه. كما قال الأعشى ميمون بن قيس:
يُرْعِي إلى قول سادات الرجال إذا ... أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا [[ديوانه: ٨٦، وسيأتي في هذا الجزء ٢: ٥٤٠ وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في ١: ١٠٦، ٢: ٩٤، وهي في هوذة بن علي كما سلف. يقول قبله: يا هوذ، يا خير من يمشي على قدم ... بحر المواهب للوراد والشرعا
وابتدع: أحدث ما شاء.]]
يعني بقوله"يرعى"، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.
وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه ﷺ وتعظيمه، حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم. [[اقرأ قول الله تعالى في صدر"سورة الحجرات".]]
فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء، وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها. فكان من ذلك قولهم: ﴿راعنا﴾ لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، كما يقول القائل:"عاطنا، وحادثنا، وجالسنا"، بمعنى: افعل بنا ونفعل بك - [[قوله: "ومعنى" معطوف على قوله آنفًا: "لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك. . ".]] ومعنى: أرعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا. فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله ﷺ، بقولهم له: ﴿اسمع غير مسمع وراعنا﴾ .
يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ ، [[وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها.]] فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه، مما يسر اليهود والمشركين.
* *
فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: ﴿راعنا﴾ أنه بمعنى: خلافا، فمما لا يعقل في كلام العرب. لأن"راعيت" في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى"فاعلت" من "الرِّعْية" وهي الرِّقبة والكَلاءة. والآخر بمعنى إفراغ السمع، بمعنى"أرعيته سمعي". وأما"راعيت" بمعنى"خالفت"، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب. إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد، فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ.
* *
وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه: أن قوله: ﴿راعنا﴾ كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين: أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم ﷺ. ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب، وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني. فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي ﷺ، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي ﷺ، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه، أن يخاطب رسول الله ﷺ به. وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك، من الوجه الذي تقوم به الحجة. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.
* *
وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: ﴿لا تقولوا راعنا﴾ بالتنوين، بمعنى: لا تقولوا قولا"راعنا"، من"الرعونة" وهي الحمق والجهل. وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة، فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين.
ومن نون"راعنا" نونه بقوله: ﴿لا تقولوا﴾ ، لأنه حينئذ عامل فيه. ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي. لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ: ﴿راعنا﴾ ، بمعنى مسألته: إما أن يرعيهم سمعه، وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه"راعنا". فتكون الدلالة على معنى الأمر في"راعنا" حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في"يراعيه" ويدل عليها - أعني على"الياء" الساقطة - كسرة"العين" من"راعنا".
* *
وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: ﴿لا تقولوا راعونا﴾ ، بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم. فإن كان ذلك من قراءته صحيحا، وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا، كان خطابهم للنبي ﷺ أو لغيره. ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وقولوا انظرنا﴾ ، وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم ﷺ: انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتعلمنا، كما:
١٧٤١ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقولوا انظرنا﴾ فهمنا، بين لنا يا محمد.
١٧٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وقولوا انظرنا﴾ فهمنا، بين لنا يا محمد.
١٧٤٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.
* *
يقال منه:"نظرت الرجل أنظره نظرة" بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة:
وقد نَظَرتكمُ أَعْشاء صادرةٍ ... للخِمس، طال بها حَوْزي وتَنْساسي [[ديوانه: ٥٣، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا) . من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر، ويمدح بغيض بن عامر من شماس. والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون) : وهو ما تتعشاه الإبل. والصادرة: الإبل التي تصدر عن الماء. والخمس: من أظماء الإبل، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام، ثم ترد في الرابع. والحوز: السوق اللين، حاز الإبل: ساقها سوقا رويدا. والتنساس والنس، مصدر قولك: نس الإبل بينها: ساقها سوقا شديدا لورود الماء. ويروى"إيتاء صادرة". والإيتاء مصدر آنيت الشيء: إذ أخرته. يقول للزبرقان، حين نزل بداره، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء: ٩٦ - ٩٨) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها. وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا، وفي بطونها ماء كثير، فهي تحتاج إلى بقل كثير. يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار. وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة، ولقوله فيها: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد، فإنك أنت الطاعم الكاسي]]
ومنه قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [سورة الحديد: ١٣] ، يعني به: انتظرونا.
* *
وقد قرئ"أنظرنا" و"أنظرونا" بقطع"الألف" في الموضعين جميعا [[زدت قول الله تعالى: "أنظرونا"، من أجل اختلاف" الحرفين.]] فمن قرأ ذلك كذلك أراد: أخرنا، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة ص: ٧٩] ، أي أخرني. ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع. لأن أصحاب رسول الله ﷺ إنما أمروا بالدنو من رسول الله ﷺ، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه. فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - [[في المطبوعة: "إن كان ذلك. . "، ليست بشيء.]] من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: ﴿انظرنا﴾ ، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا.
* *
وقد قيل: إن معنى ﴿أنظرنا﴾ بقطع الألف بمعنى: أمهلنا. حكي عن بعض العرب سماعا:"أنظرني أكلمك"، وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه، فأخبره أنه أراد أمهلني. فإن يكن ذلك صحيحا عنهم"فانظرنا" و"أنظرنا" - بقطع"الألف" ووصلها - متقاربا المعني. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها، قراءة من قرأ: ﴿وقولوا انظرنا﴾ ، بوصل"الألف" بمعنى: انتظرنا، لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت.
* *
القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿واسمعوا﴾ ، واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وعُوه وافهموه، كما:-
١٧٤٤ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واسمعوا﴾ ، اسمعوا ما يقال لكم.
* *
فمعنى الآية إذًا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم: راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول. ولكن قولوا: انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا. واسمعوا منه ما يقول لكم، فعوه واحفظوه وافهموه. ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته، وخالف أمره ونهيه، وكذب رسوله، العذاب الموجع في الآخرة، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم. يعني بقوله:"الأليم"، الموجع. وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل، وما فيه من الآثار. [[انظر ما سلف ١: ٢٨٣، ثم هذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٧٧.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿ما يود﴾ ، ما يحب، أي: ليس يحب كثير من أهل الكتاب. يقال منه:"ود فلان كذا يوده ودا وودا ومودة".
* *
وأما"المشركين" [[في المطبوعة: "وأما المشركون"، والصواب ما أثبت.]] فإنهم في موضع خفض بالعطف على"أهل الكتاب". ومعنى الكلام: ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم.
* *
وأما ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أن ينزل﴾ فنصب بقوله: ﴿يود﴾ . وقد دللنا على وجه دخول"من" في قوله: ﴿من خير﴾ وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد، فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٢٦، ١٢٧، وكان ينبغي أن يذكره في تفسير الآية: ١٠٢ أو يحيل كما أحال هنا.]]
* *
فتأويل الكلام: ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأوثان، أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزله عليكم. [[كان في المطبوعة: "الذي كان عند الله ينزله عليهم"، ولا يستقيم الكلام إلا كما أثبتنا.]] فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد ﷺ من حكمه وآياته، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك، حسدا وبغيا منهم على المؤمنين.
وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، بإطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿والله يختص برحمته من يشاء﴾ : والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه له. و"اختصاصه" إياهم بها، إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته وفوزه بها بالجنة، واستحقاقه بها ثناءه. وكل ذلك رحمة من الله له.
* *
وأما قوله: ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ . فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم، من غير استحقاق منهم ذلك عليه.
* *
وفي قوله: ﴿والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ ، تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب: أن الذي آتى نبيه محمدا ﷺ والمؤمنين به من الهداية، تفضل منه، [[في المطبوعة: "تفضلا منه"، وهو خطأ، بل هذا خبر"أن".]] وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ : ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. [[كان في المطبوعة: "ما نسخ من آية إلى غيره فنبد له"، والزيادة من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣.]] وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
* *
وأصل"النسخ" من"نسخ الكتاب"، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها. فكذلك معنى"نسخ" الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها. [[في المطبوعة: "عنه إلى غيره"، وفي تفسير ابن كثير: "ونقل عبارة إلى غيرها". والصواب ما أثبت.]] فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية، فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أَأُقر خطها فترك، أو محي أثرها، فعفِّي ونسي، [[في المطبوعة: "أوفر حظها فترك، أو محي أثرها فعفي أو نسي"، وهي جملة حشيت تصحيفا وخلطا. ومراد الطبري أن النسخ، وهو تغير الحكم، قد يكون مع إقرار الخط كما هو، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى - أو رفع الخط، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل. وقوله"عفي"، من قولهم: عفا الأثر يعفو: درس وذهب. وعفاه يعفيه (بالتشديد) : طمسه وأذهبه.
هذا والجملة التالية: "إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة"، وحديث الحسن الآتي، يدل على صواب ما أثبته في قراءة نص الطبري.]] إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة، والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول، والمنقول إليه فرض العباد، هو الناسخ. يقال منه:"نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، و "النُّسخة" الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول:
١٧٤٥ - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ ، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه فلم يكن شيئا، [[في المطبوعة: "قال أقرئ قرآنا"، سقط منه ما أثبته، وسيأتي على الصواب في الأثر برقم: ١٧٥٤، ومنه زدت هذه الزيادة.]] ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
* *
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ما ننسخ﴾ فقال بعضهم بما:-
١٧٤٦ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، أما نسخها، فقبضها.
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٤٧ - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، يقول: ما نبدل من آية.
* *
وقال آخرون بما:
١٧٤٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، نثبت خطها، [ونبدل حكمها] .
١٧٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
١٧٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود: ﴿ما ننسخ من آية﴾ نثبت خطها، [ونبدل حكمها] . [[الأثر: ١٧٥٠ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣ ثم ٢٧٤.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قوله ذلك. فقرأها أهل المدينة والكوفة: ﴿أو ننسها﴾ . ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل.
أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: ﴿ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها﴾ ، فذلك تأويل:"النسيان". وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك، ثم تنسى وترفع.
١٧٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ، قال: كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه ﷺ ما شاء، وينسخ ما شاء.
١٧٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: ﴿ننسها﴾ ، نرفعها من عندكم.
١٧٥٤ - حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿أو ننسها﴾ ، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه. [[الأثر: ١٧٥٤ - انظر الأثر السالف: ١٧٤٥ والتعليق عليه.]]
* *
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية، إلا أنه كان يقرؤها: ﴿أو تَنسها﴾ بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد * ذكر الأخبار بذلك:
١٧٥٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم [بن ربيعة] قال، سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ﴿ما ننسخ من آية أو تنسها﴾ ، قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرؤها: ﴿أو تُنْسها﴾ ، [[في المطبوعة: "أو ننسها". والصواب ما أثبت، وفي ابن كثير ١: ٢٧٥"أو ننساها، ولكن أبا حيان نص في البحر المحيط ١: ٣٣٤ على أن قراءة سعيد"أو تنساها" بغير همزة بضم التاء، وأما ابن خالوية فقد نص في شواذ القراآت: ٩ قال: "أو تنسها" كذلك، إلا أنه لم يسم فاعله. سعيد بن المسيب". فأثبت هذا، لأنها هي رسم ما في نص الطبري. وانظر الآثار الآتية: ١٧٥٦، ١٧٥٧، والمستدرك للحاكم ٢: ٢٤٢.]] قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب! قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [[الأثر: ١٧٥٥ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٥. والقاسم بن ربيعة، هو القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي، وربما نسب إلى جده. وهو ابن ابن أخي ليلى بنت قانف الصحابية. روى عن سعد بن أبي وقاص في قوله: "ما ننسخ من آية"، وعنه يعلى بن عطاء العامري. ذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي: ما حدث عنه سوى يعلى (تهذيب التهذيب ٨: ٣٢٠) . وانظر رقم: ١٧٥٦، ١٧٥٧.]] [سورة الكهف: ٢٤] .
١٧٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشيم قال، حدثنا يعلى بن عطاء قال، حدثنا القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي قال، سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٥٦ - في المطبوعة: "بن قانف" وهو"قانف" بقاف ثم نون ثم فاء. هكذا نص عليه في الإصابة في ترجمة: "ليلى بنت قانف".]]
١٧٥٧ - حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال، سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول: قلت لسعد بن أبي وقاص: إني سمعت ابن المسيب يقرأ: ﴿ما ننسخ من آية أو تُنسها﴾ فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه! إنما هي: ﴿ما ننسخ من آية أو تنسها﴾ يا محمد. ثم قرأ: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ و ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ . [[الأثر ١٧٥٧ - انظر الأثرين السالفين. وقال الحاكم في المستدرك ٢: ٢٤٢: "هذا حديث صحيح عى شرط الشيخين، ولم يخرجاه".]]
١٧٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو نُنسها﴾ ، يقول:"ننسها": نرفعها. وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
* *
والوجه الآخر منهما، أن يكون بمعنى"الترك"، من قول الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، يعني به: تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها، نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أو نَنسها﴾ ، يقول: أو نتركها لا نبدلها. [[الأثر: ١٧٥٩ - في تفسير ابن كثير: "أو ننساها". والصواب ما في الطبري، بفتح النون.]]
١٧٦٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿أو ننسها﴾ ، نتركها لا ننسخها.
١٧٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ، قال: الناسخ والمنسوخ.
* *
قال أبو جعفر: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما:-
١٧٦٢ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿نُنسها﴾ ، نمحها.
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿أو ننسأها﴾ بفتح النون وهمزة بعد السين، بمعنى نؤخرها، من قولك:"نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء"، إذا أخرته، وهو من قولهم:"بعته بنساء، يعني بتأخير، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:
لعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتى ... لكالطِّوَل المُرْخى وثِنْياه باليد [[ديوانه: ٣١٨ (من أشعار الستة الجاهليين) من معلقته المشهورة. وروايتهم: "ما أخطأ الفتى". والطول: حبل يطول للدابة لترعى وهي مشدودة فيه. وثنياه" طرفاء. أي إنه لا يفلت من حبال المنية، وإن أخر في أجله. وما أصدق ما قال! ولكننا ننسى!]]
يعني بقوله"أنسأ"، أخر.
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٣ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو نَنْسأها﴾ ، قال: نؤخرها.
١٧٦٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله: ﴿أو ننسأها﴾ ، قال: نُرْجئها.
١٧٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو ننسأها﴾ ، نرجئها ونؤخرها.
١٧٦٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا فضيل، عن عطية: ﴿أو ننسأها﴾ ، قال: نؤخرها فلا ننسخها.
١٧٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير ﴿أو ننسأها﴾ ، إرجاؤها وتأخيرها.
هكذا حدثنا القاسم، عن عبد الله بن كثير،"عن عبيد الأزدي"، وإنما هو عن"علي الأزدي".
١٧٦٨ - حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير أنه قرأها: ﴿ننسأها﴾ . [[الخبران: ١٧٦٧، ١٧٦٨ - أبان الطبري في الإسناد الأول أن شيخه القاسم قال في الإسناد:"عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي"، وبين أن صوابه"عن علي الأزدي". ثم ساق الإسناد الثاني على الصواب. وهو كما قال عبد الله بن كثير الداري المكي: هو القارئ، أحد القراء السبعة. وهو ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢ /١٤٤.
علي الأزدي: هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١/١٩٣.عبيد بن عمير - بالتصغير فيهما -: هو الليثي الجندعي المكي، ثقة من كبار التابعين، بل ذكره بعضهم في الصحابة، وأثنى عليه الناس خيرا في مجلس ابن عمر، في المسند: ٥٣٥٩. مترجم في التهذيب، والإصابة ٥: ٧٩، وابن سعد ٥: ٣٤١ - ٣٤٢،وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٩.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها.
* *
وقد قرأ بعضهم ذلك: ﴿ما ننسخ من آية أو تُنسها﴾ . وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: ﴿أو نُنسها﴾ ، إلا أن معنى ﴿أو تُنسها﴾ ، أنت يا محمد.
* *
وقد قرأ بعضهم: ﴿ما نُنسخ من آية﴾ ، بضم النون وكسر السين، بمعنى: ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من"أنسختك فأنا أنسخك". وذلك خطأ من القراءة عندنا، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ ﴿تُنسها﴾ أو ﴿تَنسها﴾ لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة.
وأولى القراءات في قوله: ﴿أو ننسها﴾ بالصواب، من قرأ: ﴿أو نُنْسها﴾ بمعنى: نتركها. لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ . قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى"الإنساء" الذي هو بمعنى الترك، [[قد رد أهل اللغة أن يكون الإنساء بمعنى الترك، وقالوا: إنما يقال نسيت: إذا تركت، لا يقال: أنسيت، تركت. وانظر ما جاء في ذلك في اللسان (نسي) ، وسائر كتب التفسير.]] ومعنى "النَّساء" الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك.
* *
وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: ﴿أو نَنْسها﴾ ، إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئا، ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه، بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ، ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
* *
قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بطوله وفساده، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه بنحو الذي قلنا.
١٧٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة، قرأنا بهم وفيهم كتابا:"بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا". ثم إن ذلك رفع. [[الحديث: ١٧٦٩ - يزيد بن زريع - بضم الزاي - العيشي: ثقة حافظ حجة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الكبار. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٣٥، وابن سعد ٧ / ٢ / ٤٤ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٦٣ - ٢٦٥. وسعيد: هو ابن أبي عروبة.
وهذا الحديث مختصر من حديث لأنس، في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة. ورواه الأئمة عن أنس، من أوجه مختلفة.
فمن ذلك: أنه رواه البخاري ٧: ٢٩٧ (فتح الباري) ، عن عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، بهذا الإسناد. وفي آخره: "قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا".
وروى مسلم ١: ١٨٧ - ١٨٨، من رواية مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. وانظر تفصيل ذلك في تاريخ ابن كثير٤: ٧١ - ٧٤.]]
١٧٧٠ - والذي ذكرنا عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون:"لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب". ثم رفع. [[الحديث: ١٧٧٠ - ذكره الطبري تعليقا. وهو جزء من حديث طويل، رواه مسلم ١: ٢٨٦، من حديث أبي موسى الأشعري. وذكره السيوطي في الدر المنثور١: ١٠٥، ونسبه أيضًا لابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل.
وقد أفاض السيوطي في الإتقان ٢: ٢٩ - ٣٢ (طبعة المطبعة الموسوية بمصر سنة ١٢٨٧) - في هذا البحث، ونقل روايات كثيرة فيه.]]
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها الكتاب.
وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز.
وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ ، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧] ، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله.
فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله. [[في المطبوعة: "قد كان آتى نبيه بعض ما ننسخ"، والصواب ما أثبت.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ . فقال بعضهم بما:-
١٧٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
* *
وقال آخرون بما:
١٧٧٢ - حدثني به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، [[في تفسير ابن كثير: ١: ٢٧٥"فيها رخصة" مكان: "فيها رحمة".]] فيها أمر، فيها نهي.
* *
وقال آخرون: نأت بخير من التي نسخناها، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿نأت بخير منها﴾ ، يقول: نأت بخير من التي نسخناها، أو مثلها، أو مثل التي تركناها.
* *
"فالهاء والألف" اللتان في قوله: ﴿منها﴾ - عائدتان على هذه المقالة - على الآية في قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ . و"الهاء والألف" اللتان في قوله: ﴿أو مثلها﴾ ، عائدتان على"الهاء والألف" اللتين في قوله: ﴿أو ننسها﴾ .
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٧٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: ﴿ننسها﴾ : نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها. [[الأثر: ١٧٧٤ - مضى شطره برقم: ١٧٥٣.]]
١٧٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿أو نُنسها﴾ ، نرفعها، نأت بخير منها أو بمثلها. [[الأثر: ١٧٧٥ - مضى شطره برقم: ١٧٥٨.]]
١٧٧٦ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود مثله.
