John Shaqi

Islam · Tafsir · Tafsir al-Tabari

Surah Al-Baqara

Tafsir al-Tabari · The Cow · 286 ayat · ayat 31–60 · Quran text →

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾

٦٤٠- حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا يعقوب القُمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: بعث ربُّ العزة مَلكَ الموت فأخذ من أديم الأرض، من عذْبها ومالحها، فخلق منه آدم. ومن ثَمَّ سُمي آدم. لأنه خُلق من أديم الأرض [[الخبر: ٦٤٠- هذا إسناد صحيح. ورواه الطبري في التاريخ أيضًا ١: ٤٦، بهذا الإسناد، بزيادة في آخره. ولكن فيه: "بعث رب العزة إبليس" بدل"ملك الموت". وهذا هو الصواب الموافق لسائر الروايات، فلعل ما هنا تحريف قديم من الناسخين. وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات ١/١/٦، عن حسين بن حسن الأشقر، عن يعقوب بن عبد الله القمي، بهذا الإسناد. وكذلك نقله السيوطي ١: ٤٧، مطولا، عن ابن سعد، والطبري، وابن أبي حاتم، وابن عساكر.]] .

٦٤١- وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: إن آدم خُلق من أديم الأرض، فيه الطيّب والصالح والرديء، فكل ذلك أنت راءٍ في ولده، الصالح والرديء [[الخبر: ٦٤١- رواه الطبري في التاريخ ١: ٤٦، بهذا الإسناد. وذكره السيوطي ١: ٤٧، منسوبًا للطبري وحده، ولم أجده عند غيره. وإسناده ضعيف جدًّا. عمرو بن ثابت: هو ابن أبي المقدام الحداد، ضعيف جدًّا، قال ابن معين: "ليس بثقة ولا مأمون". وأما أبوه"ثابت بن هرمز أبو المقدام"، فإنه ثقة. ويزيد هذا الإسناد ضعفًا وإشكالا - قوله فيه: "عن جده"! فإن ترجمة ثابت في المراجع كلها ليس فيها أنه يروي عن أبيه"هرمز". ثم لا نجد لهرمز هذا ذكرا ولا ترجمة، فما أدرى مم هذا؟]] .

٦٤٢- وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مِسعر، عن أبي حَصين، عن سعيد بن جُبير، قال: خُلق آدم من أديم الأرض، فسمِّي آدم.

٦٤٣- وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، قال: إنما سمي آدمَ لأنه خلق من أديم الأرض [[الأثران: ٦٤٢، ٦٤٣- رواهما الطبري في التاريخ أيضًا ١: ٤٦، بهذين الإسنادين. وذكره بنحوه السيوطي ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢. و"أبو حصين"، فيهما بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، وهو: عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي، ثقة ثبت صاحب سنة.]] .

٦٤٤- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أنّ ملك الموت لما بُعث ليأخذ من الأرض تربةَ آدم، أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاءَ وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. ولذلك سُمي آدم، لأنه أخذ من أديم الأرض [[الخبر: ٦٤٤- مضى ضمن خبر مطول، بهذا الإسناد: ٦٠٧.]] .

وقد روى عن رسول الله ﷺ خبرٌ يحقق ما قال مَن حكينا قوله في معنى آدم. وذلك ما-:

٦٤٥- حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عوف -وحدثنا محمد بن بشار، وعمر بن شَبة- قالا حدثنا يحيى بن سعيد -قال: حدثنا عوف- وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وعبد الوهاب الثقفي، قالوا: حدثنا عوف -وحدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عنبسة- عن عوف الأعرابي، عن قَسامَة بن زُهير، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ الله خلق آدم من قَبضة قَبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسهلُ والحَزْن، والخبيث والطيب [[الحديث: ٦٤٥- هو حديث صحيح. ورواه أحمد في المسند ٤: ٤٠٠، ٤٠٦ (حلبى) ، وابن سعد في الطبقات ١/١/٥-٦، وأبو داود: ٤٦٩٣، والترمذي ٤: ٦٧-٦٨، والحاكم ٢: ٢٦١-٢٦٢، كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن قسامة بن زهير، به. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي ١: ٤٦، ونسبه لهؤلاء، ولعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وغيرهم. ورواه أيضًا الطبري في التاريخ ١: ٤٦، بهذه الأسانيد التي هنا، بزيادة في آخره.]] .

فعلى التأويل الذي تأول"آدم" من تأوله، بمعنى أنه خُلق من أديم الأرض، يجب أن يكون أصْل"آدم" فعلا سُمي به أبو البشر، كما سمي"أحمد" بالفعل من الإحماد، و"أسعد" من الإسعاد، فلذلك لم يُجَرَّ. ويكون تأويله حينئذ: آدمَ المَلكُ الأرضَ، يعني به بلغ أدمتها -وأدَمتها: وجهها الظاهر لرأي العين، كما أنّ جلدة كل ذي جلدة له أدَمة. ومن ذلك سُمي الإدام إدَامًا، لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه- ثم نقل من الفعل فجعل اسمًا للشخص بعينه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الأسماء التي علمها آدمَ ثم عَرضها على الملائكة، فقال ابن عباس ما-:

٦٤٦- حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسانٌ ودابة، وأرض وَسهل وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. [[الخبر: ٦٤٦- في ابن كثير ١: ١٣٢، والدر المنثور ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢ وقد مضى برقم: ٦٠٦، مطولا.]] .

٦٤٧- وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد - وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قول الله:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: علمه اسم كل شيء.

٦٤٨- وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن خُصيف، عن مجاهد:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: علمه اسم كل شيء [[الأثران: ٦٤٧، ٦٤٨- في الدر المنثور ١: ٤٩، وكأنهما اختصار لما بعدهما.]] .

٦٤٩- وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم الجَرمي، عن محمد بن مصعب، عن قيس بن الربيع، عن خُصيف، عن مجاهد، قال: علمه اسم الغراب والحمامة واسم كل شيء [[الأثر: ٦٤٩- لم أجده بنصه ولعله مطول الذي قبله، وانظر ما سيأتي رقم: ٦٦٦. و"مسلم الجرمي": ثبت في الأصول بالحاء. وقد مضى في: ١٥٤ ترجيحنا أنه بالجيم.]] .

٦٥٠- وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شَريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: علمه اسمَ كل شيء، حتى البعير والبقرة والشاة [[الأثر: ٦٥٠- في الدر المنثور ١: ٤٩.]] .

٦٥١- وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن شَريك، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن مَعبد، عن ابن عباس، قال: علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة [[الخبر: ٦٥١- سعيد بن معبد: تابعي، يروي عن ابن عباس، لم أجد له ترجمة إلا في التاريخ الكبير للبخاري ٢/١/٤٦٨، والجرح لابن أبي حاتم ٢/١/٦٣. وكلاهما ذكر أنه يروي عن ابن عباس، ويروي عنه: القاسم بن أبي بزة. فجاءنا الطبري بفائدة زائدة، في هذا الإسناد، وفي الإسناد: ٦٥٣: أنه يروي عنه أيضًا عاصم بن كليب. وهذا الخبر ذكره بنحوه: ابن كثير ١: ١٣٢، والسيوطي ١: ٤٩. ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم. وهذا الخبر والثلاثة بعده، متقاربة المعنى، هي روايات لخبر واحد.]] .

٦٥٢- وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن الحسن بن سعد، عن ابن عباس:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: حتى الفسوة والفُسيَّة.

٦٥٣- حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا محمد بن مُصعب، عن قيس، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن مَعبد، عن ابن عباس في قول الله:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة.

٦٥٤- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم بن كليب، قال: قال ابن عباس: علمه القصعة من القُصيعة، والفسوة من الفسية [[الخبر: ٦٥٤- عاصم بن كليب الجرمي: ثقة يحتج به. ولكنه إنما يروي عن التابعين، فروايته عن ابن عباس هنا منقطعة. وقد دلتنا الأسانيد الثلاثة الماضية على أنه إنما روى هذا المعنى عن سعيد بن معبد، وعن الحسن بن سعد، عن ابن عباس.]] .

٦٥٥- وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"وعلم آدم الأسماء كلها" حتى بلغ:"إنك أنتَ العليمُ الحكيم" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم"، فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه، وألجأه إلى جنسه [[الأثر: ٦٥٥- في الدر المنثور ١: ٤٩، بغير هذا اللفظ. وانظر رقم: ٦٩٧.]] .

٦٥٦- وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: علمه اسم كل شيء، هذا جبل، وهذا بحر، وهذا كذا وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [[الأثر: ٦٥٦- في ابن كثير ١: ١٣٣ مختصرًا، وفي الدر المنثور ١: ٤٩ مطولا وفي ابن كثير: "ثم عرض تلك الأسماء".]] .

٦٥٧- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم -ومبارك، عن الحسن- وأبي بكر عن الحسن وقتادة، قالا علمه اسم كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش، وجعل يسمي كل شيء باسمه. [[الأثر: ٦٥٧- في ابن كثير ١: ١٣٣ بغير هذا اللفظ مختصرًا، وفي الدر المنثور ١: ٤٩، وسيأتي كما جاء فيهما برقم: ٦٦٧.]]

٦٥٨ - وحُدِّثت عن عمّار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: اسم كل شيء. [[الأثر: ٦٥٨- لم أجده.]]

وقال آخرون: علم آدم الأسماء كلها، أسماء الملائكة.

ذكر من قال ذلك:

٦٥٩ - حُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"وعلم آدمَ الأسماء كلها"، قال: أسماء الملائكة. [[الأثر: ٦٥٩- في ابن كثير ١: ١٣٢، والدر المنثور ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢.]]

وقال آخرون: إنما علمه أسماء ذريته كلها.

ذكر من قال ذلك:

٦٦٠ - حدثني محمد بن جرير، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"وعلم آدم الأسماء كلها"، قال: أسماء ذريته أجمعين. [[الأثر: ٦٦٠- في ابن كثير ١: ١٣٢، والدر المنثور ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢.]]

وأوْلَى هذه الأقوال بالصواب، وأشبهها بما دل على صحته ظاهرُ التلاوة، قول من قال في قوله:"وعلم آدم الأسماء كلها" إنها أسماءُ ذرِّيَّته وأسماءُ الملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق. وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال:"ثمّ عرَضهم على الملائكة"، يعني بذلك أعيانَ المسمَّين بالأسماء التي علمها آدم. ولا تكادُ العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة. وأمّا إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوَى من وصفناها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون، فقالت:"عرضهن" أو"عرضها"، وكذلك تفعل إذا كنَتْ عن أصناف من الخلق كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمم وفيها أسماءُ بني آدم والملائكة، فإنها تكنى عنها بما وصفنا من الهاء والنون أو الهاء والألف. وربما كنَتْ عنها، إذا كان كذلك [[في المطبوعة: "إذ كان. . . " وهو خطأ.]] بالهاء والميم، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [سورة النور: ٤٥] ، فكنى عنها بالهاء والميم، وهي أصناف مختلفة فيها الآدمي وغيره. وذلك، وإن كان جائزًا، فإن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وَصفنا، من إخراجهم كنايةَ أسماء أجناس الأمم - إذا اختلطت - بالهاء والألف أو الهاء والنون. فلذلك قلتُ: أولى بتأويل الآية أن تكون الأسماء التي علَّمها آدمَ أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة، وإن كان ما قال ابن عباس جائزًا على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله:"والله خَلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بَطنه" الآية. وقد ذكر أنها في حرف ابن مسعود:"ثم عَرضهن"، وأنها في حرف أبَيّ:"ثم عَرضَها". [[انظر تفسير ابن كثير ١: ١٣٢ في التعقيب على كلام الطبري.]]

ولعل ابن عباس تأول ما تأول من قوله: علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسيَّة، على قراءة أبيّ، فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أبيّ. وتأويل ابن عباس - على ما حُكي عن أبيّ من قراءته - غيرُ مستنكر، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب، على نحو ما تقدم وصفي ذلك.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾

قال أبو جعفر: قد تقدم ذكرنا التأويل الذي هو أولى بالآية، على قراءتنا ورَسم مُصْحفنا، وأن قوله:"ثم عَرَضهم"، بالدلالة على بني آدم والملائكة، أولى منه بالدلالة على أجناس الخلق كلها، وإن كان غيرَ فاسد أن يكون دالا على جميع أصناف الأمم، للعلل التي وصفنا.

ويعني جل ثناؤه بقوله:"ثم عَرضَهم"، ثم عرَض أهل الأسماء على الملائكة.

وقد اختلف المفسرون في تأويل قوله:"ثم عَرضَهم على الملائكة" نحو اختلافهم في قوله:"وعلم آدمَ الأسماء كلها". وسأذكر قول من انتهى إلينا عنه فيه قولٌ.

٦٦١ - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"ثم عَرضهم على الملائكة"، ثم عرض هذه الأسماء، يعني أسماء جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق. [[الخبر: ٦٦١- هو من تمام الآثار السالفة قريبًا.]]

٦٦٢ - وحدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"ثم عرضهم"، ثم عرض الخلقَ على الملائكة [[الخبر: ٦٦٢- مختصر من الخبر الطويل الماضي قريبًا، وفي ابن كثير ١: ١٣٢.]] .

٦٦٣ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره. قال: ثم عرضهم على الملائكة [[الأثر: ٦٦٣- في الدر المنثور ١: ٤٩.]] .

٦٦٤ - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"ثم عرضهم"، قال: علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة [[الأثر: ٦٦٤- مختصر أثر سلف بإسناده هذا، وفي ابن كثير ١: ١٣٣.]] .

٦٦٥ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"ثم عرضهم"، عرض أصحاب الأسماء على الملائكة [[الأثر: ٦٦٥- في ابن كثير: ١: ١٣٣، والدر المنثور ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢.]]

٦٦٦ - وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس، عن خُصَيف، عن مجاهد:"ثم عرضهم على الملائكة"، يعني عرض الأسماء، الحمامةَ والغراب [[الأثر: ٦٦٦- في ابن كثير ١: ١٣٤، وانظر ما مضى قريبًا بإسناده.]] .

٦٦٧ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا علّمه اسم كل شيء: هذه الخيلَ، وهذه البغال، وما أشبه ذلك. وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعُرضت عليه أمة أمة [[الأثر: ٦٦٧- انظر ما مضى رقم: ٦٥٧ وابن كثير ١: ١٣٣، والدر المنثور ١: ٤٩.]] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"أنبئوني": أخبروني، كما:-

٦٦٨ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"أنبئوني"، يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء [[الخبر: ٦٦٨- مختصر من الخبر رقم: ٦٠٦.]] .

ومنه قول نابغة بني ذُبيان:

وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا ... حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ [[ديوانه: ٨٧ من قصيدة له، في عمرو بن هند، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه. وقال أبو عبيدة: هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق. ورواية الديوان: "أن حيًّا حلولا" بالنصب، صفة "حيًّا" وهي الرواية الجيدة. وخبر"أن" محذوف، كأنه يقول: قد تألبوا يترصدون لك. وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم. والبيت الذي يليه دال على ذلك، وهو قوله: وَأَنَّ الْقَوْمَ نَصْرُهُمُ جَمِيعٌ ... فِئَامٌ مُجْلِبُونَ إِلَى فِئَامِ

ورواية الرفع، لا بأس بها، وإن كنت لا أستجيدها. وقوله: "حرام" كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم. أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد. ودار جذام جبال حسمى، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان: حسمى) . فمن أجل أن بنى عذرة هذه ديارهم قريبة من جذام، شككت فيمن عني النابغة ببني حرام في هذا البيت.]]

يعني بقوله:"أنبأه": أخبره وأعلمه.

* *

القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾

قال أبو جعفر:

٦٦٩ - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله:"بأسماء هؤلاء"، قال: بأسماء هذه التي حدَّثتُ بها آدمَ.

٦٧٠- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" يقول: بأسماء هؤلاء التي حَدّثت بها آدم. [[الأثران: ٦٦٩، ٦٧٠- لم أجدهما في مكان.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.

٦٧١ - فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"إن كنتم صادقين"، إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. [[الخبر: ٦٧١- مختصر من الخبر السالف رقم ٦٠٦، وانظر التعليق، هناك على هذه الفقرة. وانظر الشوكاني ١: ٥٢.]]

٦٧٢ - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"إن كنتم صادقين" أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. [[الخبر: ٦٧٢- مختصر من الخبر السالف رقم ٦٠٧، وابن كثير ١: ١٣٣، والدر المنثور ١: ٥٠، والشوكاني ١: ٥٢.]]

٦٧٣ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [[الأثر: ٦٧٣- مختصر من الأثر السالف رقم ٦١١، وابن كثير ١: ١٣٣.]] .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، تأويلُ ابن عباس ومن قال بقوله. ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة - القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء من غيرنا، أم منا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس. فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم = بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بَعدُ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم = أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي.

وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته - الذين قالوا له:"أتجعل فيها من يفسد فيها"، من جهة عتابه جل ذكره إياهم - نظيرُ قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [سورة هود: ٤٥]-: لا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [[في المطبوعة: "وأنت أحكم الحاكمين فلا تسألن"، وهو خطأ فاحش، فإن الآية التي تلي قوله: "وأنت أحكم الحاكمين": "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم. . . "، ولم يرد الطبري أن يسوق الآيتين، بل ساق قول الله سبحانه لنبيه حين قال ما قال. والصواب ما في المخطوطة كما أثبتناه.]] . فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خُلفاءه في الأرض ليسبّحوه ويقدسوه فيها، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعلُه في الأرض خليفةً، يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فقال لهم جل ذكره:"إني أعلم ما لا تعلمون". يعني بذلك: إني أعلم أنّ بعضكم فاتِحُ المعاصي وخاتِمُها، وهو إبليس، منكرًا بذلك تعالى ذكره قولهم. ثم عرّفهم موضع هَفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانًا، - فكيف بما لم يروه ولم يُخبَروا عنه؟ - بعرَضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ، وقيله لهم:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبّحتموني وقدستموني، وإن استخلفت فيها غيرَكم عَصَاني ذُريته وأفسدوا وسفكوا الدماء. فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم هَفوة زَلتهم، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"، فسارعوا الرجعة من الهفوة، وبادروا الإنابة من الزلة، كما قال نوح - حين عوتب في مَسئلته فقيل له: لا تسأَلْنِ ما ليس لك به علم [[في المطبوعة هنا أيضًا: "فلا تسألن".]] -: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة هود: ٤٧] . وكذلك فعلُ كل مسدَّد للحق موفَّق له - سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه أوْبته.

وقد زعم بعض نحويّي أهل البصرة أنّ قوله:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين"، لم يكن ذلك لأن الملائكة ادّعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب، وعلمه بذلك وفضله، فقال:"أنبئوني إن كنتم صادقين" - كما يقول الرجل للرجل:"أنبئني بهذا إن كنت تعلم". وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهلٌ.

وهذا قول إذا تدبره متدبر، علم أن بعضَه مُفسدٌ بعضًا. وذلك أن قائله زعم أن الله جل ثناؤه قال للملائكة - إذ عرَض عليهم أهل الأسماء -: أنبئوني بأسماء هؤلاء، وهو يعلم أنهم لا يعلمون، ولا هم ادّعوا علم شيء يوجب أن يُوبَّخوا بهذا القول.

وزعم أن قوله:"إن كنتم صادقين" نظير قول الرجل للرجل:"أنبئني بهذا إن كنت تعلم". وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهل.

ولا شك أن معنى قوله:"إن كنتم صادقين" إنما هو: إن كنتم صادقين، إمّا في قولكم، وإما في فعلكم. لأن الصّدق في كلام العرب، إنما هو صدق في الخبر لا في العلم. وذلك أنه غير معقول في لغة من اللغات أن يقال: صدَق الرجل بمعنى علم. فإذْ كان ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون الله جل ثناؤه قال للملائكة - على تأويل قول هذا الذي حكينا قوله في هذه الآية-:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" وهو يعلم أنهم غيرُ صادقين، يريد بذلك أنهم كاذبون. وذلك هو عين ما أنكره، لأنه زعم أن الملائكة لم تدَّع شيئًا، فكيف جاز أن يقال لهم: إن كنتم صَادقين، فأنبئوني بأسماء هؤلاء؟ هذا مع خروج هذا القول - الذي حكيناه عن صاحبه - من أقوال جميع المتقدمين والمتأخرين من أهل التأويل والتفسير.

وقد حُكي عن بعض أهل التفسير أنه كان يتأول قوله:"إن كنتم صادقين" بمعنى: إذْ كنتم صادقين.

ولو كانت"إن" بمعنى"إذ" في هذا الموضع، لوجب أن تكون قراءتها بفتح ألفها، لأن"إذ" إذا تقدّمها فعل مُستقبل صارت علة للفعل وسببًا له. وذلك كقول القائل:"أقوم إذ قمت". فمعناه أقوم من أجل أنّك قمت. والأمرُ بمعنى الاستقبال، فمعنى الكلام - لو كانت"إن" بمعنى"إذ" -: أنبئوني بأسماء هؤلاء من أجل أنكم صادقون. فإذا وُضعت "إن" مكان ذلك قيل: أنبئوني بأسماء هؤلاء أنْ كنتم صَادقين، مفتوحةَ الألف. وفي إجماع جميع قُرّاء أهل الإسلام على كسر الألف من"إنْ"، دليل واضح على خطأ تأويل من تأول"إن" بمعنى"إذ" في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته، بالأوبة إليه، وتسليم علم ما لم يعلموه له، وتبرِّيهم من أن يعلموا أو يعلم أحد شيئًا إلا ما علّمه تعالى ذكره.

وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبرَ، والذكرى لمن ادّكر، والبيان لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيد، عمّا أودع الله جل ثناؤه آيَ هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن.

وذلك أن الله جل ثناؤه احتجّ فيها لنبيه ﷺ على من كان بين ظَهْرَانَيْه من يَهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن جل ثناؤه أطلعَ عليها من خلقه إلا خاصًّا، ولم يكن مُدرَكًا علمه إلا بالإنباء والإخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به فمن عنده، ودلّ فيها على أنّ كل مخبر خبرًا عما قد كان - أو عما هو كائن مما لم يكنْ، ولم يأته به خبر، ولم يُوضَع له على صحّته برهان، - فمتقوّلٌ ما يستوجبُ به من ربه العقوبة. ألا ترى أنّ الله جل ذكره ردّ على ملائكته قِيلَهم:"أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويَسفكُ الدماءَ ونَحنُ نُسبح بحمدك ونقدسُ لك" قال:"إني أعلمُ ما لا تعلمونَ"، وعرفهم أن قِيلَ ذلك لم يكن جائزًا لهم، بما عرّفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء، فقال:"أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتمْ صادقين". فلم يكن لهم مَفزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجز، والتبرِّي إليه أن يعلموا إلا ما علّمهم، بقولهم:"سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علّمتنا". فكان في ذلك أوضحُ الدلالة وأبينُ الحجة، على كذب مقالة كلّ من ادعى شيئًا من علوم الغيب من الحُزاة والكهنة والعافَةِ والمنجِّمة [[الحزاة جمع حاز: وهو كالكاهن، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه. ويقال للذي ينظر في النجوم ويتكهن حاز وحزاء، وفي حديث هرقل أنه"كان حزاء"، وفي الحديث: "كان لفرعون حاز"، أي كاهن. والكهنة جمع كاهن: وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعى معرفة الأسرار. وفي المطبوعة"والقافة" مكان"والعافة"، وهو خطأ بين، فالقيافة ليست مما أراد الطبري في شيء، وهي حق، لا باطل كباطل التحزي والكهانة والتنجيم. والعافة جمع عائف: وهو الذي يعيف الطير فيزجرها ويتفاءل أو يتشاءم بأسمائها وأصواتها وممرها. واسم حرفته: العيافة، وفي الحديث: "العيافة والطرق من الجبت". وهو ضرب من الكهانة. والمنجم والمتنجم: الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها، ثم يربط بين ذلك وبين أحوال الدنيا والناس، فيقول بالظن في غيب أمورهم.]] . وذكَّر بها الذين وَصَفنا أمرَهم من أهل الكتاب - سوالفَ نعمه على آبائهم، وأياديَه عند أسلافهم، عند إنابتهم إليه، وإقبالهم إلى طاعته، مُستعطفَهم بذلك إلى الرشاد، ومُستعتِبَهم به إلى النجاة. وحذَّرهم - بالإصرار والتمادي في البغي والضلال - حلولَ العقاب بهم، نظيرَ ما أحلّ بعدوِّه إبليس، إذ تمادَى في الغيّ والخَسَار [[في المطبوعة: "في البغي والخسار"، والصواب ما في المخطوطة.]]

قال: وأما تأويل قوله:"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"، فهو كما:-

٦٧٤ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"قالوا سبحانك" تنزيهًا لله من أن يكون أحدٌ يعلم الغيبَ غيرُه، تُبنا إليك"لا علم لنا إلا ما عَلَّمتنا"، تبرِّيًا منهم من علم الغيب،"إلا ما علَّمتنا" كما علمت آدم [[الخبر: ٦٧٤- مختصر من الخبر رقم: ٦٠٦. وفي المطبوعة هنا"تبرؤًا منهم".]] .

وسُبحان مصدر لا تصرُّف له [[انظر ما مضى: ص ٤٧٤ التعليق رقم: ٣.]] . ومعناه: نسبِّحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبيحًا، وننزهك تنزيهًا، ونبرّئك من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا.

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: أنك أنت يَا ربنا العليمُ من غير تعليم بجميع ما قد كان وما وهو كائن، والعالم للغيوب دون جميع خلقك. وذلك أنّهم نَفَوْا عن أنفسهم بقولهم:"لا علمٌ لنا إلا ما علَّمتنا"، أن يكون لهم علم إلا ما علمهم ربهم، وأثبتوا ما نَفَوْا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم:"إنك أنتَ العليم"، يعنون بذلك العالم من غير تعليم، إذ كان مَنْ سوَاك لا يعلم شيئًا إلا بتعليم غيره إياه. والحكيم: هو ذو الحكمة. كما:-

٦٧٥ - حدثني به المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس:"العليم" الذي قد كمل في علمه، و"الحكيم" الذي قد كمل في حُكمه [[الخبر: ٦٧٥ في الدر المنثور ١: ٤٩، والشوكاني ١: ٥٢.]] .

وقد قيل، إن معنى الحكيم: الحاكم، كما أنّ العليم بمعنى العالم، والخبير بمعنى الخابر.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ﴾

قال أبو جعفر: إن الله جل ثناؤه عَرّف ملائكته - الذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأرض، ووصَفوا أنفسهم بطاعته والخضوع لأمره، دونَ غيرهم الذين يُفسدون فيها ويسفكون الدماء - أنهم، من الجهل بمواقع تدبيره ومحلّ قَضَائه، قَبل إطلاعه إياهم عليه، على نحو جهلهم بأسماء الذين عَرَضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم فيعلموه، وأنهم وغيرهم من العباد لا يعلمون من العلم إلا ما علَّمهم إياه ربهم، وأنّه يخص بما شاء من العلم من شاء من الخلق، ويمنعه منهم من شاء، كما علم آدم أسماء ما عرض على الملائكة، ومنعهم علمها إلا بعد تعليمه إياهم.

فأما تأويل قوله:"قال يا آدم أنبئهم"، يقول: أخبر الملائكةَ، والهاء والميم في قوله:"أنبئهم" عائدتان على الملائكة. وقوله:"بأسمائهم" يعني بأسماء الذين عَرَضهم على الملائكة، والهاء والميم اللتان في"أسمائهم" كناية عن ذكر "هؤلاء" التي في قوله:"أنبئوني بأسماء هؤلاء"."فلما أنبأهم" يقول: فلما أخبر آدمُ الملائكةَ بأسماء الذين عرضهم عليهم، فلم يَعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خَطأ قيلهم: "أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفك الدماءَ ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك"، وأنهم قَد هَفوْا في ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفية وقوع قضاء ربهم في ذلك لو وقع، على ما نطقوا به، - قال لهم ربهم:"ألم أقلْ لكُم إنّي أعلمُ غَيبَ السموات والأرض". والغيب: هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه؛ توبيخًا من الله جل ثناؤه لهم بذلك، على ما سلف من قيلهم، وَفرَط منهم من خطأ مَسألتهم. كما:-

٦٧٦ - حدثنا به محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"قال يا آدمُ أنبئهم بأسمائهم"، يقول: أخبرهم بأسمائهم -"فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم" أيها الملائكة خَاصة"إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض" ولا يعلمه غيري [[الخبر: ٦٧٦- مختصر من الخبر السالف رقم: ٦٠٦.]] .

٦٧٧ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قصة الملائكة وآدم: فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمتُه، فكذلك أخفيتُ عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يُطيعني، قال: وَسبقَ من الله: ﴿لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود: ١١٩، وسورة السجدة: ١٣] ، قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه. قال: فلما رأوْا ما أعطى الله آدمَ من العلم أقروا لآدم بالفضل [[الأثر: ٦٧٧- في ابن كثير ١: ١٣٥. في المخطوطة: "علم بما أردت. . . هذا عبدي".]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فرُوي عن ابن عباس في ذلك ما:-

٦٧٨ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"وأعلم ما تبدون" يقول: ما تظهرون،"وما كنتم تكتمون" يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية. يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار [[الخبر: ٦٧٨- في ابن كثير ١: ١٣٥، والدر المنثور ١: ٥٠، والشوكاني ١: ٥٢.]] .

٦٧٩ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"وأعلمُ ما تبدون وما كنتم تكتمون"، قال: قولهم:"أتجعل فيها من يُفسد فيها"، فهذا الذي أبدوْا،"وما كنتم تكتمون"، يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر [[الخبر: ٦٧٩- في ابن كثير ١: ١٣٥، والدر المنثور ١: ٥٠ والشوكاني ١: ٥٢، وهو مختصر الخبر السالف رقم: ٦٠٦.]] .

٦٨٠ - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قوله:"وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون"، قال: ما أسرّ إبليس في نفسه [[الأثر: ٦٨٠- لم أجده في مكان. وقد مضى في: ٦٤١ ترجمة"عمرو بن ثابت" وأبيه. وبينا ما في ذلك من شبهة الخطأ في قوله"عن جده". وهذا الإسناد هنا صواب، لأن"ثابت ابن هرمز" معروف بالرواية عن سعيد بن جبير.]] .

٦٨١ - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان في قوله:"وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون"، قال: ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر ألا يسجد لآدم [[الأثر: ٦٨١- لم أجده في مكان.]] .

٦٨٢ - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا الحجاج الأنماطي، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: سمعت الحسن بن دينار، قال للحسن - ونحن جُلوس عنده في منزله-: يا أبا سَعيد، أرأيتَ قول الله للملائكة:"وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"، ما الذي كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: إن الله لمّا خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا، فكأنهم دَخلهم من ذلك شيء، فأقبل بعضهم إلى بعض، وأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يُهمكم من هذا المخلوق! إن الله لن يخلق خَلقا إلا كنا أكرمَ عليه منه [[الأثر: ٦٨٢- في الدر المنثور ١: ٥٠. و"الحجاج الأنماطي": هو الحجاج ابن المنهال، وهو ثقة من شيوخ البخاري والدارمي وغيرهما. و"مهدي بن ميمون": ثقة معروف، روى عن الحسن البصري، وابن سيرين وغيرهما. وهو في هذا الإسناد يصرح بأنه سمع جواب الحسن البصري، حين سأله الحسن بن دينار. وقد نبهت على هذا، خشية أن يظن أنه من رواية مهدي عن الحسن بن دينار. والحسن بن دينار: كذاب لا يوثق به. وله ترجمة حافلة بالمنكرات والموضوعات - في كتاب المجروحين لابن حبان، رقم: ٢٠٨، والميزان، ولسان الميزان، والتهذيب، وترجم له البخاري في الكبير ١/٢/٢٩٠ - ٢٩١، والصغير: ١٨٥، وابن أبي حاتم ١/٢/١١ - ١٢، وابن سعد ٧/٢/٣٧.]] .

٦٨٣ - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عَبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله"وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"، قال: أسرّوا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاءُ أن يخلُق، فلن يخلُق خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه [[الأثر: ٦٨٣- في الدر المنثور ١: ٥٠، بلفظ آخر، منسوبًا للطبري"عن قتادة والحسن".]] .

٦٨٤ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس:"وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون"، فكان الذي أبدَوْا حين قالوا:"أتجعل فيها من يفسد فيها"، وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم [[الأثر: ٦٨٤- في ابن كثير ١: ١٣٥.]] .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن معنى قوله:"وأعلم ما تُبدون"، وأعلم - مع علمي غيبَ السموات والأرض - ما تُظهرون بألسنتكم،"وما كنتم تكتمون"، وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى عليّ شيء، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم.

والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم:"أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبِّح بحمدك ونقدس لك"؛ والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته. لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غيرُ خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت، وهو ما قلنا، والآخرُ ما ذكرنا من قول الحسن وقتادة، ومن قال إن معنى ذلك كتمانُ الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه. فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين وصفت، ثم كان أحدهُما غيرَ موجودةٍ على صحته الدّلالةُ من الوجه الذي يجب التسليم له - صح الوجهُ الآخر.

فالذي حكي عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما في تأويل ذلك، غيرُ موجودةٍ الدلالةُ على صحته من الكتاب، ولا من خبر يجب به حجة. والذي قاله ابن عباس يدلّ على صحته خبرُ الله جل ثناؤه عن إبليس وعصيانه إياه، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر، وإظهارُه لسائر الملائكة من معصيته وكبره، ما كان له كاتمًا قبل ذلك.

فإن ظن ظانٌّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه، لمّا كان خارجًا مخرج الخبر عن الجميع، كان غيرَ جائز أن يكون ما رُوي في تأويل ذلك عن ابن عباس - ومن قال بقوله: من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكبْرَ والمعصية - صحيحًا، فقد ظن غير الصواب. وذلك أنّ من شأن العرب، إذا أخبرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه، أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم:"قُتل الجيش وهُزموا"، وإنما قتل الواحد أو البعض منهم، وهزم الواحد أو البعض. فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحجرات: ٤] ، ذُكر أن الذي نادَى رسولَ الله ﷺ - فنزلت هذه الآية فيه - كان رجلا من جماعة بني تميم، كانوا قدموا على رسول الله ﷺ. فأخرج الخبر عنه مُخرج الخبر عن الجماعة. فكذلك قوله:"وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"، أخرج الخبر مُخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) ﴾

قال أبو جعفر: أمّا قوله:"وإذ قلنا" فمعطوف على قوله:"وإذ قال ربّك للملائكة"، كأنه قال جل ذكره لليهود - الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله ﷺ من بني إسرائيل، معددًا عليهم نعَمه، ومذكِّرهم آلاءه، على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل-: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم.

فخلقت لكم ما في الأرض جميعًا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرمت أباكم آدمَ بما آتيته من عِلمي وفضْلي وكرَامتي، وإذْ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدلّ باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أمِر بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [سورة الأعراف: ١١-١٢] ، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمرَه من الملائكة بالسجود لآدمَ. ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لآدمَ، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره، ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.

ثم اختلف أهل التأويل فيه: هل هو من الملائكة، أم هو من غيرها؟ فقال بعضهم بما:-

٦٨٥ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم"الحِن"، خلقوا من نار السَّموم من بين الملائكة. قال: فكان اسمه الحارث. قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخلقت الملائكة من نورٍ غير هذا الحيّ. قال: وخلقت الجنّ الذي ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت [[الخبر: ٦٨٥- مضى بتمامه في الخبر السالف رقم: ٦٠٦، وفي ابن كثير ١: ١٣٦، وفيهما معًا "إذا ألهبت". وأعاده ابن كثير ٥: ٢٩٦. وفيه كما هنا"التهبت". وفيه"الجن" بالجيم، وانظر ما مضى ص: ٤٥٥ تعليق: ١.]] .

٦٨٦ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس. قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصيةَ من الملائكة اسمه"عزازيل"، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمون جنا [[الخبر: ٦٨٦ في ابن كثير ١: ١٣٩ و ٥: ٢٩٦، والدر المنثور ١: ١٥٠، والشوكاني ١: ٥٣. وخلاد: هو ابن عبد الرحمن الصنعاني، وهو ثقة، ويروى عن طاوس ومجاهد مباشرة، ولكنه روى عنهما، هنا وفي الخبر التالي، بواسطة عطاء.]] .

٦٨٧ - وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكًا من الملائكة اسمه"عزازيل"، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون"الجنَّ" من بين الملائكة [[الخبر: ٦٨٧- في ابن كثير ١: ١٣٩ عقب الذي قبله.]] .

٦٨٨ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: جعل إبليس على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم"الجنّ"، وإنما سُمُّوا الجن لأنهم خُزَّان الجنة. وكان إبليس مع مُلكه خازنًا [[الخبر: ٦٨٨- مختصر من الأثر السالف رقم: ٦٠٧.]] .

٦٨٩ - وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطانُ سماء الدنيا، وكان له سلطانُ الأرض. قال: قال ابن عباس: وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الكهف: ٥٠] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنًا عليها، كما يقال للرجل مكي ومدَنيّ وكوفيّ وبصريّ. [[الخبر: ٦٨٩- في ابن كثير ١: ١٣٩ و ٥: ٢٩٦، والدر المنثور ١: ١٧٨.]] .

قال ابن جُريج، وقال آخرون: هم سبط من الملائكة قَبيلِه، فكان اسم قبيلته الجن.

٦٩٠ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن صالح مولى التَّوْأمة، وشريك بن أبي نَمِر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلةً من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض [[الخبر: ٦٩٠- في ابن كثير ٥: ٢٩٦- ٢٩٧، وفيه زيادة هناك. وسيأتي بإسناد آخر مطولا: ٧٠٠.]] .

٦٩١ - وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عُبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقولُ في قوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الكهف: ٥٠] ، قال: كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة. ثم ذكر مثل حديث ابن جُريج الأول سواء [[الخبر: ٦٩١- الحسن بن الفرج: لم أعرف من هو؟ وأبو معاذ الفضل بن خالد: هو النحوي المروزي، وهو ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه ابن أبي حاتم ٣/٢/٦١، وياقوت في الأدباء ٦: ١٤٠، والسيوطي في البغية: ٣٧٣. وقال ياقوت: "روى عنه الأزهري في كتاب التهذيب، فأكثر". وليس يريد بذلك رواية السماع، بل يريد أنه روى آراءه أو نقله في اللغة. أما رواية السماع فلا. لأن الفضل هذا مات سنة ٢١١، والأزهري ولد سنة ٢٨٢. فهذا كلام موهم؛ ولم يكن يجدر بالسيوطي - وهو محدث - أن يتبعه دون تأمل!]] .

٦٩٢ - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني شيبان، قال حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيسَ ملائكة سماء الدنيا [[الأثر: ٦٩٢- في ابن كثير ١: ١٣٩. شيبان: هو ابن فروخ، وهو ثقة. سلام بن مسكين الأزدي: ثقة، أخرج له الشيخان.]] .

٦٩٣ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [سورة الكهف: ٥٠] ، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم"الجن"، وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يُؤمر بالسجود، وكان على خِزانة سماء الدنيا، قال: وكان قتادة يقول: جَنَّ عن طاعة ربه [[الأثر: ٦٩٣- لم نجده في مكان آخر.]] .

٦٩٤ - وحدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"إلا إبليسَ كان من الجن" قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن [[الأثر: ٦٩٤- لم نجده أيضًا. وقال الحافظ ابن كثير ٥: ٢٩٧- بعد أن نقل كثيرًا من الآثار في مثل هذه المعاني: "وقد روى في هذا آثار كثيرة عن السلف. وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه، لمخالفته للحق الذي بأيدينا. وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المثقدمة، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفاظ المتقنين، الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين- كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد. الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه، من حسنه، من ضعيفه، من منكره وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه. وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، +وغير ذلك من أصناف الرجال. كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي، خاتم الرسل، وسيد البشر، ﷺ-: أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه. فرضى الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم. وقد فعل".]] .

٦٩٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: أما العرب فيقولون: ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرَ. وأما قوله:"إلا إبليس من كان من الجن" أي كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا فلم يُرَوْا. وقد قال الله جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨] ، وذلك لقول قريش: إن الملائكة بناتُ الله، فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نسبًا. قال: وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمانَ بن داود وما أعطاه الله:

وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا أَوْ مُعَمَّرا ... لَكَانَ سُلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِنَ الدَّهْرِ [[ملحق ديوان الأعشى: ٢٤٣، والأضداد لابن الأنباري: ٢٩٣. ولم يعن بالدهر هاهنا الأمد الممدود، بل عني مصائب الدهر ونكباته، كما قال عدى بن زيد، وجعل مصائب الدهر هي الدهر نفسه: أَيُّهَا الشَّامِتُ المُعَيِّر بِالدَّ ... هْرِ أَأَنْتَ المبرَّأُ المَوْفُورُ]]

بَرَاهُ إِلَهِي وَاصْطَفَاهُ عِبَادَهُ ... وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إِلَى مِصْرَ [[ثريا: هكذا ضبط في ملحق ديوان الأعشى، ولم أعرف الموضع ولم أجده. ولم أهتد إلى تحريفه إن كان محرفًا. وفي الأضداد: "توفى".]] وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلائِكِ تِسْعَةً ... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أَجْرِ

قال: فأبت العربُ في لغتها إلا أنّ "الجن" كل ما اجتنَّ. يقول: ما سمَّى الله الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمّي بني آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا. فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ [[الأثر: ٦٩٥- رواه مختصرًا صاحب الأضداد: ٢٩٣، ولم أجده في مكان آخر.]] .

وقال آخرون بما:-

٦٩٦ - حدثنا به محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم أصل الإنس [[الأثر: ٦٩٦- في ابن كثير ١: ١٣٩ و ٥: ٢٩٦. وقال: "وهذا إسناد صحيح عن الحسن".]] .

٦٩٧ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله:"إلا إبليس كانَ من الجن" ألجأه إلى نسبه [[في المطبوعة: "إلجاء إلى نسبه"، وألجأه إلى نسبه: رده إليه. وانظر رقم: ٦٥٥.]] فقال الله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [سورة الكهف: ٥٠] ، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم [[الأثر: ٦٩٧- لم أجده في مكان.]] .

٦٩٨ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو سعيد اليحمَديّ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سَوار بن الجعد اليحمَديّ، عن شَهر بن حَوْشب، قوله:"من الجنّ"، قال: كان إبليس من الجن الذين طرَدتهم الملائكة، فأسرَه بعض الملائكة فذهب به إلى السماء [[الأثر: ٦٩٨- في ابن كثير ١: ١٣٩.]] .

٦٩٩ - وحدثني علي بن الحسين، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثني سنيد بن داود، قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نُمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبِي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا. فأبى إبليس. فلذلك قال الله:"إلا إبليس كان من الجن" [[الأثر: ٦٩٩- في ابن كير ١: ١٣٩.]] .

٧٠٠ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: إن منَ الملائكة قبيلا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض، فعصَى، فمسخه الله شيطانًا رجيما. [[الخبر: ٧٠٠- هو في ابن كثير ١: ١٣٩. وقد مضى نحوه مختصرًا، بإسناد آخر: ٦٩٠.]]

٧٠١ - قال: وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إبليس أبو الجن، كما آدم أبو الإنس [[الأثر: ٧٠١- لم أجده في مكان.]] .

وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجنّ - فقالوا: فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه. قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.

٧٠٢ - حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم: فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: إني خالقٌ بشرًا من طين، اسجدوا لآدم. فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. قال: ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: نعم. وكان إبليسُ من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم [[الأثر: ٧٠٢- في ابن كثير ١: ١٣٩، والدر المنثور ١: ٥٠ وقال ابن كثير في إسناده: "وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلا مبهمًا، ومثله لا يحتج به، والله أعلم".]] .

قال أبو جعفر: وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غيرُ مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّى. فخلق بعضًا من نُور، وبعضًا من نار، وبعضًا مما شاء من غير ذلك. وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته [[في المطبوعة: "وليس فيما نزل الله جل ثناؤه. . . "، وهو خطأ صرف. وقوله بعد: "وإخباره عما خلق منه إبليس" معطوف على قوله: "وفي ترك. . . ".]] ، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم. إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأنْ خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأنْ كان له نسل وذرية، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُزعت من سائر الملائكة، لِمَا أراد الله به من المعصية. وأما خبرُ الله عن أنه"من الجن"، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.

القول في معنى ﴿إِبْلِيسَ﴾

قال أبو جعفر: وإبليس"إفعِيل"، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن. كما:-

٧٠٣ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته [[الخبر: ٧٠٣- مختصر من الخبر السالف رقم: ٦٠٦، وهو في الدر المنثور ١: ٥٠، والشوكاني ١: ٥٣.]] .

٧٠٤ - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس"الحارث"، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا [[الأثر: ٧٠٤- في الدر المنثور ١: ٥٠، مقتصرًا على أوله إلى قوله: "الحارث". وجاء النص في المطبوعة هكذا: "وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه. . . " أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد الحذف، وهو تصرف معيب. وقوله: "متحيرًا" كتبت في المخطوطة ممجمجة هكذا"مجرا" غير معجمة. والإبلاس: الحيرة، فكذلك قرأتها.]] .

قال أبو جعفر: وكما قال الله جل ثناؤه: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٤٤] ، يعني به: أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا، كما قال العجَّاج:

يَا صَاحِ، هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا؟ ... قَالَ: نَعَمْ، أَعْرِفُهُ! وَأَبْلَسَا [[ديوانه ١: ٣١، والكامل ١: ٣٥٢، واللسان: (بلس) ، (كرس) . المكرس: الذي صار فيه الكرس، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار. وأبلس الرجل: سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق.]]

وقال رؤبة:

وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الأَخْمَاسْ ... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ [[ديوانه: ٦٧، واللسان (بلس) ، ورواية ديوانه"وعرفت يوم الخميس". وبين البيتين بيت آخر هو: "وَقَدْ نَزَتْ بَيْنَ التَّرَاقِي الأَنْفَاسْ"]]

يعني به اكتئابًا وكسوفًا.

فإن قال قائل: فإن كان إبليس، كما قلت،"إفعيل" من الإبلاس، فهلا صُرف وأجري؟ قيل: تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى. وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلم يُجروه. وهو من"أسحقه الله إسحاقًا"، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف. وكذلك"أيوب"، إنما هو"فيعول" من"آب يؤبُ".

وتأويل قوله:"أبَى"، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له."واستكبر"، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم. وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق. وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله ﷺ، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله ﷺ وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عالمين. ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا. فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله ﷺ ونبوّته، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا.

ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه:"وكان" - يعني إبليس -"منَ الكافرين"- من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ: من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا ﷺ بإدراكهم إياه، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم، فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا. فنسبه الله جل ثناؤه إلى"الكافرين"، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة. كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض، لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [سورة التوبة: ٦٧] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال. فكذلك قوله في إبليس: كان من الكافرين، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم. ومعنى قوله:"وكان من الكافرين" أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ.

وقد رُوي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه كان يقول: في تأويل قوله:"وكان منَ الكافرين"، في هذا الموضع، وكان من العاصين.

٧٠٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"وكان من الكافرين"، يعني العاصين [[الأثر ٧٠٥- في ابن كثير ١: ١٤٠.]] .

٧٠٦ - وحُدّثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.

وذلك شبيه بمعنى قولنا فيه.

وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعة لله، لا عبادةً لآدم، كما:-

٧٠٧ - حدثنا به بشر بن معاذ: قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم"، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته. [[الأثر: ٧٠٧- في ابن كثير ١: ١٤٠، وفي الدر المنثور ١: ٥٠ مطولا.]] .

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾

قال أبو جعفر: وفي هذه الآية دلالة واضحة على صحة قول من قال: إن إبليس أخرج من الجنة بعد الاستكبار عن السجود لآدم، وأُسكنها آدمُ قبل أن يهبط إبليس إلى الأرض. ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول:"وقلنا يا آدمُ اسكنْ أنت وزوجك الجنة وكُلا منها رَغدًا حيثُ شئتما ولا تَقربا هذه الشجرةَ فتكونا منَ الظالمين فأزلهما الشيطانُ عنها فأخرَجهما مما كانا فيه". فقد تبين أن إبليس إنما أزلهما عن طاعة الله بعد أن لُعِن وأظهرَ التكبر، لأن سجود الملائكة لآدم كان بعد أن نُفخ فيه الروح، وحينئذ كان امتناع إبليس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلَّت عليه اللعنة. كما:-

٧٠٨ - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أن عدو الله إبليس أقسم بعزة الله ليُغويَنَّ آدم وذريته وزوجَه، إلا عباده المخلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرِج من الجنة، وقبل أن يهبط إلى الأرض. وعلَّم الله آدم الأسماء كلها [[الخبر: ٧٠٨- لم أجده في مكان.]] .

٧٠٩ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من إبليس ومعاتبته، وأبَى إلا المعصية وأوقع عليه اللعنة، ثم أخرجه من الجنة، أقبل على آدمَ وقد علّمه الأسماء كلها، فقال:"يا آدم أنبئهم بأسمائهم" إلى قوله"إنك أنت العليم الحكيم" [[الأثر: ٧٠٩- لم أجده في مكان بنصه هذا، لكنه من صدر الأثر الآتي بعد رقم: ٧١١.]] .

ثم اختلف أهل التأويل في الحال التي خُلقت لآدم زوجته، والوقت الذي جعلت له سكنًا. فقال ابن عباس بما:-

٧١٠ - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: فأخرِج إبليسُ من الجنة حين لعن، وأسكِن آدم الجنة. فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدةٌ خلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: تسكن إليّ. قالت له الملائكة - ينظرون ما بلغ علمه-: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم سُميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ. فقال الله له:"يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما" [[الأثر: ٧١٠- في تاريخ الطبري ١: ٥٢، مع اختلاف في بعض اللفظ. وابن كثير ١: ١٤٢ والشوكاني ١: ٥٦، وقوله: "وحشًا" أي ليس معه غيره، خلوًا. ومكان وحش: خال.]] .

فهذا الخبر يُنبئ أن حواء خُلقت بعد أن سَكن آدمُ الجنةَ، فجعلت له سكنًا.

وقال آخرون: بل خُلقت قبل أن يسكن آدم الجنة.

ذكر من قال ذلك:

٧١١ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال:"يا آدم أنبئهم بأسمائهم" إلى قوله:"إنك أنت العليم الحكيم". قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها. فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال - فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها. فلما زوّجه الله تبارك وتعالى، وَجعل له سكنًا من نفسه، قال له، قبيلا "يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين" [[الأثر: ٧١١- في تاريخ الطبري ١: ٥٢ وابن كثير ١: ١٤١-١٤٢. وقوله"قال له قبيلا" أي عيانًا. وفي حديث أبي ذر (ابن كثير ١: ١٤١) "قال: قلت يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟ قال: نعم نبيًّا رسولا يكلمه الله قبيلا - أي عيانًا". وجاء هذا الحرف في المطبوعة: "قال له فتلا يا آدم اسكن. . . " وهو خطأ. وفي تاريخ الطبري"قال له قيلا يا آدم. . . " وهو أيضًا خطأ.]]

قال أبو جعفر: ويقال لامرأة الرجل: زَوْجُه وزَوْجتُه، والزوجة بالهاء أكثر في كلام العرب منها بغير الهاء. والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزْد شَنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فيه بين العرب، فهو زوجُ المرأة [[انظر اختلافهم في ذلك في مادته (زوج) من لسان العرب.]] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾

قال أبو جعفر: أما الرَّغَد، فإنه الواسع من العيش، الهنيء الذي لا يُعنِّي صاحبه. يقال: أرْغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش الهنيء، كما قال امرؤ القيس بن حُجْر:

بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِمَا ... يَأْمَنُ الأَحْدَاثَ فِي عَيْشٍ رَغَدْ [[لم أجد البيت فيما جمعوا من شعر امرئ القيس.]]

٧١٢ - وكما حدثني به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ،"وكلا منها رَغدا"، قال: الرغد، الهنيء. [[الخبر: ٧١٢ - في الدر المنثور ١: ٥٢، والشوكاني ١: ٥٦.]]

٧١٣ - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله:"رغدًا"، قال: لا حسابَ عليهم.

٧١٤ - وحدثنا المثنى، قال حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد مثله.

٧١٥ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد:"وكلا منها رغدًا"، أي لا حسابَ عليهم. [[الآثار: ٧١٣ - ٧١٥ في الدر المنثور ١: ٥٢، والشوكاني ١: ٥٦.]]

٧١٦ - وحُدِّثت عن المنجاب بن الحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"وكلا منها رغدًا حيث شئتما"، قال: الرغد: سَعة المعيشة. [[الخبر: ٧١٦ - في الدر المنثور ١: ٥٢ والشوكاني ١: ٥٦.]]

فمعنى الآية وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا من الجنة رزقًا واسعًا هنيئًا من العيش حيث شئتما.

٧١٧ - كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغدًا حيث شئتما"، ثم إن البلاء الذي كتب على الخلق، كتب على آدمَ، كما ابتُلي الخلقُ قبله، أن الله جل ثناؤه أحل له ما في الجنة أن يأكل منها رَغدا حيث شاء، غيرَ شجرة واحدة نُهي عنها، وقُدِّم إليه فيها، فما زال به البلاء حتى وقع بالذي نُهي عنه. [[الأثر: ٧١٧ - في الدر المنثور ١: ٥٣ من غير طريق الطبري. وقوله: "قدم إليه فيها" أي أمر فيها بأمر أن لا يقربها. ويقال: تقدمت إليه بكذا وقدمت إليه بكذا: أي أمرته بكذا.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾

قال أبو جعفر: والشجر في كلام العرب: كلّ ما قام على ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [سورة الرحمن: ٦] ، يعني بالنجم ما نَجمَ من الأرض من نَبت، وبالشجر ما استقلّ على ساق.

ثم اختلف أهل التأويل في عين الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم: هي السُّنبلة.

ذكر من قال ذلك:

٧١٨ - حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الشجرة التي نُهي عن أكل ثمرها آدم، هي السنبلة. [[الخبر: ٧١٨ - في ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦ وهو إسناد ضعيف. محمد بن إسماعيل الأحمسي سبق توثيقه: ٤٠٥ عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الحماني: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له الشيخان. النضر: هو ابن عبد الرحمن، أبو عمر الخزاز -بمعجمات - وهو ضعيف جدًّا، قال البخاري في الكبير ٤/٢/٩١: "منكر الحديث". وروى ابن أبي حاتم ٤/١/٤٧٥ عن أحمد بن حنبل، قال: "ليس بشيء، ضعيف الحديث"، وروي عن ابن معين أنه قال: "لا يحل لأحد أن يروي عنه".]]

٧١٩ - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عُتيبة - جميعًا عن حُصين، عن أبي مالك، في قوله:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: هي السنبلة.

٧٢٠ - وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري - قالا جميعًا: حدثنا سفيان، عن حصين، عن أبي مالك، مثله. [[الأثران: ٧١٩، ٧٢٠ - في ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٣.]]

٧٢١ - وحدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: السنبلة. [[الأثر: ٧٢١ - عطية: هو العوفي. وقد أشار ابن كثير ١: ١٤٢ إلى هذه الرواية عنه.]]

٧٢٢ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم، هي السنبلة. [[الأثر: ٧٢٢ - لم أجده في مكان.]]

٧٢٣ - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا القاسم، قال: حدثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجَلْد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدمُ، والشجرة التي تاب عندها: فكتب إليه أبو الجلد:"سألتني عن الشجرة التي نُهي عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة. [[الخبر: ١٢٣ - في ابن كثير ١: ١٤٢، وفي الأصول: "أبو الخلد"، وانظر ما سلف في التعليق على الأثر رقم: ٤٣٤. وهذا الإسناد ضعيف، لجهالة الرجل من بني تميم.]]

٧٢٤ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه كان يقول: الشجرة التي نُهي عنها آدمَ: البُرُّ [[الخبر: ٧٢٤ - ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٢، والشوكاني ١: ٥٦. والذي في ابن كثير: "عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد. . . ".]] .

٧٢٥ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزَوجته، السُّنبلة. [[الأثر: ٧٢٥ - في ابن كثير ١: ١٤٢.]]

٧٢٦ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه اليماني، أنه كان يقول: هي البُرُّ، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل. وأهل التوراة يقولون: هي البرّ. [[الأثر: ٧٢٦ - في ابن كثير ١: ١٤٢-١٤٣، والدر المنثور ١: ٥٢-٥٣. ولكن ليس فيهما قوله"وأهل التوراة. . . ".]]

٧٢٧ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة: أنه حُدِّث أنها الشجرةُ التي تحتكُّ بها الملائكة للخُلد.

٧٢٨ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن يَمانَ، عن جابر بن يزيد بن رفاعة، عن محارب بنِ دثار، قال: هي السنبلة.

٧٢٩ - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن، قال: هي السنبلة التي جعلها الله رزقًا لولده في الدنيا [[الآثار: ٧٢٧ - ٧٢٩: لم أجدها بلفظها في مكان.]]

قال أبو جعفر: وقال آخرون: هي الكرمة.

ذكر من قال ذلك:

٧٣٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه، عن ابن عباس، قال: هي الكرمة.

٧٣١ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: هي الكرمة، وتزعم اليهود أنها الحنطة.

٧٣٢ - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: الشجرة هي الكَرْم.

٧٣٣ - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: هو العِنَب في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة".

٧٣٤ - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن خلاد الصفار، عن بَيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة:"ولا تقرَبا هذه الشجرة"، قال: الكرمُ.

٧٣٥ - وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثني الحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن بيان، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة:"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: الكرم.

٧٣٦ - وحدثنا ابن حميد، وابن وكيع، قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن جعدة بن هُبيرة، قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم، شجرة الخمر.

٧٣٧ - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عباد بن العوام، قال: حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مُسلم، عن سعيد بن جبير، قوله"ولا تقربا هذه الشجرة"، قال: الكرم.

٧٣٨ - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن السُّدّيّ، قال: العنب.

٧٣٩ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس، قال: عِنَب [[الآثار: ٧٣٠ -٧٣٩: مذكورة بلا تعيين في ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٣ والشوكاني ١: ٥٦.]] .

وقال آخرون: هي التِّينة.

ذكر من قال ذلك:

٧٤٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: تينة. [[الخبر: ٧٤٠ - في ابن كثير ١: ١٤٣، والدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦.]]

قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجَه أكلا من الشجرة التي نهاهُما ربُّهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التي نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بيّن الله جل ثناؤه لهما عَين الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها، وأشار لهما إليها بقوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن، دلالةً على أيّ أشجار الجنة كان نهيُه آدمَ أن يقربها، بنصٍّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها. ولو كان لله في العلم بأيّ ذلك من أيٍّ رضًا، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها، ليطيعوه بعلمهم بها، كما فعل ذلك في كل ما بالعلم به له رضًا.

فالصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدمَ وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علم عندنا أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنَّى يأتي ذلك؟ [[في المخطوطة خلاف ما في المطبوعة، وهذا نصه"ولا علم عندنا بأي ذلك. وقد قيل كانت شجرة البر. . . "، كأن الناسخ أسقط سطرا فاختل الكلام. وكان في المطبوعة: "فأنى يأتي ذلك من أتى" بزيادة قوله"من أتى" والظاهر أن التحريف قديم، فإن ابن كثير نقل نص الطبري هذا في تفسيره ١: ١٤٣ فحذف قوله: "فأنى يأتي ذلك"، وقد استظهرت أن الصواب حذف"من أتى"، ليكون الاستفهام منصبًّا على كيفية إتيان العلم بهذه الشجرة، وليس في القرآن عليها دليل ولا في السنة الصحيحة. وأما الجملة كما جاءت في المطبوعة، فهي فاسدة مفسدة لما أراد الطبري.]] وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك عِلمٌ، إذا عُلم لم ينفع العالمَ به علمه [[في المطبوعة: "وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم. . . "، وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير (١: ١٤٣) .]] ، وإن جهله جاهل لم يضرَّه جهلُه به.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين".

فقال بعض نحويّي الكوفيين: تأويل ذلك: ولا تقربَا هذه الشجرة، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. فصار الثاني في موضع جواب الجزاء. وجوابُ الجزاء يعمل فيه أوّله، كقولك: إن تَقُم أقُم، فتجزم الثاني بجزم الأول. فكذلك قوله"فتكونا"، لما وقعت الفاء في موضع شرط الأوّل نُصب بها، وصُيرت بمنزلة "كي" في نصبها الأفعال المستقبلة، للزومها الاستقبال. إذ كان أصل الجزاء الاستقبال.

وقال بعض نحويّي أهل البصرة: تأويل ذلك: لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين. غير أنه زعم أنّ "أن" غير جائز إظهارها مع"لا"، ولكنها مضمرة لا بد منها، ليصح الكلام بعطف اسم - وهي"أن" - على الاسم. كما غير جائز في قولهم:"عسى أن يفعل"، عسى الفعل. ولا في قولك:"ما كان ليفعل": ما كان لأن يَفعل.

وهذا القولُ الثاني يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل:"سرني تقوم يا هذا"، وهو يريد سرني قيامُك. فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل:"لا تقم" إذا كان المعنى: لا يكن منك قيام. وفي إجماع جميعهم -على صحة قول القائل:"لا تقم"، وفساد قول القائل:"سرني تقوم" بمعنى سرني قيامك - الدليل الواضح على فسادِ دعوى المدعي أنّ مع"لا" التي في قوله:"ولا تقربا هذه الشجرة"، ضمير"أن" - وصحةِ القول الآخر.

وفي قوله"فتكونا من الظالمين"، وجهان من التأويل:

أحدهما أن يكون"فتكونا" في نية العطف على قوله"ولا تقربا"، فيكون تأويله حينئذ: ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين. فيكون"فتكونا" حينئذ في معنى الجزم مجزومًا بما جُزم به"ولا تقربا"، كما يقول القائل: لا تُكلم عمرا ولا تؤذه، وكما قال امرؤ القيس:

فُقُلْتُ لَهُ: صَوِّبْ وَلا تَجْهَدَنَّهُ ... فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ [[ديوانه، من رواية الأعلم الشنتمري، القصيدة رقم: ٣٠، البيت: ٢٦. وفي معاني القرآن للفراء ١: ٢٦، ونسبه سيبويه في الكتاب ١: ٤٥٢، لعمرو بن عمار الطائي، وسيذكره الطبري في (١٥: ١٦٤ بولاق) غير منسوب، ورواية سيبويه"فيدنك من أخرى القطاة" وقوله: "فقلت له" يعني غلامه، وذكره قبل أبيات. وقوله: "صوب"، أي خذ الفرس بالقصد في السير وأرفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك. أذراه عن فرسه: ألقاه وصرعه. والقطاة: مقعد الردف من الفرس. وأخرى القطاة: آخر المقعد. ورواية الشنتمري: "من أعلى القطاة". وهما سواء.]]

فجزم"فيذرِك" بما جزم به"لا تجهدنه"، كأنه كرّر النهي.

والثاني أن يكون"فتكونا من الظالمين"، بمعنى جواب النهي. فيكون تأويله حينئذ: لا تقربا هذه الشجرة، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين. كما تقول: لا تَشتمْ عمرًا فيشتُمك، مجازاةً. فيكون"فتكونا" حينئذ في موضع نَصب، إذْ كان حرفًا عطف على غير شكله، لمّا كان في"ولا تقربا" حرف عامل فيه، ولا يصلح إعادته في"فتكونا"، فنصب على ما قد بينت في أول هذه المسألة.

وأما تأويل قوله:"فتكونا من الظالمين"، فإنه يعني به فتكونا من المتعدِّين إلى غير ما أذِن لهم وأبيح لهم فيه، وإنما عَنى بذلك أنكما إن قربتما هذه الشجرة، كنتما على منهاج من تعدَّى حُدودي، وَعصى أمري، واستحلَّ محارمي، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض، والله وليّ المتقين.

وأصل"الظلم" في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان:

إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ [[سلف تخريجه وشرحه في هذا الجزء: ١٨٣.]]

فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها. [[في المطبوعة: "لوضع الحفرة منها في غير موضعها"، وفي المخطوطة أيضًا: "لموضع الحفر فيها في غير موضعها".]] ومن ذلك قول ابن قَميئة في صفة غيث:

ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ [[جاء أيضًا في تفسيره (٢: ٥٠ بولاق) منسوبًا لعمرو بن قميئة. وصحة نسبته إلى الحادرة الذبياني، وهو في ديوان الحادرة، قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادي. وأنهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه. والحريصة والحارصة: السحابة التي تحرص مطرتها وجه الأرض، أي تقشره من شدة وقعها. والنطاف جمع نطفة: وهي الماء القليل يبقى في الدلو وغيره. وقوله: "بعيد المقلع": أي بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: "ظلم البطاح له" وقوله: "له": أي من أجله.]]

وظلمه إياه: مجيئه في غير أوانه، وانصبابه في غير مصبِّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جَزوره، وهو نحره إياه لغير علة. وذلك عند العرب وَضْع النحر في غير موضعه.

وقد يتفرع الظلم في معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبينها في أماكنها إذا أتينا عليها إن شاء الله تعالى. وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾

قال أبو جعفر: اختلفت القَرَأة [[في المطبوعة: "اختلف القراء" والقَرَأَة جمع قارئ، وانظر ما مضى: ٥١، تعليق، وص: ٦٤، ١٠٩ وغيرهما.]] في قراءة ذلك. فقرأته عامتهم،"فأزلَّهما" بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلَّ الرجل في دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه. وأزلَّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله في دينه أو دنياه، ولذلك أضاف الله تعالى ذكره إلى إبليسَ خُروجَ آدم وزوجته من الجنة، فقال:"فأخرجهما" يعني إبليس"مما كانا فيه"، لأنه كانَ الذي سَبَّب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة.

وقرأه آخرون:"فأزَالهما"، بمعنى إزَالة الشيء عن الشيء، وذلك تنحيته عنه.

وقد روي عن ابن عباس في تأويل قوله:"فأزلهما"، ما:-

٧٤١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس في تأويل قوله تعالى:"فأزلهما الشيطان" قال: أغواهما. [[الخبر: ٧٤١ - في الدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦.]]

وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ:"فأزلَّهما"، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في الحرف الذي يتلوه. بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه. وذلك هو معنى قوله"فأزالهما"، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال:"فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه" فيكون كقوله:"فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه. ولكن المفهوم أن يقال: [[في المطبوعة: "لكن المعنى المفهوم"، زاد ما لا جدوى فيه.]] فاستزلهما إبليسُ عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه:"فأزلهما الشيطان"، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة.

فإن قال لنا قائل: وكيف كان استزلال إبليسُ آدمَ وزوجته، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة؟

قيل: قد قالت العلماء في ذلك أقوالا سنذكر بعضها [[في المطبوعة: "سنذكر" بغير واو.]]

فحكي عن وهب بن منبه في ذلك ما:-

٧٤٢ - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب [[في المطبوعة: "عمرو" بدل"عمر"، وفي المخطوطة وابن كثير: "مهران"، بدل"مهرب". وكلاهما خطأ، صوابه ما أثبتنا: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب"، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣/١/١٢١، وقال: "سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني، وعبد الرزاق". ثم روى عن يحيى بن معين، قال: "عمر بن عبد الرحمن بن مهرب: ثقة". ولم أجد له ترجمة أخرى. و"مهرب": لم أجد نصًّا بضبطها في هذا النسب، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (هرب) بوزن"محسن" - يعني بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه. ووقع اسم هذا الشيخ محرفًا إلى شيخين، في تاريخ الطبري ١: ٥٤ - في هذا الإسناد، هكذا: "معمر عن عبد الرحمن بن مهران"!]] قال: سمعت وهب بن منبه، يقول: لما أسكن الله آدمَ وذريته - أو زوجته - الشك من أبي جعفر: وهو في أصل كتابه"وذريته" - ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة التي نَهى الله آدمَ عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دَخل في جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء [[في المطبوعة: "فجاء به"، والذي أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبري.]] فقال: انظري إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحَها وأطيبَ طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواءُ فأكلَتْ منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظرْ إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها! فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتُهما. فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب [[في المطبوعة: "أنا هنا يا رب"، وأثبتناه ما في المخطوطة وتاريخ الطبري.]] ! قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب. قال: ملعونة الأرض التي خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكًا. قال: ولم يكن في الجنة ولا في الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّلح والسِّدر، ثم قال: يا حواء، أنت التي غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحملين حَملا إلا حملته كَرْهًا، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أشرفتِ على الموت مرارًا. وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرَّ عبدي، ملعونة أنتِ لعنة تَتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك، حيث لقيت أحدًا منهم أخذت بعقِبه، وحيث لقيك شدَخ رأسك. قال عمر: [[في المطبوعة: "قال عمرو"، وأثبتنا الصواب من المخطوطة، ومما ذكرنا آنفًا.]] قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء [[الأثر: ٧٤٢ - في تاريخ الطبري ١: ٥٤، بهذا الإسناد، وأوله في ابن كثير ١: ١٤٣.]] .

وروي عن ابن عباس نحو هذه القصة:

٧٤٣ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: لما قال الله عز وجلّ لآدم:"اسكن أنتَ وزوجُك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين"، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزَنة. فأتى الحية - وهي دابَّة لها أربعُ قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فُقْمها - قال أبو جعفر: والفقم جانب الشدق [[في المطبوعة وتاريخ الطبري ١: ٥٣: "فأدخلته في فمها، فمرت الحية. . . "، وما أثبتناه من المخطوطة.]] - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر. فكلمه من فُقمها فلم يبال كلامه [[في المطبوعة وتاريخ الطبري: "فكلمة من فمها". وفي المطبوعة: "فلم يبال بكلامه".]] ، فخرج إليه فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠] يقول: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت مَلِكًا مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين [[في المخطوطة: "وتكونا من الخالدين".]] ، فلا تموتان أبدًا. وحلف لهما بالله إني لكما لمن الناصحين. وإنما أراد بذلك ليبديَ لهما ما تَوارى عنهما من سَوْآتهما بهتكِ لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك. وكان لباسُهما الظُّفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كُلْ! فإني قد أكلتُ فلم يضرَّني. فلما أكل آدم بدت لهما سوآتُهما وَطفقا يَخصفان عليهما من ورق الجنة [[الخبر: ٧٤٣. بنصه في تاريخ الطبري ١: ٥٣، وببعض الاختلاف في الدر المنثور ١: ٥٣، والشوكاني ١: ٥٦.]] .

٧٤٤ - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدثني محدّث: أن الشيطان دخل الجنة في صورة دابة ذات قوائم، فكان يُرى أنه البعير، قال: فلعِن، فسقطت قوائمه فصار حيَّة. [[الأثر: ٧٤٤ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.]]

٧٤٥ - وحُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: وحدثني أبو العالية أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن، قال: فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة [[في تاريخ الطبري ١: ٥٥، زيادة سياقها: ". . . كلها - يعني آدم - إلا الشجرة".]] ، وقيل لهما:"لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين". قال: فأتى الشيطان حواء فبدأ بها، فقال: أنُهيتما عن شيء؟ قالت: نعم! عن هذه الشجرة فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠] قال: فبدأت حواء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرةً من أكل منها أحدث. قال: ولا ينبغي أن يكون في الجنة حَدَث. قال:"فأزالهما الشيطان عَنها فأخرجهما مما كانا فيه" [[في تاريخ الطبري ١: ٥٥"فأزلهما الشيطان".]] ، قال: فأخرج آدم من الجنة [[الأثر: ٧٤٥ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥]] .

٧٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها، قال: لو أن خُلدًا كان! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه [[في التاريخ: "لو أنا خلدنا". وفي المطبوعة: "فاغتنمها منه الشيطان"، لم يحسنوا قراءة المخطوطة فبدلوا الحرف، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ. يقال: سمع مني كلمة فاغتمزها، أي استضعفها ووجد فيها مغمزًا يعاب يؤتي من قبله.]] ، فأتاه من قِبَل الخلد. [[الأثر: ٧٤٦ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.]] .

٧٤٧ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: حُدثت: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما، أنه ناح عليهما نياحَة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك في أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس إليهما، فقال: يا آدم هَل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى؟ وقال:"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلَكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". أي تكونا مَلَكين، أو تخلدَا، إن لم تكونا ملكين [[في المخطوطة: "أي تكونا ملكين، أو تخلدان إن لم. . . " وفي التاريخ ١: ٥٥: "أي تكونان ملكين أو تخلدان - أي إن لم. . . ".]] - في نعمة الجنة فلا تموتان. يقول الله جل ثناؤه:"فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ" [[الأثر: ٧٤٧ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.]] .

٧٤٨ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسوس الشيطان إلى حواء في الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسَّنها في عين آدم. قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت: لا! إلا أن تأتي ههنا. فلما أتى قالت: لا! إلا أن تأكل من هذه الشجرة. قال: فأكلا منها فبدَت لهما سَوآتهما. قال: وذهب آدم هاربًا في الجنة، فناداه ربه: يا آدم أمنِّي تفرّ؟ قال: لا يا رب، ولكن حياءً منك. قال: يا آدم أنَّى أُتِيت؟ قال: من قِبَل حواء أي رب. فقال الله: فإن لها عليَّ أن أدميها في كل شهر مرة، كما أدميت هذه الشجرة [[في المخطوطة: "كما دمت هذه الشجرة".]] ، وأن أجعلها سفيهةً فقد كنت خلقتها حَليمة، وأن أجعلها تحمل كرهًا وتضع كرهًا، فقد كنت جعلتها تحمل يُسرًا وتَضع يُسرًا. قال ابن زيد: ولولا البلية التي أصابت حوّاء. لكان نساء الدنيا لا يَحضن، ولَكُنَّ حليماتٍ، وكن يحملن يُسرًا ويضعن يسُرًا. [[الأثر: ٧٤٨ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥.]]

٧٤٩ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثْني - ما أكل آدم من الشجرة وهو يَعقل، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل [[الأثر: ٧٤٩ - في تاريخ الطبري ١: ٥٥ - ٥٦، وهو هناك تام.]] .

٧٥٠ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس، قال: إن عدو الله إبليس عرض نفسه على دوابّ الأرض أيُّها يحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم وزوجته [[في المخطوطة والمطبوعة والدر المنثور: "أنها تحمله حتى يدخل. . . "، وأثبت ما في تاريخ الطبري ١: ٥٤، فهو أجود وأصح.]] ، فكلّ الدواب أبى ذلك عليه، حتى كلّم الحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم، فأنت في ذمتي إن أنت أدخلتِني الجنة. فجعلته بين نابين من أنيابها، ثم دخلت به، فكلمهما من فيها؛ وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم، فأعراها الله وجعلها تمشي على بطنها. قال: يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وَجَدتُموها، أخفروا ذمَّةَ عدوّ الله فيها [[الخبر: ٧٥٠ - في تاريخ الطبري ١: ٥٣ -٥٤، والدر المنثور ١: ٥٣. وأخفر الذمة والعهد: نقضهما، ولم يف بهما.]] .

٧٥١ - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، قال قال ابن إسحاق: وأهل التوراة يدرُسون: إنما كلم آدمَ الحية، ولم يفسروا كتفسير ابن عباس.

٧٥٢ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن أبي مَعشر، عن محمد بن قيس، قال: نهى الله آدمَ وحواء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رَغدًا حيث شاءَا. فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حواء، ووسوس الشيطان إلى آدم فقال:"ما نهاكما رَبُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين". قال: فقطعت [[في المطبوعة: "فعضت حواء الشجرة"، وأثبتنا ما في المخطوطة وتاريخ الطبري ١: ٥٤.]] حواء الشجرة فدَميت الشجرة. وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف: ٢٢] . لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتني حواء. قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتِها؟ قالت: أمرني إبليس. قال: ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدْمَيْن [[في المطبوعة: "فتدمين"، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ.]] في كلّ هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريًا على وَجهك، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ [[الأثر: ٧٥٢ - في تاريخ الطبري ١: ٥٤.]] .

* *

قال أبو جعفر: وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم - في صفة استزلال إبليس عدوِّ الله آدمَ وزوجتَه حتى أخرجهما من الجنة.

وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله مُوافقًا. وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما، وأنه قال لهما:"ما نهاكما رَبكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين"، وأنه"قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين" مُدلِّيًا لهما بغرور. ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما: إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما مستجِنًّا في غيره. وذلك أنه غير مَعقول في كلام العرب أن يقال: قاسم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا. إذا سبّب له سببًا وصل به إليه دون أن يحلف له. والحلف لا يكون بتسبب السبب. فكذلك قوله"فوسوس إليه الشيطان"، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذي منه إلى ذريته، من تزيين أكل ما نهى الله آدم عن أكله من الشجرة، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جلّ ثناؤه:"وقاسمَهما إني لكما لمن الناصحين". كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية: قاسمني إبليس أنه لي ناصحٌ فيما زيَّن لي من المعصية التي أتيتها. فكذلك الذي كان من آدمَ وزوجته، لو كان على النحو الذي يكون فيما بين إبليس اليومَ وذرية آدم - لما قال جلّ ثناؤه:"وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين"، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله.

فأما سَبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها، فليس فيما رُوي عن ابن عباس ووهب بن منبه في ذلك معنى يجوز لذي فهم مُدافعته، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة بخلافه [[في المطبوعة: "إذا كان ذلك قولا لا يدفعه قول. . . ".]] ، وهو من الأمور الممكنة. والقول في ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه [[في المطبوعة: "والقول في ذلك. . . ".]] ؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذي قاله المتأولون، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك. وإن كان ابن إسحاق قد قال في ذلك ما:-

٧٥٣ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق في ذلك، والله أعلم، كما قال ابن عباس وأهل التوراة: إنه خَلص إلى آدم وزوجته بسُلطانه الذي جعل الله له ليبتلي به آدم وذريته، وأنه يأتي ابن آدم في نَوْمته وفي يَقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوَه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه. وقد قال الله عز وجلّ:"فأزلهما الشيطان عنها، فأخرَجهما مما كانا فيه" [[في المطبوعة والمخطوطة: "وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان، فأخرجهما مما كان فيه"، وهذه ليست آية، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه.]] ، وقال: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة الأعراف: ٢٧] وقد قال الله لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ﴾ إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُويت عن النبي ﷺ أنه قال: إن الشيطان يجري من ابن آدمَ مَجرى الدم [[حديث"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" - حديث صحيح جدًّا - رواه أحمد والشيخان وأبو داود، من حديث أنس، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه، من حديث صفية، وهي بنت حيي، أم المؤمنين، كما في الجامع الصغير: ٢٠٣٦.]] . ثم قال ابن إسحاق [[في المطبوعة إسقاط: "ثم".]] : وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوِّ الله، كأمره فيما بينه وبين آدم. فقال الله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣] . ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كلمهما، كما قصَّ الله علينا من خبرهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠] ، فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلمُ أيّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما.

* *

قال أبو جعفر: وليس في يقين ابن إسحاق - لو كان قد أيقن في نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر الله عنه أنه قال لهما وخاطبهما به، ما يجوز لذي فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضًا من أهل العلم، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم. فكيف بشكّه؟ والله نسأل التوفيق.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾

قال أبو جعفر: وأما تأويل قوله"فأخرجهما"، فإنه يعني: فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته،"مما كانا"، يعني مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش في الجنة، وسعة نعيمها الذي كانا فيه. وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان الله هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه [[في المطبوعة: "وأضيف ذلك. . . ".]] كما يقول القائل لرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه:"ما حوَّلني من موضعي الذي كنت فيه إلا أنت"، ولم يكن منه له تحويل، ولكنه لما كان تحوّله عن سبب منه، جازَ له إضافة تحويله إليه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾

قال أبو جعفر: يقال هَبط فلان أرضَ كذا وواديَ كذا، إذا حلّ ذلك [[لعل صواب العبارة: "إذا حل ذلك الموضع"، فسقطت كلمة من الناسخين.]] كما قال الشاعر:

مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ ... أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا [[البيت لزهير بن أبي سلمى، ديوانه: ٣٧، أرمقهم: يعني أحبابه الراحلين، وينظر إليهم حزينًا كئيبًا، والركاب: الإبل التي يرحل عليها. وراكس: واد في ديار بني سعد بن ثعلبة، من بني أسد. وفلق وفالق: المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين، وقالوا: فالق وفلق، كما قالوا: يابس ويبس (بفتحتين) .]]

وقد أبان هذا القولُ من الله جل ثناؤه، عن صحة ما قلنا من أنّ المخرِجَ آدمَ من الجنة هو الله جل ثناؤه، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما، كان على ما وصفنا. ودلّ بذلك أيضًا على أنّ هبوط آدم وزوجته وعدوهما إبليس، كان في وقت واحد، بجَمْع الله إياهم في الخبر عن إهباطهم، بعد الذي كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبُّب إبليس ذلك لهما [[لعل الأجود: "وتسبيب إبليس ذلك لهما"، وهي في المخطوطة غير منقوطة.]] ، على ما وصفه ربنا جل ذكره عنهم.

* *

قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله:"اهبطوا"، مع إجماعهم على أن آدم وزوجته ممن عُني به.

٧٥٤ - فحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبي عَوَانة، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح:"اهبطوا بَعضُكم لبعض عَدوٌّ"، قال: آدم وحواءُ وإبليس والحية [[الأثر: ٧٥٤ - في الدر المنثور ١: ٥٥.]] .

٧٥٥ - حدثنا ابن وكيع، وموسى بن هارون، قالا حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: فلعنَ الحية وقطع قوائمها وتركها تمشي على بطنها، وجعل رزقها من التراب. وأهبِط إلى الأرض آدمُ وحواء وإبليس والحية [[الأثر: ٧٥٥ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦، والظاهر أن إسناده هنا سقط منه شيء، وتمامه في التاريخ: ". . . عن السدي - في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: اهبطوا. . . ". وهو الإسناد الذي يكثر الطبري من الرواية به.]] .

٧٥٦ - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله:"اهبِطوا بعضكم لبعض عدو"، قال: آدم وإبليس والحية [[الأثر: ٧٥٦ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦.]] .

٧٥٧ - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"اهبطوا بعضكم لبعض عدو"، آدم وإبليس والحية، ذريةٌ بعضُهم أعداءٌ لبعضٍ.

٧٥٨ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"بعضكم لبعض عدوٌّ"، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.

٧٥٩ - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"بعضكم لبعض عدوٌّ" قال: يعني إبليس وآدم. [[الآثار: ٧٥٧ - ٧٥٩ لم أجدها بإسنادها في مكان.]]

٧٦٠ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السُّدّيّ، عمن حدثه عن ابن عباس في قوله:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: بعضهم لبعض عدوّ: آدم وحواء وإبليس والحية [[الخبر: ٧٦٠ - كالذي يليه من طريق آخر.]] .

٧٦١ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهديّ، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس يقول:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: آدم وحواء وإبليس والحية. [[الخبر: ٧٦١ - في تاريخ الطبري ١: ٥٦.]]

٧٦٢ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:"اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ" قال: لهما ولذريتهما. [[الأثر: ٧٦٢ - لم أجده في مكان.]]

* *

قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كانت عداوة ما بين آدمَ وزوجته وإبليس والحية؟ قيل: أما عداوة إبليس آدم وذريته، فحسدهُ إياه، واستكبارُه عن طاعة الله في السجود له حين قال لربه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [سورة ص: ٧٦] . وأما عداوة آدم وذريته إبليس، فعداوةُ المؤمنين إياه لكفره بالله وعصيانه لربّه في تكبره عليه ومُخالفته أمرَه. وذلك من آدم ومؤمني ذريته إيمانٌ بالله. وأما عداوة إبليسَ آدمَ فكفرٌ بالله.

وأما عدَاوة ما بين آدم وذريته والحية، فقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس ووهب بن منبه، وذلك هي العداوة التي بيننا وبينها، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: مَا سالمناهُنّ مُنذ حَاربْناهن، فمن تركهنّ خشيةَ ثأرهنَّ فليس منَّا.

٧٦٣ - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدثني حَجاج بن رِشْدين، قال: حدثنا حَيْوة بن شُريح، عن ابن عَجلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما سَالمناهُنَّ مُنذ حارَبناهنّ، فمن ترك شيئًا منهنّ خيفةً، فليس منا [[الحديث: ٧٦٣ - إسناده جيد. والحديث مروي بأسانيد أخر صحاح، كما سنذكر، إن شاء الله. حجاج: هو ابن رشدين بن سعد المصري، ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١/٢/١٦٠، وذكر أنه يروي عن"حيوة بن شريح"، ويروي عنه"محمد بن عبد الله بن عبد الحكم". وذكر أنه سأل عنه أبا زرعة، قال: "لا علم لي به، لم أكتب عن أحد عنه". وترجمه الحافظ في لسان الميزان، ونقل أنه ضعفه ابن عدي، وأنه مات سنة ٢١١، وأن ابن يونس لم يذكر فيه جرحًا، "وقال الخليلي: هو أمثل من أبيه، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به"، وأن ابن حبان ذكره في الثقات. وهذا كاف في توثيقه، خصوصًا وأن ابن يونس أعرف بتاريخ المصريين.