* *
والصواب من القول في معنى ذلك عندنا: ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير منها لكم - من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها - إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم، فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم = وإما في الآجل لعظم ثوابه، من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. فذلك معنى قوله: ﴿نأت بخير منها﴾ . لأنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره.
أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس، إلى فرضها شطر المسجد الحرام.
فالتوجه شطر بيت المقدس، وإن خالف التوجه شطر المسجد، فكلفة التوجه - شطر أيهما توجه شطره - واحدة. لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤؤنة توجهه شطره، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة، سواء. فذلك هو معنى"المثل" الذي قال جل ثناؤه: ﴿أو مثلها﴾ .
* *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ : ما ننسخ من حكم آية أو ننسه. غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها، اكتفي بدلالة ذكر"الآية" من ذكر"حكمها". وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] ، بمعنى حب العجل، ونحو ذلك. [[انظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠.]]
* *
فتأويل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم -أيها المؤمنون- حكما منها، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب.
* *
فإن قال قائل: فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجلَ﴾ ، أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فما الذي يدل على أن قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ - لذلك نظير؟
قيل: الذي دل على أن ذلك كذلك قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال: بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض. [[من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضي الله عنه يبصر معنى كل حرف، متحريا للحق والصواب حريصا على دلالة كل كلمة، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ ، ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم = عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة = وشبيهه في الخفة عليك وعليهم؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير.
* *
ومعنى قوله: ﴿قدير﴾ في هذا الموضع: قوي. يقال منه:"قد قدرت على كذا وكذا"، إذا قويت عليه"أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقِدرانا ومقدرة"، وبنو مرة من غطفان تقول:"قدِرت عليه" بكسر الدال. [[انظر ما سلف ١: ٣٦١.]]
فأما من"التقدير" من قول القائل:"قدرت الشيء"، فإنه يقال منه"قدرته أقدِره قدْرا وقدَرا".
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟ قيل: بلى! فقد كان بعضهم يقول: إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك، ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير، كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا، فيقول أحدهما لصاحبه:"ألم أكرمك؟ ألم أتفضل عليك؟ " بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه، يريد: أليس قد أكرمتك؟ أليس قد تفضلت عليك؟ بمعنى قد علمت ذلك.
* *
قال أبو جعفر: وهذا لا وجه له عندنا. وذلك أن قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تعلم﴾ ، إنما معناه: أما علمت. وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات، وإما بمعنى النفي، فأما بمعنى الإثبات، فذلك غير معروف في كلام العرب، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد. ولكن ذلك عندي، وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي ﷺ، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ . والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ ، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي ﷺ بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ . لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه. وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح: أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعةً غيره، أو جماعة والمخاطب به أحدهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة، والمقصود به أحدهم. من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١-٢] ، فرجع إلى خطاب الجماعة، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي ﷺ. ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ:
إلى السراج المنير أحمد، لا ... يَعْدِلني رغبة ولا رهب [[الهاشميات: ٣٤، والحيوان للجاحظ ٥: ١٧٠ - ١٧١.]] عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إليّ العيونُ وارتقبوا [["عنه إلى غيره" متعلق بقوله: لا يعدلني. . "، في البيت قبله.]] وقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو ... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا [[أفرطت: أي جاوزت الحد. و"قصدت" من القصد: وهو العدل بين الإفراط والتقصير. والثلب: العيب والذم.]] لج بتفضيلك اللسان، ولو ... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب [[قوله"فيك" أي بسببك ومن أجلك. والضجاج مصدر: ضاجه يضاجه (بتشديد الجيم) مضاجة وضجاجا: وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج. واللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها طلبا للغلبة.]] أنت المصفي المحض المهذب في الن ... سبة، إن نص قومَك النسب [[هذب الشيء: نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه. وقوله"المهذب في النسبة"، أي المهذب النسبة، وأدخل"في" للتوكيد، بمعنى الزيادة. ونص الشيء: رفعه وأظهره وأبانه. يعني أبان فضلهم على غيرهم.]]
فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ، وهو قاصد بذلك أهل بيته، فكنى عن وصفهم ومدحهم، بذكر النبي ﷺ، وعن بني أمية، بالقائلين المعنفين. لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي ﷺ وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله. [[من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتيه، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه حيث يقول في كتابه الحيوان ٥: ١٦٩ - ١٧١.
ومن المديح الخطأ، الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد، وهو يمدح النبي ﷺ: فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم، لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب، لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف، فأما مديح النبي ﷺ. فمن هذا الذي يسوؤه ذلك؟ " ثم أنشد الأبيات السالفة، وقال:"ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله: وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا برا وحزما ونائلا ... عشية واراك الصفيح المنصب
فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب، لما كان بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟ ".
والجاحظ تأخذ قلمه أحيانا مثل الحكة، لا تهدأ من ثوراتها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول، وببعض الاستطالة، وبفرط العقل! ومع ذلك، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله، فربما هجروا من القول ما هو أولى، فتنة بما يقول.]] وكما قال جميل بن معمر:
ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح [[لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل، ولا فيما جمعته منه. والمنادح: البلاد الواسعة البعيدة. كأنهما جمع مندوحة، حذفت ياؤه. وقال تميم بن أبي بن مقبل. وإني إذا ملت ركابي مناخها ... ركبت، ولم تعجز على المنادح
وربما حسن أن يقال: إنه جمع لا واحد له من لفظه، كمحاسن مشابه، والواحد من ذلك ندح وجمعه أنداح: وهو ما اتسع من الأرض.]]
فقال:"ألا إن جيراني العشية" فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال:"رائح"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى:
خليلي فيما عشتما، هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي [[الأمالي ٢: ٧٤، والأغاني ١: ١١٧، ٧: ١٤٠، وهي قصيدة من جيد شعر جميل.]]
وهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها. فكذلك قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ ، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي ﷺ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة قوله: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك. [[انظر ما سيأتي بعد قليل: ٤٩٩ - ٥٠٠.]]
* *
أما قوله: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ولم يقل: ملك السموات، فإنه عنى بذلك "ملك" السلطان والمملكة دون "المِلك". والعرب إذا أرادت الخبر عن "المملكة" التي هي مملكة سلطان، قالت: "ملك الله الخلق مُلكا". وإذا أرادت الخبر عن "المِلك" قالت: "ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه مِلكا ومَلَكة ومَلْكا.
* *
فتأويل الآية إذًا: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر منها ما أشاء؟
* *
وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدا ﷺ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرَهم بما شاء ونهيَهم عما شاء، ونسخ ما شاء، وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ، من أحكامي وحدودي وفرائضي، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي، فإنه لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم، والدفاع عنكم، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم، ونصب حرب العداوة بينه وبينكم، حتى أعلي حجتكم، وأجعلها عليهم لكم.
* *
و"الولي" معناه"فعيل" من قول القائل:"وَلِيت أمر فلان"، إذا صرت قيِّما به،"فأنا أليه، فهو وليه" وقَيِّمُه. ومن ذلك قيل:"فلان ولي عهد المسلمين"، يُعْنَى به: القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين.
* *
وأما"النصير" فإنه"فعيل" من قولك:"نصرتك أنصرك، فأنا ناصرك ونصيرك"، وهو المؤيد والمقوي.
* *
وأما معنى قوله: ﴿من دون الله﴾ ، فإنه سوى الله، وبعد الله، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
يا نفس مالك دون الله من واقي ... وما على حدثان الدهر من باقي [[ديوانه: ٤٣. ومثله قول ابن أحمر: إن نحن إلا أناس أهل سائمة ... وما لهم دونها حرث ولا غُرر
يريد: ليس لنا مال سوى السائمة، فليس لنا زرع ولا خيل.]]
يريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره.
* *
فمعنى الكلام إذا: وليس لكم، أيها المؤمنون، بعد الله من قيم بأمركم، ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم، فيعينكم على أعدائكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ : ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره. [[كان في المطبوعة: "ما نسخ من آية إلى غيره فنبد له"، والزيادة من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣.]] وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا والمباح محظورا، والمحظور مباحا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
* *
وأصل"النسخ" من"نسخ الكتاب"، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها. فكذلك معنى"نسخ" الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها. [[في المطبوعة: "عنه إلى غيره"، وفي تفسير ابن كثير: "ونقل عبارة إلى غيرها". والصواب ما أثبت.]] فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية، فسواء - إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها - أَأُقر خطها فترك، أو محي أثرها، فعفِّي ونسي، [[في المطبوعة: "أوفر حظها فترك، أو محي أثرها فعفي أو نسي"، وهي جملة حشيت تصحيفا وخلطا. ومراد الطبري أن النسخ، وهو تغير الحكم، قد يكون مع إقرار الخط كما هو، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى - أو رفع الخط، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل. وقوله"عفي"، من قولهم: عفا الأثر يعفو: درس وذهب. وعفاه يعفيه (بالتشديد) : طمسه وأذهبه.
هذا والجملة التالية: "إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة"، وحديث الحسن الآتي، يدل على صواب ما أثبته في قراءة نص الطبري.]] إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة، والحكم الحادث المبدل به الحكم الأول، والمنقول إليه فرض العباد، هو الناسخ. يقال منه:"نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا، و "النُّسخة" الاسم. وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول:
١٧٤٥ - حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ ، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه فلم يكن شيئا، [[في المطبوعة: "قال أقرئ قرآنا"، سقط منه ما أثبته، وسيأتي على الصواب في الأثر برقم: ١٧٥٤، ومنه زدت هذه الزيادة.]] ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه.
* *
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ما ننسخ﴾ فقال بعضهم بما:-
١٧٤٦ - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، أما نسخها، فقبضها.
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٤٧ - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، يقول: ما نبدل من آية.
* *
وقال آخرون بما:
١٧٤٨ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أصحاب عبد الله بن مسعود أنهم قالوا: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، نثبت خطها، [ونبدل حكمها] .
١٧٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ما ننسخ من آية﴾ ، نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدثت به عن أصحاب ابن مسعود.
١٧٥٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود: ﴿ما ننسخ من آية﴾ نثبت خطها، [ونبدل حكمها] . [[الأثر: ١٧٥٠ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٣ ثم ٢٧٤.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قوله ذلك. فقرأها أهل المدينة والكوفة: ﴿أو ننسها﴾ . ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل.
أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: ﴿ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها﴾ ، فذلك تأويل:"النسيان". وبهذا التأويل قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، كان ينسخ الآية بالآية بعدها، ويقرأ نبي الله ﷺ الآية أو أكثر من ذلك، ثم تنسى وترفع.
١٧٥٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ، قال: كان الله تعالى ذكره ينسي نبيه ﷺ ما شاء، وينسخ ما شاء.
١٧٥٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: ﴿ننسها﴾ ، نرفعها من عندكم.
١٧٥٤ - حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿أو ننسها﴾ ، قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا، ثم نسيه. [[الأثر: ١٧٥٤ - انظر الأثر السالف: ١٧٤٥ والتعليق عليه.]]
* *
وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية، إلا أنه كان يقرؤها: ﴿أو تَنسها﴾ بمعنى الخطاب لرسول الله ﷺ، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد * ذكر الأخبار بذلك:
١٧٥٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم [بن ربيعة] قال، سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ﴿ما ننسخ من آية أو تنسها﴾ ، قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرؤها: ﴿أو تُنْسها﴾ ، [[في المطبوعة: "أو ننسها". والصواب ما أثبت، وفي ابن كثير ١: ٢٧٥"أو ننساها، ولكن أبا حيان نص في البحر المحيط ١: ٣٣٤ على أن قراءة سعيد"أو تنساها" بغير همزة بضم التاء، وأما ابن خالوية فقد نص في شواذ القراآت: ٩ قال: "أو تنسها" كذلك، إلا أنه لم يسم فاعله. سعيد بن المسيب". فأثبت هذا، لأنها هي رسم ما في نص الطبري. وانظر الآثار الآتية: ١٧٥٦، ١٧٥٧، والمستدرك للحاكم ٢: ٢٤٢.]] قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب! قال الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [[الأثر: ١٧٥٥ - الزيادة بين القوسين من تفسير ابن كثير ١: ٢٧٥. والقاسم بن ربيعة، هو القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي، وربما نسب إلى جده. وهو ابن ابن أخي ليلى بنت قانف الصحابية. روى عن سعد بن أبي وقاص في قوله: "ما ننسخ من آية"، وعنه يعلى بن عطاء العامري. ذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي: ما حدث عنه سوى يعلى (تهذيب التهذيب ٨: ٣٢٠) . وانظر رقم: ١٧٥٦، ١٧٥٧.]] [سورة الكهف: ٢٤] .
١٧٥٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا هشيم قال، حدثنا يعلى بن عطاء قال، حدثنا القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي قال، سمعت ابن أبي وقاص يذكر نحوه. [[الأثر: ١٧٥٦ - في المطبوعة: "بن قانف" وهو"قانف" بقاف ثم نون ثم فاء. هكذا نص عليه في الإصابة في ترجمة: "ليلى بنت قانف".]]
١٧٥٧ - حدثنا محمد بن المثنى وآدم العسقلاني قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء قال، سمعت القاسم بن ربيعة الثقفي يقول: قلت لسعد بن أبي وقاص: إني سمعت ابن المسيب يقرأ: ﴿ما ننسخ من آية أو تُنسها﴾ فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه! إنما هي: ﴿ما ننسخ من آية أو تنسها﴾ يا محمد. ثم قرأ: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ و ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ . [[الأثر ١٧٥٧ - انظر الأثرين السالفين. وقال الحاكم في المستدرك ٢: ٢٤٢: "هذا حديث صحيح عى شرط الشيخين، ولم يخرجاه".]]
١٧٥٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو نُنسها﴾ ، يقول:"ننسها": نرفعها. وكان الله تبارك وتعالى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.
* *
والوجه الآخر منهما، أن يكون بمعنى"الترك"، من قول الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ، يعني به: تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها، نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٥٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أو نَنسها﴾ ، يقول: أو نتركها لا نبدلها. [[الأثر: ١٧٥٩ - في تفسير ابن كثير: "أو ننساها". والصواب ما في الطبري، بفتح النون.]]
١٧٦٠ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿أو ننسها﴾ ، نتركها لا ننسخها.
١٧٦١ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ ، قال: الناسخ والمنسوخ.
* *
قال أبو جعفر: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما:-
١٧٦٢ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿نُنسها﴾ ، نمحها.
* *
وقرأ ذلك آخرون: ﴿أو ننسأها﴾ بفتح النون وهمزة بعد السين، بمعنى نؤخرها، من قولك:"نسأت هذا الأمر أنسؤه نَسْأ ونَسَاء"، إذا أخرته، وهو من قولهم:"بعته بنساء، يعني بتأخير، ومن ذلك قول طرفة بن العبد:
لعمرك إن الموت ما أَنْسَأ الفتى ... لكالطِّوَل المُرْخى وثِنْياه باليد [[ديوانه: ٣١٨ (من أشعار الستة الجاهليين) من معلقته المشهورة. وروايتهم: "ما أخطأ الفتى". والطول: حبل يطول للدابة لترعى وهي مشدودة فيه. وثنياه" طرفاء. أي إنه لا يفلت من حبال المنية، وإن أخر في أجله. وما أصدق ما قال! ولكننا ننسى!]]
يعني بقوله"أنسأ"، أخر.
وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٧٦٣ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء في قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو نَنْسأها﴾ ، قال: نؤخرها.
١٧٦٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى قال، سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله: ﴿أو ننسأها﴾ ، قال: نُرْجئها.
١٧٦٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿أو ننسأها﴾ ، نرجئها ونؤخرها.
١٧٦٦ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا فضيل، عن عطية: ﴿أو ننسأها﴾ ، قال: نؤخرها فلا ننسخها.
١٧٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي، عن عبيد بن عمير ﴿أو ننسأها﴾ ، إرجاؤها وتأخيرها.
هكذا حدثنا القاسم، عن عبد الله بن كثير،"عن عبيد الأزدي"، وإنما هو عن"علي الأزدي".
١٧٦٨ - حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير أنه قرأها: ﴿ننسأها﴾ . [[الخبران: ١٧٦٧، ١٧٦٨ - أبان الطبري في الإسناد الأول أن شيخه القاسم قال في الإسناد:"عبد الله بن كثير، عن عبيد الأزدي"، وبين أن صوابه"عن علي الأزدي". ثم ساق الإسناد الثاني على الصواب. وهو كما قال عبد الله بن كثير الداري المكي: هو القارئ، أحد القراء السبعة. وهو ثقة. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٢/٢ /١٤٤.
علي الأزدي: هو علي بن عبد الله الأزدي البارقي، وهو تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ /١/١٩٣.عبيد بن عمير - بالتصغير فيهما -: هو الليثي الجندعي المكي، ثقة من كبار التابعين، بل ذكره بعضهم في الصحابة، وأثنى عليه الناس خيرا في مجلس ابن عمر، في المسند: ٥٣٥٩. مترجم في التهذيب، والإصابة ٥: ٧٩، وابن سعد ٥: ٣٤١ - ٣٤٢،وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٩.]]
* *
قال أبو جعفر: فتأويل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها، نأت بخير منها أو مثلها.
* *
وقد قرأ بعضهم ذلك: ﴿ما ننسخ من آية أو تُنسها﴾ . وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ: ﴿أو نُنسها﴾ ، إلا أن معنى ﴿أو تُنسها﴾ ، أنت يا محمد.
* *
وقد قرأ بعضهم: ﴿ما نُنسخ من آية﴾ ، بضم النون وكسر السين، بمعنى: ما ننسخك يا محمد نحن من آية - من"أنسختك فأنا أنسخك". وذلك خطأ من القراءة عندنا، لخروجه عما جاءت به الحجة من الْقَرَأَة بالنقل المستفيض. وكذلك قراءة من قرأ ﴿تُنسها﴾ أو ﴿تَنسها﴾ لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأمة.
وأولى القراءات في قوله: ﴿أو ننسها﴾ بالصواب، من قرأ: ﴿أو نُنْسها﴾ بمعنى: نتركها. لأن الله جل ثناؤه أخبر نبيه ﷺ أنه مهما بدل حكما أو غيره، أو لم يبدله ولم يغيره، فهو آتيه بخير منه أو بمثله. فالذي هو أولى بالآية، إذْ كان ذلك معناها، أن يكون - إذ قدم الخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير. فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ . قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت، فهو يشتمل على معنى"الإنساء" الذي هو بمعنى الترك، [[قد رد أهل اللغة أن يكون الإنساء بمعنى الترك، وقالوا: إنما يقال نسيت: إذا تركت، لا يقال: أنسيت، تركت. وانظر ما جاء في ذلك في اللسان (نسي) ، وسائر كتب التفسير.]] ومعنى "النَّساء" الذي هو بمعنى التأخير. إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك.
* *
وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: ﴿أو نَنْسها﴾ ، إذا عني به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله ﷺ نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ، إلا أن يكون نسي منه شيئا، ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه، بجائز على جميعهم أن ينسوه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ، ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم.
* *
قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد على بطوله وفساده، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله ﷺ وأصحابه بنحو الذي قلنا.
١٧٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، حدثنا أنس بن مالك: أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة، قرأنا بهم وفيهم كتابا:"بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا". ثم إن ذلك رفع. [[الحديث: ١٧٦٩ - يزيد بن زريع - بضم الزاي - العيشي: ثقة حافظ حجة، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الكبار. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٣٣٥، وابن سعد ٧ / ٢ / ٤٤ وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٦٣ - ٢٦٥. وسعيد: هو ابن أبي عروبة.
وهذا الحديث مختصر من حديث لأنس، في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة. ورواه الأئمة عن أنس، من أوجه مختلفة.
فمن ذلك: أنه رواه البخاري ٧: ٢٩٧ (فتح الباري) ، عن عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، بهذا الإسناد. وفي آخره: "قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: بلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا".