وأبوه اسمه"رشدين"، بكسر الراء والدال بينهما شين معجمة ساكنة، وبعد الدال ياء ونون. ووقع في المطبوعة"رشد"؛ وهو خطأ.

والحديث رواه أحمد في المسند: ٩٥٨٦، عن يحيى - وهو القطان، ١٠٧٥٢، عن صفوان - وهو ابن عيسى الزهري، كلاهما عن ابن عجلان، به (٢: ٤٣٢، ٥٢٠ من طبعة الحلبي) . ورواه أيضًا قبل ذلك مختصرًا: ٧٣٦٠ (٢: ٢٤٧) عن سفيان بن عيينة. ورواه أبو داود: ٥٢٤٨ (٤: ٥٣٤ عون المعبود) ، من طريق سفيان، تاما. وهذه أسانيد صحاح.

وورد معناه من حديث ابن عباس، في المسند أيضًا: ٢٠٣٧، ٣٢٥٤. وقريب من معناه من حديث ابن مسعود، في المسند أيضًا: ٣٩٨٤.]] قال أبو جعفر: وأحسبُ أن الحرب التي بيننا، كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم، في إدخالها إبليس الجنة بعد أن أخرجه الله منها، حتى استزلّه عن طاعة ربه في أكله ما نُهي عن أكله من الشجرة.

٧٦٤ - وحدثنا أبو كريب، قال حدثنا معاوية بن هشام - وحدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثني آدم - جميعًا، عن شيبان، عن جابر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: سئل رسول الله ﷺ: عن قَتل الحيَّات، فقال رسول الله ﷺ: خُلقتْ هي والإنسانُ كل واحد منهما عدوّ لصاحبه، إن رآها أفزعته، وإن لدَغته أوجعته، فاقتلها حَيث وجدتها [[الحديث: ٧٦٤ - في الدر المنثور ١: ٥٥، ونسبه للطبري فقط. وهو في مجمع الزوائد ٤: ٤٥ بلفظ آخر، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه جابر غير مسمى، والظاهر أنه الجعفي، وثقه الثوري وشعبة، وضعفه الأئمة أحمد وغيره.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال: بعضهم بما:-

٧٦٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"ولكم في الأرض مُستقَرٌّ" قال: هو قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [سورة البقرة: ٢٢] .

٧٦٦ - وحُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: هو قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [[الأثران: ٧٦٥ - ٧٦٦: لم أجدهما في مكان.]] [سورة غافر: ٦٤] .

وقال آخرون: معنى ذلك ولكم في الأرض قَرَار في القبور.

ذكر من قال ذلك:

٧٦٧ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ:"ولكم في الأرض مستقر"، يعني القبور [[الأثر: ٧٦٧ - لم أجده في مكان.]] .

٧٦٨ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس قال:"ولكم في الأرض مستقرٌّ"، قال: القبور [[الخبر: ٧٦٨ - في الدر المنثور ١: ٥٥، وهو من تمام الخبر: ٧٦١.]] .

٧٦٩ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:"ولكم في الأرض مستقر"، قال: مقامهم فيها [[الأثر: ٧٦٩ - لم أجده في مكان.]] .

* *

قال أبو جعفر: والمستقرُّ في كلام العرب، هو موضع الاستقرار. فإذْ كان ذلك كذلك، فحيث كان من في الأرض موجودًا حالا فذلك المكان من الأرض مستقره.

إنما عنى الله جل ثناؤه بذلك: أنّ لهم في الأرض مستقرًّا ومنزلا بأماكنهم ومستقرِّهم من الجنة والسماء. وكذلك قوله:"ومتاع" يعني به: أن لهم فيها متاعًا بمتاعهم في الجنة.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: ولكم فيها بَلاغ إلى الموت.

ذكر من قال ذلك:

٧٧٠ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في قوله:"ومتاعٌ إلى حين"، قال يقول: بلاغ إلى الموت [[الأثر: ٧٧٠ - لم أجده في مكان.]] .

٧٧١ - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن إسماعيل السُّدّيّ، قال: حدثني من سمع ابن عباس:"ومتاعٌ إلى حين"، قال: الحياة [[الأثر: ٧٧١ - في الدر المنثور ١: ٥٥، وهو من تمام الأثرين: ٧٦١، ٧٦٨.]] .

* *

وقال آخرون: يعني بقوله:"ومتاعٌ إلى حين"، إلى قيام الساعة.

ذكر من قال ذلك:

٧٧٢ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد:"ومتاع إلى حين"، قال: إلى يوم القيامة، إلى انقطاع الدنيا.

* *

وقال آخرون:"إلى حين"، قال: إلى أجل.

ذكر من قال ذلك:

٧٧٣ - حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"ومتاع إلى حين"، قال: إلى أجل [[الأثران: ٧٧٢، ٧٧٣: لم أجدهما في مكان.]] .

* *

والمتاع في كلام العرب: كل ما استُمتع به من شيء، من معاش استُمتع به أو رِياش أو زينة أو لذة أو غير ذلك [[في المخطوطة: "في معاش استمتع. . . ".]] . فإذْ كان ذلك كذلك - وكان الله جل ثناؤه قد جَعل حياة كل حيّ متاعًا له يستمتع بها أيام حياته، وجعل الأرض للإنسان مَتاعًا أيام حياته، بقراره عليها، واغتذائه بما أخرج الله منها من الأقوات والثمار، والتذاذه بما خلق فيها من الملاذِّ، وجعلها من بعد وفاته لجثته كِفاتًا [[الكفات: الموضع الذي يضم فيه الشيء ويقبض.]] ، ولجسمه منزلا وَقرارا؛ وكان اسم المتاع يَشمل جميع ذلك - كان أولى التأويلات بالآية - [[في المطبوعة: "إن لم يكن الله. . . "، وهو خطأ.]] إذْ لم يكن الله جل ثناؤه وضع دلالة دالة على أنه قَصد بقوله:"ومتاعٌ إلى حين" بعضًا دون بعض، وخاصًّا دون عامٍّ في عقل ولا خبر - أن يكون ذلك في معنى العامِّ، وأن يكون الخبر أيضًا كذلك، إلى وقت يطول استمتاع بني آدم وبني إبليس بها، وذلك إلى أن تُبدَّل الأرض غير الأرض. فإذْ كان ذلك أولى التأويلات بالآية لما وَصفنا، فالواجب إذًا أن يكون تأويل الآية: ولكم في الأرض مَنازلُ ومساكنُ تستقرُّون فيها استقراركم - كان - في السموات، وفي الجنان في منازلكم منها [[في المطبوعة: "في الجنات".]] ، واستمتاع منكم بها وبما أخرجت لكم منها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش والزَّين والملاذِّ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم لأرْماسكم وأجدَاثكم تُدفنون فيها [[الأرماس جمع رمس، والأجداث جمع جدث (بفتحتين) : وهما بمعنى القبر.]] ، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾

قال أبو جعفر: أما تأويل قوله:"فتلقى آدم"، فقيل: إنه أخذ وقَبِل [[في المطبوعة: "أخذ. وقيل: أصله"، وهو خطأ.]] . وأصله التفعُّل من اللقاء، كما يتلقى الرجلُ الرجلَ مُستقبلَه عند قدومه من غيبته أو سفره، فكأنَّ ذلك كذلك في قوله:"فتلقى" [[في المطبوعة: ". . . يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر فكذلك ذلك في قوله"، تصرف نساخ.]] ، كأنه استقبله فتلقاه بالقبول حين أوحى إليه أو أخبر به. فمعنى ذلك إذًا: فلقَّى الله آدمَ كلمات توبة، فتلقَّاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبًا، فتاب الله عليه بقيله إياها، وقبوله إياها من ربه. كما:-

٧٧٤ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات" الآية. قال: لقَّاهمَا هذه الآية: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [[الأثر: ٧٧٤ - ابن كثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٩، والشوكاني ١: ٥٨، وسيأتي برقم: ٧٩٢.]] [سورة الأعراف: ٢٣] .

* *

وقد قرأ بعضهم:"فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ"، فجعل الكلمات هي المتلقية آدم. وذلك، وإن كان من وجهة العربية جائزًا - إذْ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له مُتلقّ، وما لقيه فقد لَقيه، فصار للمتكلم أن يُوجه الفعل إلى أيهما شاء، ويخرج من الفعل أيهما أحب - فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع"آدم" على أنه المتلقي الكلمات، لإجماع الحجة من القَرَأة وأهل التأويل من علماء السلف والخلف [[في المطبوعة: "لإجماع الحجة من القراء". والقَرَأَة: جمع قارئ، كما سلف مرارًا، انظر ما مضى ص ٥٢٤.]] ، على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات. وغيرُ جائز الاعتراض عليها فيما كانت عليه مجمعة، بقول من يجوز عليه السهو والخطأ.

* *

واختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها. آدمُ من ربه. فقال بعضهم بما:-

٧٧٥ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتابَ عليه"، قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسكني جَنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب، ألم تسبق رحمتُك غضبك؟ قال: بلى. قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم.

قال: فهو قوله:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات" [[الخبر: ٧٧٥ - في ابن كثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٨، والشوكاني ١: ٥٧.]] .

٧٧٦ - وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا محمد بن مُصعْب، عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.

٧٧٧ - وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه"، قال: إن آدم قال لربه إذ عصاه: رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ فقال له ربه: إني راجعك إلى الجنة [[الخبر: ٧٧٧ - لم أجده بلفظه في مكان.]] .

٧٧٨ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"فتلقى آدم من ربه كلمات"، ذكر لنا أنه قال: يا رب، أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إني إذًا راجعك إلى الجنة، قال: وقال الحسن: إنهما قالا"ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تَغفر لَنا وتَرحمنا لنكونن من الخاسرين". [[الأثر ٧٧٨ - في ابن كثير ١: ١٤٧.]]

٧٧٩ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"فتلقى آدم من ربه كلمات"، قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب، أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال الله: إذًا أرجعك إلى الجنة. فهي من الكلمات. ومن الكلمات أيضًا:"ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفرْ لَنا وتَرحمنا لنكونن من الخاسرين" [[الأثر: ٧٧٩ - في ابن كثير ١: ١٤٧.]] .

٧٨٠ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات"، قال: رب، ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. قال: ونفخت فيّ من روحك؟ قيل له: بلى. قال وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل له: بلى. قال: ربّ هل كنتَ كتبتَ هذا عليّ؟ قيل له: نعم. قال: رب، إن تبت وأصلحت، هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قيل له: نعم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [[الأثر: ٧٨٠ - لم أجده بنصه في مكان.]] [سورة طه: ١٢٢] .

* *

وقال آخرون بما:-

٧٨١ - حدثنا به محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، قال: حدثني من سمع عُبيد بن عُمير يقول: قال آدم: يا رب، خطيئتي التي أخطأتها، أشيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعتُهُ من قبل نفسي؟ قال: بلى، شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليّ فاغفره لي. قال: فهو قول الله:"فتلقَّى آدم من ربه كلمات" [[الأثر: ٧٨١ - في ابن كثير ١: ٤٧. والدر المنثور ١: ٥٩.]] .

٧٨٢ - وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا مؤمَّل، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رُفَيع، قال: أخبرني من سمع عُبيد بن عُمير، بمثله.

٧٨٣ - وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا وكيع بن الجراح، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عمن سمع عبيد بن عمير يقول: قال آدم، فذكر نحوه.

٧٨٤ -وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: أخبرني من سمع عبيد بن عمير، بنحوه.

٧٨٥ - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد العزيز، عن عبيد بن عمير بمثله.

وقال آخرون بما:-

٧٨٦ - حدثني به أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شَريك، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حصين بن عبد الرحمن، عن حميد بن نبهان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، أنه قال: قوله:"فتلقى آدمُ من ربه كلمات فتاب عليه"، قال آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، تب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. [[الأثر: ٧٨٦- لم أجده في مكان. وعبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: ثقة، مترجم في التهذيب، وقال مصعب الزبيري: "وكان رجلا صالحًا". وقال أبو زرعة: "معاوية، وعبد الرحمن، وخالد - بنو يزيد بن معاوية: كانوا صالحي القوم". وأما الراوي عنه"حميد بن نبهان" فلم أجد له ترجمة ولا ذكرًا، وأخشى أن يكون محرفًا عن شيء لا أعرفه.]]

٧٨٧- وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو غسان، قال: أنبأنا أبو زهير -وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: أخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، وقيس- جميعًا عن خُصَيف، عن مجاهد في قوله:"فتلقى آدم من ربه كلمات"، قال قوله:"ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تَغفر لنا وترحمنا"، حتى فرغ منها. [[الأثر: ٧٨٧- في ابن كثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٩، والشوكاني ١: ٥٨.]]

٧٨٨- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثني شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، كان يقول في قول الله:"فتلقى آدم من ربه كلمات" الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إني ظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم. [[الأثر: ٧٨٨- في ابن كثير ١: ١٤٧.]]

٧٨٩- وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن مجاهد:"فتلقى آدم من ربه كلمات" هو قوله:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لَنا وترحمنا" الآية. [[الأثر: ٧٨٩- انظر الأثر السالف رقم: ٧٨٧.]]

٧٩٠- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد:"فتلقى آدم من ربه كلمات"، قال: أي رب، أتتوب عليّ إن تبت؟ قال نعم. فتاب آدم، فتاب عليه ربه. [[الأثر: ٧٩٠- لم أجده في مكان.]]

٧٩١- وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"فتلقى آدم من ربه كلمات"، قال: هو قوله:"ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين [[الأثر: ٧٩١- في ابن كثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٩.]] ".

٧٩٢- حدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد: هو قوله:"ربنا ظَلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [[الأثر: ٧٩٢- في ابن كثير ١: ١٤٧، والدر المنثور ١: ٥٩، ومضى رقم: ٧٧٤.]] ".

* *

وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقَّى آدمَ كلماتٍ، فتلقَّاهُنّ آدمُ من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب بقِيله إياهنّ وعملِه بهنّ إلى الله من خطيئته، معترفًا بذنبه، متنصِّلا إلى ربه من خطيئته، نادمًا على ما سلف منه من خلاف أمره، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه، وندمه على سالف الذنب منه.

والذي يدل عليه كتابُ الله، أن الكلمات التي تلقاهنّ آدمُ من ربه، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصِّلا بقيلها إلى ربه، معترفًا بذنبه، وهو قوله:"ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". وليس ما قاله من خالف قولنا هذا -من الأقوال التي حكيناها- بمدفوع قوله، ولكنه قولٌ لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربّه عند إنابته إليه من ذنبه. وهذا الخبر الذي أخبر الله عن آدم -من قيله الذي لقَّاه إياه فقاله تائبًا إليه من خطيئته- تعريف منه جل ذكره جميعَ المخاطبين بكتابه، كيفية التوبة إليه من الذنوب [[في المخطوطة: "التوبة من الذنوب"، بالحذف.]] ، وتنبيهٌ للمخاطبين بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٨] ، على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله، وأنّ خلاصهم مما هم عليه مُقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، مع تذكيره إياهم به السالفَ إليهم من النعم التي خَصَّ بها أباهم آدم وغيرَه من آبائهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾

قال أبو جعفر: وقوله:"فتاب عليه"، يعني: على آدم. والهاء التي في"عليه" عائدة على"آدم". وقوله:"فتاب عليه"، يعني رَزَقه التوبة من خطيئته. والتوبة معناها الإنابة إلى الله، والأوبةُ إلى طاعته مما يَكرَهُ من معصيته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"إنه هو التواب الرحيم"، أن الله جل ثناؤه هو التوّاب على من تاب إليه - من عباده المذنبين - من ذنوبه، التارك مجازاته بإنابته إلى طاعته بعد معصيته بما سلف من ذنبه. وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلى ربّه، إنابتُه إلى طاعته، وأوبته إلى ما يرضيه بتركه ما يَسْخَطه من الأمور التي كان عليها مقيمًا مما يكرهه ربه. فكذلك توبة الله على عبده، هو أن يرزقه ذلك، ويؤوب له من غضبه عليه إلى الرضا عنه [[في المطبوعة: "ويؤوب من غضبه عليه"، بالحذف.]] ، ومن العقوبة إلى العفو والصفح عنه.

* *

وأما قوله:"الرحيم"، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة. ورحمته إياه، إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جُرمه.

* *

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا القول في تأويل قوله:"قلنا اهبطوا منها جميعًا" فيما مضى، [[انظر ص: ٥٣٤.]] فلا حاجة بنا إلى إعادته، إذْ كان معناه في هذا الموضع، هو معناه في ذلك الموضع.

٧٩٣- وقد حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله:"اهبطوا منها جميعًا"، قال: آدم وحواء والحية وإبليس. [[الأثر: ٧٩٣- لم أجده بهذا الإسناد، وانظر، ما مضى الأرقام: ٧٥٤ وما بعده.]]

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"فإما يأتينكم"، فإنْ يَأتكم. و"ما" التي مع"إن" توكيدٌ للكلام، ولدخولها مع"إن" أدخلت النون المشددة في"يأتينَّكم"، تفرقةً بدخولها بين"ما" التي تأتي بمعنى توكيد الكلام - التي تسميها أهل العربية صلة وَحشوًا - وبين"ما" التي تأتي بمعنى"الذي"، فتؤذِن بدخولها في الفعل، أنّ"ما" التي مع"إن" التي بمعنى الجزاء، توكيد، وليست"ما" التي بمعنى"الذي".

وقد قال بعض نحويي أهل البصرة [[في المطبوعة: "نحويي البصريين".]] : إنّ "إمَّا"، "إن" زيدت معها"ما"، وصار الفعل الذي بعده بالنون الخفيفة أو الثقيلة، وقد يكون بغير نون. وإنما حسنت فيه النون لمّا دخلته "ما"، لأن "ما" نفيٌ، فهي مما ليس بواجب، وهي الحرف الذي ينفي الواجب، فحسنت فيه النون، نحو قولهم:"بعينٍ مَّا أرَينَّك"، حين أدخلت فيها"ما" حسنت النون فيما ها هنا.

وقد أنكرت جماعة من أهل العربية دعوى قائل هذه المقالة [[في المطبوعة: "وقد أنكر جماعة. . . دعوى قائلي. . . ".]] : أن"ما" التي مع"بعينٍ ما أرَينَّك" بمعنى الجحد، وزعموا أن ذلك بمعنى التوكيد للكلام.

وقال آخرون: بل هو حشو في الكلام، ومعناها الحذف، وإنما معنى الكلام:"بعَين أراك"، وغير جائز أن يُجْعل مع الاختلاف فيه أصلا يُقاس عليه غيره.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ﴾

قال أبو جعفر: والهدى، في هذا الموضع، البيان والرشاد. كما:-

٧٩٤- حدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"فإما يأتينكم مني هدًى" قال: الهدى، الأنبياءُ والرسل والبيان. [[الأثر: ٧٩٤- في ابن كثير ١: ١٤٨، والدر المنثور ١: ٦٣، والشوكاني ١: ٥٨.]] .

فإن كان ما قال أبو العالية في ذلك كما قال، فالخطاب بقوله:"اهبطوا"، وإن كان لآدم وزوجته، فيجب أن يكون مرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما. فيكون ذلك حينئذ نظير قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سورة فصلت: ١١] ، بمعنى أتينا بما فينا من الخلق طائعين، ونظيرَ قوله في قراءة ابن مسعود: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرهم مناسكهم﴾ [سورة البقرة: ١٢٨] ، فجمع قبل أن تكون ذريةً، وهو في قراءتنا:"وأرنا مناسكنا". وكما يقول القائل لآخر:"كأنك قد تزوجت وولد لك، وكثرتم وعززتم"، ونحو ذلك من الكلام.

وإنما قلنا إن ذلك هو الواجب على التأويل الذي ذكرناه عن أبي العالية، لأنّ آدمَ كان هو النبيَّ أيام حياته بعد أن أُهبط إلى الأرض، [[في المطبوعة: "هو النبي ﷺ".]] والرسولَ من الله جل ثناؤه إلى ولده. فغير جائز أن يكون معنيًّا -وهو الرسولُ ﷺ- بقوله:"فإما يأتينّكم منّي هُدًى"، خطابًا له ولزوجته،"فإما يأتينكم مني أنبياءُ ورسل" [[في المطبوعة: ". . . مني هدى أنبياء ورسل. . . ".]] إلا على ما وصفتُ من التأويل.

وقول أبي العالية في ذلك -وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية- فأقرب إلى الصواب منه عندي وأشبهُ بظاهر التلاوة، أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي [[في المطبوعة: "فإما يأتينكم مني يا معشر من أهبطته. . . ".]] ، وهو آدمُ وزوجته وإبليس -كما قد ذكرنا قبل في تأويل الآية التي قبلها- إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية وخلافٌ لأمري وطاعتي. يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله:"إنه هو التّواب الرحيم".

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه:"اهبطوا منها جميعًا"، والذين خوطبوا به هم من سمّينا في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم. [[في المطبوعة: "الرواية عنهم" بالحذف]] . وذلك، وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط حينئذٍ من السماء إلى الأرض، فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله [[في المطبوعة: "وتعريف منه بذلك للذين".]] ﴿: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة: ٦] ، وفي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة: ٨] ، وأنّ حكمه فيهم -إن تابوا إليه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد ﷺ - أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة، كانوا من أهل النار المخلَّدين فيها.

وقوله:"فمن تَبعَ هُدَايَ"، يعني: فمن اتبع بَياني الذي آتيتُه على ألسن رُسُلي، أو مع رسلي [[في المطبوعة: ". . . بياني الذي أبينه على ألسن رسلي".]] . كما:-

٧٩٥- حدثنا به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"فمن تَبع هُدَاي"، يعني بياني. [[الأثر: ٧٩٥- لم أجده في مكان.]] .

* *

وقوله:"فلا خوفٌ عليهم"، يعني فهم آمنون في أهوال القيامة من عقاب الله، غير خائفين عذابه، بما أطاعوا الله في الدنيا واتبعوا أمرَه وهُداه وسبيله، ولا هم يحزنون يومئذ على ما خلّفوا بعد وفاتهم في الدنيا. كما:-

٧٩٦- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد:"لا خوفٌ عليهم"، يقول: لا خوف عليكم أمامكم [[الأثر: ٧٩٦- لم أجده في مكان.]] .

وليس شيء أعظمَ في صدر الذي يموت ممّا بعد الموت. فأمّنهم منه وسَلاهم عن الدنيا فقال:"ولا هم يحزنون".

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴾

يعني: والذين جَحدوا آياتي وكذّبوا رسلي. وآيات الله: حُجَجه وأدلتُه على وحدانيّته وربوبيّته، وما جاءت به الرُّسُل من الأعلام والشواهد على ذلك، وعلى صدقها فيما أنبأتْ عن ربّها. وقد بيّنا أن معنى الكفر، التغطيةُ على الشيء [[انظر ما مضى ص: ٢٥٥.]] .

"أولئك أصحاب النار"، يعني: أهلُها الذين هم أهلها دون غيرهم، المخلدون فيها أبدًا إلى غير أمَدٍ ولا نهاية. كما:-

٧٩٧- حدثنا به عُقبة بن سنان البصري، قال: حدثنا غَسان بن مُضَر، قال حدثنا سعيد بن يزيد - وحدثنا سَوَّار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا أبو مَسْلَمَة سعيد بن يزيد - وحدثني يعقوب بن إبراهيم، وأبو بكر بن عون، قالا حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن سعيد بن يزيد - عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون، ولكن أقوامًا أصابتْهم النارُ بخطاياهم أو بذنوبهم، فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أُذِنَ في الشفاعة [[الحديث: ٧٩٧- رواه الطبري هنا بثلاثة أسانيد، تنتهي إلى سعيد بن يزيد. وذكره ابن كثير ١: ١٥٨، ولكنه سها فذكر أنه رواه من طريقين، وهي ثلاثة كما ترى:

و"عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان البصري" - شيخ الطبري في الإسناد الأول: ثقة، سمع منه أبو حاتم، وقال: "صدوق". ولم أجد له ترجمة إلا في الجرح والتعديل ٣/١/٣١١. و"غسان بن مضر الأزدي البصري": ثقة من شيوخ أحمد القدماء، وقال أحمد: "شيخ ثقة ثقة". وترجمه البخاري في الكبير ٤/١/١٠٧، وابن أبي حاتم ٣/٢/٥١. و"أبو بكر بن عون" - شيخ الطبري في الإسناد الثالث: لم أستطع أن أعرف من هو؟ ولا أثر لذلك في الإسناد، فإن الطبري رواه عنه وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، كلاهما عن ابن علية. و"سعيد بن يزيد بن مسلمة أبو مسلمة الأزدي البصري": تابعي ثقة، روى له الجماعة. وترجمه البخاري ٢/١/٤٧٦، وابن أبي حاتم ٢/١/٧٣. وكنيته"أبو مسلمة" بالميم في أولها. ووقع في تفسير ابن كثير"أبو سلمة" بحذفها، وهو خطأ مطبعي.

وهذا الحديث رواه مسلم ١: ٦٧-٦٨، وابن ماجه: ٤٣٠٩- كلاهما من طريق بشر بن المفضل، عن سعيد بن يزيد أبي مسلمة، به. ولكنه عندهما أطول مما هنا. ولم يروه من أصحاب الكتب الستة غيرهما، كما يدل على ذلك تخريجه في جامع الأصول لابن الأثير: ٨٠٨٥. وكذلك رواه الإمام أحمد في المسند: ١١٠٩٣ (٣: ١١ حلبي) عن ابن علية. ورواه أيضًا أحمد: ١١٧٦٩ (٣: ٧٨-٧٩) ، ومسلم ١: ٦٨- كلاهما من طريق شعبة، عن سعيد بن يزيد.

وهو في الحقيقة جزء من حديث طويل، ورواه أحمد في المسند، مطولا ومختصرًا، من أوجه، عن أبي نضرة، منها: ١١٠٢٩، ١١١٦٨، ١١٢١٨- ١١٢٢٠ (٣: ٥، ٢٠، ٢٥-٢٦ حلبي) .]] .

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"يا بني إسرائيل" ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن [[في المطبوعة: "يا ولد يعقوب. . . " بزيادة النداء".]] وكان يعقوب يدعى"إسرائيل"، بمعنى عبد الله وصفوته من خلقه. و"إيل" هو الله، و"إسرا" هو العبد، كما قيل:"جبريل" بمعنى عبد الله. وكما:-

٧٩٨- حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء، عن عُمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله. [[الخبر: ٧٩٨- في ابن كثير ١: ١٤٩، والدر المنثور ١: ٦٣. وهذا إسناد صحيح. إسماعيل بن رجاء بن ربيعة: ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه. عمير مولى ابن عباس: هو عمير بن عبد الله الهلالي، مولى أم الفضل، وقد ينسب إلى ولاء زوجها"العباس"، كما ورد في إسناد حديث آخر في المسند: ٧٧، وقد ينسب إلى ولاء بعض أولادها، كما في هذا الإسناد. وهو تابعي ثقة، ترجمه ابن أبي حاتم ٣/١/٣٨٠، وأخرج له الشيخان وغيرهما.]]

٧٩٩- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، قال:"إيل"، الله بالعبرانية. [[الأثر: ٧٩٩- في الدر المنثور ١: ٦٣. و"المنهال": هو ابن عمرو الأسدي. و"عبد الله بن الحارث": هو الأنصاري البصري أبو الوليد، وهو تابعي ثقة.]]

وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقوله:"يا بني إسرائيل" أحبارَ اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسول الله ﷺ، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب، كما نسب ذرية آدم إلى آدم، فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: ٣١] وما أشبه ذلك. وإنما خصّهم بالخطاب في هذه الآية والتي بعدها من الآي التي ذكَّرهم فيها نعمَه -وإن كان قد تقدّم ما أنزل فيهم وفي غيرهم في أول هذه السورة ما قد تقدم- أن الذي احتج به من الحجج والآيات التي فيها أنباء أسلافهم، وأخبارُ أوائلهم، وَقصَصُ الأمور التي هم بعلمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمم، ليس عند غيرهم من العلم بصحته وحقيقته مثلُ الذي لهم من العلم به، إلا لمن اقتبس علم ذلك منهم. فعرَّفهم بإطلاع محمّد على علمها- مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها، وقلة مزاولة محمد ﷺ درَاسةَ الكتب التي فيها أنباء ذلك [[قوله: "وقلة مزاولة محمد ﷺ دراسة الكتب. . . "، هو كما نقول اليوم في عبارتنا المحدثة: "وعدم مزاولة محمد. . . ". قال الجاحظ في البيان والتبيين ١: ٢٨٥: "واستجار عون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بمحمد بن مروان بنصيبين، وتزوج بها امرأة فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟ قال: "كثيرة العقارب، قليلة الأقارب". يريد بقوله: "قليلة"، كقول القائل: "فلان قليل الحياء"، وليس يريد أن هناك حياء وإن قل. يضعون: "قليلا، في موضع"ليس". انتهى.

قلت: ومنه قول دريد بن الصمة في أخيه: قَلِيلُ التَّشَكِّي للمصيبات، حافظٌ ... مِنَ الْيَوْمِ أعقابَ الأحاديث في غَدِ

وسيأتي قول الطبري في تفسير قوله تعالى من (سورة البقرة: ٨٨) "فقليلا ما يؤمنون": (١: ٣٢٤، بولاق) : "وإنما قيل: فقليلا ما يؤمنون، وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: "قلما رأيت مثل هذا قط". وقد روى عنها سماعًا منها: "مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل"، يعني ما تنبت غير الكراث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة، والمعنى فيه نفي جميعه"، انتهى.

وفي الحديث: "إنه كان يقل اللغو" أي لا يلغو أصلا، قال ابن الأثير: وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء (اللسان: قلل) .

ولولا زمان فسد فيه اللسان، وقل الإيمان، واشتدت بالمتهجمين الجرأة على تفسير الكلمات، وتصيد الشبهات - ولولا أن يقول قائل فيفتري على الطبري أنه قال إن رسول الله ﷺ كان يدارس كتب أهل الكتاب، لكنت في غنى عن مثل هذه الإطالة.]] - أنّ محمدًا ﷺ لم يَصلْ إلى علم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيلٍ منه ذلك إليه - لأنهم من عِلْم صحة ذلك بمحلّ ليس به من الأمم غيرهم، فلذلك جل ثناؤه خص بقوله:"يا بني إسرائيل" خطابهم كما:-

٨٠٠- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله:"يا بني إسرائيل"، قال: يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود [[الأثر ٨٠٠- في الدر المنثور ١: ٦٣، والشوكاني ١: ٦١ بتمامه. وسيأتي تمامه في الأثر التالي.]] .

* *

القول في تأويل قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: ونعمته التي أنعم بها على بني إسرائيل جلّ ذكره، اصطفاؤه منهم الرسلَ، وإنزاله عليهم الكتب، واستنقاذُه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضَّرَّاء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلَف منه إلى آبائهم على ذُكْر، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده. كما:-

٨٠١- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"اذكروا نعمتِي التي أنعمتُ عليكم"، أي آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه [[الأثر: ٨٠١- من تمام الأثر السالف، المراجع السالفة، وابن كثير ١: ١٤٩.]] .

٨٠٢- وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"اذكروا نعمتي"، قال: نعمتُه أنْ جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب [[الأثر: ٨٠٢- في ابن كير ١: ١٤٩.]] .

٨٠٣- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم"، يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل، فيما سمى وفيما سوَى ذلك: فجَّر لهم الحجر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون [[الأثر: ٨٠٣- في ابن كثير ١: ١٤٩ وفيه: "وفيما سوى ذلك: أن فجر"، بالزيادة.]] .

٨٠٤- وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله:"نعمتي التي أنعمت عليكم" قال: نعمه عامة، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام، والنعم بعدُ تبع لها، وقرأ قول الله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [[الأثر: ٨٠٤- لم أجده في مكان.]] [سورة الحجرات: ١٧]

وتذكيرُ الله الذين ذكّرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه على لسان رسوله محمد ﷺ، نظيرُ تذكير موسى صلوات الله عليه أسلافَهم على عهده، الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم، وذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سوة المائدة: ٢٠] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: قد تقدم بياننا فيما مضى -عن معنى العهد- من كتابنا هذا [[انظر ما مضى: ٤١٠-٤١٥.]] ، واختلاف المختلفين في تأويله، والصوابُ عندنا من القول فيه [[في المطبوعة: "قد تقدم بياننا معنى العهد فيما مضى من كتابنا. . . "، غيروه ليستقيم الكلام على ما ألفوه.]] . وهو في هذا الموضع: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد ﷺ أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله.

"أوف بعهدكم": وعهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: ١٢] ، وكما قال: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [[في الأصول: ". . . اثنى عشر نقيبًا، الآية". و"النبي الأمي، الآية". وآثرنا إتمام الآيتين، كما جرينا عليه فيما سلف، وفيما سيأتي.]] [سورة الأعراف: ١٥٦-١٥٧] .

٨٠٥- وكما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وأوفوا بعهدي" الذي أخذتُ في أعناقكم للنبِيّ محمد إذا جاءكم، [[في المطبوعة: ". . . للنبي ﷺ إذا جاءكم. . . "، وفي المراجع الأخرى.]] "أوف بعهدكم"، أي أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعْناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم [[الأثر: ٨٠٥- من تمام الأثر السالف رقم: ٨٠٠، ورقم ٨٠١، ومراجعه ما سلف.]] .

٨٠٦- وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم، قال حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"أوْفوا بعهدي أوفِ بعهدكم"، قال: عهدُه إلى عباده، دينُ الإسلام أن يتبعوه،"أوف بعهدكم"، يعني الجنة [[الأثر: ٨٠٦- في ابن كثير ١: ١٥٠.]] .

٨٠٧- وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"أوفوا بعهدي أوف بعهدكم": أما"أوفوا بعهدي"، فما عهدت إليكم في الكتاب. وأما"أوف بعهدكم" فالجنة، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة [[الأثر: ٨٠٧- في ابن كثير ١: ١٥٠ تضمينًا.]] .

٨٠٨- وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله:"وأفوا بعهدي أوف بعهدكم"، قال: ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) إلى آخر الآية [سورة المائدة: ١٢] . فهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم، وهو عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده [[الأثر: ٨٠٨- لم أجده بنصه في مكان.]] .

٨٠٩- وحُدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله"وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم"، يقول: أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي ﷺ وفي غيره،"أوف بعهدكم"، يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة [[الأثر: ٨٠٩- في ابن كثير ١: ١٥٠، الدر المنثور ١: ٦٣، والشوكاني ١: ٦١.]] .

٨١٠- وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله:"وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم"، قال: أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة: ١١١] ، قال: هذا عهده الذي عهده لهم [[الأثر: ٨١٠- لم أجده في مكان.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله:"وإياي فارهبون"، وإياي فاخْشَوْا - واتَّقُوا أيها المضيّعون عهدي من بني إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذتُ ميثاقكم - فيما أنزلتُ من الكتُب على أنبيائي -أن تؤمنوا به وتتبعوه- أن أُحِلّ بكمْ من عقوبتي، إن لم تنيبوا وتتوبوا إليّ باتباعه والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللتُ بمن خالف أمري وكذّب رُسلي من أسلافكم. كما:-

٨١١- حدثني به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإيايَ فارهبون"، أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره. [[الأثر: ٨١٢- من تمام الآثار السالفة الأرقام: ٨٠٠، ٨٠١، ٨٠٥. وابن كثير ١: ١٥٠ من تمام ما سلف في ص ١٤٩. المراجع المذكورة.]]

٨١٢- وحدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثني آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله:"وإياي فارهَبُون"، يقول: فاخشَوْن.

٨١٣- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"وإياي فارهبون"، يقول: وإياي فاخشون. [[الأثر: ٨١٣- في ابن كثير ١: ١٥٠.]]

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"آمنوا"، صدِّقوا، كما قد قدمنا البيان عنه قبل. [[انظر ما مضى: ٢٣٤، ٢٣٥.]] ويعني بقوله:"بما أنزلت، ما أنزل على محمد ﷺ من القرآن. ويعني بقوله:"مصدِّقًا لما معكم"، أن القرآن مصدِّق لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة. فأمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد ﷺ وتصديقه واتباعه، نظيرُ الذي من ذلك في التوراة والإنجيل ففي تصديقهم بما أنزل على محمد تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة، وفي تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما معهم من التوراة.

وقوله:"مصدقًا"، قطع من الهاء المتروكة في"أنزلته" من ذكر"ما" [[قوله"قطع"، أي حال. وانظر ما سلف ص ٢٣٠: تعليق: ٤، وص ٣٣٠ تعليق: ١.]] . ومعنى الكلام وآمنوا بالذي أنزلته مصدقًا لما معكم أيها اليهود، والذي معهم: هو التوراة والإنجيل. كما:-

٨١٤- حدثنا به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله:"وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم"، يقول: إنما أنزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل. [[الأثر: ٨١٤- في ابن كثير ١: ١٥٠ تضمينًا، والدر المنثور ١: ٢٦٤، والشوكاني ١: ٦١.]] .

٨١٥- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨١٦- وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"وآمنوا بما أنزلت مصدِّقًا لما معكم"، يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنزلت على محمّد مصدقًا لما معكم. يقول: لأنهم يجدون محمّدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. [[الأثر: ٨١٥- في ابن كثير ١: ١٥٠، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦١.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: كيف قِيل:"ولا تكونوا أول كافر به"، والخطاب فيه لجميع [[في المطبوعة في المواضع الثلاثة: "لجمع. . . لجمع. . . جمع".]] ، وقوله:"كافر" واحد؟ وهل نجيز -إن كان ذلك جائزًا- أن يقول قائل:"ولا تكونوا أول رجُل قام"؟

قيل له: إنما يجوز توحيد ما أضيف له"أفعل"، وهو خبر لجميع [[في المطبوعة في المواضع الثلاثة: "لجمع. . . لجمع. . . جمع".]] إذا كان اسمًا مشتقًّا من"فعل ويفعل"، لأنه يؤدِّي عن المرادِ معه المحذوفَ من الكلام وهو"مَنْ"، ويقوم مقامه في الأداء عن معنى ما كان يؤدي عنه"مَنْ" من الجمع والتأنيث، وهو في لفظ واحد. ألا ترى أنك تقول: ولا تكونوا أوَّلَ من يكفر به."فمن" بمعنى جميع [[في المطبوعة في المواضع الثلاثة: "لجمع. . . لجمع. . . جمع".]] ، وهو غير متصرف تصرفَ الأسماء للتثنية والجمع والتأنيث. فإذا أقيم الاسمُ المشتق من"فعل ويفعل" مُقَامه، جرى وهو موحّد مجراه في الأداء عما كان يؤدي عنه"مَنْ" من معنى الجمع والتأنيث، كقولك:"الجيش مُنهزم"،"والجند مقبلٌ" [[في المطبوعة. "الجيش ينهزم، والجند يقبل"، وهو خطأ صرف.]] ، فتوحِّد الفعلَ لتوحيد لفظ الجيش والجند. وغير جائز أن يقال:"الجيش رجل، والجند غلام"، حتى تقول:"الجند غلمان والجيش رجال". لأن الواحد من عدد الأسماء التي هي غير مشتقة من"فعل ويفعل"، لا يؤدّي عن معنى الجماعة منهم، ومن ذلك قول الشاعر:

وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ ... وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ [[نوادر أبي زيد: ١٥٢، لرجل جاهلي، ومعاني القرآن للفراء ١: ٣٣، وهي ثلاثة أبيات نوادر، وقبله: ومُوَيْلكٌ زمَعُ الكِلابِ يَسُبُّنِي ... فَسَماعِ أسْتَاهَ الكلابِ سَمَاعِ

هَلْ غير عَدْوِكُمُ عَلَى جَارَاتكُمْ ... لبُطُونِكُمْ مَلَثَ الظَّلامِ دَوَاعِي

وقوله: "طعموا" أي شبعوا، فهم عندئذ ألأم من شبع. وفي الحديث: "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة"، يعني شبع. الواحد قوت الاثنين، وشبع الاثنين قوت الأربعة.]]

فوحّد مَرّةً على ما وصفتُ من نية"مَنْ"، وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتق من"فعل ويفعل" مقامه، وجمع أخرى على الإخراج على عدد أسماء المخبر عنهم، ولو وحَّد حيث جَمع، أو جمع حيث وحَّد، كان صوابًا جائزًا [[انظر مثل ما قال الطبري في معاني القرآن للفراء ١: ٣٢-٣٣.]] .

وأما تأويل ذلك [[في المطبوعة: "فأما. . . " بالفاء.]] فإنه يعني به: يا معشر أحبار أهل الكتاب، صدِّقوا بما أنزلتُ على رسولي محمد ﷺ من القرآن المصدِّق كتابَكم، والذي عندكم من التوراة والإنجيل، المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبيِّيَ المبعوثُ بالحق، ولا تكونوا أوَّل أمّتكُمْ كذَّبَ به [[في المطبوعة: "أول من كذب به"، والذي أثبتناه هو صواب بيان الطبري.]] وَجحد أنه من عندي، وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم.

وكفرهم به: جُحودهم أنه من عند الله [[في المخطوطة: "وكفرهم به وجحودهم. . . " وهو خطأ.]] . والهاء التي في"به" من ذكر"ما" التي مع قوله:"وآمنوا بما أنزلت". كما:-

٨١٧- حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، قال قال ابن جريج في قوله:"ولا تكونوا أوّل كافر به"، بالقرآن. [[الأثر: ٨١٧- في الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦١.]]

قال أبو جعفر: وروى عن أبي العالية في ذلك ما:-

٨١٨- حدثني به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"ولا تكونوا أول كافر به"، يقول: لا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ. [[الأثر: ٨١٨- في ابن كثير ١: ١٥٠، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦١.]] .

وقال بعضهم:"ولا تكونوا أول كافر به"، يعني: بكتابكم. ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد ﷺ تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد ﷺ.

وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ عليه التلاوة بعيدانِ. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر المخاطبين بهذه الآية في أولها بالإيمان بما أنزل على محمد ﷺ، فقال جل ذكره: "وآمِنُوا بما أنزلتُ مصدقًا لما معكم". ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد ﷺ هو القرآن لا محمد، لأن محمدًا صلوات الله عليه رسولٌ مرسل، لا تنزيلٌ مُنْزَل، والمنْزَل هو الكتاب. ثم نهاهم أن يكونوا أوَّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أول الآية [[في المطبوعة زيادة بين هاتين الجملتين، وهي مقحمة مفسدة للكلام نابية في السياق. ونصها". . . في أول الآية من أهل الكتاب، فذلك هو الظاهر المفهوم. ولم يجر لمحمد. . . ".]] ، ولم يجر لمحمد ﷺ في هذه الآية ذكرٌ ظاهر، فيعاد عليه بذكره مكنيًّا في قوله:"ولا تكونوا أول كافر به" - وإن كان غير محال في الكلام أن يُذْكر مكنيُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهر في الكلام [[بيان الطبري جيد محكم، وإن ظن بعض من نقل كلامه أن كلا القولين صحيح، لأنهما متلازمان. لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ، ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن (ابن كثير ١: ١٥٠) . ونعم، كلا القولين صحيح المعنى في ذاته، ولكن الطبري يحدد دلالة الألفاظ والضمائر في الآية، ويعين ما يحتمله ظاهر التلاوة والتنزيل، ويخلص معنى من معنى، وإن كان كلاهما صحيحًا في العقل، صحيحًا في الحكم، صحيحًا في الدين. وما أكثر ما يتساهل الناس إذا تقاربت المعاني، ولا يخلص معنى من معنى إلا بصير بالعربية كأبي جعفر رضي الله عنه.]] .

وكذلك لا معنى لقول من زعم أنّ العائد من الذكر في"به" على"ما" التي في قوله:"لما معكم". لأن ذلك، وإن كان محتمَلا ظاهرَ الكلام [[في المطبوعة: "محتمل ظاهر الكلام".]] ، فإنه بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به في أول الآية هو القرآن. فكذلك الواجب أن يكون المنهيُّ عن الكفر به في آخرها هو القرآن [[في المخطوطة: ". . . أن الأمر بالإيمان به في أول الآية. . . أن يكون النهي عن الكفر به في آخرها. . . "، والذي في المطبوعة أجود وأبين.]] . وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غيرَ المنهيّ عن الكفر به، في كلام واحد وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر في الكلام. هذا مع بُعْد معناه في التأويل. [[وهذا أيضًا من جيد البصر؛ بمنطق العربية، وإن ظنه بعضهم قريبًا من قريب.]] .

٨١٩- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وآمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به"، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم [[الخبر: ٨١٩- من تمام الأخبار السالفة الأرقام ٨٠٥، ٨١١، في الدر المنثور ١: ٦٣.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك:

٨٢٠- فحدثني المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"ولا تشترُوا بآياتي ثمنًا قليلا"، يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا. قال: هو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدم، عَلِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمتَ مَجَّانًا [[الأثر: ٨٢٠- من تمام الأثر السالف رقم: ٨١٨ ومراجعه هناك. وفي ابن كثير ١: ١٥١. والمجان: عطية الشيء بلا منة ولا ثمن. قال أبو العباس: سمعت ابن الأعرابي يقول: المجان عند العرب الباطل، وقالوا: "ماء مجان". قال الأزهري: العرب تقول: تمر"مجان"، وماء"مجان"، يريدون أنه كثير كاف. قال: واستطعمني أعرابي تمرًا فأطعمته كتلة واعتذرت إليه من قلته، فقال: هذا والله"مجان". أي كثير كاف. وقولهم: أخذه مجانًا: أي بلا بدل، وهو فعال لأنه ينصرف (اللسان: مجن) .]] .

وقال آخرون بما:-

٨٢١ - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا"، يقول: لا تأخذوا طمَعًا قليلا وتكتُموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع [[الأثر: ٨٢١- في ابن كير ١: ١٥١. وفي المطبوعة وابن كثير: "فذلك الطمع هو الثمن"، وأثبت ما في المخطوطة، فهو أجود.]] .

فتأويل الآية إذًا: لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيسٍ وعَرضٍ من الدنيا قليل. وبيعُهم إياه - تركهم إبانةَ ما في كتابهم من أمر محمد ﷺ للناس، وأنه مكتوب فيه أنه النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل - بثمن قليل، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من أهل ملتهم ودينهم، وأخذهم الأجرَ ممَّن بيّنوا له ذلك على ما بيّنوا له منه.

وإنما قلنا بمعنى ذلك:"لا تبيعوا" [[في المطبوعة: "وإنما قلنا معنى ذلك. . . ".]] ، لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائعٌ الآياتِ بالثمن، فكل واحد من الثمَّن والمثمَّن مبيع لصاحبه، وصاحبه به مشتري: وإنما معنى ذلك على ما تأوله أبو العالية [[في المطبوعة: "وإنما معناه على ما تأوله. . . ".]] ، بينوا للناس أمر محمّد ﷺ، ولا تبتغوا عليه منهم أجرًا. فيكون حينئذ نهيُه عن أخذ الأجر على تبيينه، هو النهيَ عن شراء الثمن القليل بآياته.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾

قال أبو جعفر: يقول: فاتقونِ - في بَيعكم آياتي بالخسيس من الثمن، وشرائكم بها القليل من العَرَض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيِّي - أنْ أُحِلّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمَات.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله:"ولا تلبسُوا"، لا تخلطوا. واللَّبْس هو الخلط.

يقال منه: لَبَست عليه هذا الأمر ألبِسُه لبسًا: إذا خلطته عليه [[في المطبوعة: "لبست عليهم الأمر. . . خلطته عليهم".]] . كما:-

٨٢٢ - حُدِّثت عن المنجاب، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٩] يقول: لخلطنا عليهم ما يخلطون [[الخبر: ٨٢٢- لم أجده في مكان، ولم يذكره الطبري في مكانه من تفسير هذه الآية في سورة الأنعام (٧: ٩٨ بولاق) .]] .

ومنه قول العجاج:

لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي ... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي [[ديوانه: ٦٥. غني عن الشيء واستغنى: اطرحه ورمى به من عينه ولم يلتفت إليه.]]

يعني بقوله:"لبسن"، خلطن. وأما اللُّبس فإنه يقال منه: لبِسْته ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا، وذلك الكسوةُ يكتسيها فيلبسها [[في المطبوعة: "وذلك في الكسوة. . . "، بالزيادة.]] . ومن اللُّبس قول الأخطل:

لَقَدْ لَبِسْتُ لِهَذَا الدَّهْرِ أَعْصُرَهُ ... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ واشْتَعَلا [[ديوانه: ١٤٢، وفيه"وقد لبست". وأعصر جمع عصر: وهو الدهر والزمان. وعني هنا اختلاف الأيام حلوها ومرها، فجمع. ولبس له أعصره: عاش وقاسى خيره وشره. وتجلل الشيب رأسه: علاه.]]

ومن اللبس قول الله جل ثناؤه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ . [سورة الأنعام: ٩]

* *

فإن قال لنا قائل [[في المطبوعة: "إن قال. . . ".]] وكيف كانوا يلبِسون الحق بالباطل وهم كفّار؟ وأيُّ حق كانوا عليه مع كفرهم بالله؟

قيل: إنه كان فيهم منافقون منهم يظهرون التصديق بمحمد ﷺ ويستبطنون الكفر به. وكان عُظْمُهم يقولون [[في المطبوعة: "وكان أعظمهم. . . "، وهو تحريف قد مضى مثله مرارًا. وعظم الشيء: معظمه وأكثره.]] : محمد نبيٌّ مبعوث، إلا أنه مبعوث إلى غيرنا. فكان لَبْسُ المنافق منهم الحقَّ بالباطل، إظهارَه الحقّ بلسانه، وإقرارَه بمحمد ﷺ وبما جاء به جهارًا [[في المطبوعة: "وإقراره لمحمد. . . ".]] ، وخلطه ذلك الظاهر من الحق بما يستبطنه [[في المطبوعة: "بالباطل الذي يستبطنه".]] . وكان لَبْسُ المقرّ منهم بأنه مبعوث إلى غيرهم، الجاحدُ أنه مبعوث إليهم، إقرارَه بأنه مبعوث إلى غيرهم، وهو الحق، وجحودَه أنه مبعوث إليهم، وهو الباطل، وقد بَعثه الله إلى الخلق كافة. فذلك خلطهم الحق بالباطل ولَبْسهم إياه به. كما:-

٨٢٣ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قوله:"ولا تلبِسُوا الحق بالباطل"، قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب [[الخبر: ٨٢٣- في ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦٢.]] .

٨٢٤ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"ولا تلبِسُوا الحقّ بالباطل"، يقول: لا تخلطوا الحق بالباطل، وأدُّوا النصيحةَ لعباد الله في أمر محمد ﷺ [[الأثر: ٨٢٤- في ابن كثير ١: ١٥٢.]] .

٨٢٥ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد:"ولا تلبسوا الحق بالباطل"، اليهوديةَ والنصرانية بالإسلام [[الأثر: ٨٢٥- لم أجده عن مجاهد، ومثله عن قتادة في ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٤.]] .

٨٢٦ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله:"ولا تلبِسُوا الحقّ بالباطل"، قال: الحقّ، التوراةُ الذي أنزل الله على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم [[الأثر: ٨٢٦- في الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦٢.]] .

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) ﴾

قال أبو جعفر: وفي قوله:"وتكتموا الحق"، وجهان من التأويل:

أحدُهما: أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق، كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل. فيكون تأويل ذلك حينئذ: ولا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق. ويكون قوله:"وتكتموا" عند ذلك مجزومًا بما جُزِم به"تلبسوا"، عطفًا عليه.

والوجه الآخر منهما: أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل، ويكون قوله:"وتكتموا الحق" خبرًا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه، فيكون قوله:"وتكتموا" حينئذ منصوبًا لانصرافه عن معنى قوله:"ولا تلبسوا الحق بالباطل"، إذ كان قوله:"ولا تلبسوا" نهيًا، وقوله"وتكتموا الحق" خبرًا معطوفًا عليه، غيرَ جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله:"تلبسوا" من الحرف الجازم. وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صَرْفًا [[ذكر هذا الفراء في كتابه معاني القرآن ١: ٣٣-٣٤، ثم قال: "فإن قلت: وما الصرف؟ قلت: أن تأتي بالواو معطوفًا على كلام في أوله حادثه لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليها، فإذا كان كذلك فهو الصرف، كقول الشاعر:. . . " وأنشد البيت وقال: "ألا ترى أنه لا يجوز إعادة"لا" في"تأتي مثله"، فلذلك سمى صرفًا، إذ كان معطوفًا، ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله".]] . ونظيرُ ذلك في المعنى والإعراب قول الشاعر:

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إَِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ [[هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨) ، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣هـ (١٩٥٤م) ، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.]]

فنصب"تأتي" على التأويل الذي قلنا في قوله:"وتكتموا" [[في المطبوعة: "وتكتموا، الآية، لأنه. . . "، وهو خطأ في قراءة ما في المخطوطة وهو: "وتكتموا إلا أنه لم يرد".]] ، لأنه لم يرد: لا تنه عن خُلق ولا تأت مثله، وإنما معناه: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله، فكان الأول نهيًا، والثاني خبرًا، فنصبَ الخبر إذ عطفه على غير شكله.

فأما الوجه الأول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما، فهو على مذهب ابن عباس الذي:-

٨٢٧ - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قوله:"وتكتموا الحق"، يقول: ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون.

٨٢٨ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وتكتموا الحق"، أي ولا تكتموا الحق. [[الخبران: ٨٢٧، ٨٢٨- لم أجدهما بنصهما في مكان، وثانيهما في ضمن خبر ابن عباس الذي سلف تخريجه رقم: ٨١٩، وفي ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٣.]] .

وأما الوجه الثاني منهما، فهو على مذهب أبي العالية ومجاهد.

٨٢٩ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"، قال: كتموا بعث محمد ﷺ [[الأثر: ٨٢٩- لم أجده في مكان.]] .

٨٣٠ - وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

٨٣١ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

وأما تأويل الحق الذي كتموه وهم يعلمونه، فهو ما:-

٨٣٢ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وتكتموا الحق"، يقول: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وما جاء به، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. [[الخبر: ٨٣٢- في ابن كثير ١: ١٥٢، والدر المنثور ١: ٦٣، والشوكاني ١: ٦١.]]

٨٣٣ - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:"وتكتموا الحق"، يقول: إنكم قد علمتم أن محمدًا رسول الله، فنهاهم عن ذلك. [[الخبر: ٨٣٣- في الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦٢، إلا قوله: "فنهاهم عن ذلك" وفي المطبوعة". . . رسول الله ﷺ".]]

٨٣٤ - وحدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله:"وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"، قال: يكتم أهل الكتاب محمدًا ﷺ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل [[الأثر: ٨٣٤- في ابن كثير ١: ١٥٢ تضمينًا.]] .

٨٣٥ - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨٣٦ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي:"وتكتموا الحقَّ وأنتم تعلمون"، قال: الحقُّ هو محمد ﷺ [[الأثر: ٨٣٦- في ابن كثير ١: ١٥٢ تضمينًا، وفي الدر المنثور ١: ٦٤، والشوكاني ١: ٦٢.]] .

٨٣٧ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية:"وتكتموا الحق وأنتم تعلمون"، قال: كتَموا بعثَ محمد ﷺ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم [[الأثر: ٨٣٧- لم أجده في مكان.]] .

٨٣٨ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: تكتمون محمدًا وأنتم تعلمون، وأنتم تجدونه عندكم في التوراة والإنجيل [[الأثر: ٨٣٨- لم أجده بنصه في مكان. وفي المطبوعة: "تكتمون محمدًا. . . ".]] .

فتأويل الآية إذًا: ولا تخلطوا على الناس - أيها الأحبار من أهل الكتاب - في أمر محمد ﷺ وما جاء به من عند ربه، وتزعموا أنه مبعوثٌ إلى بعض أجناس الأمم دون بعض، أو تنافقوا في أمره، وقد علمتم أنه مبعوث إلى جميعكم وجميع الأمم غيركم، فتخلطوا بذلك الصدق بالكذب، وتكتموا به ما تجدونه في كتابكم من نعته وصفته، وأنه رسولي إلى الناس كافة، وأنتم تعلمون أنه رسولي، وأن ما جاء به إليكم فمن عندي، وتعرفون أن من عهدي - الذي أخذت عليكم في كتابكم - الإيمانَ به وبما جاء به والتصديقَ به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: ذُكِر أن أحبارَ اليهود والمنافقين كانوا يأمرون الناس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يفعلونه، فأمرهم الله بإقام الصلاة مع المسلمين المصدِّقين بمحمد وبما جاء به، وإيتاء زكاة أموالهم معهم، وأن يخضعوا لله ولرسوله كما خضعوا.

٨٣٩ - كما حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله:"وأقيموا الصلاةَ وآتُوا الزكاة"، قال: فريضتان واجبتان، فأدُّوهما إلى الله [[الأثر: ٨٣٩- لم أجده في مكان.]] .

وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته [[انظر ما مضى ص: ٢٤١-٢٤٢.]] .

أما إيتاءُ الزكاة، فهو أداء الصدقة المفروضة. وأصل الزَّكاة، نماءُ المال وتثميرُه وزيادتُه. ومن ذلك قيل: زكا الزرع، إذا كثر ما أخرج الله منه. وزَكتِ النَّفقة، إذا كثرتْ. وقيل زكا الفَرْدُ، إذا صارَ زَوْجًا بزيادة الزائد عليه حتى صار به شفْعًا، كما قال الشاعر:

كَانُوا خَسًا أو زَكًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ ... لَمْ يُخْلَقُوا، وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلجُ [[اللسان (خسا) ، وفيه: "الفراء: العرب تقول للزوج زكا، وللفرد خسا. . . قال، وأنشدتني الدبيرية. . . " وأنشد البيت. وتعتلج: تصطرع ويمارس بعضها بعضا.]]

وقال آخر:

فَلا خَسًا عَدِيدُهُ وَلا زَكا ... كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا [[لرجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث في عمرو بن كعب بن سعد. وهذا الرجز في خبر للأغلب العجلي، (طبقات فحول الشعراء: ٥٧٢ / ومعجم الشعراء: ٤٩٠ / والأغاني ١٨: ١٦٤) ورواية الطبقات والأغاني: "كما شرار الرعى". والرعى (بكسر فسكون) : الكلأ نفسه، والمرعى أيضًا. والسفا: شوط البهمي والسنبل وكل شيء له شوك. يقول: أنت في قومك كالسفا في البهمي، هو شرها وأخبثها. والبيت الأول زيادة ليست في المراجع المذكورة.]]

قال أبو جعفر: السفا شوك البُهْمَى، والبُهْمى الذي يكون مُدَوَّرًا في السُّلاء [[البهمي: من أحرار البقول، (وهي ما رق منها ورطب وأكل غير مطبوخ) ، تنبت كما ينبت الحب، ثم يبلغ بها النبت إلى أن تصير مثل الحب، ترتفع قدر الشبر، ونباتها ألطف من نبات البر، وطعمها طعم الشعير، ويخرج لها إذا يبست شوك مثل شوك السنبل، (وهو السفا) ، وإذا وقع في أنوف الإبل أنفت منه، حتى ينزعه الناس من أفواهها وأنوفها. وفي المطبوعة: "في السلى" بتشديد الياء، وفي المخطوطة"في السلى" بضم السين وتشديد اللام. والصواب ما أثبته، والسلاء جمع سلاءة، وهي شوكة النخلة، وأراد بها سفا البهمي أي شوكها.]] .

يعني بقوله:"ولا زكا"، لم يُصَيِّرْهم شَفعًا من وَترٍ، بحدوثه فيهم [[قوله: "بحدوثه فيهم"، أي بوجوده في هؤلاء القوم. والعديد (في الرجز) ، من قولهم فلان عديد بني فلان: أي يعد فيهم وليس منهم: يريد أنه إذا دخل في قوم لم يعد فيهم شيئًا، فإذا كانوا شفعًا، لم يصيرهم دخوله وترًا، وإذا كانوا وترًا لم يصيرهم شفعًا، فهو كلا شيء في العدد. يهجوه ويستسقطه.]] .

وإنما قيل للزكاة زكاة، وهي مالٌ يخرجُ من مال، لتثمير الله - بإخراجها مما أخرجت منه - ما بقي عند ربِّ المال من ماله. وقد يحتمل أن تكون سُمِّيت زكاة، لأنها تطهيرٌ لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مَظْلمة لأهل السُّهْمان [[السهمان جمع سهم، كالسهام: وهو النصيب والحظ.]] ، كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن نبيه موسى صلوات الله عليه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [سورة الكهف: ٧٤] ، يعني بريئة من الذنوب طاهرة. وكما يقال للرجل: هو عدل زَكِيٌّ - لذلك المعنى [[في المطبوعة: "بذلك المعنى" وليست بشيء.]] . وهذا الوجه أعجب إليّ - في تأويل زكاة المال - من الوجه الأوّل، وإن كان الأوّل مقبولا في تأويلها.

وإيتاؤها: إعطاؤُها أهلها.

وأما تأويل الرُّكوع، فهو الخضوع لله بالطاعة. يقال منه: ركع فلانٌ لكذا وكذا، إذا خضع له، ومنه قول الشاعر:

بِيعَتْ بِكَسْرٍ لَئِيمٍ وَاسْتَغَاثَ بِهَا ... مِنَ الْهُزَالِ أَبُوهَا بَعْدَ مَا رَكَعَا [[هذا البيت من أبيات لعصام بن عبيد الزماني (من بني زمان بن مالك بن صعب بن علي بن بكر بن وائل) رواها أبو تمام في الوحشيات رقم ١٣٠ (مخطوطة عندي) ، ورواها الجاحظ في الحيوان ٤: ٢٨١، وجاء فيه: "قال الزيادي" وهو تحريف وتصحيف كما ترى. وهذه الأبيات من مناقضة كانت بين الزماني ويحيى بن أبي حفصة. وذلك أن يحيى تزوج بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فهاجاه عصام الزماني وقال: أَرَى حَجْرًا تغيَّر واقشعرَّا ... وبُدِّل بعد حُلْو العيش مُرًّا

فأجابه يحيى بأبيات منها: ألا مَنْ مُبلغٌ عنِّى عِصَامًا ... بأَنِّي سَوْفَ أَنْقُضُ مَا أَمرَّا

هكذا روى المرزباني في معجم الشعراء: ٢٧٠، وروى أبو الفرج في أغانيه ١٠: ٧٥ أن يحيى خطب إلى مقاتل بن طلبة المنقري ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل، فأتوه فزوجهن بنيه الثلاثة، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر، (وهو مكان) .

وأبيات عصام الزماني، ونقيضتها التي ناقضه بها يحيى، من جيد الشعر، فاقرأها في الوحشيات، والحيوان، والشعر والشعراء: ٧٤٠، ورواية الحيوان والوحشيات "بِيعَتْ بوَكْسٍ قَليلٍ واسْتَقَلَّ بِهَا"

الوكس: اتضاع الثمن في البيع. وفي المخطوطة والمطبوعة"بكسر لئيم"، وهو تحريف لا معنى له، وأظن الصواب ما أثبت اجتهادًا. والكسر: أخس القليل. وقوله: "بيعت" الضمير لابنة مقاتل بن طلبة المنقري التي تزوجها يحيى أو أحد بنيه. يقول: باعها أبوها بثمن بخس دنئ خسيس، فزوجها مستغيثًا ببيعها مما نزل به من الجهد والفاقة، فزوجها هذا الغنى اللئيم الدنيء، ليستعين بمهرها.]] يعني: بعد مَا خضَع من شِدَّة الجهْد والحاجة.

قال أبو جعفر: وهذا أمرٌ من الله جل ثناؤه - لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها - بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والدخولِ مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة؛ ونهيٌ منه لهم عن كتمان ما قد علموه من نبوة محمد ﷺ، بعد تظاهر حججه عليهم، بما قد وصفنا قبل فيما مضى من كتابنا هذا، وبعد الإعذار إليهم والإنذارِ، وبعد تذكيرهم نعمه إليهم وإلى أسلافهم تعطُّفًا منه بذلك عليهم، وإبلاغًا في المعذرة [[في المطبوعة: "وإبلاغا إليهم. . . " بالزيادة.]] .

* *

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى البر الذي كان المخاطبون بهذه الآية يأمرون الناس به وينسون أنفسهم، بعد إجماع جميعهم على أن كل طاعة لله فهي تسمى"برا". فروي عن ابن عباس ما:-

٨٤٠- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهدة من التوراة، وتتركون أنفسكم: [[في المطبوعة، وفي المراجع: "والعهد من التوراة". والعهد والعهدة واحد.]] أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي.

٨٤١- وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ، وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم.

* *

وقال آخرون بما:-

٨٤٢- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثني عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ قال: كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه.

٨٤٣- وحدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر ويخالفون، فعيرهم الله.

٨٤٤- وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا الحجاج، قال: قال ابن جريج: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة.

* *

وقال آخرون بما:-

٨٤٥- حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هؤلاء اليهود كان إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق. فقال الله لهم: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون﴾ [[الأثر: ٨٤٥ - في ابن كثير ١: ١٥٤، وفيه"إذا جاء الرجل سألهم عن الشيء ليس فيه. . . " وفي المخطوطة: "يسألهم ليس فيه".]]

٨٤٦- وحدثني علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم الجَرْمي، قال: حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، في قول الله: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب﴾ قال: قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا. [[الخبر: ٨٤٦ - نقله ابن كثير ١: ١٥٤ عن هذا الموضع. وذكره السيوطي ١: ٦٤، ونسبه أيضًا لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبيهقي في الأسماء والصفات، وقلده الشوكاني ١: ٦٥. وقد رواه البيهقي ص: ٢١٠، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، به نحوه. و"مسلم الجرمي": وقع في ابن كثير في هذا الموضع"أسلم"، وهو خطأ مطيعي. ووقع فيه وفي نسخ الطبري"الحرمي"، بالحاء. وقد رجحنا في ترجمته - فيما مضى: ١٥٤ أنه بالجيم. وذكرنا مصادر ترجمته هناك، ونزيد هنا أنه ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٤ / ١ /١٨٨، ووصفه بأنه"من الغزاة". وشيخه"مخلد بن الحسين" - بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة: ثقة معروف، قال ابن سعد: "كان ثقة فاضلا" وقال أبو داود: "كان أعقل أهل زمانه". وأبو قلابة: هو عبد الله ابن زيد الجرمي، أحد الأعلام من ثقات التابعين، وأرى أن روايته عن أبي الدرداء مرسلة، فإن أبا الدرداء مات سنة ٣٢، وأبو قلابة متأخر الوفاة، مات سنة ١٠٤، وقيل: ١٠٧.]]

* *

قال أبو جعفر: وجميع الذي قال في تأويل هذه الآية من ذكرنا قوله متقارب المعنى؛ لأنهم وإن اختلفوا في صفة"البر" الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، الذين وصفهم الله بما وصفهم به، فهم متفقون في أنهم كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، ويخالفون ما أمروهم به من ذلك إلى غيره بأفعالهم.

فالتأويل الذي يدل على صحته ظاهر التلاوة إذا: أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه؟ فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم؟ معيرهم بذلك، ومقبحا إليهم ما أتوا به. [[في المطبوعة: "ومقبحا إليهم".]]

* *

ومعنى"نسيانهم أنفسهم" في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿تتلون﴾ : تدرسون وتقرءون. كما:-

٨٤٧- حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ ، يقول: تدرسون الكتاب بذلك. ويعني بالكتاب: التوراة. [[الخبر: ٨٤٧ - في الدر المنثور ١: ٦٤، وتتمته في الخبر الآتي إلا قوله: "ويعني بالكتاب التوراة" وأخشى أن تكون من كلام الطبري.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ [[في المخطوطة: "يعني بذلك أفلا تفقهون". . .]] أفلا تفقهون وتفهمون قبح ما تأتون من معصيتكم ربكم التي تأمرون الناس بخلافها وتنهونهم عن ركوبها وأنتم راكبوها، وأنتم تعلمون أن الذي عليكم من حق الله وطاعته، واتباع محمد والإيمان به وبما جاء به، [[في المطبوعة: "في اتباع محمد. . . ".]] مثل الذي على من تأمرونه باتباعه. كما:

٨٤٨- حدثنا به محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أفلا تعقلون﴾ يقول: أفلا تفهمون؟ فنهاهم عن هذا الخلق القبيح. [[الخبر: ٨٤٨ - من تتمة الأثر السالف. وفي المطبوعة: "فنهاهم".]]

* *

قال أبو جعفر: وهذا يدل على صحة ما قلنا من أمر أحبار يهود بني إسرائيل غيرهم باتباع محمد ﷺ، وأنهم كانوا يقولون: هو مبعوث إلى غيرنا! كما ذكرنا قبل. [[انظر ما مضى رقم: ٨٤٠ - ٨٤١.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿واستعينوا بالصبر﴾ : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم -من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد ﷺ - بالصبر عليه والصلاة.

* *

وقد قيل: إن معنى"الصبر" في هذا الموضع: الصوم، و"الصوم" بعض معاني"الصبر". وتأويل من تأول ذلك عندنا [[في المطبوعة: ". . . بعض معاني الصبر عندنا بل تأويل ذلك عندنا. . . " وفي المخطوطة: ". . . بعض معاني الصبر عند تأويل من تأول ذلك عندنا. . . " وكأن الصواب ما أثبته.]] أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها؛ ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر، لكفه نفسه عن الجزع؛ وقيل لشهر رمضان"شهر الصبر"، لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "لصبره صائمة. . . "، ولكن الكلام لا يستقيم لاختلال الضمائر في الجملة التالية.]] وصبره إياهم عن ذلك: [[الضمير في قوله"وصبره" إلى شهر رمضان.]] حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. [[في المخطوطة والمطبوعة: "كما يصبر. . . فيحبسه. . . حتى يقتله" كله بالياء، والصواب ما أثبته.]] ولذلك قيل: قتل فلان فلانا صبرا، يعني به: حبسه عليه حتى قتله، فالمقتول"مصبور"، والقاتل"صابر".

* *

وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى. [[انظر ما مضى: ١: ٢٤٢ - ٢٤٣.]]

* *

فإن قال لنا قائل: قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة، فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله، وترك معاصيه، والتعري عن الرياسة، وترك الدنيا؟ قيل: إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله، الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر نعيمها، المسلية النفوس عن زينتها وغرورها، المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها. ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها، كما روي عن نبينا ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

٨٤٩- حدثني بذلك إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني، عن ابن جرير، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة قال:"كان رسول الله ﷺ، إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة". [[الحديث: ٨٤٩ -"الحسين بن رتاق الهمداني": هكذا ثبت في المطبوعة. ولم أجد راويا بهذا الاسم ولا ما يشبهه، فيما لدى من المراجع، وفي المخطوطة"الحسين بن زياد الهمداني" - ولم أجد في الرواة من يسمى"الحسين بن زياد" إلا اثنين، لم ينسب واحد منهما همدانيا، ولا يصلح واحد منهما في هذا الإسناد: أحدهما: "حسين بن زياد"، دون وصف آخر، ترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ / ٣٨٧ برقم: ٢٨٨١، وذكر أنه يروي عن عكرمة، ويروي عنه جرير بن حازم، وجرير مات سنة ١٧٥ فهذا قديم جدا، لا يدركه إسماعيل بن موسى الفزاري المتوفي سنة ٢٤٥. والثاني"حسين ابن زياد أبو علي المروزي" ترجمه البخاري عقب ذاك، وذكر أنه مات سنة ٢٢٠. فهذا متأخر عن أن يدرك الرواية عن ابن جريج المتوفى سنة ١٥٠. وعكرمة بن عمار: هو العجلي اليمامي. وفي المخطوطة"عكرمة عن عمار". وهو خطأ. والحديث سيأتي عقب هذا بإسناد آخر صحيح.]]

٨٥٠- وحدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا خلف بن الوليد الأزدي، قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة، قال حذيفة:"كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى". [[الحديث: ٨٥٠ - هو الذي قبله بمعناه:"خلف بن الوليد": هو أبو الوليد العتكي الجوهري، و"العتكي": نسبة إلى"العتيك"، بطن من الأزد. وهو من شيوخ أحمد الثقات. يحيى ابن زكريا: هو ابن أبي زائدة. محمد بن عبد الله الدؤلي: هو"محمد بن عبيد أبو قدامة" الذي في الإسناد السابق. ووقع في الأصول هنا"محمد بن عبيد بن أبي قدامة". وهو خطأ. بل"أبو قدامة" كنية"محمد بن عبيد". وقد حققنا ترجمته في شرح حديث آخر في المسند: ٦٥٤٨، ورجحنا أن ابن أبي زائدة أخطأ في اسمه، فسماه"محمد بن عبد الله". والحديث رواه أحمد في المسند ٥: ٣٨٨ (حلبي) عن إسماعيل بن عمر، وخلف بن الوليد، كلاهما عن يحيى بن زكريا. ورواه أبو داود: ١٣١٩، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا - بهذا الإسناد. وأشار إليه البخاري في الكبير ١ /١ ١٧٢، في ترجمة"محمد بن عبيد أبي قدامة الحنفي"، قال:"وقال النضر عن عكرمة، عن محمد بن عبيد أبي قدامة، سمع عبد العزيز أخا حذيفة، عن حذيفة: كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى. وقال ابن أبي زائدة: عن عكرمة عن محمد ابن عبد الله الدؤلي". و"النضر" الذي يشير إليه البخاري: هو النضر بن محمد الجريشي اليمامي. و"عبد العزيز بن اليمان": هو أخو حذيفة بن اليمان، كما صرح بنسبه في الرواية السابقة، وكما وصف بذلك في هذه الرواية، وفي روايتي المسند والبخاري في الكبير. وأما رواية أبي داود ففيها"عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة". وكذلك في رواية ابن منده، التي أشار إليها الحافظ في الإصابة ٥: ١٥٩. ورجح الحافظ في ذلك الموضع، وفي التهذيب ٦: ٣٦٤ - ٣٦٥ أنه ابن أخي حذيفة، لا أخوه. ولكن أكثر الرواة ذكروا أنه أخوه، كما أشرنا، لم يخالفهم إلا"محمد بن عيسى" شيخ أبي داود - فيما رأيت. فلا أدري مم هذا الترجيح؟ بل الذي أراه ترجيح رواية الأكثر، ومنهم"النضر ابن محمد"، وكان مكثرا للرواية عن عكرمة بن عمار. وبذلك جزم ابن أبي حاتم في ترجمة"عبد العزيز بن اليمان" في كتاب الجرح والتعديل ٢ /٢ /٣٩٩، لم يذكر خلافا ولا قولا آخر. والحديث ذكره أيضًا ابن كثير ١: ١٥٧ - ١٥٨ من روايات المسند وأبي داود والطبري ثم ذكر نحوه مطولا، من رواية محمد نصر المروزي في كتاب الصلاة.]] .

٨٥١- وكذلك روي عنه ﷺ أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له:"اشكنب درد"؟ قال: نعم، قال: قم فصل؛ فإن في الصلاة شفاء. [[الحديث: ٨٥١ - هكذا ذكره الطبري معلقا، دون إسناد. وقد رواه أحمد في المسند: ٩٠٥٤ (٢: ٣٩٠ حلبي) ، عن أسود بن عامر، عن ذواد أبي المنذر، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة. ثم رواه مرة أخرى: ٩٢٢٩ (٢: ٤٠٣حلبي) ، عن موسى بن دواد، عن ذواد. وكذلك رواه ابن ماجه: ٣٤٥٨، بإسنادين عن ذواد. و"ذواد": بفتح الذال المعجمة وتشديد الواو وآخره دال مهملة. وضبطه صاحب الخلاصة"ذؤاد" بضم المعجمةوبعدها همزة مفتوحة، وهو خطأ. وذواد: هو ابن علبة الحارثي، وكان شيخا صالحا صدوقا، وضعفه ابن معين، فقال:"ليس بشيء" وترجمه البخاري في الكبير ٢ / ١ /٢٤١، والصغير، ص: ٢١٤، وقال:"يخالف في بعض حديثه". وروى هذا الحديث في الصغير عن ابن الأصبهاني، عن المحاربي، عن ليث، عن مجاهد:"قال لي أبو هريرة: يا فارسي، شكم درد" ثم قال البخاري:"قال ابن الأصبهاني: ورفعه ذواد، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيا، إنما مجاهد فارسي". فهذا تعليل دقيق من ابن الأصبهاني، ثم من البخاري، يقضي بضعف إسناد الحديث مرفوعا. قوله في متن الرواية"اشكنب درد": كتب عليها في طبعة بولاق ما نصه:"يعني: تشتكي بطنك، بالفارسية. كذا بهامش الأصل". وكذلك ثبت هذا اللفظ في المسند، إلا الموضع الأول فيه كتب"ذرد" بنقطة فوق الدال الأولى، وهو تصحيف. وثبت هذا اللفظ في رواية البخاري في التاريخ الصغير، ص ٢١٤:"شكم درد". وفي رواية ابن ماجه"اشكمت درد". وكتب الأستاذ فؤاد عبد الباقي شارحا له:"بالفارسية: اشكم، أي بطن. ودرد، أي وجع. والتاء للخطاب. والهمزة همزة وصل. كذا حققه الدكتور حسين الهمداني. ومعناه: أتشتكي بطنك؟ ولكن جاء في تكملة مجمع بحار الأنوار، ص ٧ (أشكنب ددم) . وفي رواية بسكون الباء". وأنا أرى أن النقل الأخير فيه خطأ. لأني نقلت في أوراق على المسند قديما أن صوابها"أشكنب دردم". وأكبر ظني الآن أنى نقلت ذاك عن تكملة مجمع بحار الأنوار، وهو ليس في متناول يدى حين أكتب هذا.]]

فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا ﷺ بذلك، فقال له: ﴿فاصبر﴾ يا محمد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠] فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة. وقد:-

٨٥٢- حدثنا محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن علية، قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع. ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ .

[[الخبر: ٨٥٢ - إسناده صحيح. عيينة بن عبد الرحمن: ثقة. وأبوه عبد الرحمن بن جرشن الغطفاني: تابعى ثقة.

الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور ١: ٦٨، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب.

قُثَم بن العباس بن عبد المطلب، أخو عبد الله بن العباس. وأمه أم الفضل كان يشبه بالنبي ﷺ، ولا يصح سماعه عنه، فإنه كان في آخر عهد النبي ﷺ فوق ثمان. وخرج مع سعيد بن عثمان زمن معاوية إلى سمرقند، فاستشهد بها. استرجع: قال:"إنا لله وإنا إليه راجعون".]]

* *

وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما:-

٨٥٣- حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله.

* *

وقال ابن جريج بما:-

٨٥٤- حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج في قوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله. [[الأثر: ٨٥٤ - الحسين: هو سنيد بن داود المصيصي، و"سنيد" لقب له، كما مضى: ١٤٤.]]

٨٥٥- وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ الآية، قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير! قال: إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وإنها﴾ ، وإن الصلاة، ف"الهاء والألف" في"وإنها" عائدتان على"الصلاة". وقد قال بعضهم: إن قوله: ﴿وإنها﴾ بمعنى: إن إجابة محمد ﷺ، ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل"الهاء والألف" كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته. [[الظاهر: هو ما تعرفه العرب من كلامها. والباطن: ما يأتي بالاستنباط من الظاهر على طريق العرب في بيانها. وانظر ما مضى ١: ٧٢ تعليق: ٢.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿لكبيرة﴾ : لشديدة ثقيلة. كما:-

٨٥٦- حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا ابن يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، في قوله: ﴿وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ قال: إنها لثقيلة. [[الأثر: ٨٥٦ - في المطبوعة"أخبرنا ابن زيد"، والصواب"يزيد" من المخطوطة. وهو"يزيد بن هرون". وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب: ٢٨٤.

ومن الرواة عن جويبر: "حماد بن زيد"، ولا يحتمل أن يكون مرادا في هذا الإسناد، لأن حماد ابن زيد مات سنة ١٧٩. فلا يحتمل أن يروي عنه يحيى بن أبي طالب، لأنه ولد سنة ١٨٢، كما في ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب ١٤: ٢٢٠ - ٢٢١.]]

* *

ويعني بقوله: ﴿إلا على الخاشعين﴾ : إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده. كما:-

٨٥٦- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلا على الخاشعين﴾ يعني المصدقين بما أنزل الله.

٨٥٧- وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿إلا على الخاشعين﴾ قال: يعني الخائفين.

٨٥٨- وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد: ﴿إلا على الخاشعين﴾ قال: المؤمنين حقا. [[الأثر: ٨٥٨ - محمد بن عمرو، هو: محمد بن عمرو بن العباس، أبو بكر الباهلي، وهو من شيوخ الطبري الثقات، أكثر من الرواية عنه، مات سنة ٢٤٩. وله ترجمة في تاريخ بغداد ٣: ١٢٧. و"أبو عاصم": هو النبيل، الضحاك بن مخلد. و"سفيان": هو الثوري. و"جابر": هو ابن يزيد الجعفي.

وهكذا جاء هذا الإسناد في هذا الموضع في المخطوطة. ووقع في المطبوعة"محمد بن جعفر" بدل"محمد بن عمرو"، وهو خطأ لا شك فيه.

إنما الشبهة هنا: أن هذا الإسناد"أبو عاصم، عن سفيان، عن جابر" _ يرويه الطبري في أكثر المواضع"عن محمد بن بشار"، عن أبي عاصم. وأما روايته عن"محمد بن عمرو"، فإنما هي لإسناد "أبو عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد". والأمر قريب، ولعله روى هذا وذاك.]]

٨٥٩- وحدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

٨٦٠- وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الخشوع: الخوف والخشية لله. وقرأ قول الله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] قال: قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم، وخشعوا له.

* *

وأصل"الخشوع": التواضع والتذلل والاستكانة، ومنه قول الشاعر: [[الشعر لجرير.]]

لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع [[ديوان جرير: ٣٤٥، والنقائض: ٩٦٩، وقد جاء منسوبا له في تفسيره (١: ٢٨٩ /٧: ١٥٧ بولاق) ، وطبقات ابن سعد: ٣/١/ ٧٩، وسيبويه ١: ٢٥، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٨، والخزانة ٢: ١٦٦. استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل، لما أضاف"سور" إلى مؤنث وهو"المدينة"، وهو بعض منها. قال سيبويه: "وربما قالوا في بعض الكلام: "ذهبت بعض أصابعه"، وإنما أنث البعض، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه، ولو لم يكن منه لم يؤنثه. لأنه لو قال: "ذهبت عبد أمك" لم يحسن. (١: ٢٥) .

وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق، فرماه فقتله غيلة. ووصف الجبال بأنها"خشع". يريد عند موته، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله ﷺ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع.]]

يعني: والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده.

* *

فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وكفها عن معاصي الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من مراضي الله، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة، أنه"يظن" أنه ملاقيه، والظن: شك، والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر؟

قيل له: إن العرب قد تسمي اليقين"ظنا"، والشك"ظنا"، نظير تسميتهم الظلمة "سدفة"، والضياء"سدفة"، والمغيث"صارخا"، والمستغيث"صارخا"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده. ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة:

فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد [[الأصمعيات: ٢٣، وشرح الحماسة ٢: ١٥٦، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: ٤٠، وسيأتي غير منسوب في ٢٥: ٨٣، وغير منسوب في ١٣: ٥٨ برواية أخرى:"فظنوا بألفي فارس متلبب"، وقبل البيت في رواية الأصمعي: وقلت لعارض، وأصحاب عارض ... ورهط بني السوداء، والقوم شهدي

علانية ظنوا. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ورواية أبي تمام: "نصحت لعارض". . "فقلت لهم ظنوا. . " وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وهو عارض، المذكور في شعره. المدجج: الفارس الذي قد تدجج في شكته، أي دخل في سلاحه، كأنه تغطى به. والسراة جمع سري: وهم خيار القوم من فرسانهم. والفارسي المسرد: يعني الدروع الفارسية، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي: إذا مشينا في الفارسي كما ... يمشى جمال مَصاعبٌ قُطُفُ

السرد: إدخال حلق الدرع بعضها في بعض. والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق. ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.]]

يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق:

بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبا مرجما [[نقائض جرير والفرزدق: ٥٣، ٧٨٥، والأضداد لابن الأنباري. ١٢ وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي، قالها في خبر له مع الحوفزان، ورواية النقائض: "وأجلس فيكم. . . "، و"أجعل علمي ظن غيب مرجما". وقبل البيت: فلا تأمرني يا ابن أسماء بالتي ... تجر الفتى ذا الطعم أن يتكلما

ذو الطعم" ذو الحرم. وتجر، من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل، إذا أرادوا فطامه، لئلا يرضع. يعني يحول بينه وبين الكلام.

وغزا الأمر واغتزاه: قصده، ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه، والمرجم: الذي لا يوقف على حقيقة أمره، لأنه يقذف به على غير يقين، من الرجم: وهو القذف.

هذا، والبيت، كما رواه في النقائض، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين. ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى.]]

يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما. والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن"الظن" في معنى اليقين أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية.