وروى مسلم ١: ١٨٧ - ١٨٨، من رواية مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس. وانظر تفصيل ذلك في تاريخ ابن كثير٤: ٧١ - ٧٤.]]
١٧٧٠ - والذي ذكرنا عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون:"لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب". ثم رفع. [[الحديث: ١٧٧٠ - ذكره الطبري تعليقا. وهو جزء من حديث طويل، رواه مسلم ١: ٢٨٦، من حديث أبي موسى الأشعري. وذكره السيوطي في الدر المنثور١: ١٠٥، ونسبه أيضًا لابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في الدلائل.
وقد أفاض السيوطي في الإتقان ٢: ٢٩ - ٣٢ (طبعة المطبعة الموسوية بمصر سنة ١٢٨٧) - في هذا البحث، ونقل روايات كثيرة فيه.]]
وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بإحصائها الكتاب.
وغير مستحيل في فطرة ذي عقل صحيح، ولا بحجة خبرٍ أن ينسي الله نبيه ﷺ بعض ما قد كان أنزله إليه. فإذْ كان ذلك غير مستحيل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول: ذلك غير جائز.
وأما قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك﴾ ، فإنه جل ثناؤه لم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلم يذهب به والحمد لله، بل إنما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه. وقد قال الله تعالى ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧] ، فأخبر أنه ينسي نبيه منه ما شاء. فالذي ذهب منه الذي استثناه الله.
فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله. [[في المطبوعة: "قد كان آتى نبيه بعض ما ننسخ"، والصواب ما أثبت.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ . فقال بعضهم بما:-
١٧٧١ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
* *
وقال آخرون بما:
١٧٧٢ - حدثني به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، يقول: آية فيها تخفيف، فيها رحمة، [[في تفسير ابن كثير: ١: ٢٧٥"فيها رخصة" مكان: "فيها رحمة".]] فيها أمر، فيها نهي.
* *
وقال آخرون: نأت بخير من التي نسخناها، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها.
ذكر من قال ذلك:
١٧٧٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿نأت بخير منها﴾ ، يقول: نأت بخير من التي نسخناها، أو مثلها، أو مثل التي تركناها.
* *
"فالهاء والألف" اللتان في قوله: ﴿منها﴾ - عائدتان على هذه المقالة - على الآية في قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ . و"الهاء والألف" اللتان في قوله: ﴿أو مثلها﴾ ، عائدتان على"الهاء والألف" اللتين في قوله: ﴿أو ننسها﴾ .
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٧٤ - حدثني به المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان عبيد بن عمير يقول: ﴿ننسها﴾ : نرفعها من عندكم، نأت بمثلها أو خير منها. [[الأثر: ١٧٧٤ - مضى شطره برقم: ١٧٥٣.]]
١٧٧٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿أو نُنسها﴾ ، نرفعها، نأت بخير منها أو بمثلها. [[الأثر: ١٧٧٥ - مضى شطره برقم: ١٧٥٨.]]
١٧٧٦ - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شوذب، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أصحاب ابن مسعود مثله.
* *
والصواب من القول في معنى ذلك عندنا: ما نبدل من حكم آية فنغيره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير منها لكم - من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها - إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم، فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم، لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم = وإما في الآجل لعظم ثوابه، من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة، أثقل على الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فالثواب عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان على الأبدان أشق، فهو خير من الأول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره، الذي لم يكن مثله لصوم الأيام المعدودات. فذلك معنى قوله: ﴿نأت بخير منها﴾ . لأنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره.
أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس، إلى فرضها شطر المسجد الحرام.
فالتوجه شطر بيت المقدس، وإن خالف التوجه شطر المسجد، فكلفة التوجه - شطر أيهما توجه شطره - واحدة. لأن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤؤنة توجهه شطره، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة، سواء. فذلك هو معنى"المثل" الذي قال جل ثناؤه: ﴿أو مثلها﴾ .
* *
وإنما عنى جل ثناؤه بقوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ : ما ننسخ من حكم آية أو ننسه. غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها، اكتفي بدلالة ذكر"الآية" من ذكر"حكمها". وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] ، بمعنى حب العجل، ونحو ذلك. [[انظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠.]]
* *
فتأويل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم -أيها المؤمنون- حكما منها، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأجر والثواب.
* *
فإن قال قائل: فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب، وأنه لا يلتبس على من سمع قوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجلَ﴾ ، أن معناه: وأشربوا في قلوبهم حب العجل، فما الذي يدل على أن قوله: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها﴾ - لذلك نظير؟
قيل: الذي دل على أن ذلك كذلك قوله: ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾ ، وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء، لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز في صفات الله تعالى ذكره أن يقال: بعضها أفضل من بعض، وبعضها خير من بعض. [[من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضي الله عنه يبصر معنى كل حرف، متحريا للحق والصواب حريصا على دلالة كل كلمة، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ ، ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك، ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين معك، وأنفع لك ولهم، إما عاجلا في الدنيا، وإما آجلا في الآخرة - أو بأن أبدل لك ولهم مكانه مثله في النفع لهم = عاجلا في الدنيا وآجلا في الآخرة = وشبيهه في الخفة عليك وعليهم؟ فاعلم يا محمد أني على ذلك وعلى كل شيء قدير.
* *
ومعنى قوله: ﴿قدير﴾ في هذا الموضع: قوي. يقال منه:"قد قدرت على كذا وكذا"، إذا قويت عليه"أقدر عليه وأقدر عليه قدرة وقِدرانا ومقدرة"، وبنو مرة من غطفان تقول:"قدِرت عليه" بكسر الدال. [[انظر ما سلف ١: ٣٦١.]]
فأما من"التقدير" من قول القائل:"قدرت الشيء"، فإنه يقال منه"قدرته أقدِره قدْرا وقدَرا".
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) ﴾
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أو لم يكن رسول الله ﷺ يعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه له ملك السموات والأرض، حتى قيل له ذلك؟ قيل: بلى! فقد كان بعضهم يقول: إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن محمدا قد علم ذلك، ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير، كما تفعل مثله العرب في خطاب بعضها بعضا، فيقول أحدهما لصاحبه:"ألم أكرمك؟ ألم أتفضل عليك؟ " بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضل عليه، يريد: أليس قد أكرمتك؟ أليس قد تفضلت عليك؟ بمعنى قد علمت ذلك.
* *
قال أبو جعفر: وهذا لا وجه له عندنا. وذلك أن قوله جل ثناؤه: ﴿ألم تعلم﴾ ، إنما معناه: أما علمت. وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام، وحروف الاستفهام إنما تدخل في الكلام إما بمعنى الاستثبات، وإما بمعنى النفي، فأما بمعنى الإثبات، فذلك غير معروف في كلام العرب، ولا سيما إذا دخلت على حروف الجحد. ولكن ذلك عندي، وإن كان ظهر ظهور الخطاب للنبي ﷺ، فإنما هو معني به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ . والذي يدل على أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: ﴿وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ ، فعاد بالخطاب في آخر الآية إلى جميعهم، وقد ابتدأ أولها بخطاب النبي ﷺ بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ . لأن المراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه. وذلك من كلام العرب مستفيض بينهم فصيح: أن يخرج المتكلم كلامه على وجه الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جماعةً غيره، أو جماعة والمخاطب به أحدهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة، والمقصود به أحدهم. من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١-٢] ، فرجع إلى خطاب الجماعة، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي ﷺ. ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ:
إلى السراج المنير أحمد، لا ... يَعْدِلني رغبة ولا رهب [[الهاشميات: ٣٤، والحيوان للجاحظ ٥: ١٧٠ - ١٧١.]] عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إليّ العيونُ وارتقبوا [["عنه إلى غيره" متعلق بقوله: لا يعدلني. . "، في البيت قبله.]] وقيل: أفرطتَ! بل قصدتُ ولو ... عنفني القائلون أو ثَلَبُوا [[أفرطت: أي جاوزت الحد. و"قصدت" من القصد: وهو العدل بين الإفراط والتقصير. والثلب: العيب والذم.]] لج بتفضيلك اللسان، ولو ... أكثر فيك الضِّجاج واللجَب [[قوله"فيك" أي بسببك ومن أجلك. والضجاج مصدر: ضاجه يضاجه (بتشديد الجيم) مضاجة وضجاجا: وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج. واللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها طلبا للغلبة.]] أنت المصفي المحض المهذب في الن ... سبة، إن نص قومَك النسب [[هذب الشيء: نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه. وقوله"المهذب في النسبة"، أي المهذب النسبة، وأدخل"في" للتوكيد، بمعنى الزيادة. ونص الشيء: رفعه وأظهره وأبانه. يعني أبان فضلهم على غيرهم.]]
فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ، وهو قاصد بذلك أهل بيته، فكنى عن وصفهم ومدحهم، بذكر النبي ﷺ، وعن بني أمية، بالقائلين المعنفين. لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي ﷺ وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله. [[من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين قول أبي جعفر في حسن تأتيه، وبين قول الجاحظ في استطالته بذكائه حيث يقول في كتابه الحيوان ٥: ١٦٩ - ١٧١.
ومن المديح الخطأ، الذي لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد، وهو يمدح النبي ﷺ: فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم، لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب، لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف، فأما مديح النبي ﷺ. فمن هذا الذي يسوؤه ذلك؟ " ثم أنشد الأبيات السالفة، وقال:"ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله: وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به وله أهل بذلك يثرب
لقد غيبوا برا وحزما ونائلا ... عشية واراك الصفيح المنصب
فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة العرب، لما كان بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟ ".
والجاحظ تأخذ قلمه أحيانا مثل الحكة، لا تهدأ من ثوراتها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول، وببعض الاستطالة، وبفرط العقل! ومع ذلك، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله، فربما هجروا من القول ما هو أولى، فتنة بما يقول.]] وكما قال جميل بن معمر:
ألا إن جيراني العشية رائح ... دعتهم دواع من هوى ومنادح [[لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل، ولا فيما جمعته منه. والمنادح: البلاد الواسعة البعيدة. كأنهما جمع مندوحة، حذفت ياؤه. وقال تميم بن أبي بن مقبل. وإني إذا ملت ركابي مناخها ... ركبت، ولم تعجز على المنادح
وربما حسن أن يقال: إنه جمع لا واحد له من لفظه، كمحاسن مشابه، والواحد من ذلك ندح وجمعه أنداح: وهو ما اتسع من الأرض.]]
فقال:"ألا إن جيراني العشية" فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال:"رائح"، لأن قصده - في ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبر عن واحد منهم دون جماعتهم، وكما قال جميل أيضا في كلمته الأخرى:
خليلي فيما عشتما، هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي [[الأمالي ٢: ٧٤، والأغاني ١: ١١٧، ٧: ١٤٠، وهي قصيدة من جيد شعر جميل.]]
وهو يريد قاتلته، لأنه إنما يصف امرأة، فكنى باسم الرجل عنها، وهو يعنيها. فكذلك قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ ، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي ﷺ، فإنه مقصود به قصد أصحابه. وذلك بين بدلالة قوله: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك. [[انظر ما سيأتي بعد قليل: ٤٩٩ - ٥٠٠.]]
* *
أما قوله: ﴿له ملك السموات والأرض﴾ ولم يقل: ملك السموات، فإنه عنى بذلك "ملك" السلطان والمملكة دون "المِلك". والعرب إذا أرادت الخبر عن "المملكة" التي هي مملكة سلطان، قالت: "ملك الله الخلق مُلكا". وإذا أرادت الخبر عن "المِلك" قالت: "ملك فلان هذا الشيء فهو يملكه مِلكا ومَلَكة ومَلْكا.
* *
فتأويل الآية إذًا: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما ما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر منها ما أشاء؟
* *
وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطابا لنبيه محمد ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدا ﷺ، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرَهم بما شاء ونهيَهم عما شاء، ونسخ ما شاء، وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي فيما أنسخ وفيما أترك فلا أنسخ، من أحكامي وحدودي وفرائضي، ولا يهولنكم خلاف مخالف لكم في أمري ونهيي وناسخي ومنسوخي، فإنه لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم، والدفاع عنكم، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم، ونصب حرب العداوة بينه وبينكم، حتى أعلي حجتكم، وأجعلها عليهم لكم.
* *
و"الولي" معناه"فعيل" من قول القائل:"وَلِيت أمر فلان"، إذا صرت قيِّما به،"فأنا أليه، فهو وليه" وقَيِّمُه. ومن ذلك قيل:"فلان ولي عهد المسلمين"، يُعْنَى به: القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين.
* *
وأما"النصير" فإنه"فعيل" من قولك:"نصرتك أنصرك، فأنا ناصرك ونصيرك"، وهو المؤيد والمقوي.
* *
وأما معنى قوله: ﴿من دون الله﴾ ، فإنه سوى الله، وبعد الله، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
يا نفس مالك دون الله من واقي ... وما على حدثان الدهر من باقي [[ديوانه: ٤٣. ومثله قول ابن أحمر: إن نحن إلا أناس أهل سائمة ... وما لهم دونها حرث ولا غُرر
يريد: ليس لنا مال سوى السائمة، فليس لنا زرع ولا خيل.]]
يريد: مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره.
* *
فمعنى الكلام إذا: وليس لكم، أيها المؤمنون، بعد الله من قيم بأمركم، ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم، فيعينكم على أعدائكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية. فقال بعضهم بما:
١٧٧٧ - حدثنا به أبو كريب قال، حدثني يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل- [[في المطبوعة: "قال حدثنا إسحاق" والصواب ما أثبت.]] قالا حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة عن ابن عباس: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ: ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك! فأنزل الله في ذلك من قولهما: [[في المطبوعة: "من قولهم"، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.]] ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ ، الآية. [[الأثر ١٧٧٧ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧.]]
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٧٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ ، وكان موسى يسأل، فقيل له: ﴿أرنا الله جهرة﴾ .
١٨٨٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ ، أن يريهم الله جهرة. فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة.
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٨٠ - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ ، أن يريهم الله جهرة. فسألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل الله لهم الصفا ذهبا، قال: نعم! وهو لكم كمائدة بني إسرائيل إن كفرتم"! فأبوا ورجعوا.
١٧٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فقال:"نعم! وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ ، أن يريهم الله جهرة.
١٧٨٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* *
وقال آخرون بما:-
١٧٨٣ - حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية قال، قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل! فقال النبي ﷺ:"اللهم لا نبغيها! ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيرا مما أعطى بني إسرائيل، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] . قال: وقال:"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن".
وقال:"من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك".
فأنزل الله: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ . [[الحديث: ١٧٨٣ - هذا حديث مرسل، من مراسيل أبي العالية. وقد نقله ابن كثير ١: ٢٧٩، عن الطبري. ونقله السيوطي ١: ١٠٧، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.
وأبو العالية الرياحي: ثقة من كبار التابعين، كما قلنا في: ١٨٤. ونزيد هنا أنه مترجم في التهذيب والكبير ٢/١/٢٩٨، والصغير: ١٠٩، وابن سعد ٧ /١ /٨١ - ٨٥، وابن أبي حاتم ١/٥١٠ والإصابة ٢: ٢٢١. ولكن الاحتجاج بحديثه - كغيره من التابعين فمن بعدهم - هو في الإسناد المتصل، أما المرسل والمنقطع، فلا حجة فيهما.]]
* *
واختلف أهل العربية في معنى ﴿أم﴾ التي في قوله: ﴿أم تريدون﴾ . فقال بعض البصريين: هي بمعنى الاستفهام. وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسولكم؟
* *
وقال آخرون منهم: هي بمعنى استفهام مستقبل منقطع من الكلام، كأنك تميل بها إلى أوله، كقول العرب: إنها لإبل يا قوم أم شاء" و"لقد كان كذا وكذا أم حدس نفسي؟ " قال: وليس قوله: ﴿أم تريدون﴾ على الشك، ولكنه قاله ليقبح له صنيعهم. واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل:
كذبَتْك عينُك أم رأيت بواسط ... غَلَس الظلام من الرَّباب خيالا [[ديوانه: ٤١، ونقائض جرير والخطل: ٧٠. وواسط: قرية غربي الفرات مقابل الرقة من أعمال الجزيرة، وهي من منازل بني تغلب، وهي غير واسط التي بناها الحجاج بين البصرة والكوفة. الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح، فهي سواد مختلط ببياض وحمرة.]]
* *
وقال بعض نحويي الكوفيين: إن شئت جعلت قوله: ﴿أم تريدون﴾ استفهاما على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١-٣] ، فجاءت"أم" وليس قبلها استفهام، فكان ذلك عنده دليلا على أنه استفهام مبتدأ على كلام سبقه. وقال قائل هذه المقالة:"أم" في المعنى تكون ردا على الاستفهام على جهتين: إحداهما أن تُفَرِّق معنى"أي"، [[في المطبوعة: "تعرف معنى أي"، وفي لسان العرب (أمم ١٤: ٣٠٠) : "أن تفارق معنى أم" وكلتاهما خطأ صرف. والصواب في معاني القرآن للفراء١: ٧١. وذلك أن قولك: أزيد عندك أم عمرو"، معناه أيهما عندك. وبين أن"أم" تفرق الاستفهام، وأن"أي" تجمع متفرق الاستفهام. وقد قال الطبري فيما سلف في هذا الجزء ٢: ١٩٨: "إن أصل"أي" و"ما" جمع متفرق الاستفهام".]] والأخرى: أن يستفهم بها فتكون على جهة النسق، والذي ينوي بها الابتداء، إلا أنه ابتداء متصل بكلام. [[في المطبوعة: "وتكون على جهة النسق، وللذي ينوى به الابتداء"، والصواب من معاني القرآن للفراء.]] فلو ابتدأت كلاما ليس قبله كلام ثم استفهمت، لم يكن إلا بـ "الألف" أو بـ "هل". [[هذا نص كلام الفراء في معاني القرآن ١: ٧١.]]
قال: وإن شئت قلت في قوله: ﴿أم تريدون﴾ ، قبله استفهام، فرد عليه وهو في قوله: ﴿ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ . [[وهذا أيضًا بعض نص الفراء في معاني القرآن.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، على ما جاءت به الآثار التي ذكرناها عن أهل التأويل: أنه استفهام مبتدأ، بمعنى: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم؟ وإنما جاز، أن يستفهم القوم بـ "أم"، وإن كانت"أم" أحد شروطها أن تكون نسقا في الاستفهام لتقدم ما تقدمها من الكلام، لأنها تكون استفهاما مبتدأ إذا تقدمها سابق من الكلام. ولم يسمع من العرب استفهام بها ولم يتقدمها كلام. ونظيره قوله جل ثناؤه: ﴿الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١-٣] وقد تكون"أم" بمعنى"بل"، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه"أي"، فيقولون:"هل لك قِبَلَنا حق، أم أنت رجل معروف بالظلم؟ " [[هذا أيضًا ذكره الفراء. ثم قال بعده: "يريدون: بل أنت رجل معروف بالظلم".]] وقال الشاعر:
فوالله ما أدري أسلمى تغولت ... أم النوم أم كل إلي حبيب [[لم أعرف قائله. وسيأتى في تفسيره ٢٠: ٦ (بولاق) على الصواب، وفي معاني القرآن للفراء ١: ٧٢، واللسان (أمم) ، والصاحبي: ٩٨. وفي المطبوعة هنا: "تقولت. . أم القول، وهو خطأ محض. وقوله: "تغولت"، أي تصورت في صورة امرأة أحسها وأراها. من تغول الغول: وهي أن تتلون وتتخيل في صور شتى. يعنى أنها بعيدة لا شك في بعدها، ولكنه يخال أنه يراها أمامه ماثلة قائمة. وقال الأخطل: وتعرضت لك بالأباطح بعد ما ... قطعت بأبرق خلة ووصالا
وتغولت لتروعنا جنية ... والغانيات يرينك الأهوالا
ثم يقول: "أم النوم" أي: أم هو حلم. بل كلاهما حبيب إلى، يعني أي ذلك كان، فهو حبيب إلى.]]