ومنه قول الله جل ثناؤه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين.

٨٦١- حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: إن الظن ههنا يقين.

٨٦٢- وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن يقين،"إني ظننت"،"وظنوا".

٨٦٣- حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم. [[الأثر: ٨٦٣ - إسحاق: هو ابن راهويه الإمام الحافظ. أبو داود الحفري - بالحاء المهملة والفاء المفتوحتين - هو: عمر بن سعد بن عبيد. ووقع في تفسير ابن كثير ١: ١٥٩"أبو داود الجبري"، وهو تصحيف. وسفيان: هو الثوري.]]

٨٦٤- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ أما"يظنون" فيستيقنون.

٨٦٥- وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ علموا أنهم ملاقو ربهم، هي كقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] يقول: علمت.

٨٦٦- وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: لأنهم لم يعاينوا، فكان ظنهم يقينا، وليس ظنا في شك. وقرأ: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم، فأضيف"الملاقون" إلى الرب تبارك وتعالى، وقد علمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يلقون ربهم؟ وإذ كان المعنى كذلك، فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون، وإنما تسقط النون وتضيف، في الأسماء المبنية من الأفعال، إذا كانت بمعنى"فعل"، فأما إذا كانت بمعنى"يفعل وفاعل"، فشأنها إثبات النون، وترك الإضافة.

قيل: لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها في إجازة إضافة الاسم المبني من"فعل ويفعل"، وإسقاط النون وهو بمعنى"يفعل وفاعل"، أعني بمعنى الاستقبال وحال الفعل ولما ينقض، فلا وجه لمسألة السائل عن ذلك: لم قيل؟ وإنما اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون.

فقال نحويو البصرة: أسقطت النون من: ﴿ملاقو ربهم﴾ وما أشبهه من الأفعال التي في لفظ الأسماء وهي في معنى"يفعل" وفي معنى ما لم ينقض استثقالا لها، وهي مرادة كما قال جل ثناؤه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٥ الأنبياء:٣٥ العنكبوت: ٥٧] ، وكما قال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧] ولما يرسلها [[في المطبوعة: "ولما يرسلها بعد".]] بعد؛ وكما قال الشاعر:

هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عون بن مخراق؟ [[سيبويه ١: ٨٧، والخزانة ٣: ٤٧٦، والعيني ٣: ٥٦٣. قال صاحب الخزانة: "البيت من أبيات سيبويه التي لم يعرف قائلها. وقال ابن خلف: قيل هو لجابر بن رألان السنبسي، وسنبس أبو حي من طيء. ونسبه غير خدمة سيبويه إلى جرير، وإلى تأبط شرا، وإلى أنه مصنوع والله أعلم بالحال! ". دينار وعبد رب، رجلان. والشاهد فيه نصب"عبد رب" على موضع"دينار"، لأن المعنى: هل أنت باعث دينارا أو عبد رب.]]

فأضاف"باعثا" إلى"الدينار"، ولما يبعث، ونصب"عبد رب" عطفا على موضع دينار، لأنه في موضع نصب وإن خفض، وكما قال الآخر: [[هو عمرو بن امرئ القيس، من بني الحارث بن الخزرج، وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، جاهلي قديم.]]

الحافظو عورة العشيرة، لا ... يأتيهم من ورائهم نطف [[جمهرة أشعار العرب: ١٢٧، سيبويه ١: ٩٥، واللسان (وكف) والخزانة ٢: ١٨٨، ٣٣٧، ٤٨٣ / ٣: ٤٠٠، ٤٧٣. وهو من قصيدة يقولها لمالك بن العجلان النجاري في خبر مذكور. والعورة: المكان الذي يخاف منه مأتى العدو. والنطف: العيب والريبة، يقال: هم أهل الريب والنطف. وهذه رواية سيبويه والطبري، وأما رواية غيره فهي: "من ورائنا وكف"، والوكف العيب والنقص.]]

بنصب"العورة" وخفضها، فالخفض على الإضافة، والنصب على حذف النون استثقالا وهي مرادة. وهذا قول نحويي البصرة. [[قال سيبويه ١: ٩٥: "لم يحذف النون للإضافة، ولا ليعاقب الاسم النون، ولكن حذفوها كما حذفوها من اللذين والذين، حين طال الكلام، وكان الاسم الأول منتهاه الاسم الآخر".]]

* *

وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائز في ﴿ملاقو﴾ الإضافة، وهي في معنى يلقون، وإسقاط النون منه لأنه في لفظ الأسماء، فله في الإضافة إلى الأسماء حظ الأسماء. وكذلك حكم كل اسم كان له نظيرا. قالوا: وإذا أثبت في شيء من ذلك النون وتركت الإضافة، فإنما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لم يكن ولم يجب بعد. قالوا: فالإضافة فيه للفظ، وترك الإضافة للمعنى.

* *

فتأويل الآية إذا: واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليه والصلاة، وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابي، المتواضعين لأمري، الموقنين بلقائي والرجوع إلي بعد مماتهم.

وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرة إلا على من هذه صفته؛ لأن من كان غير موقن بمعاد ولا مصدق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب، فالصلاة عنده عناء وضلال، لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضر، وحق لمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة عليه كبيرة، وإقامتها عليه ثقيلة، وله فادحة.

وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله، الراجين عليها جزيل ثوابه، الخائفين بتضييعها أليم عقابه، لما يرجون بإقامتها في معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها أهلها، ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مضيعها. فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسرائيل الذين خاطبهم بهذه الآيات، أن يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقين بأنهم إلى الله راجعون، وإياه في القيامة ملاقون.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) ﴾

قال أبو جعفر: و"الهاء والميم" اللتان في قوله: ﴿وأنهم﴾ من ذكر الخاشعين، و"الهاء" في"إليه" من ذكر الرب تعالى ذكره في قوله: ﴿ملاقو ربهم﴾ فتأويل الكلمة: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون.

* *

ثم اختلف في تأويل"الرجوع" الذي في قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ فقال بعضهم، بما:-

٨٦٧- حدثني به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ ، قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم.

* *

وأولى التأويلين بالآية، القول الذي قاله أبو العالية؛ لأن الله تعالى ذكره، قال في الآية التي قبلها: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾ فأخبر جل ثناؤه أن مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم، وذلك لا شك يوم القيامة، فكذلك تأويل قوله: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ .

القول في تأويل قوله تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك في هذه الآية نظير تأويله في التي قبلها في قوله: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي﴾ . وقد ذكرته هنالك [[انظر ١: ٥٥٥ - ٥٥٩]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) ﴾

قال أبو جعفر: وهذا أيضا مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم. ويعني بقوله: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ : أني فضلت أسلافكم، فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم، إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء، والنعم عند الآباء نعما عند الأبناء، لكون الأبناء من الآباء، وأخرج جل ذكره قوله: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ مخرج العموم، وهو يريد به خصوصا؛ لأن المعنى: وإني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه [[انظر ١: ١٤٣ - ١٤٦، ثم ١٥١ - ١٥٢. يقال لكل ما كان في وسط شيء ومعظمه: "هو بين ظهرينا وظهرانينا" على تقدير أنه مقيم بين ظهر من وراءه وظهر من أمامه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا. ويقال أيضًا: "هو بين أظهرهم مقيم" بهذا المعنى. ويقال أيضًا: " لقيته بين ظهراني الليل"، أي بين العشاء والفجر، وعلى هذا فقس استعمال هذه الكلمة.]] . كالذي:-

٨٦٨- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر -وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر- عن قتادة، ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: فضلهم على عالم ذلك الزمان.

٨٦٩ - حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالما.

٨٧٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد في قوله: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: على من هم بين ظهرانيه.

٨٧١ - وحدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: على من هم بين ظهرانيه.

٨٧٢ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ ، قال: عالم أهل ذلك الزمان. وقرأ قول الله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردة، وهم أبغض خلقه إليه، وقال لهذه الأمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه.

* *

قال أبو جعفر: والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص الذي وصفنا ما:-

٨٧٣ - حدثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر جميعا، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:"ألا إنكم وفيتم سبعين أمة" -قال يعقوب في حديثه: أنتم آخرها-. وقال الحسن:"أنتم خيرها وأكرمها على الله". [[الحديث: ٨٧٣ - بهز، بفتح الباء وسكون الهاء: هو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري. وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن المديني وغيرهما، ولا حجة لمن تكلم فيه، وقد ترجمه البخاري في الكبير ١ / ٢ /١٤٣، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ١ / ٤٣٠ - ٤٣١. بل أخرج له البخاري في الصحيح تعليقا، كما ذكر الحافظ في الإصابة ٦: ١١٢، في ترجمة جده. أبوه حكيم بن معاوية: تابعي ثقة، ترجمه البخاري ٢ / ١ /١٢، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٢٠٧. وجده معاوية بن حيدة: صحابي ثابت الصحبة، قال ابن سعد في الطبقات ٧ / ١ /٢٢:"وفد على النبي ﷺ، فأسلم وصحبه، وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث". وترجمه البخاري ٤ / ١ /٣٢٩، وقال:"سمع النبي ﷺ".

وهذا الحديث رواه الطبري هنا بإسنادين: من طريق ابن علية عن بهز، ومن طريق معمر بن راشد عن بهز. وسيأتي بهذين الإسنادين منفصلين (٤: ٣٠ بولاق) .

ورواه الترمذي ٤: ٨٢ - ٨٣، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز، عن أبيه، عن جده:"أنه سمع النبي ﷺ يقول، في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ، قال: أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله". ثم قال الترمذي:"هذا حديث حسن. وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم، نحو هذا، ولم يذكروا فيه (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ". ورواه ابن ماجه: ٤٢٨٨، من طريق ابن علية، عن بهز. ورواه الإمام أحمد في المسند (٥: ٣ حلبي) ، عن يزيد بن هرون، عن بهز. ورواه (٥:٥) ، عن يحيى القطان، عن بهز.

ورواه الدارمي ٢: ٣١٣، عن النضر بن شميل، عن بهز. ورواه ابن ماجه أيضًا: ٤٢٨٧، من طريق ابن شوذب، عن بهز.

ثم لم ينفرد به بهز عن أبيه حكيم، إذ رواه أيضًا سعيد بن إياس الجريري: فرواه الإمام أحمد (٤: ٤٤٧) ، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، بنحوه. ورواه أيضًا مطولا (٥: ٣) ، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن الجريري. والحديث ذكره ابن كثير ١: ١٦٠، نسبه إلى"المسانيد والسنن". ثم ذكره مرة أخرى ٢: ٢١٤، عن"مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم". ثم قال عقبه:"وهو حديث مشهور. وقد حسنه الترمذي".]]

* *

فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي ﷺ أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأن معنى قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] وقوله: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ على ما بينا من تأويله.

وقد أتينا على بيان تأويل قوله: ﴿العالمين﴾ بما فيه الكفاية في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته [[انظر ما سلف ١: ١٤٣ - ١٤٦.]] .

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ : واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا. وجائز أيضا أن يكون تأويله: واتقوا يوما لا تجزيه نفس عن نفس شيئا، كما قال الراجز:

قد صبحت، صبحها السلام ... بكبد خالطها سنام

في ساعة يحبها الطعام [[الكامل ١: ٢٢، وأمالي ابن الشجري ١: ٦، ١٨٦ وغيرهما. صبح القوم: سقاهم الصبوح، وهو ما يشرب صباحا من لبن أو خمر. يدعو لها بالخير من حسن ما أطعمته على مسغبة كابدها.]]

وهو يعني: يحب فيها الطعام. فحذفت"الهاء" الراجعة على"اليوم"، إذ فيه اجتزاء -بما ظهر من قوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس﴾ الدال على المحذوف منه- عما حذف، إذ كان معلوما معناه.

وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف في هذا الموضع إلا"الهاء". وقال آخرون: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا"فيه". وقد دللنا فيما مضى على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه. [[انظر ١: ١٣٩ - ١٤١، ١٧٩، وانظر لسان العرب (جزى) .]]

* *

وأما المعنى في قوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ فإنه تحذير من الله تعالى ذكره عباده الذين خاطبهم بهذه الآية -عقوبته أن تحل بهم يوم القيامة، وهو اليوم الذي لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا يجزي فيه والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. [[تضمين من آية سورة لقمان: ٣٣.]]

* *

وأما تأويل قوله: "لا تجزي نفس" فإنه يعني: لا تغني: كما:-

٨٧٤- حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: "واتقوا يوما لا تجزي نفس" أما"تجزي": فتغني.

* *

أصل"الجزاء" -في كلام العرب-: القضاء والتعويض. يقال:"جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء"، بمعنى: قضيته دينه. ومن ذلك قيل:"جزى الله فلانا عني خيرا أو شرا"، بمعنى: أثابه عني وقضاه عني ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إلي. وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب:"يقال أجزيت عنه كذا": إذا أعنته عليه، وجزيت عنك فلانا: إذا كافأته

وقال آخرون منهم: بل "جَزَيْتُ عنك" قضيت عنك. و"أجزَيتُ" كفيت.

وقال آخرون منهم: بل هما بمعنى واحد، يقال:"جزت عنك شاة وأجزَت، وجزى عنك درهم وأجزى، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي" بمعنى واحد، إلا أنهم ذكروا أن"جزت عنك، ولا تُجزي عنك" من لغة أهل الحجاز، وأن"أجزأ وتجزئ" من لغة غيرهم. وزعموا أن تميما خاصة من بين قبائل العرب تقول:"أجزأت عنك شاة، وهي تجزئ

عنك".وزعم آخرون أن"جزى" بلا همز: قضى، و"أجزأ" بالهمز: كافأ [[انظر ما جاء في ذلك في لسان العرب (جزى) ، والذي جاء به الطبري أتم وأبين.]] فمعنى الكلام إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى.

فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضي نفس عن نفس، ولا تغني عنها غنى؟

قيل: هو أن أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه. وأما في الآخرة فإنه فيما أتتنا به الأخبار عنها- يسر الرجل أن يَبْرُدَ له على ولده أو والده حق. [[يرد عليه حق: وجب ولزم. ويرد لي كذا وكذا: أي ثبت. ويقال: لي عليه ألف بارد، أي ثابت.]] وذلك أن قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات. كما:

٨٧٥- حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأزدي، قالا: حدثنا المحاربي، عن أبي خالد الدالاني يزيد بن عبد الرحمن، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:"رحم الله عبدا كانت عنده لأخيه مَظلمة في عِرض -قال أبو كريب في حديثه: أو مال أو جاه، فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثَمَّ دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذوا من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حملوا عليه من سيئاتهم" [[الحديث: ٨٧٥ - هذا إسناد صحيح. نصر بن عبد الرحمن الأزدي: سبق في. ٤٢٣، وأثبت في الشرح هناك"التاجي"، وهو سهو، صوابه"الناجي" بالنون. و"الأزدي" بالزاي، وفي المطبوعة هنا"الأودي" بالواو، وهو خطأ. المحاربي: هو عبد الرحمن بن محمد، سبق في: ٢٢١. أبو خالد الدالاني، يزيد بن عبد الرحمن: تكلموا فيه، والحق أنه ثقة، وثقه أبو حاتم وغيره، وترجمه البخاري في الكبير ٤/٢ /٣٤٦ - ٣٤٧، وابن أبي حاتم ٤/٢ /٢٧٧، فلم يذكرا فيه جرحا. وهو مترجم في التهذيب في الكني، لخلاف في اسم أبيه، ولكن رجح الترمذي والطبري ما ذكرنا، وكذلك رجح البخاري وابن أبي حاتم."الدالاني" في المطبوعة هنا"الدولابي"، وهو خطأ، صححناه من المخطوطة.

والحديث رواه الترمذي ٣: ٢٩٢، عن هناد، ونصر بن عبد الرحمن، كلاهما عن المحاربي، بهذا الإسناد، ثم قال: " هذا حديث حسن صحيح. وقد روى مالك بن أنس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، نحوه ".

وقوله أثناء الحديث "قال أبو كريب"، في المطبوعة " قال أبو بكر"، وهو خطأ واضح، صحته من المخطوطة.]]

٨٧٦- حدثنا أبو عثمان المقدمي، قال: حدثنا الفروي، قال: حدثنا مالك، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الحديث: ٨٧٦ - هو الحديث السابق، بمعناه، ولكن من رواية مالك. وهي الرواية التي نقلنا إشارة الترمذي إليها. أبو عثمان المقدمي - بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المفتوحة: وهو أحمد بن محمد بن أبي بكر، نسب إلى"مقدم" أحد أجداده. وهو ثقة، ترجمه ابن أبي حاتم ١/١/ ٧٣، وقال:"سمعت منه بمكة، وهو صدوق"، وترجمه السمعاني في الأنساب، في الورقة: ٥٣٩ والخطيب في تاريخ بغداد ٤: ٣٩٨ - ٣٩٩، مات سنة ٢٦٤. الفروي: بفتح الفاء وسكون الراء، نسبة إلى أحد أجداده، وفي المطبوعة بالقاف بدل الفاء، وهو تصحيف. وهو: إسحاق بن محمد بن أبي فروة، أحد الرواة عن مالك، وأحد شيوخ البخاري، وهو ثقة، تكلم فيه بعضهم بغير حجة. وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند: ٧٤٢٥ والحديث من طريق مالك: رواه البخاري ١١: ٣٤٣ - ٣٤٤ (فتح الباري) ، عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس، ابن أخت مالك ونسيبه - عن مالك. ورواه أحمد في المسند: ٩٦١٣ (٢: ٤٣٥ حلبي) ، من طريق مالك وابن أبي ذئب، كلاهما عن المقبري. ثم رواه أيضًا: ١٠٥٨٠ (٢: ٥٠٦) ، من طريق ابن أبي ذئب. ورواه البخاري أيضًا ٥: ٧٣، من طريق ابن أبي ذئب. وأوله في هذه الروايات:"من كانت عنده مظلمة ... ) ، فذكر نحوه، بمعناه.]]

٨٧٧- حدثنا خلاد بن أسلم، قال: حدثنا أبو همام الأهوازي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد، عن سعيد عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه. [[الحديث: ٨٧٧ - هو الحديث السابق، بنحوه، من طريق أخرى. أبو همام الأهوازي: هو محمد بن الزبرقان، وهو ثقة، وترجمه البخاري في الكبير ١ /١ / ٨٧، وقال:"معروف الحديث"، ابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ٢٦٠، وأخرج له الشيخان في الصحيحين. عبد الله بن سعيد: أنا أرجح أنه"عبد الله بن سعيد بن أبي هند"، وهو ثقة. وبعيد أن يكون"عبد الله بن سعيد المقبري"، إذ يأباه سياق الإسناد، لو كان إياه لكان"عبد الله بن سعيد عن أبيه". أما وهو"عبد الله بن سعيد عن سعيد" - فالظاهر أنه غير ابن سعيد المقبري. والحديث صحيح بكل حال، بالأسانيد السابقة.]]

٨٧٨ - حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ:"لا يموتن أحدكم وعليه دين، فإنه ليس هناك دينار ولا درهم، إنما يقتسمون هنالك الحسنات والسيئات" وأشار رسول الله ﷺ بيده يمينا وشمالا. [[الحديث: ٨٧٨ - هذا إسناد صحيح متصل عن ابن عباس، ولم أجده في مسند الإمام أحمد، ولا في الكتب الستة، ولا في مجمع الزوائد، ولا أشار إليه الترمذي في قوله"وفي الباب". فهو فائدة زائدة، يستفاد من رواية أبي جعفر رحمه الله.]]

٨٧٩ - حدثني محمد بن إسحاق، قال: قال: حدثنا سالم بن قادم، قال: حدثنا أبو معاوية هاشم بن عيسى، قال: أخبرني الحارث بن مسلم، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ بنحو حديث أبي هريرة. [[الحديث: ٨٧٩ - هذا إسناد فيه إشكال لم أستطع تحقيقه. أما"سلم بن قادم": فإنه"سلم" بفتح السين وسكون اللام. وفي المطبوعة هنا"سالم" بالألف بعد السين، وهو خطأ. وسلم هذا: بغدادي ثقة، يروي عن سفيان بن عيينة، وبقية بن الوليد، وغيرهما. ترجمه ابن أبي حاتم ٢ /١ / ٢٦٨، والخطيب في تاريخ بغداد ٩: ١٤٥ - ١٤٦. وله ترجمة موجزة في لسان الميزان ٣: ٦٥.

وأبو معاوية هاشم بن عيسى: هو هاشم بن أبي هريرة الحمصي، اشتهر بالانتساب إلى كنية أبيه، أعنى"هاشم بن أبي هريرة". ترجمة ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٠٥، ولم يذكر فيه جرحا. وله ترجمة غير محررة في لسان الميزان ٦: ١٨٤، ذكر فيها اسم الراوي عنه"مسلم بن قادم"، وهو تحريف.

وأما الإشكال في الإسناد، ففي"الحارث بن مسلم"، الراوي هنا عن الزهري. فما أدري من ذا؟ ولا ما صحته؟ ولعل فيه تحريفا لم أستطع إدراكه. ثم لم أجد هذا الحديث من حديث أنس قط، بعد طول البحث والتتبع. وهناك في المستدرك للحاكم ٤: ٥٧٦، حديث آخر لأنس، من وجه آخر فيه بعض هذا المعنى. إسناده ضعيف.]]

* *

قال أبو جعفر: فذلك معنى قوله جل ثناؤه: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ يعني: أنها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها؛ لأن القضاء هنالك من الحسنات والسيئات على ما وصفنا. وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسره أن يثبت له على ولده أو والده حق، فيؤخذ منه ولا يتجافى له عنه؟ . [[في المطبوعة: "فيأخذه منه"، والذي في المخطوطة أعرب. تجافى له عن الشيء: أعرض عنه ولم يلازمه بطلبه، وتجاوز له عنه.]]

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معنى قوله: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ : لا تجزي منها أن تكون مكانها.

وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده. [[انظر ما مضى في معنى"ظاهر" ١، ٧٢، تعليق: ٢، وهذا الجزء ٢: ١٥.]] وذلك أنه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل:"ما أغنيت عني شيئا"، بمعنى: ما أغنيت مني أن تكون مكاني، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنه لا يجزي من شيء، قالوا:"لا يجزي هذا من هذا"، ولا يستجيزون أن يقولوا:"لا يجزي هذا من هذا شيئا".

فلو كان تأويل قوله: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ ما قاله من حكينا قوله لقال: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس﴾ كما يقال: لا تجزي نفس من نفس، ولم يقل:"لا تجزي نفس عن نفس شيئا". وفي صحة التنزيل بقوله:"لا تجزي نفس عن نفس شيئا" أوضح الدلالة على صحة ما قلنا وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك. [[هذا من جيد البيان عن معاني اللغة، وهو منهج من النظر سبق به الطبري كل من تكلم في الفصل بين معاني الكلام العربي.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾

قال أبو جعفر: و"الشفاعة" مصدر من قول الرجل:"شفع لي فلان إلى فلان شفاعة [[في المخطوطة: " شفع لي فلان شفاعة". بالحذف.]] وهو طلبه إليه في قضاء حاجته. وإنما قيل للشفيع"شفيع وشافع" لأنه ثنى المستشفع به، فصار به شفعا [[في المطبوعة: " المستشفع له"، وهو خطأ، كما يدل عليه تمام الكلام.]] فكان ذو الحاجة -قبل استشفاعه به في حاجته- فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة. ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض"شفيعا" لمصير البائع به شفعا. [[قال ابن قتيبة في تفسير"الشفعة": "كان الرجل في الجاهلية، إذا أراد بيع منزل، أتاه رجل فشفع إليه فيما باع، فشفعه وجعله أولى بالميبع ممن بعد سببه. فسميت شفعة، وسمى طالبها شفيعا". والشفعة في الدار والأرض: القضاء بها لصاحبها (اللسان: شفع) .]]

* *

فتأويل الآية إذا: واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقا لزمها لله جل ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل الله منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حق.

وقيل: إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها، لأنهم كانوا من يهود بني إسرائيل، وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه، وسيشفع لنا عنده آباؤنا. فأخبرهم الله جل وعز أن نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، ولا يقبل منها شفاعة أحد فيها حتى يستوفى لكل ذي حق منها حقه. كما:-

٨٨٠ - حدثني عباس بن أبي طالب، قال: حدثنا حجاج بن نصير، عن شعبة، عن العوام بن مراجم -رجل من قيس بن ثعلبة-، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان بن عفان: أن رسول الله ﷺ قال: إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة، كما قال الله عز وجل ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ... [الأنبياء: ٤٧] الآية [[الحديث: ٨٨٠ - عباس بن أبي طالب: هو عباس بن جعفر بن الزبرقان البغدادي، وهو ثقة، مترجم في التهذيب، ترجمه ابن أبي حاتم ٣ / ١ /٢١٥، والخطيب في تاريخ بغداد ١٢: ٤١١ - ١٤٢."العوام بن مراجم". بالراء والجيم، ثبت في الأصول"مزاحم" بالزاي والحاء، وهو تصحيف.

والحديث ضعيف الإسناد، من أجل حجاج بن نصير الفساطيطي. وقد رواه عبد الله بن أحمد، في الزوائد على المسند: ٥٢٠، عن عباس بن محمد وأبي يحيى البزار، كلاهما عن حجاج بن نصير. وقد فصلنا القول في ضعفه هناك.

وأما معناه فصحيح ثابت، من حديث أبي هريرة، رواه أحمد في المسند: ٧٢٠٣. ورواه مسلم، والترمذي، وصححه. "الجماء": لا قرن لها. و"القرناء": ذات القرن.]] فآيسهم الله جل ذكره مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب الله -مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق وخلافهم أمر الله في اتباع محمد ﷺ وما جاءهم به من عنده- بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم؛ وأخبرهم أنه غير نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم والإنابة من ضلالهم، وجعل ما سن فيهم من ذلك إماما لكل من كان على مثل منهاجهم لئلا يطمع ذو إلحاد في رحمة الله [[في المطبوعة: "في رحمة الله" وليست بجيدة.]] .

وهذه الآية وإن كان مخرجها عاما في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال:"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وأنه قال:"ليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئا". [[حديث: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي": هكذا ذكره الطبري دون إسناد. وهو حديث صحيح، ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ونسبه لأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم-عن أنس. والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم-عن جابر. انظر شرح المناوي الكبير، رقم ٤٨٩٢ (ج ٤ ص ١٦٣) .

وحديث"ليس من نبي" إلخ: كذلك جاء به الطبري دون إسناد. ومعناه ثابت صحيح، من حديث أنس بن مالك، رواه البخاري، ومسلم. انظر الترغيب والترهيب ٤: ٢١٣.]]

فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين -بشفاعة نبينا محمد ﷺ لهم- عن كثير من عقوبة إجرامهم بينهم وبينه [[في المطبوعة: "إجرامهم بينه وبينهم"، والذي في المخطوطة هو الصواب الجيد.]] وأن قوله: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله عز وجل. وليس هذا من مواضع الإطالة في القول في الشفاعة والوعد والوعيد، فنستقصي الحجاج في ذلك، وسنأتي على ما فيه الكفاية في مواضعه إن شاء الله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾

قال أبو جعفر: و"العدل" -في كلام العرب بفتح العين-: الفدية، كما:-

٨٨١ - حدثنا به المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: يعني فداء.

٨٨٢ - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أما عدل: فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها.

٨٨٣ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.

٨٨٤ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: بدل، والبدل: الفدية.

٨٨٥ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: لو أن لها ملء الأرض ذهبا لم يقبل منها فداء قال: ولو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.

٨٨٦ - وحدثني نجيح بن إبراهيم، قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء-، قال: قيل يا رسول الله ما العدل؟ قال: العدل: الفدية [[الحديث: ٨٨٦ - نجيح بن إبراهيم: لم أجد في كل المراجع التي بين يدى، غير ترجمة"نجيح بن إبراهيم بن محمد الكرماني"، في لسان الميزان ٦: ١٤٩، وأنه كوفي ثقة، يروي عن أبي نعيم فهو من طبقة شيوخ الطبري. فالراجح أنه هو. علي بن حكيم - بفتح الحاء - هو الأودي الكوفي، وهو ثقة من شيوخ البخاري ومسلم. حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، وأبوه: ثقتان. عمرو بن قيس الملائي - بضم الميم وتخفيف اللام - الكوفي: ثقة من أتباع التابعين. وقد روى هذا الحديث مرفوعا، عن رجل أبهم اسمه وأثنى عليه، والراجح أنه تابعي. فيكون الإسناد مرسلا أو منقطعا، فهو ضعيف ولم أجده عن غير الطبري، نقله عنه ابن كثير ١: ١٦١، والسيوطي ١: ٦٨.]] .

وإنما قيل للفدية من الشيء والبدل منه"عدل"، لمعادلته إياه وهو من غير جنسه؛ ومصيره له مثلا من وجه الجزاء، لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى: وإن تفد كل فدية لا يؤخذ منها. [[الجملة في تفسير الآية، ساقطة من المخطوطة.]] يقال منه:"هذا عدله وعديله". وأما"العدل" بكسر العين، فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال من ذلك:"عندي غلام عدل غلامك، وشاة عدل شاتك" -بكسر العين-، إذا كان غلام يعدل غلاما، وشاة تعدل شاة. [[وهذه الجملة في المخطوطة جاءت هكذا: "يقال من ذلك: عندي غلام عدل غلاما وشاة عدل شاة"، واكتفى بهذا القدر منها، مع الخطأ البين فيها.]] وكذلك ذلك في كل مثل للشيء من جنسه. فإذا أريد أن عنده قيمته من غير جنسه نصبت العين فقيل:"عندي عدل شاتك من الدراهم". وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من"العدل" الذي هو بمعنى الفدية لمعادلة ما عادله من جهة الجزاء، وذلك لتقارب معنى العدل والعدل عندهم، فأما واحد"الأعدال" فلم يسمع فيه إلا"عدل" بكسر العين. [[وهذا أيضًا بيان جيد، قلما تصيبه في كتاب من كتب اللغة.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) ﴾

وتأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع بين القوم التعاون والتناصر [[في المطبوعة: "وارتفع من القوم"، وهو خطأ. وارتفع هنا: بمعنى ذهب وانقضى مجاز من الارتفاع، وهو العلو.]] وصار الحكم إلى العدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤-٢٦] وكان ابن عباس يقول في معنى: ﴿لا تناصرون﴾ ، ما:-

٨٨٧ - حدثت به عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ ما لكم لا تمانعون منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم! [[الأثر: ٨٨٧ - لم يذكره في تفسير الآية من سورة الصافات، انظر (٢٣: ٣٢ بولاق)]]

* *

وقد قال بعضهم في معنى قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ : وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قيل: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية.

* *

قال أبو جعفر: والقول الأول أولى بتأويل الآية لما وصفنا من أن الله جل ثناؤه إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أن يوم القيامة يوم لا فدية -لمن استحق من خلقه عقوبته-، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له. وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أن ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾

أما تأويل قوله: ﴿وإذ نجيناكم﴾ فإنه عطف على قوله: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي﴾ . فكأنه قال: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إنعامنا عليكم -إذ نجيناكم من آل فرعون- بإنجائناكم منهم. [[في المطبوعة: "بإنجائنا لكم منهم"، غيروه ليستقيم وما ألفوه من دارج الكلام]]

* *

وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه.

وأصل"آل" أهل، أبدلت الهاء همزة، كما قالوا"ماء" [[في المطبوعة: "كما قالوا: ماه"، وهو خطأ بين.]] فأبدلوا الهاء همزة، فإذا صغروه قالوا:"مويه"، فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله. وكذلك إذا صغروا آل، قالوا:"أهيل". وقد حكي سماعا من العرب في تصغير"آل":"أويل". [[انظر مادة (أهل) و (أول) في لسان العرب.]] وقد يقال:"فلان من آل النساء" [[في المطبوعة: "وقد يقال: فلان. . . "]] يراد به أنه منهن خلق، ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن، كما قال الشاعر:

فإنك من آل النساء وإنما ... يَكُنَّ لأدْنَى؛ لا وصال لغائب [[لم أجد البيت ولم أعرف قائله، وقوله: "يكن لأدنى" يعني للداني القريب الحاضر، يصلن حباله بالمودة، أما الغائب فقد تقطعت حباله. وتلك شيمهن، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم.]]

وأحسن أماكن"آل" أن ينطق به مع الأسماء المشهورة، مثل قولهم: آل النبي محمد ﷺ، وآل علي، وآل عباس، وآل عقيل. وغير مستحسن استعماله مع المجهول، وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك؛ غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل، ورآني آل المرأة -ولا-: رأيت آل البصرة، وآل الكوفة. وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول:"رأيت آل مكة وآل المدينة". وليس ذلك في كلامهم بالفاشي المستعمل [[في المطبوعة: "بالمستعمل الفاشي".]] .

* *

وأما"فرعون" فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمى به، كما كانت ملوك الروم يسمى بعضهم"قيصر" وبعضهم"هرقل"، وكما كانت ملوك فارس تسمى"الأكاسرة" واحدهم"كسرى"، وملوك اليمن تسمى"التبابعة"، واحدهم"تبع".

وأما"فرعون موسى" الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه"الوليد بن مُصعب بن الريان"، وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.

٨٨٨ - حدثنا بذلك محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مُصعب بن الريان. [[انظر تاريخ الطبري ١: ١٩٩.]]

* *

وإنما جاز أن يقال: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ ، والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم، وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر:"فعلنا بكم كذا، وفعلنا بكم كذا، وقتلناكم وسبيناكم"، والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه -كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه، كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية:

ولقد سما لكم الهذيل فنالكم ... بإرَابَ، حيث يقسِّم الأنفالا [[ديوانه: ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٧ - ٧٨. قال الطبري فيما مضى ١: ٣٦٦: "سما فلان لفلان": إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه". والهذيل، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا. وأصاب نعما كثيرا، وسبى سببا كثيرا، منهم"الخطفى" جد جرير، فسمى الهذيل"مجدعا"، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه. (انظر خبر ذلك في النقائض ٤٧٣، ونقائض جرير والأخطل: ٧٨) نالكم: أدرككم وأصاب منكم ما أصاب. والأنفال جمع نفل (بفتحتين) : وهي الغنائم. وفي المطبوعة: "تقسم" وهي صواب لا بأس بها.]]

في فيلق يدعو الأراقم، لم تكن ... فرسانه عُزلا ولا أكفالا [[الفيلق: الكتيبة العظيمة. وقوله: "يدعو" الضمير للهذيل. والأراقم: هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، رهط الهذيل. وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان، وكانوا تحت دثار لهم، فكشفت الدثار، فلما رأتهم قالت: "كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم"، والأراقم جمع أرقم: وهو أخبث الحيات، وأشدها ترقدا وطلبا للناس. والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون) : وهو الذي لا يثبت على متن فرسه، ولا يحسن الركوب.]]

ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده. [[في المطبوعة: "ولم يلق جرير. . . ".]] ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه. فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم، أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم. [[انظر ما سلف قريبا، ٢٣ - ٢٤]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾

وفي قوله: ﴿يسومونكم﴾ وجهان من التأويل، أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل، فيكون معناه حينئذ: واذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون [[في المطبوعة: "إذ نجيناكم. . . " علي سياق الآية، وهذه أجود.]] وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب. وإذا كان ذلك تأويله كان موضع"يسومونكم" رفعا.

والوجه الثاني: أن يكون"يسومونكم" حالا فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالا من آل فرعون.

* *

وأما تأويل قوله: ﴿يسومونكم﴾ فإنه: يوردونكم، ويذيقونكم، ويولونكم، يقال منه:"سامه خطة ضيم"، إذا أولاه ذلك وأذاقه، كما قال الشاعر: إن سيم خسفا، وجهه تربدا [[لم أجد الرجز. الخسف: الظلم والإذلال والهوان، وهي شر ما ينزل بالإنسان، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان. وتربد وجهه: تلون من الغضب وتغير، كأنما تسود منه مواضع. وقوله: "وجهه" فاعل مقدم، أي تربد وجهه.]]

* *

فأما تأويل قوله: ﴿سوء العذاب﴾ فإنه يعني: ما ساءهم من العذاب. وقد قال بعضهم: أشد العذاب؛ ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب.

* *

فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوؤهم؟ [[قوله: "الذي كان يسوؤهم"، ليس في المخطوطة، سقط منها.]]

قيل: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ، وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما:-

٨٨٩ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: أخبرنا ابن إسحاق، قال: كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون، [وصنف يحرثون] ، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة [له] من عمله: فعليه الجزية -فسامهم- كما قال الله عز وجل: سوء العذاب. [[الأثر: ٨٨٩ - من خبر طويل في تاريخ الطبري ١: ١٩٩، والزيادة بين الأقواس من موضعها هناك ويقال: هؤلاء خول فلان: إذا اتخذهم عبيدا.]]

وقال السدي: جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم:

٨٩٠ - حدثني بذلك موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط عن السدي. [[الأثر: ٨٩٠ - من خبر طويل في تاريخ الطبري ١: ٢٠٠، وانظر ما سيأتي رقم: ٨٩٥.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾

قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل = من سومهم إياهم سوء العذاب، وذبحهم أبناءهم، واستحيائهم نساءهم = إليهم، دون فرعون -وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون، وعن أمره- لمباشرتهم ذلك بأنفسهم. فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه، وإن كان عن أمر غيره، ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه، وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك -سلطانا كان الآمر، أو لصا خاربا، أو متغلبا فاجرا. [[الخارب: اللص الشديد الفساد، من قولهم: فلان صاحب خربة (بضم فسكون) أي فساد وريبة، ومنه الخارب: من شدائد الدهر. وأما أصحاب اللغة فيقولون: الخارب: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيره من اللصوص اتساعا.]] كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون، وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك، فعلوا ما فعلوا، مع غلبته إياهم وقهره لهم. فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما، فهو المقتول عندنا به قصاصا، وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله. [[في المطبوعة: "وإن كان قتله إياه"، وهو تصرف لا خير فيه.]]

* *

وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل، واستحيائهم نساءهم، [[في المطبوعة: "ذبح"، مكان"ذبحهم"، وسقط من المخطوطة قوله: "أبناء".]] فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي:-

٨٩١ - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي، قالا حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، قال: حدثنا القاسم بن أيوب، قال: حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفارُ [[الشفار جمع شفرة: وهي السكين العريضة العظيمة الحديدة، تمتهن في قطع اللحم وغيره.]] يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، ففعلوا. فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون، قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم؛ ودعوا عاما. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان القابل حملت بموسى. [[الأثر: ٨٩١ - هذا موقوف، وإسناده صحيح إلى ابن عباس. أما صحة المتن، فلا نستطيع أن نجزم بها، لعله مما كان يتحدث به الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أهل الكتاب. العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم ٣ /١ / ٢١٤ - ٢١٥. وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم ١ / ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥. والأصبغ بن زيد بن علي الجهني الواسطي الوراق: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير ١ /٢/ ٣٦، وابن أبي حاتم ١ / ١/ ٣٢٠ - ٣٢١. القاسم بن أبي أيوب الأسدي الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٤ / ١ /١٦٨ - ١٦٩، وابن أبي حاتم ٣ / ٢ / ١٠٧. ووقع في المطبوعة هنا" القاسم بن أيوب"، وهو خطأ.

وهو في تاريخ الطبري بتمامه ١: ٢٠٢، مع اختلاف يسير في اللفظ. وفي المخطوطة في هذا الموضع أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرها. وفي المطبوعة والمخطوطة:"فولدته علانية أمه"، والصواب من التاريخ.]]

٨٩٢ - وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، قال: حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشرة رجلا فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها فانظروا إليه، فإن كان ذكرا فاذبحوه، وإن كان أنثى فخلوا عنها. وذلك قوله: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ . [[الأثر: ٨٩٢ - وهذا كالذي قبله، موقوف، إسناده إلى ابن عباس صحيح. وقد رواه الطبري بهذا الإسناد، في التاريخ أيضًا ١: ٢٢٥.

عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان: ثقة مأمون، مات سنة ٢٧٨. ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ١١: ٧٨ - ٧٩، وياقوت في معجم الأدباء ٤: ١٥٤. إبراهيم بن بشار الرمادي: ثقة، يهم في الشيء بعد الشيء. مترجم في التهذيب، وفي الكبير ١ / ١ / ٢٧٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٨٩ - ٩٠. أبو سعيد - الراوي عن عكرمة: هو عبد الكريم بن مالك الجزري.

ولم أجد الأثر في مكانه من تاريخ الطبري.]]

٨٩٣ - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب﴾ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر نساء قوابل [[قوابل جمع قابلة: وهي المرأة التي تتلقى الولد عند الولادة.]] فإذا ولدت امرأة غلاما أُتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري.

٨٩٤ - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ الآية، قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، وإنه أتاه آت، فقال: إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل، فيظهر عليك، ويكون هلاكك على يديه. فبعث في مصر نساء. فذكر نحو حديث آدم.

٨٩٥ - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر عن السدي، قال: كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر. فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة، فسألهم عن رؤياه [[الكهنة جمع كاهن: وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان. والعافة جمع عائف: وهو الذي يتعاطى العيافة، وهو تكهن كان في الجاهلية، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها. وفي اللسان (حزا) : العائف: العالم بالأمور، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف. فلعل الذي وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة. والقافة جمع قائف: وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت. ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ، فإن الذي جاء في رواية التاريخ: "القافة"، ولم يذكر"العافة"، فلعل الذي في التاريخ تصحيف صوابه"العافة"، والحازة جمع حاز، والحازي: هو الذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره، فربما أصاب، وهو الحزاء (بتشديد الزاي) .]] فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه، ولا تولد لهم جارية إلا تركت. وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة. فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وأدخلوا غلمانهم؛ فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ -يقول: تجبر في الأرض- ﴿وجعل أهلها شيعا﴾ -، يعني بني إسرائيل، حين جعلهم في الأعمال القذرة-، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير. وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رءوس القبط على فرعون، فكلموه، فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا! بذبح أبنائهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار! [[في المطبوعة: نذبح أبناءهم"، والصواب من التاريخ.]] فلو أنك كنت تبقي من أولادهم! فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة. فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هارون، فترك؛ فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى. [[الأثر: ٨٩٥ - في تاريخ الطبري ١: ٢٠٠، وإسناده هناك هو الإسناد الذي يدور في التفسير وتمامه: ". . . عن السدي في خبره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ. . . ".]] .

٨٩٦ - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه [[في المطبوعة: "فرعون وأحزابه"، وهو خطأ محض، صوابه في المخطوطة وتاريخ الطبري والحزاة جمع حاز أيضًا، كقاض وقضاة. والحازى: سلف شرحه في ص: ٣٨، تعليق: ١.]] فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه [[في المطبوعة: " نعم، إنا نجد في علمنا"، وهو خطأ معرق. وتعلم (بتشديد اللام) : بمعنى أعلم، وهي فاشية في سيرة ابن إسحاق وغيره. وانظر تعليقنا فيما مضى ١: ٢١٧. وأظلك: صار كالظل، أي قارب ودنا دنوا شديدا.]] يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك من أرضك، ويبدل دينك. فلما قالوا له ذلك، أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان، وأمر بالنساء يستحيين. فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته، فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه. فكن يفعلن ذلك، وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان، ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن. [[الأثر: ٨٩٦ - في تاريخ الطبري ١: ١٩٩، والزيادة بين القوسين، والتصحيح منه.]]

٨٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال، لقد ذكر [لي] أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار، ثم يصف بعضه إلى بعض، ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه [[في المطبوعة: "ثم يؤتى. . . فيوقفن"، بالبناء للمجهول. وذاك نص التاريخ والمخطوطة.]] فيحز أقدامهن. حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها [[مصعت المرأة بولدها: زحرت زحرة واحدة فرمته من بطنها وألقته.]] فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم، فقيل له: أفنيت الناس وقطعت النسل! وإنهم خولك وعمالك! فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما. فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون. [[الأثر: ٨٩٧ - في تاريخ الطبري ١: ١٩٩ - ٢٠٠.]]

* *

قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم: كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم [[هذه جملة سقط منها خبر"كان"، وهي هكذا في الأصول، وأظن أن صوابها: كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم، أن فرعون أمر، بقتل كل مولود يولد من أبناء بني إسرائيل، وباستحياء نسائهم" كما في الأثرين: ٨٩١، ٨٩٦، فكأن سطرا سقط من الناسخ.]] فتأويل قوله إذًا -على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم-: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، يستبقونهن فلا يقتلونهن.

وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن - أن يكون جائزا أن يسمى الطفل من الإناث في حال صباها وبعد ولادها:"امرأة" [[في المطبوعة: " الطفلة من الإناث". والعرب تقول: جارية طفل وطفلة، وجاريتان طفل، وجوار طفل، قال تعالى: "ثم يخرجكم طفلا"، وقال: "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء".]] والصبايا الصغار وهن أطفال:"نساء". لأنهم تأولوا قول الله عز وجل: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.

وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج، فقال بما:-

٨٩٨ - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ قال: يسترقون نساءكم.

فحاد ابن جريج، بقوله هذا، عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ : إنه استحياء الصبايا الأطفال، إذ لم يجدهن يلزمهن اسم"نساء" [[في المطبوعة: "قال: إذ لم يجدهن" بزيادة"قال"، وهو فساد.]] ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله"ويستحيون"، يسترقون، وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية [[في المطبوعة: "عجمية".]] . وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة [[في المطبوعة: "إنما هو الاستفعال من الحياة"، وليس بشيء]] نظير"الاستبقاء" من"البقاء"، و"الاستسقاء" من"السقي". وهو من معنى الاسترقاق بمعزل.

* *

وقد تأول آخرون: قوله [[في المطبوعة: ""وقد قال آخرون. . . "، وليس بشيء.]] ﴿يذبحون أبناءكم﴾ ، بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم، وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال، وقد قرن بهم النساء. فقالوا: في إخبار الله جل ثناؤه إن المستحيين هم النساء، الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان، لأن المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا. قالوا: وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء، ما بين أن المذبحين هم الرجال [[في المطبوعة: "ما يبين أن المذبحين".]] .

قال أبو جعفر: وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب. وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى، فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم. فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم، أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت.

ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل: من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا. وإنما قيل: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن - وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء، لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن، فقيل: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ ، يعني بذلك الوالدات والمولودات، كما يقال:"قد أقبل الرجال" وإن كان فيهم صبيان. فكذلك قوله: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ . وأما من الذكور، فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون، قيل:"يذبحون أبناءكم"، ولم يقل: يذبحون رجالكم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) ﴾

أما قوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ، فإنه يعني: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم [[في المطبوعة: "من إنجائنا إياكم"، بدلوه ليجرى على دارج كلامهم.]] - مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم، على ما وصفت - بلاء لكم من ربكم عظيم.

* *

ويعني بقوله"بلاء": نعمة، كما:-

٨٩٩ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ ، قال: نعمة.

٩٠٠ - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ ، أما البلاء فالنعمة.

٩٠١ - وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ ، قال: نعمة من ربكم عظيمة.

٩٠٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثل حديث سفيان.

٩٠٣ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ ، قال: نعمة عظيمة [[الأثر: ٩٠٣ - مقدم في المخطوطة على الذي قبله.]] .

* *

وأصل"البلاء" في كلام العرب - الاختبار والامتحان، ثم يستعمل في الخير والشر. لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، كما قال ربنا جل ثناؤه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ، يقول: اختبرناهم، وكما قال جل ذكره: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] . ثم تسمي العرب الخير"بلاء" والشر"بلاء". غير أن الأكثر في الشر أن يقال:"بلوته أبلوه بلاء"، وفي الخير:"أبليته أبليه إبلاء وبلاء"، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو [[ديوانه: ١٠٩، وروايته"رأى الله. . . فأبلاهما". وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه.]]

فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾

أما تأويل قوله: ﴿وإذ فرقنا بكم﴾ ، فإنه عطف على: ﴿وإذ نجيناكم﴾ ، بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وإذ فرقنا بكم البحر.

ومعنى قوله: ﴿فرقنا بكم﴾ : فصلنا بكم البحر. لأنهم كانوا اثني عشر سبطا؛ ففرق البحر اثني عشر طريقا، فسلك كل سبط منهم طريقا منها، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر، وفصله بهم، بتفريقهم في طرقه الاثني عشر، كما:-

٩٠٤ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما أتى موسى البحر كنّاه"أبا خالد"، وضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط. [[الأثر ٩٠٤ - من خبر طويل في تاريخ الطبري، وهذه الفقرة منه في ١: ٢١٤، وانظر أيضًا رقم: ٩١٠.]]

* *

وقد قال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ ، فرقنا بينكم وبين الماء. يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به. وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، [[انظر تفسير"الظاهر" فيما مضى: ٢: ١٥، والمراجع.]] لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم، ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر، فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة، وفرقه البحر بالقوم، إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) ﴾

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون ونجى بني إسرائيل؟

قيل له، كما:-

٩٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دُهم الخيل، سوى ما في جنده من شهب الخيل. [[في المخطوطة والمطبوعة: "من شية الخيل"، وشية الفرس: لونه، فكان الأجود أن يقول: "من شيات الخيل". وفي التاريخ. "من شهب الخيل"، كما أثبتناه. والشهب جمع أشهب، والشُّهبة في ألوان الخيل: أن تشق معظم لونه شعرة أو شعرات بيض، كميتا كان الفرس أو أشقر أو أدهم.]]

وخرج موسى، حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ﴾ مُوسَى ﴿كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء: ٦١-٦٢] أي للنجاة، وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده. [[الأثر: ٩٠٥ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٧، وفيه"ولا خلف لموعوده". والموعود كالوعد، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول.]]

٩٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب. بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره. [[في المطبوعة: "فثاب البحر. . . "، وهو تصحيف، والصواب في المخطوطة والتاريخ. وفي المطبوعة: "وانتظار أمره"، وفي التاريخ"وانتظارا لأمره"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو جيد.]] فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض [[في المطبوعة: "على يبس من الأرض"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ. والنشز: المتن المرتفع من الأرض - أو ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض، وليس بالغليظ.]] . يقول الله لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] . فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ [[في المطبوعة: "فلما استقر لهم. . . ".]] سلك فيه موسى ببني إسرائيل، وأتبعه فرعون بجنوده. [[الأثر: ٩٠٦ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٧.]]

٩٠٧ - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل البحر فلم يبق منهم أحد، أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر، وهو قائم على حاله، فهاب الحصان أن ينفذ. [[هكذا في المخطوطة والمطبوعة"أن ينفذ"، وفي التاريخ: "أن يتقدم"، وكأنها الصواب، والآخر تحريف، سقط الميم من آخره.]] فعرض له جبريل على فرس أنثى وديق، [[فرس وديق: مريدة للفحل تشهيه.]] فقربها منه فشمها الفحل، فلما شمها قدمها، [[في المطبوعة"فلما شمها تبعها"، وهو خطأ وخلط. والصواب ما في المخطوطة والتاريخ. وقوله: "قدمها" أي زجرها، بقولهم للفرس: "أقدم" أي امض قدما إلى أمام.]] فتقدم معها الحصان عليه فرعون. فلما رأى جند فرعون فرعون قد دخل، دخلوا معه وجبريل أمامه، وهم يتبعون فرعون، وميكائيل على فرس من خلف القوم يسوقهم، يقول:"الحقوا بصاحبكم". حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد، ووقف ميكائيل على ناحيته الأخرى، وليس خلفه أحد، طبق عليهم البحر، ونادى فرعون -حين رأى من سلطان الله عز وجل وقدرته ما رأى وعرف ذله، وخذلته نفسه [[في المطبوعة وحدها: "ذلته".]] -: ﴿لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [[الأثر: ٩٠٧ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٧. وفي المطبوعة: "آمنت أنه لا إله إلا الذي. . . " وفي التاريخ: "نادي أن لا إله إلا الذي. . . " وأثبت ما في المخطوطة.]] [يونس: ٩٠] .

٩٠٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ ، قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا: فدعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. ثم سار، فلما أتى موسى البحر، قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟ قال: أمامك. يشير إلى البحر. فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغَمْر، فذهب به، ثم رجع. [[في ابن كثير ١: ١٦٥"فذهب به الغمر، ثم رجع".]] فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟ فوالله ما كَذبتَ ولا كُذبتَ: ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]- يقول: مثل جبل - قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم. فلذلك قال: ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ . قال معمر، قال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف، وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان.

٩٠٩ - وحدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ستمائة ألف. فلما عاينهم فرعون قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤-٥٦] فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برَهَج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رَهِقنا بمن معه! [[رهقه: غشيه وأوشك أن يدركه.]] قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون. قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك. قال: فبات البحر له أفكل [[في المطبوعة"فثاب له"، وهو تصحيف مضى مثله في: ٤٥، تعليق: ٣]] - يعني: له رعدة - لا يدري من أي جوانبه يضربه. قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر. قال: فاضربه. قال: فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا، كل طريق كالطود العظيم؛ فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه. فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

قال سفيان، قال عمار الدهني: قال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. قال: فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا. وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر. قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا، [[قال بعصاه أو بيده: أشار بها. والإشارة ضرب من التعبير والبيان، فكان مجاز القول إلى معنى الإشارة جيدا.]] فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض.

قال سفيان: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذَنوب حصان [[الأدهم: الأسود. والذنوب: الفرس الوافر الذنب الطويلة. وقوله: "حصان" هنا: أي فحل، قد ضن بمائه فلم ينز على أنثى.]] . فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، [[الوديق: مضى تفسيرها في ص: ٤٦ تعليق: ٤]] فلما رآها الحصان تقحم خلفها. وقيل لموسى: اترك البحر رهوا - قال: طُرقا على حاله [[في المخطوطة: "علي حياله"، وهو خطأ، وانظر ما مضى ص: ٤٦، وانظر أيضًا تفسير: "رهوا" في ٢٥: ٧٣ (بولاق) .]] - قال: ودخل فرعون وقومه في البحر، فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقوا. [[الأثر: ٩٠٩ - هو كالأثر الماضي: ٨٩٢، وبالإسناد نفسه. انظر تمام هذا الأثر في رقم: ٩١٨. وأقحم سفيان روايته عن عمار الدهني، في روايته عن أبي سعيد. وعمار، هو عمار بن معاوية الدهني (بضم الدال وسكون الهاء) ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب) .]]

٩١٠ - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فقال: أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. فخرج موسى وهارون في قومهما، وألقي على القبط الموت، فمات كل بكر رجل، فأصبحوا يدفنونهم، فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿فأتبعوهم مشرقين﴾ [الشعراء: ٦٠] فكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم [[ساقة الجيش، وساقة الحاج: هم الذين يكونون في مؤخره يسوقونه ويحفظونه من ورائه.]] فقال المؤمن لموسى: يا نبي الله، أين أمرت؟ قال: البحر. فأراد أن يقتحم، فمنعه موسى، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وإنما عدوا ما بين ذلك، سوى الذرية. وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان، ليس فيها ماذِيانة [[في المطبوعة: "ما ذبانه"، وفي المخطوطة: " مادنانة" بالدال المهملة. ولم أجد الكلمة فيما بين يدي من الكتب.]] -يعني الأنثى- وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣-٥٤] يعني بني إسرائيل. فتقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح، وقال: من هذا الجبار الذي يضربني؟ حتى أتاه موسى فكناه"أبا خالد" وضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم -يقول: كالجبل العظيم-، فدخلت بنو إسرائيل. وكان في البحر اثنا عشر طريقا، في كل طريق سبط -وكانت الطرق انفلقت بجدران [[في تاريخ الطبري: "وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران".]] - فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا! فلما رأى ذلك موسى، دعا الله، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطِّيقان [[الطيقان والأطواق، جمع طاق: وهو عقد البناء حيث كان.]] فنظر آخرهم إلى أولهم، حتى خرجوا جميعا. ثم دنا فرعون وأصحابه، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال: ألا ترون البحر فَرِق مني؟ [[فرق يفرق فرقا (بفتحتين) : فزع أشد الفزع.]] قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم! فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] يقول: قربنا ثم الآخرين، يعني آل فرعون. فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانة، فشامت الحصن ريح الماذيانة، فاقتحم في أثرها، [[في المطبوعة: "ماذبانة. . . الماذبانة"، وانظر ما سلف: ٤٩ تعليق: ٥، وفي المطبوعة"فشام الحصان" بالإفراد، وهو غير جيد في سياق الكلام. الصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري. وشام الشيء: تشممه. والحصن، جمع حصان.]] حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم. [[الأثر: ٩١٠ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٣ - ٢١٤، ومضت فقرة منه برقم: ٩٠٤. والتطم البحر عليهم: أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه. ولم أجدها في كتب اللغة. ولكنهم يقولون: التطمت الأمواج وتلاطمت، ضرب بعضها بعضا. ويقولون: لطم الكتاب: أي ختمه. فالذي جاء في الخبر عربى معرق في مجازه.]] .

٩١١ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر، قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين! فلما رآهم أصحاب موسى قالوا: إنا لمدركون! قال كلا إن معي ربي سيهدين. فقال موسى للبحر: ألست تعلم أني رسول الله؟ قال: بلى. قال! وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم؟ قال: بلى.

قال: أتعلم أن هذا عدو الله؟ قال: بلى. قال: فافرق لي طريقا ولمن معي. [[في المطبوعة"فانفرق لي طريقا. . " وهو خطأ.]] قال: يا موسى، إنما أنا عبد مملوك، ليس لي أمر إلا أن يأمرني الله تعالى. فأوحى الله عز وجل إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق. وأوحى إلى موسى أن يضرب البحر، وقرأ قول الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [سورة طه: ٧٧] وقرأ قوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]-سهلا ليس فيه نُقر [[في المطبوعة: "ليس فيه تعد"، وفي المخطوطة: "نفد" والدال تشبه أن تكون راء. فاستظهرت أن تكون ما أثبت. والنقر جمع نقرة: وهي الوهدة المستديرة في الأرض، أو الحفرة صغيرة ليست بكبيرة. وهذا أشبه بالكلام والمعنى.]] -فانفرق اثنتي عشرة فرقة، فسلك كل سبط في طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخلوا البحر. قال: ادخلوا عليهم. قال: وجبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخركم أولكم. وفي أول آل فرعون يقول لهم: رويدا يلحق آخركم أولكم. فجعل كل سبط في البحر يقولون للسبط الذين دخلوا قبلهم: قد هلكوا! فلما دخل ذلك قلوبهم أوحى الله جل وعز إلى البحر فجعل لهم قناطر، ينظر هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرج آخر هؤلاء ودخل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق على هؤلاء.

* *

ويعني بقوله: ﴿وأنتم تنظرون﴾ ، أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه، وإلى عظيم سلطانه -في الذي أراكم من طاعة البحر إياه، من مصيره ركاما فلقا كهيئة الأطواد الشامخة، [[في المطبوعة: "ركاما فرقا"، وهو تغيير بلا سبب. ركام: مجتمع بعضه فوق بعض والفلق جمع فلقة (بكسر فسكون) : وهي الشق.]] غير زائل عن حده، انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته، وهو سائل ذائب قبل ذلك.

يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم، ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم، ويحذرهم -في تكذيبهم نبينا محمدا ﷺ- أن يحل بهم ما حل بفرعون وآله، في تكذيبهم موسى ﷺ.

* *

وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: ﴿وأنتم تنظرون﴾ ، كمعنى قول القائل:"ضربت وأهلك ينظرون، فما أتوك ولا أعانوك" بمعنى: وهم قريب بمرأى ومسمع، وكقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥] ، وليس هناك رؤية، إنما هو علم.

قال أبو جعفر: والذي دعاه إلى هذا التأويل، أنه وجه قوله: ﴿وأنتم تنظرون﴾ ، أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون، فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا -مما اكتنفهم من البحر- إلى فرعون وغرقه. وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام، إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم -على ما قد وصفنا آنفا- والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا. وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾

اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك، [[في المطبوعة في الموضعين: "القراء"، كما فعل كثيرا فيما مضى. والقَرَأَة جمع قارئ.]] فقرأ بعضهم: ﴿واعدنا﴾ بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته، [[في المطبوعة: "ملاقاة الطور"، ولا أدري لم غيره من غيره! .]] فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة ﴿واعدنا﴾ على"وعدنا" أن قالوا: كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء والاجتماع، [[في المطبوعة: "كل إبعاد. . أو الاجتماع"، ولا أدري لم فعل ذلك! . واتعد اتعادا افتعل، من الوعد.]] فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك. فلذلك -زعموا- [[في المطبوعة: "فلذلك رموا أنه وجب" بزيادة أنه"، وهي زيادة مفسدة للمعنى.]] وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ ﴿واعدنا﴾ بالاختيار على قراءة من قرأ"وعدنا".

وقرأ بعضهم:"وعدنا" بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] . قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله:"وإذ وعدنا موسى".

* *

والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. [[انظر ما مضى في تفسير"الظاهر": ٤٤، والمراجع.]] فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان. وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك، إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء. فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا له المناجاة على الطور، [[في المطبوعة: قد كان وعد موسى" بزيادة"قد"، وفيها أيضًا "وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا"، والواو هنا ليست بشيء في قوله"وكان"، و"مواعدا".]] وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من"وعد" و"واعد" قرأ القارئ، فهو للحق في ذلك -من جهة التأويل واللغة- مصيب، لما وصفنا من العلل قبل. [[في المطبوعة: "فهو الحق في ذلك. . . "، وهو خطأ.]]

ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب، والخير والشر، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه -لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا: من أن كل اتعاد كان بين اثنين، [[في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف: "كل إبعاد"، وهو فساد وخطأ.]] فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدة بينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان بمعنى"الوعد" الذي هو خلاف"الوعيد".

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿مُوسَى﴾

وموسى -فيما بلغنا- بالقبطية كلمتان، يعني بهما: ماء وشجر."فمو"، هو الماء، و"شا" هو الشجر. [[في المطبوعة والمخطوطة: "سا" وأثبت ما في التاريخ.]] وإنما سمي بذلك -فيما بلغنا- لأن أمه لما جعلته في التابوت -حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فأخذنه، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر، [[في المطبوعة: "وكان ذلك المكان فيه" وليست بشيء.]] فقيل: موسى، ماء وشجر. كذلك:-

٩١٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي. [[الأثر: ٩١٢ تاريخ الطبري ١: ٢٠١ في خبر طويل.]]

* *

وقال أبو جعفر: وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق.

٩١٣ - حدثني بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه. [[الأثر: ٩١٣ - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري ١: ١٩٨.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾

ومعنى ذلك: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبقولهم:"اليوم أربعون منذ خرج فلان"،"واليوم يومان". أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.

قال أبو جعفر: وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة. فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، [[انظر تفسير"ظاهر" و" باطن" فيما سلف ص: ٤٤، والمراجع قبلها.]] بغير برهان دال على صحته.

* *

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وهو ما:-

٩١٤ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ ، قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح -وكانت الألواح من برد [[في المطبوعة: "وكانت الألواح من زبرجد"، والصواب ما أثبته من المخطوطة، ومما جاء عن أبي العالية، في صفة الألواح ٩: ٤٦ (بولاق) .]] - فقربه الرب إليه نجيا، وكلمه، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. [[صريف الأقلام: صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة. وقوله: "لم يحدث حدثا"، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة.]]

٩١٥ - وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.

٩١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق قال: وعد الله موسى-حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. [[في المطبوعة: "تلقاه ربه فيها بما شاء".]] واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، [[في المطبوعة: "للقائه"، وهما سواء في المعنى.]] وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. [[الأثر: ٩١٦ - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري ١: ٢١٧ - ٢١٨، ولكن قطعه الطبري، وأتمه من خبر السدي.]]

٩١٧ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي قال: انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. [[الأثر: ٩١٧ - في تاريخ الطبري في خبر طويل ١: ٢١٨، وسيأتي تمامه في رقم: ٩١٩.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ﴾

وتأويل قوله: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾ ، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و"الهاء" في قوله"من بعده" عائدة على ذكر موسى.

فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا ﷺ من يهود بني إسرائيل، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم، وشيوع آلائه لديهم، [[في المطبوعة: "سبوغ آلائه". وشيوع آلائه: ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم. وانظر ما سيأتي بعد ص: ٧٧، تعليق: ٢.]] مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاف محمد ﷺ وتكذيبهم به، وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه [[في المطبوعة: "من خلافهم محمدا. . ".]] - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم، ومحذِّرَهم من نزول سطوته بهم =بمقامهم على ذلك من تكذيبهم= ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل: من المسخ واللعن وأنواع النقمات.

وكان سبب اتخاذهم العجل، ما:-

٩١٨ - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان، فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. [[انظر آخر الأثر رقم: ٩٠٩ فهو هذا بنصه، ثم يأتي تمامه.]] قال: وعرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ. فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. -قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول" [طه: ٩٦] .

قال أبو سعيد قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رَوْع السامري [[الروع (بضم الراء) : القلب والعقل. وقع ذلك في روعى: أي في نفسي وخلدي وبالي.]] إنك لا تلقيها على شيء فتقول:"كن كذا وكذا" إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح. ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه، [[تعور الشيء واستعاره: أخذه عارية، كما تقول: تعجب واستعجب.]] فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، [[قال بالقبضة: رفعها مشيرا بيده ليلقيها. وقد مضى تفسير ذلك في ص: ٥٤ تعليق: ٣.]] فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري! قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.

٩١٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله. فأقبل على فرس، فرآه السامري فأنكره وقال: إنه فرس الحياة! فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر -حافر الفرس- فانطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة، وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار. وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما كان تمام العشرين، خرج لهم العجل. فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فتنتم به -يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل- وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري، فأخبره خبرهم. قال موسى؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: رب أنت إذا أضللتهم. [[الأثر: ٩١٩ - مضى صدره في رقم: ٩١٧. وفي التاريخ ١: ٢١٨.]]

٩٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان -فيما ذكر لي- أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب، فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلما أذن فرعون في الناس، كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! [[الأثر: ٩٢٠ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٦. وفي المطبوعة"أن يخرجوا بأنفسهم"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ. نفله الشيء: جعله نفلا، أي غنيمة مستباحة.]]

٩٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل. فلما فضل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى إلى ربه، [[فصل فلان عن البلد يفصل فصولا: إذا خرج وفارقها]] قال لهم هارون: أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا، فتطهروا منها، فإنها نجس. وأوقد لهم نارا فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم.

فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي، [[في المطبوعة: "بما كان معهم"، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه.]] فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسر الحلي فيها، ورأى السامري، أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره، [[في المطبوعة: "أخذ ترابا"، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم، فيما زعموا.]] ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: [[في تاريخ الطبري: "ثم أقبل إلى الحفرة. . . ".]] يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها وقال:"كن عجلا جسدا له خوار"، فكان، للبلاء والفتنة. فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: ﴿فنسي﴾ [طه: ٨٨] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - (أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا) [طه: ٨٩] وكان اسم السامري موسى بن ظفر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل. [[هو كما ذكر في أول الخبر من أهل"باجرما"، وباجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة، من أرض الجزيرة. (ياقوت) . ويقال: موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم) . وقال الميداني في شرح المثل: [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية.]] فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠-٩١] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون، إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. وكان له هائبا مطيعا [[الأثر: ٩٢١ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٩ - ٢٢٠.]] .

٩٢٢ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره [[في المطبوعة: "بما أمره به".]] وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كان يسره أن يتعجل إليه [[في المطبوعة: "نجح"، وأنجح: أدرك طلبته وبلغ النجاح. وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ.]] . قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم، فاجمعوا نارا، فألقوه فيها فأحرقوه. قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة، فيبست عليها يده. فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الخبيث: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ، الآية، إلى قوله: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٨-٩١] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] .

٩٢٣ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾ قال: العجل: حسيل البقرة [[الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة.]] . قال: حلي استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه، فانسبك، فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح.

٩٢٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: إنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.

٩٢٥ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن.

٩٢٦ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه [[الأثران: ٩٢٥، ٩٢٦ - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال: "قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "ثم اتخذتم العجل" قال: العجل: حسيل البقرة. . . " ثم ساق نص ما في الأثر: ٩٢٤. فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ﴾

يعني" وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا -في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا- أن أصل كل ظلم، وضع الشيء في غير موضعه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع [[انظر ما مضى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك﴾ ، يقول: تركنا معاجلتكم بالعقوبة،"من بعد ذلك"، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها. كما:-

٩٢٧ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك﴾ ، يعني من بعد ما اتخذتم العجل.

* *

وأما تأويل قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى"لعل" في هذا الموضع معنى"كي". وقد بينت فيما مضى قبلُ أن أحد معاني"لعل""كي"، بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع [[انظر ما مضى ١: ٣٦٤ - ٣٦٥.]] .

* *

فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾

اختلفت القَرَأَة في قراءة ذلك، [[في المطبوعة في الموضعين: "القراء"، كما فعل كثيرا فيما مضى. والقَرَأَة جمع قارئ.]] فقرأ بعضهم: ﴿واعدنا﴾ بمعنى أن الله تعالى واعد موسى موافاة الطور لمناجاته، [[في المطبوعة: "ملاقاة الطور"، ولا أدري لم غيره من غيره! .]] فكانت المواعدة من الله لموسى، ومن موسى لربه. وكان من حجتهم على اختيارهم قراءة ﴿واعدنا﴾ على"وعدنا" أن قالوا: كل اتعاد كان بين اثنين للالتقاء والاجتماع، [[في المطبوعة: "كل إبعاد. . أو الاجتماع"، ولا أدري لم فعل ذلك! . واتعد اتعادا افتعل، من الوعد.]] فكل واحد منهما مواعد صاحبه ذلك. فلذلك -زعموا- [[في المطبوعة: "فلذلك رموا أنه وجب" بزيادة أنه"، وهي زيادة مفسدة للمعنى.]] وجب أن يُقضى لقراءة من قرأ ﴿واعدنا﴾ بالاختيار على قراءة من قرأ"وعدنا".

وقرأ بعضهم:"وعدنا" بمعنى أن الله الواعد والمنفرد بالوعد دونه. وكان من حجتهم في اختيارهم ذلك أن قالوا: إنما تكون المواعدة بين البشر، فأما الله جل ثناؤه، فإنه المنفرد بالوعد والوعيد في كل خير وشر. قالوا: وبذلك جاء التنزيل في القرآن كله، فقال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] . قالوا: فكذلك الواجب أن يكون هو المنفرد بالوعد في قوله:"وإذ وعدنا موسى".

* *

والصواب عندنا في ذلك من القول: أنهما قراءتان قد جاءت بهما الأمة وقرأت بهما القَرَأَة، وليس في القراءة بإحداهما إبطال معنى الأخرى، وإن كان في إحداهما زيادة معنى على الأخرى من جهة الظاهر والتلاوة. [[انظر ما مضى في تفسير"الظاهر": ٤٤، والمراجع.]] فأما من جهة المفهوم بهما فهما متفقتان. وذلك أن من أخبر عن شخص أنه وعد غيره اللقاء بموضع من المواضع، فمعلوم أن الموعود ذلك واعد صاحبه من لقائه بذلك المكان، مثل الذي وعده من ذلك صاحبه، إذا كان وعده ما وعده إياه من ذلك عن اتفاق منهما عليه. ومعلوم أن موسى صلوات الله عليه لم يعده ربه الطور إلا عن رضا موسى بذلك، إذ كان موسى غير مشكوك فيه أنه كان بكل ما أمر الله به راضيا، وإلى محبته فيه مسارعا. ومعقول أن الله تعالى لم يعد موسى ذلك، إلا وموسى إليه مستجيب. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الله عز ذكره قد كان وعد موسى الطور، ووعده موسى اللقاء. فكان الله عز ذكره لموسى واعدا مواعدا له المناجاة على الطور، [[في المطبوعة: قد كان وعد موسى" بزيادة"قد"، وفيها أيضًا "وكان الله عز وجل لموسى واعد ومواعدا"، والواو هنا ليست بشيء في قوله"وكان"، و"مواعدا".]] وكان موسى واعدا لربه مواعدا له اللقاء. فبأي القراءتين من"وعد" و"واعد" قرأ القارئ، فهو للحق في ذلك -من جهة التأويل واللغة- مصيب، لما وصفنا من العلل قبل. [[في المطبوعة: "فهو الحق في ذلك. . . "، وهو خطأ.]]

ولا معنى لقول القائل: إنما تكون المواعدة بين البشر، وأن الله بالوعد والوعيد منفرد في كل خير وشر. وذلك أن انفراد الله بالوعد والوعيد في الثواب والعقاب، والخير والشر، والنفع والضر الذي هو بيده وإليه دون سائر خلقه -لا يحيل الكلام الجاري بين الناس في استعمالهم إياه عن وجوهه، ولا يغيره عن معانيه. والجاري بين الناس من الكلام المفهوم ما وصفنا: من أن كل اتعاد كان بين اثنين، [[في المطبوعة هنا أيضًا كما سلف: "كل إبعاد"، وهو فساد وخطأ.]] فهو وعد من كل واحد منهما صاحبه، ومواعدة بينهما، وأن كل واحد منهما واعد صاحبه مواعد، وأن الوعد الذي يكون به الانفراد من الواعد دون الموعود، إنما هو ما كان بمعنى"الوعد" الذي هو خلاف"الوعيد".

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿مُوسَى﴾

وموسى -فيما بلغنا- بالقبطية كلمتان، يعني بهما: ماء وشجر."فمو"، هو الماء، و"شا" هو الشجر. [[في المطبوعة والمخطوطة: "سا" وأثبت ما في التاريخ.]] وإنما سمي بذلك -فيما بلغنا- لأن أمه لما جعلته في التابوت -حين خافت عليه من فرعون وألقته في اليم، كما أوحى الله إليها، وقيل: إن اليم الذي ألقته فيه هو النيل - دفعته أمواج اليم حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فأخذنه، فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه، كان ذلك بمكان فيه ماء وشجر، [[في المطبوعة: "وكان ذلك المكان فيه" وليست بشيء.]] فقيل: موسى، ماء وشجر. كذلك:-

٩١٢ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي. [[الأثر: ٩١٢ تاريخ الطبري ١: ٢٠١ في خبر طويل.]]

* *

وقال أبو جعفر: وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فيما زعم ابن إسحاق.

٩١٣ - حدثني بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عنه. [[الأثر: ٩١٣ - مختصر من خبر نسبه في تاريخ الطبري ١: ١٩٨.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾

ومعنى ذلك: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة بتمامها. فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن معناه: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أي رأس الأربعين، ومثل ذلك بقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وبقولهم:"اليوم أربعون منذ خرج فلان"،"واليوم يومان". أي اليوم تمام يومين، وتمام أربعين.

قال أبو جعفر: وذلك خلاف ما جاءت به الرواية عن أهل التأويل، وخلاف ظاهر التلاوة. فأما ظاهر التلاوة، فإن الله جل ثناؤه قد أخبر أنه واعد موسى أربعين ليلة، فليس لأحد إحالة ظاهر خبره إلى باطن، [[انظر تفسير"ظاهر" و" باطن" فيما سلف ص: ٤٤، والمراجع قبلها.]] بغير برهان دال على صحته.

* *

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره، وهو ما:-

٩١٤ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قوله: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ ، قال: يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة. وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هارون، فمكث على الطور أربعين ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح -وكانت الألواح من برد [[في المطبوعة: "وكانت الألواح من زبرجد"، والصواب ما أثبته من المخطوطة، ومما جاء عن أبي العالية، في صفة الألواح ٩: ٤٦ (بولاق) .]] - فقربه الرب إليه نجيا، وكلمه، وسمع صريف القلم. وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. [[صريف الأقلام: صوتها وصريرها وهي تجري بما تكتبه الملائكة. وقوله: "لم يحدث حدثا"، أي لم يكربه ما يكرب الناس من قضاء الحاجة.]]

٩١٥ - وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.

٩١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق قال: وعد الله موسى-حين أهلك فرعون وقومه، ونجاه وقومه ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، يلقاه ربه فيها ما شاء. [[في المطبوعة: "تلقاه ربه فيها بما شاء".]] واستخلف موسى هارون على بني إسرائيل، وقال: إني متعجل إلى ربي فاخلفني في قومي ولا تتبع سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربه متعجلا للُقِيِّه شوقا إليه، [[في المطبوعة: "للقائه"، وهما سواء في المعنى.]] وأقام هارون في بني إسرائيل ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به. [[الأثر: ٩١٦ - صدر هذا الأثر في تاريخ الطبري ١: ٢١٧ - ٢١٨، ولكن قطعه الطبري، وأتمه من خبر السدي.]]

٩١٧ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي قال: انطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. [[الأثر: ٩١٧ - في تاريخ الطبري في خبر طويل ١: ٢١٨، وسيأتي تمامه في رقم: ٩١٩.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ﴾

وتأويل قوله: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾ ، ثم اتخذتم في أيام مواعدة موسى العجل إلها، من بعد أن فارقكم موسى متوجها إلى الموعد. و"الهاء" في قوله"من بعده" عائدة على ذكر موسى.

فأخبر جل ثناؤه المخالفين نبينا ﷺ من يهود بني إسرائيل، المكذبين به المخاطبين بهذه الآية -عن فعل آبائهم وأسلافهم، وتكذيبهم رسلهم، وخلافهم أنبياءهم، مع تتابع نعمه عليهم، وشيوع آلائه لديهم، [[في المطبوعة: "سبوغ آلائه". وشيوع آلائه: ظهورها وعمومها حتى استوى فيها جميعهم. وانظر ما سيأتي بعد ص: ٧٧، تعليق: ٢.]] مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من خلاف محمد ﷺ وتكذيبهم به، وجحودهم لرسالته، مع علمهم بصدقه [[في المطبوعة: "من خلافهم محمدا. . ".]] - على مثل منهاج آبائهم وأسلافهم، ومحذِّرَهم من نزول سطوته بهم =بمقامهم على ذلك من تكذيبهم= ما نزل بأوائلهم المكذبين بالرسل: من المسخ واللعن وأنواع النقمات.

وكان سبب اتخاذهم العجل، ما:-

٩١٨ - حدثني به عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان، فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، فلما رآها الحصان تقحم خلفها. [[انظر آخر الأثر رقم: ٩٠٩ فهو هذا بنصه، ثم يأتي تمامه.]] قال: وعرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنا، وفي الأخرى عسلا وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ. فلما عاينه في البحر عرفه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. -قال سفيان: فكان ابن مسعود يقرؤها: " فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول" [طه: ٩٦] .

قال أبو سعيد قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رَوْع السامري [[الروع (بضم الراء) : القلب والعقل. وقع ذلك في روعى: أي في نفسي وخلدي وبالي.]] إنك لا تلقيها على شيء فتقول:"كن كذا وكذا" إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر. فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وأغرق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح. ومضى موسى لموعد ربه. قال: وكان مع بني إسرائيل حَلْي من حَلْي آل فرعون قد تعوَّروه، [[تعور الشيء واستعاره: أخذه عارية، كما تقول: تعجب واستعجب.]] فكأنهم تأثموا منه، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله. فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، [[قال بالقبضة: رفعها مشيرا بيده ليلقيها. وقد مضى تفسير ذلك في ص: ٥٤ تعليق: ٣.]] فقذفها فيه - وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا - وقال: كن عجلا جسدا له خوار. فصار عجلا جسدا له خوار، وكان تدخل الريح في دبره وتخرج من فيه، يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري! قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى.

٩١٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط. فلما نجى الله موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر، وغرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى يذهب به إلى الله. فأقبل على فرس، فرآه السامري فأنكره وقال: إنه فرس الحياة! فقال حين رآه: إن لهذا لشأنا. فأخذ من تربة الحافر -حافر الفرس- فانطلق موسى، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلة، وأتمها الله بعشر. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل، إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حَلْي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، واحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحَلْي في تلك الحفرة، وجاء السامري بتلك القبضة فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار. وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما واليوم يوما، فلما كان تمام العشرين، خرج لهم العجل. فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي - يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي. فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل إنما فتنتم به -يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل- وإن ربكم الرحمن. فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى إلهه يكلمه، فلما كلمه قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال: هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري، فأخبره خبرهم. قال موسى؛ يا رب هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل، أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب: أنا. قال: رب أنت إذا أضللتهم. [[الأثر: ٩١٩ - مضى صدره في رقم: ٩١٧. وفي التاريخ ١: ٢١٨.]]

٩٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق قال: كان -فيما ذكر لي- أن موسى قال لبني إسرائيل فيما أمره الله عز وجل به: استعيروا منهم - يعني من آل فرعون - الأمتعة والحلي والثياب، فإني منفلكم أموالهم مع هلاكهم. فلما أذن فرعون في الناس، كان مما يحرض به على بني إسرائيل أن قال: حين ساروا لم يرضوا أن خرجوا بأنفسهم، حتى ذهبوا بأموالكم معهم! [[الأثر: ٩٢٠ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٦. وفي المطبوعة"أن يخرجوا بأنفسهم"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ. نفله الشيء: جعله نفلا، أي غنيمة مستباحة.]]

٩٢١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل. فلما فضل هارون في بني إسرائيل، وفصل موسى إلى ربه، [[فصل فلان عن البلد يفصل فصولا: إذا خرج وفارقها]] قال لهم هارون: أنتم قد حُمِّلتم أوزارا من زينة القوم - آل فرعون - وأمتعة وحليا، فتطهروا منها، فإنها نجس. وأوقد لهم نارا فقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم.

فجعلوا يأتون بما كان فيهم من تلك الأمتعة وذلك الحلي، [[في المطبوعة: "بما كان معهم"، غيروه ليستقيم على دارج ما ألفوه.]] فيقذفون به فيها. حتى إذا تكسر الحلي فيها، ورأى السامري، أثر فرس جبريل، فأخذ ترابا من أثر حافره، [[في المطبوعة: "أخذ ترابا"، حذفوا الفاء ليستقي على عربيتهم، فيما زعموا.]] ثم أقبل إلى النار فقال لهارون: [[في تاريخ الطبري: "ثم أقبل إلى الحفرة. . . ".]] يا نبي الله، ألقي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها وقال:"كن عجلا جسدا له خوار"، فكان، للبلاء والفتنة. فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا عليه، وأحبوه حبا لم يحبوا مثله شيئا قط. يقول الله عز وجل: ﴿فنسي﴾ [طه: ٨٨] أي ترك ما كان عليه من الإسلام - يعني السامري - (أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا) [طه: ٨٩] وكان اسم السامري موسى بن ظفر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل. [[هو كما ذكر في أول الخبر من أهل"باجرما"، وباجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة، من أرض الجزيرة. (ياقوت) . ويقال: موضع قبل نصيبن (معجم ما استعجم) . وقال الميداني في شرح المثل: [خطب يسير في خطب كبير] أن الزباء كانت من أهل باجرما وتتكلم العربية.]] فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩٠-٩١] فأقام هارون فيمن معه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون، إن سار بمن معه من المسلمين، أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. وكان له هائبا مطيعا [[الأثر: ٩٢١ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٩ - ٢٢٠.]] .

٩٢٢ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أنجى الله عز وجل بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فرعون ومن معه، قال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. قال: لما خرج موسى وأمر هارون بما أمره [[في المطبوعة: "بما أمره به".]] وخرج موسى متعجلا مسرورا إلى الله، قد عرف موسى أن المرء إذا أنجح في حاجة سيده، كان يسره أن يتعجل إليه [[في المطبوعة: "نجح"، وأنجح: أدرك طلبته وبلغ النجاح. وإن كنت أخشى أن يكون في الكلمة تصحيف خفي عليَّ.]] . قال: وكان حين خرجوا استعاروا حليا وثيابا من آل فرعون، فقال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم، فاجمعوا نارا، فألقوه فيها فأحرقوه. قال: فجمعوا نارا. قال: وكان السامري قد نظر إلى أثر دابة جبريل، وكان على فرس أنثى - وكان السامري في قوم موسى - قال: فنظر إلى أثره فقبض منه قبضة، فيبست عليها يده. فلما ألقى قوم موسى الحلي في النار، وألقى السامري معهم القبضة، صور الله جل وعز ذلك لهم عجلا ذهبا، فدخلته الريح، فكان له خوار، فقالوا: ما هذا؟ فقال: السامري الخبيث: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ، الآية، إلى قوله: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٨-٩١] قال: حتى إذا أتى موسى الموعد، قال الله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] .

٩٢٣ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿ثم اتخذتم العجل من بعده﴾ قال: العجل: حسيل البقرة [[الحسيل (بفتح فكسر) : ولد البقرة.]] . قال: حلي استعاروه من آل فرعون، فقال لهم هارون: أخرجوه فتطهروا منه وأحرقوه. وكان السامري قد أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحه فيه، فانسبك، فكان له كالجوف تهوي فيه الرياح.