يعني: بل كل إلي حبيب.
وقد كان بعضهم يقول - منكرا قول من زعم أن"أم" في قوله: ﴿أم تريدون﴾ استفهام مستقبل منقطع من الكلام، يميل بها إلى أوله -: إن الأول خبر، والثاني استفهام، والاستفهام لا يكون في الخبر، والخبر لا يكون في الاستفهام، ولكن أدركه الشك - بزعمه - بعد مضي الخبر، فاستفهم.
* *
قال أبو جعفر: فإذا كان معنى"أم" ما وصفنا، فتأويل الكلام: أتريدون أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم، فتكفروا -إن مُنِعتموه- في مسألتكم ما لا يجوز في حكمة الله إعطاؤكموه، أو أن تهلكوا إن كان مما يجوز في حكمته عطاؤكموه، [[في المطبوعة: "أو أتهلكوا" خطأ.]] فأعطاكموه، ثم كفرتم من بعد ذلك، كما هلك من كان قبلكم من الأمم التي سألت أنبياءها ما لم يكن لها مسألتها إياهم، فلما أعطيت كفرت، فعوجلت بالعقوبات لكفرها، بعد إعطاء الله إياها سؤلها.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ومن يتبدل﴾ ، ومن يستبدل "الكفر"، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٣٠.]] ويعني بـ "الكفر"، الجحود بالله وبآياته، [[انظر ما سلف في هذا الجزء ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢ وغيرها بعدها.]] ﴿بالإيمان﴾ ، يعني بالتصديق بالله وبآياته والإقرار به. [[انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٧١، ٥٦٠ وغيرها بعدها.]]
وقد قيل: عنى بـ "الكفر" في هذا الموضع: الشدة، وبـ "الإيمان" الرخاء. ولا أعرف الشدة في معاني"الكفر"، ولا الرخاء في معنى"الإيمان"، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بتأويله"الكفر" بمعنى الشدة في هذا الموضع، وبتأويله"الإيمان" في معنى الرخاء -: ما أعد الله للكفار في الآخرة من الشدائد، وما أعد الله لأهل الإيمان فيها من النعيم، فيكون ذلك وجها، وإن كان بعيدا من المفهوم بظاهر الخطاب.
ذكر من قال ذلك:
١٧٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن أبي العالية: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾ ، يقول: يتبدل الشدة بالرخاء.
١٧٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية بمثله.
* *
وفي قوله: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل﴾ ، دليل واضح على ما قلنا: [[انظر ما سلف قريبا: ٤٦٢ - ٤٦٦، ٤٨٤ - ٤٨٨، وانظر ما سيأتي قريبا: ٤٩٨، ٤٩٩]] من أن هذه الآيات من قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ ، خطاب من الله جل ثناؤه المؤمنين به من أصحاب رسول الله ﷺ، [[في المطبوعة: "المؤمنين به أصحاب رسول الله. . "، وزيادة"به" خطأ.]] وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم، مما سر به اليهود، وكرهه رسول الله ﷺ لهم، فكرهه الله لهم، فعاتبهم على ذلك، وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم وحسد وبغي، وأنهم يتمنون لهم المكاره، ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرا، فقد أخطأ قصد السبيل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨) ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله: ﴿فقد ضل﴾ ، فإنه يعني به ذهب وحاد. وأصل"الضلال عن الشيء"، الذهاب عند والحيد، [[انظر ما سلف ١: ١٩٥.]] ثم يستعمل في الشيء الهالك، والشيء الذي لا يؤبه له، كقولهم للرجل الخامل الذي لا ذكر له ولا نباهة: "ضُل بن ضُل"، و "قُل بن قُل"، وكقول الأخطل، في الشيء الهالك:
كنتَ القَذَى في موجِ أكدر مُزْبدٍ ... قذف الأتِيُّ به فضل ضلالا [[ديوانه: ٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٣ وسيأتي في تفسير الطبري ٣: ٢١٩ / ٢١: ٦١ (بولاق) . وقوله: "كنت"، يعني جريرا، وهو جواب"إذا"، فقبل البيت: وإذا سما للمجد فرعا وائل ... واستجمع الوادي عليك فسالا
" فرعا وائل" يعني بكرا وتغلب رهط الأخطل. والقذي" ما يكون فوق الماء من تبن وورق وأعواد. وفي المطبوعة هنا: "أكبر" مكان"أكدر"، وهو تصحيف، وأتى على صوابه في الموضعين الآخرين من التفسير. وقوله"أكدر" يعني بحرا متلاطما، فكدر بعد صفاء. ومزبد: بحر هائج مائج يقذف بالزبد. والأتي: السيل الذي يأتي من مكان بعيد. وقوله: "قذف الآتي به"، صفة للقذى. يقول: كنت عندئذ كالقذى رمى به السيل في بحر مزبد لا يهدأ موجه، فهلك هلاكا. ورواية الديوان: "في لج أكدر".]]
يعني: هلك فذهب.
* *
والذي عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾ ، فقد ذهب عن سواء السبيل وحاد عنه.
* *
وأما تأويل قوله: ﴿سواء السبيل﴾ ، فإنه يعني بـ "السواء"، القصد والمنهج.
وأصل"السواء" الوسط. ذكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال:"ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي"، يعني: وسطي. وقال حسان بن ثابت:
يا ويح أنصار النبي ونسله ... بعد المغيب في سواء الملحد [[ديوانه: ٩٨، وسيأتي في تفسير الطبري ١٠: ٢٠ (بولاق) ، وهكذا جاءت الرواية هنا"نسله"، وأظنها خطأ من ناسخ أو خطأ في رواية. ورواية الديوان وما سيأتي في الطبري، وغيرهما"ورهطه". وهو من رثاء حسان رسول الله بأبي هو وأمي ﷺ. وعنى بقوله: "ورهطه" المهاجرين رضي الله عنهم. والمغيب مصدر غيبه في الأرض: واراه. و"الملحد" بضم الميم وفتح الحاء بينهما لام ساكنة: هو اللحد، والقبر.]]
يعني بالسواء: الوسط. والعرب تقول:"هو في سواء السبيل"، يعني في مستوى السبيل،"وسواء الأرض": مستواها، عندهم.
وأما"السبيل"، فإنها الطريق المسبول، صرف من"مسبول" إلى"سبيل". [[لم أجد لقوله: "مسبول" فعلا، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل، فإن"فعيلا" لا بد له من فعل ثلاثي هو"سبل" وإن لم يستعملوه، وهو مصروف عن"مفعول". فقال الطبري: "مسبول". ويهون ذلك أنهم قالوا: "السابلة" وهو"فاعلة من فعل ثلاثي. ولكنهم لم يستعملوه، ومعناه: "السالكة الطريق من الناس". وقالوا سبيل سابلة: أي مسلوكة، فهذه أيضًا "فاعلة" بمعنى"مفعولة". فعنى بقوله"المسبول" في الموضعين: المسلوك.]]
* *
فتأويل الكلام إذا: ومن يستبدل بالإيمان بالله وبرسوله الكفر، فيرتد عن دينه، فقد حاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول. [[لم أجد لقوله: "مسبول" فعلا، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل، فإن"فعيلا" لا بد له من فعل ثلاثي هو"سبل" وإن لم يستعملوه، وهو مصروف عن"مفعول". فقال الطبري: "مسبول". ويهون ذلك أنهم قالوا: "السابلة" وهو"فاعلة من فعل ثلاثي. ولكنهم لم يستعملوه، ومعناه: "السالكة الطريق من الناس". وقالوا سبيل سابلة: أي مسلوكة، فهذه أيضًا "فاعلة" بمعنى"مفعولة". فعنى بقوله"المسبول" في الموضعين: المسلوك.]]
وهذا القول ظاهره الخبر عن زوال المستبدل بالإيمان والكفر عن الطريق، والمعْنِيُّ به الخبر عنه أنه ترك دين الله الذي ارتضاه لعباده، وجعله لهم طريقا يسلكونه إلى رضاه، وسبيلا يركبونها إلى محبته والفوز بجناته. فجعل جل ثناؤه الطريق - الذي إذا ركب محجته السائر فيه، ولزم وسطه المجتاز فيه، نجا وبلغ حاجته، وأدرك طلبته - لدينه الذي دعا إليه عباده، مثلا لإدراكهم بلزومه واتباعه، طلباتهم في آخرتهم، [[في المطبوعة: "لإدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم. . " وقوله: "إدراكهم" زائدة من ناسخ.]] كالذي يدرك اللازم محجة السبيل = بلزومه إياها = طلبته من النجاة منها، والوصول إلى الموضع الذي أمه وقصده. وجعل مثل الحائد عن دينه، الجائر عن اتباع ما دعاه إليه من عبادته - [[في المطبوعة: "والحائد عن اتباع ما دعاه. . "، وأظن الصواب ما أثبت.]] في إخطائه ما رجا أن يدركه بعمله في آخرته وينال به في معاده، [[في المطبوعة: "في حياته ما رجا أن يدركه. . "، وهي مصحفة ولا شك، وأثبت ما أداني إليه اجتهادي في قراءته. لأنهم يقول أخطأ الطريق، وأخطأ ما ابتغى، إلى أشباه ذلك.]] وذهابه عما أمل من ثواب عمله، وبعده به من ربه، مثلَ الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل، الذي لا يزداد وغولا في الوجه الذي سلكه، [[الوغول، مصدر"وغل يغل وغولا"، إذا ذهب فأبعد المذهب.]] إلا ازداد من موضع حاجته بعدا، وعن المكان الذي أمه وأراده نأيا.
وهذه السبيل التي أخبر الله عنها، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواءها، هي الصراط المستقيم"، الذي أمرنا بمسألته الهداية له بقوله: ﴿اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم﴾ .
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾
قال أبو جعفر: وقد صرح هذا القول من قول الله جل ثناؤه، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾ - وإن صرف في نفسه الكلام إلى خطاب النبي ﷺ، إنما هو خطاب منه للمؤمنين من أصحابه، [[في المطبوعة: "للمؤمنين وأصحابه"، وكأنه الصواب ما أثبت.]] وعتاب منه لهم، ونهي عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم في شيء من أمور دينهم - ودليل على أنهم كانوا استعملوا أو من استعمل منهم في خطابه ومسألته رسول الله ﷺ الجفاء، وما لم يكن له استعماله معه، [[سياق العبارة: أو من استعمل. . الجفاء، واستعمل ما لم يكن له استعماله معه، تأسيا باليهود.]] تأسيا باليهود في ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك: [[في المطبوعة: "قال لهم ربهم"، والصواب زيادة الفاء.]] لا تقولوا لنبيكم ﷺ كما تقول له اليهود:"راعنا"، تأسيا منكم بهم، ولكن قولوا:"انظرنا واسمعوا"، فإن أذى رسول الله ﷺ كفر بي، وجحود لحقي الواجب لي عليكم في تعظيمه وتوقيره، ولمن كفر بي عذاب أليم؛ فإن اليهود والمشركين ما يودون أن ينزل عليكم من خير من ربكم، ولكن كثيرا منهم ودوا أنهم يردونكم من بعد إيمانكم كفارا، حسدا من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد ﷺ، من بعد ما تبين لهم الحق في أمر محمد، وأنه نبي إليهم وإلى خلقي كافة.
* *
وقد قيل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ ، كعب بن الأشرف.
١٧٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ ، هو كعب بن الأشرف.
١٧٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان العمري، عن معمر، عن الزهري وقتادة: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ ، قال: كعب بن الأشرف. [[الأثر: ١٧٨٧ - في المطبوعة: "أبو سفيان المعمري". وهو محمد بن حميد اليشكري المعمري البصري نزيل بغداد، قيل له المعمري" لأنه رحل إلى معمر بن راشد الأزدي. وهو ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: "في حديثه نظر" مات سنة ١٨٢ (تهذيب التهذيب ٩: ١٣٢) .]]
وقال بعضهم بما:-
١٧٨٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق - وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حُيَيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدا، إذ خصهم الله برسوله ﷺ، وكانا جاهِدَين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم﴾ الآية. [[الأثر: ١٧٨٨ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧.]]
* *
قال أبو جعفر: وليس لقول القائل عنى بقوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ كعب بن الأشرف، معنى مفهوم. لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم، والواحد لا يقال له"كثير"، بمعنى الكثرة في العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية، الكثرة في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته، كما يقال:"فلان في الناس كثير"، يراد به كثرة المنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة فقال: ﴿لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا﴾ ، فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد = أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة، والمقصود بالخبر عنه الواحد، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل، [[انظر ما سلف قريبا: ٤٨٧ قوله: "ألا إن جيراني العشية رائح".]] فيكون ذلك أيضا خطأ. وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى، فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه، ولا دلالة تدل في قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب﴾ أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك، وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: ويعني جل ثناؤه بقوله: ﴿حسدا من عند أنفسهم﴾ ، أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم، من الردة عن إيمانهم إلى الكفر، حسدا منهم وبغيا عليهم.
* *
و"الحسد" إذا منصوب على غير النعت للكفار، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر، كقول القائل لغيره:"تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك"، فيكون"الحسد" مصدرا من معنى قوله:"تمنيت من السوء". لأن في قوله تمنيت لك ذلك، معنى: حسدتك على ذلك. فعلى هذا نصب"الحسد"، لأن في قوله: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا﴾ ، معني: حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رءوفا بكم رحيما، ولم يجعله منهم، فتكونوا لهم تبعا. فكان قوله: ﴿حسدا﴾ ، مصدرا من ذلك المعنى.
* *
وأما قوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ ، فإنه يعني بذلك: من قبل أنفسهم، كما يقول القائل:"لي عندك كذا وكذا"، بمعنى: لي قبلك، وكما:
١٧٨٩ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ ، قال: من قبل أنفسهم. [[الأثر: ١٧٨٩ - كان هذا الإسناد مبتورا، فأتممه استظهارا من الإسناد الدائر في التفسير في مئات المواضع السالفة، أقربها رقم: ١٦٤٧ وسيأتي أيضًا رقم: ١٧٩٢، وكان الأثر نفسه مبتورا فأتممته من تفسير ابن كثير ١: ٢٨٠، والدر المنثور ١: ١٠٧.]]
وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين، من عند أنفسهم، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب -الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم- الحقُّ في أمر محمد ﷺ، وما جاء به من عند ربه، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم: أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه، كما:-
١٧٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله ﷺ، والإسلام دين الله.
١٧٩١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، يقول: تبين لهم أن محمدا رسول الله، يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.
١٧٩٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله - وزاد فيه: فكفروا به حسدا وبغيا، إذْ كان من غيرهم.
١٧٩٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، قال: الحق هو محمد ﷺ، فتبين لهم أنه هو الرسول.
١٧٩٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، قال: قد تبين لهم أنه رسول الله.
* *
قال أبو جعفر: فدل بقوله ذلك: أن كفر الذين قص قصتهم في هذه الآية بالله وبرسوله، عناد، وعلى علم منهم ومعرفة بأنهم على الله مفترون، كما:-
١٧٩٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ ، يقول الله تعالى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشد الملامة.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿فاعفوا﴾ فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم - وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم ﷺ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ ، [النساء: ٤٦] ، واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد. فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال لنبيه ﷺ، وللمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . [التوبة: ٢٩] . فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا، كما:-
١٧٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ ، ونسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ، [التوبة: ٥]
١٧٩٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ، فأتى الله بأمره فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، حتى بلغ ﴿وهم صاغرون﴾ ، أي: صغارا ونقمة لهم. فنسخت هذه الآية ما كان قبلها: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ .
١٧٩٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ، قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، إلى: ﴿وهم صاغرون﴾ .
١٧٩٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ قال: نسختها: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ .
١٨٠٠- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾ ، قال: هذا منسوخ، نسخه ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ ، إلى قوله: ﴿وهم صاغرون﴾ .
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) ﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى"القدير"، وأنه القوي. [[انظر ما سلف قريبا: ٤٨٤ وفي ١: ٣٦١.]]
فمعنى الآية ههنا: إن الله - على كل ما يشاء بالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم - قدير، إن شاء انتقم منهم بعنادهم ربهم، [[في المطبوعة: "إن شاء الله الانتقام منهم" والسياق يقتضي ما أثبت.]] وإن شاء هداهم لما هداكم الله له من الإيمان، لا يتعذر عليه شيء أراده، ولا يتعذر عليه أمر شاء قضاءه، لأن له الخلق والأمر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى على معنى"إقامة الصلاة"، وأنها أداؤها بحدودها وفروضها، وعلى تأويل"الصلاة" وما أصلها، وعلى معنى"إيتاء الزكاة"، وأنه إعطاؤها بطيب نفس على ما فُرضت ووجبت، وعلى معنى"الزكاة" واختلاف المختلفين فيها، والشواهد الدالة على صحة القول الذي اخترنا في ذلك، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٢٤١ - ٢٤٢، ثم ١: ٥٧٣ - ٥٧٤.]]
* *
وأما قوله: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ ، فإنه يعني جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالح في أيام حياتكم، فتقدموه قبل وفاتكم ذخرا لأنفسكم في معادكم، تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة، فيجازيكم به.
* *
و"الخير" هو العمل الذي يرضاه الله. وإنما قال: ﴿تجدوه﴾ ، والمعنى: تجدوا ثوابه، كما:-
١٨٠١- حدثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿تجدوه﴾ يعني: تجدوا ثوابه عند الله.
قال أبو جعفر: لاستغناء سامعي ذلك بدليل ظاهر على معنى المراد منه، كما قال عمر بن لجأ: [[في المطبوعة: "عمرو بن لجأ"، وهو خطأ.]]
وسبحت المدينة لا تلمها ... رأت قمرا بسوقهم نهارا [[سلف هذا البيت وتخريجه في ١: ٢٧٩.]]
وإنما أراد: وسبح أهل المدينة.
وإنما أمرهم جل ثناؤه في هذا الموضع بما أمرهم به، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخيرات لأنفسهم، ليَطَّهروا بذلك من الخطأ الذي سلف منهم في استنصاحهم اليهود، وركون من كان ركن منهم إليهم، وجفاء من كان جفا منهم في خطابه رسول الله ﷺ بقوله: ﴿راعنا﴾ ، إذْ كانت إقامة الصلوات كفارة للذنوب، وإيتاء الزكاة تطهيرا للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، وفي تقديم الخيرات إدراك الفوز برضوان الله.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير وشر سرا وعلانية، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرا، وبالإساءة مثلها. [[في المطبوعة: "جزاءه" والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٨١.]]
وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعدا ووعيدا، وأمرا وزجرا. وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعته، إذْ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتى يثيبهم عليه، كما قال: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ ، وليحذروا معصيته، إذْ كان مطلعا على راكبها، بعد تقدمه إليه فيها بالوعيد عليها، وما أوعد عليه ربنا جل ثناؤه فمنهي عنه، وما وعد عليه فمأمور به.
* *
وأما قوله: ﴿بصير﴾ ، فإنه"مبصر" صرف إلى"بصير"، كما صرف"مبدع" إلى"بديع"، و"مؤلم" إلى"أليم". [[انظر ما سلف ١: ٢٨٣، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٧٧.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وقالوا﴾ ، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لن يدخل الجنة﴾ .
* *
فإن قال قائل: وكيف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين؛ واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟
قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إليه. وإنما عنى به: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى. ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، جُمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ الآية - أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا.
* *
وأما قوله: ﴿من كان هودا﴾ ، فإن في"الهود" قولين: أحدهما أن يكون جمع"هائد"، كما جاء "عُوط" جمع "عائط"، و "عُوذ" جمع "عائذ"، و "حُول" جمع"حائل"، فيكون جمعا للمذكر والمؤنث بلفظ واحد. و"الهائد" التائب الراجع إلى الحق. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٤٣.]]