٩٢٤ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: إنما سمي العجل، لأنهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى.

٩٢٥ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحو حديث القاسم عن الحسن.

٩٢٦ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه [[الأثران: ٩٢٥، ٩٢٦ - في المخطوطة ساق إسناد الأثرين جميعا في موضع واحد قال: "قال حدثنا عيسى - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل - جميعا عن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: "ثم اتخذتم العجل" قال: العجل: حسيل البقرة. . . " ثم ساق نص ما في الأثر: ٩٢٤. فآثرت ترك ما في المطبوعة على حاله.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ﴾

يعني" وأنتم واضعو العبادة في غير موضعها، لأن العبادة لا تنبغي إلا لله عز وجل، وعبدتم أنتم العجل ظلما منكم، ووضعا للعبادة في غير موضعها. وقد دللنا -في غير هذا الموضع مما مضى من كتابنا- أن أصل كل ظلم، وضع الشيء في غير موضعه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع [[انظر ما مضى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) ﴾

قال أبو جعفر: وتأويل قوله: ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك﴾ ، يقول: تركنا معاجلتكم بالعقوبة،"من بعد ذلك"، أي من بعد اتخاذكم العجل إلها. كما:-

٩٢٧ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ثم عفونا عنكم من بعد ذلك﴾ ، يعني من بعد ما اتخذتم العجل.

* *

وأما تأويل قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، فإنه يعني به: لتشكروا. ومعنى"لعل" في هذا الموضع معنى"كي". وقد بينت فيما مضى قبلُ أن أحد معاني"لعل""كي"، بما فيه الكفاية عن إعادته في هذا الموضع [[انظر ما مضى ١: ٣٦٤ - ٣٦٥.]] .

* *

فمعنى الكلام إذا: ثم عفونا عنكم من بعد اتخاذكم العجل إلها، لتشكروني على عفوي عنكم، إذ كان العفو يوجب الشكر على أهل اللب والعقل.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله: ﴿وإذ ءاتينا موسى الكتاب﴾ : واذكروا أيضا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان. ويعني ب"الكتاب": التوراة، وب"الفرقان": الفصل بين الحق والباطل، كما:-

٩٢٨ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ ، قال: فرق به بين الحق والباطل.

٩٢٩ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ ، قال: الكتاب: هو الفرقان، فرقان بين الحق والباطل [[في المخطوطة: "هو الفرقان بين الحق والباطل"، والذي في المطبوعة أجود.]] .

٩٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٩٣١ - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ﴿وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ ، قال: الكتاب هو الفرقان، فرق بين الحق والباطل.

٩٣٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، وقال ابن عباس:"الفرقان": جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.

وقال ابن زيد في ذلك بما: -

٩٣٣ - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب. قال: سألته -يعني ابن زيد- عن قول الله عز وجل: ﴿وإذ ءاتينا موسى الكتاب والفرقان﴾ فقال: أما"الفرقان" الذي قال الله جل وعز: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] ، فذلك يوم بدر، يوم فرق الله بين الحق والباطل، والقضاء الذي فرق به بين الحق والباطل. قال: فكذلك أعطى الله موسى الفرقان، فرق الله بينهم، وسلمه وأنجاه، فرق بينهم بالنصر. فكما جعل الله ذلك بين محمد ﷺ والمشركين، فكذلك جعله بين موسى وفرعون [[في المطبوعة: "بين محمد والمشركين"، وأثبت ما في المخطوطة.]] .

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، [[في المطبوعة: "فأولى هذين التأويلين. . . ".]] ما روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: من أن الفرقان الذي ذكر الله أنه آتاه موسى في هذا الموضع، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها. فيكون تأويل الآية حينئذ: وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل.

فيكون"الكتاب" نعتا للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه ب"الفرقان"، إذ كان من نعتها.

* *

وقد بينا معنى"الكتاب" فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه بمعنى المكتوب. [[انظر ما مضى ١: ٩٧ - ٩٩.]]

* *

وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالآية، وإن كان محتملا غيره من التأويل، لأن الذي قبله من ذكر"الكتاب"، وأن معنى"الفرقان" الفصل [[في المطبوعة: "لأن الذي قبله ذكر الكتاب" بإسقاط"من".]] - وقد دللنا على ذلك فيما مضى من كتابنا هذا [[انظر ما مضى ١: ٩٨ - ٩٩.]] -، فإلحاقه إذ كان كذلك، بصفة ما وليه أولى من إلحاقه بصفة ما بعد منه.

وأما تأويل قوله: ﴿لعلكم تهتدون﴾ ، فنظير تأويل قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، ومعناه لتهتدوا [[انظر ما مضى ٢: ٦٩.]] .

وكأنه قال: واذكروا أيضا إذ آتينا موسى التوراة التي تفرق بين الحق والباطل لتهتدوا بها، وتتبعوا الحق الذي فيها، لأني جعلتها كذلك هدى لمن اهتدى بها واتبع ما فيها.

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) ﴾

وتأويل ذلك: اذكروا أيضا إذ قال موسى لقومه من بني إسرائيل: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم. وظلمهم إياها، كان فعلَهم بها ما لم يكن لهم أن يفعلوه بها، مما أوجب لهم العقوبة من الله تعالى. وكذلك كل فاعل فعلا يستوجب به العقوبة من الله تعالى فهو ظالم لنفسه بإيجابه العقوبة لها من الله تعالى. وكان الفعل الذي فعلوه فظلموا به أنفسهم، هو ما أخبر الله عنهم: من ارتدادهم باتخاذهم العجل ربا بعد فراق موسى إياهم.

ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم، بالتوبة إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به. وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم.

* *

وقد دللنا فيما مضى على أن معنى"التوبة": الأوبة مما يكرهه الله إلى ما يرضاه من طاعته. [[انظر ما سلف ١: ٥٤٧.]]

* *

فاستجاب القوم لما أمرهم به موسى من التوبة مما ركبوا من ذنوبهم إلى ربهم، على ما أمرهم به، كما:-

٩٣٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن أنه قال في هذه الآية: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ قال: عمدوا إلى الخناجر، فجعل يطعن بعضهم بعضا.

٩٣٥ - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج بن محمد، قال ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهدا قالا قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضا لا يحن رجل على رجل قريب ولا بعيد، [[حن عليه: عطف عليه. وفي ابن كثير ١: ١٦٩"لا يحنو"، وهو مثله في المعنى.]] حتى ألوى موسى بثوبه، [[ألوى بثوبه: لمع به أشار. يأمرهم موسى بالكف عما هم فيه.]] فطرحوا ما بأيديهم، فتكشف عن سبعين ألف قتيل. وإن الله أوحى إلى موسى: أن حسبي فقد اكتفيت! فذلك حين ألوى بثوبه. [[في المطبوعة: "قد اكتفيت، فذلك حين ألوى. . . " وفي المخطوطة"بذلك"، واخترت ما نقله ابن كثير ١: ١٦٩.]]

٩٣٦ - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال موسى لقومه: ﴿توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ . قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل - أن يقتلوا أنفسهم، قال: فاحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، [[في المخطوطة: "فاختبأ الذي عكفوا. . . "، وفي ابن كثير ١: ١٦٩"فأخبر"، وهو خطأ محض. واحتبى بثوبه: ضم رجليه إلى يطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، يشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. وانظر البغوي ١: ١٦٩، فهو دال على صواب ما استظهرته في قراءة الكلمة.]] وقام الذين لم يعكفوا على العجل، وأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، [[أجلى عن كذا: انكشف عنه.]] كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.

٩٣٧ - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما رجع موسى إلى قومه قال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ إلى قوله: ﴿فكذلك ألقى السامري﴾ [طه: ٨٦-٨٧] . فألقى موسى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴿قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] . فترك هارون ومال إلى السامري، ف ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٥-٩٧] ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، [[حرق الحديد بالمبرد حرقا، وحرقه (بتشديد الراء) : برده وحك بعضه ببعض. وكذلك جاء عن ابن إسحاق في تاريخ الطبري ١: ٢٢٠ قال: "سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما كان إحراقه سحلة". والسحل: السحق والحك بالمبرد.]] ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب. فذلك حين يقول: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] . فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى، ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا:"لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين". فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل، إلا بالحال التي كرهوا أن يقاتلهم حين عبدوا العجل، [[في المطبوعة: "أن يقاتلوهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وتاريخ الطبري.]] فقال لهم موسى: ﴿يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ . قال: فصفوا صفين، ثم اجتلدوا بالسيوف. فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل بينهم سبعون ألفا، وحتى دعا موسى وهارون [[في المخطوطة والمطبوعة: " وحتى دعا موسى"، وأثبت ما في التاريخ بحذف واو العطف.]] ربنا هلكت بنو إسرائيل! ربنا البقية البقية! [[البقية: الإبقاء عليهم، يدعوان ربهما أن يبقى بقية، فلا يستأصلهم بقتل أنفسهم.]] ! فأمرهم أن يضعوا السلاح، وتاب عليهم. فكان من قتل شهيدا، ومن بقي كان مكفرا عنه. فذلك قوله: ﴿فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ . [[الأثر: ٩٣٧ - في تاريخ الطبري ١: ٢١٩.]]

٩٣٨ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿باتخاذكم العجل﴾ ، قال: كان موسى أمر قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر، فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده، فتاب الله عليهم.

٩٣٩ - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"باتخاذكم العجل"، قال: كان أمر موسى قومه - عن أمر ربه - أن يقتل بعضهم بعضا، ولا يقتل الرجل أباه ولا أخاه. فبلغ ذلك في ساعة من نهار سبعين ألفا. [[الأثر: ٩٣٩ - سقط هذا الأثر كله من المطبوعة.]]

٩٤٠ - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم﴾ الآية، قال: فصاروا صفين، فجعل يقتل بعضهم بعضا، فبلغ القتلى ما شاء الله، ثم قيل لهم: قد تيب على القاتل والمقتول.

٩٤١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال، لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، [[في المطبوعة: "فتضاربوا" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير ١: ١٧٠. وتضارب الرجلان بسيفيهما واضطربا: تجالدا بالسيف، بمعنى واحد.]] وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه. حتى إذا فتر، أتاه بعضهم فقالوا: يا نبي الله ادع الله لنا. وأخذوا بعضديه يسندون يديه. [[في المطبوعة: "يشدون"، والصواب من المخطوطة وابن كثير. يريد: يسندون يديه وموسى رافع يديه يدعو الله.]] فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدي بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح. وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟، [[في المطبوعة: "لا يحزنك"، والصواب من المخطوطة وابن كثير.]] أما من قتل منكم، فحي عندي يرزق؛ وأما من بقي، فقد قبلت توبته! فبشر بذلك موسى بني إسرائيل [[في المطبوعة وابن كثير: "فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل".]] .

٩٤٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة في قوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ ، قال: قاموا صفين يقتل بعضهم بعضا، [[في المطبوعة: " فقتل بعضهم بعضا:، ليست بشيء.]] حتى قيل لهم كُفوا. قال قتادة: كانت شهادة للمقتول وتوبة للحي.

٩٤٣ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: قام بعضهم إلى بعض، يقتل بعضهم بعضا، ما يترابأ الرجل أخاه ولا أباه ولا ابنه ولا أحدا حتى نزلت التوبة. [[في المطبوعة"ما يتوقى الرجل"، وفي المخطوطة"ما يترانا". ورابأت فلانا: اتقيته واتقاني ومن مادته: "أربأ بك عن كذا". أي أرفعك عنه ولا أرضاه لك. ويقال: "ما عبأت به ولا ربأت": أي ما باليت به ولا حفلت. فقوله: "ما يترابأ" أي ما يبالي الرجل أن يقتل أخاه.]]

قال ابن جريج، وقال ابن عباس: بلغ قتلاهم سبعين ألفا، ثم رفع الله عز وجل عنهم القتل، وتاب عليهم. قال ابن جريج: قاموا صفين فاقتتلوا بينهم، فجعل الله القتل لمن قتل منهم شهادة، وكانت توبة لمن بقي. وكان قتل بعضهم بعضا أن الله علم أن ناسا منهم علموا أن العجل باطل، فلم يمنعهم أن ينكروا عليهم إلا مخافة القتال، فلذلك أمر أن يقتل بعضهم بعضا.

٩٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم، [[في صدر هذا الخبر من التاريخ ١: ٢٢٠ أن إحراق العجل: سحله، كما مضى في ص: ٧٠ تعليق: ١.]] وخرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا - سأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله! فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده. فجلسوا بالأفنية، وأَصْلَتَ عليهم القوم السيوف، [[في المطبوعة: "وسلت القوم عليهم السيوف". وأثبت ما في تاريخ الطبري وابن كثير ١: ١٧٠ وأصلت السيف: جرده من غمده.]] فجعلوا يقتلونهم. وبكى موسى، وبهش إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، [[بهش إليه: أقبل عليه وأسرع إليه، وتهيأ للبكاء.]] فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف. [[الأثر ٩٤٤ - في تاريخ الطبري ١: ٢٢١، وابن كثير ١: ١٧٠، وفي التاريخ وحده: "أن يرفع عنهم السيف".

هذا، وفي النسخة المخطوطة التي اعتمدناها، خرم من عند قوله في هذا الأثر: "سأل ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة" - إلى أن يأتي قوله: " القول في تأويل قوله تعالى: "ثم بعثناكم من بعد موتكم". وهو أول المجلد الثاني من هذه النسخة، وتدل وثيقة الوقف التي كتبت على ظهر هذا المجلد، أن هذه النسخة مجزأة في اثنين وعشرين جزءا.]]

٩٤٥ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما رجع موسى إلى قومه، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا: يا موسى، أما من توبة؟ قال: بلى! ﴿اقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم﴾ الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَة والخناجر والسكاكين. [[اخترط السيف: سله. والجرزة (بكسر الجيم وفتح الزاي) جمع جرز (بضم فسكون) ، وهو عمود من الحديد، سلاح يقاتل به.]] قال: وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضا. قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري، ويتنادون فيها: رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه. [[في المطبوعة: "صبر حتى يبلغ" بحذف"نفسه". والزيادة من ابن كثير ١: ١٧٠]] وقرأ قول الله جل ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] . قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم، وقرأ: ﴿فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ . [[الأثر: ٩٤٥ - في ابن كثير ١: ١٧٠]] .

* *

فالذي ذكرنا -عمن روينا عنه الأخبار التي رويناها- كان توبة القوم من الذنب الذي أتوه فيما بينهم وبين ربهم، بعبادتهم العجل مع ندمهم على ما سلف منهم من ذلك.

* *

وأما معنى قوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ ، فإنه يعني به: ارجعوا إلى طاعة خالقكم، وإلى ما يرضيه عنكم، كما: -

٩٤٦ - حدثني به المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ ، أي: إلى خالقكم.

* *

وهو من"برأ الله الخلق يبرؤه فهو بارئ". و"البرية": الخلق. وهي"فعيلة" بمعنى"مفعولة"، غير أنها لا تهمز. كما لا يهمز"ملك" وهو من"لأك"، لكنه جرى بترك الهمزة كذلك [[انظر ما مضى ١: ٤٤٤ - ٤٤٧.]] قال نابغة بني ذبيان:

إلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحدُدْها عن الفَنَد

[[ديوانه: ٢٩، من قصيدته التي قالها يذكر النعمان ويعتذر إليه، وقبل البيت:

ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد

حَدَدْتُ فلانا عن الشر: منعته وحبسته. والفند: الخطأ في الرأى وفي القول.]]

وقد قيل: إن"البرية" إنما لم تهمز لأنها"فعيلة" من"البَرَى"، والبَرَى: التراب. فكأن تأويله على قول من تأوله كذلك أنه مخلوق من التراب.

* *

وقال بعضهم: إنما أخذت"البرية" من قولك"بريت العود". فلذلك لم يهمز.

* *

قال أبو جعفر: وترك الهمز من"بارئكم" جائز، والإبدال منها جائز. فإذ كان ذلك جائزا في"باريكم" فغير مستنكر أن تكون"البرية" من:"برى الله الخلق" بترك الهمزة.

* *

وأما قوله: ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ ، فإنه يعني بذلك: توبتكم بقتلكم أنفسكم وطاعتكم ربكم، خير لكم عند بارئكم، لأنكم تنجون بذلك من عقاب الله في الآخرة على ذنبكم، وتستوجبون به الثواب منه.

* *

وقوله: ﴿فتاب عليكم﴾ ، أي: بما فعلتم مما أمركم به من قتل بعضكم بعضا. وهذا من المحذوف الذي استغني بالظاهر منه عن المتروك. لأن معنى الكلام: فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتبتم، فتاب عليكم. فترك ذكر قوله:"فتبتم"، إذ كان في قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ دلالة بينة على اقتضاء الكلام"فتبتم".

* *

ويعني بقوله: ﴿فتاب عيكم﴾ رَجَعَ لكم ربكم إلى ما أحببتم: من العفو عن ذنوبكم وعظيم ما ركبتم، والصفح عن جرمكم، ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ يعني: الراجع لمن أناب إليه بطاعته إلى ما يحب من العفو عنه. ويعني ب"الرحيم"، العائد إليه برحمته المنجية من عقوبته.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾

قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: واذكروا أيضا إذ قلتم: يا موسى لن نصدقك ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله جهرة - عِيانا برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتى ننظر إليه بأبصارنا، كما تجهر الرَّكيَّة، وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين، فنُقِّي ما قد غطاه حتى ظهر الماء وصفا. يقال منه: [[هذا نص كلام الأخفش (اللسان جهر) . وفي المطبوعة"فنفى ما قد غطاه"، ولا بأس بها، ولكني أثبت ما في اللسان.]] "قد جَهَرْتُ الركية أجهرها جهرا وجهرة". [[قوله"وجهرة"، مصدر لم أجده في اللسان ولا في غيره.]] ولذلك قيل:"قد جاهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا"، [[في المطبوعة: "جهر فلان بهذا الأمر مجاهرة وجهارا"، وليس حسنا أن يقال كذلك. فإن"مجاهرة" لا تكون مصدر"جهر" ألبتة، وإن جاز أن يكون"جهار" مصدرا له كما في اللسان: "جهر بكلامه يجهر جهرا وجهارا". فمن أجل ذلك آثرت أن أضع مكان"جهر""جاهر"، حتى يستقيم على الجادة.]] " إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالب:

من اللائي يظل الألف منه ... منيخًا من مخافته جهارا

[[ديوانه: ٤٤٣، والنقائض: ٢٥٥، يهجو جريرا، وقبل البيت:

عوى، فأثار أغلب ضيغميا ... فويل ابن المراغة! ما استثارا؟

قوله"عوى" يعني جريرا. وقوله"من اللائي"، أصله: من اللائين. و"اللاؤون" جمع"الذي" من غير لفظه، بمعنى"الذين". وفيه لغات: اللاؤون، في الرفع، واللائين، في الخفض والنصب. واللاؤو، بلانون، واللائي، بإثبات الياء في كل حال. يستوى فيه الرجال والنساء، ومنه قول عباد بن طهفة، وهو أبو الربيس، شاعر أموي:

من النفر اللائي الذين إذا همو ... يهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا

وأجاز أبو الربيس أن يجمع بين"اللائي" و"الذين"، لاختلاف اللفظين، أو على إلغاء أحدهما. قول الفرزدق:"من اللائي"، يعني: من الذين. ثم قطع القول وحذف، لدلالة الكلام على ما أراد، كأنه قال: هو من الذين عرفت يا جرير. ثم استأنف فقال: يظل الألف منه..، والضمير في"منه" عائد إلى قوله:"أغلب ضيغميا"، هو الأسد، ويعني نفسه. والألف: يعني ألف رجل. وقوله:"منيخا": أي قد أناخ"الألف" ركابهم من مخافته، وقد قطع عليهم الطريق.

هذا، ورواية النقائض والديوان:"نهارا" مكان"جهارا" جاء تفسيرها في النقائض:"قال: نهارا، ولم يقل: ليلا، لأن الأسد أكثر شجاعته وقوته بالليل.

فيقول: هذا الأسد يظل الألف منه منيخا بالنهار، فكيف بالليل! ". رواية الطبري:"جهارا" قريبة المعنى من رواية من روى"نهارا". وهم يقولون: لقيته جهارا نهارا. لأن النهار يكشف كل شيء ويعلنه ويجهره. أي أناخوا يرونه وهم يرونه رأى العين، وذلك في النهار.]]

٩٤٧ - وكما حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ﴿حتى نرى الله جهرة﴾ ، قال: علانية.

٩٤٨ - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: ﴿حتى نرى الله جهرة﴾ يقول: عيانا.

٩٤٩ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿حتى نرى الله جهرة﴾ ، حتى يطلع إلينا.

٩٥٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿حتى نرى الله جهرة﴾ ، أي عيانا.

فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعز وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، [[ثلجت نفسه بالشيء (بكسر اللام) تثلج وتثلج (بفتح اللام وضمها) ثلوجا: اشتفت واطمأنت وسكنت إليه، ووثقت به.]] وتطمئن بالتصديق معها النفوس. وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم، [[مضى في ص: ٥٨ التعليق على مثل هذه الكلمة، وكانت في المخطوطة: "شيوع آلائه لديهم". وسبوغ النعمة: كمالها وتمامها واتساعها. ولا أزال أستحسن أن تكون هنا"شيوع"، لقوله"لديهم"، فأما إن قال"وسبوغ النعم عليهم"، كما سيأتي في آخر هذه الفقرة، فهي"سبوغ"ولا شك.]] وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله. ومرة يعبدون العجل من دون الله. ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة. وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ومرة يقال لهم: قولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم. فيقولون: حنطة في شعيرة! ويدخلون الباب من قبل أستاههم، مع غير ذلك من أفعالهم التي آذوا بها نبيهم عليه السلام، التي يكثر إحصاؤها.

فأعلم ربنا تبارك وتعالى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بني إسرائيل، الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله ﷺ، أنهم لن يعدوا أن يكونوا -في تكذيبهم محمدا ﷺ، وجحودهم نبوته، وتركهم الإقرار به وبما جاء به، مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره- كأسلافهم وآبائهم الذين فصّل عليهم ققَصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتوثبهم على نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه تارة بعد أخرى، مع عظيم بلاء الله جل وعز عندهم، وسبوغ آلائه عليهم. [[انظر التعليق السالف: ٧٧ تعليق: ٢]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ﴾

اختلف أهل التأويل في صفة الصاعقة التي أخذتهم. فقال بعضهم بما: -

٩٥١ - حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ ، قال: ماتوا.

٩٥٢ - وحدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ قال: سمعوا صوتا فصَعِقوا، يقول: فماتوا.

* *

وقال آخرون بما: -

٩٥٣ - حدثني موسى بن هارون الهمداني قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ ، والصاعقة: نار.

* *

وقال آخرون بما: -

٩٥٤ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: أخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعا.

* *

وأصل"الصاعقة" كل أمر هائل رآه [المرء] أو عاينه أو أصابه - [[الزيادة بين القوسين من عندي. ليستقيم بها الكلام.]] حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، [[قوله"غمور فهم" لم أجد هذا المصدر في كتب اللغة. وكأنه مصدر غمر عليه (بالبناء للمجهول) : أغمى عليه. وفي الحديث أنه أول ما اشتكي بأبي وأمي ﷺ - في بيت ميمونة، اشتد مرضه حتى غمر عليه - أي: أغمى عليه، حتى كأنه غطى على عقله وستر، من قولهم: غمرت الشيء: إذا سترته، وغشي عليه وأغمي عليه من معنى الستر أيضًا (اللسان، الفائق) .]] أو فقد بعض آلات الجسم - صوتا كان ذلك أو نارا، أو زلزلة، أو رجفا. ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قول الله عز وجل: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، يعني مغشيا عليه، ومنه قول جرير بن عطية:

وهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا [[ديوانه: ٢٨١، والنقائض: ٢٥١ وبعده في هجاء الفرزدق، وهو من أشده:

وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بِخَزْيَةٍ وتركت عارا

وما أشد ما قال! وقال في النقائض في شرح البيت: "ولغته - يعني جريرا - الصواقع. فاستدار: أي استدار إنسانا بعد أن كان قردا". وكأنه أخطأ المعنى، فإنه أراد أنه مسخ قردا على هيئته التي كان عليها قبل أن يكون إنسانا. فقوله: "استدار": عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومن ذلك قوله ﷺ في حجة الوداع: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أي عاد كما بدأ. فهو يقول: كان الفرزدق في أصل نشأته قردا، ثم تحول إنسانا، فلما أصابته صواعق شعري عاد كما كان في أصل نشأته قردا صريحا.]]

فقد علم أن موسى لم يكن -حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله جل وعز أخبر عنه أنه لما أفاق قال: ﴿تبت إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]- ولا شبه جرير الفرزدق وهو حي بالقرد ميتا. ولكن معنى ذلك ما وصفنا.

* *

ويعني بقوله: ﴿وأنتم تنظرون﴾ ، وأنتم تنظرون إلى الصاعقة التي أصابتكم، يقول: أخذتكم الصاعقة عيانا جهارا وأنتم تنظرون إليها.

القول في تأويل قوله تعالى [[عند هذا انتهى الخرم الذي ذكرناه في ص: ٧٧ وبدأنا المخطوطة.]] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) ﴾

يعني بقوله: ﴿ثم بعثناكم﴾ ثم أحييناكم.

* *

وأصل"البعث" إثارة الشيء من محله. ومنه قيل:"بعث فلان راحلته" إذا أثارها من مبركها للسير، كما قال الشاعر:

فأبعثها وهيَّ صنيعُ حول ... كركن الرَّعنِ، ذِعْلِبَةً وَقاحا [[لم أجد البيت في مكان. وقوله: "هي" بتشديد الياء، وهي لغة همدان، يشددون الواو من"هو" كقول القائل.

وإن لساني شُهدة يشتفى بها ... وهوَّ، على من صبه الله، علقم

ويشدد الياء من"هي" كقول القائل:

والنفس ما أمرت بالعنف آبيه ... وهي - إن أمرت باللطف تأتمر

والضمير في"أبعثها"إلى ناقته. وقوله:"صنيع حول" أي قد رعت حولا - عاما - حتى سمنت وقويت. يقال صنع فرسه صنعا وصنعة، فهو فرس صنيع، والأنثى بغير هاء: إذا أحسن القيام عليه فغذاه وعلفه وسمنه. وكل ما تعهدته حتى جاد فهو صنيع. والرعن: الأنف العظيم من الجبل تراه متقدما. شبه ناقته في جلالها وقوتها بركن الجبل. ذعلبة: ناقة سريعة باقية على السير. وقاح: صلبة صبور، الذكر والأنثى سواء.]] و"الرعن": منقطع أنف الجبل، و"الذعلبة": الخفيفة، و"الوقاح": الشديدة الحافر أو الخف. ومن ذلك قيل:"بعثت فلانا لحاجتي"، إذا أقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها. ومن ذلك قيل ليوم القيامة:"يوم البعث"، لأنه يوم يثار الناس فيه من قبورهم لموقف الحساب.

* *

يعني بقوله: ﴿من بعد موتكم﴾ ، من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم.

* *

وقوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، بإحيائي إياكم، استبقاء مني لكم، لتراجعوا التوبة من عظيم ذنبكم، بعد إحلالي العقوبة بكم بالصاعقة التي أحللتها بكم، فأماتتكم بعظيم خطئكم الذي كان منكم فيما بينكم وبين ربكم.

وهذا القول على تأويل من تأول قوله قول: ﴿ثم بعثناكم﴾ ثم أحييناكم.

* *

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ثم بعثناكم﴾ ، أي بعثناكم أنبياء.

٩٥٥ - حدثني بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط عن السدي.

* *

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام على ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة، ثم أحييناكم من بعد موتكم، وأنتم تنظرون إلى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ثم بعثناكم أنبياء لعلكم تشكرون.

وزعم السدي أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم.

٩٥٦ - حدثنا بذلك موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي.

وهذا تأويل يدل ظاهر التلاوة على خلافه، مع إجماع أهل التأويل على تخطئته. والواجب على تأويل السدي الذي حكيناه عنه، أن يكون معنى قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ ، تشكروني على تصييري إياكم أنبياء.

* *

وكان سبب قيلهم لموسى ما أخبر الله جل وعز عنهم أنهم قالوا له، من قولهم: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ، ما:-

٩٥٧ - حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق قال: لما رجع موسى إلى قومه، ورأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، [[في المخطوطة: "وذراه في البحر".]] اختار موسى منهم سبعين رجلا الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا إلى الله عز وجل، فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم؛ صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون -فيما ذكر لي- حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا للقاء ربه: [[في المطبوعة: " للقاء الله"، وأثبت ما في المخطوطة وتاريخ الطبري. وفي المخطوطة بعد قوله: "ربه": "لموسى"، وأما التاريخ، فلم يذكر"يا موسى"، ولا"لموسى".]] يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، [[في المطبوعة: "لنسمع كلام. . " وفي التاريخ: "اطلب لنا نسمع كلام ربنا" بحذف"إلى ربك".]] قال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود غمام حتى تغشى الجبل كله، [[في المطبوعة: "وقع عليه الغمام"، وفي التاريخ: "وقع عليه عمود الغمام".]] ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه. فضرب دونه الحجاب. ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام. [[في المطبوعة: "فلما فرغ من أمره"، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ. وفيها أيضًا: "وانكشف"بزيادة الواو، وهو خطأ.]] فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ، فأخذتهم الرجفة -وهي الصاعقة-[فافتلتت أرواحهم] فماتوا جميعا. [[الذي بين القوسين زيادة من تاريخ الطبري، وهي هناك: "فانفلتت أرواحهم"، والصواب ما أثبته. يقال: "افتلتت نفسه" (بالبناء للمجهول) ، مات فلتة، أي بغتة، وفي الحديث: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي افتلتت نفسها، فماتت ولم توص، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم.]] وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي! قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منا؟ [[في التاريخ: "قد سفهوا، فيهلك من ورائي. . . إن هذا لهم هلاك"، بحذف"أي".]] -أي: إن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد! فما الذي يصدقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إنا هدنا إليك﴾ . فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه، [[قوله: "ويسأله" ليست في المطبوعة.]] حتى رد إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. [[الأثر: ٩٥٧ - في تاريخ الطبري ١: ٢٢٠ - ٢٢١.]] .

٩٥٨ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به، أمر الله تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بنى إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدا، فاختار موسى قومه سبعين رجلا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا. فلما أتوا ذلك المكان قالوا:"لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة"، فإنك قد كلمته فأرناه: فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [إلى قوله] ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥-١٥٦] . [يقول تبنا إليك] . [[الزيادة التي بين الأقواس من تاريخ الطبري، والأولى منهما زيادة لا بد منها.]] وذلك قوله: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة﴾ . ثم إن الله جل ثناؤه أحياهم فقاموا وعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء! فدعا الله تعالى فجعلهم أنبياء، فذلك قوله: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ ، ولكنه قدم حرفا وأخر حرفا. [[الأثر: ٩٥٨ في تاريخ الطبري ١: ٢٢١. وقوله: "قدم حرفا وأخر حرفا"، هو ما ذكره في تأويل الآية على ما ذهب إليه السدي (ص: ٨٥) "فأخذتكم الصاعقة، ثم أحييناكم. .)]]

٩٥٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قال لهم موسى لما - رجع من عند ربه بالألواح، قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم -، [[في المطبوعة: "فقال: إن هذه الألواح. . "]] : إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذي أمركم به، ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت! لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا [[في المطبوعة: "يطلع الله علينا".]] فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، [[في المطبوعة: "كما يكلمك أنت". وسيأتي على الصواب في رقم: ١١١٥.]] فيقول: هذا كتابي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ، قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ . فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيينا. قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله تعالى ملائكة فنتقت الجبل فوقهم. [[الأثر: ٩٥٩ - سيأتي أيضًا رقم: ١١١٥، وفيه تمام الخبر نتقوا الجبل: اقتلعوه من أصله ورفعوه فوقهم.]]

٩٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ ، قال: أخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله تعالى ليكملوا بقية آجالهم.

٩٦١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾ ، قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاما، فقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ . قال: فسمعوا صوتا فصعقوا - يقول: ماتوا - فذلك قوله: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ ، فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم.

* *

فهذا ما روي في السبب الذي من أجله قالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ولا خبر عندنا بصحة شيء مما قاله من ذكرنا قوله في سبب قيلهم ذلك لموسى، تقوم به حجة فيسلم له. [[في المطبوعة: "فسلم لهم"، وهو خطأ وتعبير فاسد. وإنما أراد التسليم للخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ. وهذا الذي قاله الطبري دليل على صحة ما ذكرنا من أنه لم يستدل بهذه الأخبار إلا للبيان عن بعض المعاني، وإن كانت لا تقوم بها الحجة في التفسير، كما قلنا في التذكرة التي كتبناها في الجزء الأول: ٤٥٣ - ٤٥٤. وانظر بقية كلام الطبري في هذه الفقرة. فإنه كلام بليغ الدلالة، مفيد في معرفة أسلوب الطبري في تفسيره.]] وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذ كان لا خبر بذلك تقوم به حجة، فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ، كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنما أخبر الله عز وجل بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، توبيخا لهم في كفرهم بمحمد ﷺ، وقد قامت حجته على من احتج به عليه، ولا حاجة لمن انتهت إليه إلى معرفة السبب الداعي لهم إلى قيل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقا كما قال.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾

﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ عطف على قوله: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ . فتأويل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم، وظللنا عليكم الغمام - وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم - لعلكم تشكرون.

* *

و"الغمام" جمع"غمامة"، كما السحاب جمع سحابة،"والغمام" هو ما غم السماء فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين. وكل مغطى فالعرب تسميه مغموما. [[في المطبوعة: "فإن العرب تسميه".]]

* *

وقد قيل: إن الغمام التي ظللها الله على بني إسرائيل لم تكن سحابا.

٩٦٢ - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ، قال: ليس بالسحاب.

٩٦٣ - وحدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ، قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، لم يكن إلا لهم. [[الأثر ٩٦٣ - في المخطوطة، ساق هذا الأثر إلى قوله"قال: ليس بالسحاب" ثم قال بعده ما نصه: "وبإسناده عن مجاهد قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي. . . " إلى آخر الخبر.]]

٩٦٤ - وحدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ، قال: هو بمنزلة السحاب.

٩٦٥ - وحدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: (وظللنا عليكم الغمام) ، قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله عز وجل فيه يوم القيامة في قوله: [[في المخطوطة: "فيه في قوله" بحذف"يوم القيامة".]] ﴿في ظلل من الغمام﴾ [البقرة: ٢١٠] ، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التيه. [[الضمير في قوله: "وكان"، للغمام.]]

* *

وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا، مما غم السماء من شيء يغطى وجهها عن الناظر إليها، [[في المطبوعة: "فغطى وجهها" وتلك أجود.]] فليس الذي ظلله الله عز وجل على بني إسرائيل - فوصفه بأنه كان غماما - بأولى، بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابا، منه بأن يكون غير ذلك مما ألبس وجه السماء من شيء.

* *

وقد قيل: إنه ما ابيض من السحاب.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾

اختلف أهل التأويل في صفة"المن". فقال بعضهم بما: -

٩٦٦ - حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿وأنزلنا عليكم المن﴾ ، قال: المن صمغة.

٩٦٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

٩٦٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ ، يقول: كان المن ينزل عليهم مثل الثلج.

* *

وقال آخرون: هو شراب.

ذكر من قال ذلك:

٩٦٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: المن، شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه.

* *

وقال آخرون:"المن"، عسل.

ذكر من قال ذلك:

٩٧٠ - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: المن: عسل كان ينزل لهم من السماء.

٩٧١ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءا من المن.

* *

وقال آخرون:"المن" الخبز الرقاق. [[في المطبوعة: "خبز الرقاق". خبز رقاق رقيق، كطويل وطوال، صفة. وهو خبز منبسط رقيق.]]

ذكر من قال ذلك:

٩٧٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما المن؟ قال: خبز الرقاق،، مثل الذرة، ومثل النقي. [[الأثر: ٩٧٢ - بعض أثر سيأتي برقم: ٩٩٥. وفي المخطوطة: "من الذرة"، وفي ابن كثير كما في المطبوعة، وسيأتي كذلك في رقم: ٩٩٥.]]

* *

وقال آخرون:"المن"، الزنجبيل. [[في المطبوعة"الترنجبين"، وكذلك في البغوي"الترنجبين". وفي تاج العروس: "الترنجبين". بالضم، هو المن المذكور في القرآن". وسيأتي ذلك بعد رقم: ٩٧٧، وهو هنا"الزنجيل" كما في ابن كثير، والمخطوطة. وانظر لسان العرب: (منن) .]]

ذكر من قال ذلك:

٩٧٣ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: المن كان يسقط على شجر الزنجبيل [[في المطبوعة"شجر الترنجبين".]]

* *

وقال آخرون:"المن"، هو الذي يسقط على الشجر الذي يأكله الناس.

ذكر من قال ذلك:

٩٧٤ - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثتي حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: كان المن ينزل على شجرهم، فيغدون عليه، فيأكلون منه ما شاءوا. [[الأثر: ٩٧٤ - هو في المخطوطة بعد رقم: ٩٧٦.]] .

٩٧٥ - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر في قوله: ﴿وأنزلنا عليكم المن﴾ ، قال: المن: الذي يقع على الشجر.

٩٧٦ - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿المن﴾ ، قال: المن الذي يسقط من السماء على الشجر فتأكله الناس.

٩٧٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر قال: المن، هذا الذي يقع على الشجر.

* *

وقد قيل. إن"المن"، هو الترنجبين.

* *

وقال بعضهم:"المن"، هو الذي يسقط على الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى -ميمون بن قيس- بقوله:

لو أُطعِموا المن والسلوى مكانَهمُ ... ما أبصر الناس طُعما فيهمُ نجعا [[ديوانه: ٨٧ من قصيدة طويلة، يذكر فيها ذا التاج هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وكانت بنو تميم قد وثبت على مال وطرف كانت تساق إلى كسرى، فأوقع بهم المكعبر الفارسي، والي كسرى على البحرين، وأدخلهم المشقر - وهو حصن بالبحرين - بخديعة خدعهم بها، فقتل رجالهم واستبقى الغلمان. وكلم هوذة بن علي المكعبر يومئذ في مائة من أسرى بني تميم، فوهبهم له يوم الفصح، فأعتقهم، فقال الأعشى، يذكر ما كان من قبل هوذة في بني تميم:

سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا

وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثَمَّ ممتنعا

لو أُطعموا المن. . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فوصف بني تميم بالكفر لنعمته (تاريخ الطبري ٢: ١٣٢ - ١٣٤) . والطعم: ما أكل من الطعام. ونجع الطعام في الإنسان: هنا أكله وتبينت تنميته، واستمرأه وصلح عليه.]]

وتظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه ﷺ قال:

٩٧٨ -"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". [[الحديث: ٩٧٨ - هكذا رواه الطبري دون إسناد. وقد صدق في أنه تظاهرت به الأخبار. فقد رواه أحمد والشيخان والترمذي، من حديث سعيد بن زيد. ورواه أيضًا أحمد والشيخان وابن ماجه، من حديث أبي سعيد وجابر. ورواه أبو نعيم في الطب، من حديث ابن عباس وعائشة. انظر مثلا، المسند: ١٦٢٥، ١٦٢٦. والجامع الصغير: ٦٤٦٣. وزاد المعاد لابن القيم ٣: ٣٨٣. وتفسير ابن كثير ١: ١٧٤ - ١٧٦، وقد ساق كثيرا من طرقه.]]

وقال بعضهم:"المن"، شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه.

* *

وأما أمية بن أبي الصلت، فإنه جعله في شعره عسلا فقال يصف أمرهم في التيه وما رزقوا فيه:

فرأى الله أنهم بمَضِيعٍ ... لا بذي مَزْرعٍ ولا معمورا [[ديوانه: ٣٤ - ٣٥. في الأصول والديوان. "ولا مثمورا". مضيع: بموضع ضياع وهوان وهلاك. يقال: هو بدار مضيعة (بفتح الميم وكسر الضاد) ، كأنه فيها ضائع. وهو مفعلة، وطرح التاء منها كما يقولون: المنزل والمنزلة. ومزرع: مصدر ميمي من"زرع" يعني ليس بذي زرع، ومعمور: أي آهل ذهب خرابه. ونصب"ولا معمورا"، عطفا على محل"بذي مزرع"، وهو نصب. وآثرت هذه الكلمة، لأنها هي التي تتفق مع سياقه الشعر، ولأن التحريف في"معمور" و"مثمور" سهل، ولما سترى في شرح البيت الثالث.]]

فَنَساها عليهم غاديات، ... ومرى مزنهم خلايا وخورا [[في المطبوعة: "فعفاها" وفي المخطوطة: "فسناها"، وفي الديوان"فعفاها" ولا معنى لشيء منها، فاستظهرت أن أقرأها من المخطوط"فنساها"، أصلها"فنسأها" مهموزة، كما قالوا: برأ الله الخلق وبراهم بطرح الهمزة. ونسأ الدابة رالإبل ينسؤها نسأ: زجرها وساقها. يقول: ساق عليهم السحاب. غاديات جمع غادية: وهي السحابة التي تنشأ غدوة. ومرى الناقة مريا: مسح ضرعها لتدر. والمزن جمع مزنة: وهي السحابة ذات الماء. وخلايا جمع خلية: وهي الناقة التي خليت للحلب لكرمها وغزارة لبنها. الخور": إبل حمر إلى الغبرة، رقيقات الجلود، طوال الأوبار، لها شعر ينفذ وبرها، وهي أطول من سائر الوبر، فإذا كانت فهي غزار كثيرة اللبن. شبه السحاب الغزير الماء بهذين الضربين من النوق الغزيرة اللبن، يحلب مطرها عليهم حلبا، ثم فصل في البيت التالي أنواع ما نزل عليهم من السماء.]] عسلا ناطِفا وماء فراتا ... وحليبا ذا بهجة مثمورا [[ناطف، من نطف ينطف: قطر. وهو مشروح بعد - أي يقطر من السماء. والفرات: أشد الماء عذوبة. ووصف اللبن بأنه ذو بهجة. وهي الحسن والنضارة، لأنه لم يؤخذ زبده، فيرق، وتذهب لمعة الزبد منه، فاستعار البهجة لذلك. أما قوله: "مثمورا"، فهي في المطبوعة "ممرورا"، وفي المخطوطة في الصلب كانت تقرأ "مثمورا" ثم لعب فيها قلم الناسخ في الثاء والميم، ثم كتب هو نفسه في الهامش: "مزمورا"، ثم شرح في طرف الصفحة فقال: "المزمور: الصافي من اللبن". وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة، وقد رأيت أنه كتب في البيت الأول"مثمورا"، ورجحت أن صوابها"معمورا"، ورجحت في هذا البيت أن يكون اختلط عليه حين كتب"مثمورا" فعاد فجعلها"مزمورا".