والآخر أن يكون مصدرا عن الجميع، كما يقال:"رجل صَوم وقوم صوم"، و "رجل فِطر وقوم فطر، ونسوة فطر". [[أخشى أن يكون أبو جعفر قد زل زلة العجلان. فإنه ذكر آنفًا (٢: ١٤٣) مصدر الفعل: "هاد" وهو"هودا" بفتح فسكون، وعلى ذلك إجماع أهل اللغة، ولم يأت منه مصدر مضموم الهاء، حتى يشبه بقولهم"صوم"، و"فطر"، فهما مصدران. ولا يستقيم كلام أبي جعفر حتى يكون مصدر"هاد يهود هودا" بضم الهاء، ولم يقله هو ولا قاله غيره. فسقط هذا الوجه، حتى تقيمه حجة من رواية صادقة.]]
وقد قيل: إن قوله: ﴿إلا من كان هودا﴾ ، إنما هو قوله، إلا من كان يهودا، ولكنه حذف الياء الزائدة، ورجع إلى الفعل من اليهودية. وقيل: إنه في قراءة أبي:"إلا من كان يهوديا أو نصرانيا". [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٧٣.]]
* *
وقد بينا فيما مضى معنى"النصارى"، ولم سميت بذلك، وجمعت كذلك، بما أغنى عن إعادته. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٤٣ - ١٤٥.]]
* *
وأما قوله: ﴿تلك أمانيهم﴾ ، فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن قول الذين قالوا: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ ، أنه أماني منهم يتمنونها على الله بغير حق ولا حجة ولا برهان، ولا يقين علم بصحة ما يدعون، ولكن بادعاء الأباطيل وأماني النفوس الكاذبة، كما:-
١٨٠٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تلك أمانيهم﴾ ، أماني يتمنونها على الله كاذبة.
١٨٠٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿تلك أمانيهم﴾ ، قال: أماني تمنوا على الله بغير الحق.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ بدعاء الذين قالوا: (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) - إلى أمر عدل بين جميع الفرق: مسلمها ويهودها ونصاراها، وهو إقامة الحجة على دعواهم التي ادعوا: من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى. يقول الله لنبيه محمد ﷺ: يا محمد، قل للزاعمين أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، دون غيرهم من سائر البشر: ﴿هاتوا برهانكم﴾ ، على ما تزعمون من ذلك، فنسلم لكم دعواكم إن كنتم في دعواكم - من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى - محقين.
* *
والبرهان: هو البيان والحجة والبينة. كما:-
١٨٠٤- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿هاتوا برهانكم﴾ ، هاتوا بينتكم.
١٨٠٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿هاتوا برهانكم﴾ ، هاتوا حجتكم.
١٨٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ ، قال: حجتكم. [[الأثر: ١٨٠٦ - كان في المطبوعة"حدثنا الحسن" وهو خطأ، إسناد دائر، والحسين هو الحسين بن داود المصيصي، ولقبه"سنيد" عرف به.]]
١٨٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ ، أي: حجتكم.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الكلام، وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين: ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ - إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم، لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا. وقد أبان قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ، عن أن الذي ذكرنا من الكلام، [[في المطبوعة: "على أن الذي ذكرنا"، وهو تحريف.]] بمعنى التكذيب لليهود والنصارى في دعواهم ما ذكر الله عنهم.
* *
وأما تأويل قوله: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ فإنه: أحضروا وأتوا به.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ ، أنه ليس كما قال الزاعمون ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾ ، ولكن من أسلم وجهه لله وهو محسن، فهو الذي يدخلها وينعم فيها، كما:-
١٨٠٩- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، أخبرهم أن من يدخل الجنة هو من أسلم وجهه لله الآية.
* *
وقد بينا معنى ﴿بلى﴾ فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٢٨٠، ٢٨١.]]
* *
وأما قوله: ﴿من أسلم وجهه لله﴾ ، فإنه يعني بـ "إسلام الوجه": التذلل لطاعته والإذعان لأمره. وأصل"الإسلام": الاستسلام، لأنه"من استسلمت لأمره"، وهو الخضوع لأمره. وإنما سمي"المسلم" مسلما بخضوع جوارحه لطاعة ربه. كما:-
١٨١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ ، يقول: أخلص لله.
وكما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا [[سيرة ابن هشام ١: ٢٤٦ وغيره.]]
يعني بذلك: استسلمت لطاعة من استسلم لطاعته المزن وانقادت له.
* *
وخص الله جل ثناؤه بالخبر عمن أخبر عنه بقوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ، بإسلام وجهه له دون سائر جوارحه، لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها عليه حرمة وحقا، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده عليه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب في منطقها الخبر عن الشيء، فتضيفه إلى"وجهه" وهي تعني بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى:
أَؤُوِّل الحكم على وَجهه ... ليس قضائي بالهوى الجائر [[ديوانه: ١٠٦ من قصيدته المشهورة. في منافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل، فهجا الأعشى علقمة لأمر كان بينهما. وفضل عليه عامرا. (انظر الأغاني ١٥: ٥٠ - ٥٦) . وأول الحكم: قدره ودبره ورده إلى صوابه وأصله. والجائر: المائل عن سبيل الحق. جار: ظلم ومال وقبل البيت: علقم، لا تسفه، ولا تجعلن ... عرضك للوارد والصادر
وبعده: قد قلت قولا فقضى بينكم ... واعترف المنفور للنافر]]
يعني بقوله:"على وجهه": على ما هو به من صحته وصوابه، وكما قال ذو الرمة:
فطاوعت همي وانجلى وجه بازل ... من الأمر، لم يترك خِلاجا بُزُولُها [[ديوانه: ٥٦٠ يمدح عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي، في آخر القصيدة، فقال بعد البيت: فقالت: عبيد الله من آل معمر ... إليه ارحل الأنقاض يرشد رحيلها
وقوله: "طاوعت همي"، ما هم به في نفسه. يقول: طاوعت ما همت به نفسي. وقوله: "بازل من الأمر" يعني خطة يركبها. هذا مثل. يقال: بزل ناب البعير بزولا، أي طله وانشق وظهر. ومنه قيل: بزل الأمر والرأى: قطعه. وخطة بزلاء: تفصل بين الحق والباطل. فقوله"بازل من الأمر" صفة لما أضمره من قوله"خطة"، وأتى بها على التذكير، كما أتوا بها على التذكير في قولهم: "ناقة بازل". والخلاج: الشك والتردد والتنازع. يقول: طاوعت ما جال في نفسي، فانجلى عن خطة ظاهرة انشقت وظهرت، فلم تدع للنفس مذهبا في الشك والتردد، إذ قالت: اقصد عبيد الله بن عمر بن عبيد الله بن معمر.]] يريد: وانجلى البازل من الأمر فتبين - وما أشبه ذلك، إذْ كان حسن كل شيء وقبحه في وجهه، وكان في وصفها من الشيء وجهه بما تصفه به، [[الضمير في قوله، "وصفها" إلى العرب، فيما سلف.]] إبانة عن عين الشيء ونفسه. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ، إنما يعني: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده، وهو محسن في إسلامه له جسده، فله أجره عند ربه. فاكتفى بذكر"الوجه" من ذكر"جسده" لدلالة الكلام على المعنى الذي أريد به بذكر"الوجه".
* *
وأما قوله: ﴿وهو محسن﴾ ، فإنه يعني به: في حال إحسانه. وتأويل الكلام: بلى من أخلص طاعته لله وعبادته له، محسنا في فعله ذلك.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ، فللمسلم وجهه لله محسنا، جزاؤه وثوابه على إسلامه وطاعته ربه، عند الله في معاده.
* *
ويعني بقوله: ﴿ولا خوف عليهم﴾ ، على المسلمين وجوههم لله وهم محسنون، المخلصين له الدين في الآخرة - من عقابه وعذاب جحيمه، وما قدموا عليه من أعمالهم.
* *
ويعني بقوله: ﴿ولا هم يحزنون﴾ ، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم في الدنيا، ولا أن يمنعوا ما قدموا عليه من نعيم ما أعد الله لأهل طاعته.
* *
وإنما قال جل ثناؤه: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ، وقد قال قبل: ﴿فله أجره عند ربه﴾ ، لأن"من" التي في قوله: ﴿بلى من أسلم وجهه لله﴾ ، في لفظ واحد ومعنى جميع، فالتوحيد في قوله: ﴿فله أجره﴾ للفظ، والجمع في قوله: ﴿ولا خوف عليهم﴾ ، للمعنى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾
قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال بعضهم لبعض.
ذكر من قال ذلك:
١٨١١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، وحدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، قالا جميعا- حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال، لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ، إلى قوله: ﴿فيما كانوا فيه يختلفون﴾ [[الأثر: ١٨١١ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧ - ١٩٨.]]
١٨١٢- حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ، قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد النبي ﷺ.
* *
قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية، فإن قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب! ، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب! وإنما أخبر الله عنهم بقيلهم ذلك للمؤمنين، إعلاما، منه لهم بتضييع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله، وجحودهم مع ذلك ما أنزل الله فيه من فروضه، لأن الإنجيل الذي تدين بصحته وحقيته النصارى، يحقق ما في التوراة من نبوة موسى عليه السلام، وما فرض الله على بني إسرائيل فيها من الفرائض، وأن التوراة التي تدين بصحتها وحقيقتها اليهود تحقق نبوة عيسى عليه السلام، وما جاء به من الله من الأحكام والفرائض.
ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم في قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ، مع تلاوة كل واحد من الفريقين كتابه الذي يشهد على كذبه في قيله ذلك. فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك، على علم منهم أنهم فيما قالوه مبطلون؛ وأتوا ما أتوا من كفرهم بما كفروا به على معرفة منهم بأنهم فيه ملحدون.
فإن قال لنا قائل: أو كانت اليهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله على شيء، فيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلا في قيله ما قال من ذلك؟
قيل: قد روينا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس قبل، من أن إنكار كل فريق منهم، إنما كان إنكارا لنبوة النبي ﷺ، الذي ينتحل التصديق به، وبما جاء به الفريق الآخر، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا ﷺ على شيء من دينه، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد ﷺ. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا ﷺ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد ﷺ في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها. وذلك هو معنى الخبر الذي رويناه عن ابن عباس آنفا. فكذب الله الفريقين في قيلهما ما قالا. كما:-
١٨١٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ ، قال: بلى! قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وقالت النصارى: ﴿ليست اليهود على شيء﴾ ، ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا.
١٨١٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ، قال: قال مجاهد: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
* *
وأما قوله: ﴿وهم يتلون الكتاب﴾ ، فإنه يعني به كتاب الله التوراة والإنجيل، وهما شاهدان على فريقي اليهود والنصارى بالكفر، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فيه. كما:-
١٨١٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل - قالا جميعا، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ ، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به: أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام، وفي الإنجيل مما جاء به عيسى تصديقُ موسى، وما جاء به من التوراة من عند الله ؛ وكل يكفر بما في يد صاحبه. [[الأثر: ١٨١٥ - في سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون﴾ . فقال بعضهم بما:-
١٨١٦- حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، ﴿قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ ، قال: وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
١٨١٧- حدثنا بشر بن سعيد، عن قتادة: ﴿قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ ، قال: قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم.
* *
وقال آخرون بما:-
١٨١٨- حدثنا به القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل.
* *
وقال بعضهم: عنى بذلك مشركي العرب، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلى الجهل، ونفي عنهم من أجل ذلك العلم.
ذكر من قال ذلك:
١٨١٩- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ ، فهم العرب، قالوا: ليس محمد ﷺ على شيء.
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر عن قوم وصفهم بالجهل، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين - أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ . وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى. ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى، إذْ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي، ولا خبر بذلك عن رسول الله ﷺ ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل، ولا من جهة النقل المستفيض.
وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾ ، إعلام المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل، وافتراء الكذب على الله، وجحود نبوة الأنبياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلى الله مفترون، مثل الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله، الذين لم يبعث الله لهم رسولا ولا أوحى إليهم كتابا.
وهذه الآية تنبئ عن أن من أتى شيئا من معاصي الله على علم منه بنهي الله عنها، فمصيبته في دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلا به. لأن الله تعالى ذكره عظم توبيخ اليهود والنصارى بما وبخهم به في قيلهم ما أخبر عنهم بقوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ، من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مبطلون.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين، = القائل بعضهم لبعض: لستم على شيء من دينكم - يوم قيام الخلق لربهم من قبورهم - فيتبين المحق منهم من المبطل، بإثابة المحق ما وعد أهل طاعته على أعماله الصالحة، ومجازاته المبطل منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به = فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا.
* *
وأما"القيامة" فهي مصدر من قول القائل:"قمت قياما وقيامة"، كما يقال:"عدت فلانا عيادة" و"صنت هذا الأمر صيانة".
* *
وإنما عنى"بالقيامة" قيام الخلق من قبورهم لربهم. فمعنى"يوم القيامة": يوم قيام الخلائق من قبورهم لمحشرهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾
قال أبو جعفر: قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. [[انظر ما سلف ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وهذا الجزء ٢: ١٠١ - ١٠٢، ٣٦٩]] وتأويل قوله: ﴿ومن أظلم﴾ ، وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأمره، من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها؟
* *
و"المساجد" جمع مسجد: وهو كل موضع عبد الله فيه. وقد بينا معنى السجود فيما مضى. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ١٠٤ - ١٠٥.]] فمعنى"المسجد": الموضع الذي يسجد لله فيه، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه:"المجلس"، وللموضع الذي ينزل فيه:"منزل"، ثم يجمع:"منازل ومجالس" نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب"مساجد" في واحد المساجد، وذلك كالخطأ من قائله.
* *
وأما قوله: ﴿أن يذكر فيها اسمه﴾ ، فإن فيه وجهين من التأويل. أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه، فتكون"أن" حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض، وتعلق الفعل بها.
والوجه الآخر: أن يكون معناه: ومن أظلم ممن منع أن يذكر اسم الله في مساجده، فتكون"أن" حينئذ في موضع نصب، تكريرا على موضع المساجد وردا عليه. [[قوله: "تكريرا"، أي بدل اشتمال.]]
* *
وأما قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ، فإن معناه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وممن سعى في خراب مساجد الله. فـ "سعى" إذًا عطف على "منع".
* *
فإن قال قائل: ومن الذي عنى بقوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ ؟ وأي المساجد هي؟
قيل: إن أهل التأويل في ذلك مختلفون، فقال بعضهم: الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى، والمسجد بيت المقدس.
ذكر من قال ذلك:
١٨٢٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ، أنهم النصارى.
١٨٢١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ ، النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
١٨٢٢- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* *
وقال آخرون: هو بُخْتَنَصَّر وجنده ومن أعانهم من النصارى، والمسجد: مسجد بيت المقدس.
ذكر من قال ذلك:-
١٨٢٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ، الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
١٨٢٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ ، قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
١٨٢٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ ، قال: الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
* *
وقال آخرون: بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام.
ذكر من قال ذلك:
١٨٢٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾ ، قال: هؤلاء المشركون، حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم، وقال لهم:"ما كان أحد يرد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده، وقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق!
وفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذْ قطعوا من يعمرها بذكره، [[في المطبوعة: "قالوا إذا قطعوا"، والصواب من تفسير ابن كثير ١: ٢٨٥ فهذا جزء من من الأثر، والقائل هو: ابن زيد.]] ويأتيها للحج والعمرة.
* *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ النصارى. وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده.
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك، قيام الحجة بأن لا قول في معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ ، إلا أحد المسجدين، إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام. وإذ كان ذلك كذلك = وكان معلوما أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله ﷺ وأصحابه من الصلاة فيه = صح وثبت أن الذين وصفهم الله عز وجل بالسعي في خراب مساجده، غير الذين وصفهم الله بعمارتها. إذ كان مشركو قريش بنوا المسجد الحرام في الجاهلية، وبعمارته كان افتخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فيه، كان منهم على غير الوجه الذي يرضاه الله منهم.
وأخرى، أن الآية التي قبل قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ، مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر - بقول الله عز وجل: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ - إليهم وإلى المسجد الحرام.
وإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه، وهو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت. [[أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبري في تفسير الآية، في تفسيره ١: ٢٨٥ / ٢٨٧ وقال:"اختار ابن جرير القول الأول، واحتج- بأن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعت في تخريب بيت المقدس، قال ابن كثير: والذي يظهر والله أعلم، القول الثاني، كما قاله ابن زيد ... " ثم قال:"وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا منها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم.."
ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال:"ليس المراد بعمارتها، زخرفتها وإقامة صورتها، فقط، إنما عمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها" إلى آخر ما قاله.
هذا الاعتراض من ابن كثير على أبي جعفر رحمهما الله، ليس يقوم في وجه حجة الطبري على صواب ما ذهب إليه في تأويل الآية. والطبري لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير، ولكن ابن كثير غفل عن سياق تأويل الطبري. وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك في الجاهلية في البيت الحرام يدخل في عموم معنى قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابها﴾ ، ولكن سياق الآيات السابقة، ثم التي تليها، توجب-كما ذهب إليه الطبري- أن يكون معنيا بها من كانت الآيات نازلة في خبره وقصته.
والآيات السالفة جميعا خبر عن بني إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى، وتأنيب لبني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعا، يهوديهم ونصرانيهم، وذكر لافتراء الفريقين بعضهم على بعض، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجي يوم القيامة. ثم أفرد بعد ذلك أخبار النصارى، كما أفرد من قبل أخبار بني إسرائيل، فعدد سوء فعلهم في منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولدا، ثم قول بعضهم: ﴿لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾ ، وأن ذلك شيبه بقول اليهود: ﴿أرنا الله جهرة﴾ ، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمدا بشيرا ونذيرا، وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعا لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم، في الافتراء على رب العالمين. فالسياق كما ترى، بمعزل عن المشركين من العرب، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله عليهم، تختلط عليهم المعاني حين تتقارب، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه، مطيق لحمله، لا يعجله شيء عن شيء ما استطاع. فهو يخلص معاني كتاب ربه تخليصا لم أجده قط لأحد بعده، ممن قرأ كتابه. وأكثرهم يعترض عليه، ولو صبر على دقة هذا الإمام. لكان ذلك أولى به، وأشبه بخلق أهل العلم، وهم له أهل، غفر الله لنا ولهم.]]
فإن ظن ظان أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك، إذْ كان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في [المسجد المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه فيلجئون] توجيه قوله [[الذي بين القوسين، هكذا جاء في النسخ المطبوعة والمخطوطة السقيمة. ولم أجد نقلا عن أبي جعفر يهديني إلى تصويب هذا الخلط. فاجتهدت أن استظهر سياق كلامه. فأقرب ما انتهيت إليه أن يكون فيه سقطا وتحريفا، وأن يكون سياقه كما يلي:
[إذ كان المسلمون هم المخاطبون بالآيات التي سبقت هذه الآية، وكان المسلمون لم يلزمهم قط فرض الصلاة في مسجد بيت المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه، وكان النصارى واليهود لم يمنعوهم قط من الصلاة فيه، فيجوز توجيه قوله -:} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} - إلى أنه معنى به مسجد بيت المقدس] . هذا اجتهادي في قراءة هذا النص المختلط، والله أعلم.]] ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ إلى أنه معني به مسجد بيت المقدس - فقد أخطأ فيما ظن من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنما ذكر ظلم من منع من كان فرضه الصلاة في بيت المقدس من مؤمني بني إسرائيل، وإياهم قصد بالخبر عنهم بالظلم والسعي في خراب المسجد. وإن كان قد دل بعموم قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ، أن كل مانع مصليا في مسجد لله، [[في المطبوعة: "في مسجد الله"، والصواب ما أثبت.]] فرضا كانت صلاته فيه أو تطوعا-، وكل ساع في إخرابه فهو من المعتدين الظالمين.