ولم أجد"مثمورا" في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمير والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدا، وما دامت صغارا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأنه قال: "مثمورا" ويعني"ثميرا"، لأن فعيلا بمعنى مفعول هنا.]]

المثمور: الصافي من اللبن [[كانت في المطبوعة"الممرور"، وقد ذكرت في التعليقة، أنها بهامش المخطوطة"المزمور".]] . فجعل المن الذي كان ينزل عليهم عسلا ناطفا، والناطف: هو القاطر. [[قوله: "فجعل المن. . . " إلى آخر الجملة ليس في المخطوطة.]] .

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَالسَّلْوَى﴾

قال أبو جعفر: و"السلوى" اسم طائر يشبه السُّمانَى، واحده وجِماعه بلفظ واحد، كذلك السماني لفظ جماعها وواحدها سواء. وقد قيل: إن واحدة السلوى سلواة.

ذكر من قال ذلك:

٩٧٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: السلوى طير يشبه السُّمانى. [[الأثر: ٩٧٨ - اقتصر في المخطوطة على بعض هذا الإسناد، إلى قوله: عن السدي"، وأسقط الباقي، وهو الإسناد الدائر في تفسيره، فكأن كل إسناد وقف على السدي، هو هذا الإسناد، ثم اجتزأ ببعضه عن جميعه، كما مضى آنفًا، وكما سيأتي بعد.]] .

٩٨٠ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان طيرا أكبر من السمانى.

٩٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: السلوى: طائر كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب.

٩٨٢ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: السلوى: طائر.

٩٨٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: السلوى طير.

٩٨٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال: سمعت وهبا - وسئل: ما السلوى؟ فقال: طير سمين مثل الحمام. [[الأثر ٩٨٤ - بعض أثر سيأتي برقم: ٩٩٥.]]

٩٨٥ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: السلوى طير.

٩٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: السلوى كان طيرا يأتيهم مثل السمانى.

٩٨٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر، قال: السلوى السمانى.

٩٨٨ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: السلوى، هو السمانى.

٩٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، أخبرنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن مجالد، عن عامر قال: السلوى السمانى.

٩٩٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن الضحاك قال: السمانى هو السلوى.

* *

فإن قال قائل: وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام، وإنزاله المن والسلوى على هؤلاء القوم؟

قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك. ونحن ذاكرون ما حضرنا منه: -

٩٩١ - فحدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما تاب الله على قوم موسى، [[في المخطوطة: "على موسى" بحذف"قوم".]] وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، [[في المطبوعة: "بالمسير"، وهما سواء.]] وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. فكان من أمرهم وأمر الجبارين وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه. [[هذا اختصار، وتفصيله في التاريخ في موضعه، كما سيأتي في موضعه من ذكره مراجعه.]]

فقال قوم موسى لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ . فغضب موسى فدعا عليهم فقال: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ . فكانت عَجْلَةً من موسى عجلها، فقال الله تعالى: ﴿إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ . فلما ضرب عليهم التيه، ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم، أوحى الله إليه: أن لا تأس على القوم الفاسقين - أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين - فلم يحزن، فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا؟ أين الطعام؟ فأنزل ألله عليهم المن - فكان يسقط على شجر الترنجبين [[في المخطوطة وحدها: "الزنجبيل". وانظر ما مضى: ٩٢.]] - والسلوى = وهو طير يشبه السمانى = فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، إن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه. فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين. فقالوا: هذا الطعام والشراب؟ فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام. فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان، ولا يتخرق لهم ثوب، فذلك قوله: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ . [البقرة: ٦٠] [[الأثر: ٩٩١ - في تاريخ الطبري ١: ٢٢١ - ٢٢٢.]]

٩٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما تاب الله عز وجل على بني إسرائيل، وأمر موسى أن يرفع عنهم السيف من عبادة العجل، أمر موسى أن يسير بهم إلى الأرض المقدسة، [[في المخطوطة: "أن يسبق بهم"، وأراد الناسخ أن يصححها في الهامش، فكتب"-" ولم يتمها.]] وقال: إني قد كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا فاخرج إليها، وجاهد من فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم. فسار بهم موسى إلى الأرض المقدسة بأمر الله عز وجل. حتى إذا نزل التيه -بين مصر والشام، وهي أرض ليس فيها خَمَر ولا ظل [[الخمر (بفتحتين) : كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره.]] - دعا موسى ربه حين آذاهم الحر، فظلل عليهم بالغمام؛ ودعا لهم بالرزق، فأنزل الله لهم المن والسلوى.

٩٩٣ - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس -

٩٩٤ - وحدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع [[هذا الإسناد الثاني ساقط من المخطوطة.]] قوله: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ ، قال: ظلل عليهم الغمام في التيه، تاهوا في خمسة فراسخ أو ستة، [[في المخطوطة: "فإذا هو في قدر" مصفحة، وانظر تفسير الطبري ٦: ١١٦ - ١١٧، ١١٩ (بولاق) وقوله: "قدر" ليست في المطبوعة.]] كلما أصبحوا ساروا غادين، فأمسوا فإذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه. فكانوا كذلك حتى مرت أربعون سنة. [[في المخطوطة: "حتى قمرت أربعين سنة" محرفا.]] قال: وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى، ولا تبلى ثيابهم. ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.

٩٩٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد قال، سمعت وهبا يقول: إن بني إسرائيل -لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض- شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتيكم بما تأكلون. قالوا: من أين لنا؟ إلا أن يمطر علينا خبزا! قال: إن الله عز وجل سينزل عليكم خبزا مخبوزا. فكان ينزل عليهم المن - سئل وهب: ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقيّ - [[هذه الجملة سلفت في الأثر رقم: ٩٧٢]] قالوا: وما نأتدم؟ وهل بد لنا من لحم؟ قال: فإن الله يأتيكم به. فقالوا: من أين لنا؟ إلا أن تأتينا به الريح! قال: فإن الريح تأتيكم به. فكانت الريح تأتيهم بالسلوى - فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: طير سمين مثل الحمام، [[هذه الجملة سلفت في الأثر رقم: ٩٨٤]] كانت تأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت - [[في المطبوعة: "من السبت إلى السبت".]] قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يخلق لأحد منكم ثوب أربعين سنة. قالوا: فما نحتذي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة. [[الشسع: أحد سيور النعل الذي يدخل بين الإصبعين]] قالوا: فإن يولد فينا أولاد، فما نكسوهم؟ [[في المطبوعة: "فإن فينا أولادا".]] قال: ثوب الصغير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به الله. قالوا: فمن أين؟ إلا أن يخرج لنا من الحجر! فأمر الله تبارك وتعالى موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فما نبصر! تغشانا الظلمة! [[في المطبوعة: "فبم نبصر".]] فضرب لهم عمودا من نور في وسط عسكرهم، أضاء عسكرهم كله، قالوا: فبم نستظل؟ فإن الشمس علينا شديده! قال: يظلكم الله بالغمام. [[الأثر: ٩٩٥ - إسحاق: هو ابن راهويه الإمام الكبير. إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل ابن منبه الصنعاني: ثقة، مترجم في التهذيب، ترجمة البخاري ١ /١ /٣٦٧، وابن أبي حاتم ١ / ١ /١٨٧. وهو يروي هنا عن عمه: عبد الصمد بن معقل بن منبه، وهو ثقة أيضًا، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣ / ١ /٥٠. وعبد الصمد يروى عن عمه: وهب بن منبه، هذا الأثر.]] .

٩٩٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، فذكر نحو حديث موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي.

٩٩٧ - حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: قال عبد الله بن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن. [[درن الثوب يدرن درنا فهو درن وأدرن: تلطخ بالوسخ.]] قال، وقال ابن جريج: إن أخذ الرجل من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت، فلا يصبح فاسدا.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾

وهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن تأويل الآية: وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى، وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله:"وقلنا لكم"، لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه. وعنى جل ذكره بقوله: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ : كلوا من شهيات رزقنا الذي رزقناكموه. [[في المطبوعة: "من مشهيات"، ليست بشيء.]] وقد قيل عنى بقوله: ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ : من حلاله الذي أبحناه لكم فجعلناه لكم رزقا.

والأول من القولين أولى بالتأويل، لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك ب"الطيب"، الذي هو بمعنى اللذة، أحرى من وصفه بأنه حلال مباح.

و"ما" التي مع"رزقناكم"، بمعنى"الذي". كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) ﴾

وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم. فخالفوا ما أمرناهم به وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم، و"ما ظلمونا"، فاكتفى بما ظهر عما ترك.

وقوله: ﴿وما ظلمونا﴾ يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

ويعني بقوله: ﴿وما ظلمونا﴾ ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها. كما: -

٩٩٩ - حدثنا عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ قال: يضرون.

* *

وقد دللنا فيما مضى، على أن أصل"الظلم": وضع الشيء في غير موضعه - بما فيه الكفاية، فأغنى ذلك عن إعادته. [[انظر ما مضى ١: ٥٢٣ - ٥٢٤، وهذا الجزء ٢: ٦٩.]]

* *

وكذلك ربنا جل ذكره، لا تضره معصية عاص، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم، وحظها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾

و"القرية" -التي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخلوها، فيأكلوا منها رغدا حيث شاءوا- فيما ذكر لنا: بيت المقدس * ذكر الرواية بذلك:

٩٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أنبأنا عبد الرزاق قال، أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ ، قال: بيت المقدس.

١٠٠٠ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ أما القرية، فقرية بيت المقدس.

١٠٠١ - حُدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ ، يعني بيت المقدس.

١٠٠٢ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال: سألته -يعني ابن زيد- عن قوله: ﴿ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم﴾ قال: هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾

يعني بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتم عيشا هنيا واسعا بغير حساب. وقد بينا معنى"الرغد" فيما مضى من كتابنا، وذكرنا أقوال أهل التأويل فيه. [[انظر ما مضى ١: ٥١٥ - ٥١٦.]]

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾

أما "الباب" الذي أمروا أن يدخلوه، فإنه قيل: هو باب الحطة من بيت المقدس.

ذكر من قال ذلك:

١٠٠٣ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ قال: باب الحطة، من باب إيلياء، من بيت المقدس.

١٠٠٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

١٠٠٥ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ ، أما الباب فباب من أبواب بيت المقدس.

١٠٠٦ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ أنه أحد أبواب بيت المقدس، وهو يدعى باب حطة. وأما قوله: ﴿سجدا﴾ فإن ابن عباس كان يتأوله بمعنى الركع.

١٠٠٧ - حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ ، قال: ركعا من باب صغير.

١٠٠٨ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ ، قال: أمروا أن يدخلوا ركعا.

* *

قال أبو جعفر: وأصل"السجود" الانحناء لمن سُجد له معظَّما بذلك. فكل منحن لشيء تعظيما له فهو"ساجد". ومنه قول الشاعر: [[هو زيد الخيل بن مهلهل الطائي، الفارس المشهور.]]

بجَمْع تضل البُلْقُ في حَجَراته ... ترى الأكْم منه سجدا للحوافر [[سيأتي بعد في هذا الجزء ١: ٢٨٩ (بولاق) ، والكامل ١: ٢٥٨، والمعاني الكبير: ٨٩٠، والأضداد لابن الأنباري: ٢٥٦، وحماسة ابن الشجري: ١٩، ومجموعة المعاني: ١٩٢، وغيرها. والباء في قوله "بجمع" متعلقة ببيت سالف هو: بَنِي عَامِرٍ، هَلْ تَعْرِفُونَ إِذَا غَدَا ... أَبُو مِكْنَفٍ قَدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوَابِرِ؟

والبلق جمع أبلق وبلقاء: الفرس يرتفع تحجيلها إلى الفخذين. والحجرات جمع حجرة (بفتح فسكون) : الناحية. والأكم (بضم فسكون، وأصلها بضمتين) جمع إكام، جمع أكمة: وهي تل يكون أشد ارتفاعا مما حوله، دون الجبل، غليظ فيه حجارة. قال ابن قتيبة في المعاني الكبير: "يقول: إذا ضلت البلق فيه مع شهرتها فلم تعرف، فغيرها أحرى أن يضل. يصف كثرة الجيش، ويريد أن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر". وفي المطبوعة هنا "فيه" والجيد ما أثبته، والضمير في "منه" للجيش أو الجمع.]] يعني بقوله:"سجدا" خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بني قيس بن ثعلبة:

يراوح من صلوات المليك ... طورا سجودا وطورا جؤارا [[ديوانه: ٤١، وسيأتي في ١٨: ٢٨ (بولاق) ، ومعه بيت آخر في ١٤: ٨٢ (بولاق) راوح يراوح مراوحة: عمل عملين في عمل، يعمل ذامرة وذا مرة، قال لبيد يصف فرسا. وولّى عامدا لِطِيات فَلْج ... يراوح بين صون وابتذال

وقوله: "من صلوات""من" هنا لبيان الجنس، مثل قوله تعالى: يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق". وحذف"بين" التي تقتضيها"يراوح"، لدلالة ما يأتي عليها، وهو قوله: "طورا. . وطورا". والجؤار: رفع الصوت بالدعاء مع تضرع واستغاثة وجزع. جأر إلى ربه يجأر جؤارا.]]

فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سجدا﴾ ركعا، لأن الراكع منحن، وإن كان الساجد أشد انحناء منه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾

وتأويل قوله: ﴿حطة﴾ ، فعلة، من قول القائل:"حط الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة"، بمنزلة الردة والحِدة والمِدة من حددت ومددت.

* *

واختلف أهل التأويل في تأويله. فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك.

ذكر من قال ذلك: [[في المطبوعة: "ذلك منهم" بالزيادة.]]

١٠٠٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر: ﴿وقولوا حطة﴾ ، قال قال: الحسن وقتادة: أي احطُط عنا خطايانا.

١٠١٠ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (وقولوا حطة) ، يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئتكم. [[في المطبوعة: "وخطاياكم".]]

١٠١١ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿قولوا حطة﴾ قال: يحط عنكم خطاياكم.

١٠١٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: ﴿حطة﴾ ، مغفرة.

١٠١١٣ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿حطة﴾ ، قال: يحط عنكم خطاياكم.

١٠١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج، عن ابن جريج قال، قال لي عطاء في قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ ، قال: سمعنا أنه: يحط عنهم خطاياهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا"لا إله إلا الله"، كأنهم وجهوا تأويله: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم، وهو قول لا إله إلا الله.

ذكر من قال ذلك:

١٠١٥ - حدثني المثنى بن إبراهيم وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قالا أخبرنا حفص بن عمر، قال حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿وقولوا حطة﴾ ، قال: قولوا،"لا إله إلا الله".

* *

وقال آخرون بمثل معنى قول عكرمة، إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقيله: الاستغفار.

ذكر من قال ذلك:

١٠١٦ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وقولوا حطة﴾ قال: أمروا أن يستغفروا.

* *

وقال آخرون نظير قول عكرمة، إلا أنهم قالوا: القول الذي أمروا أن يقولوه، هو أن يقولوا: هذا الأمر حق كما قيل لكم.

ذكر من قال ذلك:

١٠١٧ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ ، قال: قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم.

* *

واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت "الحطة".

فقال بعض نحويي البصرة: رفعت"الحطة" بمعنى"قولوا" ليكن منك حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل: سَمْعُك.

وقال آخرون منهم: هي كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض عليهم قيلها كذلك.

وقال بعض نحويي الكوفيين: رفعت"الحطة" بضمير"هذه"، كأنه قال: وقولوا:"هذه" حطة. [[الضمير: المضمر أو الإضمار، كما سلف في ١: ٤٢٧ تعليق: ١، وقد رأينا أيضًا في كلام نقله الشريف المرتضى في أماليه ١: ٣٣٤ عن أبي بكر بن الأنباري قال: "كاد، لا تضمر، ولابد من أن يكون منطوقا بها، ولو جاز ضميرها لجاز: قام عبد الله، بمعنى كاد عبد الله يقوم. . . "، وهي هنا بمعنى الإضمار لا شك. وسيأتي في الفقرة التالية أيضًا، بمعنى المضمر.]]

وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة، فتكون"حطة" حينئذ خبرا لـ "ما".

* *

قال أبو جعفر: والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب، وأشبه بظاهر الكتاب: أن يكون رفع"حطة" بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] ، [[قراءتنا: "معذرة" بالنصب في مصاحفنا. وقد ذكر الطبري في تفسير الآية ٩: ٦٣ (بولاق) أن الرفع قراءة عامة قراء الحجاز والكوفة والبصرة، وقرأ بعض أهل الكوفة"معذرة" بالنصب]] يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم. فكذلك عندي تأويل قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ ، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا. وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد، الذي ذكرناه آنفا.

[[من هنا أول جزء في التجزئة القديمة التي نقل عنها كاتب مخطوطتنا. وأولها: بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر برحمتك]] قال أبوجعفر: وأما على تأويل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في"حطة"، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا:"لا إله إلا الله"، أو أن يقولوا:"نستغفر الله"، فقد قيل لهم: قولوا هذا القول، ف"قولوا" واقع حينئذ على"الحطة"، لأن"الحطة" على قول عكرمة - هي قول"لا إله إلا الله"، وإذا كانت هي قول"لا إله إلا الله"، فالقول عليها واقع، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير فقال له:"قل خيرا" نصبا، ولم يكن صوابا أن يقول له:"قل خير"، إلا على استكراه شديد.

وفي إجماع القَرَأَةِ على رفع"الحطة" [[في المطبوعة"القراء"، كما جرت عليه في كل ما مضى]] بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ . وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وقولوا حطة﴾ ، [[انظر رقم: ١٠١٠ فيما سلف.]] أن تكون القراءة في"حطة" نصبا. لأن من شأن العرب -إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال، وحذفوا الأفعال- أن ينصبوا المصادر. كما قال الشاعر: [[هو الفرزدق]]

أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم ... على أمهات الهام ضربا شآميا [[ديوانه: ٨٩٠ في قصيدة يمدح فيها يزيد عبد الملك، ويذكر إيقاعه بيزيد بن المهلب في سنة ١٠٢ (انظر خبره في تاريخ الطبري ٨: ١٥١ - ١٦٠) . ورواية ديوانه.

"أناخوا بأيدى طاعة، وسيوفهم" قوله:"أناخوا"، أي ذلوا وخضعوا، أو صرعوا فماتوا، كأنهم إبل أناخت واستقرت. وقوله:"أيدي طاعة"، أي أهل طاعة.]]

وكقول القائل للرجل:"سمعا وطاعة" بمعنى: أسمع سمعا وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: ﴿معاذ الله﴾ [يوسف: ٢٣] بمعنى: نعوذ بالله.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾

يعني بقوله: ﴿نغفر لكم﴾ نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم، ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها.

* *

وأصل "الغفر" التغطية والستر، فكل ساتر شيئا فهو غافره. ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جُنة للرأس"مغفر"، لأنها تغطي الرأس وتجنه. ومثله"غمد السيف"، وهو ما تغمده فواراه. [[في المطبوعة "ومنه غمد السيف"، وهذا يجعل الكلام مضطربا مقحما، فرجح عندي أن تكون"ومنه"، و"مثله" لأنه فسر"نغفر" بقوله"نتغمد". وفي المطبوعة:" ما يغمده فيواريه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] ولذلك قيل لزئبر الثوب: "غفرة"، لتغطيته الثوب، [[في المطبوعة:"غفر". والغفر جمع غفرة، وزئبر الثوب: هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه، كالذي يعلو القطيفة والخز، ويسمونه"درز الثوب" أيضًا. وفي المطبوعة:"لتغطيته العورة.. والنظر إليها"، وهي عبارة غريبة فاسدة، والذي في المخطوطة"لتغطيته الثوب" كما أثبتناها، يعني الزئبر كما وصفنا. ويقال غفر الثوب: إذا أثار زئبره، يكون كالمنتفش على وجه الثوب. هذا، وقد انتهت المخطوطة التي اعتمدنا عند قوله:"لتغطية الثوب". ويأتي بعدها خرم طويل سيستغرق أجزاء برمتها، كما سنبينه في مواضعه.]] وحوله بين الناظر والنظر إليه. ومنه قول أوس بن حجر:

فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا ... وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا [[ديوانه، قصيدة" ٣١. وهذه الرواية جاءت في شرح شواهد المغني: ١٣٧، وأما في سائر الكتب:"إن كان ظالما"، وهي أجود. وقوله:"أجهل" بمعنى جاهل، كما قالوا"أوجل" بمعنى وجل، وأميل بمعنى مائل، وأوحد بمعنى واحد، وغيرها. ورواية صدر البيت على الصواب:"ألا أعتب" كما في المفضليات ٥٩٠ وغيره، أو"وقد أعتب" كما في القرطين ٢: ٦٩. ويروى"ولا أشتم ابن العم". يقول: أبلغ رضاه إذا ظلم او جهل، فأترك له ما لا يحب إلى ما يرضاه.]]

يعني بقوله: وأغفر عنه الجهل: أستر عليه جهله بحلمي عنه.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾

و"الخطايا" جمع"خطية" بغير همز، كما"المطايا" جمع"مطية"، والحشايا جمع حشية. وإنما ترك جمع"الخطايا" بالهمز، لأن ترك الهمز في"خطيئة" أكثر من الهمز، فجمع على"خطايا"، على أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت"الخطايا" مجموعة على"خطيئة" بالهمز: لقيل خطائي على مثل قبيلة وقبائل، وصحيفة وصحائف. وقد تجمع"خطيئة" بالتاء، فيهمز فيقال"خطيئات". و"الخطيئة" فعيلة، من " خَطِئَ الرجل يخطأ خِطْأ "، وذلك إذا عدل عن سبيل الحق. ومنه قول الشاعر: [[هو أمية بن الأسكر (طبقات فحول الشعراء: ١٥٩ - ١٦٠)]]

وإن مُهَاجِرَيْن تَكَنَّفاه ... لعمر الله قد خطئا وخابا [[أمالي القالي ٣: ١٠٩، وكتاب المعمرين: ٦٨ والخزانة ٢: ٤٠٥، ويروى صدره"أتاه مهاجران تكنفاه". وأما عجزه فاختلفت رواياته: "بترك كبيرة خطئا. . " و"ليترك شيخه خطئا. . "، "ففارق شيخه،. . " وكان أمية قد أسن، عمر في الجاهلية عمرا طويلا، وألفاه الإسلام هرما. ثم جاء زمن عمر، فخرج ابنه كلاب غازيا، وتركه هامة اليوم أو غد. فقال أبياتا منها هذا للبيت، فلما سمعها عمر، كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أن رحل كلاب بن أمية بن الأسكر، فرحله. وله مع عمر في هذه الحادثة قصة جيدة (في القالي ١: ١٠٩) .]]

يعني: أضلا الحق وأثما.

* *

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَسَنزيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) ﴾

وتأويل ذلك ما روي لنا عن ابن عباس، وهو ما:-

١٠١٨ - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿وسنزيد المحسنين﴾ ، من كان منكم محسنا زيد في إحسانه، ومن كان مخطئا نغفر له خطيئته.

فتأويل الآية: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية مباحا لكم كل ما فيها من الطيبات، موسعا عليكم بغير حساب؛ وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحط به آثامنا، نتغمد لكم ذنوب المذنب منكم فنسترها عليه، ونحط أوزاره عنه، وسنزيد المحسن منكم - إلى إحساننا السالف عنده - إحسانا. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبيائهم، واستهزائهم برسله، مع عظيم آلاء الله عز وجل عندهم، وعجائب ما أراهم من آياته وعبره، موبخا بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلمهم أنهم إن تعدوا [[سياق الجملة: ". . إن تعدوا. . أن يكونوا"، و"إن" هنا، نافية بمعنى"ما"، كالتي في قوله: "قل إن أدري أقريب ما توعدون"، وقوله: "إن أدري لعله فتنة لكم".]] في تكذيبهم محمدا ﷺ، وجحودهم نبوته، مع عظيم إحسان الله بمبعثه فيهم إليهم، وعجائب ما أظهر على يده من الحجج بين أظهرهم - أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم، وقص علينا أنباءهم في هذه الآيات، فقال جل ثناؤه: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء﴾ الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾

وتأويل قوله: ﴿فبدل﴾ ، فغير. ويعني بقوله: ﴿الذين ظلموا﴾ ، الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله. ويعني بقوله: ﴿قولا غير الذي قيل لهم﴾ ، بدلوا قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه. وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم. وكان تبديلهم - بالقول الذي أمروا أن يقولوا - قولا غيره، [[قوله: "قولا" مفعول"تبديلهم". وأما خبر"كان" فهو قوله: "ما حدثنا به الحسن. . . ".]] ما:-

١٠١٩ - حدثنا به الحسن بن يحيي قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: قال الله لبني إسرائيل:"ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم"، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاهم، وقالوا: حبة في شعيرة. [[الحديث: ١٠١٩ - رواه أحمد في المسند: ٨٢١٣ (ج ٢ ص ٣١٨ حلبي) ، عن عبد الرزاق، بهذا الإسناد، ولكن بلفظ"حبة في شعرة". وكذلك رواه البخاري ٦: ٣١٢، و٨: ٢٢٨- ٢٢٩ (فتح الباري) ، من طريق عبد الرازق. وذكر الحافظ (٨: ٢٢٩) أن لفظ "شعرة" رواية أكثر رواة البخاري، وأن رواية الكشميهني"شعيرة". وذكره ابن كثير ١: ١٨٠، ونسبه أيضًا لمسلم والترمذي، من رواية عبد الرزاق.]]

١٠٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد قالا حدثنا محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:-

١٠٢١ - وحدثت عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: دخلوا الباب - الذي أمروا أن يدخلوا منه سجدا - يزحفون على أستاههم، يقولون: حنطة في شعيرة. [[الحديث: ١٠٢٠، ١٠٢١ - هو الحديث السابق، ولكن رواه الطبري هنا بإسنادين. أحدهما صحيح متصل، والآخر ضعيف فيه راو مبهم بين ابن إسحاق ومحمد ابن أبي محمد.

صالح بن كيسان المدني: تابعي ثقة. وصالح مولى التوأمة: هو ابن نبهان، وهو ثقة أيضًا، إلا أنه تغير بأخرة، فمن روى عنه قديما فحديثه صحيح. وصالح بن كيسان قديم، وهو بلديه، فالراجح أن يكون ممن سمع منه قبل تغيره.]]

١٠٢٢ - وحدثني محمد بن عبد الله المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿حطة﴾ ، قال: بدلوا فقالوا: حبة. [[الحديث: ١٠٢٢ - هو مختصر من الحديث: ١٠١٩. وقد رواه أحمد في المسند: ٨٠٩٥ (ج ٢ ص ٣١٢ حلبي) عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، بهذا الإسناد، مطولا. وكذلك رواه البخاري ٨: ١٢٥ (فتح الباري) ، مطولا، من طريق عبد الرحمن بن مهدي. عن ابن المبارك.]]

١٠٢٣ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود، عن عبد الله: ﴿ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فأنزل الله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

١٠٢٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ قال: ركوعا - من باب صغير، فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم ويقولون: حنطة. فذلك قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

١٠٢٥ - حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس قال: أمروا أن يدخلوا ركعا ويقولوا: حطة. قال أمروا أن يستغفروا، قال: فجعلوا يدخلون من قبل أستاههم من باب صغير ويقولون: حنطة - يستهزئون. فذلك قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

١٠٢٦ - حدثنا الحسن بن يحيي قال، أنبأنا عبد الرازق قال، أنبأنا معمر، عن قتادة والحسن: ﴿ادخلوا الباب سجدا﴾ قالا دخلوها على غير الجهة التي أمروا بها، فدخلوها متزحفين على أوراكهم، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فقالوا حبة في شعيرة.

١٠٢٧ - حدثني محمد بن عمرو الباهلي. قال، حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا: حطة، وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة. [[الأثر: ١٠٢٧. سيأتي تمامه في رقم: ١١١٦.]]

١٠٢٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا المسجد ويقولوا: حطة. وطؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم، فلم يسجدوا ودخلوا على أستاهم إلى الجبل -وهو الجبل الذي تجلى له ربه- وقالوا: حنطة. فذلك التبديل الذ قال الله عز وجل: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ . [[الأثر: ١٠٢٨ - انظر ما سيأتي رقم: ١١١٧، فهو منه.]]

١٠٢٩ - حدثني موسى بن هارون الهمداني [قال، حدثني عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة الهمداني] ،عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا:" هطى سمقا يا ازبة هزبا"، وهو بالعربية: حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعيرة سوداء. فذلك قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

١٠٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ قال: فدخلوا على أستاهم مقنعي رءوسهم.

١٠٣١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي عن النضر بن عدي، عن عكرمة: ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ فدخلوا مقنعي رءوسهم - ﴿وقولوا حطة﴾ فقالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فذلك قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

١٠٣٢ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ ، قال: فكان سجود أحدهم على خده. و ﴿قولوا حطة﴾ نحط عنكم خطاياكم، فقالوا: حنطة. وقال بعضهم: حبة في شعيرة، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم.

١٠٣٣ - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ يحط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال: فاستهزءوا به - يعني بموسى - وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا، حطة حطة!! أي شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة.

١٠٣٤ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، وقال ابن عباس: لما دخلوا قالوا: حبة في شعيرة.

١٠٣٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي سعد بن محمد بن الحسن قال، أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما دخلوا الباب قالوا: حبة في شعيرة،"فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم".

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَنزلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾

يعني بقوله: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾ ، = على الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، من تبديلهم القول - الذي أمرهم الله جل وعز أن يقولوه - قولا غيره، ومعصيتهم إياه فيما أمرهم به، وبركوبهم ما قد نهاهم عن ركوبه، = ﴿رجزا من السماء بما كانوا ينسقون﴾ .

* *

و" الرِّجز " في لغة العرب، العذاب، وهو غير " الرُّجز ". [[الرجز (بضم فسكون) ، وهو الذي جاء في قوله تعالى في سورة المدثر: "والرجز فاهجر". وذكر الطبري فرق ما بينهما في ٢٩: ٩٢ (بولاق) فقال: "الرجز بضم الراء. . . الأوثان"]] وذلك أن الرِّجز: البثر، [[البثر: خراج صغار، كالذي يكون من الطاعون والجدري.]] ومنه الخبر الذي روي عن النبي ﷺ في الطاعون أنه قال:"إنه رجز عذب به بعض الأمم الذين قبلكم".

١٠٣٦ - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال:"إن هذا الوجع -أو السقم- رجز عذب له بعض الأمم قبلكم". [[الحديث: ١٠٣٦ - إسناده صحيح. وقد ذكره ابن كثير ١: ١٨٢، وقال: "وهذا الحديث أصله مخرج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر - عن عامر بن سعد، بنحوه". ورواه أحمد في المسند، من طريق الزهري (٥: ٢٠٧ - ٢٠٨ حلبي) . ورواية أيضًا (٥: ٢٠٩) ، من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد، عن أسامة بن زيد، مطولا.]]

١٠٣٧ - وحدثني أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة قال، حدثنا عمر بن حفص قال، حدثنا أبي، عن الشيباني، عن رياح بن عبيدة، عن عامر بن سعد قال: شهدت أسامة بن زيد عند سعد بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: إن الطاعون رجز أنزل على من كان قبلكم - أو على بني إسرائيل. [[الحديث ١٠٣٧ - وهذا إسناد آخر صحيح، للحديث السابق. أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة: هو"إبراهيم بن عبد الله بن محمد"، وهو ثقة، روى عنه أيضًا النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١ /١/ ١١٠. عمر بن حفص بن غياث: ثقة، روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين. أبوه حفص بن غياث: ثقة مأمون، معروف، أخرج له الجماعة. الشيباني: هو أبو إسحاق، سليمان بن أبي سليمان، ثقة حجة. رياح بن عبيدة: هو بكسر الراء وفتح الياء التحتية المخففة، ووقع في المطبوعة"رباح" بالوحدة، وهو تصحيف. و"عبيدة" بفتح العين وكسر الباء الموحدة، ورياح هذا بصري ثقة، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وهو مترجم في التهذيب ٣: ٢٩٩ - ٣٠٠، والكبير للبخاري ٢ / ١ /٣٠٠، وابن أبي حاتم ١ / ٢ /٥١١، والمشتبه للذهبي، ص: ٢١٢. وهو غير"رياح بن عبيدة السلمى الكوفي"، فرق بينهما المزى في التهذيب. والذهبي في المشتبه. وأنكر الحافظ ابن حجر ذلك على المزى، ولكنه تبع الذهبي في تبصير المنتبه، ولم يعقب عليه، وهو الصواب، إن شاء الله.]]

* *

وبمثل الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٠٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿رجزا﴾ ، قال: عذابا.

١٠٣٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء﴾ ، قال: الرجز، الغضب.

١٠٤٠ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما قيل لبني إسرائيل: - ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم - بعث الله جل وعز عليهم الطاعون، فلم يبق منهم أحدا. وقرأ: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون﴾ ، قال: وبقي الأبناء = ففيهم الفضل والعبادة -التي توصف في بني إسرائيل- والخير = وهلك الأباء كلهم، أهلكهم الطاعون.

١٠٤١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: االرِّجز العذاب. وكل شيء في القرآن" رِجز "، فهو عذاب.

١٠٤٢ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿رجزا﴾ ، قال: كل شيء في كتاب الله من " الرِّجز " يعني به العذاب.

* *

وقد دللنا على أن تأويل " الرِّجز" العذاب. وعذاب الله جل ثناؤه أصناف مختلفة. وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء. وجائز أن يكون ذلك طاعونا، وجائز أن يكون غيره. ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن الرسول ثابت، [[انظر تفسير قوله"ظاهر القرآن" فيما مضى: ٢: ١٥ والمراجع.]] أي أصناف ذلك كان.

فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل: فأنزلنا عليهم رجزا من السماء بفسقهم.

غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد، للخبر الذي ذكرت عن رسول الله ﷺ في إخباره عن الطاعون أنه رجز، وأنه عذب به قوم قبلنا. وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقينا، لأن الخبر عن رسول الله ﷺ لا بيان فيه أي أمة عذبت بذلك. وقد يجوز أن يكون الذين عذبوا به، كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) ﴾

وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى"الفسق"، الخروج من الشيء. [[انظر ما سلف ١: ٤٠٩ - ٤١٠، وقد ذكر الآية هناك في أثر عن ابن عباس، فيه: "أي بما بعدوا عن امري"، (ص ٤١٠) .]]

فتأويل قوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ إذا: بما كانوا يتركون طاعة الله عز وجل، فيخرجون عنها إلى معصيته وخلاف أمره.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾

يعني بقوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ ، وإذ استسقانا موسى لقومه، أي سألنا أن نسقي قومه ماء. فترك ذكر المسئول ذلك، والمعنى الذي سأل موسى، [[قوله" والمعنى الذي سأل موسى"، يعني"والشيء" وهو الماء]] إذْ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك.

وكذلك قوله: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ ، مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه. وذلك أن معنى الكلام: فقلنا اضرب بعصاك الحجر، فضربه، فانفجرت. فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه.

وكذلك قوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ ، إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم. فترك ذكر"منهم" لدلالة الكلام عليه.

* *

وقد دللنا فيما مضى على أن"أناس" جمع لا واحد له من لفظه، [[في المطبوعة: "ان الناس جمع لا واحد له"، وقد مضى ذلك، ولكنه هنا أراد"أناس"، المذكور في الآية، وهو أيضًا جمع لا واحد له من لفظه، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس]] وأن"الإنسان" لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ وأناسية. [[انظر ما سلف ١: ٢٦٨.]]

* *

وقوم موسى هم بنو إسرائيل، الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات. وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه، كما:-

١٠٤٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ الآية قال، كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه. فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم.

١٠٤٤ - حدثني تميم بن المنتصرقال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ذلك في التيه؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ، وجُعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين؛ ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول. [[المنقلة: المرحلة من مراحل السفر، والجمع مناقل.]] .

١٠٤٥ - حدثني عبد الكريم قال، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذلك في التيه. ضرب لهم موسى الحجر، فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها.

١٠٤٦ - وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ لكل سبط منهم عين. كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا.

١٠٤٧ - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه﴾ ، قال: خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا، ضربه موسى. قال ابن جريج: قال ابن عباس:"الأسباط" بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس. [[في المطبوعة: "ولد سبطا وأمة من الناس"، والصواب حذف واو العطف فإن قوله "أمة من الناس" تفسير قوله"سبطا".]]

١٠٤٨ - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: استسقى لهم موسى في التيه، فسقوا في حجر مثل رأس الشاة، قال: يلقونه في جوانب الجوالَق إذا ارتحلوا، [[الجوالق: وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر، تحمل فيه الأطعمة، وهو الذي نسميه في بلادنا"الشوال" محرفة من"الجوالق".]] ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، فكان بنو إسرائيل يشربون منه، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون، وقيل به فألقى في جانب الجوالق [["قيل به" مبني للمجهول من"قال به". وقال بالشيء: رفعه أو حمله. والعرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان. يقولون: قال برجله: إذا بدأ يتقدم ومشى، أو إذا أشار بها للركل. ويقولون: قال بالماء على يده أي قلبه وصبه. وما أشبه ذلك. وقد مضى مثل ذلك آنفًا ص ٥٤ تعليق: ٣، ص: ٦٤ تعليق: ٤.]] . فإذا نزل رمى به، فقرعه بالعصا، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.

١٠٤٩ - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثني أسباط، عن السدي قال: كان ذلك في التيه.

* *

وأما قوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ ، فإنما أخبر الله عنهم بذلك. لأن معناهم -في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر، الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته- [[سياق الجملة "لأن معناهم. . من الشرب، كالذي مخالفا معاني"، وفصل كعادته فيما بينا مرارا. يعني لأن شربهم كان مخالفا شرب سائر الناس. .]] من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل. وذلك أن الله كان جعل لكل سبط من الأسباط الاثني عشر، عينا من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية، يشرب منها دون سائر الأسباط غيره، لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره. وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة، موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه. فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس. إذ كان غيرهم -في الماء الذي لا يملكه أحد- شركاء في منابعه ومسايله. وكان كل سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر - دون سائر منابعه - خاص لهم دون سائر الأسباط غيرهم. فلذلك خصوا بالخبر عنهم: أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾

وهذا أيضا مما استغني بذكر ما هو ظاهر منه، عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويل الكلام: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾ ، فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، قد علم كل أناس مشربهم، فقيل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله. أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المن والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور، [[الحجر المتعاور: الحجر المتبادل، ينقل من يد إلى يد. من تعاوروا الشيء: إذا تبادلوه، ولا يتعاور شيء حتى يكون منقولا، أما الثابت فلا يتعاوره الناس ولا يتبادلونه.]] الذي لا قرار له في الأرض، ولا سبيل إليه [إلا] لمالكيه، [[في المطبوعة: "لا سبيل إليه لمالكيه"، وهو كلام بلا معنى. والصواب ما أثبتناه بزيادة"إلا" ويدل على صواب ذلك ما مضى منذ قليل في تفسير ما سبق من الآية.]] يتدفق بعيون الماء، ويزخر بينابيع العذب الفرات، بقدرة ذي الجلال والإكرام.

ثم تقدم جل ذكره إليهم [[تقدم إليه بكذا: إذا أمره.]] - مع إباحتهم ما أباح، وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء - بالنهي عن السعي في الأرض فسادا، والعَثَا فيها استكبارا، فقال جل ثناؤه لهم: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ .

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) ﴾

يعني بقوله: ﴿لا تعثوا﴾ لا تطغوا، ولا تسعوا في الأرض مفسدين. كما:-

١٠٥٠ - حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، يقول: لا تسعوا في الأرض فسادا.

١٠٥١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ لا تعث: لا تطغ.

١٠٥٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، أي لا تسيروا في الأرض مفسدين.

١٠٥٣ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ، لا تسعوا في الأرض.

وأصل " العَثَا " شدة الإفساد، بل هو أشد الإفساد. [[العثا: مصدر: عثى يعثى، كرضى يرضى، وهي لغة الحجاز. ولم أجد هذا المصدر إلا في تاج العروس. ولست أعلم أهو بفتح العين ام بكسرها. ولكني أستظهر أن يكون فتح العين هو الأرجح.]] يقال منه: عَثِيَ فلان في الأرض" -إذا تجاوز في الإفساد إلى غايته-"يعثى عثا" مقصور، وللجماعة: هم يعثون. وفيه لغتان أخريان، إحداهما: "عثا يعثو عُثُوّا ". ومن قرأها بهذه اللغة، فإنه ينبغي له أن يضم الثاء من"يعثو"، ولا أعلم قارئا يقتدى بقراءته قرأ به. [["القراءة سنة، ولا يقرأ بما قرأ به القراء". لسان العرب (عثى) .]] ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال:"عثوت أعثو"، ومن نطق باللغة الأولى قال: عَثِيت أَعْثَى".

والأخرى منهما:"عاث يعيث عيثا وعيوثا وعيثانا، كل ذلك بمعنى واحد. ومن"العيث" قول رؤبة بن العجاج:

وعاث فينا مستحل عائث: ... مُصَدِّق أو تاجر مقاعث [[ديوانه" ٣٠. مستحل: قد استحل أموالهم واستباحها. والمصدق: هو العامل الذي يقبض زكاة أموال الناس، وهو وكيل الفقراء في القبض، وله أن يتصرف لهم بما يؤديه إليه اجتهاده، فربما جار إذا لم يكن من أهل الورع. قعث الشيء يقعثه: استأصله واستوعبه. وقعثه فانقعث: إذا قلعه من أصله فانقلع. ولم تذكر معاجم اللغة: " قاعث فهو مقاعث"، ولكنه لما أراد أن التاجر يأتي بظلمه وجوره وإغلائه السعر، فيستأصل أموال الناس ويقتلعها، والناس يدافعونه عن أموالهم - اشتق له من المفاعلة التي تكون بين اثنين: "قاعث فهو مقاعث"، أي يحاول استئصال أموال الناس، والناس يدافعونه عن أموالهم.]]

يعني بقوله:"عاث فينا"، أفسد فينا.

Source. Tafsir al-Tabari, Tabari — classical public-domain work. Digital text from the spa5k/tafsir_api archive (jsDelivr) · source: https://qul.tarteel.ai/resources/tafsir/37. Published with attribution; authorship belongs to the mufassir.

Prepared & published by John Shaqi · johnshaqi.com