* *
القول في تأويل قوله جل ذكره ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، أنه قد حرم عليهم دخول المساجد التي سعوا في تخريبها، ومنعوا عباد الله المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها، ما داموا على مناصبة الحرب، إلا على خوف ووجل من العقوبة على دخولهموها، كالذي:-
١٨٢٧- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ ، وهم اليوم كذلك، لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا نهك ضربا، وأبلغ إليه في العقوبة.
١٨٢٨- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: قال الله عز وجل: ﴿ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ ، وهم النصارى، فلا يدخلون المسجد إلا مسارقة، إن قدر عليهم عوقبوا.
١٨٢٩- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أولئك ما كان لهم إن يدخلوها إلا خائفين﴾ ، فليس في الأرض رومي يدخلها اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها.
١٨٣٠- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ ، قال: نادى رسول الله ﷺ:"لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال: فجعل المشركون يقولون: اللهم إنا منعنا أن ننزل!.
* *
وإنما قيل: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ ، فأخرج على وجه الخبر عن الجميع، وهو خبر عن ﴿من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ ، لأن"من" في معنى الجميع، وإن كان لفظه واحدا. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٥١٣.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤) ﴾
قال أبو جعفر: أما قوله عز وجل: ﴿لهم﴾ ، فإنه يعني: الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. أما قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ ، فإنه يعني بـ "الخزي": العار والشر والذلة [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣١٤.]] إما القتل والسباء، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية، كما:-
١٨٣١- حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ ، قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
١٨٣٢- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ ، أما خزيهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم. فذلك الخزي. وأما العذاب العظيم، فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا. وتأويل الآية: لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي - على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعيهم في خرابها، ولهم = على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأرض فسادا = عذاب جهنم، وهو العذاب العظيم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ ، لله ملكهما وتدبيرهما، كما يقال:"لفلان هذه الدار"، يعني بها: أنها له، ملكا. فذلك قوله: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ ، يعني أنهما له، ملكا وخلقا.
* *
و"المشرق" هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال: لموضع طلوعها منه"مطلع" بكسر اللام، وكما بينا في معنى"المساجد" آنفا. [[انظر ما سلف قريبا: ٥١٩.]]
* *
فإن قال قائل: أو ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد، حتى قيل: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ ؟ قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه، وإنما معنى ذلك: ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. فتأويله إذْ كان ذلك معناه: ولله ما بين قطري المشرق، وما بين قطري المغرب، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها كل يوم.
فإن قال: أو ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت، فلله كل ما دونه [[قوله: "فلله كل ما دونه"، أي كل ما سواه من شيء.]] الخلق خلقه! قيل: بلى!
فإن قال: فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع، دون سائر الأشياء غيرها؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع. ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك. فقال بعضهم: خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس، وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مدة، ثم حولوا إلى الكعبة. فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي ﷺ، فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارق والمغارب كلها لي، أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلوا فثم وجه الله.
ذكر من قال ذلك:
١٨٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قال، كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود. فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤-١٥٠] ، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [سورة البقرة: ١٤٢] ، فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ . [[الحديث: ١٨٣٣ - علي: هو ابن أبي طلحة الهاشمي: ثقة، تكلموا فيه. والراجح أن كلامهم فيه من أجل تشيعه. ولكن لم يسمع من ابن عباس، فروى ابن أبي حاتم في المراسيل، ص: ٥٢، عن دحيم قال:"إن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير". وروي عن أبيه أبي حاتم مثل ذلك. وفي التهذيب أنه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال:"روى عن ابن عباس، ولم يره". فهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه.
ولكن معناه ثابت عن ابن عباس، من وجه صحيح. فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير ١: ٢٨٨ -"أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس.." فذكر نحوه. وهذا إسناد صحيح، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء، وهو ابن أبي رباح. وأما"عثمان ابن عطاء"، فإنه"الخراساني". وهو ضعيف. وحجاج بن محمد: سمعه منهما، من ثقة ومن ضعيف، فلا بأس. ورواه الحاكم ٢: ٢٦٧ - ٢٦٨، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. وذكره السيوطي ١: ١٠٨، ونسبه لأبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه.]]
١٨٣٤- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي نحوه.
* *
وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام. وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، [[قال ابن كثير في تفسيره ١: ٢٨٩ تعليقا على كلمة أبي جعفر رحمه الله: "في قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان - إن أراد علمه تعالى، فصحيح. فإن علمه تعالى، محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله على ذلك علوا كبيرا". قلت: الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر رحمه الله، وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من تفسيره ٢٨: ١٠، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق، وعبارته صحيحة اللفظ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنى غير المعنى الذي تدل عليه.]] كما قال جل وعز: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [سورة المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام.
ذكر من قال ذلك:
١٨٣٥- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد عن قتادة: قوله جل وعز: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ، ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [سورة البقرة: ١٤٩-١٥٠]
١٨٣٦- حدثنا الحسن قال [[في المطبوعة: "حدثت عن الحسن"، والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر في تفسيره أقربه رقم: ١٧٣١.]] أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، قال: هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام.
١٨٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام قال، حدثنا يحيى قال، سمعت قتادة في قول الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله ﷺ بمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله ﷺ صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام. فنسخها الله في آية أخرى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إِلَى ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٤٤] ، قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.
١٨٣٨- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعته - يعني زيدا - يقول: قال عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال: فقال رسول الله ﷺ:"هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه! فاستقبله النبي ﷺ ستة عشر شهرا، فبلغه أن يهود تقول: والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم! فكره ذلك النبي ﷺ، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [سورة البقرة: ١٤٤] .
* *
وقال آخرون: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ، إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة، وفي شدة الخوف، والتقاء الزحوف في الفرائض. وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك، بقوله: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ .
ذكر من قال ذلك:
١٨٣٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾ . [[الحديث: ١٨٣٩ - ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودي، سبق توثيقه: ٤٣٨. عبد الملك: هو ابن أبي سليمان، كما سيأتي في الإسناد التالي لهذا، وقد سبق توثيقه: ١٤٥٥.
والحديث رواه أحمد في المسند: ٥٠٠١، عن عبد الله بن إدريس، بهذا الإسناد. وسيأتي تمام تخريجه في الذي بعده.]]
١٨٤٠- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه قال:"إنما نزلت هذه الآية: ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾ أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعا، كان رسول الله ﷺ إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة". [[الحديث: ١٨٤٠ - ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، وهو ثقة، من شيوخ أحمد وإسحاق وغيرهما. بل روى عنه الثوري، وهو أكبر منه. مترجم في التهذيب، والكبير ١ / ١ / ١٢٠٧ -٢٠٨، وابن أبي حاتم ٤/١/٥٧ -٥٨.
والحديث رواه أحمد أيضًا: ٤٧١٤، عن يحيى القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، بنحوه. ورواه مسلم ١: ١٩٥، من طريق يحيى، وآخرين. وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ٤، بأسانيد من طريق عبد الملك.
وقد رجحنا في شرح المسند الرواية السابقة، بأن هذه الآية لم تنزل في ذلك، بل هي في معنى أعم، وإنما تصلح شاهدا ودليلا، كما يتبين ذلك من فقه تفسيرها في سياقها.]]
* *
وقال آخرون بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله عز وجل لهم: لي المشارق والمغارب، فأنى وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، [[في المطبوعة: "فإن وليتم وجوهكم". والصواب ما أثبت.]] وهو قبلتكم - معلمهم بذلك أن صلاتهم ماضية.
ذكر من قال ذلك:
١٨٤١- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال،"كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه، فلما أصبحنا، إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة. فأنزل الله عز وجل: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم﴾ . [[الحديث: ١٨٤١ - أحمد، شيخ الطبري: هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي، كما سبق نسبه كاملا في: ١٥٩، وهو صدوق، من شيوخ أبي داود، مترجم في التهذيب، وأبو أحمد: هو الزبيري. واسمه: محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، وهو ثقة حافظ، من شيوخ الإمام أحمد. مترجم في التهذيب. والكبير ١/١/١٣٣ - ١٣٤، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبي حاتم ٣ /٢ /٢٩٧.أبو الربيع السمان. هو أشعث بن سعيد، سبق في: ٢٤ أنه ضعيف جدا. عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: هو ضعيف، وقد بينا ضعفه في شرح المسند: ٥٢٢٩.
عبد الله بن عامر بن ربيعة: ثقة من كبار التابعين. وأبوه صحابي معروف، من المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها.
والحديث ذكره ابن كثير ١: ٢٨٩ - ٢٩٠، عن هذا الموضع. ووقع فيه خطأ في اسم شيخ الطبري، كتب"محمد بن إسحاق"، بدل"أحمد". وهو خطأ ناسخ أو طابع. ثم أشار ابن كثير إلى روايته الآتية: ١٨٤٣. ثم ذكر أنه رواه أيضًا الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم. ثم نقل كلام الترمذي قال:"هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان: يضعف في الحديث". قال ابن كثير:"قلت: وشيخه عاصم، أيضًا ضعيف قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك.
وقد ذهبت في شرحي للترمذي، رقم: ٣٤٥، إلى تحسين إسناده. ولكني أستدرك الآن، وأرى أنه حديث ضعيف.
ونقله السيوطي ١: ١٠٩، مع تخريجه وبيان ضعفه.]]
١٨٤٢- حدثني المثنى قال، حدثني الحجاج قال، حدثنا حماد قال، قلت للنخعي: إني كنت استيقظت - أو قال أيقظت، شك الطبري - [[لم يرد في كتب اللغة: "أيقظت" لازما، وأخشى أن يكون الطبري يصححها، وأشباهها في العربية كثير.]] فكان في السماء سحاب، فصليت لغير القبلة. قال: مضت صلاتك، يقول الله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ .
١٨٤٣- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال، كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة في سفر، فلم ندر أين القبلة فصلينا، فصلى كل واحد منا على حياله، [[في لسان العرب"فصلى كل منا حياله"، أي تلقاء وجهه، وزيادة"علي" لا تضر المعنى.]] ثم أصبحنا فذكرنا للنبي ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ . [[الحديث: ١٨٤٣ - هو مكرر الحديث: ١٨٤١.]]
* *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، لأن أصحاب رسول الله ﷺ تنازعوا في أمره، من أجل أنه مات قبل أن يصلي إلى القبلة، فقال الله عز وجل: المشارق والمغارب كلها لي، فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريدني به ويبتغي به طاعتي، وجدني هنالك. يعني بذلك أن النجاشي وإن لم يكن صلى إلى القبلة، فإنه قد كان يوجه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه، يبتغي بذلك رضا الله عز وجل في صلاته.
ذكر من قال ذلك:
١٨٤٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن معاذ قال، حدثني أبي، عن قتادة أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم! قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٩] ، قال: قتادة، فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ . [[الحديث: ١٨٤٤ - هو حديث ضعيف، لأنه مرسل وقد نقله السيوطي ١: ١٠٩، ونسبه لابن جرير: وابن المنذر. ونقله ابن كثير ١: ٢٩١، عن هذا الموضع. ثم قال: "هذا غريب". وأقول: وسياقته تدل على ضعفه ونكارته.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن الله تعالى ذكره إنما خص الخبر عن المشرق والمغرب في هذه الآية بأنهما له ملكا، وإن كان لا شيء إلا وهو له ملك - إعلاما منه عباده المؤمنين أن له ملكهما وملك ما بينهما من الخلق، وأن على جميعهم = إذ كان له ملكهم = طاعته فيما أمرهم ونهاهم، وفيما فرض عليهم من الفرائض، والتوجهِ نحو الوجه الذي وجهوا إليه، إذْ كان من حكم المماليك طاعة مالكهم. فأخرج الخبر عن المشرق والمغرب، والمراد به من بينهما من الخلق، على النحو الذي قد بينت من الاكتفاء بالخبر عن سبب الشيء من ذكره والخبر عنه، كما قيل: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ ، وما أشبه ذلك. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠، ٤٨٣.]]
ومعنى الآية إذًا: ولله ملك الخلق الذي بين المشرق والمغرب يتعبدهم بما شاء، ويحكم فيهم ما يريد عليهم طاعته، فولوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو وجهي، فإنكم أينما تولوا وجوهكم فهنالك وجهي.
* *
فأما القول في هذه الآية ناسخة أم منسوخة، أم لا هي ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، محتمل: أينما تولوا - في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوع، وفي حال مسايفتكم عدوكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثم وجه الله، كما قال ابن عمر والنخعي، ومن قال ذلك ممن ذكرنا عنه آنفا.
= ومحتمل: فأينما تولوا - من أرض الله فتكونوا بها - فثم قبلة الله التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها. كما قال:-
١٨٤٥ - أبو كريب قال حدثنا وكيع، عن أبي سنان، عن الضحاك، والنضر بن عربي، عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ، قال: قبلة الله، فأينما كنت من شرق أو غرب فاستقبلها.
١٨٤٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم، عن ابن أبي بكر، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها قال، الكعبة.
= ومحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما:-
١٨٤٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر: ٦٠] ، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ .
* *
فإذ كان قوله عز وجل: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ، محتملا ما ذكرنا من الأوجه، لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخة أو منسوخة إلا بحجة يجب التسليم لها.
لأن الناسخ لا يكون إلا بمنسوخ، ولم تقم حجة يجب التسليم لها بأن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ، مَعْنِيٌّ به: فأينما توجهوا وجوهكم في صلاتكم فثم قبلتكم؛ ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس، أمرا من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة، فيجوز أن يقال: هي ناسخة الصلاة نحو بيت المقدس، إذ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة التابعين، من ينكر أن تكون نزلت في ذلك المعنى، ولا خبر عن رسول الله ﷺ ثابت بأنها نزلت فيه، وكان الاختلاف في أمرها موجودا على ما وصفت.
= ولا هي - إذ لم تكن ناسخة لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ كانت محتملة ما وصفنا: بأن تكون جاءت بعموم، ومعناها: في حال دون حال - [[في المطبوعة: "أو معناها في حال دون حال"، وهو فاسد. ومراده أن الآية جاءت عامة، وتحتمل أحد معنيين: إما في حال دون حال_ وإما في كل حال، كما فصل بعد.]] إن كان عني بها التوجه في الصلاة، وفي كل حال إن كان عني بها الدعاء، وغير ذلك من المعاني التي ذكرنا.
وقد دللنا في كتابنا:"كتاب البيان عن أصول الأحكام"، على أن لا ناسخ من آي القرآن وأخبار رسول الله ﷺ إلا ما نفى حكما ثابتا، وألزم العباد فرضه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. [[في المطبوعة: "لظاهره"، وانظر ما سلف في معنى"الظاهر والباطن" ٢: ١٥ والمراجع]] فأما إذا ما احتمل غير ذلك من أن يكون بمعنى الاستثناء أو الخصوص والعموم، أو المجمل، أو المفسر، فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل، بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع. ولا منسوخ إلا المنفي الذي كان قد ثبت حكمه وفرضه.
ولم يصح واحد من هذين المعنيين لقوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ ، بحجة يجب التسليم لها، فيقال فيه: هو ناسخ أو منسوخ.
* *
وأما قوله: ﴿فأينما﴾ ، فإن معناه: حيثما.
* *
وأما قوله: ﴿تولوا﴾ فإن الذي هو أولى بتأويله أن يكون: تولون نحوه وإليه، كما يقول القائل:"وليته وجهي ووليته إليه"، [[في المطبوعة: "وليت وجهي"، والصواب ما أثبت.]] بمعنى: قابلته وواجهته. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لإجماع الحجة على أن ذلك تأويله وشذوذ من تأوله بمعنى: تولون عنه فتستدبرونه، فالذي تتوجهون إليه وجه الله، بمعنى قبلة الله.
* *
وأما قوله: ﴿فثم﴾ فإنه بمعنى: هنالك.
* *
واختلف في تأويل قوله: ﴿فثم وجه الله﴾ [[في المطبوعة: "فثم، فقال بعضهم"، والصواب إثبات"وجه الله".]] فقال بعضهم: تأويل ذلك: فثم قبلة الله، يعني بذلك وجهه الذي وجههم إليه.
ذكر من قال ذلك:
١٨٤٨- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن مجاهد: ﴿فثم وجه الله﴾ قال: قبلة الله.
١٨٤٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني إبراهيم، عن مجاهد قال، حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها.
* *
وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، فثم الله تبارك وتعالى.
* *
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، فثم تدركون بالتوجه إليه رضا الله الذي له الوجه الكريم.
* *
وقال آخرون: عنى بـ "الوجه" ذا الوجه. وقال قائلو هذه المقالة: وجه الله صفة له.
* *
فإن قال قائل: وما هذه الآية من التي قبلها؟
قيل: هي لها مواصلة. وإنما معنى ذلك: ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، ولله المشرق والمغرب، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه، فإن وجهه هنالك، يسعكم فضله وأرضه وبلاده، ويعلم ما تعملون، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه - أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله، تبتغون به وجهه.
* *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿واسع﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وأما قوله: ﴿عليم﴾ ، فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا﴾ ، الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ﴿وقالوا﴾ : معطوف على قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ .
* *
وتأويل الآية: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وقالوا اتخذ الله ولدا، وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله؟ فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم: [[في المطبوعة: "ومنفيا ما نحلوه". وانتفى من الشيء: تبرأ منه. ونحله الشيء: نسبه إليه. والفرية: الكذب المختلق.]] ﴿سبحانه﴾ ، يعني بها: تنزيها وتبريئا من أن يكون له ولد، وعلوا وارتفاعا عن ذلك. وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل:"سبحان الله"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف ١: ٤٧٤، ٤٩٥.]]
* *
ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا. ومعنى ذلك: وكيف يكون المسيح لله ولدا، وهو لا يخلو إما أن يكون في بعض هذه الأماكن، إما في السموات، وإما في الأرض، ولله ملك ما فيهما. ولو كان المسيح ابنا كما زعمتم، لم يكن كسائر ما في السموات والأرض من خلقه وعبيده، في ظهور آيات الصنعة فيه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: مطيعون.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كل له قانتون﴾ ، مطيعون.
١٨٥١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿كل له قانتون﴾ ، قال: مطيعون قال، طاعة الكافر في سجود ظله.
١٨٥٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله، إلا أنه زاد: بسجود ظله وهو كاره.
١٨٥٣- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿كل له قانتون﴾ ، يقول: كل له مطيعون يوم القيامة.
١٨٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني يحيى بن سعيد، عمن ذكره، عن عكرمة: ﴿كل له قانتون﴾ ، قال: الطاعة.
١٨٥٥- حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قانتون﴾ ، مطيعون.
* *
وقال آخرون: معنى ذلك كل له مقرون بالعبودية.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: ﴿كل له قانتون﴾ ، كل مقر له بالعبودية.
* *
وقال آخرون بما:-
١٨٥٧- حدثني به المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿كل له قانتون﴾ ، قال: كل له قائم يوم القيامة.
* *
ولِـ "القنوت" في كلام العرب معان: أحدها الطاعة، والآخر القيام، والثالث الكف عن الكلام والإمساك عنه.
* *
وأولى معاني "القنوت" في قوله: ﴿كل له قانتون﴾ ، الطاعة والإقرار لله عز وجل بالعبودية، بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة، والدلالة على وحدانية الله عز وجل، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها. وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولدا بقوله: ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾ ، ملكا وخلقا. ثم أخبر عن جميع ما في السموات والأرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها، وأن الله تعالى بارئها وصانعها. وإن جحد ذلك بعضهم، فألسنتهم مذعنة له بالطاعة، بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك، وأن المسيح أحدهم، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته؟
* *
وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وِجْهتَه، أن قوله: ﴿كل له قانتون﴾ ، خاصة لأهل الطاعة وليست بعامة. وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها، إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينا في كتابنا:"كتاب البيان عن أصول الأحكام".
* *
وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله - مكذبهم هو والسموات والأرض وما فيها، إما باللسان، وإما بالدلالة. وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم، بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودية، عقيب قوله: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا﴾ ، فدل ذلك على صحة ما قلنا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بديع السموات والأرض﴾ ، مبدعها.
* *
وإنما هو"مُفْعِل" صرف إلى"فعيل" كما صرف"المؤلم" إلى"أليم"، و"المسمع" إلى"سميع". [[انظر ما سلف ١: ٢٥١، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٣٧٧، ٥٠٦.]] ومعنى"المبدع": المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. ولذلك سمي المبتدع في الدين"مبتدعا"، لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره. وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعا. ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة، [[في المطبوعة: "الأعشى بن ثعلبة"، وهو خطأ محض.]] في مدح هَوْذَة بن علي الحنفي:
يُرعي إلى قول سادات الرجال إذا ... أبدوا له الحزم، أو ما شاءه ابتدعا [[سلف تخريجه في هذا الجزء: ٢: ٤٦٤.]]
أي يحدث ما شاء، ومنه قول رؤبة بن العجاج:
فأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا ... إن كنت لله التقي الأطوعا
فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا [[ديوانه: ٨٧، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم. ورواية الديوان"القذاف الأتبعا"، وليس لها معنى يدرك، ورواية الطبري لها مخرج في العربية. "الغاشي" من قولهم: غشي الشيء: أي قصده وباشره أو نزل به. والقذاف: سرعة السير والإبعاد فيه، أو كأنه أراد الناحية البعيدة، وإن لم أجده في كتب العربية. والأتيع: لم أجده في شيء، ولعله أخذه من قولهم: تتايع القوم في الأرض: إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة. يقول: يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق- يعني به: من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة.]]
يعني: أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه.
* *
فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه؟
* *
وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده، أن مما يشهد له بذلك: المسيح، الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته. [[نقل ابن كثير في تفسيره ١: ٢٩٤، عبارة الطبري ثم قال: "وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد، وعبارة صحيحة"، فاستحسن ابن كثير ما خف محمله، ولكن ما ثقل عليه آنفًا (انظر ص: ٥٢٢ تعليق: ١) كان مثارا لاعتراضه، مع أنه أعلى وأجود وأدق وألطف، وأصح عبارة، وأعمق غورا. وهذا عجب من العجب فيما ناله ابن جرير من قلة معرفة الناس بسلامة فهمه، ولطف إدراكه.]] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٨٥٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿بديع السموات والأرض﴾ ، يقول: ابتدع خلقها، ولم يشركه في خلقها أحد.
١٨٥٩- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿بديع السموات والأرض﴾ ، يقول: ابتدعها فخلقها، ولم يُخلق قبلها شيء فيتمثل به. [[الأثر: ١٨٥٩- كان في المطبوعة: "ولم يخلق مثلها شيئا فتتمثل به"، وهو كلام فاسد. والصواب في الدر المنثور ١: ١١٠.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإذا قضى أمرا﴾ ، وإذا أحكم أمرا وحتمه. [[حتم الأمر: قضاه قضاء لازما.]]
* *
وأصل كل"قضاء أمر" الإحكام، والفراغ منه. [[كان في المطبوعة: "قضاء الإحكام"، والصواب ما أثبت.]] ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس:"القاضي" بينهم، لفصله القضاء بين الخصوم، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه به. [[في المطبوعة"فراغه" وزيادة"منه" واجبة.]] ومنه قيل للميت:"قد قضى"، يراد به قد فرغ من الدنيا، وفصل منها. ومنه قيل:"ما ينقضي عجبي من فلان"، يراد: ما ينقطع. ومنه قيل:"تقضي النهار"، إذا انصرم، ومنه قول الله عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: ٢٣] أي: فصل الحكم فيه بين عباده، بأمره إياهم بذلك، وكذلك قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء: ٤] ، أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به، ففرغنا إليهم منه. ومنه قول أبي ذؤيب:
وعليهما مسرودتان، قضاهما ... داود أو صَنَعَ السوابغِ تُبَّعُ [[ديوانه: ١٩، والمفضليات: ٨٨١ وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٢، وسيأتي في تفسير الطبري ١١: ٦٥، ٢٢: ٤٧ (بولاق) ، من قصيدته التي فاقت كل شعر، يرثى أولاده حين ماتوا بالطاعون. والضمير في قوله: "وعليهما" إلى بطلين وصفهما في شعره قبل، كل قد أعد عدته: فتناديا فتواقفت خيلاهما ... وكلاهما بطل اللقاء مخدع
متحاميين المجد، كل واثق ... ببلائه، واليوم يوم أشنع
وعليهما مسرودتان. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"مسرودتان"، يعني درعين، من السرد، وهو الخرز أو النسج، قد نسجت حلقهما نسجا محكما. وداود: هو نبي الله ﷺ. وتبع: اسم لكل ملك من ملوك حمير (انظر ما سلف ٢: ٢٣٧) . قال ابن الأنباري: "سمع بأن الحديد سخر لداود عليه السلام، وسمع بالدروع التبعية، فظن أن تبعا عملها. وكان تبع أعظم من أن يصنع شيئا بيده، وإنما صنعت في عهده وفي ملكه". والصنع: الحاذق بعمله، والمرأة: صناع. ويروى: "وعليهما ماذيتان"، يعني درعين. والماذية: الدرع الخالصة الحديد، اللينة السهلة.]] ويروى:
وتعاورا مسرودتين قضاهما * [["تعاورا"، يعني - كما قالوا: تعاورا بالطعن، مسرودتين. من قولهم: تعاورنا فلانا بالضرب: إذا ضربته أنت ثم صاحبك. ورأيي أنها رواية مرفوضة، لا تساوق لشعر فإنه يقول بعده: وكلاهما في كفه يزنية ... فيها سنان، كالمنارة أصلع
وكلاهما متوشح ذارونق ... عضبا، إذا مس الضريبة يقطع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ ... كنوافذ العُبُط التي لا ترفع
فهو يصف، ثم يخبر أنهما قد تضاربا ضربا مهلكا، ولا معنى لتقديم الطعن ثم العود إلى صفة السلاح، إلا على بعد واستكراه.]]
ويعني بقوله:"قضاهما"، أحكمهما. ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [[هو جزء بن ضرار، أخو الشماخ بن ضرار. وقد اختلف في نسبتها. نسبت للشماخ، ولغيره، حتى نسبوها إلى الجن (انظر طبقات فحول الشعراء: ١١١، وحماسة أبي تمام ٣: ٦٥، وابن سعد ٣: ٢٤١، والأغاني ٩: ١٥٩، ونهج البلاغة ٣: ١٤٧، والبيان والتبيين ٣: ٣٦٤، وتأويل مشكل القرآن: ٣٤٣، وغيرها كثير) . هذا والصواب أن يقول: "في رثاء عمر بن الخطاب".]]
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بَوائِق في أكمامها لم تَفَتَّقِ [[البوائق جمع بائقة: وهي الداهية المنكرة التي فتحت ثغرة لا تسد. والأكمام جمع كم _ (بضم الكاف وكسرها) . وهو غلاف الثمرة قبل أن ينشق عنه. وقوله: "لم تفتق"، أصلها: تتفتق، حذف إحدى التاءين. وتفتق الكم عن زهرته: انشق وانفطر. ورحم الله عمر من إمام جمع أمور الناس حياته، حتى إذا قضى انتشرت أمورهم.]]
ويروى:"بوائج". [[بوائج جمع بائجة: وهي الداهية التي تنفتق انفتاقا منكرا فتعم الناس، وتتابع عليهم شرورها من قولهم: باج البرق وانباج وتبوج: إذا لمع وتكشف وعم السحاب، وانتشر ضوؤه.]]
* *
وأما قوله: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ ، فإنه يعني بذلك: وإذا أحكم أمرا فحتمه، فإنما يقول لذلك الأمر"كن"، فيكون ذلك الأمر على ما أمره الله أن يكون وأراده.
* *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ ؟ وفي أي حال يقول للأمر الذي يقضيه:"كن"؟ أفي حال عدمه، وتلك حال لا يجوز فيها أمره، [[في المطبوعة: "وتلك حال لا يجوز أمره"، بإسقاط"فيها"، وهي واجبة، واستظرتها من السياق ومن الشطر الآتي من السؤال.]] إذْ كان محالا أن يأمر إلا المأمور، فإذا لم يكن المأمور استحال الأمر،؛ وكما محالٌ الأمر من غير آمر، فكذلك محال الأمر من آمر إلا لمأمور. [[في المطبوعة: "كما محال الأمر"، بإسقاط الواو، وهي واجب إثباتها. ويعنى بقوله: "المأمور"، أي الموجود المأمور.]] أم يقول له ذلك في حال وجوده؟ = وتلك حال لا يجوز أمره فيها بالحدوث، لأنه حادث موجود، ولا يقال للموجود:"كن موجودا" إلا بغير معنى الأمر بحدوث عينه؟
قيل: قد تنازع المتأولون في معنى ذلك، ونحن مخبرون بما قالوا فيه، والعلل التي اعتل بها كل فريق منهم لقوله في ذلك: [[أحب أن أنبه قارئ هذا التفسير، أن يلقى باله إلى سياق أقوال القائلين، وكيف يخلص هو المعاني بعضها من بعض، وكيف يصيب الحجة بعقل ولطف إدراك، وصحة بيان عن معاني الكلام، وعن تأويل آيات كتاب ربنا سبحانه وتعالى ثم لينظر بعد ذلك أقوال المفسرين، وكيف تجنبوا الإيغال فيما توغل هو فيه، ثقة بعون الله له، ثم اتباعا لأهدى السبل في طلب المقاصد.]]
* *
قال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن أمره المحتوم - على وجه القضاء لمن قضى عليه قضاء من خلقه الموجودين أنه إذا أمره بأمر نفذ فيه قضاؤه، ومضى فيه أمره، نظير أمره من أمر من بني إسرائيل بأن يكونوا قردة خاسئين، وهم موجودون في حال أمره إياهم بذلك، وحتم قضائه عليهم بما قضى فيهم، وكالذي خسف به وبداره الأرض، وما أشبه ذلك من أمره وقضائه فيمن كان موجودا من خلقه في حال أمره المحتوم عليه.
فوجه قائلو هذا القول قوله: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ ، إلى الخصوص دون العموم
* *
وقال آخرون: بل الآية عام ظاهرها، فليس لأحد أن يحيلها إلى باطن بغير حجة يجب التسليم لها. [[انظر معنى: "الظاهر، والباطن" فيما سلف: ٢: ١٥ والمراجع.]] وقال: إن الله عالم بكل ما هو كائن قبل كونه. فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة لعلمه بها قبل كونها، نظائر التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها:"كوني"، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له، ولعلمه بها في حال العدم.
* *
وقال آخرون: بل الآية وإن كان ظاهرها ظاهرَ عمومٍ، فتأويلها الخصوص، لأن الأمر غير جائز إلا لمأمور، على ما وصفت قبل. قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، فالآية تأويلها: وإذا قضى أمرا من إحياء ميت، أو إماتة حي، ونحو ذلك، فإنما يقول لحي:"كن ميتا، أو لميت: كن حيا"، وما أشبه ذلك من الأمر.
* *
وقال آخرون: بل ذلك من الله عز وجل خبر عن جميع ما ينشئه ويكونه، أنه إذا قضاه وخلقه وأنشأه، كان ووجد - ولا قول هنالك عند قائلي هذه المقالة، إلا وجود المخلوق وحدوث المقضي -. وقالوا: إنما قول الله عز وجل: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، نظير قول القائل:"قال فلان برأسه" و"قال بيده"، إذا حرك رأسه، أو أومأ بيده ولم يقل شيئا، وكما قال أبو النجم:
وقالت للبَطْنِ الْحَقِ الحق ... قِدْمًا فآضت كالفَنِيقِ المحنِق [[لم أجد الرجز كاملا، والبيتان في اللسان (حنق) . يصف ناقة أنضاها السير. والأنساع جمع نسع (بكسر فسكون) ، وهو سير يضفر عريضا تشد به الرحال. ولحق البطن يلحق لحوقا: ضمر. أي قالت سيور التصدير لبطن الناقة: كن ضامرا. يعني بذلك ما أضناها من السير. وقدما: أي منذ القدم قال بشامة بن الغدير. لا تظلمونا، ولا تنسوا قرابتنا ... إطوا إلينا، فقدما تعطف الرحم
ويعني أبو النجم: أن الضمور قد طال بها، فإن الأنساع قالت ذلك منذ زمن بعيد. وآض: صار ورجع. والفنيق الجمل الفحل المودع للفحلة، لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم، فهو ضخم شديد التركيب. والمحنق: الضامر القليل اللحم. والإحناق: لزوق البطن بالصلب.]]
ولا قول هنالك، وإنما عنى أن الظهر قد لحق بالبطن. وكما قال عمرو بن حممة الدوسي: [[يقال له أيضًا: كعب بن حممة، وهو أحد المعمرين، زعموا عاش أربعمائة سنة غير عشر سنين. وهو أحد حكام العرب، ويقال إنه هو"ذو الحلم" الذي قرعت له العصا، فضرب به المثل.]]
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه ... إذا رام تطيارا يقال له: قعِ [[كتاب المعمرين: ٢٢، وحماسة البحتري: ٢٠٥ ومعجم الشعراء: ٢٠٩، وهي أبيات.]]
ولا قول هناك، وإنما معناه: إذا رام طيرانا وقع، وكما قال الآخر:
امتلأ الحوض وقال: قطني ... سلا رويدا، قد ملأت بطني [[أمالي ابن الشجري ١: ٣١٣، ٢: ١٤٠، واللسان (قطط) . وفي المطبوعة: "سيلا"، والصواب في اللسا وأمالي ابن الشجري، والرواية المشهورة"مهلا رويدا". وقطني: حسبي وكفاني وللنحاة كلام كثير في"قطني". وقوله"سلا": كأنه من قولهم: انسل السيل: وذلك أول ما يبتدئ حين يسيل، قبل أن يشتد. كأنه يقول: صبا رويدا.]]
* *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) ، أن يقال: هو عام في كل ما قضاه الله وبرأه، لأن ظاهر ذلك ظاهر عموم، وغير جائزة إحالة الظاهر إلى الباطن من التأويل بغير برهان لما قد بينا في كتابنا:"كتاب البيان عن أصول الأحكام". وإذ كان ذلك كذلك، فأمر الله جل وعز لشيء إذا أراد تكوينه موجودا بقوله: ﴿كن﴾ في حال إرادته إياه مكوَّنا، لا يتقدم وجود الذي أراد إيجاده وتكوينه، [[في المطبوعة: "وجوده" الذي أراد إيجاده" وزيادة الهاء في"وجوده" لا مكان لها.]] إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه. [[يقول: إن وجود الشيء، لا يتقدم إرادة الله وأمره، ولا يتأخر عنهما.]] فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود مرادا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودا إلا وهو مأمور بالوجود مراد كذلك. ونظير قوله: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [سورة الروم: ٢٥] بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله، ولا يتأخر عنه.
* *
ويسألُ من زعم أن قوله: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز، [[يقول: "يسأل من زعم. . عن دعوة أهل القبور".]] عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم، أم بعده؟ أم هي في خاص من الخلق؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا أُلزم في الآخر مثله.
ويسألُ الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه: ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ ، نظير قول القائل:"قال فلان برأسه أو بيده"، إذا حركه وأومأ، ونظير قول الشاعر: [[هو المثقب العبدي.]]
تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني [[المفضليات: ٥٨٦، والكامل ١: ١٩٣ وطبقات فحول الشعراء: ٢٣١، وسيأتي في تفسيره ٤: ١١٢ (بولاق) من قصيدة جيدة، يقول قبله في ناقته: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
ودرأ الوضين لناقته: بسطه على الأرض، ثم أبركها عليه ليشد عليها رحلها. والوضين: حزام عريض من جلد منسوج يشد به رحل البعير. والدين: الدأب والعادة.]]
وما أشبه ذلك-: فإنهم لا صواب اللغة أصابوا، ولا كتاب الله، وما دلت على صحته الأدلة اتبعوا - فيقال لقائلي ذلك: إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له:"كن"، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك؟ فإن أنكروه كذبوا بالقرآن، وخرجوا من الملة.
وإن قالوا: بل نقر به، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل:"قال الحائط فمال" ولا قول هنالك، وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط.
قيل لهم: أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول: إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل؟
فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب، وخالفوا منطقها وما يعرف في لسانها.
وإن قالوا: ذلك غير جائز.
قيل لهم: إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشيء ووصفه ووكده. وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل:"قال الحائط فمال"، فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ ، وقول القائل:"قال الحائط فمال"؟ وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله.
* *
وإذا كان الأمر في قوله جل ثناؤه: ﴿وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ ، هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بالوجود حال وجود المأمور بالوجود، فبَيِّنٌ بذلك أن الذي هو أولى بقوله: ﴿فيكون﴾ [[في المطبوعة: "فتبين"، والصواب ما أثبت.]] الرفع على العطف على قوله [[في المطبوعة: "فيكون على العطف" سقط من الناسخ قوله: الرفع".]] ﴿يقول﴾ لأن"القول" و"الكون" حالهما واحد. وهو نظير قول القائل:"تاب فلان فاهتدى"، و"اهتدى فلان فتاب"، لأنه لا يكون تائبا إلا وهو مهتد، ولا مهتديا إلا وهو تائب. فكذلك لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود.
ولذلك استجاز من استجاز نصب"فيكون" من قرأ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ، بالمعنى الذي وصفنا على معنى: أن نقول فيكونَ.
وأما رفع من رفع ذلك، [[وهذه هي قراءة مصحفنا اليوم.]] فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله: ﴿إذا أردناه أن نقول له كن﴾ . إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا، ثم ابتدأ بقوله: فيكون، كما قال جل ثناؤه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ، [سورة الحج: ٥] وكما قال ابن أحمر:
يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوارا [[المعاني الكبير: ٨٤٦، ١١٣٤، وسيبويه ١: ٣٤١، من أبيات يذكر صديقا كان له، يقول: أرانا لا يزال لنا حميم ... كداء البطن سِلا أو صُفارا
يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها، فينتجها حوارا
ويزعم أنه ناز علينا ... بشرته فتاركنا تبارا
جعل هذا الصديق كداء البطن لا يدري من أين يهج ولا كيف يتأتى له. وهو يعالج من الشر ما لا يقدر عليه، فكأنه يطلب الولد من عاقر. جعل ذلك مثلا. والحوار: ولد البقرة. والشرة: حدة الشر، والتبار: الهلاك.]] يريد: فإذا هو يَنتجها حُوارا.
* *
فمعنى الآية إذًا: وقالوا اتخذ الله ولدا، سبحانه أن يكون له ولد! بل هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته. وأنى يكون له ولد، وهو الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بمقدرته وسلطانه، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده! بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه:"كن"، فيكون موجودا كما أراده وشاءه. فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاؤه، إذْ أراد خلقه من غير والد.
القول في تأويل قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ ، فقال بعضهم: عنى بذلك النصارى.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعز: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾ ، قال: النصارى تقوله.
١٨٦١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله - وزاد فيه ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ ، النصارى.
* *
وقال آخرون: بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٢- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير. وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، قالا جميعا: حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال، قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ: إن كنت رسولا من عند الله كما تقول، فقل لله عز وجل فليكلمنا حتى نسمع كلامه! فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾ ، الآية كلها. [[الأثر: ١٨٦٢ - سيرة ابن هشام ٢: ١٩٨.]]
* *
وقال آخرون: بل عنى بذلك مشركي العرب.
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية﴾ ، وهم كفار العرب.
١٨٦٤- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله﴾ ، قال: هم كفار العرب.
١٨٦٥- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله﴾ ، أما الذين لا يعلمون: فهم العرب.
* *
وأولى هذه الأقوال بالصحة والصواب قول القائل: إن الله تعالى عنى بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ ، النصارى دون غيرهم. لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا. فقال جل ثناؤه، مخبرا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله: ﴿اتخذ الله ولدا﴾ ، تمنوا على الله الأباطيل، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ ، كما يكلم رسوله وأنبياءه، أو تأتينا آية كما أتتهم؟ ولا ينبغي لله أن يكلم إلا أولياءه، ولا يؤتي آية معجزة على دعوى مدع إلا لمن كان محقا في دعواه وداعيا إلى الله وتوحيده، فأما من كان كاذبا في دعواه وداعيا إلى الفرية عليه وادعاء البنين والبنات له، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته عليه.
وأمّا الزاعم: أن الله عنى بقوله [[في المطبوعة: "وقال الزاعم. . " والصواب ما أثبت، كما استدركه مصحح المطبوعة.]] ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ العرب، فإنه قائل قولا لا خبر بصحته، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب. والقول إذا صار إلى ذلك كان واضحا خطؤه، لأنه ادعى ما لا برهان على صحته، وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد.
* *
وأما معنى قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ ، فإنه بمعنى: هلا يكلمنا الله! كما قال الأشهب بن رميلة: [[ليس للأشهب، بل هو لجرير، وقد تابعه ابن الشجري في أماليه ٢: ٢١٠، كأنه نقله عنه كعادته.]]
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى، لولا الكمي المقنعا [[ديوان جرير: ٣٣٨، النقائض: ٨٣٣، وسيأتي في التفسير ٧: ١١٩ (بولاق) غير منسوب، ومجاز القرآن: ٥٢، وأمالي ابن الشجري ١: ٢٧٩، ٣٣٤ / ٢: ٢١٠، والخزانة ١: ٤٦١. ورواية الديوان والنقائض: "أفضل سعيكم". والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق. وقوله: "عقر النيب". عقر الناقة أو الفرس: ضرب قوائمها فقطعها، وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، ثم نحروه، وإنما يفعلون به ذلك كيلا يشرد عند النحر. وكان العرب يتكارمون بالمعاقرة. وهي أن يعقر هذا ناقة، فيعقر الآخر، يتباريان في الجود والسخاء، ويلحان في ذلك حتى يغلب أحدهما صاحبه. والنيب جمع ناب: وهي الناقة المسنة، أسموها بذلك لطول نابها. ويشير جرير بذلك إلى ما كان يفخر به الفرزدق من معاقرة أبيه غالب بن صعصعة، سحيم بن وثيل الرياحي بمكان يقال له"صوأر"، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له، وعقر غالب مئة، أو مئتين. وهذا أمر من أمور الجاهلية قال ابن عباس: " لا تأكلوا من تعاقر الأعراب، فإني لا آمن أن يكون مما أهل لغير الله به"، وقال علي رضي الله عنه: "يا أيها الناس، لا تحل لكم، فإنها أهل بها لغير الله". (انظر خبر المعاقرة في النقائض: ٦٢٥ - ٦٢٦) .
وقوله: "بني ضوطرى"، يعني: يا بني الحمقى. هكذا قيل، وأخشى أن لا يكون كذلك، فإن: "ضوطرى" نبز لرجل من بني مجاشع بن دارم - لم يعينوه - فقال جرير للفرزدق: إن ابن شعرة، والقرين، وضوطرى ... بئس الفوارس ليلة الحدثان
فهذا دليل على أنه شخص بعينه، أرجو أن أحققه في غير هذا المكان. وقد أراد ذمه بأسلافه على كل. والكمي: الشجاع الذي لا يرهب، فلا يحيد عن قرنه، كان عليه سلاح أو لم يكن.
وقوله: "تعدون" أي تحسبون وتجعلون، فعدى الفعل"عد" إلى مفعولين، تضمينا لمعنى"جعل وحسب"، كما قال ذو الرمة: أشم أغر أزهر هبرزي ... يعد القاصدين له عيالا]]
بمعنى: فهلا تعدون الكمي المقنع! كما:
١٨٦٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لولا يكلمنا الله﴾ قال: فهلا يكلمنا الله!
قال أبو جعفر: فأما"الآية" فقد ثبت فيما قبل معنى الآية أنها العلامة. [[انظر ما سلف: ١: ١٠٦.]] وإنما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: هلا تأتينا آية على ما نريد ونسأل، [[في المطبوعة: "عما نريده ونسأل"، والصواب ما أثبت.]] كما أتت الأنبياء والرسل! فقال عز وجل: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ .
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ، فقال بعضهم في ذلك بما:-
١٨٦٧- حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ، هم اليهود.
١٨٦٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قال الذين من قبلهم﴾ ، اليهود.
* *
وقال آخرون: هم اليهود والنصارى، لأن الذين لا يعلمون هم العرب. [[في المطبوعة: "هم اليهود"، والصواب ما أثبت، كما استظهره مصحح المطبوعة، ودليل ذلك أنه سيروى بعد عن قتادة، وقد مضى في رقم: ١٧٦٣ بإسناده هذا عن قتادة: أن" الذين لا يعلمون"، هم كفار العرب، والأثر التالي تتمة هذا الأثر السالف.]]
ذكر من قال ذلك:
١٨٦٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: ﴿قال الذين من قبلهم﴾ ، يعني اليهود والنصارى وغيرهم.
١٨٧٠- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال، قالوا يعني - العرب- كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم.
١٨٧١- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ، يعني اليهود والنصارى.
* *
قال أبو جعفر: قد دللنا على أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله﴾ ، هم النصارى، والذين قالوا مثل قولهم هم اليهود [[في المطبوعة: "والذين قالت". والضمير في قوله"والذين قالوا" إلى النصارى يعود. وانظر دليله فيما سلف قريبا: ٥٥٠.]] سألت موسى ﷺ أن يريهم ربهم جهرة، [[في المطبوعة: "وسألت موسى"، وحذف الواو أولى. وكان أحب أن يكون"سألوا" مكان"سألت".]] وأن يسمعهم كلام ربهم، كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا - [[انظر ما سلف في تفسير الآية: ٥٥، والأثر: ٩٥٩.]] وسألوا من الآيات ما ليس لهم مسألته تحكما منهم على ربهم، وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكما منها عليه أن يسمعهم كلامه ويريهم ما أرادوا من الآيات. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول في ذلك، مثل الذي قالته اليهود وتمنت على ربها مثل أمانيها، وأن قولهم الذي قالوه من ذلك إنما يشابه قول اليهود من أجل تشابه قلوبهم في الضلالة والكفر بالله. فهم وإن اختلفت مذاهبهم في كذبهم على الله وافترائهم عليه، فقلوبهم متشابهة في الكفر بربهم والفرية عليه، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام. وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد.
١٨٧٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ قلوب النصارى واليهود.
* *
وقال غيره: [[في المطبوعة: "وقال غيرهم"، والصواب ما أثبت، فإنه روى قول مجاهد وحده.]] معنى ذلك تشابهت قلوب كفار العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
ذكر من قال ذلك:
١٨٧٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ ، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
١٨٧٤- حدثني المثنى، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ ، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.
* *
قال أبو جعفر: وغير جائز في قوله: ﴿تشابهت﴾ التثقيل، لأن التاء التي في أولها زائدة أدخلت في قوله:"تفاعل"، وإن ثقلت صارت تاءين، ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد، وإنما يجوز ذلك في الاستقبال لاختلاف معنى دخولهما، لأن إحداهما تدخل علما للاستقبال، والأخرى منها التي في"تفاعل"، ثم تدغم إحداهما في الأخرى فتثقل، فيقال: تشابه بعد اليوم قلوبنا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٧٥، وعبارة الطبري هنا تصحح الخطأ الذي هناك.]]
* *
فمعنى الآية: وقالت النصارى، الجهال بالله وبعظمته: هلا يكلمنا الله ربنا، كما كلم أنبياءه ورسله، أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟ قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم، قال من قبلهم من اليهود، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة، ويؤتيهم آية، واحتكموا عليه وعلى رسله، وتمنوا الأماني. فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ ، قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود، وجعل منهم القردة والخنازير، وأعد لهم العذاب المهين في معادهم، والتي من أجلها أخزى الله النصارى في الدنيا، وأعد لهم الخزي والعذاب الأليم في الآخرة، والتي من أجلها جعل سكان الجنان الذين أسلموا وجوههم لله وهم محسنون في هذه السورة وغيرها. فأعلموا الأسباب التي من أجلها استحق كل فريق منهم من الله ما فعل به من ذلك، وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون، لأنهم أهل التثبت في الأمور، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة. فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه، ويعلم حقيقة الأمر، إذْ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه، وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه. وقد يحتمل غيره من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب، وذلك منفي عن خبر الله عز وجل.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
قال أبو جعفر: ومعنى قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ، إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان، وهو الحق؛ مبشرا من اتبعك فأطاعك، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا، والظفر بالثواب في الآخرة، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا، والذل فيها، والعذاب المهين في الآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) ﴾
قال أبو جعفر: قرأت عامة الْقَرَأَة: ﴿ولا تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ ، بضم"التاء" من"تسئل"، ورفع"اللام" منها على الخبر، بمعنى: يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغت ما أرسلت به، وإنما عليك البلاغ والإنذار، ولست مسئولا عمن كفر بما أتيته به من الحق، وكان من أهل الجحيم.
وقرأ ذلك بعض أهل المدينة: ﴿ولا تَسألْ﴾ جزما. بمعنى النهي، مفتوح"التاء" من"تسأل"، وجزم"اللام" منها. ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا لتبلغ ما أرسلت به، لا لتسأل عن أصحاب الجحيم، فلا تسأل عن حالهم. وتأول الذين قرءوا هذه القراءة ما:-
١٨٧٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت: ﴿ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم﴾ .
١٨٧٦- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال، قال رسول الله ﷺ: ليت شعري ما فعل أبواي؟ ليت شعري ما فعل أبواي؟ ليت شعري ما فعل أبواي؟ " ثلاثا، فنزلت: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم﴾ ، فما ذكرهما حتى توفاه الله. [[الحديثان: ١٨٧٥، ١٨٧٦ - هما حديثان مرسلان. فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي: تابعي. والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا، بضعف راويهما: موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي: ضعيف جدا، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ /١/ ٢٩١، والصغير: ١٧٢ - ١٧٣، وابن أبي حاتم ٤ /١ /١٥١، فقال البخاري: "منكر الحديث قاله أحمد بن حنبل. وقال علي بن المديني، عن القطان: كنا نتقيه تلك الأيام". وروى ابن أبي حاتم عن الجوجزاني قال: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة، قلنا: يا أبا عبد الله، لا يحل؟ قال: عندي، قلت: فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه؟ قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه". وقال ابن معين: "لا يحتج بحديثه". وقال أبو حاتم: "منكر الحديث". وأبوه"عبيدة"، بالتصغير، ووقع في المطبوعة في الإسنادين"عبدة". وهو خطأ.]]
١٨٧٧- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني داود بن أبي عاصم، أن النبي ﷺ قال ذات يوم:"ليت شعري أين أبواي؟ " فنزلت: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ . [[الحديث: ١٨٧٧ - وهذا مرسل أيضًا، لا تقوم به حجة.
داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة، ويروى عن بعض التابعين أيضًا. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٢١٠. والجرح ١/٢/٤٢١. ووقع في المطبوعة"داو عن أبي عاصم". وهو تحريف، صححناه من ابن كثير ١: ٢٩٧.
ونقل ابن كثير ١: ٢٩٦ عن القرطبي أنه قال: "وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا أبويه حتى آمنا به، وأجبنا عن قوله: إن أبي وأباك في النار". ثم علق ابن كثير، فقال: "الحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام - ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف".
وأنا أرى أن الإفاضة في مثل هذا غير مجدية، وما أمرنا أن نتكلف القول فيه.]]
* *
قال أبو جعفر: والصواب عندي من القراءة في ذلك قراءة من قرأ بالرفع، على الخبر. لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى، وذكر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم على أنبيائه، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿إنا أرسلناك﴾ يا محمد ﴿بالحق بشيرا﴾ ، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه، ﴿ونذيرا﴾ من كفر بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك. ولم يجر - لمسألة رسول الله ﷺ ربه عن أصحاب الجحيم ذكر، فيكون لقوله: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ، وجه يوجه إليه. وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة، على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره، فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك. ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي ﷺ نهي عن أن يسأل -في هذه الآية عن أصحاب الجحيم، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنزيل. والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية، وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر، دون النهي عن المسألة عنهم. [[حجة قوية لا ترد، وبصر بسياق معاني القرآن وتتابعها. ولكن كثيرا من الناس يغفلون عن مواطن الحق في موضع بعينه، لاختلاط الأمر عليهم لمشابهته لموطن آخر في موضع غيره، كما سترى في التعليق التالي رقم: ٤٠.]]
* *
فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام - في أن أهل الشرك من أهل الجحيم، وأن أبويه كانا منهم، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب، إن كان الخبر عنه صحيحا. مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ ، بـ "الواو" - بقوله: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ ، وتركه وصل ذلك بأوله بـ "الفاء"، وأن يكون:"إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا فلا تسأل عن أصحاب الجحيم" - [[كان في المطبوعة: "بالواو يقول: فلا تسئل عن أصحاب الجحيم. . . بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم" وهو خطأ كما استدركه مصحح المطبوعة في تعليقه.]] أوضح الدلالة على أن الخبر بقوله: [[في المطبوعة: "أوضح الدلائل" بالجمع، والإفراد هو الصواب، وكأنه سبق قلم من ناسخ.]] "ولا تسئل"، أولى من النهي، والرفع به أولى من الجزم. وقد ذكر أنها في قراءة أبي: ﴿وما تسأل﴾ ، وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ولن تسأل﴾ ، وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه، دون النهي. [[قال ابن كثير في تفسيره ١: ٢٩٧" وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول ﷺ في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه، قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في الصحيح. ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير والله أعلم".
ينسى ابن كثير غفر الله له، ما أعاد الطبري وأبدأ من ذكر سياق الآيات المتتابعة، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم. وقد بينا آنفًا ص: ٥٢١ تعليق: ١ أن هذه الآيات السالفة والتي تليها، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى، ولا شأن لمشركي العرب بها. وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية. تحكم بلا خبر ولا بينة. (وانظر ص: ٥٦٥) .
إن ابن كثير غفل عن معنى الطبري، فإن الطبري أراد أن يدل على شيئين: أن خبر محمد بن كعب لا يصح، وأنه إن صح عنه من وجه، فإن نزول الآية لم يكن لهذا الذي روي عنه. وبيان ذلك: أن الخبر لا يصح، لأنه جاء على صيغة التشكك من رسول الله ﷺ، في أمر بعض أهل الجاهلية: ما فعل به، في جنة أو نار! وهذا مما يتنزه عنه رسول الله ﷺ. وفرق كبير بين أن يستغفر رسول الله ﷺ لأبويه اللذين كانا من أهل الجاهلية، وعلى مثل أمرها من الشرك، وبين أن يتشكك في أمرهما فيقول:"ليت شعري ما فعل أبواي؟ ". وإنما يصح كلام ابن كثير، إذا كان بين هذا التشكك، وبين الاستغفار رابط يوجب أن يكون أحدهما ملازما للآخر، أو بسبب منه. ثم يرد الخبر أيضًا، لأن سياق الآيات يدل ظاهرها البين على أنها في اليهود والنصارى نزلت، فلا يمكن تخصيص شطر من آية من هذه الآيات المتتابعة، على خبر لا يصح، لعلة موهنة له. فلست أدري لم أقحم ابن كثير الاستغفار والتبرؤ في هذا الموضع، مع وضوح حجة الطبري في الفقرة السالفة. من جهة السياق، وفي هذه الفقرة من جهة العربية؟
إن بعض المشكلات التي يدور عليها جدال الناس، ربما أغفلت مثل ابن كثير عن مواطن الدقة والصواب والتحري، وهم يفسرون كتاب الله الذي لا يخالف بعضه بعضا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل، ونستهديك في البيان عن معاني كتابك.]]
* *
وقد كان بعض نحويي البصرة يوجه قوله: ﴿ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ إلى الحال، كأنه كان يرى أن معناه: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسئول عن أصحاب الجحيم. وذلك إذا ضم"التاء"، وقرأه على معنى الخبر، وكان يجيز على ذلك قراءته:"ولا تسأل"، بفتح"التاء" وضم"اللام" على وجه الخبر بمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، غير سائل عن أصحاب الجحيم. وقد بينا الصواب عندنا في ذلك.
وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري في ذلك، يدفعهما ما روي عن ابن مسعود وأبي من القراءة، [[في المطبوعة: يرفعهما ما روي. . . " والصواب ما أثبت.]] لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من"ما" و"لن" يدل على انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله: ﴿ولا تسأل﴾ . وإذا كان ابتداء لم يكن حالا.
* *
وأما ﴿أصحاب الجحيم﴾ ، ف"الجحيم"، هي النار بعينها إذا شبت وقودها، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
إذا شبت جهنم ثم دارت ... وأَعْرَض عن قوابسها الجحيم [[ديوانه: ٥٣، وروايته: "ثم فارت"، وكأنها هي الصواب، وأخشى أن يكون البيت محرفا. لم أعرف معنى"قوابسها" هناك، وأظنه"قدامسها" جمع قدموس، وهي الحجارة الضخمة الصلبة، كقوله تعالى: "وقودها الناس والحجارة"، وأعرض الشيء اتسع وعرض، وقوله"عن" أي بسبب قذف هذه الحجارة فيها. هذا أقرب ما اهتديت إليه من معناه، ويرجح ذلك البيت الذي يليه، وفيه جواب"إذا": تحش بصندل صم صلاب ... كأن الضاحيات لها قضيم
وكأنه يعني بالضاحيات: النخيل. وشعر أمية مشكل على كل حال.]]
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ، وليست اليهود، يا محمد، ولا النصارى براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا، وذلك مما لا يكون منك أبدا، لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الألفة عليه سبيل.
* *
وأما"الملة" فإنها الدين، وجمعها الملل.
* *
ثم قال جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد - لهؤلاء النصارى واليهود الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ - ﴿إن هدى الله هو الهدى﴾ ، يعني إن بيان الله هو البيان المقنع، والقضاء الفاصل بيننا، فهلموا إلى كتاب الله وبيانه- الذي بين فيه لعباده ما اختلفوا فيه، وهو التوراة التي تقرون جميعا بأنها من عند الله، يتضح لكم فيها المحق منا من المبطل، وأينا أهل الجنة، وأينا أهل النار، وأينا على الصواب، وأينا على الخطأ.
وإنما أمر الله نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى هدى الله وبيانه، لأن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى، وبيان أمر محمد ﷺ، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ولئن اتبعت﴾ ، يا محمد، هوى هؤلاء اليهود والنصارى - فيما يرضيهم عنك - من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضائهم، ووافقت فيه محبتهم - من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة - ما لك من الله من ولي = يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك، وقيم يقوم به = ولا نصير، ينصرك من الله، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته، ويمنعك من ذلك، إن أحل بك ذلك ربك. وقد بينا معنى"الولي" و"النصير" فيما مضى قبل. [[انظر ما سلف في هذا الجزء ٢: ٤٨٨، ٤٨٩.]]
وقد قيل: إن الله تعالى ذكره أنزل هذه الآية على نبيه محمد ﷺ، لأن اليهود والنصارى دعته إلى أديانها، وقال كل حزب منهم: إن الهدى هو ما نحن عليه دون ما عليه، غيرنا من سائر الملل. فوعظه الله أن يفعل ذلك، وعلمه الحجة الفاصلة بينهم فيما ادعى كل فريق منهم.